← Сира

Сира · id 9802

دراسة في السيرة

عماد الدين خليل

Полный текст (333 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أعرب عن بداهته المثيرة للإعجاب في حل المشاكل التي تلعب فيها المعتقدات والقيم والمقدسات دورا كبيرا.. وخلال هذا وذاك يتزوج الرسول ﷺ فيمارس في أعقاب زواجه ذاك، كبرى التجارب الاجتماعية في حياة الإنسان، وينجح في التجربة، ومن وراء نجاحه ذاك تقف السيدة البرّة التي وضعها الله في طريق رسوله لكي تكون سنده النفسي Caetani:Op.cit ;١ -١٣٨ Sprenger:die lehre

стр. 37

السنين الطويلة ولا يكاد يرسم سوى خطوط عريضة عن طفولة وشباب الرجل الذي قدّر له أن يعيد صياغة الحياة الدنيا بما ينسجم ونواميس الكون.. وتلك هي الصعوبة الكبرى في تاريخ الرجال الكبار في حياة البشرية. إن اهتمام الناس بأبطالهم يقتفي أثر النواميس الطبيعية ذاتها، فحيثما تجمعت الأضواء في جانب حيثما زادت الظلال المجاورة عتمة وخفاء.. وما أن يبرز البطل فجأة على مسرح الأحداث حتى تسلط عليه الأضواء فلا يتبقى من سيرته أية مساحة غير معرضة للإنارة والتلوين.. لكنه قبل أن يظهر.. قبل أن يجيء من وراء الكواليس، يحيطه الغموض، ويصعب على الناظرين تمييز جل مساحات حياته مهما امتدت سنوّ هذه الحياة.. إن أربعين سنة من حياة رسولنا العظيم ﷺ هي الأرضية التي أقيمت عليها نبوته الشامخة.. ترى ما الذي قدمته لنا الروايات عن أمداء هذه الأرضية؟ .. النسب الأصيل لأمه وأبيه في بيئة (ترفض) الهجناء والمختلطين.. اليتم السريع للأب والأم ولما يتجاوز المولود عهد طفولته.. الفقر والحرمان في صحراء تزيد نار الفقر والحرمان اشتعالا.. رحلتان بعيدتان إلى الشام إحداهما صبيا برفقة عمه أبي طالب والآخرى شابا مسؤولا عن تجارة للسيدة خديجة.. الإسهام الحريص في عدد من الأحداث المهمة التي شهدتها مكة: حرب الفجار، حلف الفضول، بناء الكعبة.. الزواج بالسيدة خديجة بعد عودته من رحلته الثانية إلى الشام.. الرفض الحاسم لقيم الوثنية وعاداتها وأخلاقياتها وتقاليدها.. ثم فترات من العزلة والتأمل في غار حراء بعيدا عن صخب مكة وضجيجها. وبين هذه الأحداث المرئية الأبعاد جميعا لمحات غير مرئية الأبعاد، ذات دلالة عميقة، أكدتها الروايات والأسانيد، جاءت بمثابة إرهاصات أولية عن أن هذا الإنسان سيلعب دوره في القضية الكبرى في تاريخ البشرية، قضية الحوار المفتوح بين السماء والأرض.. الخير العميم الذي راح يتدفق في مضارب مرضعته حليمة بعد إعسار وجفاف، شق صدره واستخراح علقة سوداء من قلبه قبل أن يتفتح وعيه على الحياة.. إشارات أولى عن نبوته تصدر عن الراهب (بحيرى) على تخوم الشام.. ولن نذكر هنا أية واقعة أخرى لعب الخيال الشعبي والإسرائيلي دورا بارزا فيها. تلك هي النقاط الأساسية التي لم يتمكن (باحث) لحدّ الآن أن يعثر على ما

стр. 38

يفوقها أهمية أو ما يضيف إليها حقائق أخرى، ولن نلقي اللوم على رواتنا ومؤرخينا فتلك هي كما قلنا طبيعة التاريخ، فالأبطال- أنبياء وغير أنبياء- يظلون مجهولين يتحركون في مناطق الظلال لكي ما يلبثوا أن ينتقلوا فجأة لأداء أدوارهم حيث تسلط الأضواء.. ولنا أن نحمد الله سبحانه على أن هيأ لنا هذا القليل عن هذه المرحلة الطويلة الأساسية من حياة الرسول ﷺ . فهذه القلة- على ندرتها- يمكن أن تقدم لنا الكثير إذا ما استنطقناها بالأسلوب العلمي الهادىء الرصين، بعيدا عن ضجيج النزعات الخطابية والإنشائية والتهويلية. إن البطل في التاريخ، نبيا أو غير نبي، لكي يلعب دوره الحاسم، لا بدّ أن يستكمل شرطين أساسيين أحدهما يتعلق بتكوينه الذاتي الخاص، والآخر بالعالم الذي يضطرب فيه عبر دوائره التي تبدأ بعلاقاته الضيقة ثم تتسع عبر الإقليم والوطن والجماعة والشعب والأمة، لكي تشمل العالم كله.. ومن ثم فإن أي حوار ينفتح بين الإنسان والعالم سوف لن يبعث أبطالا إن لم يكن كلا القطبين مهيأ لإنجاح ذلك الحوار.. وهكذا فإن أية دراسة عن حياة رسولنا ﷺ قبل مبعثه وبعده، سوف لن تتوغل في فهم هذه الحياة، توغلا كافيا، إن لم تضع في حسبانها هذين الطرفين، وتتمعن فيهما عن كثب بقدر ما تسعفها الوقائع والأحداث. فأما ما يتعلق بالجانب الذاتي لسيرة الرسول ﷺ قبل البعثة فيبدو أن الظروف (البيئية) و (الوراثية) التي تسهم معا في تكوين الإنسان وتمنحه صفاته الخلقية والخلقية، وتصوغ بنيانه الجسدي والنفسي، وتحدد قدراته العقلية واستجاباته العاطفية قد اجتمعت لكي تجعل من محمد ﷺ الإنسان المهيّأ لتحمل المسؤولية التي أنيطت به بعد أربعين سنة من ميلاده.. أربعة عقود في حياة الإنسان المحدودة، تمثل امتدادا زمنيا طويلا أريد به أن يستكمل محمد الإنسان كل مساحات تكوينه الذاتي ونضجه البشري قبل أن يتاح له أول لقاء مع الوحي الأمين، وما أصعب اللقاء الأول بين ممثلي السماء والأرض، وما أشق الحوار!! طيلة هذه العقود الأربعة ومحمد ﷺ يأخذ ويتلقى ويجابه ويهضم ويتمثل شتى المؤثرات الوراثية والبيئية لكي يحولها إلى خلايا تبني كيانه وسمات مادية وروحية تهيئة لليوم العظيم. فعن (أصالة) أبيه وأمه أخذ الرسول ﷺ في دمه وأعصابه أصالة الشخصية ووضوحها ونقائها، وكسب على المستوى الاجتماعي

стр. 39

احتراما وتقديرا في بيئة كانت تستهجن مجهولي الأنساب وتحتقر الخلطاء. ومن مرارة اليتم ووحشة العزلة وانقطاع معين العطف والحنان، قبس الرسول ﷺ الصلابة والاستقلال والقدرة على التحمل، والإرادة النافذة، والتحدي الذي لا تنكسر له قناة. وبالفقر والحرمان تربى ونما بعيدا عن ترف الغنى وميوعة الدلال واتكالية الواجدين. وعبر رحلته الأولى إلى الشام في رعاية عمه، فتح محمد ﷺ عينيه ووعيه تجاه العالم الذي يتجاوز حدود الصحراء وسكونها إلى حيث المجتمعات المدنية التي تضطرب نشاطا وقلقا، والجماعات العربية التي فصلتها عن شقيقاتها في الصحراء الأم، سلطات أجنبية أحكمت قبضتها على الأعناق، وساقت الشيوخ والأمراء العرب إلى ما تريد هي وتهوى لا ما يريدون ويهوون. وفي رحلته الثانية إلى الشام، مسؤولا عن تجارة السيدة خديجة، تعلم الرسول الكثير الكثير، عمّق في حسّه معطيات الرحلة الأولى وزاد عليها إدراكا أكثر لما يحدث في أطراف عالمه العربي من علاقات بين الغالب والمغلوب، والسيّد والمسود، وإفادة أغنى من كل ما يتعلمه الذين يرحلون من مكان إلى مكان فيتعلمون من رحيلهم طبائع الجماعات والشعوب، وكنه العلاقات بينها واختلاف البيئات والأوضاع.. ويزدادون مرونة وقدرة على التعامل المنفتح الذي لا ينقطع له خيط مع شتى الطبائع، وفهما لما يتطلبه الإنسان في عصر من العصور بعد اطلاع مباشر على عينات من هذا الإنسان في سعادته وهنائه، أو في تعاسته وشقائه.. وفوق هذا وذاك فقد أتيح للرسول في رحلته هذه تنمية وامتحان قدراته الخاصة التي تعلمها أيام الرعي صبيا، وها هو الآن (يدير) تجارة لسيدة تملك الكثير، فيعرف كيف يحيل القليل كثيرا، ويصمد إزاء إغراء الذهب والفضة أمينا لا تلحق أمانته ذرة من غبار.. قديرا على الارتفاع فوق مستويات الإغراء إلى آخر لحظة. ثم يجيء إسهامه في القضايا الكبرى التي عاشتها مكة آنذاك، متنوعا شاملا مغطيا شتى مساحات العمل البشري الجماعي، وكأنه أريد له أن يجرب كل شيء، أن يسهم عاملا في كل اتجاه، وأن يا بني عبر نشاطاته المتنوعة جميعا شخصية قادرة على التصدي لكل مشكلة، والإسهام الإيجابي الفعال في كل ما من شأنه أن يعيد حقا أو يقيم عدلا.. في حرب الفجار مارس الرسول ﷺ شؤون القتال، وفي حلف الفضول شارك في تجربة السياسة والحكم، وفي بناء الكعبة

стр. 40

أعرب عن بداهته المثيرة للإعجاب في حل المشاكل التي تلعب فيها المعتقدات والقيم والمقدسات دورا كبيرا.. وخلال هذا وذاك يتزوج الرسول ﷺ فيمارس في أعقاب زواجه ذاك، كبرى التجارب الاجتماعية في حياة الإنسان، وينجح في التجربة، ومن وراء نجاحه ذاك تقف السيدة البرّة التي وضعها الله في طريق رسوله لكي تكون سنده النفسي واليقيني الأول في السنين الصعبة الطويلة التي تطيش معها ألباب الثائرين الذين بعثوا لتغيير العالم والانقلاب على الأوضاع والمألوفات. هكذا تبدو حياة رسولنا الكريم قبل مبعثه، سلسلة مترابطة الحلقات، منطقية التعاقب من التجارب والخبرات في شتى المساحات: عائلية ونفسية واقتصادية وحركية وحربية وسياسية ودينية واجتماعية. أما البعد الأخلاقي في حياة الرسول المديدة هذه فيتمثل واضحا نقيا في انسلاخه الحاسم عن كل ممارسات الجاهليين اللاأخلاقية التي كانت تعج بها الحياة العربية في المدينة والصحراء: شربا للخمر واستمراء للزنى ولعبا للميسر وتصعيدا للربا وتهافتا على مال اليتيم ووأدا للبنات وظلما للذين لا يقدرون على ردّ الظلم، واستعبادا محزنا للذين لا يعرفون طعم الحرية.. ممارسات شتى لا يحصيها العدّ، كانت تجري على مسرح الجزيرة العربية، وممثلتها مكة، ليل نهار.. ويغدو من تعاقبها وتكرارها أن تصبح إلفا وعادة، ثم تتجاوز هذا لكي ما تلبث أن تصبح مفاخر ومكرمات يتبارى العرب في الإتيان بالمزيد المزيد منها.. ومحمد ﷺ بعيد عن هذا كله، منسلخ منه.. ولقد منحه موقفه النبيل هذا نظافة وطهرا لم يعرفهما إنسان قط، وعلمه في الوقت نفسه كيف يكون الرفض والتمرد على الوضع الدنيء، الوضع اللا إنساني مهما حمّل هذا الوضع من تبريرات انتقلت به من كونه إثما وفسقا وفجورا إلى مرتبة الإلف والعادة، ثم إلى مصاف القيم والمفاخر والمعتقدات. ولم يبق- ثمة- إلا البعد الروحي- الفكري، وهو أشد الأبعاد ثقلا وخطرا في حياة الإنسان. والروايات القليلة التي تحدثنا عن عزلة الرسول ﷺ بعيدا عن صخب مكة وضجيجها، حينا بعد حين، وعن انقطاعه إلى الصحراء وحيدا، متأملا، باحثا، منقبا، مقلبا وجهه في أمداء السماوات والأرض.. هذه الروايات تكفي لالتقاط الإشارة الأخيرة الحاسمة المتممة للصورة التي علينا أن نعرفها عن حياة الرسول ﷺ قبل مبعثه.

стр. 41

فكما علمه الانشقاق الأخلاقي عن الوضع المكي القدرة على الرفض والتمرد، فقد جاء تغرّبه وعزلته وانقطاعه إمدادا نفسيا باتجاه آخر، لكنه متمم، وبدونه لا يمكن لإنسان ما أن يلعب دوره الحاسم الكبير.. إنه إمداد باتجاه الاندماج والاتصال، بمواجهة رفض الجاهلية والتمرد على قياداتها وأعرافها وسلطاتها.. اندماج بالكون على انفساحه.. بالعالم الجديد الذي جاء لكي ينقل البشرية إليه، بالنواميس التي سيبعث عما قريب كي يجعل الإنسان في كل مكان وزمان يعود إليها وينسجم في مساراتها المعجزة، مغادرا مواضعه المنحرفة الخاطئة التي ساقته إليها زعامات جائرة، وسلطات مستبدة وألوهيات زائفة، وأعراف وبيئات مليئة بالدنس والوحل والخطيئة، واتصال- عبر البحث والقلق والتقلب الطويل- بالسلطة الواحدة التي تشرف على الكون وتحرك الإنسان والخلائق في ساحاته الكبرى وفق خرائط غاية في الدقة والإتقان.. اتصال بالمصدر الوحيد للحيوان والأشياء، بالإرادة التي تنبثق عنها سائر الإرادات وتؤول إليها.. بالله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.. كان محمد ﷺ إذن يستكمل- دون أن يدري- بناءه النفسي واستعداداته التجريبية وخبراته التي بنتها السنون الطويلة والأعمال التي غطت كل المساحات.. كان يضع- بمشيئة الله- اللمسة الأخيرة الحاسمة، للإنسان الذي سيغدو نبيا عما قريب.. إن عزلة رسولنا وانقطاعه، واتساع مساحات هذه العزلة والانقطاع، عكسا إزاء طغيان الجاهلية، وطردا تجاه يوم الوحي، كانت بمثابة الإرهاص الأكبر والأخطر والأخير، في الوقت نفسه، إلى أن موعد القطاف قد حان، وأن هذه الشخصية التي ربتها عناية الله في مدى أربعين سنة، قد غدت على استعداد تام للتلقي، والاتصال المباشر بمبعوث الله في آخر حلقة من حلقات تعاليم السماوات للأرض!! وإزاء هذا الهكيل المرئي من حياة الرسول الكريم ﷺ قبل مبعثه، يقف عدد من الإشارات والأحداث، ملفتا الأنظار في ذلك الحين، وفي كل حين، إلى أن هذا الإنسان من بين كل الناس، قد اختير لأداء دور ما، لإنجاز عمل أو الانقلاب على وضع.. وأن هنالك عناية تفوق كل العنايات واهتماما يتعدى كل الاهتمامات تجاه هذا الإنسان بالذات تمهد له الطريق، وتسهم إسهاما غيبيا يندّ عن التحليل والتعليل في تكوينه النفسي الذي سيمكنه من أن يكون نبيا عما قريب.. وأن هذه

стр. 42

الأحداث الموثوقة التي انتزعناها من بين حشد من الأحداث والروايات الضعيفة والمكذوبة، لهي، فضلا عن كونها أسلوبا من أساليب العناية الإلهية في تربية الأنبياء والشهداء والقديسين، أشبه بالرموز المكثفة والدلالات العميقة على أبعاد الدور الذي سيلعبه هذا الإنسان. إن تدفق الخير على مضارب القبيلة التي احتضنت محمدا طفلا، بعد أيام العسر والمجاعة والجفاف، توحي- فيما توحي- إلى أن مجاعة العالم كله، وجفاف الروح الإنسانية جميعا وعسر الحضارة البشرية في تمخضها الدائم، تنتظر من يعيد توجيهها وصياغتها من جديد فيحيل الجوع شبعا وريا، وجفاف الروح امتلاء وانطلاقا، وعسر الحركة الحضارية تدفقا وإبداعا.. وأن هذا الطفل الذي تفجرت بميلاده ينابيع الخير سيكون هذا الرجل.. وأنه قد آن الأوان ... وهذه الحادثة ستقال مرارا وتكرارا بعد أن يكبر الطفل ويفتح وعيه على الحياة، وستلعب دورها ولا ريب في صياغته النفسية وفي لفت الأنظار إلى تفرده وتميزه، والتمهيد لقبول الدور (الخاص) الذي سيلعبه بعد عدة عقود من السنين. ومن أجل مزيد من لفت النظر والتمهيد تجيء إشارات عدد من اليهود والنصارى إلى أن ظهور النبي الموعود قد حان وأن العصر الراهن بإرهاصاته إنما هو عصر النبوة الجديدة وهي إشارات الأديان السابقة جميعا، وإقرارها بصدق رسالة النبي الأخير التي أكدتها عهودهم القديمة والحديثة على السواء، ومن ثم تلعب دورها- هي الآخرى- في عملية لفت النظر والتمهيد للنبوة الجديدة كي لا تجيء فجأة دونما سوابق من إشارات وأحداث ذات دلالة وإرهاصات، وسواء على المستوى العربي الجاهلي أم على المستوى الديني اليهودي- النصراني، فإن هذه الإشارات قد جاءت وليس ثمة معذر لكل من يقول إن رسالة الرسول تنزلت مفاجأة دون مقدمات ولا تمهيد. وأما حادثة شق الصدر، فهي ولا ريب مما يندّ عن مواضعات علمنا البشري في ميداني النفس والتشريح، لأنها- كأية تجربة أو حدث روحي- لا تخضع لمقاييس العقل والحسّ المحدودة، وكيف يخضع الكليّ المطلق للمقيد المحدود؟! يكفينا أن نلتقط منها رمزا أو دلالة تغطي مساحة ما في صورة الأربعين سنة من حياة محمد. يقول محمد الغزالي «لو كان الشر إفراز غدة في الجسم ينحسم بانحسامها، ولو كان الخير مادة يزود بها القلب كما تزود الطائرة بالوقود

стр. 43

فتستطيع السمو والتحليق، لقلنا: إن ظواهر هذه الآثار مقصودة، ولكن أمر الخير والشر أبعد من ذلك، بل من البديهي أنه بالناحية الروحية في الإنسان ألصق. وإذا اتصل الأمر بالحدود التي يعمل الروح في نطاقها، أو بتعبير آخر، عندما ينتهي البحث إلى ضرورة استكشاف الوسائل التي يسير بها الروح هذا الغلاف المنسوج من اللحم والدم، يصبح البحث لا جدوى منه، لأنه فوق الطاقة. وشيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الآثار، أن بشرا ممتازا كمحمد ﷺ لا تدعه العناية عرضا للوساوس الصغيرة التي تتناوش غيره من سائر الناس. فإذا كانت هناك (موجات) تملأ الآفاق، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها، فقلوب النبيين- بتولي الله لها- لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها، وبذلك يكون جهد المرسلين في متابعة الترقي لا في مقاومة التدني، وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته» «١» . وهذا يكفي.. فما دمنا بصدد تحليل المؤثرات البيئية والوراثية والغيبية في تكوين الرسول ﷺ وتهيئته للرسالة، فإن حادثة شق الصدر تقف في القمة من المؤثرات جميعا، صياغة روحية- مادية لشخصية النبي الإنسان، وتهيئة من لدن العليم بمنسربات النفوس، الخبير بتعقيدات الشخصية البشرية.. لكي يكون هذا الرجل بالذات، ووفق تكوينه الموجّه هذا، قادرا على التقاط إشارة السماء ومقابلة الوحي، وتحمل المسؤولية، نبيا إلى الناس جميعا، صعدا بهم إلى القمم الشامخة التي تنقطع دونها أنفاس الرجال!! وعلى قدر ما تشح الروايات والأحاديث عن حياة الرسول الإنسان قبل مبعثه.. على قدر ما تزيد وتتسع لكي تمنحنا ما فيه الكفاية عن العالم الذي ولد فيه محمد ﷺ ، وذلك أمر معروف أيضا.. إن المدى يتسع هنا لكي يحتوي في دوائره الممتدة شيئا فشيئا، عشائر وقبائل وشعوبا وأمما كانت قد مهدت بممارساتها وتوقعاتها في الوقت نفسه الطريق إلى المولد الجديد.. بالأحرى إن تاريخ العالم كله، في فترة قد تتجاوز الأربعة أو الخمسة قرون، بعد استنفاد النصرانية دورها ومهمتها، هي الساحة التي تهم الباحثين في مجال كهذا، وما أكثر

стр. 44

الروايات والأحاديث والأبحاث عن هذه المساحات الواسعة زمانا ومكانا!! مما لا يتسع بحث خاص بالسيرة لمجرد الإشارة إليه «١» . ومن ثم فإن كل ما يمكن أن يقال، إيجازا وتركيزا لهذا المدى الواسع، هو أن العالم كان قد فسد في القرن الذي ولد فيه الرسول، والإنسان- ثانية- كان قد ضاع.. الإنسان فردا والإنسان في جماعة.. حيثما التفتنا، أنى قلبنا وجوهنا في جهات العالم الأربع فلن نعثر إلا على الفساد والضياع. وابتداء بأعمق أعاميق النفس البشرية وانتهاء بالعالم في مداه الشامل، مرورا بالتجارب والممارسات الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية، لا نجد إلّا السوس ينخر في البنيان، والعفن ينسرب عميقا في ضمائر الأشياء والتجارب والممارسات، لكي ما يلبث السوس والعفن أن يفسدا كل شيء ويدنسا كل حياة. هكذا.. في كل ميدان، وفي أي اتجاه، لا نعثر إلا على الفساد والضياع.. إن العالم الذي بعث فيه محمد عالم في أمسّ الحاجة إلى منقذ، وهو يفسّر بوضعه الراهن ذاك لماذا جاء الرسول في ذلك العصر بالذات.. إن القرآن الكريم، تحدث فيما بعد، عن أبعاد الأزمة البشرية عندما قال: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ «٢» !! لقد جاءت هذه الآية بمثابة إنذار وبشارة في الوقت نفسه، إنذارا إلى أن هذا العفن الذي يغمر العالم إنما هو صنع أبائه أنفسهم، وأنهم يغرقون الآن إلى أذقانهم بما صنعوا!! وبشارة لكل الذين انشقوا على دنس العصر واستعلوا على عفنه وفساده، وآلوا على أنفسهم أن يتحملوا المسؤولية، وأن يسيروا وراء رسولهم بعيدا عن الحفرة التي كان العالم يختنق فيها، من أجل أن (يخرجوا) بالناس، من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله، وتلك هي قمة الحرية التي بعث الرسول لكي يمنحها للإنسان، وغاية الدور الكبير الذي يفسّر مبعث رسولنا ﷺ .

стр. 45

إن مهمة أي دين سماوي شامل هي أن ينقل البشرية من وضع معين إلى وضع أرقى منه وفقا للمهمة التي أنيطت بالإنسان عندما استخلفه الله على الأرض واستعمره فيها ... وعندما انتصف القرن السادس للميلاد كانت جميع الأديان والمذاهب قد عجزت تماما، بما عانت من تمزقات وما استضافته من أجسام وقيم خاطئة غريبة، عن أداء دورها المنشود ... وما كان لها، من ثم، إلا أن تفسح الطريق للقادم الجديد كي يأخذ على عاتقه مهمة القيادة في عملية الإعمار والتحضّر، ولقد كان محمد هذا القادم.. وبعد أربعين سنة من ميلاده تلقى رسالة الإسلام إلى العالم كله فأشار إلى الطريق الواحد لكل من يريد أن يحيا كإنسان استخلفه الله في الأرض وكرّمه على العالمين.. وإلا فإن هنالك ألف طريق!!

стр. 46

الفصل الثاني الدعوة في عصرها المكي [١] أخذت خلوات الرسول ﷺ وانعزاله عن مجرى الحياة المكية الصاحب تزداد وتتسع وهو يقترب من الأربعين حيث أعده الله سبحانه لأول لقاء مع وحيه الأمين من أجل تكليفه مسؤولية النبوة وإخراج الناس- بها- من ظلمات الجاهلية ودنسها إلى نور الإسلام ونقائه. فكان يغادر مكة بين الحين والحين، مجتازا أسوارها الجبلية، منقلا خطواته الثابتة الواسعة عبر رمال الصحراء المترامية حتى تحجب عنه البيوت والأسواق ويغيبه الأفق وتستقبله شعاب مكة وبطون أوديتها ثم يلج بعيدا إلى جبل النور حيث ينتهي به المطاف إلى غار هناك يدعى (غار حراء) ، فيمكث فيه الأيام والأسابيع الطوال لا يعود إلى مكة إلا ريثما يتزود بالطعام والماء ثم يقفل عائدا إلى المكان الذي سيبعث فيه إلى العالم كله. وتذكر الروايات أنه كان يجاور في حراء من كل سنة شهرا فإذا قضى شهره ذاك انصرف إلى الكعبة فطاف بها سبعا ثم عاد إلى بيته «١» . استغرق محمد ﷺ في تفكير عميق مركز، كان يشغله أمدا طويلا، تفكير في حالة قومه وفي أوضاعهم وفي تقربهم من الأوثان، وفي الكون والحياة ومصير الإنسان، والموت وما بعد الموت، وفيما شاكل ذلك من أمور تطوف برأس المفكر المتبصر في هذه الحياة فتصرفه إلى النظر فيها وتبعده عن التفكير في التماس الملذات التي يقع في غرامها الإنسان في هذه السن على المعتاد. كان

стр. 47

الرسول حائرا مفكرا يريد الوصول إلى شيء مقنع له مطمئن يحل له كل هذه الأسئلة والألغاز التي كانت قد تراكمت في فكره وتوالت عليه.. وتقول الأخبار إنه كان منذ صغره يحب الخلوة والانزواء.. حتى بانت عليه، إذ لم يظهر عليه ميل إلى عبث ولهو ولعب وغير ذلك مما يلهي من في سنه ويجعله يمضي وقته بها حتى يبلغ رشده. فعرف بين أهل مكة بالهدوء وبعدم الميل إلى المعاكسة.. كما عرف بالجد وبكراهيته العدوان وإهانة الناس والاستخفاف بهم ليتم وفقر وإملاق، كل ذلك حبه لأهل مكة ولقومه مما جعلهم ينظرون إليه نظرة تختلف عن نظرتهم إلى الآخرين من الشبان والرجال الطائشين النزقين «١» . وراحت ملامح الطريق إلى النبوة تزداد ايحاء ووضوحا وتقترب بمحمد يوما بعد يوم من نداء الله. وتحدثنا عائشة ﵂ أن أول ما بدىء به رسول الله ﷺ من النبوة، حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به، الرؤيا الصادقة، لا يرى رسول الله ﷺ رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح، وحبب الله تعالى إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده «٢» . وفي رمضان من السنة الأربعين من عمره خرج محمد ﷺ كعادته إلى غار حراء متأملا متفكرا مقلبا وجهه في السموات، وفي ليلة اثنين من الليالي الأخيرة من الشهر نفسه جاءه جبريل ﵇ بأمر الله تعالى. ولنستمع إلى رسولنا ﷺ نفسه وهو يحدثنا عن تجربة لقائه الأول الحاسم مع مبعوث الله إلى أنبيائه الكرام: «فجائني جبريل وأنا نائم بخط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارىء. فغتني به «٣» حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارىء. فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ماذا أقرأ؟ فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ماذا أقرأ؟ فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ «٤» فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت

стр. 48

صوتا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل!! فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك. فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك. ثم انصرف عني. وانصرفت راجعا إلى أهلي، حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها «١» فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا أعلى مكة ورجعوا إليّ. ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يا ابن عم واثبت، فو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة!!» «٢» . وعن جابر قال: حدثنا رسول الله ﷺ قال: «جاورت في حراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنودي، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، فلم أر شيئا. فنظرت فإذا أنا به- يعني الملك- بين السماء والأرض، فانطلقت إلى خديجة فقلت: دثروني. فدثروني وصبوا علي ماء فأنزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ «٣» ..» «٤» . وقد رأى بعض الصحابة- فيما سيتلو من أيام- رسولهم ﷺ وقد ظهرت وبدت عليه علائم نزول الوحي، ورأوه وقد نزل عليه الوحي واشتد به، وقد أجمعوا كلهم على أنه كان يعاني في أثنائه شدة وصعوبة، يبقى على ذلك ما شاء الله، فلا يهدأ ولا يذهب عنه الروع إلا بعد انتهاء الوحي، فيجلس عندئذ وقد تصبب عرقا، يجلس ليرتاح ويجفف عرقه، ثم يتلو على من عنده من أصحابه ما وعاه وما حفظه من الوحي. فإذا قصم عنه كان قد وعى كل ما قاله الملك له وحفظه لا يذهب عنه حرف. وقد ورد في سورة طه (المكية) ما يفيد أن

стр. 49

الرسول ﷺ كان يعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليه وحيه وذلك في الآية: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً «١» فحثّ على التثبيت في السماع وعلى ترك الاستعجال في تلقيه وتلقنه. وقد ورد في موضع آخر من القرآن الكريم: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ «٢» . انطلقت خديجة ﵂ إلى ابن عمها ورقة بن نوفل الذي كان قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ فقال ورقة: «قدّوس، قدّوس، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر «٣» الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت» . فرجعت خديجة وأخبرت محمدا بما قاله ورقة، فذهب بنفسه إليه وطلب ورقة منه أن يعيد حديثه، فلما أتمه ﷺ قال ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذّبن ولتؤذين ولتخرجن ولتقاتلن! ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرنّ الله نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقبّل يافوخه. ثم عاد الرسول ﷺ إلى منزله «٤» . كانت خديجة ﵂ أول المؤمنين بدعوة الرسول ﷺ وكان لإيمانها ذاك أثر عميق في معنوية الرسول ﷺ وهو يجابه بالتوحيد شرك العرب جميعا، فكان كلما سمع من معارضيه ردا أو تكذيبا، شكى ما يلقى لزوجته البرّة فتثبته وتخفف عنه وتهوّن عليه أمر الناس. وكان علي ﵁ أول من آمن من الذكور، ولم يتجاوز- بعد- العاشرة من عمره، حيث كان الرسول قد أخذه ليعيله في داره تخفيفا عن أبي طالب الذي لم يكن يملك ما يكفيه وأبناءه جميعا. وكان زيد بن حارثة ثالث من أسلموا، وكان هو الآخر يقطن مع الرسول

стр. 50

صلى الله عليه وسلم في بيته، حيث كانت خديجة قد اختارته من بين عدد من العبيد الغلمان الذين استقدمهم أحد التجار من الشام فرآه الرسول فاستوهبه منها فوهبته له فأعتقه وتبناه قبل مبعثه. أما رابع المسلمين وأول الرجال فهو أبو بكر عتيق بن أبي قحافة الذي ما إن أسلم حتى راح يدعو إلى الله من يثق به محمد، ويتردد عليه ويجلس إليه. وبجهوده ودأبه ومقدرته على الإقناع أسلم قادة الدعوة ورواد الحركة الإسلامية الأولى: عثمان بن عفان، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقاص، طلحة بن عبيد الله، وأعقب هؤلاء النفر التسعة مجموعة أخرى من المسلمين الأوائل وهم: أبو عبيدة بن الجراح، أبو سلمة بن عبد الأسد، الأرقم ابن أبي الأرقم، الذي اتخذ الرسول من داره الواقعة على الصفا مخبأ سريا للحركة الإسلامية، عثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله، عبيدة بن الحارث، سعيد ابن زيد بن عمرو وامرأته فاطمة أخت عمر بن الخطاب، أسماء وعائشة ابنتا أبي بكر، خباب بن الأرت، عمير بن أبي وقاص، عبد الله بن مسعود، مسعود بن القارىء، سليط بن عمرو، عياش بن أبي ربيعة وامرأته أسماء بنت سلامة، خنيس ابن حذافة، عامر بن ربيعة، عبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد، جعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عميس، حاطب بن الحارث وامرأته فاطمة بنت المجلل وأخوه حطاب وامرأته فكيهة بنت يسار، معمر بن الحارث، السائب بن عثمان بن مظعون، المطلب بن أزهر وامرأته رملة بنت أبي العوف، نعيم بن عبد الله، عامر ابن فهيرة، خالد بن سعيد بن العاص وامرأته أمينة بنت خلف، حاطب بن عمرو، أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، واقد بن عبد الله، خالد وعامر وعاقل وأياس بنو البكير بن عبد ياليل، عمار بن ياسر وأبوه وأمه، صهيب بن سنان الرومي «١» . ويلاحظ أن أول من أسلم كان من أحداث الرجال أو من لدات الرسول ﷺ أو ممن لا يكبره في السن كثيرا، أما الشيوخ المسنون فلم يستجيبوا لدعوته استكبارا وأنفة، فللسن عند العرب منزلة.. والعرف أعمق جذورا في نفوس المسنين. وكان من العار على المسن تغيير ما هو عليه وما ورثه عن آبائه وأجداده «٢» ولم يكن عدد المسلمين قد جاوز الأربعين شخصا في هذه الفترة، هم

стр. 51

كل من أسلموا خلال هذه المدة: ثلاث أو أربع سنين، وكل ذخيرة الإسلام وعدته للمستقبل. وهي مدة طويلة كان من الممكن إسلام أضعاف أضعاف هذا العدد لو أن الرسول ﷺ قام بالدعوة فيها جهارا، ولكنه لم يكن يومئذ قد كلّف وجوب الجهر بالإسلام وبالتبليغ إلا لمن وجد في قلبه ميلا للإسلام، ولهذا لم يتجاوز المسلمون يومئذ العدد المذكور القليل بالنسبة لسكان مكة- الذين كانوا عدة آلاف- والكثير في اتحاده وإيمانه وقوة عقيدته وتضحيته في سبيلها «١» . وقد أمر الرسول ﷺ أتباعه بالتزام الحيطة والحذر والتخفي وعدم الإعلان عن الإسلام إلى أن يقضي الله أمره. فكانوا إذا أرادوا الصلاة خرجوا فرادى إلى الشعاب والبرية يصلون على حذر ولهم عيون ترى القادم لتنبيه المصلين عليه فلا يؤخذوا على غرة، ويظهر أمرهم للناس، وقد بقوا على ذلك طوال مدة الاستخفاء «٢» . ويحدثنا ابن هشام كيف أن سعد بن أبي وقاص خرج يوما في نفر من المسلمين الأوائل إلى شعب من شعاب مكة، فإذا بجماعة من المشركين يظهرون عليهم، وهم يصلون فاستنكروا عملهم وعابوا عليهم ما يصنعون، وما لبث الطرفان أن دخلا في شجار عنيف واضطر سعد- يومئذ- أن يجرح رجلا من المشركين، فكان كما يقول ابن هشام «أول دم أهرق في الإسلام» «٣» وكان سعيد ابن زيد يقول: استخفينا بالإسلام سنة، ما نصلي إلا في بيت مغلق أو شعب خال ينظر بعضنا لبعض «٤» . وفي رواية للبلاذري أن النبي وأصحابه كانوا إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشعاب فصلوا، فرادى ومثنى، فبينما رجلان من المسلمين يصليان في إحدى شعاب مكة إذ هجم عليهما رجلان من المشركين «كانا فاحشين» فناقشوهما ورموهما بالحجارة، ساعة، حتى خرجا فانصرفا «٥» . هذان الحادثان من الاعتداء على المسلمين خلال صلاتهم في الشعاب، وأمثالهما وإن بدوا وكأنهما عبث من عبث الصبيان، لكنهما تركا أثرا في نفوس جهال مكة، وحمل الرسول على نصح المسلمين بالتخفي والتزام البيوت مدة من الزمن حتى تستقر الأحوال وتهدأ الأعصاب ودخل هو وجماعة من أصحابه بيت الأرقم بن أبي الأرقم وبقي فيه مختفيا مع جماعته لا يخرج إلى أن أذن الله له

стр. 52

بالخروج. وكان بعض المسلمين الذين بقوا خارج البيت يراجعون دار الأرقم لتلقي أوامر النبي وتنفيذ ما يحتاج إليه. وفي هذه الدار أيضا أسلم بعض المسلمين ... وليس في كتب الأخبار والسير والتواريخ تاريخ مضبوط للوقت الذي استخفى فيه الرسول والمسلمون في دار الأرقم. فالروايات في ذلك مضطربة، ولكن المرجح على ما يبدو من غربلتها أنه كان في أواخر السنة الثالثة من النبوة أو في السنة الرابعة أي في أواخر عهد الكتمان.. والروايات متضاربة في مدة الاستخفاء في دار الأرقم فهناك من يجعل مدتها شهرا فقط «١» ثم إنها متضاربة كذلك في كيفية الاستخفاء هل كان استخفاء تاما من الناس في تلك الدار فلا يخرج منها أحد؟ أو كان استخفاء في أوقات قصيرة من النهار وذلك في أوقات اجتماعهم بالنبي مثلا لأجل الصلاة وتوضيح الإسلام والتبشير به من الله وقبول أحد فيه «٢» ؟ ويؤكد أرنولد أن شدة معارضة قريش (ربما) كانت السبب الذي من أجله اتخذ محمد ﷺ مقره في السنة الرابعة من البعثة في دار الأرقم.. وكانت هذه الدار في مركز متوسط يؤمها الحجيج والغرباء. وقد استطاع الرسول أن يواصل فيها نشر مبادىء الإسلام بين الذين كانوا يقصدونه في هدوء وطمأنينة. وتعد الفترة التي قضاها محمد ﷺ في هذه الدار فترة هامة في الدعاية الإسلامية بمكة حتى أن كثيرا من المسلمين يؤرخون دخولهم في الإسلام بتلك الأيام التي كان الرسول يبث فيها الدعوة بدار الأرقم «٣» . إلا أن سرية الدعوة في هذا العهد وتواصي المسلمين بالحذر والحيطة وتلافي الاصطدام المباشر مع المشركين، لا يعني أن المجابهة العقيدية بين الدين الجديد والشرك كانت صامتة، بل إننا نجدها على أعنف ما تكون في القرآن الكريم نفسه وفي آياته الأولى. ففي سورة العلق حملة عنيفة على أحد زعماء قريش، في وقت لم يكن النبي قد آمن بدعوته- بعد- سوى نفر يعدون على الأصابع، ومن ثم يتبين لنا الموقف العصيب الذي واجهه الرسول ﷺ والجرأة

стр. 53

العظيمة التي واجه بها هذا الموقف بأمر ربه، بما كان يوجهه إلى الزعيم القوي الغني الطاغي: المغيرة بن هشام المخزومي، مما يوحي إليه من آيات فيها الصفعات الداميات والشرر المحرق: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ. ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ. فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ. كَلَّا لا تُطِعْهُ ... «١» . ثم بما كان من تثبيت القرآن له على دعوته وعبادته وثباته فيهما فعلا، تبين لنا العظمة الخلقية والإيمان العميق والجرأة الشديدة في الحق على كل باغ مهما كان قويا عاتيا. ولقد كان هذا دأبه في كل المواقف التالية لهذا الموقف العصيب سواء كانت في الخطوات الأولى أو ما بعدها، وفي هذا سر من أسرار اصطفائه للرسالة العظمى من دون ريب «٢» . [٢] وما لبث الوقت أن حان لإعلان الدعوة، وأصدر الله سبحانه أمره إلى الرسول ﷺ أن (يصدع) بما جاءه منه وأن يتجاوز الطور السري للدعوة الذي استغرق ما يزيد على الثلاث سنوات إلى الجهر والعلن تنفيذا لأمر الله فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «٣» ولقوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٤» وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ «٥» . وقد بدأ الرسول ﷺ الدور الجديد للدعوة بأن صعد إلى الصفا ودعا بني المطلب أن يجتمعوا إليه، فاجتمع إليه منهم حوالي الأربعين، فيهم عدد من أعمامه، وبدأ حديثه معهم: يا بني فلان، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقاطعه أبو لهب ساخرا: تبا لك!! ما جمعتنا إلا لهذا. ثم انصرف بنو عبد المطلب في أعقابه «٦» . ومن الطبيعي أن يبدأ الرسول دعوته العلنية بإنذار عشيرته الأقربين، إذ أن مكة بلد توغلت فيه الروح القبلية، فبدء الدعوة بالعشيرة قد يعين على نصرته

стр. 54

وتأييده وحمايته، كما أن القيام بالدعوة في مكة لا بد أن يكون له أثر خاص لما لهذا البلد من مركز ديني خطير، فجلبها إلى حظيرة الإسلام لا بد وأن يكون له وقع كبير على بقية القبائل.. على أن هذا لا يعني أن رسالة الإسلام كانت في أدوارها الأولى محدودة بقريش، لأن الإسلام كما يتجلى من القرآن اتخذ الدعوة في قريش كخطوة أولى لتحقيق رسالته العالمية. والواقع أن كثيرا من الآيات المكية كانت تنص على أن القرآن ما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ «١» الأمر الذي يدل على أن فكرة الدعوة العالمية كانت قائمة منذ هذا الوقت المبكر «٢» . ما لبث الرسول ﷺ أن جوبه بمعارضة شديدة من قومه، وبإجماع منهم على مقاومته وصدّه، سيما بعد الحملات الشديدة التي راح يشنها على آلهتهم وأصنامهم «٣» ووقف عمه أبو طالب ينافح عنده ضد قريش، فرأى زعماؤها أن يبعثوا إليه وفدا من أشرافهم علهم يقنعونه بوقف ابن أخيه عن المضي في دعوته، أو- على الأقل- بالتخلي عن إسناده وحمايته. والتقى رجالات الوفد بأبي طالب وقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلّي بيننا وبينه. فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه «٤» . مضى الرسول ﷺ في طريقه، يظهر دين الله ويدعو إليه، بينما ظل بعض كبار أصحابه كأبي بكر وسعيد بن زيد وعثمان على سريتهم وكتمانهم، زيادة في الحيطة، أما حمزة وأبو عبيدة وعمر- فيما بعد- فقد راحوا يجهرون «٥» . واشتد العداء بين محمد والوثنية عمقا، وامتلأت صدور المشركين حقدا عليه وهم يرونه يعلن حربه التي لا هوادة فيها ضد قيمهم وآلهتهم، وراحوا يكثرون الحديث في

стр. 55

أمره، ويتامرون ضده، ويحضّ بعضهم بعضا عليه. ثم ارتأوا أن يقابلوا أبا طالب مرة أخرى وقالوا: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك، فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. فبعث أبو طالب إلى ابن أخيه وقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، فابق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق «١» . ظن الرسول ﷺ أن عمه قد ضعف عن نصرته، وأنه ربما خذله وأسلمه لأعدائه فقال: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه» فما كان جواب عمه إلا أن قال: «اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشيء أبدا» «٢» . وعندما أدركت قريش إصرار أبي طالب على حماية ابن أخيه، ساروا إليه ثالثة، ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة، وقالوا: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه واتخذه ولدا، فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك وسفّه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل. فأجابهم أبو طالب: والله لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدا «٣» . ويورد ابن سعد رواية لا نجدها في المصادر الآخرى، ولا ندري مدى صحتها، تشير إلى محاولة مبكرة من زعماء قريش لاغتيال الرسول ﷺ ، وكيف أنهم بعد فشل مفاوضاتهم مع أبي طالب وعجزهم عن إغراء الرسول ﷺ قالوا: «ما خير من أن يغتال محمد» . فلما كان مساء تلك الليلة، فقد الرسول ﷺ ، فبحث عنه أبو طالب فلم يجده فظن أنه قد أصيب بمكروه، فجمع فتيانا من بني هاشم وبني المطلب وأمر كلا منهم أن يحمل حديدة صارمة لقتال زعماء القوم إذا ثبت قتلهم لمحمد ﷺ . إلا أن أبا طالب سرعان ما أبلغ أن محمدا يجلس الآن في داره بالصفا بمنأى عن الشر. وفي اليوم التالي صحب أبو طالب ابن أخيه إلى

стр. 56

أندية القرشيين ومعه فتيان بني هاشم والمطلب، و؟؟ راح يقول لهم: «يا معشر قريش، هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا، فأخبرهم الخبر وقال للفتيان: اكشفوا عما في أيديكم، فكشفوا فإذا كل رجل منهم يحمل حديدة صارمة. فقال: والله لو قتلتموه ما بقيت ومنكم أحدا حتى نتفانى نحن وأنتم. فانكسر القوم، وكان أبو جهل أشدهم انكسارا «١» . ولعل هذه الرواية تفسّر لنا لماذا سكت القرشيون في السنين التالية عن وقف خطر انتشار الدعوة بقتل الرسول، واكتفائهم بفتنة ضعاف المسلمين، وأنهم لم يعودوا إلى اعتماد أسلوب الاغتيال إلا بعد أن حزب الأمر، وامتد نشاط الرسول ﷺ إلى خارج مكة وبدأ المسلمون هجرتهم صوب يثرب لتأسيس دولتهم هناك. أدركت قريش ألا جدوى من أية محاولة تبذل لاستمالة أبي طالب ووقف حمايته للرسول ﷺ ، فقررت أن تدع أسلوب المفاوضة والحوار إلى العنف والقوة، وأن تعلن حربها ضد الدعوة الجديدة والمنتمين إليها، وأن تدفع كل قبيلة منها إلى أن تنقضّ على المسلمين من أبنائها فتعمل فيهم تعذيبا وتفتنهم عن دينهم، فنفذت القبائل تعليمات الزعامة الوثنية وصبّت على رؤوس المسلمين عذابها ومطارداتها وأذاها، وأغرت سفهاءها بالرسول ﷺ فكذبوه وأذوه واتهموه بالسحر والشعر والكهانة والجنون، ومحمد ماض في هجومه على دينهم واعتزال أوثانهم ورفض قيمهم وأعرافهم. وكانوا يجتمعون قريبا من الكعبة حتى إذا طاف بها الرسول ﷺ غمزوه ببعض القول فكان يرد عليهم «أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح» «٢» وعندما كانوا يأخذون بمجامع ردائه ويقولون له أنت الذي تقول كذا وكذا في عيب آلهتنا وديننا، كان يجيبهم بصراحة لا التواء فيها «نعم أنا الذي أقول ذلك» . وسعى أحدهم- مرة- إلى إلحاق الأذى به فلوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقا شديدا، فنافح أبو بكر دونه وهو يقول «أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟» «٣» . وقال أبو جهل، وقد أغاظه ازدياد أتباع النبي يوما بعد يوم: والله لئن رأيت محمدا يصلي، لأطأن رقبته. فبلغه أنه يصلي فأقبل مسرعا فقال: ألم أنهك

стр. 57

يا محمد عن الصلاة؟ فانتهره رسول الله ﷺ فأجاب: أتنتهرني وتتهددني وأنا أعز أهل البطحاء؟ «١» . وعندما اقترب موسم الحج خاف زعماء قريش أن يفيد الرسول ﷺ من فرصة التجمع البشري هذه فيتصل بوفود العرب وقبائلها ويعرض عليها الإسلام فدعا أحد كبارهم وهو الوليد بن المغيرة قومه إلى أن يجتمعوا إليه وأعلمهم أن الموسم قد حضر وأن وفود العرب قادمة إلى مكة، وأن عليهم أن يصدروا في أمر الرسول عن رأي واحد كيلا يختلفوا ويكذب بعضهم بعضا. فقال بعضهم: نقول إنه كاهن، فأجاب الوليد: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. فقال آخرون: نقول مجنون. أجاب: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا وسوسته. قالت فئة ثالثة: نقول شاعر. فأجاب الوليد: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قال بعضهم: فنقول ساحر. أجاب الوليد: ما هو بساحر، لقد رأينا السحّار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما تقول أنت؟ قال: «والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق «٢» وإن فرعه لجناة «٣» ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل. وإنّ أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته. وتفرق القوم على هذا الرأي وانتشروا في مداخل مكة ومسالكها حيث تمر الوفود لأداء مناسك الحج، فكلما مرّ بهم وفد حذروه دعوة الرسول ﷺ واتهموه بالسحر. وجاءت محاولتهم هذه بعكس النتائج التي توقعوها، ذلك أن العرب صدروا ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها، فكأن قريشا سعت- من حيث لم تشعر ولم ترد- إلى نشر الدعوة الناشئة في الآفاق «٤» . مضت الدعوة تشق طريقها الصعب في مكة بين قبائل قريش رجالا ونساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين وأسلم حمزة بن عبد المطلب غضبا لابن أخيه من أبي جهل الذي آذاه وشتمه

стр. 58

ونال منه، ورأت قريش أن تعود- ثانية- حيث لم تجد الفتنة والاضطهاد، إلى أسلوب المفاوضة والإغراء، فاجتمع أشرافها من كل قبيلة: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، أبو سفيان بن حرب، النضر بن الحارث، أبو البختري بن هشام، الأسود بن عبد المطلب، زمعة بن الأسود، الوليد بن المغيرة، أبو جهل بن هشام، عبد الله بن أبي أمية، العاص بن وائل، نبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف اجتمعوا بعد غروب الشمس قريبا من الكعبة وقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم. فجاءهم رسول الله ﷺ مسرعا، فقالوا له: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فأجابهم رسول الله: ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم. حينذاك طلب زعماء قريش منه أن يأتيهم بمعجزة ما، أن يوسع عليهم وادي مكة، أو يفجر فيه الأنهار، أو يبعث أحد آبائهم حيا كي يخبرهم عن صدق نبوته، أو يجعل لهم جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة، أو يسقط السماء عليهم كسفا، أو يسأل ربه أن يبعث معه ملكا يصدقه بما يقول «فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا فيما تزعم. فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل» . فما كان جواب الرسول ﷺ إلا أن ظلّ يردد عليهم «ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» «١» .

стр. 59

وخلال ذلك كان أتباع الدين الجديد يقاسون شتى أنواع العذاب والاضطهاد وكانت كل قبيلة تثب على من فيها من المسلمين، أحرارا وعبيدا، فتحبسهم وتعذبهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي ينصب عليهم ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم. وقد روى مجاهد أن المستضعفين من المسلمين ألبسوا دروع الحديد، وصهروا في الشمس حتى بلغ الجهد منهم «١» . كان بلال بن رباح مؤمنا صادق الإيمان، طاهر القلب، وكان سيده أمية بن خلف الجمحي يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد ... فيضع أمية في عنقه حبلا ويأمر الصبيان فيجرونه. وكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب ويصرخ أحد أحد، فيقول أحد أحد والله يا بلال. وظل بلال على هذه الحال إلى أن أعتقه أبو بكر وأعتق معه ست رقاب أخرى من ضعفاء مكة من الرجال والنساء، وعندما قال له أبوه، يا بني إني أراك تعتق رقابا ضعافا، لو أنك إذ فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك. أجاب أبو بكر: يا أبت إني إنما أريد الله «٢» . يقول عمرو بن العاص: مررت ببلال وهو يعذب في الرمضاء، لو أن بضعة لحم وضعت لنضجت، وهو يقول: أنا كافر باللات والعزى، وأمية بن خلف مغتاظ عليه فيزيده عذابا فيغشى عليه ثم يفيق.. ويقول حسان بن ثابت: اعتمرت، فرأيت بلالا في حبل طويل، تمده الصبيان، ومعه فيه عامر بن فهيرة وهو يقول: أحد أحد، أنا كافر باللات والعزى، فأضجعه أمية على الرمضاء. ويقول مجاهد: جعلوا في عنق بلال حبلا وأمروا صبيانهم أن يشتدوا به بين جبلي مكة، ففعلوا ذلك وهو يقول: أحد أحد.. ويقول عروة: كان بلال من المستضعفين من المؤمنين وكان يضرب حين أسلم ليرجع عن دينه فما أعطاهم قط كلمة مما يريدون ... ويقول بلال نفسه: أعطشوني يوما وليلة، ثم أخرجوني فعذبوني في الرمضاء في يوم حار «٣» .

стр. 60

وكان أبو فكيهة المسمى (أفلح) عبدا لصفوان بن أمية، فمر به أبو بكر وقد أخذه أمية بن خلف فربط في رجله حبلا وأمر به فجرّ ثم ألقاه في الرمضاء.. وجعل يغلظ عليه ويخنقه ومعه أخوه أبيّ بن خلف يقول: زده عذابا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره، ولم يزل على تلك الحال حتى ظنوا أنه قد مات، ثم أفاق فاشتراه أبو بكر وأعتقه «١» . وكانت زنيرة قد عذبت حتى عميت، فقال لها أبو جهل: إن اللات والعزى فعلتا بك ما ترين، فقالت وهي لا تبصره: وما تدري اللات والعزى من يعبدهما ممن لا يعبدهما، ولكن هذا أمر من السماء.. فاشتراها أبو بكر وأعتقها. وكانت النهدية أمة لامرأة من بني عبد الدار وكانت تعذبها وتقول: والله لا أقلعت عنك أو يعتقك بعض من صباتك فابتاعها أبو بكر وأعتقها. وكانت أم عنيس أمة لبني زهرة فكان الأسود بن عبد يغوث يعذبها فابتاعها أبو بكر وأعتقها «٢» . وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه، إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم في رمضاء مكة، فيمر بهم الرسول ﷺ فيقول: صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة!! وقتلت أمه وهي تأبى إلا الإسلام فكانت أول شهيدة في الإسلام، ويقال إنها أغلظت لأبي جهل في القول فطعنها في بطنها.. وكان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول «٣» .. وجيىء بخباب بن الأرت فجعلوا يلصقون ظهره بالأرض على الرضف حتى ذهب ماء متنه، فجاء إلى النبي ﷺ يوما يشكو ما أصابه فقال له الرسول ﷺ : لقد كان الرجل من قبلكم يمشط بأمشاط الحديد حتى يخلص إلى ما دون عظمه من لحم وعصب، ويشق بالمناشير، فلا يرده ذلك عن دينه وأنتم تعجلون. والله ليمضين هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله وحده، والذئب على غنمه «٤» . ويحدثنا خباب نفسه فيقول: لقد رأيتني يوما وقد أوقدوا لي نارا ثم سلقوني فيها، ثم وضع رجل رجله على صدري، فما أتيت الأرض إلا بظهري (ثم كشف خباب عن ظهره فإذا هو قد برص) ، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يتمنين أحدكم الموت) لتمنيته «٥» !!.

стр. 61

وكان صهيب بن سنان الرومي من المؤمنين المستضعفين الذين يعذبون في الله، وكان يمر بقريش يصحبه خباب وعمار، فكانوا يقولون: هؤلاء جلساء محمد ويهزؤون ... فيرد صهيب: نحن جلساء نبي الله، آمنا وكفرتم وصدقناه وكذبتموه، ولا خسيسة مع الإسلام ولا عز مع الشرك. فجعلوا يعذبونه ويضربونه وهم يقولون: أنتم الذين منّ الله عليكم من بيننا «١» ؟ وكان أبو جهل إذا سمع بالرجل قد أسلم، له شرف ومنعة، أنّبه وأخزاه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك. لنسفهن حلمك ولنقبحن رأيك ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفا أغرى به «٢» . واجتمع أصحاب الرسول ﷺ يوما فقالوا: والله ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا! قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه. فقال: دعوني فإن الله سيمنعني. وانطلق إلى الكعبة، وقريش في أنديتها، وراح يتلو هناك بصوت عال الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ. عَلَّمَهُ الْبَيانَ ... «٣» فتأمل القرشيون فيه وجعلوا يتسائلون: ما يقول ابن أم عبد؟ أجاب بعضهم إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا إليه وجعلوا يضربون في وجهه وهو ماض في تلاوة السورة، حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وآثار اللطمات على وجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك؟ قال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، لئن شئتم لأغادينهم غدا بمثلها! قالوا: لا. حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون «٤» . وروى الطبري في سياق تفسير آيات سورة العنكبوت (٨- ٩) أن سعد بن أبي وقاص كان يقول لأمه التي أخذت تلح عليه بالارتداد «يا أمه، والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا، ما تركت ديني» «٥» ! ويظهر أن بعض المسلمين قد تضعضعوا أمام المحنة ولم يطيقوا تحمل الأذى والاضطهاد، وأنهم أبدوا شكهم في نصر الله الموعود للمسلمين فنزلت

стр. 62

الآيات (١١- ١٥) من سورة الحج تحمل على هذا النوع من الناس بأسلوب عام حملة لاذعة في سياق وبيان مراتب الناس من عبادة الله والاعتراف به والإخلاص له، فالمخلص يجب أن يؤمل في رحمة الله ونصره وإن تأخرا، وإذا لم ينلهما في الدنيا فهو نائلهما في الآخرة، والإيمان المشروط بألّا ينال صاحبه إلا النفع، لا يليق بمؤمن صادق لأن الإيمان مسألة مستقلة لا علاقة لها بأعراف الدنيا المتقلبة على الناس وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ. يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ «١» «٢» . عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضرب الذي نزل به «٣» !! ومن جهة أخرى، لنا أن نتساءل فيما إذا كان من المسلمين من كان يقابل الأذى والعدوان بمثله في مكة، أو همّ بذلك؟ فنقول إن في بعض الآيات ما يلهم بالإيجاب الذي نعتقد أنه مما يتّسق مع طبيعة الأمور، إذ لا يصح أن يفترض خضوع المسلمين كافة للأذى وصبرهم عليه، وكان فيهم الأقوياء في أشخاصهم أمثال عمر وحمزة، كما كان فيهم الأقوياء بعصبياتهم أيضا وخاصة في بيئة مثل بيئة النبي ﷺ وعصره قويت فيهما العصبية الاجتماعية وكانت ناظما مهما في علاقات الناس بعضهم ببعض. إلا أن القرآن أمرهم أن يكفوا أيديهم لأن وقت المجابهة لم يحن بعد. وهنالك من الآيات «٤» ما يلهم بقوة أن بعض المسلمين كانوا أحيانا يوجهون الشتائم إلى الكفار بسبيل التنديد بهم وبعقائدهم مواجهة، وهذا لا يكون إلا من أناس أقوياء الشخصية جرآء على الباطل مهما قوي أصحابه وبالتالي تلهم بقوة أن من المسلمين من كانوا كذلك وكانوا لا يرون أن يسكتوا على الكفار وفجارهم «٥» . وفي تفسير الطبري لآيات سورة النحل (١٢٥- ١٢٨) عن بعض التابعين أن بعض المسلمين في مكة قالوا: يا رسول الله لو أذن لنا الله

стр. 63

لانتصرنا من هؤلاء الكلاب، فأنزل الله الآيات المذكورة «١» . [٣] أدرك رسول الله ﷺ بعد سنتين من الجهر بالدعوة، ألا قدرة له على حماية أتباعه من البلاء الذي ينزل بهم ليل نهار، وأن الزعامة الوثنية ماضية في عنفها واضطهادها وتعذيبها لهم، مصممة على استخدام أي أسلوب لوقف الدعوة عند حدها وخنقها وهي بعد في المهد.. ورأى أن يمنح المعذبين المضطهدين فترة من الوقت يستردون فيها أنفاسهم ويستعيدون قواهم النفسية والجسدية، ويعودون ثانية إلى ساحة الصراع وهم أقدر وأصلب.. وعسى الله أن يحدث- خلال ذلك- أمرا كان مفعولا. فأشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة «فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد» حتى يجعل الله لهم فرجا مما هم فيه. فاستجاب له المسلمون وتسلل عدد منهم من مكة صوب الساحل، كي تقلّهم سفينتان كانتا متجهتين صوب الجنوب. وخرج نفر من قريش في آثارهم، وعندما بلغوا الساحل كانت السفن قد بعدت عنه «٢» . وكان أول من هاجر منهم، عثمان بن عفان وامرأته رقية ابنة الرسول ﷺ ، أبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل، الزبير بن العوام، مصعب بن عمير، عبد الرحمن بن عوف، أبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، عثمان بن مظعون، عامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي حيثمة، أبو سيرة بن أبي رهم وسهيل بن بيضاء. وقد أمّر عليهم جميعا عثمان بن مظعون. ثم خرج جعفر ابن أبي طالب، وتتابع المهاجرون منفردين أو مع أهليهم، حتى اجتمعوا بأرض الحبشة بضعة وثمانين مهاجرا عدا أبنائهم الصغار الذين خرجوا معهم أو ولدوا هناك «٣» .

стр. 64

كان اختيار الحبشة دارا لهجرة المسلمين خطوة موفقة من خطوات الرسول المدروسة. فهناك، إضافة إلى الصفة التي وصف ملكها بها في الحديث المروي عن النبي، تيسّر السفر إليها بالسفن، ومساعدة الرياح الموسمية لهذا السفر البحري في ظروفه، فضلا عن العلاقات المذهبية الطيبة بين الإسلام والنصرانية.. بل إنه ليخطر بالبال أن من أسباب اختيار الحبشة أمل وجود مجال للدعوة فيها وأن يكون هدف انتداب جعفر متصلا بهذا الأمل. ولعل ما روي عن إسلام النجاشي وغيره من الأحباش ووفادة بعضهم على النبي مسلمين مستطلعين ما يستأنس به على صحة هذا الخاطر، إذ يرى أثر نجاح لهذه الدعوة في هاتيك الديار. ولعل حادثة انتصار الأحباش لنصارى اليمن التي كانت حاضرة في أذهان العرب كانت ذات تأثير أيضا في توجيه الهجرة إلى هذه البلاد، فالمسلمون بهذا يكسبون حليفا قويا تجمع بينهم وبينه الرابطة الدينية، والمشركون يقع في نفوسهم شيء من الخوف والتوجس والجنوح إلى الارعواء بسبب توثق الصلة بين المسلمين وهذا الحليف القوي «١» ، هذا إلى أن اختيار منطقة كاليمن أو يثرب سوف يعرض المهاجرين لبطش العناصر الوثنية واليهودية المنتشرة هناك. ويضطرب (وات) في تحليل أسباب الهجرة إلى الحبشة وبقاء المسلمين هناك ردحا طويلا، بين خمسة أسباب أولها الهروب من الاضطهاد وثانيها البعد عن خطر الارتداد وثالثها ممارسة النشاط التجاري ورابعها السعي للحصول على مساعدة حربية من الأحباش. ثم يشكك في جدوى الاعتماد على هذه الأسباب ويقول: «من الصعب مقاومة الفكرة القائلة بوجوب الاطمئنان إلى السبب الخامس وهو أنه نشأ انقسام قوي في الرأي داخل أمة الإسلام الناشئة» «٢» . وفي مكان سابق كان وات قد قال «ويبدو أن إقامة خالد بن سعيد الطويلة في الحبشة تشير إلى أنه

стр. 65

كان على خلاف مع محمد في سياسته وأنه لم يكن يوافق على التوجيه السياسي المتزايد للإسلام، ولا على أهمية الدور السياسي لمحمد بسبب نبوته، ولو أن خالدا اهتم بالنواحي السياسية للرسالة لدفن خلافه مع محمد وعاد إلى مكة قبل السنة السابعة للهجرة» «١» . يستنتج وات من هذه الأخبار القليلة التي ساقها- كما يقول صالح العلي- حدوث خلاف في الرأي بين المسلمين، وخاصة مع أبي بكر الذي كانت له مكانة قوية عند الرسول ﷺ ، ويرى أن الرسول أوعز لمخالفي أبي بكر بالهجرة إلى الحبشة تفاديا للأخطار التي قد تنجم عن هذا الخلاف. غير أن الأدلة التي يسوقها وات ليست قوية، فإن بعض من هاجر إلى الحبشة كعثمان وطلحة كانوا من أصحاب أبي بكر، وتروي بعض الروايات أن أبا بكر هو الذي جاء بهم إلى الرسول ليسلموا. كما أن اختفاء أسماء بعض المسلمين الأول المهاجرين وعدم لعبهم دورا رئيسيا في السياسة فيما بعد، وخاصة في عهد أبي بكر، لا يمكن أن يعزى إلى خلافهم معه فقط بل قد يرجع إلى انشغالهم بأمور أخرى في الحياة. والواقع أن أبا بكر استعان بكثير ممن أسلم عند فتح مكة أو بعدها وبأولاد كثير ممن قاوم الإسلام، فلو أهمل أبو بكر رجلا لماضيه لكان الأجدر به أن يهمل هؤلاء ولا يسلمهم قيادة الجيوش الإسلامية التي أحسنوا قيادتها. والواقع أن الآيات القرآنية «٢» توحي بأن دافع الهجرة هو الاضطهاد الشديد الذي وقع على المسلمين والمحاولات التي بذلها المشركون لفتنتهم، وأنها هي التي دفعت الرسول إلى الإيعاز إليهم بالهجرة «٣» ، الأمر الذي كاد أن يدفع أبا بكر نفسه إلى الهجرة لولا أن أجاره أحد الزعماء «٤» . كان المهاجرون ينتمون إلى مختلف القبائل: فمن بني هاشم واحد ومن بني عبد بن قصيّ واحد ومن نوفل واحد (حليف) ومن عبد شمس اثنان (واحد حليف) ومن تيم اثنان ومن أسد بن عبد العزى أربعة، ومن عدي خمسة (منهم

стр. 66

واحد حليف) ومن أمية سبعة (منهم أربعة حلفاء) ومن زهرة سبعة (منهم ثلاثة حلفاء) ومن عبد الدار سبعة ومن مخزوم ثمانية (منهم واحد حليف) ومن عامر سبعة (منهم واحد حليف) ومن الحارث بن فهر ثمانية ومن جمح اثنا عشر ومن سهم أربعة عشر (منهم واحد حليف) «١» . وبمجرد إلقاء نظرة سريعة على هذه القائمة تتبدى لنا سعة الدائرة البشرية التي امتدت إليها الدعوة الإسلامية لكي تجذب إليها عناصر من شتى القبائل المكية، وتجاوزت بذلك دائرة العصبية الضيقة في طريقها الطبيعي صوب الاتساع والشمول لكي تضم العرب جميعا ... وهذا (التنوع) في أصول المهاجرين إلى الحبشة يقدم لنا دليلا آخر لما سنذكره فيما بعد بصدد رفض فكرة (الدافع المادي) للانتماء إلى الدعوة الجديدة أو مقاومتها. فلا يعقل أن يكون هذا الدافع هو الذي قاد هؤلاء الرجال، ذوي الأصول القبلية العديدة، والذين ينتمي أغلبهم إلى أسر مكية عريقة، إلى الإسلام، تماما كما لا يعقل أن يكون دافع (العصبية القبلية) وحده هو الرائد في هذا الميدان بما تطرحه علينا القائمة الآنفة من (تنوع) في الأصول. ولا ننسى هنا (المرأة المسلمة) التي تحملت أعباء الاضطهاد والهجرة، جنبا إلى جنب مع الرجل في سبيل الهدف الذي آمنت به.. وستتكرر هذه المواقف مرة تلو مرة، في السلم والحرب، لكي يتبين لنا المدى الواسع الذي أفسحه الإسلام للمرأة، والمكانة العالية التي رفعها إليها، والمسؤوليات الجسيمة التي حمّلها إياها، بعد ما كانت تعانيه من ضيق واحتقار وإهمال في عهود الجاهلية. ويذكر دروزة أنه باستثناء النفر من حلفاء قريش ونسائهم لا تذكر الروايات أسماء أرقاء ومساكين في جملة المهاجرين، وأن تعليل ذلك يعود إلى أن ضغط زعماء قريش كان أكثر شدة على أبناء أسرهم لأنهم تحسّبوا من عواقب إسلامهم بالنسبة لعامة الناس وسائر شباب الأسر، في حين أنه لم يكن ما يخشونه من مثل ذلك من المساكين والأرقاء والفقراء والغرباء، وأن هذه صورة مخالفة لما قد يكون في الأذهان «٢» . عند ما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد آمنوا واطمأنوا بأرض

стр. 67

الحبشة قرر زعماؤها أن يبعثوا في طلبهم رجلين قديرين إلى النجاشي لكي يردوا المهاجرين فيمارسوا معهم من جديد الفتنة والاضطهاد. واتجه الموفدان عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى الحبشة وهما يحملان الهدايا للنجاشي ولبطارقته. وبدا بالبطارقة فسلما كلا هدية وقالا له: إنه قد لجأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلم بما عابوا عليهم. فقال البطارقة: نعم. وعند ما اتجه عمرو ورفيقه إلى النجاشي وعرضا عليه طلبهما بتسليم المهاجرين، وقالت البطارقة من حوله: صدقا أيها الملك، قومهم أعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما، غضب النجاشي وقال: لا والله، إذن لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمهم إليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني «١» . وما لبث النجاشي أن دعا المهاجرين لحضور مجلسه، وعند ما سألهم عن طبيعة الدين الذي دفعهم إلى مفارقة قومهم، تقدم جعفر بن أبي طالب وقال: «أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.. فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله. فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على

стр. 68

من سواك.. ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك» . فطلب منه النجاشي أن يقرأ عليه شيئا مما جاء به الرسول ﷺ عن الله، فتلا عليه صدرا من سورة مريم. فبكى والله النجاشي حتى أخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، وقال النجاشي «إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما» «١» . لكن عمرو بن العاص لم ييأس، وعاد إلى النجاشي في اليوم التالي وقال له: إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. فاستدعاهم وسألهم، فأجابه جعفر: «نقول فيه الذي جاء به نبينا ﷺ ، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول» . فتناول النجاشي عودا وقال: والله ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العود فأبدى بطارقته استياءهم فردهم وأعلن عن حمايته للمهاجرين وقال لمن حوله: ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فغادر عمرو ورفيقه أرض الحبشة عائدين إلى مكة «٢» . بلغت طلائع المهاجرين، بعد شهرين من إقامتهم في الحبشة أنباء تشير إلى أن أهل مكة قد اعتنقوا الإسلام، فقفل بضعة وثلاثون رجلا منهم عائدين إلى بلادهم، وما أن اقتربوا منها حتى أيقنوا كذب تلك الأنباء، فتسلل بعضهم مستخفيا إلى مكة، ودخل آخرون بجوار بعض المشركين، ورجعت فئة ثالثة من حيث أتت «٣» . وقد ظل معظم المهاجرين في أرض الحبشة حتى السنة السادسة للهجرة حيث عقد الرسول ﷺ مع قريش صلح الحديبية وبعث إلى النجاشي عمرا ابن أمية الضمري يطلب إعادة المهاجرين إلى بلادهم فحملهم في سفينتين وقدم بهم على الرسول ﷺ في أعقاب فتحه خيبر في مطلع السنة السابعة. ولقد سرّ الرسول ﷺ سرورا عظيما لمقدمهم حتى إنه قبل زعيمهم جعفر بن أبي طالب واحتضنه قائلا: ما أدري بأيهما أنا أسرّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ وكان عدد العائدين من الحبشة قريبا من العشرين رجلا وعددا من النساء والأطفال الذين

стр. 69

ولدوا هناك، فضلا عن بعض الأرامل اللواتي توفي أزواجهن أيام الإقامة في الحبشة «١» . وكان بعض المهاجرين قد غادر الحبشة في بداية عهد المسلمين بالهجرة إلى المدينة فمات بعضهم في مكة، واعتقل البعض الآخر، وتمكنت فئة ثالثة من اللحاق بالمدينة والاشتراك في معركة بدر وما تلاها من وقائع «٢» . [٤] عند ما أيقنت قريش أنها قد هزمت في محاولتها استرداد المهاجرين إلى الحبشة، وأن الإسلام أخذ ينتشر بين القبائل، فضلا عن إسلام عمر بن الخطاب الذي عزّز جانب المسلمين في صراعهم ضد الوثنية «٣» ، حتى إن عبد الله بن مسعود كان يقول «ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر بن الخطاب، فلما أسلم قاتل قريشا، حتى صلّى عند الكعبة وصلينا معه «٤» » . والحق- كما يقول أرنولد- أن إسلام عمر بن الخطاب يعدّ نقطة تحول في تاريخ الإسلام، فقد استطاع المسلمون أن يسلكوا منذ ذلك الحين مسلكا أشد جرأة، وبدأ المؤمنون يجهرون بتأدية شعائر الإسلام جماعات حول الكعبة «٥» . حينذاك عقدت قريش اجتماعا في مطلع السنة السابعة من بعثة الرسول ﷺ ، قرر فيه زعماؤها أن يتعمدوا أسلوبا جديدا في مجابهة الحركة الإسلامية يقوم على مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب الذين كان أبو طالب قد دعاهم إلى ما هو فيه من منع الرسول ﷺ دون قريش، وكل من يساندهم وينتمي إليهم مسلمين ومشركين، وأن تكون هذه المقاطعة شاملة لكافة المعاملات والعلائق الاجتماعية والمالية. ويذكر البلاذري أن قريشا توعدت بقتل الرسول ﷺ ، «سرا أو علانية» بعد أن أصرّ على مهاجمة آلهتهم فقال أبو طالب «اللهم إن قومنا قد أبوا إلا البغي، فعجّل نصرنا وحل بينهم وبين قتل ابن أخي» . وقالت قريش: لا صلح بيننا وبين بني هاشم بني المطلب ولا رحم ولا حرمة إلا على قتل هذا الرجل الكذاب

стр. 70

السفيه. وعمد أبو طالب إلى الشعب بابن أخيه وبني هاشم وبني المطلب، وكان أمرهم واحدا، وقال: نموت من عند آخرنا قبل أن يوصل إلى رسول الله ﷺ .. وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على بني المطلب، ودخل الشعب من كان من هؤلاء مؤمنا أو كافرا «١» . كتبت قريش صحيفة بالمقاطعة، وتعاهدت على تنفيذ بنودها وعلقتها في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم، وقد جاء فيها «باسمك اللهم. على بني هاشم وبني المطلب على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يعاملوهم حتى يدفعوا إليهم محمدا فيقتلوه «٢» » . فلما سرى النبأ في مكة انضم بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب ودخلوا معه الشعب المسمى باسمه «٣» . استمرت المقاطعة سنتين وعدة أشهر، كان لا يصل المسلمين خلالها شيء إلا سرّا، يحمله إليهم مستخفيا من أراد مساعدتهم من قريش بدافع من عصبية أو نخوة أو عطف. ولاقى المسلمون ونبيهم ﷺ خلال ذلك آلاما قاسية من الجوع والخوف والعزلة والحرب النفسية «٤» . ولا بد من الإشارة هنا إلى أن حلف الفضول الذي عقدته بعض بطون قريش وتعاهدت فيه على منع الظلم في مكة، قد تعطّل، فلم يتناد أصحابه بنصرة المظلومين ممن كان يقع عليهم العذاب. ويبدو أن الملأ من قريش كان يخشى أن يطالب بنو هاشم حلفاءهم من أصحاب الفضول بالوقوف إلى جانبهم، ومن أجل ذلك كان حرصهم على الإجماع وعلى التواثق على ذلك في صحيفة مكتوبة. وقد استجابت كل البطون القرشية- ما عدا بني هاشم وبني المطلب- لأنهم اعتبروا الدعوة الإسلامية ذات خطر على مكة يهدد الجميع بالخراب لذلك اجتمعوا وتضامنوا على إيقاف هذا التيار» . شددت الزعامة الوثنية من حملتها ضد النبي ﷺ وراحت تهمزه وتهزأ به

стр. 71

وتخاصمه وتدفع من يرميه بالحجارة ويضع في طريقه الشوك. وفي الجهة المقابلة مضى الرسول ﷺ في دعوته لا يصده عائق، وتنزلت آيات القرآن متتالية كالحمم تقرع الرؤوس الوثنية واحدا واحدا.. أبو لهب يدفع زوجته أم جميل بنت حرب لكي تحمل الشوك وتطرحه على طريق رسول الله ﷺ حيث يمر فيجابهه القرآن تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ. سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ «١» ، وأمية بن خلف يقف في درب الرسول حتى إذا مرّ به همزه ولمزه، فيندد به القرآن وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ. الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ. وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ. نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ. الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ. فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ «٢» .. وأبو جهل بن هشام يجابه الرسول ﷺ ويقول له: «والله يا محمد لتتركن سبّ آلهتنا أو لتسبن إلهك الذي تعبد» فتجيء تعليمات القرآن وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ «٣» ، والنضر بن الحارث بن كلدة، يعقب الرسول في مجالسه فيحدثهم عن ملوك فارس وعظمتهم ثم يقول «والله ما محمد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبتها كما اكتتبها محمد، فيسخر به القرآن وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً «٤» ويندد به يْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٥» . والأخنس بن شريق الثقفي، أحد أشراف القوم، وممن يستمع لكلامهم، يتصدى لرسول الله ويرد عليه، فينزل الله فيه وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ «٦» .. والوليد بن المغيرة يتساءل: أينزل على محمد، وأترك وأنا كبير قريش وسيدها؟ ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، ونحن عظيما القريتين؟ فيجيبه القرآن وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... «٧» .

стр. 72

وأبيّ بن خلف يجد رفيقه عتبة بن أبي معيط، يجلس إلى الرسول ويستمع منه فيقسم ألا يكلمه حتى يأتيه فيتفل في وجهه، فيفعل ذلك عدو الله فيقرعه القرآن وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا ... «١» . ويمشي أبيّ بن خلف إلى الرسول بعظم بال ويقول له: أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرمّ؟ ويفتّه أبيّ في يده ثم ينفخه في الريح بوجه رسول الله، فيجيبه الرسول: نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك الله النار!! ويردّ القرآن: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ «٢» . ويعترض الرسول ﷺ عدد من رؤوس الوثنية وذوي الكلمة في قومهم، فيقولون: يا محمد هلمّ فلنعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فيأمره القرآن قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ «٣» .. وآخرون يضعون في قدره الذي يطبخ فيه رحم شاة أو يطرحونها عليه وهو يصلّي، فكان يخرج به في أعقاب صلاته ويقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟ ثم يلقيه في الطريق «٤» ... طالت أيام الحصار، واشتد الأذى بالمنقطعين في شعب أبي طالب، فلم يكن لأحد من قريش أن يزوجهم أو يتزوج منهم، ولا أن يبيعهم أو يبتاع منهم فعصرهم الجوع عصرا. وكان المحاصرون لا يخرجون من الشعب طيلة سني الحصار «إلا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد، وتضاغى صبيانهم فسمع ضغاؤهم من وراء الشعب. وقال عبد الله بن عباس: حصرنا في الشعب ثلاث سنين، وقطعوا عنا الميرة حتى أن الرجل ليخرج بالنفقة فما يباع شيئا حتى مات

стр. 73

منا قوم «١» » . ولم يكن ما يجيئهم سرا ليسكت نداء الجوع الذي لا يرحم، حتى إن أحدهم اضطر يوما أن يطحن قطعة من جلد بعير ويمزجها بالماء ويلتهمها التهاما.. وبدأ بعض رجالات قريش وشبابها يتذمرون للظلم الصارخ الذي نزل بحماة الرسول من بني هاشم وبني المطلب، فسعوا إلى وقف القطيعة، وتمزيق الصحيفة الغادرة، وإعادة الأمور إلى مجاريها. وكان على رأس هؤلاء هشام بن عمرو، الذي تصله ببني هاشم صلة من قرابة، وكان ذا شرف في قومه، وكان قد بذل جهده أيام الحصار في إيصال الطعام سرّا إلى الشعب.. فلقد اتصل بزهير بن أبي أمية، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، وقال له: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما أني لأحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك أبدا. فأجابه زهير: فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله إن لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها. قال هشام: قد وجدت رجلا. قال: فمن هو؟ أجابه هشام: أنا. قال زهير: أبغنا رجلا ثالثا. وتمكن هشام من إقناع ثلاثة رجال آخرين هم المطعم بن عدي وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب، بضرورة تمزيق الصحيفة وإنهاء المقاطعة. واتعد الرجال الخمسة على اللقاء ليلا بأعلى مكة وهناك أجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام بتمزيق الصحيفة. وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم. وفي صباح اليوم التالي أقبل زهير على الناس وقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. فرد عليه أبو جهل: كذبت، والله لا تشق!! قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حيث كتبت. وسرعان ما أيده رفاقه الثلاثة. فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل!! وما لبث المطعم أن قام إلى الصحيفة فمزقها «٢» . ثم لبس ورفاقه السلاح واتجهوا إلى الشعب وأمروا بني هاشم وبني المطلب بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا. وعند ما رأت قريش ذلك أسقط في أيديها وعرفت أنهم لن يسلموهم «٣» .

стр. 74

[٥] ما لبث الرسول ﷺ أن فجع بأعز أقربائه إليه: زوجته البرّة خديجة وعمه أبي طالب ففقد بذلك سنديه النفسي والاجتماعي، وحزن لفقدهما حزنا عميقا، حتى أن ذلك العام- الذي سبق الهجرة بثلاث سنين- سمي بعام الحزن. وانتهزت قريش الفرصة فألحقت بالرسول ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب. وقد اعترضه- مرة- أحد سفهاء قريش في الطريق، ونثر على رأسه ترابا، فدخل الرسول بيته والتراب على رأسه فقامت إحدى بناته لتنفضه عنه وهي تبكي ورسول الله يقول لها: لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك «١» !! ونظرا إلى أن الحجة الرئيسية للمقاطعة- التي لم يمض عليها كبير وقت- هي حماية (بني هاشم) للمسلمين، وإنها كان لها تأثير سيء في أعمال بني هاشم، فالظاهر أنهم أدركوا الأضرار التي تنجم عن استمرار حمايتهم للرسول ﷺ . ويبدو أنهم بعد موت أبي طالب بدؤوا يتخلون عن تلك الحماية. ولعل أبا طالب هو العامل الأكبر في استنهاض همم بني هاشم لمساندة الرسول وحمايتهم له، فلما مات خففت هاشم من تأييدها وربما أدركت- بعد المقاطعة- ما يصيبها من أضرار مادية ومعنوية إذا استمرت في حمايته، لذا أخذت تتخلى عن ذلك، ويتجلى هذا واضحا في أعقاب رجوع الرسول ﷺ من الطائف «٢» . أدرك الرسول ﷺ أن القيادة الوثنية في مكة مصرّة على الوقوف بوجه دعوته ماضية في إلحاق أذاها به، واضطهاد أتباعه وفتنتهم عن دينهم، فرأى أن يغادرها إلى مكان آخر ينشر فيه دعوة الإسلام ويطلب من أهله النصر والمنعة، فوقع اختياره على الطائف حيث تقطن ثقيف كبرى القبائل العربية بعد قريش. فغادر مكة في شوال من السنة العاشرة للبعثة، يصحبه زيد بن حارثة. ولما انتهى إلى هناك عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادتها وأشرافها، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وعرض عليهم المهمة التي جاء من أجلها وهي أن ينصروه على الإسلام ويمنعوه من قومه، فلم يلتفتوا إليه وعلقوا على دعوته ساخرين، فقال أحدهم:

стр. 75

إنني أمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك! وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك!! فغادرهم الرسول ﷺ بعد أن طلب منهم أن يكتموا ما جرى بينه وبينهم، إذ كره أن يبلغ قومه ذلك فيجرئهم عليه. لكن زعماء ثقيف لم يستجيبوا لطلبه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويصيحون به، ويرمونه بالحجارة، فلم يكن يرفع قدما ويضع أخرى إلا على الحجارة، حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وكانا هناك، فتفرق عنه سفهاء الطائف وقدماه تنزفان دما، فعمد إلى ظل كرمة ونادى ربه: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.. يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» !! فلما رآه ابنا ربيعة، وشاهدا ما لقي، تحركت له رحمهما، فطلبا من غلام نصرانيّ لهما يدعى (عدّاس) أن يحمل إليه طبقا من عنب. فلما أتى به الغلام ووضعه بين يديه، مدّ الرسول ﷺ يده قائلا: باسم الله، ثم بدأ يأكل العنب، فعجب الغلام لسماعه عبارة لم يألف سماعها في أرض وثنية، فقال للرسول ﷺ والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فسأله الرسول: ومن أي البلاد أنت، وما دينك؟ أجاب: نصرانيّ، من أهل نينوى. فسأله الرسول: من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟ أجاب الغلام دهشا: وما يدريك ما يونس بن متّى؟ قال الرسول: ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبيّ. فأكب عدّاس على رسول الله ﷺ يوسعه لثما وتقبيلا.. وما أن غادر الرسول البستان حتى حذره سيداه: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه «١» !! عندما قفل الرسول ﷺ عائدا إلى مكة كانت الأمور هناك قد بلغت حدا
следующие страницы →