Полный текст (1 842 стр.). Показаны 1821–1842 · переход к 1826.
стр. 1821
مسؤول عنه (١) ، فكلُّكُمْ راعٍ (٢) وكُلُّكُمْ مسؤولٌ عن رعيّته.
٩٩٢ - أخبرنا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إن الغادر (٣) يقوم يوم القيمة يُنصب لَهُ لواءٌ، فَيُقَالُ هَذِهِ غُدرة فُلَانٍ.
٩٩٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أن رسول الله ﷺ قَالَ: الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا (٤) الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القيمة.
٩٩٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عن ابن عمر: الحواشي
(١) من جهة أمانته وخيانته.(٢) قوله: فكلكم راع، قال القاري: هذا تأكيد لما قبله مُجْمَلاً ومفصَّلاً في صورة النتيجة، ولا يبعد أن يقال: إن الرجل وحده مسؤول عن رعيته من أعضائه وهي السمع والبصر واليد والرجل واللسان والأذن ونحو ذلك كما يشير إليه قوله تعالى: (إنَّ السَمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلّ أولئك كَانَ عنه مسؤُولاً) (سورة الإِسراء: الآية ٣٦) والحديث رواه الشيخان وأحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر.(٣) قوله: إن الغادر، أي من يغدر بعهده ويخلف في وعده من الكفار وغيرهم، يقوم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد. يُنصَب، بصيغة المجهول أي يُرفع له. لواء، بالكسر يكون علامة على غدرته يطلع عليها الناس فيُقال من جانب الملائكة هذه غُدرة فلان بالضم.(٤) قوله: في نواصيها، جمع ناصية مقدّم الرأس إشارة إلى فضل الخيل لكونه آلة الجهاد. وكون الخير في ناصيته إلى يوم القيامة إشارة إلى دوام فتح أهل الإِسلام وغلبتهم بخيلهم.стр. 1822
أَنَّهُ رَآهُ (١) يَبُولُ قَائِمًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَالْبَوْلُ جَالِسًا أَفْضَلُ.
٩٩٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هريرة: أن رسول الله ﷺ قَالَ: ذَرُونِي (٢) مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ من الحواشي
(١) قوله: أنه رآه، أي رأى عبدُ الله بن دينار ابنَ عمر يبول قائماً، ولعله كان أحياناً اقتداءً بالنبي ﷺ ، فإنه كان من أشد الناس اقتداءً به حتى في المباحات والاتفاقيات، وقد روى حذيفة أنه ﷺ أتى سُباطة قوم فبال قائماً، أخرجه أبو داود وغيره. وروى الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة: أنّ النبي ﷺ بال قائماً من جُرح كان بمأْبضه، وهو بهمزة ساكنة: عرق في باطن الركب. وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" عن مجاهد قال: ما بال رسول الله ﷺ قائماً إلا مرة في كثيب أعجبه. وعن الشافعي: كانت العرب تستشفي وجع الصلب بالبول قائماً. فلعله كان به إذ ذاك وجع صلب، وقيل لم يكن هناك موضع القعود فبال قائماً. وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد: أنه رأى النبي ﷺ يبول قائماً. وهذا كله لبيان الجواز وإلا فالعادة المستمرة للنبي ﷺ وأصحابه هو البول قاعداً حتى قالت عائشة: مَنْ حَدّثكم أنّ رسول الله بال قائماً فلا تصدِّقوه، أخرجه النسائي والترمذي وقال: إنه أحسن شيء في الباب، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، كذا فصله السيوطي في "مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود" و "زهر الرُّبى على المجتبى" وغيرهما.(٢) قوله: ذروني، أي اتركوني ما تركتكم ولا تتعرضوا بالتفتيش والسؤال، فإنما هلك من كان قبلكم من الأمم السابقة كبني إسرائيل بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم كما ذكر الله في كتابه في قصة البقرة وسؤال رؤية الله ودخول قرية الجبّارين وغير ذلك. فما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما لم أنه عنه فاسكتوا عنه ولا تتعرّضوا له بالسؤال والتشديد فيشدد الله عليكم. وفيه إشارة إلى أن الأصل في الأشياء الإِباحة ما لم يرد دليل المنع، وفي رواية ابن جرير وأبي الشيخ وابن مردويه عنстр. 1823
كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَمَا نهيتُكم عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ.
٩٩٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزنَّاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ ابنَ أَبِي قُحافة (١) نَزع ذَنوباً أَوْ ذَنوبين (٢) ، فِي نَزْعه ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ (٣) ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَاسْتَحَالَتْ (٤) غَرْباً، فلم أرَ عبقريّاً (٥) من الناس ينزع الحواشي
(١) أي أبا بكر، وأبو قُحافة بالضم كنية والده.(٢) بالفتح: الدلو الكبير، أي أخرج من البئر.(٣) أي يتجاوز عنه ولا يأخذه بضعفه لعدم تقصيره.(٤) بالفتح: الدلو الكبير من الذنوب أي فصارت تلك الدلو دلواً عظيماً أخرج به ماءً كثيراً.(٥) بفتح العين وسكون الباء وفتح القاف وكسر الراء وشدّ الياء: أي شديداً قوياً.стр. 1824
نَزْعه (١) ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسَ بعَطَن (٢) .
٦٠ - بَابُ التَّفْسِيرِ (٣)
٩٩٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ الحُصَين، عَنْ أَبِي يَرْبُوعٍ (٤) الْمَخْزُومِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثابت يقول: الصلاة الحواشي
(١) منصوب بنزع الخافض أي كنزعه (فيه إشارة إلى إشاعة أمره وإجراء أحكامه. فتح الباري ٧/٣٩) .(٢) قوله: حتى ضرب الناس بعَطَن، بفتحتين موضع يجلس فيه الدوابّ حول الحوض والماء للسقي. والمعنى نزع عمر ورَوي الناس بشربهم حتى جعلوا العطن، أبركوا دوابّهم للسقي لكثرة الماء. وفي حديث إشارة كالصراحة إلى قلة مدة خلافة أبي بكر وإلى ما وقع في زمن خلافته من اضطراب الأحوال بسبب ارتداد العرب وظهور المتنبئين، وإلى قوة عمر في أمر الدين وطول خلافته وشيوع الدين في زمنه، وقد وقع كل ذلك كما أرى، وكانت رؤيته ذلك مناماً كما في رواية الصحيحين وغيرهما، بينا أنا نائم رأيتُني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة، الحديث. وبه ظهر ما في كلام القاري حيث فسر قوله رأيت بقوله أي علمت بالكشف أو الإِلهام، أو رأيت في المنام. انتهى. فإن الترديد مختلّ النظام لثبوت الرؤية المنامية برواية الأحلام، ومن المعلوم أن منام الأنبياء وحي عند علماء الإِسلام.(٣) قوله: عن أبي يربوع المخزومي، في نسخة: ابن يربوع، وهو الموافق لما في "موطأ يحيى"، وهو عبد الرحمن بن سعيد بن يَربوع بفتح الياء المخزومي، أبو محمد المدني، نُسب إلى جَدّه، من ثقات التابعين، ذكره في "التقريب".(٤) قوله: عن أبي يربوع المخزومي، في نسخة: ابن يربوع، وهو الموافق لما في "موطأ يحيى"، وهو عبد الرحمن بن سعيد بن يَربوع بفتح الياء المخزومي، أبو محمد المدني، نُسب إلى جَدّه، من ثقات التابعين، ذكره في "التقريب".стр. 1825
الحواشي
(١) قوله: الصلاة الوسطى، أي المذكورة في قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاةِ الوسطى) (سورة البقرة: الآية ٢٣٨) وقد اختلف فيه الصحابة ومن بعدهم، وتخالفت الروايات عنهم، فعن ابن عباس عند البيهقي وابن جرير وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وسعيد بن منصور أنها صلاة الصبح، ومثله عن عليّ عند البيهقي، وابن عمر عند ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وابن المنذر وعبد بن حميد، وورد مثله عن عطاء وجابر بن زيد وطاوس وعكرمة. هذا أول الأقوال، الثاني: أنها صلاة الظهر وهو قول زيد بن ثابت أخرجه البخاري وأبو داود وابن جرير والطحاوي وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وابن أبي حاتم وأحمد وابن منيع والضياء المقدسي وغيرهم، وهو مرويّ عن ابن عمر عند الطبراني، وعن أبي سعيد الخدري عند البيهقي، وعن عليّ عند ابن المنذر. والثالث: أنها العصر وهو مذهب عليّ رجع إليه بعد ما كان يظن أنها الصبح لمّا سمع قول النبي ﷺ يوم الأحزاب: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وغيرهم، وهو المرويّ عن ابن عمر عند ابن جرير والطحاوي وعبد بن حميد وعن أبي أيوب عند البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وعن أبي سعيد الخدري عند الطحاوي وابن المنذر، وعن أم سلمة عند ابن أبي شيبة وابن المنذر، وعن عائشة عند ابن جرير وابن أبي شيبة، وعن حفصة عند عبد بن حميد وغيره. والرابع: أنها صلاة المغرب ورد ذلك عن ابن عباس عند ابن عباس عند ابن أبي حاتم. وهناك أقوال أخر مبسوطة في "فتح الباري" وغيره، والآثار المذكورة وغيرها مبسوطة في "الدر المنثور" والذي يظهر بعد التنقيد أن أصح الأقوال هو القول الثالث لكونه موافقاً لكثير من الأحاديث الصحيحة المرفوعة، وإليه ذهب أكثر الصحابة كما ذكرهстр. 1826
٩٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ (١) ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: إِذَا بلغتَ هَذِهِ الآيَةَ (٢) فآذِنِّي (٣) ، فَلَمَّا بلغتُها آذَنُتها (٤) فَقَالَتْ: حَافِظُوا (٥) عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى، وَصَلاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ.
٩٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن القَعْقَاع (٦) بن الحواشي
(١) هو عمرو بن رافع العدوي مولاهم، مقبول، ذكره في "التقريب".(٢) أي التي فيها ذكر الصلاة الوسطى.(٣) أي أخبرني.(٤) أي أعلمتها.(٥) قوله: حافظوا، أي أكتب هكذا بزيادة "وصلاة العصر"، وهذه الكتابة وكتابة عائشة قبل أن تُجْمَع المصاحف المختلفة على مصحفٍ واحد في زمن عثمان فإنه لم يُكتب بعد ذلك إلا ما أُجمع عليه وثبت بالتواتر أنه قرآن، قاله ابن عبد البر.(٦) بفتح القافين بينهما عين ساكنة: كِنَانِيٌّ، مدني، ثقة، ذكره في "الكاشف".стр. 1827
حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ (١) مَوْلَى عَائِشَةَ، قَالَ: أَمَرَتْني أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا، قَالَتْ: إِذَا بلغتَ هَذِهِ الآيَةَ فآذِنِّي (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصلاة الوسطى) ، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذنَتْها وأَمَلَّتْ (٢) عَلَيَّ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَصَلاةِ الْعَصْرِ (٣) وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٤) ، سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
١٠٠٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا عُمَارَةُ بْنُ صَيَّادٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ (٥) في الباقيات الصالحات: قول العبد: الحواشي
(١) قال الزرقاني: من ثقات التابعين، لا يُعرف اسمه.(٢) أي (فأمَلّتْ: بتشديد اللام من الإِملال وبتخفيفها من الإِملاء وكلاهما بمعنى أي ألقت. بذل المجهود ٣/٢٠٠. وفي نسخة القاري: فقالت بدل وأمَلَّت، وفي البذل: فأملت) كتَبتْ عليّ وأمرَتْني بكتابتها هكذا.(٣) قوله: وصلاة العصر، استَدل به وبحديث حفصة مَنْ قال: إن الصلاة الوسطى غير العصر، يجعل العطف للمغايرة، ومن قال باتحادهما يجعل العطف للبيان، وهو الموافق لما رُوي عن عائشة وحفصة.(٤) أي: ساكنِين أو خاشِعِين أو داعِين، على اختلاف التفاسير. والأول أوفق بشأن نزولها فإنها نزلت نَسْخاً للتكلُّم في الصلاة كما بسطْتُه في رسالتي "إمام الكلام في ما يتعلّق بالقراءة خلف الإِمام.(٥) قوله: يقول في الباقيات الصالحات، أي في تفسير قوله تعالى: (المالُ والبنونَ زينةُ الحياةِ الدنيا والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عندَ رَبِّكَ ثواباً وخيرٌ أملاً) (سورة الكهف: الآية ٤٦) ، وهذا التفسير منقول موقوفاً ومرفوعاً كما بسطه السيوطي في "الدر المنثور"، فأخرجстр. 1828
سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
١٠٠١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابن شهاب وسئل (١) عن الحواشي
(١) قوله: وسئل، أي والحال أن ابن شهاب سئل عن المحصنات من النساء في قوله تعالى (والمحصنات من النساء إلاَّ ما ملكت أيمانكم) عطفاً على أمهاتكم في قوله قبله: (حُرِّمت عليكم أمهاتُكم وبناتُكم وأخواتُكم) (سورة النساء: الآية ٢٣، ٢٤) الآية، قال ابن شهاب: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: هن ذوات الأزواج، فالمعنى حُرِّمت عليكم المحصنات بالفتح اللاتي لهن أزواج ما لم يُطلِّقوا أو يموتوا (إلاَّ ما ملكت أَيْمانكم) يعني السبايا التي سُبين ولهن أزواج في دار الحرب فإنه يحل لمُلاَّكهن وطؤهنَّ بعد الاستبراء لأنَّ بالسبي وتخالف الدارين يرتفع النكاح. وهذا التفسير مرويّ عن ابن عباس عند ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر وعبد بن حميدстр. 1829
المحصَنات مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: هنَّ ذَوَاتُ الأَزْوَاجِ. وَيَرْجِعُ (١) ذَلِكَ إِلَى أَنَّ اللَّهُ حَرَّمَ الزِّنَا.
١٠٠٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رأيتُ (٢) مثلَ مَا رغِبت هَذِهِ الأُمَّةُ عَنْهُ، من الحواشي
(١) أي حاصل هذا التفسير حرمة الزِّنا.(٢) قوله: ما رأيت مثل ما رغبت هذه الأمة عنه، وأعرضت عنه بأن تركت العمل بمقتضاها مثل هذه الآية فإن الآية ناصَّة على أنه يجب الصلح بين المتنازعين وإرشاد الباغين إلى حكم الله ورسوله فإن أبَوْا فالقتل إخلاءً للعالم عن شرِّهم وقد ترك أكثر الناس العمل به، وكان نزول هذه الآية لمّا كانت امرأة من الأنصار تحت رجل وكان بينها وبين زوجها شيء فحبسها فجاء قومها وقومه واقتتلوا بالأيدي والنعال. وقيل: نزلت لما انطلق رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أُبيّ المنافق راكباً على حمار، فلما أتاه قال: إليك عني لقد آذاني نَتَنُ حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجلٌ من قومه فشتما، ووقعت المقاتلة بالأيدي والنعال، كذا ذكره البغوي في "معالم التنزيل"، وقال أيضاً: فيه دليل على أن البغي لا يُزيل اسم الإِيمان، ويدلُّ عليه مل رُوي عن علي أنه سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي عن أهل الجمل وصِفّينстр. 1830
هَذِهِ الآيَةِ: (وإنْ (١) طَائِفَتَانِ مِنَ اْلمُؤْمِنِينْ (٢) اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوْا بَيْنَهُمَا، فَإن بغتْ (٣) إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ (٤) إِلَى أَمْرِ الله فإن فاءت فأصلحوا (٥) بينهما.
١٠٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِ اللَّهِ (٦) : (الزاني لا الحواشي
(١) شرطية.(٢) فيه حجة قويه لأهل السنَّة على أن الكبائر لا تُخرج العبد عن الإِيمان.(٣) من البغي وهو الخروج عن الحدّ، أي تعدَّت.(٤) أي ترجع إلى حكم الله.(٥) بالعدل بحملها على الإِنصاف والرضاء بحكم الله.(٦) قوله: في قول الله، قال البغوي: اختلف العلماء في معنى هذه الآية (سورة النور: الآية ٣) وحكمها، فقال قوم: قدم قوم المهاجرون المدينة، وفيهم الفقراء لا مال لهم ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغايا وهم يومئذٍ مشركات، فرغب ناس من فقراء المهاجرين إلى نكاحهن لينفقن عليهم، فنزلت (وحُرِّم ذلك على المؤمنين) لأنهن مشركات، هذا قول مجاهد وعطاء وقتاة والزهري والشعبي. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة وكانت بمكة بغيٌّ يقال لها عناق، وكانت صديقته في الجاهلية، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها، فقال مرثد: إن الله حرَّم الزنا،стр. 1831
يَنْكِحُ (١) إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا ينكحها إلاَّ زانٍ أو مشرك) ، قَالَ (٢) : وَسَمِعْتُهُ (٣) يَقُولُ: إِنَّهَا نُسخت (٤) هَذَه الآيَةُ بِالَّتِي بَعْدَهَا ثُمَّ قَرَأَ: (وَأَنْكِحُوا (٥) الأَيامى (٦) مِنْكُمْ والصالحين من عبادكم وإمائكم) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حنيفة والعامة من فقهائنا الحواشي
(١) هو وما بعده خبر بمعنى النهي.(٢) أي يحيى بن سعيد.(٣) أي سعيد بن المسيّب.(٤) بصيغة المجهول.(٥) خطاب إلى الأولياء.(٦) جمع أيَّم: مَنْ لا زوج لها وهو مطلق يشمل الزانية وغيرها.стр. 1832
لا بَأْسَ بِتَزَوُّجِ (١) الْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ فَجَرَتْ (٢) ، وَإِنْ يَتَزَوَّجْهَا مَنْ لَمْ يفجُرْ (٣) .
١٠٠٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ : (وَلا جُنَاح (٤) عَلَيْكُمْ فِيمَا عرَّضتم به من خِطبة النساء أو أكْنَتُم في أنفسكم) ، قال: أن (٥) تقول الحواشي
(١) قوله: بتزوّج المرأة (في بذل المجهود ١٠/١٩: مذهب الحنفية في ذلك، وهو ما قاله الجمهور بأن الزانية لا يحرم نكاحها على الزاني ولا على غيره، وكذلك لا يحرم نكاح الزاني بالمؤمنة ولا بالزانية، وقد خالف في ذلك الشيخ ابن القيم في "زاد المعاد" وقال بالحرمة. والله أعلم) ، وإن كان بمن زنى بها وإن كانت حُبْلَى بالزنى، لكن إذا تزوجت الحبلى بالزنا بغير الزاني لا يحل له الوطء إلى وضع الحمل وإن نكحت بالزاني يجوز له الوطء.(٢) أي زنت.(٣) أي من لم يزنِ.(٤) قوله: ولا جُناح، بالضم أي لا إثم. عليكم فيما عرَّضتم به (سورة البقرة: الآية ٢٣٥) ، من التعريض، وهو التلويح بشي يَفهم به السامع مراده من غير التصريح من بيان لما خطبة - بالكسر - وهي التماس نكاح النساء المعتدات المذكورات في ما قبل هذه الآية. أو أكننتم أي أضمرتم وأخفيتم في أنفسكم، كذا في "معالم التنزيل".(٥) بيان للتعريض أي هو قولك للمرأة في حال العدَّة.стр. 1833
لِلْمَرْأَةِ وَهِيَ فِي عِدَّتها مِنْ وَفَاةِ (١) زَوْجِهَا: إِنَّكَ عليَّ (٢) كَرِيمَةٌ وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، وَإِنَّ اللَّهَ سَائِقٌ (٣) إِلَيْكِ رِزْقًا، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ.
١٠٠٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عمر، قال: دُلُوك (٤) الشَّمس مَيْلها. الحواشي
(١) وكذا في عدَّة طلاقها.(٢) أي عندي مكرَّمة.(٣) أي موصلٌ إليك رزقاً حسناً يعني بتزويجي إيّاك.(٤) قوله: دُلوك الشمس، أي المذكور في قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غَسَق - بفتحتين - الليل وقرآنَ الفجرِ كان مشهوداً) (سورة الإِسراء: الآية ٧٨) ، وفيه إشارة إلى الصلوات المكتوبات وأوقاتها، فقرآن الفجر إشارة إلى صلاة الفجر. ومعنى قوله مشهوداً: يشهده ملائكة الليل والنهار المتعاقبون يجتمعون عند ذلك، وبه فسَّر ابن عباس في رواية ابن جرير وابن شيبة وابن مسعود كما في رواية سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر، وأبو هريرة في روايته عن النبي ﷺ ، أخرجه البخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد الرزاق وابن مردويه، وغسق الليل أشار به إلى صلاة العشاء، وبه فسَّره ابن مسعود أخرجه عنه الطبراني، وعن ابن عباس غسق الليل بدء الليل، أخرجه ابن جرير، وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد وعبد الرزاق، عن أبي هريرة: غسق الليل غروب الشمس، فيكون إشارة إلى صلاة المغرب، وعن ابن عباس أنه ظلمة الليل أخرجه ابن الأنباري وابن المنذر فيكون شاملاً لصلاتَيْ المغرب والعشاء، وهو أَوْلى الأقوال. ودلوك الشمس فسره ابن مسعود بالغروب كما أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه، وكذاстр. 1834
١٠٠٦ - أخبرنا مالك، حدثنا داود بن الحصين، عن (١) ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ يَقُولُ: دُلوك الشَّمْسِ مَيْلها (٢) وَغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وظُلْمته.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا قَوْلُ (٣) ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: دُلوكها غُرُوبُهَا، وكلٌّ حَسَن (٤) . الحواشي
(١) قوله: عن، في "موطأ يحيى": مالك عن داود بن الحصين أخبرني مُخْبِر عن ابن عباس، قال ابن عبد البَرّ في "الاستذكار": المُخبر المُبْهم عكرمة، كان مالك يكتم اسمه لكلام ابن المسيّب فيه.(٢) أي زوالها من نصف النهار.(٣) وهو قول عطاء وقتادة ومجاهد والحسن وأكثر التابعين، وقول ابن مسعود اختاره النخعي ومقاتل والضحاك والسُّدِّي، كذا ذكره البغوي.(٤) قوله: وكلٌّ حسن، لأن اللفظ يجمع المعنين فإن أصل الدلوك الميلان، والشمس تميل إذا زالت وإذا غربت، لكن لا يخفى أن التفسير بالزوال أولى القولين لكثرة القائلين، ولأنّا إذا حملنا عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها بخلاف الغروب كذا قال البغوي، ومما يؤيد ترجيح تفسير الزوال بموافقته لكثير من الأخبار المرفوعة، فأخرج ابن مروديه، عن عمر، عن النبي ﷺ لدلوك الشمس، قال: لزوال الشمس. وأخرج البزار وأبو الشيخ وابن مردويه والديلميстр. 1835
١٠٠٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: أَنّ (١) رسول الله ﷺ قال: إِنَّمَا أجَلُكم (٢) فِيمَا خَلا مِنَ الأُمَمِ، كَمَا (٣) بَيْنَ صَلاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ (٤) الشَّمْسِ؟، وَإِنَّمَا مَثَلُكم (٥) وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمّالاً (٦) فقال: من يعمل لي إلى الحواشي
(١) هذا الحديث معروف بحديث القيراط، أخرجه البخاري في مواضع، ومسلم والترمذي وغيرهم وله طرق كثيرة.(٢) بفتحتين أي مدة بقائكم بالنسبة إلى من مضى من الأمم.(٣) أي التشبيه في القلة.(٤) مصدر ميميّ بمعنى الغروب.(٥) قوله: وإنما مثلكم، المثل بفتحتين في المعنى كالمِثْل بكسر الميم، وهو النظير ثم قيل: للمقول (في الأصل: المعقول هو تحريف) السائر الممثل مضربه بمورده مثل، ولم يضربوا مثلاً إلاَّ بقول فيه غرابة، وههنا تشبيه للمركَّب بالمركب فالمشبَّه والمشبَّه به هما المجموعان الحاصلان في الطرفين، وإلاَّ كان القياس أن يقول كمثل أقوام استأجرهم رجل، كذا قال العيني في "عمدة القاري" (عمدة القاري ٥/٥٣) .(٦) بضم العين وتشديد الميم جمع عامل أي قوماً يعملون له العمل بالأجرة.стр. 1836
نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قيراطٍ (١) قِيرَاطٍ؟ قَالَ: فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ (٢) ، ثُمَّ قَالَ (٣) : مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ (٤) النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ (٥) : من يعمل لي من الصلاة العصر إلى المغرب الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، أَلا (٦) فَأَنْتُمُ الَّذِينَ يَعملون مِنْ صَلاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالَ (٧) : فَغَضِبَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وقالوا: نحن أكثر عملاً (٨) الحواشي
(١) قوله: على قيراط قيراط، قال الكرماني في "الكواكب الدراري" القيراط نصف دانق، وأصله قرّاط بالتشديد لأن جمعه قراريط فأُبدل أحد حرفَيْ التضعيف كما في الدينار، والمراد به ههنا النصيب والحصة، وكُرِّر ليدل على تقسيم القراريط على جمعيهم كما هو عادة كلامهم.(٢) أي فهذا مثل اليهود استعملهم الله بأجر إلى مدة طويلة فعملوا.(٣) أي ذلك الرجل المستعمِل.(٤) إشارة إلى قلَّة مدة النصارى بالنسبة إلى اليهود.(٥) أي المستعمِل.(٦) حرف تنبيه نبَّه به النبي ﷺ على فضل هذه الأمة.(٧) أي رسول الله ﷺ .(٨) قوله: نحن أكثر عملاً، قال الكرماني: فإن قلت قول اليهود ظاهر، لأن الوقت من الصبح إلى الظهر أكثر من العصر إلى المغرب، لكن قول النصارى لا يصلح إلاَّ على مذهب الحنفية حيث يقولون: وقت العصر حين يصير ظل كل شيء مثليه، وهذا من جملة أدلتهم فما هو جواب الشافعية عنه حيث قالوا: هو مصير الظل مثلاً وحينئذٍ لا يكون وقت الظهر أكثر من وقت العصر؟ قلت: لا نسلِّم أن وقت الظهر ليس بأكثر منه، ولئن سلَّمنا فليس هو نصّاً في أن كلاً من الطائفتين =стр. 1837
وَأَقَلُّ (١) عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ (٢) مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَإِنَّهُ فَضْلِي (٣) أُعطيه مَنْ شِئْتُ (٤) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ على أن تأخير العصر أفضل (٥) من الحواشي
(١) بالنسبة إلى الأمة المحمدية الآخذة بقيراطين.(٢) أي نقصت من حقكم الذي قرَّرت لكم جزاءً لعملكم شيئاً.(٣) أي تفضُّلي وإحساني.(٤) أي فإني مختار لا أُسأل عما أفعل فلا ينبغي تكلُّمكم إلاَّ إنْ كنت نقصت حقكم (قال الحافظ: فيه حجة لأهل السنَّة على أن الثواب من الله على سبيل الإِحسان منه ﷻ . فتح الباري ٤/٤٤٦) .(٥) قوله: أفضل من تعجيلها، استنبط أصحابنا الحنفية أمرين:
أحدهما: ما ذكره أبو زيد الدبوسي في كتابه "الأسرار" وتبعه الزيلعي شارح "الكنز" وصاحب "النهاية شرح الهداية" وصاحب "البدائع" وصاحب "مجمع البحرين" في "شرحه" وغيره، أنّ وقت الظهر من الزوال إلى صيرورة ظل كل شيء مثليه، ووقت العصر منه إلى الغروب كما هو رواية عن إمامنا أبي حنيفة، وأفتى به كثير من المتأخرين، وجه الاستدلال به بوجوه كلها لا تخلو عن شيء،
أحدها: أن قوله ﷺ : إنما أجلكم فيما خلا كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس يفيد قلة زمان هذه الأمة بالنسبة =стр. 1838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إلى زمان من خلا، وزمان هذه الأمة هو مشبَّه بما بين العصر إلى المغرب فلا بد أن يكون هذا الزمان أقلّ من زمان اليهود، أي من الصبح إلى الظهر، ومن زمان النصارى أي من الظهر إلى العصر ولن تكون القلة بالنسبة إلى زمان النصارى إلاَّ إذا كان ابتداء العصر من حين صيرورة الظل مثليه، فإنه حينئذٍ يزيد وقت الظهر، أي من الزوال إلى المثلين، على وقت العصر من المثلين إلى الغروب، وأما إن كان ابتداء العصر حين المثل فيكونان متساويين.
وفيما ذكره في "قتح الباري" و "بستان المحدثين" و "شرح القاري" وغيرها:
أما أولاً: فلأن لزوم المساواة على تقدير المثل ممنوعة فإن المدة بين الظهر والعصر لو كان بمصير ظل كل شيء مثله يكون أزيد بشيء من ذلك الوقت إلى الغروب على ما هو محقق عند الرياضيين، إلاَّ أن يُقال هذا التفاوت لا يظهر إلاَّ عند الحساب، والمقصود من الحديث تفهيم كل أحد.
وأما ثانياً: فلأن المقصود من الحديث مجرد التمثيل، ولا يلزم في التمثيل التسوية من كل وجه.
وأما ثالثاً: فلأن قلة مدة هذه الأمة إنما هي بالنسبة إلى مجموع مُدَّتَيْ اليهود والنصارى، لا بالنسبة إلى كل أحد، وهو حاصل على كلّ تقدير.
وأما رابعاً: فلأنه يحتمل أن يُراد بنصف النهار في الحديث نصف النهار الشرعي، وحينئذٍ فلا يستقيم الاستدلال.
وأما خامساً: فإنه ليس في الحديث إلاَّ أن ما بين صلاة العصر إلى الغروب أقلّ من الزوال إلى العصر، ومن المعلوم أن صلاة العصر لا يتحقق في أول وقته غالباً، فالقلة حاصلة على كل تقدير، وإنما يتمُّ مرام المستدل إنْ تمَّ لو كان لفظ الحديث ما بين وقت العصر إلى الغروب وإذ ليس فليس.
وثانيها: أن قول النصارى نحن أكثر عملاً لا يستقيم إلاَّ بقلة زمانهم ولن تكون القلة إلاَّ في صورة المثلين، وفيه ما مرَّ سابقاً وآنفاً.
وثالثها: ما نقله العيني أنه جعل لنا النبي ﷺ من زمان الدنيا في مقابلة من كان قبلنا من الأمم بقدر ما بين صلاة العصر إلى الغروب، وهو يدل على أن بينهما أقلَّ من ربع النهار، لأنه لم يبقَ من الدنيا ربع الزمان لحديث: بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبّابة والوسطى، فنسبة ما بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما مضى مقدار ما بين السبّابة والوسطى. =стр. 1839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قال السهيلي (انظر عمدة القاري ٥/٥٣) : وبينهما نصف سبع لأن الوسطى ثلاثة أسباع كل مفصل منهما سبع، وزيادتها على السبّابة نصف سبع. انتهى. وفيه أيضاً ما مرَّ سالفاً.
ثم لا يخفى على المستيقظ أن المقصود من الحديث ليس إلاَّ التمثيل والتفهيم. فالاستدلال لو تمَّ بجميع تقاريره لم يخرج تقدير وقت العصر بالمثلين إلاَّ بطريق الإِشارة. وهناك أحاديث صحيحة صريحة دالة على مضيّ وقت الظهر ودخول وقت العصر بالمثل، ومن المعلوم أن العبارة مقدَّمة على الإِشارة، وقد مرَّ منّا ما يتعلق بهذا المقام في صدر الكلام.
الأمر الثاني ما ذكره صاحب الكتاب من أن هذا الحديث يدل على أن تأخير العصر - أي من أول وقتها - أفضل من تعجيلها. وقال بعض الأعيان متأخِّري المحدثين في " بستان المحدثين" ما معرَّبه: ما استنبطه محمد من هذا الحديث صحيح، وليس مدلول الحديث إلاَّ أن ما بين صلاة العصر إلى الغروب أقل من نصف النهار إلى العصر ليصح قلة العمل وكثرته، وذا لا يحصل إلاَّ بتأخير العصر من أول الوقت. انتهى. ثم ذكر كلاماً مطوَّلاً محصُّله الردُّ على من استدل به في باب المثلين، وقد ذكرنا خلاصته، ولا يخفى أن هذا أيضاً إنما يصح إذا كان الأكثرية لكل من اليهود والنصارى وإلاَّ فلا، كما ذكرنا، مع أنه إنْ صح فليس هو إلاَّ بطريق الإِشارة والأحاديث الدالَّة على التعجيل بالعبارة مقدَّمة عليه عند أرباب البصارة. وقد مر منا ما يتعلق به في صدر الكتاب، والله أعلم بالصواب. ألا ترى، تنوير للمدعى أنه ﷺ جعل ما بين الظهر إلى العصر، أي إلى صلاة العصر أكثر مما بين العصر، أي صلاته إلى المغرب، أي وقته وهو غروب الشمس في هذا الحديث، ومن عجَّل العصر، أي صلَّاه في أول وقته وهو صيرورة الظل مثلاً كما هو رأي جمهور العلماء وبه قال صاحب الكتاب وصاحبه أبو يوسف وهو رواية عن شيخهما أبي حنيفة، بل قيل: إنه رجع إليه وهو الموافق للأحاديث الصحيحة الصريحة. كان ما بين الظهر، أي أول وقته وهو الزوال إلى العصر، أقل مما بين =стр. 1840
[خاتمة المعلق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = العصر، أي وقت صلاته إلى المغرب، قال صاحب "بستان المحدثين" معترضاً عليه انقضاء المثل على حسب قواعد الأظلال إنما يكون عند بقاء رُبع النهار في أكثر البلاد فيكون الوقتان متساويين، لا أقل وأكثر، ثم قال مجيباً يمكن التوجيه بأن مراد الإِمام محمد من قوله ما بين الظهر ما بين وقته المتعارف للصلاة يعني متأخراً عن ابتداء وقته لا سيما في الصيف فإن الإِبراد فيه مستحب. انتهى بمعرَّبه، وفيه ما فيه، فإن وقّت الظهر من الزوال إلى المثل حسبما حققه الحساب يكون أقل من رُبع النهار تحقيقاً، وإن كان ربع النهار تقريباً، وكلام صاحب الكتاب مبنيّ على التحقيق لا على التقريب، فهذا يدل على تأخير العصر، قال القاري: في "شرحه": لا يخفى أن الحديث بظاهره يدل على تأخير دخول وقت العصر كما قال به أبو حنيفة لا على تأخيره بطريق الأفضلية. انتهى. وأنت تعلم أنه دعوى بلا دليل، بل الظاهر خلافه كما ذكرنا تفصليه، وتأخير العصر، أي من أول وقتها أفضل، أي أكثر ثواباً من تعجيلها، أي أدائها في أول وقتها ما دامت الشمس بيضاء نقيّة، بتشديد الياء، وهذا بيان لمدة التأخير، وبيَّن معنى البيضاء النقية بقوله: لم تخالطها، أي الشمس صُفْرة، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، أي فقهاء العراق (ويؤيدهم حديث: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى، فهذا يشير إلى قصر المدة، قال العيني: فشبَّه ما بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما انقضى بقدر ما بين السبابة والوسطى من التفاوت. عمدة القاري ٥/ ٥٣) وقد ذكرنا ما يتعلق بهذا المقام في صدر الكتاب، والعلم عند من عنده أمّ الكتاب.
[خاتمة المعلق]
هذا آخر الكلام في هذا التعليق، والحمد لله على أن جعل لنا التوفيق خير رفيق، والصلاة على رسوله وآله وصحبه الفائزين بأعلى التحقيق، وكان اختتامه يوم الخميس الثامن من شعبان من شهور السنة الخامسة والتسعين بعد الألف والمائتينстр. 1841
تَعْجِيلِهَا، أَلا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ أَكْثَرَ مِمَّا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَمَنْ عجَّل الْعَصْرَ كَانَ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ أَقَلَّ مِمَّا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْخِيرِ الْعَصْرِ، وَتَأْخِيرِ الْعَصْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَعْجِيلِهَا، مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بيضاءَ نقيَّة لَمْ تُخالطها صُفْرةٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تعالى.
الحواشي
(١) = من الهجرة حين إقامتي بالوطن حُفظ عن شرور الزمن، وكان الشروع فيه في شوال من السنة الحادية والتسعين حين إقامتي بحيدر آباد الدكن نقّاها الله عن البدع والفتنстр. 1842
الخاتمة
(يقول الفقير إليه تعالى الدكتور تقي الدين الندوي القاطن بمدينة العين أستاذاً ومعلماً في جامعة الإِمارات العربية المتحدة: فرغت من خدمة هذا الكتاب والتعليق عليه يوم الجمعة في ٢٥ ذي القعدة ١٤١١ هـ، الموافق ٧ يونيو ١٩٩١ م.
اللهم تقبله منا كما تقبلت من عبادك المقربين الصالحين، واجعله خالصاً لوجهك الكريم واغفر لنا ما وقع منا من الخطأ والزلل، وما لا ترضى به من العمل، فإنك عفو كريم رب غفور رحيم.)