← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9804

التعليق الممجد على موطأ محمد

أبو الحسنات اللكنوي

Полный текст (1 842 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

(وذلك في ص ٢٤٩ من الثانية المحققة، وص ١٩٢ من الطبعة الأولى) . الردُّ على من قدح في أبي حنيفة بدعوى تقديمه القياس على السنة: - قال الإمام المحقق ابن حجر المكي الهَيتَمي الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى، في كتابه: "الخيرات الحِسَان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان" (ص ٩٨) : (الفصلُ السابع والثلاثون في الرد على من قدح في أبي حنيفة، لتقديمه القياس على السنة) : قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر [الإمامُ المحدِّث الفقيه المالكي الأندلسي، في "جامع بيان العلم وفضله" (١٤٨: ٢ وما تراه بين هاتين المعكوفتين [] هو من زيادتي على كلام ابن حجر الهيتمي من "جامع بيان العلم") ، في (باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس على غير أصل) بعد أن نَقَل طائفةً من أقوال بعض المحدثين في الغَمز بأبي حنيفة] ، ما يلي: أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي، وتجاوزوا الحد في ذلك، لتقديمه الرأي والقياس على الآثار. وأكثَرُ أهل العلم يقولون: إذا صح الحديث بَطَل الرأي والقياس. وكان رَدُّهُ لما من أخبار الآحاد بتأويلٍ محتَمل. وكثيرٌ منه قد تقدَّمه إليه غيرُه، وتابَعَهُ عليه مثلُه [ممن قال بالرأي] . وجُلُّ ما يُوجَدُ له من ذلك تَبِعَ فيه أهلَ علم بلدِه، كإبراهيم النخعي، وأصحاب ابن مسعود، إلاَّ أنه أكثَرَ من ذلك هو وأَصحابُه. وغيرُهُ إنما يوجد له ذلك قليلاً. [وما أعلمُ أحداً من أهل العلم إلاَّ وله تأويلٌ في آية، أو مَذْهَبٌ في سُنة، فرَدَّ من أجل ذلك المذهب سُنَّةً أخرى بتأويلٍ سائغ، أو ادّعاء نَسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيراً، وهو يوجَدُ لغيره قليلاً] . قال الليث بن سعد: أَحصيتُ على مالك سبعين مسألةً، قال فيها برأيه، وكلُّها مخالفةٌ لسنةِ رسولِ الله ﷺ ، ولقد كتبتُ إليه أعِظُهُ في ذلك. ومِن ثمة لمَّا قيل لأحمد بن حنبل: ما الذي نَقَمتُم على أبي حنيفة؟ قال الرأي،

стр. 37

قيل: أليس مالكٌ تكلَّم بالرأي؟ قال: بلى، ولكن أبو حنيفة أكثَرُ رأياً منه، قيل: فهلاَّ تكلَّمتم في هذا بحصته وهذا بحصته؟ فسكت أحمد. قال أبو عمر: ولم نجد أحداً من علماء الأمة أثبَتَ حديثاً عن رسول الله ﷺ ثم رَدَّه إلاَّ بحُجَّة، كادِّعاءِ نسخ بأثرٍ مِثلِه، أو بإجماع، أو بعملٍ يجبُ على أصلِهِ الانقيادُ إليه، أو طعنٍ في سند. ولو رَدَّهُ أحدٌ من غير حجة لسقطَتْ عدالتُه فضلاً عن إمامتِه، ولَزِمَهُ اسمُ الفِسْق، ولقد عافاهم الله من ذلك. ولقد جاء عن الصحابة ﵃ من اجتهاد الرأي والقولِ بالقياس على الأصول، ما يطولُ ذكرُه، وكذلك التابعون. وعدَّدَ ابنُ عبد البر منهم خلقاً كثيرين. انتهى كلامُ ابن عبد البر، وفيه جوابٌ شافٍ عن ذلك القَدْح. والحاصلُ أنَّ أبا حنيفة لم ينفرد بالقولِ بالقياس، بل على ذلك عمَلُ فقهاء الأمصار كما قاله ابن عبد البر، وبَسَط الكلامَ عليه رَدَّاً على من جَهِلَ فجعَلَ ذلك عَيْباً". انتهى كلام ابن حجر الهَيْتَمي. وهذا القَدْرُ من كلام الإمامين: ابنِ حجر المكي الشافعي، ابن عبد البر الأندلسي المالكي - إلى جانب كلام الإمام ابن تيمية الحَرَّاني الحنبلى - كافٍ في تجليةِ رَدِّ جرح الراوي بالعمل بالرأي، والله أعلم. كلمات في ترجمة الشارح الإمام اللكنوي: - ترجَمَ الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى لنفسه، في ستة كتب من كبار تآليفه، في خاتمة " النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير"، وفي مقدمة كتابه هذا: "التعليق الممجد" في آخر الفائدة التاسعة، وفي مقدمة "السعاية لكشف ما في شرح الوقاية"، وفي مقدمة "عمدة الرعاية لحل شرح الوقاية"، وفي "التعليقات السَّنِيَّة على الفوائد البهية"، وفي مقدمة "الهداية" للإمام المَرْغِيناني. وقد جمعتُ له ترجمةً مطولة مستفيضة من هذه الكتب الستة، وأثتبُّها في أول كتابه "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل"، الذي خدمتُه في طبَعاته الثلاث، وأوفاها ترجمةً له في الطبعة الثالثة، كما ترجمتُ له بتراجم منقولة عن بعض معاصريه أو تلامذته، ومنها الترجمة في أول كتابه "الأجوبة الفاضلة عن الأسئلة العشرة الكاملة"، في مباحث هامة شائكة من علوم مصطلح الحديث الشريف. ومنها في أول كتابه "تحفة الأخيار بإحياء سُنَّة سيد الأبرار" ﷺ الذي قريب الصدور إن شاء الله تعالى.

стр. 38

وقد تحقق عندي واستقَرَّ في نفسي، من تتبعي لكتب الإمام محمد عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى ومؤلَّفاته: رسائلَ صغيرة في صفحات، أو كتباً كبيرة في مجلدات: أنَّ تصانيفَهُ دائماً - على اختلاف مواضيعها - تتميَّزُ بمزايا لا تجتمع عند غيره. ففيها التميُّزُ بالضبط التام الدقيق للألفاظ المقتضية ذلك، والشرحُ الوافي للمعاني، وتبيينُ الأحكام الفقهية - إن كان الموضوع فقهاً - بما يكفي ويشفي. وفيها تراجم العلماء الذين يأتي ذكرُهم في سياق البحثِ عنده، لزيادة التعريف بهم، بإيجاز في محله، وباستيعابٍ في محله. وفيها الحديثُ عن رجال الإسناد أو بيانُ حاله إذا كان المقامُ يقتضي ذلك. وفيها تنوُّع مَعارفه المتوازِنُ المتينُ، في التفسير، والحديث وعلومهما، والفقه، والأصول، والفتاوي، والكلام، والتاريخ، والسِّيَر، والتراجم، والأنساب، واللغة، والنحو، والصرف، والمنطق، والمناظرة، والحكمة. وقلَّ أن يجتمع هذا كلُّه في العلماء. وفيها التمكن التام من الولوج في كل علم أو فن يؤلِّفُ فيه، بل فيه التفوُّقُ والمهارة البارزة والإتقان الظاهر في كل ما يكتبه، وفيها من التواضع البالغ عند عرض المسائل والآراء، التي يختارها أو يرجحها أو يجزم بها ويخطِّئ سواها، فلا انتفاخ ولا صُراخ، ولا استكبار ولا استعلاء، ولا تكلف ولا مغالاة. وفيها الإنصاف والاعتدال، والبعدُ عن التعصب لمذهب أو رأيٍ معيَّن، بوضوح وجلاء، اتباعاً منه للدليل ولوجاهة الرأي المختار. وفيها استيعابُ الاستدلال للمسألة التي يحققها حتى ينتهي بالقارئ إلى الحكم الذي قرَّره ويُقنعَه به. وفيها الصبر والجَلَدُ القوي على مناقشة ما يَحتاج إلى المناقشة بتروٍّ وأناة، ليتميَّز الصوابُ من الخطأ في الموضوع. وفيها كثرةُ المصادر المعروفة وغيرِ المعروفة، يَسردُها بلا كلل ولا ملل، وكأنها كلَّها كالخاتم في يده، أو السطورِ أمامَ عينيه، فينقلُ منها ما يريد، لدعم ما انتهى إلى تقريره بكل أمانة ودقة واستيفاء، وكثير من تلك المصادر التي ينقل منها ما سمع جلَّة العلماء المشتغلين في العلم بأسمائها فضلاً عن معرفتهم بذواتها وقراءتها، فلذا يَكثُر الجديدُ والمفيدُ في كل ما يكتبه.

стр. 39

وإني لأتعجَّبُ كيف نَقَل تلك النقول من مكامنها، وهي في بطون الكتب البعيدة عن الأيدي والأنظار، التي لا فهارس لها ولا أدلةً على مضامِينها، وإني أتصور أنَّ بينه وبين تلك النقول شعاعاً مرشداً إليها ومغناطيساً دالاً عليها أصدَق الدلالة وأدقِّها. نعم الأمرُ كذلك في تصوري، وذلك الشعاع والمغناطيس هو الذَّهنُ الفريدُ المتقد، العجيب، الذي أكرمه الله به، فهو يرشده إلى كل شاذة وفاذة في الباب، فتراهُ يُوردُها في تأليفه دِراكاً تباعاً، حتى كأنه قد استظهرها حفظاً، وتمثَّلها لفظاً. وقد صار طابَعُ الوَلُوع بالتحقيق والتدقيق، وترجيح الراجح وتضعيفِ الواهي في المسألة: عفوياً في حجاه وسِمَةً بارزة في جميع كتبه ومؤلفاته، فقد أَلِفَ واستلذَّ التحقيق واستطعمه حتى صار طبعاً في خاطره وتفكيره، وأُوتيَ الصبرَ عليه، على أنه لم يَسلم من الخطأ الذي ما تنزه عنه إلا الأنبياء الكرامُ عليهم الصلاة والسلام، الذي عصمهم الله تعالى بفضله وكرمه. وكنتُ في أول أمري لمَّا أُطالعُ في كتابه المتميز المفيد: "الفوائد البهية في تراجم الحنفية"، وأراه يقول في تراجم من يترجمهم: (وقد طالعت من كتبه كتاب كذا، وكتاب كذا، وكتاب كذا) . كنتُ أقول هذا القول على التجوُّز، أي أنه يتصفح الكتاب وينظر فيه بالإجمال، لأن الكتب التي يذكر مطالعته لها كثيرة جداً جداً، وبعضها في مجلدات كبار، فهي إلى ندرة وجودها، وأنها من المخطوطات: واسعةٌ متسعة، لا يَصبُر على قراءة الكتاب الواحد منها أمثالُنا! إلا إذا دَفَعَتْه إلى ذلك رغبة حبٍّ وشوق، أو إلزام أتاه من فوق. فلما قرأتُ جملةً من كتبه، واستنرتُ بتآليفه ومداركه العالية عملاً بوصية شيخي الإمام العلامة المحقن محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى، تبيَّن لي أن قوله: (طالعت من كتبه كتاب كذا، وكتاب كذا....) : حقيقةٌ لا تجوُّز فيها، وأنها مطالعةُ العالم الذكي اللوذعي الذي يفهم ويعي، ويحفظ ما قرأ وطالع. ويكون ما قرأهُ من سنين بعيدة منصوباً بين عينيه، ففي كثير من المواضِع والموضوعات، التي يكتبُ أو يؤلفُ فيها، تجدُهُ ينقلُ الكلمة القصيرة الصغيرة من الكتاب الطويل الكبير، فانبهرتُ من حَذَاقته وزكانته وشدةِ استيعابه للموضوع، الذي لا يصلُ إليه المطالعُ المطَّلعُ في مَظِنَّتِه إلى بصعوبة، تراهُ هو قد تناوله بسهولة ويُسر وانسجام.

стр. 40

ومما أذكره مثالاً لهذه السِّمَةِ الساميةِ في كتبه: الكتابُ الكبيرُ الذي سمَّاه "ظفر الأماني في شرح مختصر السيد الجُرجاني"، في علم المصطلح الحديثي ومن أكبر ما أُلِّف فيه، فقد هالني حين حققته واعتنيت به لطبعه كثرةُ النقول فيه من مصادر بعيدة متباينة المواضيع والعلوم. فتراه ينقل الجملة والجملتين، والكلمةً والكلمتين، ثم يُعَرِّحُ على كتاب آخر فينقل منه الصفحة أو نصفَها أو مثيلها، ثم ينتقل إلى كتاب آخر لا يُظَنُّ ولا يَرِدُ إلى الذهن أن يكون فيه الجملةُ التي يلتقطها منه، وتكون هي في موضعها الذي أثبتها فيه كحجرة الخاتم الثمينة في الخاتم النفيس. فللَّه دَرُّه ما أعلمَهُ بالنصوص ومظانها وغيرِ مظانها، وما أصبرَهُ على نقلها وأنقَدَه لاختيارها، والكتبُ أغلبها لديه مخطوطة! وإذا كان هذا شأنَه في الكتاب الكبير الضخم فلا يستغرب أن يكون هكذا شأنُه أيضاً في الكتب الصغيرة والرسائل اللطيفة، كرسالته: "تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار"، وهي من آخر ما اعتنيت بخدمته وتقديمه للطبع، فهذه الرسالةُ على لطافتها حجماً، نَقَل فيها من مصادر مخطوطة ما سمعتُ بأسماءِ كثيرٍ منها فضلاً عن رؤيتها، في الفقه الحنفي وفي غيره، فقد كان لديه مكتبة عامرة جامعة، تستجيبُ لكل علم يريدُ تحقيقَهُ والتأليفَ فيه. فهذا الرجل إمامٌ في العلم، وإمام في كثرة التآليف المفيدة المتقنة، مع قِصَر العمر، فقد عاش تسعاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر، وخلَّفَ أكثر من خمسة عشر ومئةِ كتاب ورسالة، في مواضيع شتى في المنقول والمعقول، شرحاً أو تحشيةً أو تأليفاً مبتكراً مستأنفاً. ولو حُسِبَتْ أيامُ حياته، وقُسِّمَتْ على صفحات مؤلفاته، لأتت بالمدهش العجاب، من وفرة ما يصنِّفُه كلَّ يوم، فأين وقتُ المطالعة والتفكير والنسخ والتسويد والتبييض إن كان لديه تسويد، والأكل والشرب والنوم والأسفار عنده؟ ولكنَّ هناك أناساً آتاهم الله تعالى المواهبَ النادرة الفَذَّة، والقدرةَ العجيبة الباهرة عل احتواء العلم، وتحقيقه، وتدوينه عَذْباً مُضيئاً وَضِيئاً، من شعاع الخاطر إلى رأس

стр. 41

القلم، دون تردُّد أو تعثُّر، أو وهنِ ذهنٍ أو عبارة أو تكدُّر، أو فُتورِ بيان، فأنفاسُهم وخواطرهم تحمِلُ العلم مستقيماً، وأقلامُهم تستقبله كذلك فيَخرجُ عَسَلاً مصفَّى، وتأليفاً قويماً، ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، والإمام اللَّكْنَويُّ الشابُّ منهم، جزاهم الله عن العلم والدين والمسلمين خيرَ الجزاء. أهميةُ طبع كتاب التعليق الممجد: - هذا الكتاب العظيم والشرح الجليل أحَدُ الكتب الكبار التي ألَّفها الإمامُ عبد الحيّ اللَّكنوي، من كتبه الكثيرة البالغة ١١٥ كتاب، وقد بدأ بتأليفه أواخر سنة ١٢٩٢، وكانت سنه ٢٧ سنة، ثم اعترضَتْهُ أسفار وأعراض وأشغال، فأتمَّ تأليفَه في شعبانِ سنة ١٢٩٥. فهي موهبة عجيبة، وقُدرة غريبة، أن يتسنم كتابَ الموطأ شابٌّ هنديٌّ اللغةِ والدارِ في هذه السن، وقد ضمَّنه زاهي علمه وأرقى معرفته في الحديث الشريف وعلومه، وفي الفقه الحنفي والمذاهب الأخرى وسائر ما يتصل بذلك من العلوم من بعيد أو من قريب، فجاء هذا الكتاب درة فريدة من درر العم، وجوهرةً نفيسة من أنفس الجواهر. وسيجدُ القارئ المطالع فيه المزايا التي تميَّز بها الإمامُ اللكنوي وأشرتُ إليها قريباً، وسيُدهَشُ من قُوَّةِ ملكته ناصية التحقيق والتدقيق، والضبطِ والإتقان، ومناقشة المذاهب والآراء، والترجيح والتضعيف، والتجرُّد والإنصاف، دُونَ ليٍّ للنصوصِ ولا اعتساف. هذا الكتاب النفيس طُبح أكثر من خمس مرات في الهند وباكستان، الطباعة الهندية الحجرية، ذات الحواشي الغواشي! والسطورِ المنمنمة، والعبارات المستديرة على جوانب الصفحة الثلاث، والعبارات القصيرة المتداخلة بين السطور، لضبط اسم أو كلمة، أو بيان عطفٍ على معطوف أو إعراب، أو لغة أو رواية، أو اختلاف فيها أو ما إلى ذلك. وبعضُ هذه العبارات القصيرة كُتبَتْ تحت السطر على امتداده ومستواه، وبعضها كُتبَتْ فوق السطر مقلوبة عليه مع قرب السطور وتداخل الكلمات، كما يراه القارئ المتأمل في الصورة المأخوذة عن النسخة المطبوعة في هذه التقدمة، فصارت قراءتُه - مع نفاسة مضمونه في كل جملة شارحة، أو تعليقةٍ موضَّحة - عسيرةً، لا يَصبرُ عليها إلا سادتُنا ومشايخثنا العلماءُ الهنود والباكستانيون، الذي ألِفوا هذه الطريقة في الطباعة الحجرية،

стр. 42

وفي تداخل الكلمات في السطور، وإلا أفرادٌ قليلون من العلماء العرب، الذين يستهويهم التحقيق العلمي والفتوحات الربانية في المطبوعات الهندية، النفيسة المضمون والعلم. وأمَّا عامَّةُ القراء العرب فما أبعدَهم من الصبر على قراءة مثلِ هذا الكتاب، ومن المطبوعات الهندية القديمة، فلذا حُرم من هذا الكتاب وأمثاله كثيرون من إخواننا العلماء العرب، وحيلَ بينهم وبين ما يشتهون. وقد كنتُ منذ ثلاثين سنة نوَّهْتُ بفضل هذا الكتاب ومزاياه، في بعض تعليقاتي على كتاب "الرفع والتكميل"، وقلتُ: إنَّ خُلُوَّ مكتبة العالم منه حِرمانٌ كبير، فأخذت هذا الكلمةُ مأخذها من عَزائم كثير من العماء وبعض الجهات العلمية الرسمية، التي اعتادت نشر الكتب النادرة النفيسة النافعة، فعزمَتْ وزارة الأوقاف في دولة الإمارات العربية المتحدة على طبعه، واهتمت به، وكلَّفتني بتحقيق دولة مقدمته التي قدَّم بها المؤلف قبل الدخول في الشرح، والتي تبلغ كتاباً مستقلاً غير صغير، ونسخَتْها وبعثتها إليَّ، ثم توقَّفَتْ لبعض الأسباب، فوقف الكتاب كما هو! ثم عزَمَتْ مؤسسة شهيرة كبيرة قديرة من دور النشر، على نشره، ونسخته إلى منتصفه، وقدَّمته لي وكلَّفتني بتحقيقه والعناية به، وكنتُ حينئذ في ارتباط علمي ودراسي جامعي ومشاغل زاحمة! لا يمكنني معها أن أتفرغ له كما أحب، ليَخرج كما يَستحق أن يُخرَج به، فتوقفَ نشرُه أيضاً! وأخيراً توجهَتْ هِمَّةُ الأخ الفاضل الشيخ الدكتور تقي الدين النَّدْوي، الهنديُّ المنشأ والدار، العربيُّ المُقام والقرار، إلى نسخه وكتابته والصبر على خدمته بكل دقة وأمانة، ليَخرج إلى القراء بالطباعة الفائقة، والعناية الطبية، وتنزيلِ شروحه وتعليقاته في منازلها، وربطها بالألفاظ المتصلة بها، مع الضبط والإتقان. وكان مما أعانه وشجّعه على ذلك اهتمامُ الأخ الأستاذ محمد على دولة، ناشِرِ الكتب النافعة المختارة المنتقاة، السليمة القويمة، فاستقبل هذا الكتابَ بترحاب واستعداد كامل لنشره، عملاً بثنائي عليه وحَضِّي على طبعه وإخراجه. فلهذين الأخوين الأستاذين الفاضلين يعودُ فضلُ إخراج هذا الكتاب العظيم، ولهما مِنَّةٌ على من يقرأه بهذا العرض الرائق القشيب، وهذا الطبع الفصيح الجميل.

стр. 43

وإني لأقدم شكري الجزيل لهما على تحقيق هذا الأمنية الغالية، التي كانت في نفسي، فحقَّقَاها على خير ما يُستطاع، جزاهما الله خيراً، وتقبل منهما هذا العمل الصالح الثمين بإخراج هذا الكتاب وأمثاله. وحينما تتناولُهُ أيدي القراء العلماء العرب، سيعرفون منه نبوغ العالمِ الشابِّ الهندي عبد الحي اللكنوي، صاحب التصانيف الزائدة على ١١٥ مؤلَّف، ومانتهُ في صفوف العلماء الكبار والمؤلِّفين المكثرين الأخيار، رحماتُ الله تعالى عليه ورضوانُه العظيم. في الرياض يوم الجمعة ٢٧ من صفر سنة ١٤١٢ وكتبه عبدَ الفتَّاح أبو غُدَّة

стр. 44

& بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المحقِّق [د. تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فيَسُرّ المحقِّق ويسعده أن يقدِّم للقراء الكرام كتاب "التعليق الممجد على موطأ محمد" للإمام أبي الحسنات عبد الحي اللكنوي - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - في الطبعة القشيبة المشرقة. كتاب الموطّأ من أشهر ما دُوِّن في النصف الأول من القرن الثاني، هو تأليف إمام دار الهجرة - على صاحبها الصلاة والسلام - أبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأَصبحي الحمريري القحطاني، أحد أعلام الإسلام، وأحد أعيان هذه الأمة، وأحد أركان الملَّة، وأحد من وُضع له القَبول في الأرض، وأحد من سلَّمت له الأمة الإمامة في الحديث والفقه معاً. وكتاب الإمام أبي عبد الله البخاري "الجامع الصحيح المسند من أحاديث رسول الله ﷺ وسُننِه وأيامه" وإن كان أصبح أصح كتاب بعد كتاب الله العزيز عند جمهور العلماء لما له من مزايا في التزام أمور وشروط، وآداب وعادات، في تخريجه الحديث، وانتقائه ما لم يشاركه فيه أحد من معاصريه، ولا ممن سبقه، مع ذلك فإن موطَّأ الإمام مالك أصبح قدوة وأسوة للبخاري، ولمن جاء بعده، فهو الذي انتهج هذا المنهج، وسلك مسلك الانتقاء والاصطفاء، وفتح هذا الباب من الجمع

стр. 45

بين الحديث والفقه، وآثار الصحابة وأقوال التابعين، فللإمام مالك ولكتابه منَّة على رقاب الأمة جميعاً. وتهافت على روايته وسماعه عن المؤلف الإمام محدِّثون وأئمة فقهاء، وعلماء وملوك، كما لم يتفق لغيره من الكتب ذلك، وقد أفرد له القاضي عياض باباً في المدارك ("ترتيب المدارك": ٢/١٧٠) . واشتهر من رواته جماعة نُسبت إليهم نُسَخ الموطَّأ: منهم الإمام محمد بن الحسن الشيباني الكوفي، صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان، والإمام يحيى بن يحيى المصمودي الأندلسي، ونسخة يحيى هي المعروفة بين أهل العلم، قد شرحها جمع من المتقدمين والمتأخرين، ومنهم شيخنا المحدِّث الكبير محمد زكريا الكاندهلوي المتوفَّى سنة ١٩٨٢ بالمدينة المنورة، على صاحبها الصلاة والسلام، وأسمى شرحه "أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك"، طُبع في القاهرة في خمسة عَشَرَ مجلداً. وقد قام باستيفاء من شرحه قديماً وحديثاً من أقدم عهد إلى عهده في الفائدة العاشرة من الفصل الثاني من مقدمة الكتاب. وأما نسخة محمد بن الحسن الشيباني، فلم يشرحها إلا الشيخ بيرى زاده، والشيخ علي القاري، ثم جاء بعدهما الإمام عبد الحي اللّكنَوي، فقام بشرح الكتاب فكفى وشفى. والكتاب كان بالخط الفارسي، وطُبع في الهند مراراً طباعة حجرية دقيقة بحيث لا تكاد تبدو للناظر، وقد كان ذلك من أسباب زهد كثير من فضلاء العرب في الاستفادة منه، وانصرافهم عنه، وقد طال طلب إخواننا طبْع هذا الكتاب على الحروف الجديدة وفي الحروف العربية وحدها كما ذكر الشيخ عبد الفتاح أبو غُدّة في هامش "الرفع والتكميل" (في ص ٦٥) ، وقد طُبع هذا الكتاب العظيم مرات كثيرة، وكلها

стр. 46

في الهند نسأل اللَّه أن ييسِّر لنا طبعه في بلادنا، فإن خلوَّ مكتبة العالم منه لَحِرمان كبير. وقد أمرني سماحة الأستاذ الكبير أبو الحسن علي الندوي بتحقيق هذا الكتاب العظيم، وانتساخ هوامشه ووضعها في محلها، فاشتغلت به متوَكِلاً على الله تعالى. إن هذا الشرح لموطأ مالك برواية الإمام محمد بن حسن الشيباني زينة الشروح، وصاحبه كان آية من آيات الله في العلم والإخلاص والتقوى، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (سورة البقرة: آية ٢٨٢) . هذا ويرى القارئ في الكتاب مسلكَ مالكٍ في السنن، وروحَ أبي حنيفة في الاستنباط، وعلمَ الشافعي في التأصيل والتفريع، وورع أحمد في الاحتياط. عملي في هذا الكتاب: -١ - انتسختُ هوامش الكتاب ووضعتها في محلها. -٢ - صحَّحتُ الكتاب وإذا وجدت فيه تحريفاً أو تغايراً ذا بال، نبَّهت إليه. -٣ - علَّقتُ على مواضع كثيرة من الكتاب بما يستكمل مقاصده ويزيد فرائده وفوائده. -٤ - وإذا ترددت في كلمة من الشرح رجعت إلى المصادر التي نقل منها المؤلف، وتأكّدتُ من صحتها. -٥ - كان المؤلف عليه الرحمة والرضوان - كعادته في أكثر كتبه - قد علَّق في حواشي الكتاب تراجم لكثير ممَّن ذَكَرَهم من العلماء وختمها بقوله: (منه) . فإني وضعت محله (ش) إيذاناً بأنها من المؤلف الشارح. -٦ - وضعت فِهْرساً عامّاً للكتاب.

стр. 47

وفي الختام أسأله تعالى أن يتقبَّل منا ومن جمع من ساهم في إخراج هذا الكتاب، وأن يوفِّقنا لخدمة السُّنَّة المطهرة وعلومها، وأن يحسن ختامنا ويرحم والدينا ومشايخنا وسائر المسلمين، إنه وليُّنا ومولانا، ونعم النصير. د. تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة

стр. 48

تَرجمَة "العَلاّمة فَخر الهِند عبد الحَي اللَّكنَوي" (من "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواطر"، للشيخ السيد عبد الحيّ الحَسَني (م ١٣٤١ هـ) : ٨/٢٣٤) . الشيخ العالِم الكبير العلاّمة، عبد الحيّ، بن عبد الحليم، بن أمين الله بن محمد أكبر أبي الرحم، بن محمد يعقوب، بن عبد العزيز، بن محمد سعيد، بن الشيخ الشهيد قطب الدين الأنصاري السهالوي اللَّكْنوي: العالمُ الفاضلُ النحرير، أفضل من بثَّ العلوم، فأروى كلَّ ظمآن. وُلد في سنة أربع وستين ومئتين وألف ببلدة باندا، وحفظ القرآن، واشتغل بالعلم على والده وقرأ عليه الكتب الدرسية معقولاً ومنقولاً، ثم قرأ بعض كتب الهيئة على خال أبيه المفتي نعمة الله بن نور الله اللكهنوي، وفرغ من التحصيل في السابع عشر من سنِّه، ولازم الدرس والإفادة ببلدة حيدر آباد مدّةً من الزمان، وفَّقه الله سبحانه للحج والزيارة مرتين: مرة في سنة تسع وسبعين مع والده، ومرة في سنة ثلاث وتسعين بعد وفاته، وحصلت له الإجازة عن السيد أحمد بن زيني دحلان الشافعي، والمفتي محمد بن عبد الله بن حميد الحنبلي بمكة المباركة، وعن الشيخ محمد بن محمد الغربي الشافعي، والشيخ عبد الغني بن أبي سعيد العمري الحنفي الدهولي بالمدينة المنورة، ثم إنه أخذ الرخصة (أي التقاعد من الوظيفة) من الولاة بحيدر آباد وقَنِع بمئتين وخمسين ربّيّة بدون شرط الخدمة، وقدم بلدته لكهنوء، فأقام بها مدة عمره، ودرّس وأفاد وصنّف وذكّر. وإني حضرت بمجلسه غير مرة، فألفيته صبيح الوجه أسود العينين، نافذ اللحظ، خفيف العارضين، مسترسل الشعر، ذكيّاً فَطِناً، حادَّ الذهن، عفيف

стр. 49

النفس، رقيق الجانب، خطيباً مصقعاً، متبحراً في العلوم معقولاً ومنقولاً، مطّلعاً على دقائق الشرع وغوامضه، تبحّر في العلوم، وتحرّى في نقل الأحكام، وحرّر المسائل، وانفرد في الهند بعلم الفتوى، فسارت بذكره الرُّكبان، بحيث إن علماء كل إقليم يشيرون إلى جلالته. وله في الأصول والفروع قوة كامة، وقدرة شاملة، وفضيلة تامة، وإحاطة عامّة، وفي حسن التعليم صناعة لا يقدر عليها غيره، وكان إذا اجتمع بأهل العلم وجرت المباحثة في فنّ من فنون العلم لا يتكلم قط، بل ينظر إليهم ساكتاً، فيرجعون إليه بعد ذلك، فيتكلم بكلام يقبله الجميع، ويقنع به كل سامع، وكان هذا دأبه على مرور الأيام، لا يعتريه الطيش والخِفّة في شيء كائناً ما كان. الحاصل أنه كان من عجائب الزمن، ومن محاسن الهند، وكان الثناء عليه كلمةَ إجماع، والاعترافُ بفضله ليس فيه نزاع. وكان على مذهب أبي حنيفة في الفروع والأصول، ولكنّه كان غير متعصِّب في المذهب، يتتبع الدليل، ويترك التقليد إذا وَجد في مسألة نصّاً صريحاً مخالفاً للمذهب، قال في كتابه "النافع الكبير": (ومن مِنَحه - أي منح الله سبحانه - أني رُزقت التوجُّه إلى فن الحديث وفقه الحديث، ولا أعتمد على مسألة مالم يوجد أصلها من حديث أو آية، وماكان خلاف الحديث الصحيح الصريح أتركه، وأظن المجتهد فيه معذوراً، بل مأجوراً، ولكني لست ممّن يُشوّش العوام الذين هم كالأنعام، بل أُكلّم الناس على قدر عقولهم ... ) . انتهى. وقال بُعَيْدَ ذلك: (ومن مِنَحه أنه جعلني سالكاً بين الإفراط والتفريط، لا تأتي مسألة معركة الآراء بين يديّ إلاَّ أُلهمت الطريق الوسط فيها، ولست ممن يختار التقليد البحت بحيث لا يترك قول الفقهاء وإن خالفته الأدلة الشرعية، ولا ممّن يطعن عليهم، ويهجر الفقه بالكلية) . انتهى. وقال في "الفوائد البهيّة" في ترجمة عصام بن يوسف: (ويُعلم أيضاً أن الحنفي لو ترك في مسألةٍ مذهبَ إمامه بقوة دليل خلافاً لا يخرج به عن ربقة التقليد، بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد، ألا تري أن "عصام بن يوسف"

стр. 50

ترك مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع، ومع ذلك هو معدود في الحنفية (قال الإمام وليّ الله الدهلوي - رحمه الله تعالى - في كتابه "حجة الله البالغة" (١/١٢٦) : "قيل لعصام بن يوسف ﵀: إنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة ﵀؟ قال: لأن أبا حنيفة أُوتي من الفهم ما لم نُؤتَ، فأدرك بفهمه ما لم ندرك! ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم") . ويؤيِّده ما حكاه أصحاب الفتاوى المعتمدة من أصحابنا من تقليد أبي يوسف يوماً الشافعيَّ في طهارة القُلَّتَيْن، وإلى الله المشتكى من جهلة زماننا حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة واحدة لقوة دليلها، ويُخرجونه عن مقلِّديه! ولا عجب منهم فأنهم من العوامّ، وإنما العجب ممن يتشبّه بالعلماء، ويمشي مشيهم كالأنعام) . انتهى. وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصيرته في الفقه له بسطة كثيرة في علم النسب والأخبار، وفنون الحكمة، وكان ذا عناية تامّة بالمناظرة، يُنبِّه كثيراً في مصنفاته على أغلاط العلماء، ولذلك جرت بينه وبين العلامة عبد الحق بن فضل حق الخير آبادي مباحثات في تعليقات حاشية الشيخ غلام يحيى على "ميرزاهد رسالة" وكان الشيخ عبد الحق يأنف من مناظرته، ويريد أن لا يُذاع رده عليه. وكذلك جرت بينه وبين السيد صِدِّيق حسن الحسني القِنَّوجي فيما ضَبَط السيد في "إتحاف النبلاء" وغيره من وَفَيَات الأعلام نقلاً عن "كشف الظنون" وغيره، وانجرّت إلى ما تأباه الفطرة السليمة، ومع ذلك لمّا توفي الشيخ عبد الحي المترجَم له تأسف بموته تأسَّفاً شديداً، وما أكل الطعام في تلك الليلة، وصلى عليه صلاة الغيبة، نظراً إلى سعة إطّلاعه في العلوم والمسائل. وكذلك جرت بينه وبين العلاّمة محمد بشير السَّهسَواني في مسألة شد الرحل لزيارة النبي ﷺ . ومن مصنفاته رحمه الله تعالى ...

стр. 51

(سَرَد المؤلف هنا مصنفات الإمام اللكنوي ويأتي ذكر أكثرها في (ترجمته في هذه المقدمة بقلمه) سوى أني زدت ما فات ذكرها في ترجمته: في فن الصرف: ١ - تكملة الميزان، ٢ - شرحها. وفي فن المنطق والحكمة: ١ - الكلام الوهبي المتعلق بالقطبي، ٢ - حاشية على شرح تهذيب المنطق لعبد الله اليزدي. وفي فن المناظرة: ١ - حاشية على شرح الشريفية المشتهر بالرشيدية. وفي علم التاريخ: ١ - مقدمة السعاية، ٢ - ومقدمة عمدة الرعاية، ٣ - وإبراز الغَيّ في شفاء العَيّ، ٤ - وتذكرة الراشد بردّ تبصرة الناقد، ٥ - وطربُ الأماثل بتراجم الأفاضل، ٦ - ورسالة في الرؤيا المنامية التي وقعت لي، ٧ - وفرحة المدرسين بذكر المؤلّفات والمؤلفين. وفي فن الفقه والحديث: ١ - القول الجازم في سقوط الحد بنكاح المحارم، ٢ - وتعليقه، ٣ - وردع الإخوان عمّا أحدثوه في آخر جمعة رمضان، ٤ - وعمدة الرعاية بحل شرح الوقاية، ٥ - وجمع المواعظ الحسنة لخطب شهور السنة، ٦ - والآيات البينات على وجود الأنبياء في الطبقات، ٧ - وجمع الغرر في الرد على نَثر الدرر، ٨ - ونفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل، ٩ - والآثار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة ١٠ - وغيث الغمام على حواشي إمام الكلام، ١١ - ومجموعة الفتاوى (ثلاثة مجلدات كبار) ، ١٢ - وحاشية على شرح السيد الجرجاني للسراجية في الفرائض، ١٣ - وحاشية على الهداية، ١٤ - وظفر الأماني في شرح المختصر المنسوب للجرجاني في المصطلح، ١٥ - والرفع والتكميل في الجرح والتعديل، ١٦ - وتعليق على الجامع الصغير. ومن مصنفاته التي لم تتم: منها ١ - خير العمل بذكر تراجم علماء فرنكي محلّ (لم يتم) ، ٢ - والنصيب الأوفر في تراجم علماء المائة الثالثة عشر (لم يتم) . وقال سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه: "المسلمون في الهند" (ص ٤٠) : ويبلغ عدد مؤلفات علامة الهند فخر المتأخرين الشيخ عبد الحيّ اللكنوي (١١٠) منها (٨٦) كتاباً بالعربية. وكانت وفاته لليلة بقيت من ربيع الأول سنة أربع وثلاثمئة وألف. ودفن بمقبرة أسلافه، وكنتُ حاضراً ذلك المشهد، وكان ذلك اليوم من أنحس الأيام، اجتمع الناس في المدفن من كل طائفة وفِرقة أكثر من أن يُحصروا، وقد صلُّوا عليه ثلاث مرات) .

стр. 52

مقَدِّمَة الشَّارح الحمد لله الذي اصطفى من عباده رسلاً وأنبياء، وجعل أفضلهم وأكملهم خاتَمَ الأنبياء، فهدى بهم الأمم الطاغيَة والفِرَق الباغِيَة، أحمده حمداً كثيراً، وأشكره شكراً جميلاً على أن اختار لأفضل أنبيائه وزراء ونقباء وخلفاء وأبدالاً ونجباء، من اقتدى بأحدهم اهتدى، ومن ترك سبيلهم ولم يتمسَّك بسننهم استحق الحفرة الحامية. أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسولُه، صاحب المعجزات الباهرة، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وتَبَعه إلى يوم الآخرة. وبعد فيقول عبده الراجي عفو ربه (في الأصل: عفوه القوي، والظاهر عفو ربه القوي) القوي، معدن السيئات ومخزن المخالفات المكنّى بأبي الحسنات، المدعو بعبد الحي اللَّكنَوي، ابن مولانا الحاج الحافظ محمد عبد الحليم، أدخله الله دار النعيم: لا يخفى على أولي الألباب أنّ أفضل العلوم علمُ السُّنَّة والكتاب، وأن أفضل الأعمال القيام بخدمتها ونشر أسرارهما، وكثيراً ما كان يختلج في قلبي أن أشرح كتاباً في الحديث وأكشف أسراره بالكشف الحثيث، باعثاً لرضا نبينا شفيع المذنبين، ورضاه رضا رب العالمين، عسى الله أن يجعلني ببركته من الصالحين، ويحشرني في زمرة الحدِّثين مع الأنبياء والصديقين. إلاَّ أن ضيق باعي قد كان يثبّطني عن القيام في هذا المقام إلى أن أشار إلىَّ (في الأصل: "إليه" والظاهر "إليَّ") بعضُ من أمْرُهُ حتم وإرشاده غنم أن أحشِّيَ موطَّأ الإمام مالك الذي قال الإمام الشافعيُّ في حقه: (ما على ظهر الأرض كتابٌ بعد كتاب الله أصحّ من كتاب مالك) (تزيين الممالك: ص ٤٣) ، وأعلق عليه حاشية وافية وتعليقات كافية. فتذكّرتُ ما رأيت في المنام في السنة الثامنة والثمانين والمائتين (في الأصل: "والمائتين" ساقطة) بعد الألف من الهجرة - على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم والتحية - كأنِّي دخلت في المسجد النبوي بالمدينة الطيبة، فإذا أنا بالإمام مالك

стр. 53

جالساً فيه، فحضرت عنده، وصافحته، وقلت له: كتابكم "الموطأ" لي فيه اختلاجات وشكوك، أرجو أن أقرأه عليكم لتحل تلك الشكوك، فقال فرحاً ومسروراً: هات به واقرأه عندي، فقمت من هناك لآتي به من بيتي، فاستيقظتُ، وحمدت الله على هذه الرؤيا الصالحة، وشكرته. فكأنّ في هذه الرؤيا إشارة من الإمام مالك إلى توجُّهي إلى مؤطئه (في الأصل "بموطئه" وهو تحريف، والصواب: "إلى موطئه") والاشتغال بدرسه وتدريسه وشرحه. فلما تذكَّرتُ هذا صمَّمت عزمي بتعليق تعليق عليه، وشدَّدت مِئزري لكتابة حاشية عليه، وكان في بلادنا في أعصارنا من نسخه نسختان متداولتان: نسخة يحيى الأندلسي، ونسخة محمد بن الحسن الشيباني من أجل تلامذة الإمام أبي حنيفة، لا زال مغبوطاً بالفضل الرحماني، فاخترت لتعليق التعليق النسخة الثانية لوجهين: أحدهما: أن النسخة الأولى قد شرحها جمع من المتقدمين والمتأخرين، ونسخة محمد لم يشرحها إلاّ الفاضلان الأكملان بيرى زاده، وعلي القاري فيما بَلَغَنا، وأنا ثالثهما إن شاء ربنا، فاحتياجها إلى التحشِّي والشرح أكثر ونفعه أكمل وأظهر. وثانيهما: أن نسخة محمد مرجَّحة على موطّأ يحيى لوجوه سيأتي ذكرها في المقدِّمة، ونافعة غاية النفع لأصحابنا الحنفية خصّهم بالألطاف الخفية. فشرعت في كتابة تعليق عليه مسمّىً (في الأصل: "مسمِّياً") بـ "التعليق الممجَّد على موطّأ الإمام محمد"، وفي شهر شوال من السنة الحادية والتسعين حين إقامتي بحيدر أباد - الدكن، صانه الله عن البدع والفتن، وكتبت قريباً من النصف، وبلغت إلى كتاب الحج، ثم ببركته يسَّر الله لي سفر الحجّ وسافرت في شوال من السنة الثانية والتسعين إلى الحرمين الشريفين مرة ثانية، رزقنا الله العودة إليهما مرة ثالثة، ومرة بعد مرة إلى أن أُتوفَّى في المدينة الشريفة، ثم رجعت في الربيع الأول من السنة الثالثة والتسعين إلى الوطن - حُفظ عن شرور الزمن - وابتليت مدة بالأمراض العديدة التي ابتليت بها في تلك الأماكن الشريفة إلى أن رزقني الله النجاة منها ببركة الأدعية

стр. 54

والأذكار المأثورة، لا بالأدوية المعمولة، فاشتغلت بإتمامه مع زيادات لطيفة فيما أسلفته، فجاء بفضل الله وعونه بحيث تنشرح به صدور الأفاضل، وتنشط به آذان الأماثل، وأرجو من إخوان الصفا وخِلاّن الوفا أن يطالعوه بنظر الإنصاف، لا بنظر الاعتساف، ويصلحوا ما وقع فيه من الخطأ والخلل، وما أبرِّئ نفسي من السهو والزلل، فإن البراء من كلِّ خطأ ليس من شأن البشر، إنما هو شأن خالق القوى والقَدَر، وأستغفر الله من زلّة القَدَم وطغيان القلم، مما علمتُ وما لم أعلم، ورحم الله امرءاً أصلح السهو والنسيان أو دعاني بخير الدنيا والآخرة بحضرة المَلِك المنَّان، وقد جنحتُ في هذا التعليق إلى أمور يُحسنها أرباب الشعور: أحدها: أني لم أُبال بتكرار بعض المطالب المفيدة في المواضع المتفرقة ظناً مني أن الإعادة لا تخلو عن الإفادة، مع أني كلما أعدت أمراً ذكرتُهُ لم أجعله خالياً عن أمرٍ مفيدٍ زدته. وثانيها: أني التزمتُ بذكر مذاهب الأئمة المختلفة مع الإشارة إلى دلائلها بقدر الضرورة وترجيح بعض على بعض، ولعمري إنها طريقة حسنة، قلَّ من يسلكها في زماننا، وإلى الله المشتكى من عادات جهلاء بلادنا، بل من صنيع كثير من فُضَلاء أعصارنا، حيث يظن بعضهم أن المذهب الذي تمذهب به مرجَّح في جميع الفروع، وأن كل مسألة منه بريئة عن الجروح، وبعضهم يسعى في هَدم بنيان المذاهب المشهورة، وينطق بكلمات التحقير في حق الأئمة المتبوعة، وأبرأ إلى الله من هؤلاء وهؤلاء، ضلَّ أحدهما بالتقليد الجامد، وثانيهما بالظن الفاسد والوهم الكاسد، يتنازعون فيما لا ينفعهم بل يضرّهم، ويبحثون في ما لا يعنيهم، وينادي منادي كلٍّ منهما في حق آخرهما بالتكفير والتضليل والتفسيق والتجهيل، ومع ذلك يحسبون أنهم يحسنون ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (سورة الشعراء: آية ٢٢٧) ﴿إنَّما أَمرُهُم إلَى اللَّه ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلونَ﴾ (سورة الأنعام: آية ١٥٩) ، ولعلمي أنّ (في الأصل: "هذه الاختلافات" بدون "أن") هذه الاختلافات الواقعة بين الأئمة

стр. 55

في الفروع الفقهية المأخوذة من اختلافات الصحابة والروايات النبوية ليس فيها تفسيق ولا تضليل، ومن نطق بذلك فهو أحقّ بالتضليل. وثالثها: أني أسندتُ البلاغات والأحاديث المرسلة وشيّدت الموقوفة بالمرفوعة. ورابعها: أني أكثرت من ذكر مذاهب الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم من الأئمة المجتهدين والمعتَبرين ليتنبه الهائم ويتيقّظ النائم، ويعلم أن اختلاف الأئمة رحمة، وأن لكل منهم قدوة. وخامسها: أني ذكرت تراجم الرواة وأحوالهم وما يتعلق بتوثيقهم وتضعيفهم من دون عصبيَّة مذهبية وحميَّة جاهلية، وربما تجد فيه تكراراً لا يخلو عن الإفادة، فإن الإعادة لا يخلو عن ذكر اختلاف أو زيادة. وسادسها: أني قد وجدت نسخ الموطأ مختلفة كثيرة الاختلاف، فذكرت اختلافها، وبينت الغير (هكذا جاء في الأصل، وهو استعمال خاطئ وغلط شائع، لما جمع فيه من إدخال "أل" على "غير" مع الإضافة إلى ما فيه "أل"، وصوابه أن يقال "غير الصحيح") ، الصحيح والصحيح منها من دون اعتساف. وسابعها: أني نبَّهت على السهو والزلاَّت التي صدرت من عليٍّ القاريّ في "شرحه" في شرح المقصود أو تنقيد الرواة خوفاً من أن ينظره أحد ممن ليس له حظ في هذه الفنون، فيقع في الخطأ وسيء الظنون، لا تحقيراً لشأنه وكشفاً لنسيانه، فإني من بحار علمه مغترِف وبفضله معترِف، والمتأخر وإن كان علمه أوسع وكلامه أنفع إلاَّ أن الفضل للمتقدم والشرف للأقدم. هذا، وأسأل الله تعالى خاشعاً متضرِّعاً أن يتقبَّل منِّي هذا التأليف وسائر تأليفاتي، ويجعلها خالصة لوجهه وذريعة لإقبال نبيه وسبباً لنجاتي، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وكان ذلك حين كنت مغبوطاً بين الأقران والأماثل ومحسوداً للأماجد والأفاضل بالمنن الفائضة عليّ، والإنعامات الواصلة إليّ من حضرة من هو قمر أقمار الوزارة، نور حديقة الرئاسة، سحاب ماطر الإنعام والإحسان، بحرُ زاخر الإكرام والامتنان، سدّته الرفيعة ملجأ للأماجد والأفاضل،

стр. 56

وعتبته العلية محط الرجال (في الأصل: "رجال"، وهو تحريف.) الأماثل، يأتون إليه من كل مَرمَى سحيق، ويستفيضون من بحر فضله العميق، بأن ينشد في حقه ما أنشده التَّفْتازاني في حق ملكه: أقامت في الرقاب له أيادي * هي الأطواق والناس الحمام باسط بساط العدل والإنصاف، هادم قصر الجَور والاعتساف، هو الذي ضرب به (في الأصل: "ضربه" وهو تحريف) المثل في حسن الانتظام والأفضال، وذكر اسمه عند أرباب الإقبال آصف السلطنة النظامية، وزير الدولة الآصفية: النواب مختار الملك سالار جنك تراب عليخان بهادر، لا زالت أقمار دولته طالعة، وشموس إقباله بازغة، اللهم كما منحت على عبادك بفضله ولطفه فامنن عليه بعلوّ درجة في الدنيا والآخرة، واحفظه بحفاظتك من بليات الدنيا والآخرة بحرمة نبيك سيِّد الأنبياء وآله رؤوس الأتقياء.

стр. 57

مقَدمة: فيهَا فوائد مُهمَّة [الفائدة] الأولى: في كيفية شيوع كتابة الأحاديث وبَدْء تدوين التصانيف، وذكر اختلافها مَقصِداً، وتنوّعها مسلكاً، وبيان أقسامها وأطوارها . - قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (إمام الحفّاظ أحمد بن علي بن محمد العسقلاني المصري الشافعي، المتوفى سنة ٨٥٢ هـ وقد ذكرت ترجمته في التعلقيات السنية على الفوائد البهية في تراجم الحنفية (ش)) : في "هدي الساري" (١/١٧ - ١٨ وفي الأصل: "الهدي الساري" وهو تحريف) . مقدمة شرحه لصحيح البخاري المسمّى بفتح الباري. أعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النبي ﷺ لم تكن في عصر النبي ﷺ وعصر أصحابه وكبار تَبَعِهم مدوّنة في الجوامع ولا مرتَّبة، لوجهين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوا عن ذلك، كما ثبت في "صحيح مسلم" خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم، والثاني: سعة حفظهم وسيلان ذهنهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لمّا انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عَروبة وغيرهما، فكانوا يصنّفون كلّ باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني فدوّنوا الأحكام، فصنف الإمام مالك الموطأ، وتوخّى فيه القويّ من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وصنّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن الأَوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وابن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالريّ، وكان هؤلاء في

стр. 58

عصر واحد، فلا يدرى أيهم سبق، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم الى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي ﷺ خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنفوا المسانيد، فصنف عبد الله بن موسى العبسي مسندا، ثم صنف نعيم بن حامد الخزاعي نزيل مصر مسندا، ثم اقتفى الأئمة أثرهم في ذلك، فقلّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه في المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل واسحاق ابن راهويه وعثمان ابن أبو شيبة وغيرهم، ومنهم من صنف على الأبواب والمسانيد معا" كأبي شيبة، فلما رأى البخاري هذة التصانيف، ووجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشتمل على الضعيف، فحّرك همتّه لجمع الحديث الصحيح. انتهى كلامه (ليس غرض الحافظ أن كتابة الحديث لم تبدأ إلا في أواخر عصر النابعين، بل غرضه أن الكتابة بصورة الكتب والرسائل لم يشرع فيها إلى ذاك الوقت، وإلا فمجرد الكتابة كان من زمن النبي ﷺ ، وهناك روايات كثيرة صريحة في زمنه ﷺ ، واستقر الأجماع على جوازها انظر: مقدمة "أوجز المسالك". ١/١٣، ١٤) . وقال ابن الأثير الجزري (هو مبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الجزري، نسبة الى جزيرة ابن عمر بلدة الشافعي، مؤلف "جامع الأصول" و "النهاية" في غريب الحديث، وله أخ معروف بابن الأثير مؤلف "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" وهو أبو الفتح نصر الله المتوفي سنة ٦٢٧ هجري، وأخ آخر مؤلف "أسد الغابة في أخبار الصحابة" اسمة عز الدين علي المتوفي سنة ٦٢. هجري، وكثيراً ما يشتبه أحدهم بالآخر، وقد سقطت تراجمهم في التعليقات (ش) ، في مقدمة كتابه "جامع الأصول" (١/٤٣ـ٤٦) : والناس في تصانيفهم التي جمعوها مختلفو الأغراض، فمنهم من قصر همته على تدوين الحديث مطلقا ليحفظ لفظه وليستنبط له الحكم، كما فعله عبيد الله بن موسى العبسي وأبو داود الطيالسي وغيرهما من أئمة الحديث أولاً، وثانياً الإمام أحمد بن حنبل ومن بعده، فإنهم أثبتوا الأحاديث في مسانيد رواتها، فيذكرون مسند أبي بكر الصديق مثلاً، ويثبتون فيه كل ما روي عنه، ثم يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد

стр. 59

واحد على هذا النسق، ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به، فان كان في معنى الصلاة ذكروه (في الأصل: فيه ذكروه) في باب الصلاة، وإن كان في معنى الزكاة ذكروه في باب الزكاة كما فعله مالك بن أنس في (الموطأ) ، إلا أنه لقلة ما فيه من الأحاديث قلت أبوابه، ثم اقتدى به من بعده، فلما انتهى الأمر إلى البخاري ومسلم وكثرت الأحاديث المودعة في كتابيهما كثرت أبوابهما وأقسامهما، واقتدى بهما من جاء من بعدهما وهذا النوع أسهل مطلباً من الأول، لوجهين: الأول: أن الإنسان قد يعرف المعنى الذي يطلب الحديث من أجله وإن لم يعرف راويه ولا في مسند من هو، بل ربما لا يحتاج الى معرفة راويه. والوجه الثاني: أن الحديث إذا ورد في كتاب الصلاة علم الناظر فيه أن هذا الحديث هو دليل ذلك الحكم من أحكام الصلاة، فلا يحتاج إلى أن يتفكر به. ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظاً لغوية ومعاني مشكلة، فوضع لها كتاباً على حدة، قصره على شرح الحديث وشرح غريبه وإعرابه ومعناه، ولم يتعرض لذكر الأحكام، كما فعله أبو عبيدة القاسم بن سلام وعبد الله بن مسلم بن قتيبة وغيرهما ومنهم من ضاف الى هذا ذكر الأحكام وآراء الفقهاء مثل أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي وغيره. ومنهم من قصد ذكر الغريب دون متن الحديث، واستخرج الكلمات الغريبة دونها كما فعله ابو عبيدة أحمد بن محمد الهروي وغيره. ومنهم من قصد استخراج أحاديث تتضمن ترغيبا وترهيبا وأحاديث تتضمن أحكاماً شرعية فدونها وأخرج متونها وحدها كما فعله أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في كتاب "المصابيح". وغير هؤلاء المذكورين من أئمة الحديث لو رمنا أن نستقصي ذكر كتبهم واختلاف أغراضهم ومقاصدهم لطال الخطب ولم ينتهي إلى حد انتهى

стр. 60

وقال أيضاً قبيل ذلك (١/ ٤٠ - ٤٣) : لما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة وتفرق أصحابهم وأتباعهم، وقل الضبط، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقيده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يمل، والقلم يحفظ ولا ينسى، فانتهى الأمر إلى زمان جماعة من الأئمة مثل عبد الملك بن جريج ومالك بن أنس وغرهما ممن كان في عصرهما، فدونوا الحديث حتى قيل: إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج، وقيل موطأ مالك، وقيل: إن أول من صنف وبوب الربيع بن صبيح في البصرة، ثم انتشر جمع الحديث وتدوينه وسطره في الأجزاء والكتب، وكثر ذلك، وعظم نفعه إلى زمن الامامين أبي عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، فدّونا كتابيهما، وأثبنا من الحديث ما قطعا بصحته، وثبت عندهما نقله، وسمياّ كتابيهما الصحيح من الحديث، وأطلقا هذا الإسم عليهما، وهما أوّل من سمىّ كتابه بذلك. ولقد صدقا فيما قالا وبرا فيما زعما، ولذلك رزقهما الله من حسن القبول في شرق الأرض وغربها وبرها بحرها والتصديق لقولهما والانقياد لسماع كتابيهما ما هو ظاهر مستغن عن البيان، ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف والجمع والتأليف وتفرقت أغراض الناس وتنوعت مقاصدهم إلى أن انقرض ذلك العصر الذي كانا فيه، وجماعة من العلماء قد جمعوا وألفوا مثل أبي عيسى الترمزي وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي وغيرهم من العلماء الذين لا يحصون، وكان ذلك العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم، وإليه المنتهى، ثم من بعده نقص هذا الطلب، وقل ذلك الحرص وفترت تلك الهمم، وكذلك كل نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها فإنه يبتدئ قليلا قليلا، ولا يزال ينمي ويزيد ويعظم إلى أن يصل إلى غاية هي منتهاه ويبلغ إلى أمد أقصاه، فكان غاية هذا العلم إلى زمن البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما، ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا، وسيزداد تقاصراً والهمم قصوراً. انتهى.

стр. 61

وقال السيوطي في كتابه "الوسائل إلى معرفة الاوائل" (ص ١٠٠ - ١٠١) : أول من دون الحديث ابن شهاب الزهري في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره ذكره الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، وأخرج أبو نعيم في"حلية الأولياء" (حلية الأولياء: ٣/ ٣٦٣) عن مالك بن أنس، قال: أول من دوّن العلم ابن شهاب، وقال مالك في الموطأ برواية محمد بن الحسن: أخبرنا يحيى بن سعيد بن عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى أَبِي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ سُنَّتِهِ أَوْ حَدِيثِ عُمَرَ أَوْ نَحْوِ هَذَا فَاكْتُبْهُ لِي، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء (انظر سنن الدارمي: ١/١٢٦؛ وتقييد العلم ص ١٠٥) . وأول من صنف في الحديث ورتبه على الأبواب مالك في المدينة وابن جريج بمكة، والربيع بن صبيح أو سعيد بن أبي عروبة أو حماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالريّ، وابن مبارك بخراسان، قال الحافظان بن حجر والعراقي: وكان هؤلاء في عصر واحد، فلا يدرى أيهم سبق، وذلك في سنة بضع وأربعين ومائة. وأول من أفرد الأحاديث المسندة دون الموقوفات والمقاطيع على رأس المائتين عبيد الله بن موسى بالكوفة، ومسدّد بالبصرة، وأسد بن موسى الأموي بمصر، ونعيم بن حماد الخزاعي (في الأصل: "الخراعي"، وهو تحريف) . واختلف في أول من صنف المسند من هؤلاء، فقال الدارقطني: نعيم، وقال الخطيب: أسد بن موسى، وقال الحاكم: عبيد الله، وقال العقيلي: يحيى الحماني، وقال ابن عدي: أول من صنف المسند بالكوفة عبيد الله، ومسدد أول من صنف المسند بالبصرة، وأسد أول من صنف المسند بمصر، وهو قبلهما، وأقدمهما موتاً (انظر الرسالة المستطرفة ص ٣٦ - ٣٧؛ وتدريب الراوي ص ٨٩؛ ومنهج ذوي النظر ص ١٨) وأول من صنف في الصحيح المجرد البخاري، ذكره ابن الصلاح، واحترز بالمجرد الذي زاده عن الموطأ، فإنه أيضا صحيح لكنه محتوي على الموقوفات والمقاطيع. انتهى.

стр. 62

وفي (تنوير الحوالك على الموطأ مالك للسيوطي) (١/٤ - ٥) : أخرج الهروي في "ذمم الكلام" من طريق الزهري، قال: أخبرني عروة ابن الزبير أن عمر ابن الخطاب أراد أن يكتب السنن، واستشار فيها أصحاب رسول الله، فأشار إليه عامتهم بذلك. فلبث عمر شهراً يستخير الله في ذلك شاكاً فيه، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: إني كنت ذكرت لكم في كتاب السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت، فإذا أناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً، فأكبّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء، فترك كتاب السنن. وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا قبيصة بن عقبة، أنا؟؟ سفيان، عن معمر، عن الزهري، قال: أراد عمر أن يكتب السنن، فاستخار الله شهراً، ثم أصبح وقد عزم له، فقال: ذكرت قوماً كتبوا كتابا فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله، وأخرج الهروي من طريق يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دينار، قال: لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الحديث، إنما كانوا يؤدونها لفظاً، ويأخذونها حفظاً إلا كتاب الصدقات، والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف عليه الدروس، وأسرع في العلماء الموت، فأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أبي بكر الحزمي فيما كتب إليه أن انظر ما كان من سنة أو حديث عمر فاكتبه. وقال مالك في "الموطأ" برواية محمد بن الحسن عن يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العزيز كتب إلى أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حزم أن انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ أو سنته (في الأصل: "سنة"، وهو تحريف) أَوْ نَحْوِ هَذَا فَاكْتُبْهُ لِي، فَإِنِّي قَدْ خفت دروس العلم وذهاب العلماء، علَّقه البخاري في صحيحه، وأخرجه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" بلفظ: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث (في الأصل: "أحاديث"، وهو تحريف) رسول الله فاجمعوه، واخرج ابن عبد البر في "التمهيد" من طريق ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: كان عمر بن عبد العزيز يكتب الى الأمصار يعلمهم الفقه والسنن، وكتب الى المدينة يسالهم عما مضى، وأن يعلموا بما عندهم، ويكتب الى ابي بكر بن حزم أن يجمع السنن، ويكتب إليه بها، فتوفي عمر، وقد كتب ابن حزم كتابا قبل أن يبعث بها إليه. انتهى.

стр. 63

وفي "تنوير الحوالك" (١/٦) أيضاً: قال أبو طالب المكي في "قوت القلوب": هذة المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين أو ثلاثين ومئة، ويقال: إن أول ما صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في الأثار، وحروف من التفاسير، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن، جمع فيه سنن منثورة مبوبة، ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك؟، ثم جمع ابن عيينة كتاب الجامع والتفسير في أحرف من القرآن وفي الأحاديث المتفرقة، وجامع سفيان الثوري صنفه أيضاً في هذة المدة، وقيل أنها صنفت سنة ستين ومئة. انتهى. الفائدة الثانية: في ترجمة الإمام مالك - (انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء: ٨/٤٨، ترتيب المدارك: ١/١٠٢، ٢٥٤؛ وفيات الأعيان: ٤/١٣٥، ١٣٩؛ تهذيب التهذيب: ١٠/٥ وطبقات الحفاظ ص ٨٩؛ وتهذيب الكمال: ٧/١٣٩؛ ومقدمة أوجز المسالك ١/١٧، ٥٥. وليس في الإمكان حصر الكتب التي ألفت في سيرته، أو ترجمت له، ولي كتاب "الإمام مالك ومكانة كتابه الموطأ" مطبوع) . وما أدراك ما مالك؟! إمام الأئمة، مالك الأزمة، رأس أجلة دار الهجرة، قدوة علماء المدينة الطيبة، يعجز اللسان عن ذكر أوصافه الجليلة، ويقصر الإنسان عن ذكر محاسنه الحميدة. وقد أطنب المؤرخون في تواريخهم والمحدثون في تواليفهم في ذكر ترجمته وثنائه، وصنف جمع منهم رسائل مستقلة في ذكر حالاته كأبي بكر أحمد بن مروان المالكي الدينوري المصري المتوفى سنة عشر وثلاث مائة على ما في "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون " (٢/١٨٤١) ، وأبو الروح عيسى بن مسعود الشافعي المنوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة، والجلال السيوطي الشافعي المصري صنف رسالة سماها "تزيين الأرائك بمناقب الإمام مالك" ولنذكر ههنا نبذاً من أحواله ملخصا من "معدن اليواقيت الملتمعة، في مناقب الأئمة الأربعة" وغيره من كتب ثقات الأمة قاصداً فيه الاختصار، فالتطويل يقتضي الأسفار الكبار. فأما اسمه ونسبه، فهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن

стр. 64

عمرو بن الحارث بن غيمان - بغين معجمة وياء تحتية - ويقال عثمان (قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: ٨/٧١: وهذا لم يصح) بن جثيل بجيم وثاء مثلثة ولام - وقيل خثيل بخاء معجمة - بن عمرو بن الحارث الأصبحي المدني، نسبة إلى أصبح بالفتح قبيلة من يعرب بن قحطان. وجده الأعلى أبو عامر ذكره الذهبي في"تجريد الصحابة". وقال: كان في زمان النبي ﷺ ، ولابنه مالك رواية عن عثمان وغيره. وأما ولادته ووفاته. فذكر اليافعي في "طبقات الفقهاء" أنه ولد سنة أربع وتسعين، وذكر ابن خلِّكان وغيرُه انه ولد سنة خمسة وتسعين، وقيل سنة تسعين (قال الذهبي في المصدر السابق ٨/٤٩: الأصح في سنة ثلاثة وتسعين) ، وذكر المزِّي في "تهذيب الكمال" وفاته سنة تسعة وسبعون ومائة ضحوة رابع عشر من ربيع الأول، وحمل به في بطن أمه ثلاث سنين وكان دفنه بالبقيع وقبره يزار ويتبرك به. وأما مشايخه وأصحابه فكثيرون فمن مشايخه: إبراهيم بن أبي عبلة المقدسي، وإبراهيم بن عقبة، وجعفر بن محمد الصادق، ونافع مولى بن عمر، ويحيى بن سعيد، والزهري، وعبد الله بن دينار وغيرهم. ومن تلامذته سفيان الثوري، وسعيد بن منصور، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن الأوزاعي وهو أكبر منه، وليث بن سعد من أقرانه، والإمام الشافعي محمد بن ادريس، ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم. وأما ثناء الناس عليه ومناقبه فهو كثير: قال أبو عمر (ذكر بعضهم في كنيته، أبو عمرو بالواو، وذكر الزرقاني في "شرح المواهب" أن كنيته أبوعمر بضم العين بدون الواو (ش)) بن عبد البَرّ في كتاب "الأنساب": أن الإمام مالك بن أنس كان إمام دار الهجرة، وفيها ظهر الحق وقام الدين، ومنها فُتحت البلاد وتواصلت الأمداد، وسمي عالم المدينة، وانتشر علمه في الأمصار، واشتهر في سائر الأقطار، وضربت له أكباد الإبل، وارتحل الناس إليه من كل فج عميق، وانتصب للتدريس، وهو ابن سبعة عشر سنة، وعاش قريباً من

стр. 65

تسعين، ومكث يفتي الناس ويعلم الناس سبعين سنة، وشهد له التابعون بالفقه والحديث. انتهى. وفي "الروض الفائق" أنه العالم الذي يشير إليه (في الأصل: "به"، وهو خطأ) النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الترمزي (أخرجه الترمزي في كتاب العلم، رقم الحديث ٢٦٨٠) وغيره، وهو قوله ﷺ : "ينقط العلم فلا يبقى عالم أعلم من عالم المدينة". وفي حديث آخر عن أبي هريرة: "يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل، فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة". قال سفيان بن عيينة: كانوا يرون مالكاً، وقال عبد الرزاق: كنا نرى أنه مالك فلا يعرف هذا الإسم لغيره، ولا ضربت أكباد الإبل إلى أحد مثل ما ضربت إليه. وقال مصعب: سمعت مالكاً يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون شيخاً أني أهلٌ لذلك، وقال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. وقال رجل للشافعي: هل رأيت أحداً ممن أدركت مثل مالك؟ فقال: سمعت من تقدّمنا في السن والعلم يقولون: ما رأينا مثل مالك، فكيف نرى مثله؟ وقال حماد بن سلمة: لو قيل لي اختر لأمة محمد ﷺ من يأخذون عنه العلم لرأيت مالك بن أنس لذلك موضعاً ومحلاً. وقال محمد بن ربيع حججت مع أبي وأنا صبي فنمت في مسجد رسول الله فرأيت في النوم رسول الله كأنه خرج من قبره وهو متّكئ على أبي بكر وعمر، فقمت، وسلّمت، فردّ السلام، فقلت: يا رسول الله، أين أنت ذاهب؟ قال: أقيم لمالك الصراط المستقيم، فانتبهت وأتيت أنا وأبي إلى مالك، فوجدت الناس مجتمعين على مالك وقد أخرج لهم الموطّأ، وقال محمد بن عبد الحكيم: سمعت محمد بن السري، يقول: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في المنام، فقلت: حدّثني بعلم أحدّث به عنك. فقال: يا ابن السري، إني قد وصلت بمالك بكنز يفرقه عليكم، ألا وهو "الموطّأ"، ليس بعد كتاب الله ولا سنتي في إجماع المسلمين حديث أصح من "الموطأ"، فاستمعه تنتفع به. وقال يحيى بن سعيد: ما في القوم أصح حديثاً من مالك، ثم سفيان الثوريّ وابن عيينة. وقال أبو مسلم الخزاعي: كان مالك إذا أراد أن يجلس (أي للتحديث) توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، وتطيّب، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك،

стр. 66

فقال: أوقّر به حديث رسول الله. وقال ابن المبارك: كنت عند مالك وهو يحدثنا بحديث رسول الله، فلدغته عقرب ستّ عشرة مرة، وهو يتغير لونه، ويصفر وجهه، ولا يقطع الحديث، فلما تفرق الناس عنه قلت له: لقد رأيت اليوم منك عجباً، فقال: صبرت إجلالاً لحديث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ يتغير لونه، وينحني، فقيل له في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم. وذكر ابن خلّكان (وفيات الأعيان: ٤/١٣٦) : كان مالك لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنّه، يقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﷺ مدفونة. الفائدة الثالثة: في ذكر فضائل الموطّأ وسبب تسميته به وما اشتمل عليه . - قال السيوطي في "تنوير الحوالك" (١/٦، ٨) : قال القاضي أبو بكر بن العربي في "شرح الترمزي": الموطّأ هو الأصل الأول واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمزي. وذكر ابن الهيّاب (في الأصل: ابن الهباب، وهو تحريف) أن مالكاً روى مئة ألف حديث، جمع منها في الموطّأ عشر آلاف حديث، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة، ويختبرها بالآثار والأخبار حتى رجعت إلى خمسمائة. وقال إِلْكيَا الهَرَّاسي في تعليقه في الأصول: إن موطّأ مالك كان اشتمل على تسعة ألاف حديث، ثم لم يزل ينتقي حتى رجع إلى سبعمائة. وأخرج أبوالحسن بن فهر في "فضائل مالك" عن عتيق بن يعقوب، قال: وضع مالك الموطّأ على نحو من عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه في كل سنة، ويسقط منه حتى بقي منه هذا ... وأخرج ابن عبد البّر عن عمر بن عبد الواحد صاحب الأوزاعي، قال: عرضنا على مالك الموطّأ في أربعين يوماً فقال كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوما، ما أقل ما تفقهون فيه! ... وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني الأصفهاني: قلت لأبي حاتم الرازيّ: لم سُمِّي موطّأ مالك بالموطّأ؟ فقال شيء قد صنّفه ووطّأه للناس، حتى قيل موطّأ مالك، كما قيل جامع سفيان، وقال أبو الحسن بن

стр. 67

فهر: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن فراس، سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أحمد الخلنجي، يقول: سمعت بعض المشايخ يقول: قال مالك: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة، فكلُّهم واطأني عليه فسَّميتُه الموطأ، قال ابن فهر: لم يسبق مالكاً أحداً إلى هذه التسمية، فإن من ألف في زمانه سمى بعضهم بالجامع، وبعضهم بالمصنف، وبعضهم بالمألف، والموطأ: الممهد المنقح، وفي القاموس وطّأه هيّأه ودمّثه وسهَّله، ورجل الموطأ الأكناف سهل دمث كريم مضياف، أويتمكَّن في ناحيته صاحبه، غير مؤذ ولا ناب (وفي الأصل: "ثاب" وهو تحريف) به موضعه، وموطأ العقب سلطان يتبع، وهذه المعاني كلها تصلح في هذا الاسم على سبيل الاستعارة، وأخرج ابن عبد البر عن المفضل بن محمد بن حرب المدني، قال أول من عمل كتاباً بالمدينة على معنى الموطأ من ذكر ما اجتمع عليه أهل المدينة عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعمل ذلك كلاماً بغير حديث فأتي به مالك فنظر فيه، فقال: ما أحسن ماعمل هذا، ولو كنت أنا الذي عملت لابتدأت الآثار، ثم شدّدت ذلك بالكلام، ثم إنه عزم على تصنيف الموطأ، فصنفه، فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت، فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال: ائتوني بماعملوا به، فأتي به فنظر في ذلك ثم نبذه وقال: لتعلمنّ أنه لا يرتفع إلا ما أريد به وجه الله، قال: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وقال الشافعي: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، أخرجه ابن فهر من طريق يونس بن عبد الأعلى عنه، وفي لفظ: ما وضع على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك، وفي لفظ: ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صواباً من موطّأ مالك، وفي لفظ: ما بعد كتاب الله أنفع من الموطّأ، وقال الحافظ مغلطاي أول من صنف الصحيح مالك (شرح الزرقاني: ١/٨) . وقال الحافظ بن حجر: كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما، قلت: ما فيه من

стр. 68

المراسيل فإنها مع كونها حجة عنده بلا شرط، وعند من وافقه من الأئمة على الإحتجاج بالمرسل، فهي أيضا حجة عندنا، لأن المرسل عندنا حجة إذا اعتضد، وما من مرسل في الموطّأ إلا وله عاضد أو عواضد، فالصواب إطلاق أن الموطّأ صحيح كله، لا يستثنى منه شيء، وقد صنف ابن عبد البر كتاباً في وصل ما في الموطّأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال: وجميع ما فيه من قوله: بلغني، ومن قوله: عن الثقة عنده، مما لم يسنده: أحد وستون حديثاً كلها مسندة، من غير طريق مالك إلا أربع لا تعرف: أحدها: حديث إنِّي لأَنسى أَو أُنَسَّى لأَسُنَّ (وفي الأصل: "لا أنسى ولكن أنسى"، وهو تحريف؛ وأخرجه مالك في كتاب السهو: ١/١٠٠) ، والثاني أن النبي ﷺ أُري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، والثالث: قول معاذ آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ وقد وضعت رجلي في الغرزان، قال: حسّن خلقك للناس، والرابع: إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة. انتهى. وفي "سير النبلاء" للذهبي (هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان التركماني الدمشقي المتوفي سنة ٧٤٨ هـ (ش)) في ترجمة الشيخ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح الشهير بابن حزم الظاهري الأندلسي القرطبي (سِيَر أعلام النبلاء: ١٨/١٨٤) المتوفى في شعبان سنة ٤٥٦ هـ ست وخمسين بعد أربعمائة بعد ما ذكر مناقبة ومعائبة: وإني أنا أميل إلى محبة أبي محمد لمحبته بالحديث الصحيح، ومعرفة به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير مسألة، ولكن لا أكفره، ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علمه، ورأيته ذكر قول من يقول: أجل المصنفات الموطّأ، فقال: بل أولى الكتب بالتعظيم صحيحا البخاري ومسلم، وصحيح ابن السكن، ومنتقى ابن الجارود، والمنتقى لقاسم ابن أصبغ، ثم بعدها كتاب أبي داود، وكتاب النسائي، ومصنف القاسم بن

стр. 69

أصبغ، ومصنف أبي جعفر الطحاوي، قلت: ما ذكر سنن ابن ماجه ولا جامع أبي عيسى الترمزي، فإنه ما رآهما ولا أدخلا إلى الأندلس إلا بعد موته، قال: ومسند البزار، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحق، ومسند الطيالسي، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند ابن سنجر، ومسند عبد الله بن محمد المسندي، ومسند يعقوب بن شيبة، ومسند علي بن المديني، ومسند ابن أبي غرزة، وما جرى مجرى هذه الكتب التي أفردت بكلام رسول الله صرفاً، ثم الكتب التي فيها كلامه وكلام غيره، ثم مصنف عبد الرزاق، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة، ومصنف بقيّ بن مخلد، وكتاب محمد بن نصر المروزي، وكتاب ابن المنذر الأكبر والأصغر، ثم مصنف حماد بن سلمة، وموطّأ مالك بن أنس، وموطّأ ابن أبي ذئب، وموطّأ ابن وهب، ومصنف وكيع، ومصنف محمد بن يوسف الفريابي، ومصنف سعيد بن منصور، ومسائل أحمد، وفقه أبي عبيد، وفقه أبي ثور، قلت ما أنصف ابن حزم، بل رتبة الموطّأ أن يذكر تلو الصحيحين مع سنن أبي داود النسائي (تدريب الراوي ص ٥٤، والأجوبة الفاضلة ص ٤٧. عدّ الجمهور الموطّأ في الطبقة الأولى من كتب الحديث منهم الإمام ولي الله الدهلوي وابنه العلامة عبد العزيز الدهلوي. مقدمة أوجز المسالك ١/٣٢) ، لكنه تأدب، وقدم المسندات النبوية الصرفة، وإن للموطّأ لوقعاً في النفوس ومهابةً في القلوب، لا يوازيها شيء. انتهى كلام الذهبي (سِيَر أعلام النبلاء: ١٨/٢٠١ - ٢٠٣) . الفائدة الرابعة: قد يُتَوَهَّم التعارض بين ما مرَّ نقله عن الشافعي أن أصح الكتب بعد كتاب الله الموطّأ، وقول جمهور المحدثين أن أصح الكتب كتاب البخاري، ثم كتاب مسلم، وأن أعلى الأحاديث من حيث الأصحية ما اتفقا عليه ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما كان على شرط مسلم، ثم باقي الصحاح على حسب مراتبها، ومنهم من فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري فإن كان مراده من حيث الأصحية، فهو غلط، وأن كان من وجه آخر، فهو أمر خارج عن البحث،

стр. 70

ولإبن الهمام في "فتح القدير" (٣/١٨٦) حاشية الهداية كلام في هذا المقام، لكنه مدفوع بعد دقة النظر عند الأعلام، وتفصيل هذا البحث مذكور في شروح الألفية وشروح شرح النخبة ودراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب، وجوابه على ما في "فتح المغيث شرح ألفية الحديث" للسخاوي (هو شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي: نسبة إلى سخا قرية من أعمال مصر، تلميذ الحافظ ابن حجر، المتوفى سنة ٩٠٢ هـ بالمدينة المنورة. (ش)) ، و"تدريب الراوي شرح تقريب النواوي" للسيوطي، وغيرهما أن قول الشافعي كان قبل وجود كتاب البخاري ومسلم (فتح المغيث ١/٢٧، وتدريب الراوي ١/٩١) . وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة " فتح الباري" (ص ١٠) نقلاً عن"مقدمة ابن الصلاح": أما ما روينا عن الشافعي أنه قال: ما أعلم في الأرض كتاباً في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك، ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ أصح من الموطّأ، فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم، ثم أن كتاب البخاري أصح الكتابين، وأكثرهما فوائد. انتهى. وقال أيضاً: قد استشكل بعض الأئمة إطلاق تفضيل البخاري على كتاب مالك مع اشتراكهما في اشتراط الصحة والتثبّت والمبالغة في التحري، وكون البخاري أكثر حديثاً لا يلزم منه أفضلية الصحة، والجواب عن ذلك أن ذلك محمول على شرائط الصحة، فمالك لا يرى الانقطاع في الإسناد قادحاً، فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات والبلاغات في أصل موضوع كتابه، البخاري يرى أن الانقطاع علّة، فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع كتابه، كالتعليقات والتراجم، ولا شك أن المنقطع وإن كان عند قوم مما يحتج به فالمتصل أقوى منه إذا اشترك رواتهما في العدالة والحفظ، فبان بذلك فضيلة صحيح البخاري، واعلم أن الشافعي إنما أطلق على الموطّأ فضيلة الصحة بالنسبة إلى الجوامع الموجودة في زمانه، كجامع سفيان الثوري ومصنف حماد بن سلمة وغير ذلك، وهو تفضيل مسلم لا نزاع فيه. انتهى.

стр. 71

الفائدة الخامسة: من فضائل الموطّأ اشتماله كثيراً على الأسانيد التى حكم المحدثون عليها بالأصحية . - وقد اختلف فيه، فقيل: أصح الأسانيد ما رواه محمد بن مسلم بن عبد الله بن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهذا مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، صرّح به ابن الصلاح، وقيل: أصحّها محمد بن سيرين، عن عبيدة بن عمرو السّلماني، عن علي بن أبي طالب، قاله علي بن المديني، وعمرو ابن علي الفلاّس. وقيل إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قاله يحيى بن معين والنسائي. وقيل: الزهري عن زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب حكاه ابن الصلاح عن أبي بكرٍ بن أبي شيبة، والعراقي عن عبد الرازق، وقيل مالك عن نافع، عن ابن عمر، وهذا قول البخاري، وبه صدق العراقي كلامه وهو أمر تميل إليه النفوس، وتنجذب إليه القلوب، وبناءً على هذا قال أبو منصور عبد القاهر التميمي البغدادي: إن أجل الأسانيد: الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، لأنه لم يكن في الرواه عن مالك أجل من الشافعي، (انظر مقدمة ابن الصلاح ص ٨٦، طبع بتحقيق الدكتور عائشة عبد الرحمن على هامشها محاسن الاصطلاح) . وبنى عليه بعضهم أن أجلَّها أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك عن نافع عن إبن عمر، لكون أحمد أجلَّ من أخذ عن الشافعي، وتسمى هذه الترجمة سلسلة الذهب. وتعقب الحافظ مغلطاي أبا منصور التميمي في ذكره الشافعي، برواية أبي حنيفة، عن مالك إن نظرنا إلى الجلالة، وابن وهب والقَعْنَبِي إن نظرنا إلى الإتقان، وقال البلقيني في "محاسن الإصطلاح" (ص ٨٦) : أما أبو حنيفة، فهو وإن روى عن مالك كما ذكره الدارقطني، لكن لم تشتهر روايته عنه كاشتهار رواية الشافعي، وقال العراقي: رواية أبي حنيفة عن مالك فيما ذكره الدارقطني في (غرائبه) ليست من روايته عن نافع ابن عمر، والمسألة مفروضة في ذلك، نعم ذكر الخطيب حديثا كذلك في روايته عن مالك، وقال الحافظ ابن حجر: أما اعتراضه

стр. 72

بأبي حنيفة فلا يحسن، لأن أبا حنيفة لم يثبت روايته عن مالكك، وإنما أوردها الدارقطني ثم الخطيب لروايتين وقعتا لهما عنه، بإسنادين فيهما مقال، وأيضاً فإن رواية أبي حنيفة عن مالك إنما هي فيما ذكره في المذاكرة، ولم يقصد الرواية عنه كالشافعي الذي لازمه مدة طويلة، وقرأ عليه الموطأ بنفسه. وأما اعتراضه بابن وهب والقَعنَبي (ينسب إلى جده قعنب - بفتح القاف وسكون العين وفتح النون - وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة، أحد رواة الموطّأ عن مالك، توفي بالبصرة سنة ٢٢١ هـ) ، فلا شك أن الشافعي أعلم منهما، وقال غير واحد: إن ابن وهب غير جيد التحمُّل، فيحتاج إلى صحة النقل عن أهل الحديث أنه كان أتقن الرواية عن مالك، نعم كان كثير اللزوم به. انتهى ملخّصاً. وقيل: أصح الأسانيد شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب يعني عن شيوخه، وقيل: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة، ذكره الخطيب عن ابن معين، وقيل يحيى بن أبي كثير بن أبي سلمة عن أبي هريرة، قاله سليمان بن داود الشاذكوني، وقيل: أيوب عن نافع عن ابن عمر، رواه خلف بن هشام البزار عن أحمد، وقيل: شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة عن أبي موسى الأشعري نقله الخطيب عن وكيع، وقيل: سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، قاله ابن مبارك والعجلي. هذا ما في "تدريب السيوطي" (انظر تدريب الراوي ص ٧٤ - ٧٧) و "شرح شرح نخبة الفكر" لملاّ أكرم السندي (ص ٥٠ - ٥١) . وفي المقام تفصيل ليس هذا موضع ذكره. الفائدة السادسة: قال السيوطي: في "تنوير الحوالك " (ص ١/١٠ - ١٢) : الرواة عن مالك فيهم كثرة جداً بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته، وقد أفرد الحافظ أبو بكر الخطيب كتاباً في الرواة عن مالك، أورد فيه ألف رجل إلا سبعة، وذكر القاضي عياض أنه ألف في رواته كتاباً، وذكر فيه نيفاً على ألف اسم وثلاثمائة، وأما الذين رووا عنه الموطّأ، فعقد لهم القاضي في المدارك باباً، وسمّى منهم غير الأربعة المشهورين -

стр. 73

وسيأتي ذكرهم - الشافعي، ومطرف بن عبد الله، وعبد الله بن عبد الحكم، وبكار بن عبد الله الزبيري، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وزياد بن عبد الله الأندلسي، وسبطون (هكذا في الأصل، والصحيح شبطون بشين معجمة موحدة وطاء مهملة: شرح الزرقاني ١/٦) بن عبد الله الأندلسي، ومحمد بن شروس الصنعاني، وأبا قرة السكسكي، وأبا (في الأصل: "أبو فلان"، وهو تحريف) فلان السهمي البغدادي، وأحمد بن منصور النامزاني، وقتيبة بن سعيد وعتيق بن يعقوب الزبيري، وأسد بن الفرات القروي، وإسحق بن عيسى الطباع، وبديرةَ المغني البغدادي، وحفص بن عبد السلام الأندلسي وأخاه حسان، وحبيب بن أبي حبيب، وخلف بن جرير بن فضالة، وخالد بن نزارة الإيلي، والغازي بن قيس الأندلسي، وقرعوس بن العباس الأندلسي، ومحرزّ المدني، وسعيد ابن عبد الحكم الأندلسي، وسعيد بن أبي هند الأندلسي، وسعيد بن عبدوس الأندلسي، وعبد الأعلى بن مسهر الدمشقي، وعبد الرحيم بن خالد المصري، وإسماعيل بن أبي أويس وأخاه أبا بكر، وعلي بن زياد التونسي، وعباس بن ناصح الأندلسي، وعيسى بن شجرة التونسي، وأيوب بن صالح المدني، وعبد الرحمن بن هند الطليطلي (في الأصل: "الطيطلي"، وهو تحريف) ، وعبد الرحمن بن عبد الله الأندلسي، وعبيد بن حبان الدمشقي، وسعيد بن داود المدني، قال القاضي: فهؤلاء الذين حقّقنا أنهم رووا عنه الموطّأ، ونص على ذلك أصحاب الأثر والمتكلمون في الرجال، وقد ذكروا أيضاً أن محمد بن عبد الله الأنصاري البصري أخذ الموطّأ عنه كتابةً، وإسماعيل بن إسحق أخذه مناولة، وأما القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة فرواه عن رجل عنه، وذكروا أن هارون الرشيد وبنيه الأمين والمأمون والمؤتمن أخذوا عنه الموطّأ، وقد ذكر عن المهدي والهادي أنهما سمعا منه ورويا عنه، ولا مرية في أن رواة الموطّأ أكثر من هؤلاء، ولكن إنما ذكرنا منهم من بلغنا نصاً سماعه منه وأخذه له عنه، أو من اتصل إسنادنا له فيه منه، والذي اشتهر من نسخ الموطّأ عنه مما رويته أو وقفت عليه، أو كان في رواية شيوخنا أو نقل منه أصحاب اختلافات الموطّآت

стр. 74

نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنها ثلاثون، وقد رأيت الموطأ برواية محمد بن حميد بن عبد الرحيم بن سروس الصنعاني عن مالك، وهو غريب ولم يقع لأصحاب اختلاف الموطَّآت. هذا كله كلام القاضي (تنوير الحوالك: ص ٩) . وذكر الخطيب ممن روى عن مالك الموطأ: إسحاق بن موسى الموصلي مولى بني مخزوم. وقال الخليلي في الإرشاد وقال أحمد بن حنبل كنت سمعت الموطأ من بضعة عشر رجلا من حفاظ أصحاب مالك فأعدته على الشافعي لأني وجدته (في الأصل وجدت والظاهر وجدته) أقومهم وقال أبو بكر بن خزيمة: سمعت نصر بن مرزوق يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: وسألته عن رواة الموطأ، فقال أثبت الناس في الموطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن يوسف التنّيسي بعده، قال الحافظ: وهكذا أطلق المديني والنسائي، وقال أبو حاتم أثبت أصحاب مالك وأوثقهم معن بن عيسى. وقال بعض الفضلاء: اختار أحمد في "مسنده" رواية عبد الرحمن بن مهدي، والبخاري رواية عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي، ومسلم رواية يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري، وأبو داوود رواية القعنبي، والنسائي رواية قتيبة بن سعيد. قلت: يحيى المذكور ليس هو صاحب الرواية المشهورة، وهو يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن النيسابوري أبو زكريا مات سنة ستة وعشرين ومائتين في صفر، وأما يحيى صاحب الرواية المشهورة فهو يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس أبو محمد الليثي الأندلسي مات في رجب سنة أربع وثلاثين ومئتين. انتهى ملخصاً. الفائدة السابعة: [نسخ الموطأ] - قد أورد بعض أعيان دهلي (هو الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي المتوفي ١٢٣٩ هجري. في الاصل: "الدهلي"، وهو تحريف) في كتابه "بستان المحدثين" المؤلف باللسان الفارسي في ذكر حال الموطَّأ، وترجمة مؤلِّفه، واختلاف نسخه، تفصيلاً حسناً. وخلاصة ما ذكره فيه معرّباً أن نسخ الموطأ التي توجد في ديار العرب في هذه الأيام متعددة.

стр. 75

النسخة الأولى: المروجة في بلادنا، المفهومة من الموطَّأ عند الإطلاق في عصرنا، هي نسخة يحيى بن يحيى المصمودي (انظر ترجمته في الإنتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ص ٥٨ ٦٠، وشذرات الذهب ٢/٨٣) ، هو أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بفتح الواو وسكون السين المهملة، ابن شملل، بفتح الشين المعجمة والللام الأولى بينهما ميم، ابن منقايا، بفتح الميم وسكون النون، المصمودي، بالفتح نسبة إلى مصمودة، قبيلة من بربر وأول من أسلم من أجداده منقايا على يد يزيد بن عامر الليثي، وأول من سكن الأندلس منهم جده كثير، وأخذ يحيى الموطّأ أولاً من زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بالشبطون، وكان زياد أول من أدخل مذهب مالك في الأندلس، ورحل إلى مالك للإستفادة مرتين، ورجع إلى وطنه واشتغل بإفادة علوم الحديث، وطلب منه أمير قرطبة قبول قضاء قرطبة فامتنع، وكان متورعاً زاهداً مشاراً إليه في عصره، وفاته في السنة التي مات فيها الإمام الشافعي، وهي سنة أربع ومائتين، وارتحل يحيى إلى المدينة، فسمع الموطّأ من مالك بلا واسطة إلا ثلاثة أبواب من كتاب الإعتكاف: باب خروج المعتكف إلى العيد، وباب قضاء الاعتكاف، وباب النكاح في الاعتكاف، وكانت ملاقاته وسماعه في السنة التي مات فيها مالك، يعني سنة تسع وسبعين بعد المائة، وكان حاضراً في تجهيزه وتكفينه، وأخذ الموطّأ أيضاً من أجل تلامذة مالك عبد الله بن وهب وأدرك كثيراً من أصحابه، وأخذ العلم عنهم، ووقعت له رحلتان من وطنه، ففي الأولى أخذ عن مالك، وعبد الله بن وهب، وليث بن سعد المصري، وسفيان بن عيينة، ونافع بن نعيم القاري وغيرهم، وفي الثانية أخذ العلم والفقه عن ابن القاسم صاحب المدونة من أعيان تلامذة مالك، وبعدما صار جامعاً بين الرواية والدراية عاد إلى أوطانه وأقام بالأندلس يدرس ويفتي على مذهب مالك، وبه وبعيسى بن دينار تلميذ مالك انتشر مذهبه في بلاد المغرب، وكانت وفاة يحيى في سنة أربعة وثلاثين بعد المائتين، وأول نسخته بعد البسملة، "وقوت الصلاة"، مالك ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوماً، فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوماً، وهو
следующие страницы →