Полный текст (1 842 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فَأَمَّا تَسْوِيَةُ الْحَصَى فَلا بَأْسَ بِتَسْوِيَتِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ (١) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
٤١ - (بَابُ التَّشَهُّدِ (٢) فِي الصَّلاةِ)
١٤٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تتشهَّد فَتَقُولُ: التحياتُ (٣) الطيباتُ الحواشي
(١) قوله: أفضل، لقوله ﷺ : "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه". أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي ذرّ ﵁.(٢) هو تفعّل من تشهد، سمِّي به لاشتماله على النطق بالشهادة، والتشهُّد: ليس عند مالك في التشهد شيء مرفوع وإن كان غيره قد رفع ذلك، ومعلوم أنه لا يقال بالرأي. ولمّا علم مالك أن التشهد لم يكن إلاَّ توقيفاً، اختار تشهد عمر لأنه كان يعلِّمه الناس وهو على المنبر من غير نكير (قال الباجي ١/١٧٠: فإن قال قائل فقد أثبتم أن تشهد عمر بن الخطاب هو الصواب المأمور به وأن ما عداه ليس بمأمور به..فالجواب أن مالكاً ﵀ اختار تشهُّد عمر بن الخطاب على سائر ما روي فيه بالدليل الذي ذكرناه إلاَّ أنه مع ذلك يقول: من أخذ بغيره لا يأثم ولا يكون تاركاً للتشهد في الصلاة ... إلخ) ، كذا في "الاستذكار".(٣) فسرها بعضهم بالمُلك وبعضهم بالبقاء وبعضهم بالسلام.стр. 457
الصلواتُ (١) الزاكياتُ لِلَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبيُّ وَرَحْمَةُ الله وركاته، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ.
١٤٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٢) بْنِ عَبْدِ (٣) الْقَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يعلِّم النَّاسَ التَّشَهُّدَ، وَيَقُولُ: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ (٤) لِلَّهِ، الزَّاكِيَّاتُ (٥) لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ (٦) الصَّلَوَاتُ (٧) لِلَّهِ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وركاته، السلام (٨) الحواشي
(١) أي: الدعوات الصافيات.(٢) قوله: عبد الرحمن، عامل عمر على بيت المال، ذكره العجلي في ثقات التابعين، واختلف قول الواقدي فيه، قال تارة: له صحبة وقال تارة: تابعي، مات سنة ٨٨ هـ، كذا قال ابن حجر.(٣) بغير إضافة (القاري) بتشديد الياء نسبة إلى قارة بطن من خزيمة بن مدركة، كذا قال الزرقاني.(٤) قوله: التحيات، عن القتبي أن الجمع في لفظ التحيات سببه أنهم كانوا يحيون الملوك بأثنية مختلفة كقولهم: أنعم صباحاً، وعش كذا سنة، فقيل: استحقاق الأثنية كلها لله تعالى، كذا في "التنوير".(٥) قال ابن حبيب: هي صالح الأعمال.(٦) أي: طيبات القول.(٧) قوله: الصلوات، قال القاضي أبو الوليد: معناه أنها لا ينبغي أن يُراد بها غير الله، وقال الرافعي: معناه الرحمة لله على العباد.(٨) قوله: السلام، قيل السلام هو الله، ومعناه الله على حفظنا، وقيل هو جمع سلامة.стр. 458
عَلَيْنَا (١) وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ (٢) ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه.
١٤٨ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ (٣) ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، وَالزَّاكِيَّاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ (٤) أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ شهدتُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَشِهِدْتُ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
يَقُولُ (٥) هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوليَين، ويدعو (٦) بما بدا الحواشي
(١) يريد به المصلِّي نفسه والحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة.(٢) استنبط منه السبكي أن في الصلاة حقاً للعباد مع حق الله.(٣) قوله: بسم الله، قد ذكر السخاوي في "المقاصد الحسنة" أن زيادة البسملة في التشهد غير صحيحة، وقد أوضحته في رسالتي "إحكام القنطرة في أحكام البسملة"، لكن لا يخفى أن سند مالك صحيح، وفيه الزيادة موجودة فيُحمل على كونها أحياناً ولا يُنكر أصل الثبوت.(٤) قوله: السلام عليك، كذا رأيتُه في نسخ هذا الكتاب، وذكر الزرقاني في "شرح الموطأ"، برواية يحيى: "السلام على النبي" بإسقاط كاف الخطاب ولفظ: أيها.(٥) أي: ابن عمر.(٦) أي: ابن عمر، أجازه مالك في رواية ابن نافع، والمذهب كراهة الدعاء في التشهد الأول.стр. 459
لَهُ (١) إِذَا قَضَى تشهُّدَه، فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلاتِهِ تَشَهَّدَ كَذَلِكَ (٢) إلاَّ أَنَّهُ يقدِّم التَّشَهُّدَ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا بَدَا لَهُ (٣) ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ قَالَ: السَّلامُ (٤) عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. السَّلامُ عَلَيْكُمْ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ يَرُدُّ (٥) عَلَى الإِمَامِ، فَإِنْ سلَّم عَلَيْهِ (٦) أَحَدٌ عن يساره ردَّ (٧) عليه. الحواشي
(١) قوله: ويدعو بما بدا له (ظاهر الحديث أن المصلي يدعو بما شاء، قال العيني: اعلم أن العلماء اختلفوا فيما يدعو به الإنسان في صلاته، فعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز الدعاء إلاّ بالأدعية المأثورة أو الموافقة للقرآن العظيم، وقال الشافعي ومالك: يجوز أن يدعو فيها بكلّ ما يجوز أن يدعو به خارج الصلاة من أمور الدنيا والدين. انظر: "أوجز المسالك" ٢/١٣٧) ، فيه جواز الدعاء في التشهد الأول، وبه أخذ ابن دقيق العيد حيث قال: المختار أن يدعو في التشهد الأول كما في التشهد الأخير لعموم الحديث: "إذا تشهَّد أحدكم فليتعوذ بالله من أربع". وتُعُقِّب بأنه ورد في الصحيح، عن أبي هريرة بلفظ: "إذا فَرَغَ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ ... "، وروى أحمد وابن خزيمة، عن ابن مسعود: علَّمني رسول الله ﷺ التشهد في أول الصلاة وآخرها: فإذا كان في وسط الصلاة نهض إذا فرغ من التشهد، وإذا كان في آخره دعا لنفسه ما شاء، وقال القاري: هذا عندنا محمول على السنن والنوافل.(٢) أي: مثل ما مرَّ.(٣) أي: ظهر له.(٤) هذه زيادة، كان ابن عمر اختاره ليختمه بالسلام على النبي وعلى الصالحين.(٥) أي: ينوي في سلامه الرد عليه.(٦) بأن كان مصلياً مع الإمام.(٧) أي: نواه في سلامه عن يساره.стр. 460
قَالَ مُحَمَّدٌ: التشهُّد الَّذِي ذُكر كلُّه حَسَنٌ (١) وليس يشبه تشهُّد الحواشي
(١) قوله: الذي ذُكر كلُّه حسن، قد رُوي عن جماعة (جملة من روى التشهد بألفاظ مختلفة من الصحابة أربعة وعشرون صحابياً كما في "التلخيص" وأشار إلى رواياتهم ومثله في "عمدة القاري" ٣/١٧٨) ، من الصحابة التشهد مرفوعاً، وموقوفاً بألفاظ مختلفة عل ما بسطه الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الرافعي".
فمنهم أبو موسى الأشعري، قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا وبيَّن لنا سنَّتنا وعلَّمنا صلاتنا فقال: إذا صلَّيتم فكان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والطبراني.
ومنهم ابن عمر، أخرج أبو داود عنه، عن رسول الله ﷺ في التشهد: التحيات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله - قال ابن عمر: زدتٌ فيها وبركاته - السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله - قال ابن عمر: زدت وحده لا شريك له - وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ورواه الدارقطني، عن ابن أبي داود، عن نصر بن علي، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عنه، وقال: إسناده صحيح، وقد تابعه على رفعه ابن أبي عدي، عن شعبة، ووقفه غيرهما، ورواه البزار، عن نصر بن علي، وقال: رواه غير واحد، عن ابن عمر ولا أعلم أحداً رفعه، عن شعبة غيره، وقول الدارقطني يرد عليه، وقال يحيى بن معين: كان شعبة يضعِّف حديث أبي بشر، عن مجاهد، وقال: ما سمع منه شيئاً، إنما رواه ابن عمر، عن أبي بكر موقوفاً.
ومنهم عائشة، وروى الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي، عن القاسم بنстр. 461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) محمد قال: علَّمتني عائشة قالت: هذا تشهُّد النبي ﷺ : التحيات لله والصلوات والطيبات ... إلخ، ووقفه مالك، ورجَّح الدارقطني في "العلل" وقفَه، ورواه البيهقي من وجه آخر وفيه التسمية، وفيه محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث لكن ضعَّفها البيهقي لمخالفته من هو أحفظ منه.
ومنهم سمرة، روى أبو داود عنه مرفوعاً: قولوا: التحيات لله، الطيبات والصلوات، والمُلك لله، ثم سلِّموا على النبي وسلِّموا على أقاربكم وأنفسكم، وإسناده ضعيف.
ومنهم علي، أخرج الطبراني في "الأوسط" من حديث عبد الله بن عطاء عن النهدي: سألت الحسن بن علي، عن تشهُّد النبي ﷺ فقال: سلني عن تشهد علي، فقلت: حدِّثني بتشهد علي، عن النبي ﷺ ، فقال: التحيات لله والصلوات والطيبات والغاديات والرائحات (في الأصل: "الرابحات"، وهو تحريف) والزاكيات والناعمات السابغات الطاهرات لله، وإسناده ضعيف، وأخرجه ابن مردويه من طريق آخر ولم يرفعه وفيه زيادة: ما طاب فهو لله وما خبث فلغيره.
ومنهم ابن الزبير، أخرج الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" من حديث ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد سمعت أبا الورد، سمعت ابن الزبير يقول: إن تشهد رسول الله ﷺ ، بسم الله وبالله خير الأسماء، التحيات لله والصلوات والطيبات أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداًعبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم اغفر لي واهدني في الركعتين الأوليين.
ومنهم معاوية، أخرج الطبراني في "الكبير" مثل تشهُّد ابن مسعود.
ومنهم سلمان، أخرج الطبراني والبزّار مثل تشهد ابن مسعود، وقال فيстр. 462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) آخره: قلها في صلواتك، ولا تزد فيها حرفاً ولا تنقص منها حرفاً، وإسناده ضعيف. ومنهم أبو حميد أخرج الطبراني عنه مرفوعاً مثله، ولكن زاد بعد الطيبات: الزاكيات، وأسقط واو الطيبات، وإسناده ضعيف.
ومنهم ابن عباس، أخرج مسلم والشافعي والترمذي عنه: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التشهُّد كما يعلِّمنا السورة من القرآن، فكان يقول التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ... إلخ، وأخرجه الدارقطني وابن ماجه وابن حبان وغيرهم.
ومنهم ابن مسعود، أخرج تشهُّدَه الأئمة الستة، ورواه أبو بكر بن مردويه في كتاب "التشهد" له من حديث أبي بكر مرفوعاً وإسناده حسن، ومن رواية عمر مرفوعاً وإسناده ضعيف، ومن حديث الحسين بن علي، ومن حديث طلحة بن عبيد الله وإسناده حسن. ومن حديث أنس وإسناده صحيح، ومن حديث أبي هريرة وإسناده صحيح، ومن حديث أبي سعيد وإسناده صحيح، ومن حديث الفضل بن عباس وأم سلمة وحذيفة والمطلب بن ربيعة وابن أبي أوفى، وفي أسانيدهم مقال، ومنهم عمر أخرجه مالك ومن طريقه الشافعي ورواه الحاكم والبيهقي، وفي رواية للبيهقي في أوله: (بسم الله خير الأسماء) وهي منقطعة، وقال الدارقطني: لم يختلفوا في أن هذا موقوف على عمر، ورواه البعض، عن ابن أبي أويس، عن مالك مرفوعاً، وهو وهم.
ومنهم جابر. أخرج النَّسائي وابن ماجه والطبراني والحاكم كلهم من طريق أيمن، عن أبي الزبير، عنه: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: بسم الله وبالله، التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أسأل الجنة وأعوذ بالله من النار، ورجاله ثقات إلاّ أن أيمن أخطأ في إسناده، وخالفه الليث وهو من أوثق الناس في أبي الزبير، فقال: عن أبي الزبير، عن طاووس وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقالстр. 463
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعِنْدَنَا (١) تشهُّدُه لأَنَّهُ (٢) رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وعليه العامة عندنا. الحواشي
(١) قوله: وعندنا، أي: المختار عندنا تشهُّد ابن مسعود، وعند الشافعي تشهد ابن عباس، وعند مالك تشهد عمر، ولكلٍّ وجوه توجب الترجيح ما ذهب إليه، والخلاف إنما هو في الأفضلية (وقد أجمع العلماء على جواز كل واحد منها، كذا قال النووي في "شرح المهذب" ٣/٤٥٧) كما صرح به جماعة من أصحابنا، ويشير إليه كلام محمد ههنا، فما اختاره صاحب "البحر" من تعيين تشهد ابن مسعود وجوباً وكون غيره مكروهاً تحريماً مخالف الدراية والرواية فلا يُعوَّل عليه.(٢) قوله: لأنه رواه ... إلخ، هذا الوجه إنما يستقيم بالنسبة إلى ما رواه مالك من تشهد ابن عمر وعمر وعائشة موقوفاً وإلا فقد روى غير أبن مسعود أيضاً تشهده عن النبي ﷺ كما مر بسطه، وهناك وجوه أُخر ترجح تشهد ابن مسعود على غيره، منها: أن حديثه أصح كما قال الترمذي: هو أصح حديث روي في التشهد، وقال البزّار: أصح حديث عندي في التشهد حديث ابن مسعود، روي عن نيِّف وعشرين وجهاً ولا يُعلم روي عن رسول الله ﷺ أثبتَ منه ولا أصح إسناداً ولا أشهر رجالاً ولا أشد تضافراً بكثرة الأسانيد، وقال مسلم: إنما اجتمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضاً، وغيره قد اختلف أصحابه، وقالстр. 464
١٤٩ - قَالَ مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مُحِلّ بْنُ مُحرِز الضَّبِّي، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الأَسْدِيِّ (١) ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا (٢) إِذَا صلَّينا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الحواشي
(١) نسبة إلى أسد، بفتحتين، اسم عدة قبائل.(٢) قوله: كنا ... إلخ، فيه دليل على أن أوَّل ما فُرضت الصلاة لم يكن التشهُّد مشروعاً فيها لا فرضاً ولا سنَّة، يؤخذ ذلك من قوله: كنا إذا صلينا ... إلخ، فدل على أنهم بقُوا زماناً كذلك إلى اليوم الذي سمع النبي ﷺ ، فنهاهم وأمرهم بالتحيات لله والصلوات ... إلخ، وفيه دليل على أن ما كان من زيادة ذكر أو دعاء في الصلاة لا يفسدها لأن النبي ﷺ لم يأمرهم بإعادة الصلاة التي تقدَّمت، كذا في "بهجة النفوس شرح مختصر البخاري" لابن أبي جَمرة.стр. 465
قُلْنَا (١) السَّلامُ عَلَى اللَّهِ (٢) ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صلاتَه ذاتَ يَوْمٍ (٣) ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: لا تَقُولُوا (٤) السَّلامُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ (٥) هُوَ السَّلامُ (٦) ، وَلَكِنْ قولوا (٧) : التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ، السلام الحواشي
(١) أي: في قعود التشهد.(٢) قوله: على الله، وفي رواية البخاري ومسلم وغيرهما: السلام على الله قبل عباده، والسلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان أي على ملك من الملائكة أو نبي من الأنبياء، كذا في "المرقاة". (١/٥٥٦) .(٣) أي: في يوم من الأيام.(٤) قوله: لا تقولوا، كان الصحابة يسلِّمون في القعود على الله وعلى الملائكة فنهاهم من التسليم على الله، وأما السلام على الملائكة فلم ينكر عليهم بل أرشدهم إلى ما يعمّ المذكورين وغيرهم بقوله: " وعلى عباد الله الصالحين"، وقال: "إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض"، وهذا من جوامع الكلام، كذا في "التوشيح شرح صحيح البخاري" للسيوطي.(٥) في نسخة: فالله.(٦) أي هو الذي يعطي السلام لعباده، فأنى يُدعى له، قوله: فإن الله هو السلام، بقي ههنا بحث وهو أنه: لِمَ نهاهم عن أن يقولوا: السلام على الله من عباده، ثم أمرهم أن يقولوا: التحيات؟ والانفصال عنه أن السلام هو الأمان وليس على الله خوفٌ من أحد فنهاهم لأنه تعالى يُطلب منه الأمان وهو الذي يؤمن، كذا في "بهجة النفوس".(٧) قوله: قولوا، الأمر فيه للوجوب كما قاله ابن ملك فينجبر بسجود السهو، وكذا القعود الأول واجب، وأما الأخير ففرض عندنا، كذا في "مرقاة المفاتيح".стр. 466
عَلَيْكَ (١) أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله الحواشي
(١) قوله: السلام عليك ... إلخ، ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ وما بعده في الخطاب (في بذل المجهود ٥/٢٨٣: لو كان كذلك كان ينبغي أن يُقال في حياته ﷺ عند الغَيْبَة في السفر وغيره بدون لفظ الخطاب ولم يثبت بعد، بل كانوا يقولون في الحضور والغيبة بلفظ الخطاب، فينبغي أن يُقال بعد وفاته ﷺ أيضاً كذلك) ، ففي الاستئذان من صحيح البخاري من طريق أبي معمر عنه بعد أن ساق حديث التشهّد، قال: وهو بين أظهرنا (هكذا في أصل الكتاب والصواب بين ظهرانينا. وقال الحافظ جمال الدين الملطي في معتصره: ١/٣٥ بعد ذكر الحديث المذكور من قوله: بين ظهرانينا - إلى - على النبي: منكر لا يصح، وذلك مخالف لما عليه العامة) ، فلما قُبض قلنا: السلام يعني على النبي. وأخرجه أبو عَوَانة في صحيحه وأبو نعيم والبيهقي من طرق متعددة بلفظ: فلما قُبض قلنا السلام على النبي، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة. قال السبكي في "شرح المنهاج" بعد أن ساقه مسنداً إلى أبي عوانة وحده: إن صح عن الصحابة هذا دلَّ على أن الخطاب في السلام بعد رسول الله ﷺ غير واجب. انتهى. قلت: قد صحَّ بلا ريب، وقد وجدتُ له متابعاً قوياً، قال عبد الرزاق: أنا ابن جريج، أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ﷺ حيّ: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي، وإسناده صحيح. وأما ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أن النبي ﷺ علَّمهم (في الأصل: "علَّمه"، والظاهر: "علَّمهم" كما في "فتح الباري" ٢/٣١٤) التشهد فذكره، قال: فقال ابن عباس: إنما كنا نقول: السلام عليك أيها النبي إذا كان حياً، فقال ابن مسعود: هكذا علَّمناه، وهكذا نعلِّم، فظاهره أن ابن عباس قاله بحثاً، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر أصح لأن أبا عُبيدة لم يسمع من أبيه والإسناد إليه مع ذلك ضعيف، فكذا في "فتح الباري".стр. 467
وأشهد (١) أن محمداً عبد وَرَسُولُهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَكره (٢) أَنْ يُزاد فيه حرف أو يُنقص (٣) منه حرف. الحواشي
(١) قوله: أشهد أن، قال الرافعي: المنقول أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يقول في تشهده أشهد أني رسول الله، ولا أصل لذلك، بل ألفاظ التشهد متواترة عنه ﷺ ، كان يقول: أشهد أن محمداً رسول الله أو عبده ورسوله، كذا في "التلخيص (في الأصل: "تلخيص الحبير"، وهو تحريف) الحبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير" لابن حجر ﵀.(٢) قوله: يَكره أن يُزاد، لأنه تلقّاه من فِي رسول الله ﷺ وعلَّمه كما كان يعلِّم السورة من القرآن، فأحب أن لا يُزاد فيه ولا ينقص. وقد أخرج الطحاوي عن المسيّب بن رافع أنه سمع عبد الله بن مسعود رجلاً يقول في التشهد: بسم الله، التحيات لله، فقال له: أتأكل؟ وأخرج أيضاً، عن الربيع بن خيثم أنه لقي علقمة فقال: إنه قد بدا لي أن أزيد في التشهد "ومغفرته"، فقال علقمة: ننتهي إلى ما عُلّمناه. وأخرج عن أبي إسحاق قال: أتيت أبا الأسود، فقلت إن أبا الأحوص قد زادَ "والمباركات"، قال: فأته، فقل له: إن الأسود ينهاك ويقول لك: إن علقمة بن قيس تعلَّمهن من عبد الله كما يتعلم السورة من القرآن عدَّهن عبد الله في يده (في "شرح معاني الآثار" ١/١٥٦: "إن أبا الأحوص قد زاد في خطبة الصلاة") .(٣) قوله: أو ينقص، هذا ينافي ما روي أنه كان يقول بعد وفاة النبي ﷺ "على النبي"، وكذا روي عن غيره كما بسطه ابن حجر في "فتح الباري" ولعله كَرِه نقصاناً يخلُّ بالمعنى لا مطلقاً.стр. 468
٤٢ - (بَابُ السُّنَّةِ فِي السُّجُودِ)
١٥٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ كفَّيه عَلَى الَّذِي (١) يَضَعُ جَبهتَه عَلَيْهِ، قَالَ: ورأيتُهُ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ وَإِنَّهُ (٢) لَيُخْرِجُ كَفَّيه (٣) مِنْ بُرْنُسِهِ (٤) حَتَّى يضَعَهما عَلَى الْحَصَى.
١٥١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ وَضَعَ (٥) جَبْهَتَهُ بِالأَرْضِ (٦) فليَضَع كفَّيه، ثُمَّ إِذَا رَفَعَ جَبْهَتَهُ فَلْيَرْفَعْ كَفَّيْهِ، فَإِنَّ الْيَدَيْنِ (٧) تَسْجُدَانِ (٨) كَمَا يَسْجُدُ الوجه. الحواشي
(١) أي على المكان الذي يضع جبهته عليه يعني بقربه.(٢) بكسر الهمزة، أي: والحال أنه.(٣) تحصيلاً للأفضل.(٤) قوله برنسه، البُرنُس كل ثوب رأسه منه مُلتزق به (سقط في الأصل: "به" انظر: "مجمع بحار الأنوار" ١/١٦٨) . من درَّاعة أو جبَّة أو ممطر أو غيره كذا في النهاية.(٥) أي: أراده.(٦) في نسخة: في الأرض.(٧) فيه إشارة إلى أنه يستحب أن يستقبل بأصابعه القبله، كذا في "مرقاة المفاتيح".(٨) قوله: فإنَّ اليدين تسجدان، يشير إلى قوله ﷺ : "إذا سجد العبد سجد معه سبعةُ آراب: وجهه وكفّاه وركبتاه وقدماه، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو نعيم وابن حبان وغيرهم من حديث عباس. وأخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، عن سعد مرفوعاً: "أُمر العبد أن يسجد على سبعة آراب: وجهه وكفّيه وركبتيه وقدميه".стр. 469
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إِذَا وَضَعَ (١) جَبْهَتَهُ سَاجِدًا أَنْ يَضَعَ (٢) كَفَّيْهِ بِحَذَاءِ (٣) أُذُنَيْهِ (٤) وَيَجْمَعَ (٥) أَصَابِعَهُ نَحْوَ القِبلة، وَلا يَفْتَحْهَا، فإذا رفع رأسه رفعهما مع ذلك (٦) الحواشي
(١) أي: قصده مريداً للسجدة.(٢) قبل وضع الجبهة.(٣) قوله: بحذاء أذنيه، كل من ذهب إلى أن الرفع في افتتاح الصلاة إلى المنكبين جعل وضع اليدين في السجود حيال المنكبين، وقد ثبت في ما تقدم تصحيح قول من ذهب في الرفع في الافتتاح إلى حيال الأذنين، فتحقق بذلك أيضاً قول من ذهب في وضع اليدين في السجود بحيال الأذنين وهو قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف، كذا في "شرح معاني الآثار" للطحاوي.(٤) قوله: أذنيه، هكذا رُوي عن النبي ﷺ أنه وضع وجهه بين كفَّيه من حديث وائل. أخرجه مسلم وأبو داود وأسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة والطحاوي، ومن حديث البراء أخرجه الترمذي. وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ وضع اليدين حذو المنكبين. وبه أخذ الشافعي ومن تبعه، وقال ابن الهُمام في "فتح القدير": لو قال قائل: إن السنَّة أن تفعل أيهما تيسَّر جمعاً للمرويات بناءً على أنه ﵇ كان يفعل هذا أحياناً وهذا أحياناً إلاّ أن بين الكفين أفضل، لأن فيه تخليص المجافاة المسنونة ما ليس في الآخر كان حسناً. انتهى. وأقرّه تلميذُه ابنُ أمير حاج في "الحِلبة" (في الأصل: "الحلية"، وهو تحريف) .(٥) لما أخرجه ابن حبان في صحيحه، عن وائل: أنه ﵇ كان إذا سجد ضمَّ أصابعه.(٦) قوله: مع ذلك، أي: بدون زيادة التأخير، وإلا فرفع اليدين بعد رفع الجبهة.стр. 470
فَأَمَّا (١) مَنْ أَصَابَهُ بَرْدٌ يُؤْذِي، وَجَعَلَ يَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ مِنْ تَحْتِ كِسَاءٍ أَوْ ثَوْبٍ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
٤٣ - (بَابُ الْجُلُوسِ فِي الصَّلاةِ)
١٥٢ - أَخْبَرَنَا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ صَلَّى إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ (٢) ، فَلَمَّا جَلَسَ الرَّجُلُ تربَّع وَثَنَّى (٣) رِجْلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ابنُ عُمَرَ عَابَ (٤) ذَلِكَ عَلَيْهِ، قَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّكَ تَفْعَلُهُ! قَالَ إِنِّي أَشْتَكِي (٥) .
١٥٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ (٦) الحواشي
(١) قوله: فأما من، يشير إلى أن ما اختاره من إخراج اليدين عن البرنس في البرد الشديد ليس مما لا بدَّ منه.(٢) قوله: رجل، لعله هو ابنه عبد الله على ما في الرواية الآتية، فقد أخرجها البخاري أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَبَاهُ يتربَّع فِي الصَّلاةِ ... الحديث وفي آخره: فقلت: إنك تفعل ذلك؟ فقال: إن رجليَّ لا تحملاني، وكذلك أخرجه أبو داود والنسائي.(٣) أي: عطف إحداهما إلى الأخرى.(٤) قوله عاب، فيه: أن التربُّع لا يجوز للجالس في صلاته من الرجال إذا كانوا أصحّاء، واختُلف فيه النسائي، وفيه دليل على أن من لم يَقدر على الإتيان بسنَّة الصلاة أو فريضة جاء بما يقدر عليه منها مما يناسبها، كذا في "الاستذكار".(٥) قال الباجي: لأنه كان فُدِع بخيبر فلم تعد رجلاه إلى ما كانت عليه.(٦) قوله: عن، في رواية معن وغيره، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عبد الله، وكان عبد الرحمن سمعه من أبيه، عنه، ثم لقيه أو سمعه من معه، ذكره الحافظ.стр. 471
عَبْدِ اللَّهِ (١) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَبَاهُ (٢) يتربَّع فِي الصَّلاةِ إِذَا جَلَسَ (٣) ، قَالَ (٤) : ففعلتُه (٥) وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حديثُ السِّنِّ (٦) فَنَهَانِي (٧) أَبِي، فَقَالَ (٨) : إِنَّهَا لَيْسَتْ بسنَّةِ الصَّلاةِ، وَإِنَّمَا سُنّة (٩) الصَّلاةِ أَنْ تَنْصِبَ (١٠) رجلَكَ اليمنى وتثني (١١) رجلَكَ اليُسرى. الحواشي
(١) قوله: عبد الله بن عبد الله، بتكبير الإسمين، وهو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن المدني تابعي ثقة باتفاق. كان وصيّ أبيه، مات بالمدينة سنة ١٠٥ هـ، روى له الجماعة ما عدا ابن ماجه، كذا في "ضياء الساري"، وقد وُجد في كثير من نسخ هذا الكتاب، عن عبيد الله بن عبد الله.(٢) وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب.(٣) للتشهُّد.(٤) أي: عبد الله.(٥) أي: التربُّع.(٦) أي: شابّ.(٧) عن التربُّع.(٨) وفي رواية: وقال، وفي رواية: قال.(٩) هذه الصيغة حكمها الرفع.(١٠) أي: لا تلصقها بالأرض.(١١) بفتح المثنّاة، أي: تعطفها، وقوله: وتثني رجلك اليسرى، لم يبيّن في هذه الرواية ما يصنع بعد ثنيها: هل يجلس فوقها أو يجلس على وركه؟ ووقع في "الموطأ"، عن يحيى بن سعيد: أن القاسم بن محمد أَراهم الجلوس فيстр. 472
قال محمد: وبهذا (١) نأخذ، الحواشي
(١) قوله: وبهذا نأخذ، حمل أثر ابن عمر على نصب اليمنى والقعود على اليسرى بعد ثَنْيِها وفَرشها كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه في جميع القعدات. وأقول: فيه نظر، فإن أثر ابن عمر هذا الذي رواه ههنا مجمل لا يكشف المقصود لأنّ ثَنْيَ الرِّجل اليسرى عام من أن يجلس عليها أو يجلس على الورك، وقد أوضحه ما أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، عن يحيى بن سعيد: أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس، فنصب اليمنى وثنى رجله اليسرى وجلس على وركه اليسرى ولم يجلس على قدميه، ثم قال: أراني هذا عبدُ الله بن عبد الله بن عمر وقال: إن أباه كان يفعل ذلك. وكذا أخرجه مالك في "الموطأ"، عن يحيى، فهذا يدل على أن ثَنْيَ الرجل المذكور في رواية عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر محمول على عطفها من غير جلوس عليها، بل على وركه. وهذا هو التورُّك المسنون عند الشافعية. فإذن الأثر المذكور ههنا صار شاهداً لمذهب الشافعية لا لمذهبنا، وعليه حمله شُرّاح "الموطأ"، وجعلوه شاهداً لمذهب مالك وهو التورُّك في جميع القعدات، وكذا حمله الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، حيث قال بعد إخراج أثر القاسم بن محمد وأثر عبد الله بن عبد الله: فذهب قوم إلى أن القعود في الصلاة كلِّها أن تنصب رجله اليمنى وتثنى اليسرى، وتقعد علىстр. 473
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حنيفة (١) ﵀ الحواشي
(١) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال ابن المبارك والثوري وأهل الكوفة ذكره الترمذي، وذكر ابن عبد البر أنه مذهب حسن بن حيّ، وكذلك قال الشافعي في الجلسة الوسطى، وقال في الأخيرة: إنه إذا قعد في الرابعة أماط رجليه جميعاًстр. 474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فأخرجهما من وركه اليمنى وأفضى بمقعدته إلى الأرض. وأضجع اليسرى ونصب اليمنى، وقال أحمد كما قال الشافعي إلاّ في جلسة الصبح. انتهى. وحجتهم في ذلك ما رواه الجماعة إلاّ مسلماً من حديث أبي حميد في وصفه صلاة رسول الله ﷺ قال: فإذا جلس، جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة أخَّر رجله اليسرى وقعد على شقِّه متوركاً، ثم سلم. وحمل أصحابنا هذا على العذر وعلى بيان الجواز وهو حمل يحتاج إلى دليل، ومال الطحاوي إلى تضعيفه، وتعقَّبه البيهقي وغيره في ذلك بما لا يزيد عليه، وذكر قاسم بن قطلوبغا في رسالته "الأسوس في كيفية الجلوس" في إثبات مذهب الحنفية أحاديث: كحديث عائشة: كان رسول الله ﷺ يفرش رجله اليسرى (في الأصل: "رجله" والصواب: "رجله اليسرى" كما في "صحيح مسلم" (١/٣٥٨)) وينصب اليمنى، وحديث وائل: صلَّيت خلف رسول الله ﷺ فلما قعد وتشهد فرش رجله اليسرى. أخرجه سعيد بن منصور، وحديث المسيء صلاتَه أنه قال له رسول الله ﷺ : فإذا جلست فاجلس على فخذك اليسرى. أخرجه أحمد وأبو داود، وحديث ابن عمر ﵁: من سنة الصلاة ... إلخ. ولا يخفى على الفطن أن هذه الأخبار وأمثالها بعضها لا تدل على مذهبنا صريحاً، بل يحتمله وغيره وما كان منها دالاًّ صريحاً لا يدل على كونه في جميع القعدات على ما هو المدَّعى، وأخرج الطحاوي، عن وائل: صليت خلف رسول الله ﷺ ، فقلت: لأحفظنَّ صلاةَ رسول الله ﷺ قال: فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه وجعل حلقة الإبهام والوسطى، ثم جعل يدعو بالأخرى. قال الطحاوي: في قول وائل: ثم عقد أصابعه يدعو، دليل على أنه كان في آخر الصلاة. انتهى. وهذا يقضي (في الأصل: "يفضي"، والظاهر: "يقضي") منه العجب، فإن معنى يدعو بالأخرى: يشير بالإصبع الأخرى أي السبابة لا الدعاء الذي يكون في آخر الصلاة، فليس فيه دليل على ما ذكره، والإنصاف أنه لم يوجد حديث يدل صريحاًстр. 475
وَكَانَ مَالِكُ (١) بْنُ أَنَسٍ يَأْخُذُ بِذَلِكَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوليين (٢) ، وَأَمَّا فِي الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يُفْضِي (٣) الرَّجُلُ بأَلْيَتَيْه إِلَى الأَرْضِ، وَيَجْعَلُ رِجْلَيْهِ إِلَى الْجَانِبِ الأَيْمَنِ.
١٥٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا صَدَقَة (٤) بْنُ يَسَار، عَنِ الْمُغِيرَةِ (٥) بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: رأيتُ ابنَ عُمَرَ يجلِسُ عَلَى عقِبيه (٦) بين الحواشي
(١) قوله: وكان مالك، هذا الذي نسبه قد نسبه غيره إلى الشافعي وأصحابه، وأما مذهب مالك، فالذي رأيته في كتب أصحابه المعتمدة كاستذكار ابن عبد البر وشرح الزرقاني ورسالة ابن أبي زيد وغيرها هو التورك في جميع القعدات، وذكروا في استناده أثر ابن عمر المذكور يحمله على التورك، فلعل محمداً اطَّلع على أن مذهب مالك هو التفصيل وهو أعلم منّا، وإن لم نجده في موضع من المواضع لا في كتب أصحابنا ولا في كتب المالكية ولا في كتب الشافعية، فإن الكل يذكرون أن التفصيل مذهب الشافعي، ومذهب مالك التورّك مطلقاً، ومذهب أصحابنا الافتراش مطلقاً.(٢) أي: في القعدة الأولى.(٣) أي: يمس أليته اليسرى بالأرض.(٤) قوله: صدقة بن يسار، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: هو ثقة من الثقات، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح وقال الآجرِّي، عن أبي داود: ثقة، قلت: من أهل مكة؟ قال: من أهل الجزيرة، سكن مكة، كذا في "تهذيب التهذيب".(٥) قوله: عن المغيرة بن حكيم، روى عن أبي هريرة وابن عمر، وعنه نافع وابن جريج وجرير بن حازم، ثقة، كذا في "الكاشف" للذهبي.(٦) قوله: عقبيه، بفتح العين وكسر القاف وبفتح عين وكسرها مع سكون القاف: مؤخَّر القدم إلى موضع الشراك، كذا في "مجمع البحار".стр. 476
السَّجْدَتَيْنِ فِي الصَّلاةِ، فَذَكَرْتُ (١) لَهُ فَقَالَ (٢) : إِنَّمَا فَعَلْتُهُ (٣) مُنْذُ اشْتَكَيْتُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، لا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَلَكِنَّهُ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا كَجُلُوسِهِ (٤) فِي صَلاتِهِ، الحواشي
(١) أي: ذكرت لابن عمر ذلك الجلوس مستفسراً عن حقيقة الأمر.(٢) قوله: فقال: إنما فعلته منذ اشتكيت، كره الإقعاء في الصلاة مالك، وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وبه قال إسحاق وأبو عبيد، إلاّ أن أبا عبيد قال: الإقعاء جلوس الرجل على أليته، ناصباً فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع، وهذا إقعاء مجتمع عليه لا يُختلف فيه. وأما الذين أجازوا رجوع المصلي على عقبيه وجلوسه على صدور قدميه بين السجدتين فجماعة، قال طاووس: رأيت العبادلة يُقعون: ابن عمر وابن عباس وابن الزبير، قال أبو عمر (في الأصل: "أبو عمرو") : أما ابن عمر فقد ثبت عنه أنه لم يفعل ذلك إلاّ أنه كان يشتكي، وأن رجليه كانتا لا تحملاته، وقد قال: إن ذلك ليس سنَّة الصلاة، وكفى بهذا، وأما ابن عباس، فذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه: أنه رأى ابن عمر وابن الزبير وابن عباس يُقعون. وذكر أبو داود: نا يحيى بن معين، نا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاووساً يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء بين السجدتين؟ قال: هي السنَّة، فقلنا: إنّا لنراه جفاء بالرجل، فقال ابن عباس: هي السنَّة سنَّة نبيك، كذا في "الاستذكار".(٣) المعنى أنه خلاف السنَّة إلاَّ أني فعلتُهُ لعذر.(٤) قوله: كجلوسه في صلاته، أي: الافتراش والجلوس على اليسرى كما في حديث أبي حميد في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، ثم كان يهوي إلى الأرض فيجافي ثم يرفع رأسه، ويثني رجليه اليسرى، فيعتمد عليها، متفق عليه. وعن ميمونة، كان رسول الله ﷺ إذا سجد أهوى بيديه وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى أخرجه النسائي، كذا ذكره قاسم بن قطلوبغا في "الأسوس في كيفية الجلوس".стр. 477
الحواشي
(١) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك وقتادة، وهو مذهب ابن عمر وعلي وأبي هريرة، وجوَّزه عطاء وطاووس وابن أبي مُلَيكة ونافع والعبادلة، كذا نقل العيني، عن ابن تيمية، وقد روى الترمذيُّ وابن ماجه عن علي مرفوعاً: نهى أن يُقعي الرجل في صلاته، وأخرج مسلم من حديث عائشة مرفوعاً: كان ينهى عن عُقبة الشيطان، وأخرج أحمد والبيهقي، عن أبي هريرة: نهاني رسول الله ﷺ عن نقرةٍ كنقرة الدِّيك والتفاتٍ كالتفات الثعلب وإقعاء كإقعاء الكلب، وروى ابن ماجه، عن أنس مرفوعاً: إذا رفعت رأسك من السجود فلا تُقِع كما يُقعي الكلب.
ويعارض هذه الأخبار ما أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما، عن ابن عباس أن الإقعاء بين السجدتين سنَّة النبي ﷺ ، واختلف العلماء في ذلك: فمهم من قال حديث ابن عباس منسوخ، وردّه النووي بأنه غلط فاحش لعدم تعذّر الجمع، ولا تاريخ، فكيف يصح النسخ؟! ومنهم من سلك مسلك الجمع، وقالوا: الإقعاء على نوعين: أحدهما مستحَبّ وهو أن يضع أليتيه على عقبيه وركبتاه على الأرض وهو الذي روى مسلم عن ابن عباس، والثاني أن يضع أليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه، وهو إقعاء الكلب المنهيّ عنه. كذا ذكره النوويُّ، واختاره ابن الهُمام وغيره من أصحابنا، ولا يخفى على الفطن أن أثر ابن عمر الذي أخرجه محمد صريح في نهي الإقعاء بالمعنى الثاني أيضاَ ولذلك نص محمد بعده على أنه لا ينبغي، والقول الفيصل في هذا المقام أن الإقعاء بالمعنى الأول لا خلاف في كراهيتها، وبالمعنى الثاني مختلف فيه بين الصحابة، فأثبت ابن عباس كونه سنَّة ونفاه ابن عمر، والذي يظهر أن الجلوس بين السجدتين بالافتراش عزيمة، والإقعاء فيه بالمعنى الثاني رخصة، قد ظنَّها ابن عباس سنَّة، وقد أخذ أكثر العلماء في هذا البحث بما دلَّ عليه أثر ابن عمر من العزيمة، وللتفصيل موضعٌ آخر من تآليفي المبسوطةстр. 478
٤٤ - (بَابُ صَلاةِ الْقَاعِدِ)
١٥٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا الزُّهري، عَنِ السَّائِبِ (١) بْنِ يَزِيدَ، عَنِ المطَّلب (٢) بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ (٣) السَّهْمِيِّ، عَنْ حفصةَ (٤) زَوْجِ النبيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي سُبحته (٥) قَاعِدًا (٦) قطُّ حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ (٧) ، فَكَانَ يصلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا (٨) وَيَقَرْأُ بِالسُّورَةِ ويرتِّلها (٩) حَتَّى تَكُونَ أطولَ مِنْ أطول منها (١٠) . الحواشي
(١) آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين أو قبلها، ذكره الزرقانيّ وغيرهُ.(٢) قوله: المطَّلب، هو عبد الله السهمي، صحابيٌّ أسلم يوم الفتح، ونزل بالمدينة، ومات بها، وأمّه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب، بنت عم النبي ﷺ ، كذا ذكره الزرقاني.(٣) بفتح الواو والدال، اسمه الحارث بن صبرة بن سُعَيد بالتصغير.(٤) قوله: حفصة، بنت عمر بن الخطاب تزوجها رسولُ الله ﷺ سنة ثلاث من الهجرة عند أكثرهم، وقال أبو عبيدة: سنة اثنتين، وتوفي سنة إحدى وأربعين، وقيل: سبع وعشرين، كذا في "الاستيعاب".(٥) بضم السين وسكون الباء الموحدة، سميت النافلة بذلك لا شتمالها على التسبيح.(٦) بل قام حتى تَورَّمت قدماه.(٧) هذا الحديث رواه مسلم والترمذي، وقال: بعام واحد أو اثنين بالشك.(٨) ليستديم.(٩) يقرأها بتمهّل وترسّل.(١٠) إذا قُرئت بلا ترتيل.стр. 479
١٥٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (١) بنُ مُحَمَّدِ بنِ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ مَوْلَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمرو: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: صلاةُ أحدِكم وَهُوَ قَاعِدٌ مثلُ (٢) نصفِ (٣) صلاتِهِ وَهُوَ قَائِمٌ.
١٥٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا الزُّهري، أَنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو (٤) قَالَ: لَمَّا قَدِمنا الْمَدِينَةَ نَالَنَا (٥) وباءٌ (٦) الحواشي
(١) ثقة، حجة، روى له الخمسة، مات سنة ١٣٤ هـ، كذا ذكره الزرقاني.(٢) قوله: مثل نصف صلاته، إلاّ النبيَّ ﷺ فإنَّ صلاته قاعداً لا ينقص أجرها عن صلاته قائماً لحديث عبد الله بن عمرو المروي في صحيح مسلم وأبي داود والنسائي، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "صلاة الرجل قاعداً على نصف أجر الصلاة"، فأتيته فوجدتُه يصلي جالساً، فوضعتُ يدي على رأسي، فقال: مالَكَ يا عبد الله؟ فأخبرته، فقال: "أجل، ولكني لست كأحدكم"، وقد عدَّ الشافعية هذه المسألة من خصائصه، كذا في "إرشاد الساري".(٣) قوله: مثل نصف صلاته، قال ابن عبد البر: لِمَا في القيام من المشقَّة أو لِمَا شاء الله أن يتفضَّل به، المراد بالصلاة النافلة لأن الفرض إن أطاق القيام فقعد فصلاته باطلة عند الجميع، وإن عجز عنه ففرضه الجلوس اتفاقاً فليس القائم بأفضل منه.(٤) قوله: أن عبد الله بن عمرو، قال ابن عبد البر: هو منقطع لأن الزهري وُلد سنة ثمان وخمسين وابن عمرو مات بعد الستين فلم يَلْقَه.(٥) أي: أَخَذنا ووصل إلينا.(٦) بالمد: سرعة الموت وكثرته في الناس.стр. 480
مِنْ وَعْكها (١) شديدٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّون فِي سُبْحتهم (٢) قُعُودًا فَقَالَ: صلاةُ الْقَاعِدِ (٣) عَلَى نِصْفِ صَلاةِ الْقَائِمِ.
١٥٨ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَنَسِ (٤) بْنِ مَالِكٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا فصُرع (٥) عنه (٦) الحواشي
(١) قوله: من وعكها، بفتح الواو وسكون العين، قال أهل اللغة: الوعك لا يكون إلاّ من الحمى دون سائر الأمراض، قاله ابن عبد البر.(٢) يعني نافلتهم.(٣) قوله: فقال: صلاة القاعد، قد عُلم أن هذا محمول عند الأكثر على النافلة ولا يلزم منه أن تزاد صورتها التي ذكرها الخطابيّ، وهو أن يُحمل الحديث على مريض مفترض يمكنه القيام بمشقَّة، فجعل أجر القاعد على النصف ترغيباً له في القيام مع جواز قعوده، ويشهد له ما رواه أحمد من طريق ابن جُريج، عن ابن شهاب، عن أنس: قدم النبيُّ ﷺ المدينةَ وهي محمَّة فحُمَّ الناس، فدخل المسجد، والناس يصلون من قعود، فقال رسول الله: صلاة القاعد نصف صلاة القائم، ورجاله ثقات، وله متابع في النسائي من وجه آخر، كذا ذكره الزرقاني (١/٢٨١، وفتح الباري ٢/٥٨٥) .(٤) قوله: عن أنس، قال ابن عبد البرّ: لم تختلف رواة "الموطأ" في مسنده، ورواه سويد بن سعيد، عن مالك، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وهو خطأ لم يتابعه عليه أحد.(٥) بضم الصاد، وكسر الراء، أي: سقط من الفرس، وفي أبي داود وابن خزيمة بسند صحيح، عن جابر، ركب ﷺ فرساً فصرعه على جذع نخلة.(٦) قال ابن حجر: أفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة.стр. 481
فجُحِشَ شقُّه (١) الأَيْمَنُ، فَصَلَّى (٢) صَلاةً (٣) مِنَ الصَّلَوَاتِ وهو جالس، فصلَّينا (٤) جلوساً، فلما الحواشي
(١) قوله: فجُحِش، بضم الجيم ثم حاء مهملة مكسورة أي: خُدش قاله النووي، وقال ابن عبد البر: الجحش فوق الخدش، وقال الرافعي: يقال جحش فهو مجحوش إذا أصابه مثل الخدش أو أكثر وانسجح جلده. وكانت قدمه ﷺ انفكَّت من الصرعة كما في رواية بشر بن المفضل، عن حميد، عن أنس، عن الإسماعيلي، قال ابن حجر: ولا ينافي ما ههنا لاحتمال وقوع الأمرين، قال: وأخرج عبد الرزاق في الحديث، عن الزهري قال: فجُحِش ساقُه الأيمن، فزعم بعضهم أنها مصحَّفة من شقه وليس كذلك لموافقة رواية حميد لها وإنها مفسَّرة لمحلّ الخّدْش، كذا في "التنوير" (١/١٥٥) .(٢) قوله: فصلى صلاة، لم أقف على تعيينها إلاّ أنَّ في حديث أنس: فصلّى بنا يومئذٍ صلاتها نهارية الظهر أو العصر، كذا في "الفتح".(٣) في أبي داود وابن خزيمة الجزم بأنها فرض.(٤) قوله: فصلينا جلوساً، قد روى البخاري في "صحيحه" حديث أنس من رواية حميد الطويل عنه مخالفاً لرواية الزهري عنه، ولفظه: أن رسول الله ﷺ سقط عن فرسه، فجحشت ساقه أو كتفه، وآلى من نسائه شهراً. فجلس في مشربة له فأتاه أصحابه يعودونه، فصلّى بهم جالساً وهم قيام فلما سلَّم، قال "إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به" الحديث، ذكره في أوائل الصلاة في (باب الصلاة على السطوح) . وتكلف القرطبي في "شرح صحيح مسلم" الجمع، فقال: يُحتمل أن يكون البعض صلوا قياماً، البعض جلوساً، فأخبر أنس بالحالتين، وهذا مع ما فيه من التعسُّف ليس في شيء من الروايات ما يساعده. وقد ظهر لي فيه وجهان: أحدهما أنهم صلّوا خلفه قياماً، فلما شعر بهم رسول الله ﷺ أَمَرَهم بالجلوس فجلسوا، فأخبر أنس بكلِّ منهما، يدل عليه حديث عائشة أخرجاه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: اشتكى رسول الله ﷺ ، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، فصلّى جالساً،стр. 482
انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعل (١) الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ (٢) ، إِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فاركعوا وإذا قال: سمع الله لم حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ (٣) الْحَمْدُ، وإنْ صَلَّى قاعداً فصلوا (٤) الحواشي
(١) قال الرافعي: أي نُصب أو اتُّخذ أو نحوهما، ويجوز أن يريد إنما جعل الإمام إماماً.(٢) قوله: ليؤتمّ به، معناه عند الشافعي ليُقتدَى به في الأفعال الظاهرة، ولهذا يجوز أن يصلِّي المفترض خلف المتنفل، وبالعكس وعند غيره أنه في الأفعال الباطنة والظاهرة.(٣) بالواو لِجميع الرواة، عن أنس في حديثه هذا إلاّ في رواية شعيب، عن الزهري رواها البخاري بدونها.(٤) قوله: فصلّوا قعوداً، قد اختلف أهل العلم في الإمام يصلِّي بالناسстр. 483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) جالساً من مرض، فقالت طائفة: يصلّون قعوداً اقتداءً به، وذهبوا إلى هذه الأحاديث، ورأوها محكمة، وممن فعل ذلك جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأُسيد بن حُضَير، وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث، وقال أحمد: كذا قال النبي ﷺ ، وفعله أربعة من أصحابه، والرابع: هو في خبر قيس بن فهد أنه شكى على عهد رسول الله ﷺ ، فكان يؤمُّنا جالساً، ونحن جلوس. وقال أكثر أهل العلم: يصلُّون قياماً، ولا يتابعون الإمام في الجلوس. ورأوا أنَّ هذه الأحاديث منسوخة بما روي أن النبي ﷺ صلّى بالناس في مرض وفاته، وهو جالس والناس قيام كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة، كذا ذكره الحازمي في "الاعتبار" (ص ١٠٩) والزيلعيُّ وجمعٌ من العلماء، وقد أنكر ابنُ حبان النسخ، فقال في "صحيحه" بعد ما أخرج حديث: "وإذا صلّى جالساً فصلُّوا جلوساً" فيه بيان واضح أن الإمام إذا صلّى قاعداً كان على المؤتَمِّين أن يصلُّوا قعوداً، وأفتى به من الصحابة جابر وأبو هريرة وأُسيد بن حُضَير وقيس بن فهد، ولم يُروَ عن غيرهم خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع فكان إجماعاً سكوتيّاً. وقد أفتى به من التابعين جابر بن زيد ولم يروِ عن غيره من التابعين خلافه، وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مقسم وأخذ عنه حماد بن سليمان، ثم أخذه عن حماد أبو حنيفة وأصحابُه، وأعلى ما احتجوا به حديث رواه جابر الجعفي، عن الشعبي، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يُؤّمَّن بعدي جالساً. وهذا لو صحَّ إسناده لكان مرسلاً. والمرسل لا يقوم به حجة، والعجب أن أبا حنيفة يجرح جابر الجعفي ويكذِّبه ثم يحتج بحديثه. انتهى ملخصاً.
أقول: وفيه نظر، من وجوه: أحدها: أنه قد ثبت نسخ ذلك بفعل النبي ﷺ في آخر أيامه، فلا يُعتبر بما خالفه، وثانيها: أن فتوى الصحابة لم يكن إلا لأنه لم يبلغهم الناسخ، قال الشافعي بعد ما أخرج بسنده عن جابر وعن أسيد أنهما فعلا ذلك: في هذا ما يدل على أن الرجل يعلم الشيء عن رسول الله ﷺ لا يعلم خلافه عنه، فيقول بما علم، ثم لا يكون في قوله بما علم وروى حجَّةٌ على أحدстр. 484
قُعُودًا (١) أَجْمَعِينَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، صَلاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا لِلتَّطَوُّعِ مِثْلُ نِصْفِ (٢) صَلاتِهِ قَائِمًا، فَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا صَلَّى الإِمَامُ جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ، فَقَدْ رُوِيَ ذلك وقد جاء (٣) ما قد نسخه. الحواشي
(١) ولو قادرين على القيام.(٢) أي: في الأجر.(٣) قوله: وقد جاء ما قد نسخه، وقد أخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار" من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ الظهر وأبو بكر خلفه فإذا كبَّر رسول الله ﷺ كبَّر أبو بكر ليُسمعنا وكنا قياماً، فقال: اجلسوا أَوْمى بذلك إليهم، فلما قَضَى الصلاةَ قال: كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم تعظيماً لهم (في الأصل: "بهم"، وهو تحريف) ائتمُّوا بأئمتكم، فإن صلُّوا قياماً فصلّوا قياماً وإن صلّوا جلوساً فصلّوا جلوساً. ثم أخرج من طريق ابن وهب، عن مالك حديثَه المذكور في هذا الباب، ومن طريق ابن وهب، عن الليث ويونس، عن ابن شهاب، عن أنس، ومن طريق هيثم، عن حميد، عن أنس مثله، ومن طريق ابن وهب، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: صلّى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ، فصّلى جالساً وصلّى قوم خلفه قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا، فذكر مثله. ومن طريق شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت أبا علقمة يحدث، عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني، فإذا صلّى قائماً فصلّوا قياماً،стр. 485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإن صلّى قاعداً فصلوا قعوداً. ومن طريق أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً. ومن طريق سالم، عن ابن عمر مثله، ثم قال: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: من صلّى قاعداً من عذر صلّوا خلفه قعوداً، وإن كانوا مطيقين للقيام. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يصلّون خلفه قياماً ولا يسقط عنهم فرض القيام لسقوطه (في الأصل: "لسكوته"، وهو تحريف) عن إمامهم، ثم ذكر في حجتهم ما أخرجه بسنده، عن أبي إسحاق، عن أرقم بن شرحبيل قال: سافرتُ مع ابن عباس من المدينة إلى الشام، فقال: إن رسول الله ﷺ لمّا مرض مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة، فقال: ادعوا لي عليّاً، فقالت عائشة: ألا ندعو لك أبا بكر؟ فقال ادعوه، ثم قالت حفصة: ألا ندعو لك عمر؟ قال: ادعوه، فقالت أم الفضل: ألا ندعو لك عمَّك العباس؟ قال: ادعوه، فلما حضروا، قال: ليصلِّ بالناس أبو بكر، فتقدم أبو بكر، فصلّى بالناس ووجد رسولُ الله ﷺ من نفسه خفَّة، فخرج يُهادي بين رجلين، فلما أحسَّه أبو بكر ذهب يتأخر، فإشار إليه مكانَك، فاستمر رسول الله ﷺ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة وأبو بكر قائم ورسول الله ﷺ جالس، فأتّمَّ أبو بكر به وائتمَّ الناس بأبي بكر. قال الطحاوي: ففي هذا الحديث أن أبا بكر ائتم برسول الله ﷺ قائماً وهو قاعد. وهذا من فعل رسول الله ﷺ بعد قوله ما قال، ثم أخرج من طريق موسى بن عائشة، عن عبيد الله، عن عائشة نحوه، وفيه أن الصلاة التي كان خرج فيها كانت صلاة الظهر، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومى إليه أن لا يتأخَّر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلّي وهو قائم لصلاة رسول الله ﷺ وهو قاعد. ومن طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة نحوه، ثم ذكر وجه النظر في عدم سقوط القيام من المؤتمّ، وقال بعد ذلك: فثبت بذلك أن الصحيح أن القيام واجب عليه في الصلاة إذا دخل مع من قد سقط عنه فرض القيام في صلاته لم تسقط عنه بدخوله من القيام ما كان واجباً عليه قبل ذلك. وهذا قول أبي حنيفة ومحمدстр. 486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وأبي يوسف غير أن محمد بن الحسن يقول: لا يجوز لصحيح أن يأتم بمريض يصلّي قاعداً، وإن كان يركع ويسجد، ويذهب إلى أن ما كان من صلاة رسول الله ﷺ قاعداً في مرضه بالناس وهم قيام كان مخصوصاً لأنه قد فعل فيها ما لا يجوز لأحد بعده أن يفعله من أخذه القرآن من حيث انتهى أبو بكر وخرج أبي بكر من الإمامة إلى أن صار مأموماً في صلاة واحدة، وهذا لا يكون لأحدٍ بعده باتفاق المسلمين. انتهى كلام الطحاوي ملخصاً.
وفي "الهداية وشرحه البناية" للعيني: ويصلي القائم خلف القاعد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، والمراد من القاعد الذي يركع ويسجد، أما القاعد الذي يومئ فلا يجوز اقتداء القائم به اتفاقاً، وبه قال الشافعي ومالك في رواية استحساناً، وقال أحمد والأوزاعي: يصلون خلفه قعوداً، وبه قال حماد بن زيد وإسحاق وابن المنذر: وهو المروي عن أربعة من الصحابة، لكن عند أحمد بشرطين: الأول أن يكون المريض إمام حيّ، والثاني أن يكون المرض مما يُرجى زواله بخلاف الزمانة. واحتجوا على ذلك بحديث أنس مرفوعاً: "إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به" الحديث، وقال محمد: لا يجوز وبه قال مالك في رواية ابن القاسم عنه قياساً، أشار إليه بقوله: وهو القياس لقوة حال القائم، فيكون اقتداء كاملِ الحال بناقص الحال فلا يجوز كاقتداء القارئ بالأميّ ونحن تركناه بالنص وهو ماروي أنه ﷺ صلّى آخر صلاته قاعداً والقومُ خلفه قيام. وفي كلام البخاري ما يقتضي الميلَ إلى أن حديث: "وإذا صلّى جالساً فصلّوا جلوساً" منسوخ، فإنه قال بعد ما رواه قال الحميدي: هذا منسوخ بأنه ﵇ آخِر ما صلّى صلّى قاعداً والناس خلفه قيام، وإنما يؤخذ بالآخر من فعله. انتهى ملخصاً. وهذه العبارات وغيرها من كلمات الفقهاء الأثبات دالَّة صريحاً على أن محمداً مخالفٌ لهما في هذه المسألة، فعندهما اقتداء الصحيح بالمريض القاعد جائز قياماً ولا يجوز له القعود أخذاً من الصلاة النبوية في آخر عمره وقولاً بنسخ: "إذا جلس فاجلسوا". وعند محمد لا يسقط عن الصحيح القيام لكن لا يجوز اقتداؤه بالمريض، بل قال: أخذاً بالقياسстр. 487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فهو موافق لهما في عدم سقوط القيام من المقتدي الصحيح بمتابعة إمامه ومخالف في جواز اقتداء القائم بالقاعد، كيف ولو كان القيام عنده يسقط عن القاعد بمتابعة الإمام لما خلفهما في جواز اقتدائه بالمريض، بل قال بجوازه مع سقوط القيام كما قال به أحمد وغيره. إذا عرفت هذا، فنقول: معنى قوله ههنا وقد جاء ما قد نسخه أنه قد روي ما قد نسخ ما استفيد بالحديث السابق من جواز اقتداء القادر بالمعذور الجالس وسقوط القيام عن القادر وهو حديث: "لا يَؤُمَّنَّ الناسَ أحدٌ بعدي جالساً"، فإنه يدل على منع إمامة المعذور الجالس لغيره وإنه خصوصية له ﷺ ، ويدل أيضاً على عدم سقوط القيام عن المقتدي بمتابعة إمامه، فإنه لو كان كذلك لما كان للمنع وجه، ويدل على ما ذكرنا أنه جعل الناسخ هذا الحديث الدالّ على عدم جواز إمامة المعذور ليكون موافقاً لمذهبه، ولو كان مقصوده نسخَ سقوط القيام فحسب مع جواز الاقتداء لاستدل بخبر الصلاة النبوية في مرض وفاته، وقد تسامح القاري حيث فهم التنافي بين كلام محمد ههنا وبين ما في عامّة الكتب، فقال بعد ما نقل عن "شرح مختصر الوقاية" للشُمُنِّي ما يدلّ على الخلاف: وفي "الهداية": يصلِّي القائم خلف القاعد خلافاً لمحمد، فهذا يدلّ على أن محمداً مخالف في المسألة وعبارة محمد مشيرة إلى أنه موافق، ولعلَّ منه روايتين، أو مراده بالنسخ نسخ وجوب قعود المأمومين من غير عذر مع الإمام قاعداً بعذر، فإن الإجماع على خلافه. انتهى كلامه. ومنشأ فهمه أنه رأي ههنا أن محمداً قائل بنسخ الحديث السابق، وهما أيضاً يقولان به، ففهم أنه موافق لهما وليس كذلك، فإنهما قائلان بنسخ سقوط القيام عن المأموم القادر مع جواز اقتدائه بالمعذور القاعد، ومحمد قائل بنسخ جواز الاقتداء المستفاد من قوله ﷺ : "وإن صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً"، أيضاً، كيف لا، ولو كان مراده نسخ سقوط القيام فحسب على طبق قولهما لما صحَّ الاستدلال بالحديث الذي ذكره، فإنه يدل على عدم صحة إمامة الجالس بعده ﷺ ، وهو مخالف لقولهما. وبالجملة فكون عبارة محمد ههنا مشيرة إلى الموافقة غير صحيح، وأما ما وجَّهه به من أن المراد به نسخ وجوب قعود المأمومين لكونه خلافстр. 488
١٥٩ - قَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا (١) بِشْرٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبيعي، عن جابر بن يزيد الجُعْفي، الحواشي
(١) قوله: حدثنا بشر (والسند هنا فيه اضطراب لسقوط بعض الرواة منه، وإدخال بعض الرواة فيه خطأ من الناسخ مما كان سبباً في عدم تعيين الرواة وجهالتهم. فالمراد بمحمد في أول السند: هو أبو علي الصوّاف وبشر شيخه، فهو بشر بن موسى الأسدي، والمراد بأحمد هو أحمد بن مهران النسوي، صاحب محمد، وراوي الموطأ عنه، وإسرائيل هو شيخ محمد بن الحسن الإمام، وقد سقط من السند "محمد" من بين أحمد وإسرائيل، كما يظهر من المخطوطة بدار الكتب المصرية رقم (ب) . وأدخل الناسخ في الحديث هنا خاصة عدة من الرواة المتأخرين عن محمد في صلب السند، وهي عادة كثير من المتقدمين (بلوغ الأماني للعلاّمة زاهد الكوثري، ص ٦٦) ... إلخ، هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها: حدثنا بسر بالسين المهملة، وفي بعضها: حدثنا محمد بن بشر، ولم أعرف إلى الآن تعيُّنه وتعيّن شيخه أحمد حتى أعرف من كتب الرجال توثيقهما أو عدمه، فلعلَّ الله يتفضَّل عليَّ بعد هذا بمعرفته. وإسرائيل بن يونس قد مرَّت ترجمته، أومّا جابر الجعفي هو متكلَّم فيه وبعض النقاد وإن ويَّقوه لكن جمهورهم - منهم أبو حنيفة - جرَّحوه وتركوه، فذكر السمعاني في "الأنساب" بعد ما ذكر أنَّ الجُعْفي - بالضم ثم السكون - نسبة إلى قبيلة بالكوفة وهي جعفي بن سعد من مذحج أبو يزيد جابر الجعفي من أهل الكوفة يروي، عن عطاء والشعبي، وروى عنه الثوري وشعبة مات سنة ١٢٨ هـ كان سبائياً من أصحاب عبد الله بن سبأ. وكان يقول: إن علياً ﵁ يرجع إلى الدنيا، قال يحيى بن معين: كان كذّاباً،стр. 489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يؤمن بالرجعة. انتهى. وذكر في "تهذيب التهذيب": جابر بن شعبة بن الحارث أبو عبد الله الجعفي، ويقال: أبو يزيد الكوفي، روى عن أبي الطفيل وأبي الضحى وعكرمة وعطاء وكاووس وجماعة، وعنه شعبة والثوري وإسرائيل والحسن بن حَيّ وشَريك ومسعر وغيرهم، قال ابن علية، عن شعبة: جابر صدوق في الحديث، وقال وكيع: مهما شككتم في شيء فلا تشكّوا في أنَّ جابراً ثقة، وقال الثوري لشعبة: لئن تكلَّمتَ في جابر لأتكلَّم فيك، وقال ابن معين: كان كذّاباً، وقال مرة: لا يكتب حديثه، وقال يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد قال الشعبي لجابر: لا تموت حتى تكذب على رسول الله ﷺ ، قال إسماعيل: فما مضت الأيام والليالي إلاَّ اتُّهم بالكذب، وقيل لزائدة: لم لا تروي عن ابن أبي ليلى وجابر الجعفي والكلبي؟ فقال: أما الجعفي فكان والله كذّاباً يؤمن بالرجعة، وقال أبو يحيى الحِمّاني، عن أبي حنيفة ما لقيت فيمن لقيت أكذب من الجعفي، ما أتيته بشيءٍ من ورائي إلاَّ أتى فيه بأثر، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث لم يظهرها، وقال أحمد: تركه يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال مرة: ليس بثقة، لا يُكتب حديثه، وقال الحاكم: ذاهب الحديث، وقال ابن عَدِيّ: له أحاديث صالحة، وهو إلى الضعف أقرب من الصدق، وقال أيوب وليث بن أبي سليم والجوزجاني: كذاب، وكذا قال ابن عيينة وأحمد وسعيد بن جبير. انتهى ملخصاً. وأما عامر الشعبي فهو عامر بن شراحيل - بالفتح - الشعبي الكوفي نسبة إلى شَعب - بالفتح - بطن من همدان، كان من كبار التابعين، فقيهاً، شاعراً، روى عن مائة وخمسين من الصحابة، مات سنة ١٠٤ هـ وقيل: سنة ١٠٩ هـ، ذكره السَّمعاني. وذكر في "تهذيب التهذيب": قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وقال ابن عيينة: كان الناس بعد الصحابة: الشعبيُّ في زمانه والثوريُّ في زمانه، وقال ابن معين: إذا حدَّث الشعبي، عن رجل فسماه فهو ثقة، وقال هو وأبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: لا يكاد يرسل الشعبي إلاَّ صحيحاً، وقال أبو داود: مرسل الشعبي عندي أحب من مرسل النَّخَعي. انتهى ملخصاً.стр. 490
عَنْ عَامِرٍ الشَّعبي قَالَ (١) : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لا يؤُمَّنَّ الناسَ أحدٌ بعدي جالساً.
فأخذ (٢) الناس بهذا. الحواشي
(١) قوله: قال، كذا أخرجه الدارقطني والبيهقي في سننهما، عن جابر، عن الشعبي، وقال الدارقطني لم يروه عن الشعبي إلاَّ الجعفي وهو متروك، والحديث مرسل، وقال عبد الحق في "أحكامه": رواه عن الجعفي مجالد وهو أيضاً ضعيف، وقال اليهقي في "المعرفة": فيه جابر الجعفي، متروك، ثم قد اختُلف عليه فيه، فرواه ابن عيينة عنه كما تقدَّم، ورواه ابن طهمان، عنه، عن الحكم، قال: كتب عمر لا يؤمَّن أحد جالساً بعد النبي ﷺ ، وهذا مرسل موقوف، كذا ذكر الزيلعي، وفي "إرشاد السَّاري"، عند ذكر حديث الصلاة النبوية قاعداً والناس قاموا خلفه في مرض موته: هو حجة واضحة لصحة إمامة القاعد المعذور للقائم، وخالف ذلك مالك في المشهور (رواه ابن القاسم كما قاله ابن رشد. واحتجَّ برواية فيها الجعفي مع إرسالها، كما في عمدة القاري ٢/٢٧٥، ٢/٧٤٦، وفتح الباري ٢/١٧٦، وإليه ذهب محمد بن الحسن من أصحاب إمامنا أبي حنيفة، بل كره ابن القاسم ومحمد بن الحسن، وأكثر المالكية إمامة القاعد للقاعدين من المرض أيضاً، ومنعها بعضهم كما في شرح التقريب للعراقي ٢/٣١٣٦) عنه ومحمد بن الحسن في ما حكاه الطحاوي، وقد أجاب الشافعي عن الاستدلال بحديث جابر، عن الشعبي مرسلاً مرفوعاً: "لا يؤمَّنَّ أحد بعد جالساً"، فقال: قد علم من احتج بهذا أن لا حجة له فيه لأنه مرسل، ومن رواية رجل يرغب أهل العلم عن الرواية عنه، أي: جابر الجعفي. انتهى. ولا يخفى أن المرسل مقبول عند جمهور العلماء لا سيَّما مراسيل الشعبي كما مرَّ فالقدح بالإرسال ليس بشيء، نعم القدح بجابر لا سيَّما على رأي أبي حنيفة له اعتداد.(٢) هذا من كلام الشعبي أو من كلام محمد، والظاهر الاحتمال الأخير.стр. 491
٤٥ - (بَابُ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ)
١٦٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا (١) بكيُر (٢) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ بُسْر (٣) بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (٤) الخَوْلاني قَالَ: كَانَتْ ميمونةُ (٥) زوجُ النبيِّ ﷺ تصَلِّي (٦) فِي الدِّرع والخِمار، وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ.
١٦١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شهاب، عن سعيد بن المسيّب، الحواشي
(١) قوله: أخبرنا، بكير، هكذا في نسخ عديدة، وفي "موطأ يحيى": مالك عن الثقة عنده وهو الليث بن سعد، ذكره الدارقطني، وقال منصور بن سلمة: هذا مما رواه مالك عن الليث، ذكره ابن عبد البر وقال: أكثر ما في كتب مالك عن بكير يقول أصحابه: إنه أخذه من كتب بكير كان أخذها من مخرمة ابنه، فنظر فيها. انتهى. لكن هذا لا يتأتّى ههنا كذا ذكره الزرقاني (١/٢٩١) .(٢) ثقة روى له الستة، مات سنة عشرين ومئة أو بعدها، كذا قال الزرقاني.(٣) المدني العابد، ثقة حافظ، من رجال الجميع، قاله الزرقاني.(٤) ربيب ميمونة، ثقة، روى له الشيخان ذكره الزرقاني.(٥) قوله: كانت ميمونة، هي بنت الحارث الهلالية، كان اسمها برة، فسمّاها رسول الله ﷺ ميمونة، توفيت بسرف سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ست وستين، وقيل: ثلاث وستين، كذا في "الاستيعاب في أحوال الأصحاب"، لابن عبد البر.(٦) قوله: تصلي، لأن ذلك جائز، وإن كان الأفضل أن يكون تحت الثوب مئزر.стр. 492
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ سَائِلا (١) سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ في ثوب واحد؟ قال: أو (٢) لكلَّكم ثَوْبَانِ (٣) ؟
١٦٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا مُوسَى (٤) بْنُ مَيْسَرَةَ، عن أبي مرّة (٥) مولى (٦) الحواشي
(١) قوله: أن سائلاً، قال ابن حجر: لم أقف على اسمه، لكن ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه "المبسوط" أنه ثوبان، كذا في "إرشاد الساري".(٢) استفهام وتعجُّب وإنكار على السائل حيث سأل ما لا ينبغي أن يسأل عنه لوضوحه.(٣) قوله: ثوبان (الصلاة في الثوب الواحد لم يخالف فيه إلاَّ ابن مسعود، وجازت الصلاة به ولو لم يكن على عاتق المصلّي من الثوب شيء إلاَّ عند أحمد نَيْل الأوطار ٢/٥٩) ، قال الخطابي: لفظه استخبار ومعناه الإخبار عمّا هم عليه من قلة الثياب، ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى لأنه إذا لم يكن لكل ثوبان، والصلاة لازمة، فكيف لم يعلموا أنَّ الصلاة في الثوب الواحد الساتر للعورة جائز، وهو مذهب الجمهور من الصحابة كابن عباس وعليّ ومعاوية وأنس وخالد بن وليد وأبي هريرة وعائشة وأم هانئ، ومن التابعين الحسن البصري وابن سيرين والشعبي وابن المسّيب وعطاء وأبو حنيفة، ومن الفقهاء أبو يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد في رواية وإسحاق، كذا في "إرشاد الساري".(٤) قوله: موسى بن ميسرة، الدِّيلي بكسر الدال مولاهم أبي عروة المدني ثقة، كان مالك يثني عليه، ويصفه بالفضل، مات سنة ١٣٣ هـ، قاله الزرقاني.(٥) اسمه يزيد، وقيل: عبد الرحمن المدني، الثقة من رجال الجميع، ذكره الزرقاني.(٦) قوله: مولى عقيل، قال الحافظ: هو مولى أم هانئ حقيقة، ونسب إلى ولاء عقيل مجازاً بأدنى ملابسة لأنه أخوها أو لأنه كان يكثر ملازمة عقيل.стр. 493
عُقَيْلِ (١) بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ (٢) بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ (٣) مُلْتَحِفًا (٤) بِثَوْبٍ.
١٦٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عُقَيْلٍ (٥) أَنَّهُ سَمِع أمَّ هَانِئِ بنتَ أَبِي طالب تحدِّث أنها (٦) ذهبتْ إلى الحواشي
(١) قوله: عقيل، هو علقل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي يكنى أبا يزيد، روينا أن النبي ﷺ قال له: يا أبا يزيد، إني أحبك حبَّيْن: حباً لقرابتك مني، وحباً لِما كنتُ أعلم من حب عمِّي إيّاك، قدم عقيل البصرة ثم أتى الكوفة، ثم أتى الشام، وتوفي في زمن معاوية، كذا في "الاستيعاب".(٢) قوله: عن أم هانئ، هي أخت عليّ شقيقةً، أمُّهما فاطمة بنت أسد وهو أم طالب وعقيل وجعفر، واختلف في اسمها، فقيل: هند، وقيل: فاختة، وكانت تحت هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وأسلمت عام الفتح، كذا في "الاستيعاب".(٣) وذلك ضحى.(٤) أي: متغطياً بثوب. وفي نسخة: بثوبه.(٥) وللأويسي والقعنبي والتنيسي: مولى أم هانئ.(٦) قوله: أنها ذهبت، في "الصحيح"، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أم هانئ: أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة، واغتسل وصلّى ثمان ركعات، فظاهر هذا أن الاغتسال وقع في بيتها، قال الحافظ: ويجمع بينهما بأن ذلك تكرَّر منه ويؤيده ما رواه ابن خزيمة عن أم هانئ أنَّ أبا ذر كان سَتَره لم اغتسل، ويُحتمل أنه نزل في بيتها بأعلى مكة، وكانت هو في بيت آخر بمكة، فجاءت إليهстр. 494
رسول الله ﷺ عامَ الْفَتْحِ (١) فوجَدَتْه يَغْتَسِلُ وفاطمةُ ابنتُهُ تستُرُهُ بثوبٍ، قَالَ: فسلَّمت، وَذَلِكَ (٢) ضُحَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ (٣) هَذَا (٤) ؟ فقلتُ: أَنَا (٥) أمُّ هَانِئِ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: مَرْحَبًا (٦) بأمِّ هَانِئِ (٧) فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسله قام فصلَّى ثمانيَ (٨) الحواشي
(١) أي: فتح مكة في رمضان سنة ثمان.(٢) أي: كان ذلك وقت ضحى.(٣) أي: الشخص أو المسلم، وهذا يدل على أن الستر كان كثيفاً.(٤) في نسخة: هذه.(٥) فيه إيضاح الجواب غايته التوضيح.(٦) أي: لقيت رحباً وسعة، وقيل: معناه: رحب الله بك مرحباً، فجعل الرحب موضع الترحيب، كذا في "النهاية".(٧) وفي رواية يا أم هانئ.(٨) قوله: ثماني ركعات، قال الباجي: هذا أصل في صلاة الضحى على أنه يُحتمل أن يكون فعل ذلك لما اغتسل لوجود طهارته لا لقصد الوقت، إلاَّ أنه روي إنها سألته، فقالت: ما هذه الصلاة؟ فقال: صلاة الضحى، فأضافها إلى الوقت. قال السيوطي: قلت: أخرجه ابن عبد البر من طريق عكرمة بن خالد، عن أم هانئ، وقد ورد أنه ﷺ صلّى الضحى من حديث جابر، وعتبان بن مالك، وأنس، وعبد الله بن أبي أوفي، وجبير بن مطعم، وحذيفة، وأبي سعيد، وعائذ بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وعلي، وعبد الله بن بسر، وقدامة، وحنظلة، وابن عباس، وغيرهم، وقد ألَّفتُ فيه جزءاً استوعبتُ فيه ما ورد فيها.стр. 495
رَكَعَاتٍ (١) مُلْتَحِفًا (٢) فِي ثَوْبٍ (٣) ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ (٤) ابنُ أمِّي (٥) أَنَّهُ قاتَلَ (٦) رَجُلا أَجَرْتُهُ (٧) ، فُلانُ ابْنُ هُبَيْرَةَ (٨) ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : قد الحواشي
(١) زاد كُريب، عن أم هانئ: يسلِّم من كل ركعتين، أخرجه ابن خزيمة.(٢) أي: ملتفاً.(٣) في نسخة: صمّ في ثوب أي اشتمل اشتمال الصماء وسيجيء تفسيره في موضعه.(٤) أي: قال وادَّعى.(٥) قوله: ابن أمي، أي: عليٌّ، وخُصَّت الأم لأنها آكد في القرابة، ولأنها بصدد الشكاية في إخفار ذمتها، فذكرت ما بعثها على الشكوى حيث أُصيبت من محلٍّ يقتضي أن لا تُصاب منه.(٦) قوله: إنه قاتل، فيه إطلاق اسم الفاعل على من عَزَم على التلبُّس بالفعل.(٧) أي: آمنته.(٨) قوله: فلان بن هبيرة، قال الحافظ: عند أحمد والطبراني من طريق أخرى، عن أبي مرة عن أم هانئ: إني قد أجرت حَمَوَين لي، قال أبو العباس بن شريح وغيرهما: جعدة بن هبيرة، ورجل آخر من مخزوم، كان فيمن قاتلا خالد بن الوليد، ولم يقبلا الأمان فأجارتهما، فكان من أحمائها، قال ابن الجوزي: إن كان ابن هبيرة منها فهو جعدة، كذا قال. وجعدة في من له رؤية ولم يصح له صحبة فكيف يتهيَّأ لمن هذا سبيله في صغر السن أن يكون عام الفتح مقاتلاً حتى يحتاج إلى الأمان؟ وجوَّز ابن عبد البر أن يكون ابناً لهبيرة مع نقله أن أهل النسب لم يذكروا لهبيرة ولداً من غير أم هانئ، وجزم ابن هشام في "تهذيب السيرة"، بأنَّследующие страницы →