لم يفد التقييد شيئًا فحمل على متى احترازا عن الإلغاء بخلاف المسألتين لا لأنهم اعتبروا أن الأصل أن لا يقتصر التفويض على المجلس ليقع الشك في الاقتصار كما ظن.
تتمة: وكذلك إذا ما إلا في تمحضه للمجازاة بالاتفاق وما يسمى مسلطة لإفادتها إلعمل لما لم يعمل، ولو للمضي لغة ففي لو دخلت الدار لعتقت ولم يدخل فيما مضى يخبغي أن لا يعتق غير أن الفقهاء استعاروها بمعنى أن كما في ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية ٢٢١) ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: من الآية ٣٢) كعكسه في ﴿إِنْ كنْتُ قُلْتُهُ فقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ (المائدة: من الآية ١١٦) هو المروي في نوادر ابن سماعة عن أبي يوسف ولا نص عن الآخرين ثم اللام قد تدخل في جوابه نحو لفسدنا وقد لا نحو جعلناه أجاجا لا الفاء فقالوا في لو دخلت الدار فأنت طالق يقع في الحال كما في أن دخلت الدار فأنت طالق وهو مذهب أبي الحسن الاهواري ﵀ قال لو جزم بها الفعل لم يضر شوطًا إلا بالنية كما لو رفع بأن وعن أبي عاصم لا تطلق ما لم تدخل لأنه بمعنى أن ولأن وجوه لإعراب لا تعتبر لعدم ضبط العامة، ولذا لو قال لرجل زنيب بالكسر أو لامرأة بالفتح بحدا ما لولا فلما دل على امتناع الشيء لوجود غيره جعل مانعًا عن وقوع ما يترتب عليه كالاستثناء ولذا قال محمَّد لو قال أنت طالق لولا دخولك الدار لم يقع أصلًا.
تتمة: سيجيءكلما ومن وما إن شاء الله تعالى.
خاتمة: كيف للسؤال عن الحال بمعنى أي حال حاله دخل الاسم نحو كيف زيد أو الفعل نحو كيف تسير وربما تستعمل استفهامية للإنكار نحو ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨) أي على أي حال وقصتكم هذه بمعنى لا ينبغي وللتقرير نحو أنى شئتم حيث فسروه بكيف أي على أي حال شئتم بعد أن يكون المأتي موضع الحرف وحكى فطرب مجيئه بمعنى الحال مطلقًا نحو النظر إليه كيف يصنع أي إلى حال صنعه وكان حقيقة انظر إلى حاله التي هي جواب كيف يصنع كما يقال في علمت أزيد عندك أم عمرو أي جوابه فيوضع الجواب موضعه.
فرع: قال الإِمام أنت حر كيف شئت إيقاع لأنه تفويض لحالها بعد وقوع أصلها ولا مساغ لذلك فيلغو (١) وكذا أنت طالق كيف شئت في غير المدخول بها (٢)، أما فيها فيقع الأصل وتفويض الوصف كالبينونة والغلظة والتعدد إلى مشيتها في المجلس إن لم ينو
стр. 177
الزوج وإن نوى فإن اتفقتا فذاك وإلا فرجعية وقالا لا يقع شيء فيهما ما لم يشأ فإذا شأت فكما قال لأن تفويض الوصف يوجب تفويض الأصل إما لأن ما لا يكون محسوسًا من التصرفات الشرعية فمعرفة أصله يتوقف على وجود أثره كالنكاح يعرف بملك المتعة والبيع يملك الرقبة كما أن وجود أثره يتوقف على وجود أثره يتوقف على وجود أصله فالأصل تبع من هذا الوجه وبناؤه على امتناع قيام العرض بالعرض بعيد إذ لا عرض فيما ليس بمحسوس وإما لأن الأصل لا يوجد بدون وصف فتفويض كل الأوصاف تفويض له وإلا لوجد بدونها يوضحه أن الرجعية وصف لا يوجد أصل الطلاق بدونه وإذا فوض أصله أيضًا لم يقع بدون مشعيتها في المجلس كما في إن شئت أو كم شئت أو حيث شئت قلنا ثبوت الرجعية كالوحدة لكونها لازمة الأصل والتفويض في الحقيقة لما وراءها وفي أن شئت لأصله وهذا في كم شئت لأن الواقع هو العدد مقتضى أو مذكورا ولذا يلغو بموتها قبل ذكره حين الذكر فتفويض العدد تفويض لأصله مطلقًا عند عدم نيته ومشروطا باتفاقهما عندها وهذا في حيث شئت وهذا أين شئت لأن ذكر المكان لغو فيه إذ لا تقيد له به فينفي أصله بمعنى إن شئت ولم يلغ حيث بالكلية ليقع في الحال كانت طالق إن دخلت الدار لأن الاستعارة لأن لإبهامها أولى منه ولم يستعر لمتى أو إذا وفيها رعاية الظرفية حتى لا يتقيد بالمجلس لأن أن أصل الباب.
وفي الوضع مباحث
١ - أن الدلالة الوضعية لمجرد الوضع أو لمناسبة ذاتية بين اللفظ والمعنى ذهب عباد بن سليمان وأهل التكسير الزاعمون أن للصيغ المجتمعة من الحروف البسيطة آثار أو خواص وبعض المعتزلة إلى الثاني والحق خلافه، فالصحة وضع كل لفظ لكل معنى حتى لنقيضه كالقرء فإن كلا من الحيض والطهر باعتبار ثبوتهما لازم سلب الآخر في المحل القابل ولازم النقيض يسمى نقيضًا أو لضده كالجون للأسود والأبيض لو وضع له الدال عليه وتخلف أولهما فعليهما واختلف ومقتضى الطبعة الواحدة لا يتخلف أو الألم يلزم ولا يختلف وإلا لزم الواحد من حيث هو واحد لا زمان فكيف النقيضان أو الضدان والدليل منزل في الحروف البسيطة فلا يرد أن مقتضى المركبة كالشجر يختلف تحريكه لينًا في أغصانه علوًا وعروقه سفلًا وكما في جذعه، وفيه بحث من وجهين:
١ - لم لا يجوز أن يستلزم المناسبة الدلالة بشرط العلم بها كالوضعية بشرط العلم بالوضع فيكون التخلف والاختلاف لعدم العلم بها.
стр. 178
٢ - ولئن سلم فلم لا يجوز أن يعرض على المناسبة الذاتية مناسبة أخرى بالوضع يكون التخلف والاختلاف بناء عليها فما بالذات لا يختلف وما يختلف ليس بالذات وجوابهما أن محل النزاع الدلالات المتعارفة ولما أمكن التخلف في كل منها بغرض الوضع خلافه لم يكن شىء منها بالذات وهو المطلوب قالوا تساوي النسبة يؤدي إلى الاختصاص بدون التخصيص إن لم يكن وضع إلى التخصيص بلا مخصص إن كان وكلاهما مح وجوابه منع استحالة الثاني فإرادة الواضع المختار مخصصه من غير لزوم داعية فمن الله كالحدوث بوقته ومن العبد كالإعلام بالأشخاص.
ب- في أن الواضع هو الله تعالى (١) أو الخلق (٢) أو بالتوزيع (٣) أو يتوقف بين الثلاثة (٤) قال الشيخ ومتابعوه هو الله تعالى فعلم العباد بالوحي أو بخلق أصوات في جسم دالة المعنى بالطبع كانت معروضة للكيفية الحرفية أم لا وإسماعها للناس أو بخلق علم ضروري والبهشمية البشر والتعريف بالإشارة والقرينة كنغايم الأطفال والأستاذ القدر المحتاج إليه التعريف بالتوقيف والباقي يحتمل الأمرين والقاضي الجميع ممكن عقلًا فالوقف وهو الحق إن كان النزاع في القطع وإن كان في الظهور فيقول الشيخ لقوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلهَا﴾ (البقرة: من الآية ٣١) مرادًا بها الألفاظ مجوزًا أو اللغوية والتخصيص اصطلاح طار وعلى أن لا قائل بالفصل والمخالف تارة بأول التعليم اما بإلهام مصلحة الوضع فبعضها نحو ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ (الأنبياء: من الآية ٨٠) وإلا فالالهام يستعمل في كسبي يحصل لا بالفيض وتخصيص الألفاظ بالمعاني لا يحتاج إلى الكسب وإما بتعليم ما سبق وضعه من خلق آخر وأخرى الأسماء بالمسميات إما لأن الاسم عين المسمى أو تجوزا وعلى حذف المضاف بدليل غرضهم لأن الضميرية يقتضي بالمسميات بتغليب العقلاء ولأن وظايف الصبيان لا يليق بمطارحة الملكوت، وأجيب عن الأول بأنه خلاف الظاهر والأصل عدم وضع سابق وبهذا يندفع أيضًا أن المراد الأسماء الموجودة في ذهن آدم ﵇ وبعد تسليم العموم يجوز أن ينساها آدم أو من بعده ثم اصطلح
стр. 179
على اللغات المسموعة لأن كلا منهما خلاف الظاهر، وعن الثاني بأن التعميم لنفس الأسماء بدليل ﴿انبئوني بأسماء هؤلاء﴾ ونحوه وفيهما بحث إما في القول فلأن القرآن يفسر بعضه بعضًا فالحمل على المعنى الوارد فيه أولى وإما في الثاني فلأن الإضافة إلى الذوات المعينة لأنها في إرادة حقائقها من حيث أن لها خواص ومنافع دينية ودنيوية كما أشار إليه في الكشاف مع اختياره إرادة الأسماء جريًا على مذهبه أن الاسم غير المسمى إذ فيها إشارة إلى فائدة التعليم وتمايز الحقائق لازم التمايز الأسماء وتفص عن أن يقع المطارحة في بعض اللغات ثم الظاهر أن الحق تعليم الأسماء والتجوز في محل لا يقتضيه في غيره والإلزام بوظيفة الصبيان ادخل في القوة ولا خفاء أن تعليم الأسماء يستدعي تمايز المسميات بالخواص وإليه الإشارة في الكشاف فيشتمل على تعليم الحقائق ضمنًا تتميمًا للإلزام لا صريحًا تصريحًا بالإدخال في قوته وأما احتجاجه بقوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ (الروم: من الآية ٢٢) أي لغاتكم هي المرادة اتفاقا ولأن بدايع الصنع في نفس العضو في غيره أكثر فغير تام لجواز أن يراد قدرة السنة كل طائفة على نوع ألفاظهم التي وضعوها فإن رجح المجاز الأول عورض بأن هذا أقرب من المعنى الحقيقي وفي صلوحه للمعارضة منع احتج البهشمية بأن قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (إبراهيم: من الآية ٤) أي بلغتهم يقتضى تقدم اللغات على الإرسال لاستدعاء إضافة اللغة وقوفهم فلو كانت بالتوقيف ليقدم عليها ودار لأن طريقة الوحي لا خلق الأصوات وأسماعها واحدًا أو جماعة ولا خلق العلم الضروري لأن علم واحد من الأمة ما هو أساس الشرع غير مقتبس من مشكاة النبوة بعيد عادة، وأجيب أن التوقف لذلك القوم هو المقتضى لتقدم الإرسال وليس بلازم لجواز أن يكون لأدم حيث علمه الأسماء وهو لأبنائه وذلك إما بالوحي والمراد رسول له قوم قبله، وإما بخلق أصوات سمعها أو خلق علم ضروري فيه وذلك في آدم ليس ببعيد لا يقال علمه بالوضع لكونه نسبة يقتضي العلم بواضعه فلا يكون مكلفًا بمعرفة الله وكل عاقل مكلف لأنه يقتضي العلم بواضع ما ولو سلم فآدم حالتئذ في الجنة وليست دار التكليف وهذان الطريقان خلاف المعتاد في إثباته فيخالف الظاهر مخالفة قوية فلا بدفع الظهور. احتج الأستاذ بأن معرفة القدر الواجب في تعريف الوضع والاصطلاح لو لم يكن بالتوقيف لتوقفت على تعريفهما وهو موقوف عليها فيدور وتنزيله في أول الوضع والاصطلاح سواء كان بالنسبة إلى واضع واحدًا ومتعدد وإلا فتعريف كل من ذلك القدر يتوقف على تعريف
стр. 180
سابق فاللازم التسلسل إلى أن ينتهي إلى الوضع الأول فيدور. وأجيب: بمنع توقف المعرفة على تعريفهما أو التعريف عليها فربما يعرف بالترديد وقرينة الإشارة كما في الأطفال. (ج) في طريق معرفة الوضع قد مر أن النقل متواترًا فيما يفيد القطع وآحادًا فيما يطلب فيه الظن سواء كان في معاني المفردات المادية والصيغية أو المركبات من حيث أصل المعنى أو معنى المعنى أو الخصوصيات الزائدة عليهما العارضة للهيئات الشخصية لتشخص المقام فليس معناه النقل مستقل فيه من غير مدخل للعقل كيف وصدق المخبر عقلي ولا بد منه كما مر بل وقد يحتاج إلى ضميمة عقلية يستنبطها من النقل كمعرفة أن الجمع المحلا باللام موضوع للعموم بطريق أنه يدخله الاستثناء وكل ما يدخله عام فالكبرى ضميمة استفادها العقل من قولهم الاستثناء لإخراج ما لولاه لوجب دخوله.
وأما المبادئ الأحكامية فأربعة أقسام
لأن الحاكم يحكم على المكلف بالجواز ونحوه أو التعلق الشرعي بشيء في فعله ففيه بحث عن الحاكم والحكم أي المحكوم به والمحكوم عليه وآخر بحثه لاستدعائه مجالا أكثر.
القسم الأول في الحاكم
الحاكم في حسن الفعل وقبحه في حكم الله تعالى أعنى كونه مناطًا للمدح عاجلًا والثواب آلًا أو للذم والعقاب هو الشرع عند الأشاعرة لا بمعنى أن لا فائدة للعقل فإنه آلة فهم الخطاب ومعرفة صدق الناقل بمعنى أنه قبل ورود الشرع لا يعرف ما ينبغي أن يكون مأمورًا به أو منهيًا عنه شرعًا فالشرع هو المثبت والمبين ولو عكس القضية فحسن ما قبحه وبالعكس لم يكن ممتنعًا (١) والعقل عند المعتزلة والكرامية لا بمعنى أن لا فائدة للشرع فإنه ربما يظهر أنه مقتضى العقل الحاكم عند خفاء الاقتضاء وإن لم يظهر وجه اقتضائه كما في وظائف العبادات بل بمعنى أنه يقتضي المأمورية والممنوعة شرعًا وإن لم يرد كما أنه يحكم على الله بوجوب الأصلح وحرمة تركه عندهم وليس له أن يعكس القضية فالعقل مثبت في الكل والشرع مبين في البعض والمختار أن الحاكم والموجب هو الله تعالى عن أن تحكم عليه غيره والعقل المتعارف حسن بعض ما حكم الله به وقبحه بتوفيق الله تعالى وإيقافه وإن لم يرد الشرع إما بلاكسب كحسن الصدق النافع أو معه لكن لا بطريق للتوليد أو الإيجاب بل يخلق الله تعالى عادة عقيب النظر الصحيح كما مر
стр. 181
كحسن الكذب النافع وكثير منهما ليس للعقل مدخل في معرفته فالشرع مثبت في الكل والعقل مبين في البعض وإنما يضاف الأحكام إلى العدل في الشرعيات والعقليات بالعقل تيسيرًا على العباد لأن إيجاب الله غيب، لا لأن العقل موجب بل فاهم ويصدق على حكم المسألة الاجتهادية أنه لله تعالى باعتبار أنه له عند المجتهد والصدق باعتبار كاف في أصل الصدق ولا ينافيه الخطأ لأنه في زعم المجتهد لا في حكم الله تعالى.
ولتحرير المبحث مقدمات
١ - أن النزاع لا في مطلق الجن والقبح فإنهما في الصفات عقليان اتفاقًا فكل صفة توجب ارتفاع شأن المتصف بها حسنة وكل صفة توجب انحطاطه قبيحة وهما المعبر عنهما بصفة الكمال والنقصان فذكر الفعل احتراز عنهما.
٢ - أن حسن الفعل وقبحه يستعملان في ثلاث معان ليس شيء منها محلًا للنزاع إضافية كالقبلية لا ذاتية كالسواد ففي حكم الله احتراز عن هذه المعافي الثلاث أحدهما موافقة غرض الفاعل ومخالفته كقتل زيد لعدوه ووليه فما ليس موافقاً ولا مخالفًا من أفعال العباد يسمى عبثًا وفعل الله لا يوصف بهما لتنزهه عن الغرض عندنا ويرادفه الاشتمال على المصلحة التي هي اللذة أو وسيلتها والمفسدة التي هي الألم أو وسيلته وملائمة الطبع ومنافرته أخص منه من وجه والأول أولى لشمول الثاني الصفات وثانيها أمر الشارع بالثناء على فاعله كالواجب والمندوب أو بالذم كالحرام ويختلف بالأشخاص كصلاة الجمعة للرجل والمرأة الشابة وبالأحوال كأكل الميتة للمضطر وغيره وبالأزمان كالصوم في آخر رمضان وأول شوال لا يقال هذا شرعي قطعًا لأن من المحتمل حكم العقل قبل ورود الشرع أن هذا مما يستحق فاعله المدح أو الثناء في نظر الشرع فالمباح والمكروه ليس بحسن ولا قبيح وكذا فعل غير المكلف من الأناسي وثالثهما أن لا يكون في فعله حرج أي إثم أو يكون وقد يقال أن لا يكون منهيًا عنه شرعًا أو يكون، ويختلف كالثاني فالواجب والمندوب والمباح وفعل غير المكلف وكذا المكروه حسن وكذا فعل الله حسن بالمعنين الأخيرين لكن بالثالث مطلقًا وبالثاني بعد ورود الشرع لا قبله كما تخيله بعض إلاَّ صحاب من تعلق الأمر بالمعدوم بتقدير وجوه وإن كان وجود الفعل قبله فإنا مأمورون بعد ورود الشرع بالبناء على جميع أفعاله وقد وقع في المرصاد أن النزاع في الأخيرين ولعله أراد استلزامهما للمعنى المتنازع فيه المار وإلا ففيه بحث فإنه بعض محل النزاع لأن بعض ما لم يرد الشرع بالبناء والذم أو بالإثم وعدمه يتصف بهما عندهم لو أراد أنهما أيضًا
стр. 182
فيه الخلاف وقيل: هذه الثلاثة عقلية اتفاقًا غايته أن العقلية عند الأشاعرة لا يكون ذاتية وذلك بمعنى أن موجهما العقل ممنوع.
٣ - أن الفرق بين مذهبنا ومذهب المعتزلة من وجوه: أن الموجب والحاكم هو الله تعالى وأن العقل ونظره آلة للبيان وسبب عادي لا مولد وأن مدخله ليس مطلقًا وبينه وبين مذهب الأشاعرة من وجهين: أنه قد يعرفهما العقل بخلق القول بذلك فيما يتوقف الشرع عليه كوجوب تصديق النبي ﵇ وإن كان في أول أقواله مثلا وحرمة تكذيبه وإلا لزم الدور والتسلسل وأنه بعد ورود الشرع آلة لمعرفة حسن ما ورد به الشرع وقبحه لا لفهم الخطاب وصدق الناقل فقط فالعقل ليس بمعتبر كل الاعتبار في موجب التكليف لأن الأفعال مستندة إلى الله خلقًا ولأن الوهم بعارضه كثيرا فلا يكلف بالإيمان العاقل قبل البلوغ وشاهق الجبل قبل إدراك الدعوة وزمان التجربة فلا يعذبان إن لم يعتقدا كفرا ولا إيمانًا خلافًا للمعتزلة وكذا لا ترتد المراهقة الغافلة تحت مسلم بين مسلمين إذا عقلت بخلاف الشاهق بعد إدراك أحدهما وإقامة مدة التجربة مقام الدعوة كإقامة أبي حنيفة ﵀ خمسًا وعشرين مقام الرشد في السفه وليس بمهمل كل الإهمال حتى في الجائزات إذ لا يمكن إبطال العقل لا بالعقل ولا بالشرع المبني عليه كما مر في المسائل السبعة ولأن الأفعال مستندة إلى العباد كسبًا فيعتبر إيمان الصبي العاقل وكفره إذا اعتقده وصف أو لم يصف وترتد المراهقة الواصفة لأن التوجه إليه دليل إدراك زمان التجربة فنيين من زوجها بلا مهر قبل الدخول بخلاف الغافلة ولعظم خطر الأحكام الأصلية لا سيما الأيمان لم يعتبر وجود السبب الظاهر عند العلم بعدم السبب الحقيقي فلم يعذر كفر المراهقة بخلاف رخص السفر مع العلم بعدم المشقة واعتبار الردة مع السبي استحسان منهما لا من أبي يوسف وكذا كفر شاهق الجبل فلا يضمن قاتله خلافًا للأشاعرة والشافعي وإما أنه لا يضمن معذورهم كالصبي والمجنون بل وبالفهم العاقل قبل الكفر فلعدم العصمة بدون الإحراز بدارنا كالصبي والمجنون في دار الحرب فالمذهب أن العقل معتبر شرطًا لا سببًا للصحة مطلقًا وللوجوب عند إنضمام أمر آخر كإرشاد وتنبيه ليتوجه إلى الاستدلال وإدراك مدة التجربة المعينة عليه سواء جعلها الشارع علمًا لذلك كالبلوغ الغالب كما له عنده لتمام التجارب وتكامل القوي أولًا كما في شاهق الجبل وليس في تقديرها في حقه دلالة بل في علم الله تعالى إن لخققت يعذبه وإلا فلا وعلى هذا يحمل قول أبي حنيفة ﵀ لا عذر لأحد في الجهل بالخالق لقيام الآفاق وإلا نفس
стр. 183
ويعذر في الشرائع إلى قيام الحجة ومن المشايخ حتى أبي منصور من حمله على ظاهره فقال بوجوب معرفة الله تعالى على الصبي العاقل دون عمل الجوارح لضعف البنية والأول هو الموافق لظاهر النص والرواية.
٣ - أن للمعتزلة وتوافقهم الكرامية والبراهمة القائلين بالعقلين الذاتيين للأفعال ضروريًا أو نظريًا لو بحيث يظهرهما الشرع لا يوجبهما مذاهب فقد ماؤهم على أنها لذواتهما كغالية الله عندهم وبعضهم لصفة موجبة حقيقية وعدم استقلال الصفة بدون الذات في التحقيق لا ينافي كونها علة تامة في الاقتضاء كالعلم لعالميتنا عند منبتي الأحوال منهم فإن بين استقلالها في التحقق واستقلالها في الاقتضاء فرقا كما في المشروطة لأجل الوصف أو بشرطه وبعضهم لصفة موجبة في القبح فقط ويكفى في الحسن عدم موجبية القبح والجبائية لصفة موجبة اعتبارية يختلف اختلاف الاعتبار لازمة كل بذاتها لا باعتبارها ويتوقف تعينهما على اعتبارها لا ذاتها كلطم اليتيم للتأديب أو التعذيب بخلاف الإضافية كصلاة الشابة وصوم أول شوال فإن قبحهما لا لأمر في ذات الصلاة والصوم بل من الإضافة، إذا تمهدت. قلنا: في رد غير الجيائية من المعتزلة وجهان:
الأول: أنهما لو كانا ذاتيين في كل من الأفعال المنصفة بهما لم يختلف شيء منهما بأن يجيء الحسن ويذهب القبح أو بالعكس من اختلف إليه القوم لأن ذاتي الشيء لا يختلف ولا يتخيف واللازم باطل لحسن الغنائم لنا بعد قبحها فيما سلف وعكسه تزويج البنات من البنين ومقصودنا إبطال الموجبة الكلية المستلزم لإثبات السالبة الجزئية لا إثبات السالبة الكلية كمقصود الأشاعرة فإبطال اللازم في الأمثلة الجزئية يكفينا ولا يكفيهم والتمثيل يسحن الكذب الذي فيه عصمة نبي من ظالم أو إنقاذ بريء من قاتل إذا تعين طريقًا لهما ولم يمكنه تعريض يتخلص به عن الكذب صحيح على غير الجبائية كما هو المراد لأن التقدير عندهم أن الحسن لكل حسن ذاتي حقيقي تابع للوجود بنصف الفعل به عند وجوده وجوبًا كالتحيز للجوهر ومثله لا يتخلف ولا يختلف بالاعتبار وبهذا يسقطان المراد بالاختلاف إن كان تعدد اللوازم تمنع الملازمة لجواز وجود جهتين يلزم الحسن بأحديهما والقبح بأخرى وإن كان حصول أحدهما وزوال الآخر فزوال القبح في الكذب المذكور ممنوع واستحقاق المدح والثواب ليس لحسن الفعل بل لصفة في فاعله وهو عدول المضطر إلى ارتكاب أحد القبيحي إلى أهونهما كما قال عليه. "امن ابتلى ببليتين
стр. 184
فليتخير أيسرهما" (١) كما يجوز للخائف عن النار إيقاع نفسه في الماء وكما يجوز أن يحلف كاذبًا لمصلحة حفظ الوديعة فقد ظهر من توجيهنا الجواب عن نفيه أما الاعتراض بأن الحسن لازم الكذب وهو تخليص النبي لا هو وكذا بأن التخلف لمانع لا يقدح في الاقتضاء فقد رد بأن الذاتية تمنعهما، وفيه بحث لأن المراد بالذاتية ليس الجزئية أو العينية بل كونهما مقتضى الذات فلا يرتدان بذلك والتحقيق الحاسم للشبه أن المراد بالاختلاف التنافي في الصفات الحقيقية فإن لوازم الأمر الواحد لا يتنافى لأن تنافي اللوازم ملزوم تنافي الملزومات والتقدير أن الحسن لكل حسن والقبح لكل قبيح لازم. الثاني: أنهما لوكانا تبيين لكل من موصوفاتهما لاجتمع النقيضان في قوله لأكذبن غدًا فقيل لأنه إذا لم يتكلم غدًا إلا كلامًا واحدًا فالكلام الغدى إن صدق استلزم الكذب اليومي وإن كذب استلزم صدقه فاجتمع الصدق والكذب أحدهما من نفسه والآخر من استلزمه فإن مستلزم الحسن أو القبيح حسن وقبيح ويمكن تنزله في الكلام اليومي أيضًا لكنه موقوف على فرض الوحدة في الكلام الغدى وعلى أن المستلزم متصف بصفة لازمة فالصحيح أن ينزل في الأخبار بجواب القسم فإنه خبر لا يخ عن الصدق والكذب والإنشاء تعلق القسم به ويقال صدق أخباره وقوع الذي هو الكذب غدًا في الجملة وكل ما هو وقوع الكذب فقبيح وكذا كذبه انتفاء الكذب وكل منه حسن فكل من صدقه وكذبه حسن وقبيح ولا تغفل عن نكتتنا مع الأشاعرة، وللأشاعرة الوجهان، وثالث وهو أنهما لوكانا ذاتين لزم قيام المعنى بالمعنى بخلاف ما لو كانا شرعيين فإنه أمراض في إما الملازمة فلأن الفعل معنى والحسن معنى فالأول ظاهر والثاني لأنه موجود زائد على مفهومه تابع في تحيزه وذلك معنى المعنى أما وجوده فلأن نقيضه وهو الأحسن سلب لصدقه بالاشتقاق على المعدوم إما بالضرورة وإما بأنه لو لم يصدق لصدق الحسن عليه فلم يكن وصفًا ذاتيًا لأن المعدوم لا ذات له فكيف لصفته والحسن من صفات التابعة للوجود عندهم وحاصله أن صدق اللاحسن على المعدوم ثبت المدعي وإن لم يصدق بطل مدعاكم وكل ماكان نقيضه سلبًا كان هو وجودًا وإلا لارتفع النقيضان وإما زيادته فلتعقل الفعل بدونه وإما تبعيته في لخيزه فلأنه حيث الفعل ولذلك يوسف به ها هنا وإن
стр. 185
كان الاختصاص الناعت أعم من التبعية في التحيز كما في نفس التحيز وصفات الله تعالى والصفات العقلية والنفسية عند القائلين بتجردهما وإما بطلان اللازم فلأن التحيز المتبوع لمحل الفعل وهو الفاعل لا له لتبعيته أيضًا إذ هما معًا حيث الجوهر كما في الحركة التبعية مع الذاتية في السفينة والأفلاك وقيام الأعراض في المتحيزة التبعية فيه كما للهيولى مع الصورة عند الفلاسفة وفي غيرها التبعية في الوجود كما في صفات الله تعالى وهذا لو كان حقًا لكان مساعدا للأشاعرة لكن فيه نظر من وجوه:
١ - منع أن الفعل عرض عند المتكلمين فإن أجناس الموجودات عندهم اثنان وعشرون وليس الفعل معدودا منها لا يقال المراد الهيئة التي يكون الفاعل عليها عند الفعل وهو الحاصل بالمصدر لأنا نقول وتلك الهيئة لو وجدت لكانت كفا وليست معدودة في أنواع الكيفيات عندهم.
٢ - أن الأحسن إنما يصدق على المعدوم لو كان سلبًا إذ لو كان عدولا لم يصدق فالاستدلال به على السلبية دور لا يقال نقيض الشيء هو سلبه لا عدوله؛ لأنا نقول ح يكفي ذلك فأي حاجة إلى الاستدلال وجوابه أن صورة السلب لا يلزم أن يكون سلبًا في نفس الأمر والاستدلال لإثبات ذلك.
٣ - أن صحة تفسير قيام الأعراض بالتبعية في التحيز موقوفة على عدم المجردات في الممكنات وذلك ليس بضروري ولذا يذهب إلى وجودها حجة الإِسلام والراغب الأصفهاني وغيرهما والاستدلال عليه بأنها لو وجدت لشاركها الباري ولزم التركيب في ذاته أو بأنه أخص صفات الباري فيلزم إما قدم الحادث أو حدوث القديم ضعيفٌ لأن الاشتراك في العارض لا سيما السلبي لا يوجب التركيب وكونه أخص صفات الباري موقوفٌ على عدمها ففيه مصادرة غير أن الدليل يجب لمثبتها ويكفى لنافيه أن الاعتراف بغير الدليل كعدم الاعتراف بعد الدليل.
٤ - نقض الدليل بالإمكان الثابت للفعل فإنه يقتضي أن لا يكون ذاتيًا وأنه ذاتي لكل ممكن وإلا لزم انقلاب الحقائق.
٥ - أن السلب كما يرد على الوجود نحو ليس كل إنسان بحجر يرد على الثبوت أي الرابطة نحو كل إنسان ليس هو بحجر ويرد على ما ينقسم إلى الموجود والمعدوم كاللامعلوم ولكون الثبوت أعم من الوجود كما في كل ممتنع معدوم لا يقتضي عدم صدق سلبه عليه إلا صدق الثبوت الذي هو أعم من الوجود وصدق الأعم لا يستلزم
стр. 186
صدق الأخص فكون صورة السلب سلب وجود موقوف على كون المسلوب وجود إلا ثبوتًا ولا عدمًا فلو ثبت ذلك بهذا كان دورًا.
٦ - عبارة أخرى للخامس أن أزيد بارتفاع النقيضين ارتفاعهما بحسب الوجود
فبطلان اللازم ممنوع وإن أريد كما في الامتناع واللاامتناع بحسب الصدق فالملازمة، ورابع لهم وهو أن فعل العبد غير مختار وكل غير مختار لا يحكم العقل فيه بحسن ولا قبح بيان الصغرى أنه إن لم يتمكن من تركه فضروري وإن تمكن فإن لم يتوقف على مرجح لزم رجحان أحد المتساوين من غير مرجح ومع ذلك يكون اتفاقيًا فلا يوصف بهما عقلًا اتفاقًا وإن توقف فأما على مرجح من العبد فينقل الكلام إلى الفعل مع ذلك المرجح ويلزم التسلسل وأيضًا يجب عه وإلا لزم رجحان المرجوح وهو أشد استحالة من رجحان أحد المتساوين وإذ لو لم يجب لجاز تركه معه فاحتاج إلى مرجح آخر ولزم التسلسل فتعين توقفه على مرجح لا من العبد فيكون ضروريًا لذلك وللوجهين المذكورين وبيان الكبرى بالإجماع المركب فعند الأشاعرة لعدم الحسن والقبائح عقليين وعند المعتزلة لأن كل حسن أو قبيح عقلًا فعل المتمكن منه ومن العلم بحاله عندهم وكل فعل كذلك نحتار وينعكس القبحة عكس النقيض إليها، قيل: رجحان أحد المتساوين كوجود الممكن إن استحال وجب عدمه لما عرف في الطبقات فلا مساواة فيه، وجوابه: أن المستحيل رجحان الأحد المطلق فهو الواجب عدمه والنكرة في سياق النفي تعم فينعدم كلاهما ويبقي المساواة وبهذا الدليل اختاروا الجبر ونفي تأثير قدرة العبد أصلًا كما اختار جمهور المعتزلة القدر وفسروه بأن العبد موجد لأفعاله لا ايجابيًا بل اختياريًا وأبو الحسين منهم على أن الله يوجد للعبد القدرة والإرادة ثم هما يوجبان وجود المقدور وهو مذهب الحكماء وإما الحرمين، ومذهبنا خير من الأمرين ومنزلة بين المنزلتين وهو أن الأفعال الاختيارية لله تعالى خلقًا وإيجادًا وللعبد كسبًا واختيارًا وفسرناهما تارةً بما يقع به المقدور مع صحة انفراد القادرية أولًا معها وأخرى بما وقع لا في محل قدرته أو فيه، وهذا من أهم مهمات الدين وأعظم مقاصد ارباب اليقين فلنبتهل إلى جانب الله تعالى وحسن توفيقه لتحقيق هذا المطلب الجليل والهداية إلى سواء طريقه فلنتعرض أولًا لمقدمات يتوقف عليها التوسط وبطلان طرفي الإفراط والتفريط ثم لبيان أن ثبوت الجبر بهذا الدليل نتيجة الرأي العليل.
أما المقدمات
الأولى: أن المشهور بين الجمهور إلى المفهوم إن كان له تحقق في الوجود فموجود
стр. 187
وإلا فمعدوم وبعضهم وجدوا المفهومات على قسمين منها ما يتصور عروض الوجود لها فسموا تحققها وجودًا وارتفاعها عدمًا ومنها ما ليس من شأنها ذلك كالأمور الاعتبارية التي يسميها الفلاسفة معقولات ثانية فجعلوها لا موجودةً ولا معدومةً وسموها أحوالًا فالجمهور يجعل العدم للوجود سلب إيجاب وهم عدم ملكة فلا نزاع في الحقيقة.
الثانية: أن التسلسل في الأمور والمحققة من طرف المبدأ مجال لأن سلسلة مجموع الممكنات اللا متناهية لها علة وليست نفسها ولا بعضا منها فضلًا عن كل منها لأنه لولم يكن على الشيء منها أو لبعضها لم يكن علة لجميع السلسلة هف وإن كان علة لكل منها كان علة لنفسه وعلته وأنه دور فعلتها خارج عن جميع الممكنات وهي الواجب ولا علة له فلزم التناهي على تقدير عدمه أما الأمور العقنية فينقطع بانقطاع الاعتبار وأما من جانب المعلول فلا برهان عليه وبرهان التطيق ليس بشيء لأن التطبيق يمعنى تواني الحدين لا يوجب عدمه الانقطاع ويمعنى أن لا يفقد في أحديهما كما يمكن جعله مقابلًا لشىء من الأخرى لا يوجب نفسه تساوى الزائد والناقص فكذا غيره.
الثالثة: الفعل قد يراد به معنى المصدر الحركة لقطع المسافة وقد يراد به المعنى الحاصل بالمصدر كهي للحالة التي تكون المتحرك غليها في كل جزء من المسافة وهي أثر الأول ولا شك أن الثاني موجود، واختلف في الأول وهو إيقاع تلك الحالة فقيل ليس موجود وإلا لكان موقعا فينقل الكلام إلى إيقاع الإيقاع يلزم التسلسل من طرف المبدأ في الأمور المحققة ويلزم عند إيقاع شىء إيقاعات محققة لأشياء محققة غير متناهية فيكون الإيقاع معدوما على مذهب الجمهور حالًا عند القائلين بها، فإن قلت لزوم المحذورين موقوف على أن لا يكون إيقاع الإيقاع عينه وهو ممنوع، قلت الإيقاع مع الموقع أمان ليس بينهما حمل المواطاة وكل أمرين كذلك يمتنع وحدة هويتهما الخارجية فعدم التعدد في الخارج آية كون أحدهما وكليهما اعتباريًا، وقيل: موجود لحدوثه بعد العدم ويجوز استناد الإيقاع الحادث إلى القديم الدي هو التكوين الأزلي استناد سائر الحوادث إليه فلا يلزم شىء من المحذورين، وفيه بحث لأن أثر الايقاع حاصل مستند إلى الايقاع المستند إلى التكوين القديم فيلزم الجبر من العبد وإن لم يلزم الإيجاب من الله تعالى كما سيجىء بيانه إن شاء الله تعالى ولأن الحدوث بمعنى التجدد مسلم ولا يقتضي الوجود كحدوث العمى وبمعنى الوجود بعد العدم ممنوع ومعنى تجدد مثله وحصوله بدون الوجود كونه بحيث يمكن للعقل أن يعتبره فيه مطلقًا أو منسوبًا إلى شىء كما في الإضافيات.
стр. 188
الرابعة: أن لا بد لوجود كل ممكن من موجد وإلا كان واجبًا ومن وجود جملة ما يتوقف وجوده على وجوده وإلا لما كان وجود البعض المعدوم موقوفًا عليه لوجوده، قال الفلاسفة ويجب وجوده عند وجود تلك الجملة وإلا أمكن عدمه عنده فوجوده من غير مرجح لاستواء نسبة وجوده إلى جميع الأوقات حاصل ولذا كان وجود الممكن محفوفا بوجوبين سابق ولاحق، وفيه بحث من وجوه:
١ - أن وجود جملة ما يتوقف وجود الممكن على وجوده رما لا يكون كافيًا في وجود الممكن لتوقفه على عدم توقف الحوادث عندهم على عدم المعدات المغير القارة كالحركات ومنه توقف كل جزء منها على عدم الأجزاء السابقة وسنزداد وضوحا اللهم إلا بأن يعنوا بوجود الجملة وجود ما يتصور منها وجوده ونجدد الباقي ولا دلالة للفظهم عليها.
٢ - أن الرجحان من غير مرجح بمعنى وجود الممكن بلا موجد مسلم استحالته ممنوع لزومه لوجود الفاعل وليعنى رجحان أحد المستويين من غير مرجح داع ممنوع الاستحالة كرجحان أحد الطريقين المستوين من كل وجه كسلوك الهارب وغيره من الأمثلة المشهورة ومن غير مرجح أصلًا ممنوع اللزوم أيضًا لجواز أن يترجح بنفس الترجح العدمي وتحقيقه أن رجحان المساوي أو المرجوح أن أريد مساواته أو مرجوحيته قبل الترجيح فذلك واقع فإن الممكن المعدوم عدمه راجح بالنظر إلى عدم علته ومساو بالنظر إلى ذاته وقد رجح وجوده عند الإيجاد وإن أريد حال الترجيح فليس إلا ترجيحًا للراجح لأن الترجيح يلاقي الرجحان الحاصل منه كما أن الإيجاد يلاقي الوجود الحاصل منه وإلا لاجتمع الوجود والعدم وتحصيل الحاصل بهذا التحصيل غير ممتنع. قالوا: المراد وجود الممكن بلا موجد وهو لازم فيما نحن فيه لأنه إذ أمكن عدمه مع وجود الجملة الموقوف عليها ففي زمان وجوده أن تعلق به إيجاد كان من جملة الموقوف عليها فلا يكون المفروض جملة جملة، وإن لم يتعلق فقد وجد من غير إيجاد بلا موجد وأيضًا كون الرجحان بلا مرجح باطلًا قضية بديهية لولاها انسد العلم بالصانع فلا يبطل بإيراد أمثلة عدم العلم بالمرجح لا عدم نفسه وأيضًا أن قدم الايجاد قدم الحادث وإلا فله إيجاد آخر فتسلسل من طرف المبدأ، قلنا جواب الكل حرف واحد وهو أن لمشايخنا في إيجاد الله تعالى للحوادث طريقين: أحدهما: القول بعدم الإرادة وتجدد تعلقها وقت الحدوث.
وثانيهما: قدم الإرادة وتعلقها بحسب الأوقات المعينة فعلى الأول المتجدد في زمان
стр. 189
الوجود تعلق التكوين الأزلي المعبر عنه بالاختبار وهو إما نسبة عقلية معدومة متجددة لا حادثة لمحاذاة الشمس أو انحلال الغيم عن وجهها لوجود الضوء في الجدار أو حال وتجدده حالتئذ لا ينافي الجملة الموقوف عليها سابقًا ولا يلزم له اختيار آخر ولا اعتبارية داع إذ من شأن المختار أن يتعلق إرادته متى كان من غير تعليل بالداعي كما أمر من الأمثلة ولئن لزم فالتسلسل في الأمور الاعتبارية غير محال وعلى الثاني لا متجدد في زمان الوجود بل الإرادة والاختيار قديمان ومن شأن طبيعة الاختيار المقارن للتكوين الأولى أن يقتضي جواز صدوره من غير تعليل بالداعي كما أن طبيعة الإيجاب يقتضي فجأة الوجود من غير تعليل به وإما تعين الوقت فأما اتفاقي لأن طبيعة الاختيار يستدعي جواز تعينه من غير تعليل وإما لأن التعلق الأزلي عينه فعلى الأول ليس موقوفًا عليه وعلى الثاني ليس أمرا موجودًا حتى ينافي وجود الجملة السالفة بل هو عندنا خلاء متوهم كما في خلق الله الزمان أو العالم أو الفلك الأعظم أو حركته وفي قوله ﵇ "كان الله ولم يكن معه شىء" (١)، لا يقال التعلق ونحوه نسب لا يتحقق إلا مع المنتسبين فكيف يكون النسب أزلية والمنتسبات فيما لا يزال؛ لأنا نقول الاختلاف بالأزلية والأبدية أو الماضوية والمستقبلية للمقيدين بالأمور الاعتبارية مثلنا وإلا فالجميع حاضر عنده تعالى، وكذا الكلام في تعلق سائر الصفات على أنا نمنع اقتضاء النسبة تحقق المنتسب مطلقًا بل فيما يكون تعلقها من حيث وجود المنتسب معه كالمعية ذهنًا أو خارجًا بخلاف قبلية الله من العالم فإنها نسبة تقتضي عدم العالم معه ومثله الإيجاد الاختياري وتعلقه بخلاف الإيجاب ولئن ثبت وجودية الزمان تختار إما الطريق الأول أو كون الوقت من جملة الوجوديات الموقوف عليها الغير الكافية في وجود الممكن لتوقفه على الاختيار أيضا وهو عدمي هذا كله في فعل الله وسيجيء إثبات اختيار العباد بما يناسبه فعلم مما مر أن في كلا شقي السؤال الأول منعًا وإما القضية البديهية المذكورة فبطلان وجود الممكن بلا موجد لا رجحان أحد المتساويين والقول بالشيء مع عدم العلم به أزلا وأبدًا كعدم القول مع قيام البرهان وبهذا يعلم أن وجوب وجود الممكن عند وجود تلك الجملة ليس متفقًا عليه كما ظن.
٣ - ولئن سلم وجودية الاختيار أيضًا فإنما يلزم وجوب المعلول أن لو لم يكن من جملة الوجوديات الموقوف عليها الاختيار على ما علم من طبيعته.
٤ - أن الوجوب السابق للمكن غير متصور إذ لا سبق بالزمان وإلا لا في العدم ولا
стр. 190
بالذات وإلا كان من جملة العلة التامة لا معلولها بل الوجود والوجوب مقارنان معلولا علة واحدة ومنشأ الغلط اعتبار أحد المتلازمين المتقارنين محتاجًا في الوجود إلى الآخر وليسا يمتضائفين إذ لا توقف في العقل من طرف الوجود.
الخامسة: قيل: لا بد في العلة التامة للحادث من دخول أمر لا موجود ولا معدوم مسمى بالحال كالإضافيات إذ لولاه فاما موجودات محضة أو معدومات محضة أو مركبة لا سبيل إلى الأول لأنها إن قدمت قدم الحادث وإن حدث شىء منها فينقل الكلام إلى عليه يلزم التسلسل أو الانتهاء إلى القديم فيلزم إما قدم الحادث أو انتفاء الواجب بناء على امتناع التخلف ولا إلى الثاني لأن الكلام في مثل زيد فلا بد من وجود أجزائه ولا إلى الثالث إذ لو توقف وجود الحادث بعد وجوه جميع الموجودات الموقوف عليها على عدم شيء فأما على العدم السابق القديم فيقدم الحادث لأن العلة التامة تركبت منه أو من الموجودات المستندة إلى الواجب أو على عدمه اللاحق وذلك إما بزوال وجود جزء علة وجوده أو بقائه، وينقل الكلام إليه بتسلسل أو ينتهي بلى الواجب ويلزم انتفاؤه أو لزوال عدم له مدخل فيه وللزوال في زواله وزوال العدم هو الوجود فيتوقف وجود الحادث على عدم موقوف على هذا الوجود فيبقى شيء من الموجودات الموقوف عليها فلم يكن المفروض جملة جملة هف أما إذا دخل في العلة أمور لا موجودة ولا معدومة كالإيقاع والاختيار كما قيل فهي لا تستند إلى الواجب بطريق وجوب لعدم وجودها حتى يلزم قدم الحادث أو انتفاء الواجب بل يقع منه أي وقت كان من غير تعليل كما مر ولا يلزم الوجود بلا موجود بل ترجيح أحد المتساوين وأقول جمهور مشايخ أهل السنة وأكثر مشايخ المعتزلة غير قائلين بالحال وهذا يستدعي ركاكة مطلبهم وسخافة مذهبهم وحاشاهم عن ذلك ففيما ذكره بحث من وجوه:
١ - امتناع التخلف ممنوع على تخلل الاختيار أزليًا كان ولا وعدميا كان أو وجوديًا كما مر ..
٢ - منع أن العدم السابق لو كان جزءًا من العلة لزم قدم المعلول لجواز أن ينضم إلى بعض الموجودات الحادثة ويصير المجموع علة تامة وكذا علة هذا المجموع لا إلى أول كما أن عدم الجسم المزاحم وإن كان أزليًا جزءًا من علة كون هذا الجسم في هذا الحيز ويصلح عدم الدجن للقصار نظيرًا.
٣ - منع أن عدمه إما لزوال شيء من علة وجوده أو لزوال العدم المؤثر في وجوده
стр. 191
لجواز أن يكون مقتضى طبيعته لكونه غير قادر كما تتوقف الحركة الجزئية على عدم الحركة السابقة فإن الحركة وإن اقتضاها طبيعة المتحرك وفرض دوامه يقتضي لكونها غير قارة أن يعقب وجود كل جزء عدمه ولذا تعد معدة لما يتوقف وجوده عليها من الحوادث وشرطا لا سببًا إذ شأنها أن لا يجتمع معه وكل ما يتوقف وجود الشيء على وجوده فعدمه يعد معدًا.
٤ - منع بقاء شىء من الموجودات الموقوف عليها إذا كان لزوال العدم وهو الوجود مدخل في زواله لجواز أن لا يكون هذا الموجود غير الموجودات الأول وإن يكون العدم لازمًا لها لكن لا بجهة استنادها إلى الواجب فيصح تركيب علة الموجود من عدم الشيء اللاحق اللازم لوجوده وهو معدود من الموجودات الأول ككل جزء من الوقت والحركة على تقدير وجودهما يتوقفان على عدم الجزئين السابقين وعدمهما يستندان إلى طبيعة الحركة الغير القارة المستندة إلى الواجب لا بهذه الجهة بل بجهة دوام موضوعها المقتضي لها بتشابه طبيعته، فإن لازم اللازم ليس لازمًا إذا لم يتخذ جهة اللزوم كالانتصاب اللازم للجدار اللازم للسقف مثله الانقضاء اللازم للحركة اللازمة للمتحرك فإن قيل انتصاب الجدار لازم للسقف قيل فانقضاء الحركة لازم للمتحرك فلا يدوم الأثر بدوام المؤثر بل ويقتض الحركة وانقضاءها.
٥ - أن المسمى بالحال معدوم عندنا فلا يسلم أن كل معدوم زواله بوجود شىء بل منه ما يكون جزعًا من العلة التامة وينقطع بلا وجود شيء فينعدم المعلول كمقابلة الشمس لضوء العالم فإنها عدمية وليس زوالها بوجود شىء وكذا انقطاع الإرادة وتعلقها فلا اضطرار في القول بالحال مخالفًا للجمهور وقد مر أن النزاع لفظي.
السادسة: أن المبين مجمعون على إن الله خلق القدرة والإرادة في العبد لكنا نفسر القدرة يما عليه الفاعل عند الفعل والإرادة بصفة مخصصة لأحد المقدارين بالوقوع ونقول يجعل العبد إرادته متوجهة نحو الفعل فيوجد الله الفعل عنده إجراء لسنته عليه فتعلقها هو الاختبار والقصد والكسب والإيقاع والفعل والمعتزلة يفسرون القدرة بصفة تؤثر وفق الإرادة والإرادة تارة باعتقاد النفع أو ظنه وأخرى يميل تعقبهما ويسمونها بالدراعية وحزمه بإيجاد الفعل بالاختيار والفعل الذي يوجده العبد من غير داعية اتفافيا وإن تخلل تعلق الإرادة بتفسيرنا الذي هو الاختيار عندنا.
السابعة: إنا نفرق بالوجدان الضروري بين الفعل الاختياري والضروري كما بين ما
стр. 192
نقدر على فعله ومالا نقدر كالصعود إلى الجبل وإلى السماء وبين ما نقدر على تركه ومالا نقدر كالهبوط والسقوط فلا سيما بين السقوط والصعود وليست تلك التفرقة كمجرد موافقة إرادتنا في الاختيارية لأن إرادتنا إن كانت مرجحة كان الترجيح منا بخلاف الضرورية وإلا كانت مجرد شوق فربما لا يكون الاختياري مرادًا بهذا المعنى كالمشي إلى مكروه والاضطراري مرادًا كحركة النبض على نسق نشمتهيه ولا بمجرد وجود القدرة بدون تأثيرها إذ لو لم يكن الأثر للقدرة فإن كان للداعي لم يوجد الفعل إلا عند وجوده وقد مر إبطاله في صورة عدم الداعي وإما في صورة الداعي إلى التوك فكالمشي إلى مكروه ولما أمكننا الانقلاع عن القعل الموجود مع بقاء الداعي عنادًا وإنكاره عنادًا وإن كان لقدرة الله تعالى فقط كان موجباُُُُُ والفعل مجبورًا عليه ولم يمكننا الانقلاع عنه والواجدان بكذبه.
الثامنة: إن الفعل بمعنى الحالة الحاصلة من المصدر الذي لا شك في وجودها ربما لا يترتب على الإرادة مع وجود سلامة الآلات والأسباب وتوفر الدواعي وتوجه الإرادة المسمى بالقصد والاختبار كما قصدوا أذى الأنبياء ولم يتيسر لهم ورما يترتب حاله لم يعهد ترتبها على مثل فعله كخوارق العادات من قطع مسافة سنة في طرفة عين وغيره فدل أن القدرة العبدية العادية غير مستقلة بالتأثير.
التاسعة: أن وجود تلك الحالة موقوف على موجودات كوجود الله تعالى ووجود قدرته وإرادته وغيرها وعلى معدوم أو حال هو نفس إيقاعها إن كان معدومًا وتعلقه بها إن لم يكن إذ لا بد من تعلق أو نسبه ببين وجوديهما المستقلين فإن كان كل تعلق موجودًا كان هناك أمورًا موجودة غير متناهية وقد مر أن دعوى العينية في الأمور المحققة غير صحيحة فتلك الحالة يتوقفها على الموجودات يستند إيجادها إلى موجد تلك الموجودات ولتوقفها على غير الموجود الموقوف تجدده على العبد استند كسبها إليه مثاله ملك عم العباد وهبًا ونصحًا نادى إن كل من وجدته محاذيًا لمنظرتي أعطته ألف دينار فرأى شخصًا محاذيًا لنظرته ووهبها ولا شك أن الإعطاء من الملك لا من الشخص كالخلق والمحاذاة منه لا من الملك كالكسب وذلك لأن الاختياري الذي لم يسبقه اختياري آخر من العبد مثلًا لما لم يكن وجود شيء من الموجودات التي يتوقف وجوده عليها من العبد كان إسناد لوجوده إلى العبد دون من صدر عنه الوجودات الموقوف عليه في غاية الركاكة ولما لم يكن مطروحًا في سلسلة التوقف كان إسناد كسبه إليه مستقيمًا فإن الكسب السعى في مقدمات الوجود ليس إلا وليس معنى استناده إلى الله تعالى خلقًا استناد
стр. 193
الوجودات التي يتوقف عليها حتى يقال لا نزاع في ذلك بل استناده لاستنادها.
العاشرة: أن ذلك الأمر العدمي المسمى بالقصد والاختيار وغيرهما هو الكسب وهو مناط كون الفعل طاعة ومعصية والثواب والعقاب والحسن والقبيح والخير والشر وغيرها إذ لا قبح في خلقها فإن خلق المعصية وإرادتها ليس بقبيح لجواز اشتمالها على حكمه بل القبيح كسبها كما لو كان إعطاء الملك ألف دينار في المثال المذكور مع علمه بأن تلك الألف يصرفها هذا الشخص إلى ما يفضي إلى إتلاف نفسًا لكنه يعطيها ليتعظ به غيرها فلا يسألها أولًا يصرفها إلى مثله إذا تقررت تقرر حال التوسط وبطلان طرفي القدر بالإفراط والجبر بالتفريط وتصوير أن لله تعالى الاختيار وأن العالم حادث وإن لله الاختيار الكلى وللعبد اختيارًا جزئيًا وغير ذلك من عدم التكليف يما لا يطاق ونحوه من مهمات الدين.
بقى البحث في دليل الأشاعرة وذلك من وجوه:
١ - أنه استدلال في مقابلة التفرقة الضرورية بين الاختبارية والضرورية لما أن الجبر على فعل يقتضى عدم القدرة عليه فلا يندفع بما قيل إن الفارق وجود القدرة لا تأثيرها مع ما مر أنه لا يصح فارقًا.
٢ - أن المرجح سواء كان اختيارًا أو داعيًا موجبًا أو غير موجب لا يقتض الجبر أما إذا كان اختياريًا فلأن تخلله موجبًا يدفع الاضطرار لأن الاضطراري ما لا يوجبه الاختيار وغير موجب يدفع توجه الاتفاق لأن الاتفاقي ما لا يرجحه الاختيار وأما إذا كان داعيًا فلأن الداعي إلى الاختيار لا ينافيه كما أن العلم والقدرة والإرادة الأزليات التي تعين أحد الطرفين باختبار العبد لا ينافيه بل يحققه نعم يتوجه إلى المعتزلة فإنهم يوجبون الداعي لا نحن كما في مسألة الهارب فالترجيح بمجرد الاختيار الحادث مع غير الداعي لا يدفع الاتفاق عندهم وكل اتفاقي لا يتصف بالحسن والقبح العقليين ولذا قيل إنها مقدمة إلزامية ولذا لا ينتقض الدليل بفعل الرب فإن اختياره قديم ولأن التكليف بما لا يطاق لا يحتاج إلى مرجح لأن على الاحتياج الحدوث باتفاق بيننا وبينهم.
٣ - النقض بالحسن والقبح الشرعيين لأنهما مع الجبر غير واقعين بالاتفاق وإن جاز بما لا يطاق عند الأشاعرة والجواب بأن الاختيار كاف في التكليف والاستقلال بالفعل غير واجب إلفا يصح منا لقولنا بالاختيار معنى لا صورة فقط ومتوجه إلى المعتزلة القائلين لولا الاستقلال لقبح التكليف عقلًا لا لينا، واعترض بعضهم على الكبرى أيضًا يمنع أن
стр. 194
الاضطراري والاتفاقي لا يوصف بالحسن والقبح العقليين واسند بأن الضرورة والاتفاق لا ينافيان كون الفعل حسنًا لذاته أو لصفته كما أن الاتصاف الضروري كاتصاف الله تعالى بصفات جماله وجلاله لا ينافي كون الصفة حسنة بمعنى كونها صفات الكمال فلم لا يجوز الاتصاف بهما بالمعنى المتنازع فيه أيضًا على أنه إن عني بنفيهما بالمعنى المتنازع فيه أنه لا يجب الإثابة أو العقاب لأجله فنحن نساعده وإن عني أنه لا يكون في معرض ذلك فبعيد عن العقول لأن مرتكب أنواع القبائح كنسبة ما لا يليق بجلال الله تعالى مع العلم به إليه أن لم يرفع له يستحقق مذمة وعقابًا فقد سجل على غباوته.
ورد بأن المقدمة اتفاقية فلا يمنع وبأن السند بصفات الله تعالى لا يوافق محل النزاع وبأن عدم استحقاق المذمة والعقاب بارتكاب القبائح قبل ورود الشرع غير مستبعد إذا كان مجبورًا على ذلك كما مر.
والجواب عن الأول: أن جميع الفلاسفة منكرون لها وإن أريد اتفاق أهل السنة فينكره المشايخ وبتقدير تسليمه يكون جدلية فيتوجه طلب الدليل التحقيقي عليها.
وعن الثاني: بان الصفات ذكرت تشبيها بمحل النزاع بها لا على أنها عينة.
وعن الثالث: بأنه لا منافاة بين المجبور به والانصاف بالحسن والقبح العقليين لأن مجبورية العبد مبنية على استعداده الغير المجعول في الحسن وعدم استعداده في القبح وهذا مبني على أن الماهيات غير مجعولة وأن فيض الواجب موقوف على ما يليه الحل غير أن هذين الأصلين من أصول الفلاسفة والصوفية وهو اختيار بعض أهل السنة فجمهورهم وإن لم يقولوا بهما لكن لما ذهب إليهما كثير من أهل العقل علم أن العقل لا يجزم تلك المنافاة وهذا مما يكفي سند المانع.
ثم الأدلة المذكورة لا تنتهض على الجبائية: فالأول: لجواز لزومي المتنافين بإختلاف الجهتين، والثاني: لجواز اجتماع الكذب والصدق بالاعتبارين والثالث لجواز لا يكون موجودًا كالقول فلا يكون عرضًا أما عند غيرهم فهما تابعان للوجود كما مر والرابع لأن الضروري والاتفاقي قد لا يكون كذلك باعتبار ما كالتحيز الضرورى باعتبار تنافيه فالذي ينتهض على الكل قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا فإن نفي التعذيب قبل البعثة يستلزم نفي ملزومه وهو الوجوب والحرمة العقليان عندهم على تقدير تركهما لمنعهم العفو فهذا إلزامي وإلا فلا يمتنع القول بالوجوب العقلي مع نفي التعذيب قبل البعثة كالقبايح الصادرة عن الصبي العاقل هذا.
стр. 195
والأوجه عندي أن يؤخذ الإلزام من قولهم بتأثيم من لم يبلغه الدعوة فإن المراد بالبعثة
إيصال حكم الله تعالى وإلا لم يحصل إلزام الحجة إما أنه لا يكون تعلق الطلب ذاتيًا
حاصل أو لم يكن الباري مختارًا لأن الحكم بالمرجوح قبيح أو أن قبح الخبر الكاذب أو حسن الصادق مثلًا أن قام بكل حرف كان خبرًا وإن قام بالمجموع فلا وجود له أو أن علة الحسن والقبح حاصلة قبل الفعل فيلزم قيام الصفة الحقيقية بالمعدوم فليس بشيء لأن ذاتي الطلب تعلقه إلى مطلوب ما لا إلى المعين وأن امتناع الفعل لصارف القبح لا ينفي الاختيار وإنهما قائمان بكل حرف بشرط الانضمام أو بالمجموع ككونه صدقًا أو كذبًا فجوابهم ثمة جوابنا هنا وإنهما من الصفات التابعة للوجود والحدوث عندهم كما مر وبتقدير تسليمه يحكم العقل بإنصافهما إذا حصل، وللمعتزلة طريقان حقيقيان وطريقان إلزاميان أما الحقيقيان فاحدهما أن الحكم بالحسن أو القبح مشترك بين جميع العقلاء في مثل الصدق النافع والإيمان أو الكذب الضار والكفران وعلة المشترك مشتركة فلا يكون شرعيًا لعدم اختصاصه بالمتشرعة دون غيرهم كالبراهمة والدهرية ولا عرفيًا وعاديًا لعدم اختصاصه بأهل عرف أو عادة ولا لغرض من مصلحة أو مفسدة لذلك فيكون ضروريا ذاتيًا، وجوابه مع اشتراكه بالمعنى المتنازع فيه بل بأخذ التفسيرات الثلاث ولئن سلم فمنع أن علة المشترك مشتركة لجواز اشتراك المختلفات في لازم كفصول الأنواع المندرجة بحث جنس واحد ولئن سلم فمنع أن العلة المشتركة غير ما ذكر من عرف ومصلحة وغيرهما في حقه تعالى وإن وقع الاختلاف في حق ما عناه ولا يلزم أن يكون ذلك المشترك هو العلم الضروري.
٢ - أن اختيار العقل الصدق عند استوائهما في تحصيل الغرض من كل وجه دليل أن حسنه وقبح الكذب ذاتيان وهذا القادر على إنقاذ شخص أشرف على الهلاك انقاذه من غير أن يتصور غرضًا. وجوابه: أن ذلك لأنه تقر في النفوس كون الصدق ملائمًا لمصلحة العالم دون الكذب ولا استواء في نفس الأمر ولا يلزم من فرض التساوي وقوعه فمنع الاختيار على تقدير التساوي وجزم الذهن بإيثارالصدق لعدم تمييزه التقدير عن وقوع المقدر وله ولو سلم فلا نعلم دلالته على المعنى المتنازع فيه وإما الانقاذ فارقة الجنسية المحبولة إلا في الطبيعة، وسببه أن استحسان أن يفعله غيره في حقه يجره إلى استحسان أن يفعله غيره في حق غيره، وأما الإلزاميان فأحدهما لو كانا الشرعيين كان التكليف شرعيًا فلزم إفحام الرسل فلا يفيد البعثة، وذلك لأن المكلف لو قال في جواب انظر في معجزتي
стр. 196
كي تعلم صدقي لا أنظر حتى يجب أو حتى يثبت الشرع والحال أنه لا يجب ولا يثبت حتى ينطرح لم يكن للرسول الزامه النظر وهو المعنى بالافحام فلا يندفع لما قيل إن النظر لا يتوقف على وجوبه وجوابه جدلي وحل فالجدلي أنه مشترك الإلزام لأنه إذا كان عقليًا لم يكن ضروريًا بالتوقفة على خمس مقدمات نظرية كوجوب معرفة صدق الرسول بمعرفة المعجزة وتوقفها على النظر ووجوب مقدمة الواجب وإفادة النظر العلم في الجملة والعلم في الإلهيات، إذ يرد على الأولى: أن معرفة المعجزة لدفع خوف ضرر الأجل الذي ذلك الخوف ضرر عاجل فانما يلزم لو كان دفع الضرر واجبًا عقلًا، وعلى الثانية: جواز حصولها بالإلهام وغيره، وعلى الثالثة: منع وجوب مقدمة الواجب في حكم الله بأن يثاب فاعلها ويعاقب تاركها، وعلى الرابعة: أن إفادته موقوفة على العلم المعارض العقلي وعدمه ليس ضروريًا فيحتاج إلى نظر آخر ويتسلسل وعلى الخامسة أنه لا يتصور الحقائق الإلهية والتصديق فرع التصور فلا بد من انظار يندفع بها هما فللمكلف أن يقول ما مر بقلب الدليل والحل أن قوله لا يجب حتى انظر إنما يسمع أن لو توقف الوجوب على العلم به وليس كذلك لوجهين:
١ - أن الوجوب حكم شرعي وخطاب قديم لا يتوقف على الحادث من نظر أو علم به.
٢ - أن العلم بالوجوب موقوف عليه فلو توقف الوجوب على العلم به كان دورًا ولا يلزم تكليف الغافل لأن الغافل من لا يتضرر الخطاب لا من لا يصدق به والألم يكن الكفار مكلفين هذا غاية ملجأ الأشاعرة، وفيه بحث لأن المكلف لو قال لا نظر ولا صدق حتى اعلم لوجوبهما ولا أعلم حتى يثبت الشرع عندي ولا يثبت حتى انظر لا يندفع بذلك وهو مبني مذهبنا وثانيهما لو كان شرعيًا لزم محالات:
١ - في الله أن لا يقبح منه شىء قبل السمع فجاز كذبه وخلق المعجزة على يد الكاذب وفي كل منهما إبطال البعثة والشرايع والتباس النبي بالتنبي فلا يقبح شىء منهما بعد السمع أيضا لأن حجبه السمع موقوفة على صدقه فيلزم الدور ولا يقال الصدق والكذب ليسا من الأفعال لأن كلام الله من الصفات الفعلية في زعم المعتزلة ولأن المراد بهما ها هنا خلق أمر قال على ما يطابق الواقع وما لايطابقه ولو تجوزا مثل قوله ﵇ "وكذب ما بطن أخيك (١) "إذ قد يتصف بهما وبالدلالة غير الألفاظ كدلالة الحال.
стр. 197
٢ - في العبد أن لا قبح التثليث وأنواع الكفر من المتمكن منها ومن العلم بحالها قبل السمع.
٣ - خرق الإجماع على تعليل الأحكام بالمصالح والمفاسد وفيه سد القياس ونعطل أكثر الوقايع عن الأحكام، والجواب عن الأول: أن صفات الله تعالى غير محل النزاع قبل المراد أن لا يقبح نسبتها إلى الله تعالى قلنا فيكون كالثاني، وإنا لا نعلم الامتناع العقلي في الكذب وخلق المعجزة وإن جزمنا بعد مهما فإنهما من الممكنات وقدرته شاملة ولو سلم امتناعهما فلا نعلم أنهما لو لم يقبحا عقلًا لم يمتنعا لجواز أن يمتنعا لأمر آخر كاستلزامهما لالتباس النبي بالتنبي وكانتفاء لازم الدليل الذي هو المعجز لأن وجه الدلالة لازم كل دليل وهو منتف في المعجز في يد الكاذب وإلا لكان الكاذب صادقًا وانتفاء اللازم ملزوم انتفاء الملزوم، وعن الثاني: أن المعنى المتنازع وهو التحريم الشرعي قبل الشرع ممنوع وبالمعنى الآخر لا يضرنا، وعن الثالث: أن القياس مظهر لا مثبت فالابتناء عليها للكشف عن الإيجاب لا لإيجاب، ثم نقول للمعتزلة غاية أدلتكم أن حسن بعض الأفعال وقبحه معلوم بالعقل ورد الشرع أم لا فلئن سلمنا لا يثبت أن العقل هو الموجب ولا سيما في الكل.
ذنابة: النصوص من الطرفين مأولة وموفق بينهما بما قلنا.
مسألتان: على تقدير التنزل إلى إيجاب الفعل، الأولى أن لا يجب شكر عند الأشاعرة (١) ويجب عند المعتزلة عقلًا (٢) والمراد به عرف الحبد جميع ما أنعم الله إليه إلى ما خلق لأجله كالنظر إلى مطالعة المصنوعات والسمع إلى نلقى ما ينبئ عن المرضاة والقلب إلى فهم معاني كلامه ببذل الطاقات والثمرة تأثيم من لم يبلغه دعوة نبي بتركه والمختار وجوبه عند إدراك زمان البحرية لما مر، للأشاعرة لو وجب لوجب الفائدة إذ لولاها لكان الوجوب عبثًا أو الإيجاب عبثًا وهو قبيح لا يجب عقلًا ولا يجوز على الله ولا فائدة لأنهما إما لله وهو متعال عنها وإلا كان مستكملًا بالغير وإما للعبد في الدنيا وفي الشكر فعل الواجب وترك المحرم عقلًا وأنه مشقة ناجزة لا حظ للنفس فيه أو في الآخرة ولا مجال للعقل فيه، قال المعتزلة فائدته دنيوية هي الأمن من ضرر خوف العقاب لتركه فإن المتقلب في نعم لا تحصى لا يمتنع أن يفهم لزوم الشكر والعقاب عند عدمه ورد مظنه الخوف فلا يعارض منه عدمه في أكثر الناس ولو سلم فمعارض بخوف العقاب على
стр. 198
الشكر إما لأنه تصرف في ملك الغير بدون إذنه وإما لأية كالاستهزاء من حيث أن ليس للنعمة قدر يعتد به بالنسبة إلى مملكة منعمها فوجود العبد وبقاؤه وسائر كما لأنه من الله تعالى كإعطاء من ملك الخافقين فقيرًا لقمة خبز بل أدنى بكثير ومن حيث أن شكرها لا يليق بمصب منعمها فطاعة العبد مدة عمره كشكر الفقير بتحريك الأنملة والحيثية الأولى غيركافية لأن شكر نعمة لها قدر بالنسبة إلى حاجة المنعم عليه لا يعد استهزاء ولا نقض بوجوبه الشرعي لأن الإيجاب الشرعي لا يستدعي فائدةً ولأن فائدته أخروية ويستقل الشرع ببيانها وفيه بحث من وجوه:
١ - أنه إن أريد بالفائدة ثبوتها فلا نعلم أنه يستلزم الاستكمال في الله تعالى إنما الاستكمال بقصدها لا بثبوتها، وإن أريد قصدها حين الإيجاب فلا نعلم أن عدمه يستلزم العبث فإن الوجوب إنما يكون عبثًا لو لم يترتب عليه ثواب أو لم يتعلق بتركه ذم لا سيما عند من يرى عدم صفة موجبة للقبح كافيًا في حسن الفعل.
٢ - أن الفائدة مرادًا بها أمر زائد على حصوله فالأفعال قد تكون حسنة لذواتها عند متقدمي المعتزلة ومرادًا بها الأعم ممنوع بطلان التالي لجواز وجوبه لفائدة دنيوية هي نفس الشكر الذي يربو على التعب الناجز كحفظ النفس على تعب الجهاد لا يقال الفائدة الدنيوية حظ النفس في اللذة أو وسيلتها ودفع الألم أو وسيلته لأنا نقول على تقدير تسليمه يتضمن الشكر المفسر بالصرف المذكور التلذذ بالمشتهيات الجائزة الفاخرة والتعيش الناعم مدة العمر بالأموال الوافرة ليتوسل به إلى تحصيل الكمالات النفسية التي يلتذ بها فوق التذاذها بالملذات الوهمية والحسية.
٣ - أن التصرف في ملك الغير إنما يقبح فيما فيه احتمال التضرر لما سيجيء ما قد قيل إن الأصل الإباحة.
٤ - أن الاستهزاء بالنسبة إلى المنعم لا ينافي عدمه بالنسبة إلى المنعم عليه وإن كان من مجموع الحيثيتين والمعتبر هو الثاني ولأنه يحتمل التنبيه بقلبه على العجز عن استيفاء حقه كما قال أعلم الخلق بالله تعالى "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (١) وقد قيل الخوض في طلب الإدراك إشراك والعجز عن درك الادراك إدراك وربما يستدلون بأنه لو وجب لعذب بتركه قبل البعثة إما الزاميًا لعدم تجويزهم العفو أو تحقيقيًا كمعنى لاستحق العذاب بتركه ولم يأمن من وقوعه والتالى باطل لقوله تعالى ﴿وَمَا كنَّا مُعَذَّبينَ
стр. 199
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: من الآية ١٥) الآية فيه يحصل إلا من قيل التعذيب تبل البعثة محال لأن أول المكلفين آدم ﵇ فلا فائدة في نفيه. وأجيب: بان قبل آدم قومًا يسمى الجان بن الجان وبأن في صحة نفيه يكفي الإمكان والصحيح أن المراد في حق كل قوم نبيهم وفيه أيضًا بحث لأن المراد ما في الآية العذاب الدنيوي والواجب هو الذي يلزم بتركه العقاب الأخروي وأيضًا هذا الدليل الرامي لهم فيتجوز العفو عندنا. الثانية: أن لا حكم للأفعال الاختيارية التي لا يقضي العقل فيها بالحسن والقبح قبل الشرع بخلاف الاضطرارية كالتنفس فإنها غير ممنوعة تبل البعثة إلا عند مجوزي التكليف بالمحال وقالت المعتزلة ما يدرك جهته إن اشتمل تركه على مفسدة فواجب لو فعله لحرام وإلا فان أشتمل فعله على مصلحة راجحة فمندوب أو تركه فمكروه والاقباح ومالا يدرك جهته فلا يحكم فيه تفصيلًا في فعل فعل وإما إجمالا فمباحة عند البصرية ومحرمة عند البغدادية وبعض الإمامية يمعنى أن العقل يقتض حرمته أو إباحته شرعًا وإن لم يرد الشرع وتوقف الشيخ الأشعري وأبو بكر الصيرفي، فقيل: معنى التوقف عدم العلم وقيل: عدم الحكم. ورد الثاني: بأن الحكم قديم عند الشيخ فكيف ينعدم وبأن عدم الحكم جزم لا توقف لأنه حكم بعدم الحكم وبأن هذه التصرفات إن كانت ممنوعًا فحظر وإلا فإباحة ولا واسطة بين النفي والإثبات ولذا قيل مرجعه الإباحة إذ ما لا منع فيه مباحٌ لا يقال شرط الإباحة الاذن لأنا نقول ذلك في الإباحة الشرعية والجواب عن الأول بأن كلام الشيخ ها هنا على أصول المعتزلة أو المراد عدم تعلقه وعن الثاني بان المراد عدم الحكم بالحظر والإباحة لا أصلًا فلا ينافيه الحكم بعدم الحكم وبأن تسميته توقفًا باعتبار العمل فان عدم الحكم يقضتي التوقف في العمل لا يقال تجويزه التكليف بالمح يقتضي أن لا يتوقف تعلق الحكم بالفعل على البعثة عنده لأنا نقول بل يقتضي أن يتوقف فلعل التوقف لمدرك آخر كالآية وامتناع حكم العقل وعن الثالث أن عدم الحكم ليس بكاف في الإباحة كما في فعل البهيمة بل لا بد من الحكم بعدم الحرج في الطرفين دليل الحظر أنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه كما في الشاهد قلنا عقلية حرمته ممنوعة ولئن سلمت فبينهما فرق لتضرر الشاهد ودليلنا لإبطاله أن الحظر يستلزم التكليف بالمحال لا سيما في أمرين لا ثالث لهي كالحركة والسكون إلا أن يقال يحكم العقل بأحدهما دفعًا للتكليف بما لا يطاق كفعل الواحد اللازم للمكلف نحو التنفس والمكره عليه، دليل الإباحة وجهان:
١ - أنه تصرف لا يضر بالمالك فيباح كالاستظلال بجدار الغير والاصطلاء بناره
стр. 200
والنظر في مرآته لا سيما تصرف مملوك يأخذ قطرة من بحر لا ينزف لمالكه النصف بغاية الجود فالعقل يقتضي إباحته لا حرمته ولو سلم الضرر فعارض بتضرر الناجز والناجز والواجب دفعة عقلا ولا أولوية.
٢ - أنه خلق العبد وما ينتفع به فالحكمة تقتضى بإباحته وكيف ترى العقل يحكم يمنع أكرم الأكرمين من اغتراف غرفة من بحر لا ينزف لدفع العطش المهلك وتكليفه التعرض للهلاك كلا، والجواب بأنه ربما خلقه ليشتهيه فيصبر عنه فيثاب معارض بأنه خلقه أو ينفع به غيره فيبقى فيكون عرضة لاكتساب الثواب الكثير ودليل إبطالها بأنه إن أريد أن لا حكم بالحرج فسلم ولا يستلزم الحكم بعدم الحرج وإن أريد خطاب الشارع بعدم الحرج فلا شرع وإن أريد حكم العقل بالتنجيز يناقض ويجيء مثله في الحظر يجاب يمنع التناقض فإن المنفي حكم العقل فيه بخصوصه ولا ينافيه الحكم العام بالإباحة ودليل إبطال التوقف أن التوقف عن السمع مسلم ولتعارض الأدلة فاسد لبطلانها والجواب أنه لعدم الدليل على تعيين الحظر والإباحة في الفعل المعين وقد مر ما في فساد الأدلة وليعلم أن حكم بعض الفقهاء في مباح الأصل بالإباحة ليس إلا لأن عدم المدرك الشرعي مدرك شرعي في التحيز عندهم لقوله تعالى ﴿قل لا أجد﴾ الآية كما سيجيء فلا يلزم منه البناء على حكم العقل.
القسم الثاني في الحكم تعريفًا وتقسيم وأحكامًا
الأول في تعريفه:
قال الغزالي ﵀ هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين (١) والخطاب توجيه الكلام نحو الغير للإفهام إذا ظهر ويطلق على نفس الكلام كما أن الكلام في الأزل يسمى خطابًا والمعنيان محتملان ها هنا والأول أولى لأنه الأصل وقيد إذا ظهر لادخال خطاب المعدوم على قول الشيخ والتعريف في أفعال المكلفين للجنس مجازًا فيتناول حكم كل مكلف بخصوصه كخواص النبي ﵇ ولو لم يكن مجازًا لتناوله أيضًا لأن المتعلق بالجميع لا يجب تعلقه بكل فرد كما لا يجب بكل جزء لكن لا بانفراده ولو قال بفعل المكلف لتناوله بانفراده وظهوره لعدم التجوز فهو أولى وإما دفعه بان مقابلة الجمعين يقتض توزيع الآحاد فذلك لأن ذلك بين الأفعال والمكلفين
стр. 201
لا بينهما وبين الخطاب والكلام فيه إلا أن يفسر الخطاب بالخطابات لأن الإضافة قد تفيد العموم وليس مقتضاه تعلق كل خطاب بجمع من الأفعال كما ظن لما قلنا أن التعريف للجنس مجازًا لا للاستغراق وبذلك يندفع أيضًا ما قيل لا يندرج تحته حكم إذ لا حكم يتعلق بكل فعل لكل مكلف فالخطاب جنس وخرج باضافته خطاب غير الله تعالى وبوصفه خطابه المتعلق بذاته وصفاته وأفعاله قيل لكن بقي تحته مثل ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: ٩٦)، والقصص فلا يطرد فزيد بالاقتضاء أو التخيير والمعنى توجيه الكلام النفسي نحو المكلف باقتضاء الفعل أو تركه أو تخييره بينهما ليخرج ذلك ثم أورد الأحكام الوضعية على إنكاسه والوضع حكم الشارع يتعلق شىء بالحكم التكليفي وحصول صفة له باعتباره ككونه دليلًا أو سببًا وقتيًا أو معنويًا أو مانعًا للحكم أو السبب أو شرطًا لأحدهما أو غيرها فريد أو الوضع لتعميمه وربما يجاب عن الأول بأن قيد حيثية التكليف مرادًا أما إن تناول غير الوجوب والحرمة فظاهر وأما إن لم يتناوله فلان حيثية التكليف أعم من ثبوته كما فيهما أو سلبه كما في غيرهما وعن الثاني تارة يمنع خروج الأحكام الوضعية لأن المقصود منها الأحكام التكليفية وأخرى يمنع كونها من المحدود وأقول لو قيل بكفاية التكليف الضمني صح التعريف بلا احتياج إلى زيادة وإضمار فإن جميع خطابات الله تعالى يطلب بها شىء وأقله الاعتبار كما في القصص وفي ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات:٩٦)، يراد فاعبدوني بدليل ما قبله على أن قيد الحيثية إنما يزاد عرفا في تعريفات الإضافيات لا مطلقًا وقد مر سائر أبحاثه في صدر الكتاب وقال الآمدي خطاب الشارع بفائدة شرعية فخرج الأخبار بالمحسوسات والمعقولات ولا يفسر الفائدة الشرعية بمتعلق الحكم فإنه دور ولا يعمم وإلا لاندراج الأخبار بما لا يحصى من المغيبات بل بما حصوله بالشرع فخرج الإخبارات لأن مفهومها حاصل ورد الشرع له أم لا لكنه يعلم بالشرع وتوقف حصوله على حكم الشرع لا يقتضى توقف فهمه على فهمه حتى يدور والتحقيقان تصور الحكم يتوقف على تصورها وتصورها على تصور الخطاب لا الحكم بل حصول ذات الفائدة على حصول ذات الحكم وهكذا حكم كل كلام إنشائي فإن الخبر كما أن له نسبة ذهنية فله نسبة خارجية يراد به إعلامها تطابقًا أولا ويمكن العلم بتلك الخارجية من غير الخبر والإنشاء لا يراد به الإعلام الذهنية كالطلب وذلك لا يحصل إلا منه فمثل كتب عليكم الصيام مما يصلح خيرًا وإنشاء تارة يكون حكمًا وأخرى لا قيل فيندرج في التعريف من الانشاء آت ما ليس حكمًا نحو فنعم
стр. 202
الماهدون وأجيب بان قيد الحيثية أمر إداري من حيث كونه شارعًا له فيخرج والأولى أن الإضافة في خطاب الشارع للعهد أي المتعلق بفعل المكلف، واعلم أن الآمدي فسّر الخطاب باللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيء لفهمه فتفسير الحكم باللفظ لكونه طريقًا إلى حصوله وإلا فحقيقته هي الفائدة المستفادة من اللفظ.
الثاني تقسيمه: وهو إما يحسب ذاته أو متعلقه وهو الفعل لكن من حيث هو متعلق لا من حيث ذاته وإلا لا.
ورد في قسم المحكوم فيه، والثاني إما يحسب زمانه أو غايته أو تعلق الحكم به أو نسبة بعضه إلى بعض أو عروض العذر عن أصله فهذه ستة وسابعها التقسيم الجامع الذي سلكه أصحابنا جزاهم الله عنا أحسن الجزاء مع ما يتعلق به رأينا أن توخره عن أحكام الأحكام.
التقسيم الأول
له مقدمات:
١ - أن الخطاب قوله والقول ليس لمتعلقه منه صفة حقيقية ولذا جاز تعلقه بالمعدوم فهو تعلق واحد بين الحاكم والمحكوم به يسمى بنسبته إلى الحاكم إيجابا وتحريما وبنسبته إلى المحكوم به وجوبًا وحرمة فلذا جاز تقسميمه إلى الأولين والأخيرين والمختلفين وسقط الاعتراض بان الوجوب ما ثبت بالخطاب لا عينه أو بان تقسيم الخطاب إليه فاسد.
٢ - أن الترك بمعنى عدم الفعل لا يصح طلبه في الصحيح إما لأنه غير مقدور وإما لأنه لو كان مطلوبًا لترتب عليه الثواب فكون كل مكلف مثابًا باعتبار عدم فعل المنهبات التي لا تحصى ولا قائل به والمطلوب هو الفعل كفا كان أو غيره.
٣ - أن يكون ترك الواجب سببا للعقاب على وجوه تركه في جزء كما في الواجب المضيق وتركه في جميع وقته كما في الموسع وتركه مع قطع النظر عن الغير كما في العين وتركه إذا تركه غيره أيضًا كما في الكفاية وتركه مطلقًا كالتصديق وتركه بلا عذر كالإقرار بلا إكراه ومنه ترك الصلاة نائمًا وساهيًا أو مسافرًا للركعتين الساقطين.
٤ - أن معنى سببية الفعل للثواب والعقاب ليس الإيجاب على تقدير عدم التوبة كما عند المعتزلة بل الإفضاء إليه بمقتضى الوعد أو الوعيد لولا العفو وقيل: الترتيب الملايم للعقل والعادة فالأسباب إمارات في الحقيقة وعلل تمثيلية.
٥ - أن الخطاب أن كان ما من شأنه الإفهام فالكلام في الأزل خطاب وإن كان ما فيه الإفهام فليس خطابا وإذا تقررت فالحكم أن كان طلبا فلا بد أن يتسبب الإتيان به للثواب
стр. 203
فأما لفعل غير كف فإن تسبب تركه للعقاب أيضًا فواجب، وإلا فندوب وإما لفعل هو كف فإن تسبب المكفوف عنه للعقاب أيضًا فحرام وإلا فمكروه وإن لم يكن طلبًا فإن كان تخييرًا بين الفعل والكف فإباحة وإلا فوضعي وقد علم به حد كل واحد منها كما أن الوجوب خطاب هو طلب فعل غير كف يتسبب تركه للعقاب والواجب هو ذلك الفعل وتقييد الترك بجميع الوقت غير لازم لأن تسبب الترك في الجملة للعقاب متحقق في الموسع بل مفسد لأن ترك المضيق في جزء سبب للعقاب إلا أن يقال المترك في الجزء عين المتروك في الكل وهو تأويل وكون المراد بالفعل مأخذ صيغة الطلب أو بالكف مدلول صيغته قرينة الشهرة لا يرد ورود كف نفسك عن الزنا طردًا على الحرمة وعكسًا على الوجوب وعكسه لا تكفف عن الصلاة إذ ليس لهما صيغة مخصوصة فحدهما حينئذ لا يتناولان نحو كتب عليكم الصيام وحرم عليكم الميتة اللهم إلا بعد تأويلهم بالأمر والنهي إما كونه وجوبًا وحرمه بالاعتبارين فيقتضى إرادة قيد الحيثية في تعريفهما وتداخل هذه الأقسام وإن يكون غير كف في تعريف الوجوب زائد بل نحلا إذ لا يكون كف نفسك عن الزنا حينئذ وجوبًا بالنسبة إلى الكف وإن يكون لا تكفف عن الصلاة وجوبًا وحرمة بالاعتبارين ولم يقل بواحد أحد وقيل: الواجب ما يعاقب تاركه أي بحسب إمارته ويجوز التخلف عن الإمارة بالعفو فلا طعن بجواز العفو، وقيل: ما أوعد بالعقاب على تركه أي ذكر أمارة عقابه فلا طعن بأن الإيعاد صدق فيرد ما مر مع أن معارضة صدق الوعد بالعفو لمن يشاء بصدق الإيعاد يقدح في الاستلزام، وقيل: ما فيه خوف العقاب على تركه وأورد على طرده بغير الواجب في نفس الأمر الذي يشك وجوبه وعلى عكسه بالواجب في نفس الأمر الذي يشك في وجوبه وأجيب بأنا في صدد تعريف الأحكام التي يجب على المكلف العمل بها وهو تابع لظن المجتهد فكما إذا اعتقده يكون بالنسبة إليه واجبًا وإن لم يكنه في نفس الأمر كذلك عكسمه فكذا إذا شك لم يتعلق به الحكم وقال القاضي ما يذم تاركه شرعًا بوجه ما أي بنص الشارع على ذمة نحو ﴿فويل للمشركين﴾ الآية أو على دليل ذمه نحو من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر ومنه التسوية بينه وبين ما علم وجوبه ومواظبة الرسول بدون الترك أحيانا عندنا ولا يرد عليه النفل المتروك مع واجب لأن المفهوم من ترتيب الذم على المشتق عليه الترك وترك النفل ليس بعلة للذم في تلك الصورة ولا ما أوجبه الله ولم ينص بالذم ودليله لأن ما استوى عندنا لا يوصف بالوجوب كما ذكره الغزالي وإنما قال بوجه ما لئلا يبطل عكسه بالموسع فإن
стр. 204
المكلف إنما يذم بتركه في جميع الوقت لا بتركه في جزء منه مع صدق التارك عليه لأن المطلقة الوقتية تستلزم المطلقة وبغرض الكفاية فإن المكلف إنما يذم بتركه إذا ظن أنه لم يأت به غيره سواء وجب على الجميع أو على واحد إما إذا ظن إتيان غيره به فلا وكذابًا لمخير على القول بأن كلًا واجب ويسقط بفعل أحدها البواقي وإما على القول بأن الواجب واحد منهم فتركه بترك الكل، ولذا عمت النكرة في سياق النفي فيذم تاركه بأي وجه كان قيل لكنه أبطل طرده فإن صلاة النائم والناسي وركعتي المسافر لا صومه فإنه واجب مخيرًا وموسع غير واجبه ويذم المكلف بتركها على تقدير انتفاع الأعذار وأجيب بأن سقوط الوجوب بالعذر لا ينافيه مع أن نفس الوجوب عندنا باق والمتراخي وجوب الأداء لكنه لا يتمشى في ركعتي المسافر ورد بأن سقوط وجوب الفعل في الكفاية بفعل البعض الآخر وفي الموسع بالفعل في وقت آخر كسقوط وجوب الفعل بالعذر فلو اعتبر السقوط بالعارض ولم يعد واجبًا لم يعد الكفاية والموسع أيضًا واجبين في هاتين الحالتين فلا يحتاج إلى إدراجهما بل يختل طرده بهما أيضًا وإن عد الساقط وجوبه لعارض واجبًا فليعد الساقط ذم تاركه مذمومًا تاركه فيذم تارك الكل مطلقًا فلا حاجة إلى ذلك القيد أصلًا وأجيب بأن ترك الكفاية والموسع لا يتغير بفعل الغير وفي وقت آخر وترك النائم ليس ترك النائم حين لا نوم فالمتغير ها هنا نفس الترك وثمه خارجي وبينهما بنون ورد بأنه لا يتمشى لو اعتبر السبب ترك المكلف لا ترك النائم وجوابه أن اعتبار المكلف مطلقًا يدخلها في الواجب فلا محذور في صدق حده عليها.
التقسيم الثاني الحكم بحسب زمانه
وهو إما أداء أو إعادة أو قضاء لأن الفعل قبل وقته لا وجوب له وفيما جاز فيه يسمى تعجيلًا كالزكاة قبل الحول وفي وقته أن فعل أولًا فأداء أو ثانيًا لخلل فيه كنقص الواجب أوله ولعذر في الثاني كإحراز فضيلة الجماعة فأعاده وقيل: في وقته أداء مطلقًا فالاعادة قسمه لا قسيمة والحج المأتي به بعد فاسد إعادة وتسميته قضاء مجاز لأن وقته العمر وربما يذهب إلى العكس لنعين السنة بعد حضور الميقات وبعد وقته قضاء أن كان لاستدراك ما يسبق له وجوب كالظهر المتروكة عمدًا أو سبب وجوب لكن مع إمكانه كصوم المسافر والمريض أو امتناعه عقلا كصلاة النائم والناسي أو شرعًا كصوم الحائض والنفساء لا كالصبي لأنه يمنع التكليف، وقيل: حقيقة القضاء في الأول ولا نزاع في التسمية المجازية ونية القضاء في البواقي والصحيح ما ذهب إليه مشايخنا من تحقق نفس
стр. 205
الوجوب في الجميع المنوط بإمكان الأداء كما في فاقد الطهورين والمحدث حال ضيق الوقت والسكران والمتراخي في البواقي وجوب الأداء وسنفسرهما إذ لا قضاء بل ولا الوقت لما لم يجب ولولا اعتبار الإمكان لكان النوم كالصبي مانعًا لعدم الفهم ولا فرق بالتقصير لأنه ضروري وتمسكهم بأن نفس الوجوب يمنع جواز الترك وهو مجمع عليه مبني على عدم الفرق بين جواز الترك والتأخير فالاستدراك في الكل لنفس الوجوب. فالأداء ما فعل أولًا في وقته المقدر له شرعًا (١).
فأوّلًا: أن قيد به احتراز عن الإعادة وفي وقته عما قبله وبعده والمقدر عن النوافل
المطلقة إذ لا أداء لها ولا قضاء إما الموقتة ففى وقتها أداء وبعده ليست قضاء فالأداء أعم
من الواجب من وجه لا القضاء، وقيل: وهذا القضاء لأن الرواتب وصلاة العبد بعد
وقتهما قضاء حقيقة لا مجازًا أو الأصح هو الأول لأن القضاء يعتمد وجوب الأداء
وقضاؤها بعد الإفساد عندنا للوجوب بالشروع وشرعًا عن المقدر لا شرعًا كالشهر الذي
عينه الإِمام للزكاة والجزء من الوقت الذي عينه المكلف للصلاة فليستا أداء من حيث هما
فيهما ولا قضاء من حيث هما بعدهما وقيل أولًا قيد للتقدير ليتناول قسيمة الإعادة
واحتراز عن الوقت المقدر شرعًا ثانيًا كوقت الذكر بعد الوقت وفيه بحث من وجوه:
١ - وقت الذكر ليس مقدرًا فإنه تعيين الأول والآخر يؤيده قولهم القضاء فرض العمر
ونسبة الشارع إلى وقت الذكر لأنه الصالح لقضائه لا وقت النسيان.
٢ - أن تقييد التقدير بأولًا يخرج شهر الإِمام ووقت المكلف لأنهما مقدران ثانيًا فلا يبقي إلي شرعًا حاجة.
٣ - أن أولًا ها هنا مقابل ثانيًا في الإعادة وذلك قيد الفعل باعترافه فلهذه قرار بفعل، والإعادة ما فعل في وقته ثانيًا لخلل أو لأحد الأمرين على المذهبين (٢)، والقضاء ما فعل بعد وقته المقدر شرعًا استدراكًا لما سبق (٣) نفس وجوبه سواء سبق وجوب أدائه أولًا وكأنه المراد بما سبق له وجوب مطلقًا وإلا فالوجوب على غير المستدرك لا يفيد في حقه وقيل: لسبق وجوب أدائه وكأنه المراد بما سبق وجوبه على المستدرك والثمرة في الأمثلة البواقي المذكورة وقيد الاستدراك لإخراج إعادة المؤداة خارج الوقت وإعادة القضاء،
стр. 206
وقال أصحابنا ﵏ الإعادة لبطلان الأول أداء ولفساده ليست واجبة والأول هو الموقع عن الواجب والثاني جائز لأن الإتيان بالمأمور به على الكراهة يخرج عن العهدة كالطواف محدثًا خلافًا لهم والواجبات المطلقة كالزكاة والكفارات والنذور المطلقة أداء بالنص ولا توقيت فيها شرعًا فالأداء تسليم نفس الواجب بالأمر صريحة نحو أقيموا أو معناه نحو ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (آل عمران: من الآية ٩٧) إلى من يستحقه كأداء الأمانات فإن أريد به وجوب الأداء وهو طلب إيجاد الواجب بالسبب بالخطاب وذلك بالأمر صح في الكل لأن للواجب به فعل خارجي وإن أريد نفس الوجوب وهو أن يتعلق بالمكلف الواجب بالسبب كالوقت وكانت إضافته إلى الأمر وسعًا لأنه سبب تعيين السبب فتصحيحه في العبادات والديون المطلقة بان أقرب طرق تفريغ الذمة أخذ حكم عينه وربما يفسر بتسليم عين المطلوب فيتناول المندوب وربما بتسليم عين الثابت بالأمر فيتناول المباح أيضًا وذلك مبني على جعل الأمر أي لفظ (أم ر) لا صيغته حقيقة في الندب أو الإباحة ولا بينهما ولهما القضاء كما مر والقضاء تسليم مثل الواجب من عنده بخلاف صرف دراهم الغير إلى قضاء دينه أو ظهر الأمس وإن كانت المماثلة أقوى فيه من النقل والمراد المماثلة في رفع لا نعلم لا في إحراز الفضيلة كما بين أداء المعذورين وغيرهم وهو في الموقتة بعد أوقاتها ولق غيرها مطلقًا كالأداء فيها أو مطلقًا ويستعمل أحدهما في الآخر لكن لأن القضاء لغة الإسقاط والإتمام صار استعماله في الأداء نحو ﴿فَإذَا قَضيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية. ٢٠٠) حقيقة لغوية وإن كان مجازًا شرعيًا والأَداء ينبئ عن الاستقصاء وشدة الرعاية نحو الذئب يأدو للغزال يأكله لم يكن في القضاء ولا مجازًا محتاجًا إلى قرينه لغة أيضًا لا يقال فلا يصح القضاء بنية الأداء بعد الوقت على ظن بقائه ومنه نية الأسير صوم رمضان بالتحري وقد وقع بعده وإن صح عكسه كالأداء في الوقت بنية القضاء على ظن خروجه لأنا نقول ليست هذه مما نحن فيه لأن الجميع حقائق بل صحتها مبنية على وجود أصل النية والخطأ في الظن ومثله معفو.
تقسيمها: الأداء المحض بجميع الأوصاف المشروعة كامل وبعضها قاصر زائد قصوره أو ناقص وغير المحض شبيه بالقضاء وكذا القضاء المحض مع إدراك المماثلة فبمثل معقول كامل أو قاصر ومع عدمه فبمثل غير معقول وغير المحض قضاء يشبه الأداء وعدم اعتبار قسمي المعقول وغيره فيه ليس اعتبارا لعدمهما وكل من الستة يدخل في حقوق الله وحقوق العباد فالأقسام اثنا عشر ففي حقوق الله تعالى الأداء الكامل الصلاة بجماعة أن
стр. 207
سنت فيها كالتراويح والوتر في رمضان وإلا فصفة قصور كالإصبع الزائدة والقاصر الزائد قصوره كصلاة المنفرد لقصورها بسبع وعشرين درجة عنها بالجماعة ومن إمارته سقوط وجوب الجهر فإنه في الجهر به صفة كمال لوجوب السجدة بتركه سهوا ولئن جهر لا يحرز به ثواب الواجب لعدم وجوبه والناقص قصوره كصلاة المسبوق منفردًا فإنها أداء ولذا يقرأ ويسجد للسهو ويتغير قصرها إلى إلاكمال بالمغير كنية الإقامة أو دخول العصر للتوضيء قبل فراغ أمامه أو بعده وفائقة على صلاة المنفرد لأداء بعضها بالجماعة وبناء كلها على تحريمة الإمام ولذا لا يقتدي به بخلاف المنفرد وقوله ﵇ "وما فاتكم فاقضوا (١) " مجاز ويروي فأتموه والشبيه بالقضاء صلاة اللاحق وهو الشارع مع الإِمام المتمم لا معه لعذر كالنوم أو الحدث والبناء وقتًا وهو الأصل بل وتحريمة وقضاء لما أنعقده له إحرام الإِمام لا يعنيه لفوت ملتزمة معه بل بمثله لعارض وهو التبع ويجوز إنصاف مجموع بمتضادين بل وواحد باعتبارين فالمسافر الذي اقتدى يمثله في الوقت فسبقه الحدث أو نام فانتبه فأقام أو دخل مصر لوضوء قبل فراغ الإمام يتم أربعًا باعتبار الأداء كما لو تكلم قبله أو بعده فإنه لابطاله يوجب الاستيناف موديًا وإن أقام بعد فراغه فركعتين يشبه القضاء الحاكي للأداء وعمل به بعده لفوت ملتزمه بآخره بخلاف المسبوق، وقد تأيد بالأصل وهو عدم التغير على أن التغير لم يثبت بالشك يؤيده مسألة الجامع من حلف أن صليت الجمعة مع الإِمام يحنث أن صلى لاحقًا إنما بعد سلامة لا مسبوقًا تركعه وعند زفر أربعًا لأنه كالمسبوق في انفراده حقيقة أو كالمعتدي حكمًا قلنا بل كالمقتدي والقاضي فيوفر خط الشبهين والقضاء يمثل معقول كامل كقضاء الفائتة بالجماعة والصوم بالصوم أو قاصركقضائها منفردًا، وفيه بحث لأن وصف الجماعة لا يثبت في الذمة لأنه سنة مؤكدة لها شبه الوجوب فلذا يثبت القصور في الأداء لفوته لأنبائه عن شدة الرعاية ولا يثبت في الذمة لسنته ولذاكره قضاء الصلوات علانية وحمل قضاؤه ﵇ غداة ليلة التعريس بجماعة على أنه أداء من وجه ثان قبل الزوال حكم الصبح كما في قضاء سنة الفجر وتدارك ورد الليل فكان أن يكره الجماعة على القضاء لولا بناؤه على الفائت فالحق أنهما كاملان وبالجماعة أكمل ويمثل غير معقول ونعني به عدم تعقل المماثلة لا تفعل
стр. 208
عدمها وإلا لتناقض حجج الله تعالى فإن العقل منها وذا أمارة العجز كالفدية للصوم إذ لا نعقلها بينهما لا صورة لأنهما إمساك وإعطاء ولا معنى فإنهما إتعاب النفس بالكف عن الشهوة ودفع حاجة الفقير لا لأن أحدهما مفض إلى الإيجاع والآخر إلى الاشباع فيضادان إذ لا تضاد لاختلاف المتعلق بل رما قيل يتناسبهما من حيث أن إعطاء الشيء منع للنفس عن الارتفاق به وإذ اللازم منه تعقل عدم المماثلة وهو غير مراد فجوازها بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذينَ يُطقُونَهُ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٤) على أنه مختصر بحذف لا بإجماع القائلين بأنه ثابت وإن جواز احتمال يصومونه جهدهم ومبلغ وسعتهم وهم الشيخ الفاني ومن بمعناه في العجز المستدام فلا ينافيه الحمل على التخيير الثابت في بدء الإِسلام أن قيل بنسخه وكالإنفاق للحج لا صورة لأنهما تنقيص وقصد ولا معنى لأنهما إشباع الغير وتعظيم المكان فجوازه بحديث الخثعمية ولوروده في عجز الشيخوخة وإنها دائمة اشترط في فرضه العجز الدائم كما عن الميت وعن المريض مرض الموت لا في تطوعه لأن مبناه على التوسع ثم عن محمَّد رحمه الله تعالى وقوعه عن المأمور لأن النيابة لا يجرى في العبادة البدنية وللآمر ثواب النفقة ويسقط حجة لإقامة السبب وهو الإنفاق مقامه للعجز أو لأن الواجب حينئذ ما قدر عليه لا ما عجز عنه ولذا اشترط أهلية النائب فنجز إنابة الذمي له وأتما لم يسقط به فرض المأمور لأن شرطه الشبه لنفسه أو مطلقًا ولم يوجد قلنا بل للآمر بالنص المذكور وغيره ولذلك يضمن النفقة بالنبة لنفسه ويسقط لو حج عنه بلا إنفاق ما له لا يعكسه وليست بذنبه مخضة لعد الاستطاعة المالية من الممكنة فالتمثيل بالانفاق على الأول إذ على الثاني قام فعل غيره مقام فمثل نفسه فيقال لا مماثلة بين الفعلين أيضًا لأن معنى المباشرة أتعاب النفس وهو لا يحصل بفعل الغير.
وهاهنا أصل كلي: كل ما لا يعقل له مثل في معناه لا يقض إلا بنص فعند فواته يسقط كتعديل الأركان إذ لا مثل له منفردًا عنها لعرضته وأطالها لفواته قلب المعقول فلم يبق إلا الإثم ولرمي الجمار ووجوب السجود والذم بتركهما لجبر نقصان العبادة لا للبدلية وكجودة الدراهم إذ أديت الزكاة بزيوف تسقط إذ لا مثل لها صورة لعرضيتها ولا قيمة لأنها غير متقومة ع المقابلة بجنسها ولذا لا يصح أداء أربعة جياد عن خمسة زيوف لا عند زفر ولا يجب الزكاة بالحولان على ما قيمته مائتان ووزنه أقل واحتياط محمَّد لفي إيجاب قيمة الجودة لتقومها في الجملة كما إذا غصب جيادًا أو حابى قلبًا ووزنه عشرة
стр. 209
وقيمته عشرون بعشرة لا تسلم الزيادة أو باع لوصى درهما جيدًا بردى لا يجوز ولأن عدم اعتبارها للربا ولا ربا بين المولى وعبده ولأن فيه ربا نظرا إلى أن الواجب حق الفقير ولذا يضمن بالاستهلاك والحق كالحقيقة ولا الربا فيه نظرًا إلى أنه ليس ملكًا له حتى يصير مملكا إياه بما أخذ في اعتبارنا جهة الربا أن نفع للفقير إلا فلا كما في مسألتنا قلنا لما استفرضنا الله وملكنا جعلنا بمنزلة المكاتب أو الحر فيجري الربا والتفصيل منقوض بمسألة الحولان وكوقوف عرفة والأضحية وتكبيرًا التشريق بصفة الجهر لم يعرف شىء منها قربة إلا في زمانه وبفوته يتقرر حكم السقوط فلا يعود بعود مثل زمانه ولا يفتقض بإيجاب الفدية لصلاة الشيخ الفاني بلا نص حيث جعل كل صلاة يمنزلة صوم يوم في الصحيح قياسًا عليه والتصدق بعد أيام النحر بعين الشاة المعينة للتضحية بالنذر أو بشراء الفقير لها أو القيمة فيما إذا استهلكت تلك الشاة أو لم يضح الغني لأن وجوب الفدية عمل بأحوط الاحتمالين وهو تعليلها بالعجز في الصوم والصلاة مثله بل أهم بحسنها الذاتي فإن وجب به فيها وإلا فقداني بالمندوب ولذا لم يجزم محمَّد رحمه الله تعالى ورجي القبول كما إذا تطوع بها الوارث عمن لم يوص وأهمية الصلاة لم توجب الجزم بالوجوب فيها بدلالة النص وإن لم يعقل كوجوب الكفارة بالأكل والشرب لأن شرط الدلالة علم المعنى الموثر عقل تأثيره كالإبداء بالتأفيف أولًا كالجناية على الصوم في إيجاب الكفارة المكيفة ولا علم به هنا، قيل وفيها يجب إذ لا نعلم أن الجناية على الصوم هي المؤثرة بإطلاقها في إيجاب الكفارة وسيظهر جوابه إن شاء الله تعالى، وكذا التصدق بعد أيام النحر لأنها عبادة مالية ولذا شرط الغنى فيها فكما أن التضحية أصل بظاهر النص يحتمل أن يكون التصدق أصلًا كما في سائرها لكن لتطيب طعام الضيافة بنقل الخبث الثابت في مال الصدقة لإزالته الآثام ولذا حرم على النبي وانسابه والغنى إلى الدماء نقله الشارع إلى التضحية وهي بمجرد الإراقة عند محمَّد لأن المذبوح باق على ملكه يأكله ويضمن له مستهلكه ويورث عنه ويجوز بيعه والتصدق بثمنه لأنه سبيل الملك الخبث وبها وبإزالة حق التمول عند أبي يوسف، قيل: وعند الإِمام لأن القربة كما يتأدى بالدم يتأدى بأجزائها ولذا يشترط سلامتها ويجب التصدق بثمن ما باع منها وإبطال حق التمول لا يوجب بطلان أصل الملك؛ لأن القربة كما تتأدى بالدم تتأدى بأجزائها ولذا يشترط سلامتها ويجب التصدق بثمن ما باع منها وإبطال حق التمول لا يوجب بطلان أصل الملك فالتوفيق بين الأحكام فيما قالا والثمرة جواز الرجوع في هبة الشاة المضحاة عنده لا عندهما وإلا بطل القربة
стр. 210
بالعين غير أنا لم نعلم بالاحتمال المطون في معرضة المنصوص لمتيقن ما بقي الوقت وعملنا بعده احتياطًا لا على أنه مثل لها ولذا لم ينتقل الحكم إلى الأضحية في العام القابل خلاف الفدية لأن الحكم بالشيء إذا وقع بجهة الأصالة ولو من وجه لا يبطل بالشك فلا يرد الإيراد بأنه كما لا يصح اعتبار خلفية التصدق وإلا لوجب التضحية في العام القابل لا يصح اعتبار الأصالة وإلا لجاز التصدق في أيامها كصلاة الظهر في منزله وقت الجمعة لأن المعمول به احتمال اعتبار الاصالة لا نفسه والذي يشبه الأداء كان يأتي من أدرك الإمام في ركوع العيد بتكبيراته فيه إذا خاف فوته لو أتي بها قائمًا فيكبر فرضًا للافتتاح قائمًا وواجبًا للركوع هاويًا وللعيدية فيه بلا رفع يد إذ لا يترك سنة لسنة فهذا قضاء بأصله لفوت وقتها ولا مثل لها قربة فيه ليصرفه إلى ما عليه فينبغي أن تسقط كما روي عن أبي يوسف ﵀ كما إذا ترك لقنوت من أدرك الإِمام في الركوع من وتر رمضان أو تركها الإمام أولًا يجوز قضاؤها فيه كما إذا ترك القراءة أو تكبير الافتتاح فجوز لشبه الأداء إذا لعبادة مما يثبت لشبهة الوجوب احتياطيًا لأن الركوع يشبه القيام لبقاء الانتصاف في النصف الأسفل وهو الفارق إذ قيام البعض به وحكمًا لأن إدراكه إدراك الركعة بل ولأن تكبير الركوع هنا واجب مثلها ولذا يجب بسهوه سجوده وهو عند الهوى فكان لها مثلًا فالحقت به بخلاف القنوت والقراءة والتحريمة وبخلاف الإِمام لقدرته على العود إلى القيام وكقضاء السورة الفائتة عن الأولين في الآخرين لشبه الأداء من حيث أن موضع القراءة جملة الصلاة ولذا يفسدها استخلاف الأمي في الآخرين إلا عند أبي يوسف ﵀ وتعين الشفع الأول بخبر الواحد لا يرفع شبهة المحلية عن الثاني فوجب لشبه الأداء احتياطيًا إما الفاتحة الفائتة فتسقط لتعذر الاتيان بها في الثاني قضاء لعدم مشروعيتها فيه نفلًا مطلقًا بل مع جهة وجوب احتياطي لقوله ﵇ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ومثله لا يصرف إلى ما عليه ولا شبه أداء إذ لو لم تتكرر وقعت عن مستوى فيه جهة الوجوب ولو تكررت في ركعة خرجت عن المشروع ولا يدفعه اعتبار النقل لأنه من جهة القضاء على أن صورة التكرار فيها كافية بدعة وعكس عيسى ابن أبان الوجوب الفاتحة وإنها مشروعة في الجملة وسببه السورة السنة في غير موضعها بدعة وبهذا طعن يحيى في الجامع وظهر جوابه وروي الحسن قضائهما وعن أبي يوسف سقوطهما تركيبا فيهما من النكتتين.
وفي حقوق العباد الأداء الكامل كرد المغصوب كما غصب وتسليم المبيع كما بيع
стр. 211
وأداء الدين والمسلم فيه ورأس ماله وبدل الصرف كما ثبت وليس قضاء لأنه أقرب طرقه فجعل عينه حكمًا لتعذره حقيقة ولذا لم يكن قبضه في الصرف والسلم استبدالًا ويجبر على قبوله في غيرهما أيضًا ولا قاصرًا لأنه أداء أصلًا ووصفًا ومنه إطعام المغصوب مالكه بلا تغيير قاطع حقه ولا علم منه خلافًا للشافعي ﵀ في القديم لوصول ملكه إليه صورة ومعنى لنفوذ كل تصرف له فيه غاية الأمر جهله يملكه أو بنفوذ تصرفه وذلك لا يبطل الأداء كأكله بنفسه وكذا إعتاقه بأمر الغاصب كإعتاقه بنفسه ظنًا أنه ملك الغير ونحوه قبول البايع للمشترى أعتق عبدي هذا فأعتقه من غير علم له الأداء بالرد المأمور به وهذا غرور إذ لا تحامي عن إتلاف ما يباح من مال الغير عادة ولئن كان أداء فقاصر لأنه ما أعاد إلا يد الإباحة قلنا المضمن غرر العقد كولد المغرور لا غيره كما مر والعادة لا على الديانة الصحيحة المفهومة من الحديث لغو وجهة الإباحة في هذه اليد ساقطة بالإجماع إذ لا يتصور مع الملك ولئن قصر الأداء فقد تم بالأكل وغيره. والقاصر كرد المغصوب مشغولا بالجناية على النفس أو الطرف أو بالدين للإذن أو لاستهلاك المال فلو هلك قبل الدفع أو البيع فيه بريء الغاصب لكونه أداء وإذا دفع أو قتل أو بيع فيه رجع المالك عليه بالقيمة وفاقًا قاصرًا وكتسليم مشغولًا بالدين والمبيعة حاملًا فلو بيع يرجع بكل الثمن أو هلكت بالولادة فينقصان العيب وفاقًا فيهما أو المبيع مشغولًا بالجناية وكذا رد المغصوبة حاملًا فلو هلك هو يرجع لكل ثمنه أو هي فقيمتها يوم علقت عند الإمام وعندهما تسليمه وردها أداء كامل أي تام فيرجع بنقصان العيب لهما في مباح الدم إنها كالعيب لا يمتنع تمام التسليم وإن مكن كمال الأداء لتعلق جزاء الجنابة بالآدمية ولذا صح شراؤه وإن أبى ولي القتيل، ولو تعلق بالمالية لقدر على منعه كالرهن فمورد البيع المالية وتلفها بالاستيفاء الاختياري وقع بعد ما دخل في ضمان المشتري فلا يستند إلى الجناية السابقة فلا ينتقض التسليم كما لو سلم للمبيع الزاني فمات بالجلد عند المشتري بخلاف الاستحقاق بملك أو دين أو رهن حيث لقي المالية وبخلاف الغصب فإن فسخ فعله ورده كما غريب وأجيب وفي الحامل أن الأصل في الحمل السلامة والهلاك مضاف إلى الطلق لا إلى الانفلاق كما لو حملت عند الغاضب فهلكت بها بعد الرد ضمن النقصان لأن هلاكها لضعف الطبعة عن دفعها لا بأول الحمى فإنه غير موجب لما بعده وقلنا بل كالاستحقاق لمنع لقامه لأنه لما زال يده بسبب عند البايع أضيف زواله المتلف لماليته اليد لأنه في معنى علة العلة والجلد ليس بمتلف بل التلف به لحرق الجلاد أو
стр. 212
لضعف المجلود غاية ما ذكراه صحة الشراء وهي لايمنع رجوع الثمن كما إذا اشترى عالمًا بحل دمه يرجع بالثمن في أصح الروايتين كالاستحقاق ولئن سلم فعلمه جعل مانعًا عملًا بشبهتي الاستحقاق والعيب حال الجهل والعلم إذ مع العلم التزام الضرر إما في الحامل فلئن سلم عدم رجوع الثمن في بيعها فلأن الأصل السلامة كما سلف وفي غصبها لا بد من فسخه وردها كما غصبت ومنه أداء الزيوف عن الجياد في الدين أداء للجنسية حتى لو تجوز بها في الصرف والسلم لا يكون استبدالا قبل القبض وقاصر لعدم الوصف فيردها قائمة إذا لم يعلم به حين الأخذ وإذا لم يتبدل المجلس في الصرف والسلم وإذا هلكت عند القابض يبطل حقه في الجودة عند الإِمام ومحمد قياسًا إذ لم يجز إبطال الأصل لوصفه كما مر كيف وإبطاله بتضمين القابض حقًا لنفسه إذ لا طالب والإنسان لا يضمن لنفسه واستحسن أبو يوسف رحمه الله تعالى رد مثل المقبوض لأن مثل الشىء كنفسه لا قيمة للربا إحياء لحقه في الوصف كالقدر ولو اعتبر جنسية المقبوض أسقط الرد حالة القيام أيضًا ولا نعلم بطلان التضمين لنفسه عند الفائدة كشري مال المضاربة أو كسب ما دونه المديون أو ماله مع مال غيره قلنا قياس عليهما مع الفارق وهو معنى التضمين فوجب على كل من الصاحبين الفرق بينه وبين مسألة الزكاة على التعاكس ففرق أبو يوسف رحمه الله تعالى بعدم إمكان تضمين الفقير ثمة لما قبضه إذ هي له كفاية من الله لا من المعطي ولذا لا يتمكن من ردها قائمة وطلب الجياد ولا من مطالبتها من الغني وبدون التضمين يتعذر اعتبارا الجودة ورب الدين يتمكن من مطالبته جبرًا أصلا ووصفًا ومحمد بأن تضمين القيمة ثمه لعدم مانع الربا بين المولى وعبده وهنا بين العباد.
والشبيه بانقضاءكالتسليم فيما تزوج امرأة على أبيها عبده فعتق إذ نفس العقد بقيد ملك العوضين فاستحق الأب بقضاء فوجب قيمته للعجز عن تسليمه وبطل ملكها وعتقه كما على عبد الغير ابتداء ثم أن ملكه المتزوج قبل القضاء بالقيمة وجب تسليمه إليها لأنه أداء لعين الملتزم حتى لو امتنع عنه بعد طلبها أو أبت عن القبول بعد دفعة يجبر بخلاف ما إذا استحق المبيع قبل التسليم فاشتري من المستحق لا يجبر عليه لانفساخ البيع الموقوف عنا وقيام النكاح ثمه لكنه يشبه القضاء لما علم من حديث بريرة ﵂ أن تبدل الملك بمنزلة تبدل العين ولأن تعلق الحكم الشرعي بالشىء المملوك لا من حيث هو والألم يتغير كلحم الخنزير بل باعتبار مملوكيته فيتبدل مجموع بتبدله وهو المراد بالعين سواءٌ اعتبر مجرد الذات جزءًا أو مقيدًا فلذا لا يعنق عليها قبل تسليمه إليها لو القضاء لها
стр. 213
وينفذ فيه تصرفاته قبلهما قبلت الفسخ كالبيع والهبة أولًا كالكتابة والإعتاق ولم ينقض قابله كما ينقض تصرف المشتري في الدار المشفوعة لئلا يفوت حقه في التصرف بلا خلف كما فيها بالثمن إما إذا قضي بالقيمة وتعين حقها فيها فلا يعود كما في مثلي غصب فقضي بقيمته لانقطاع المثل ثم جاء ألوانه بخلاف القيمي الظاهر بعد القضاء بالقيمة بقول الغاصب مع يمينه والقضاء بمثل معقول ينقسم صحيحًا ها هنا إلى كامل المغصوب بمثله صورة ومعنى في المثليات قبل انقطاعها ومنه مثل القرض لا من الأداء كالدين لامكان أدائه باقرب وهو رد عين المقبوض وشبهه بالأداء لأن لبدل المقبوض حكم عينه كيلا يكون مبادلة الأجناس نسيئة ولذا لم يلزم فيه التأجيل كالإعارة عندنا خلاف الديون لا يقتضي عده أداء لأن ذلك لضرورة الاحتراز عن الربا فلا يتعداه نعم يقتضي عده شبيها به وكأنه فائدة الفصل فتذكر ما سلف أن عدم الاعتبار ليس اعتبارا للعدم وإلى قاصر وهو القضاء بالمثل معنى وهو القيمة فيما لا مثل له كالحيوان والنبات والعدديات المتفاوتة أوله مثل كالمقدر والمعدود المتقارب لكن انقطع فلم يوجد في الأسواق والأصل هو الأول ولا يصار إلى الثاني إلا عند تعذره لأنه المثل المطلق الثابت بنحو قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية ١٩٤) وفقهه تحقيق الجبر بكلا الوجهين، وعند العجز عن أحدهما يبقي الآخر المقدور ويؤيده الخبر المشهور وهو قوله ﵇: "من اعتق شقصًا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه (١) " أن كان موشرًا وذهب المدنيون إلى تضمين القسم الثاني بمثله من جنسه معدلًا بالقيمة لأنه المثل صورة ومعنى ولضمان عائشة ﵁ القصعة التي كسرتها لصفية واستحسنه النبي ﵇ وعثمان أبال الأعرابي وفصلانه بمثلها لتعدي بني عنه بمشورة ابن مسعود ﵁ قلنا الأول على سبيل المروة وإلا فالقصعتان للرسول ﵇ أو لعلهما من العنديات المتقاربة والثاني علي سبيل الصلح شرعًا إذن مؤاخذة بجناية بني العم.
فرعان:
١ - قال الإِمام لولي الرجل أن يقطع فيقتل من قطع يده قبل البرء عمدًا لأنه مثل كامل فيه المساواة في الفعل ومقصوده إلا أن يكتفي بالمقصود وقالا بقتله فقط لأن القتل بعد القطع قبل البرء من واحد على اتفاق صفتهما عمدًا وخطًا تحقيق لموجبه عند السراية فكانا جناية واحدة بخلاف لخلل البرء لأنه ينهى حكم أحدهما ومن اثنين لامتناع إضافة
стр. 214
فعل أحد إلى غيره وعند اختلاف الصفة إذ به يختلف الأثر كما يتعدد المحل فالصور اثنا عشر، عشر منها جنايتان والخطآن بشروط الاتحاد واحدة وفاقا فيهما قلنا القصاص جزء الفعل ولذا يقتل نفوس بواحدة لا كضمان المحل إذ يجب في مثله خطأ دية وفي قطع قوائم دابة ثم إئلافها قيمة فيجوز فيه اعتبار صورة الفعل لا سيما ولمعنى القتل شبهان لأنه كما يصلح محققًا لأثر القطح يصلح ما حياله بتفويت محله لتفوقه باستقلاله علة ويعضده جعل الذكاة قاطعة للسراية في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (المائدة: من الآية ٣) وفيما رمي صيدًا تاركًا للتسمية عمدًا وجرحه ثم ذكاء حل فموجبهما التخيير إذ اعتبار كونه ما حيا يقتضي التعدد كتخلل البرء.
٢ - قال الواجب عند ضمان المثلي المنقطع قيمته يوم القضاء بها لعدم تعذر المثل الكامل يقينًا إلا حينئذ لاحتمال أن يوجد أو يصبر عن المطالبة إلى أوانه بخلاف غير المثلي لأن المطالب بأصل السبب ثمة هو القيمة فيعتبر وقته. وقال أبو يوسف: رحمه الله تعالى الخلف يجب بموجب الأصل فالمثلي عند الانقطاع كغيره فيعتبر وقت السبب وقال محمَّد رحمه الله تعالى السبب أوجب المثل بدلًا عن رد العين لا القيمة وإلا لوجب بالسبب الواحد بدل وبدل فالمصير إليها للعجز عن المثل وذلك بالانقطاع فيعتبر آخر يوم له قلنا تعين الخلف بحسب وقت الانتقال كالتيمم أو المسح ولا ينافي كون وجوبه بسبب الأصل ثم لا بد لوجوب القيمة من سبب وليس نفس العجز لأن سبب القضاء سبب الأداء ولئن سلم فتعين العجز عند القضاء.
تذنيب: موضعه هنا لا يعد كما ظن المنافع ليست مثلًا معنى للأعيان خلافًا للشافعيٍ ﵁ والثمرة إنها لا تضمن بالاتلاف ظلمًا وهو تصرفها وإتلاف الزوائد مضمن اتفاقًا والخلاف في غصبها كإمساك العين بلا استعمال ليس مبنيًا على هذا بل على أن زوائد الغصب لا تضمن عندنا لعدم إزالة اليد المحققة وتضمن عنده لاثبات اليد المبطلة فبالإتلاف احتراز عنه وظلمًا عن الإتلاف بالعقد كالإجارة فإنه مضمن له إنها أموال مثقومة إما حقيقة فلحقها لمصالح الأدمي بل قيام كل مصلحة بها ى بالذوات ولذا ما لا منفعة له ليس بمال وإما عرفا فلان الأسواق تقوم بها كما بالأعيان فيجري المؤجرات كالمبايعات وإما شرعا فلصلوحها مهرًا كما لو تزوج امرأة على رعي غنمها سنة لقوله تعالى ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ والأغنام كانت للبنت وأريد بأحدى ابنتي معينة منهما أو من اختلاف الشرائع وتضمينها بالعقود الصحيحة والفاسدة وليس ذلك بورود
стр. 215
العقد عليها إذ لا يصير به مالا متقومًا ليس به كالعقد على الميتة ولا لاحتياج العقد إلى تقومها والألم تقابل المال في عقد لم يتقوم فيه كالخلع فإن منافع البضع غير منقومة حال الخروج فدل إنها في نفسها أموال منقومة قلنا:
أولًا: ليست مالًا لأن المال ما ينتفع به لا بالإتلاف فإن الأكل ليس تمولا ولا شيء من المنافع كذلك لأنها أعراض لا تبقي زمانين ولا ينفع منع عدم البقاء في الأعراض بانها سفسطة لأنها ها هنا غير قارة فلا تبقي فلا يتصور فيها الإتلاف أيضًا.
وثانيًا: ليست متقومة والتقوم شرط الضمان لأن كل متقوم محرزًا إذ ما لا احراز له لا تقوم له كالصيد والحشيش والماء وكل محرز باق والمنفعة ليست كذلك أما إحرازها بإحراز ما قامت هي به فللمتلف لا للمالك فلا تضمن كزوائد الغصب عندنا على أنه ضمني لا يضمن كالحشيش النابت في الملك.
وثالثًا: إنها وان كانت أموالًا متقومة كما زعم بعض أصحابه أن التقوم عنده بالملكية لا بالإحراز فليست مثلًا للأعيان لأن التفاوت بين العرض والمعروض فاحش كما بين الدين والعين لأنه بالبقاء وعدمه لا بكثرة البقاء وقلته كما بين الحمد والبطيخ والدراهم ثم لا نعلم مالية كل ما يقوم به المصلحة والأسواق وتقومه لجواز أن يكون مما ينتفع به بالإتلاف أو مما يعتني ويدخر ولو زمانين إما قياس مقابلتها بالمال المنقوم ها هنا على مقابلتها في العقود صحت بدون التقوم بل بمجرد الاستبدال كالخلع والصلح عن دم العمد أولًا كالنكاح والإجارة لإثبات أصل المدعي أو قياس تقومها ها هنا على تقومها في العقد لإثبات مقدمة الدليل ففاسدان إما لأن لزوم المال في مقابلة غير المال وكذا تقومها ثمة بالنص لضرورة حاجة الناس على خلاف القياس فغيرها عليها لا يقاس مع أن العين في نحو الإجارة أقيمت مقام المنفعة إقامة السفر مقام المشقة قضاء لحوايج الناس فيما يكثر وجوده بخلاف العدوان فإن سبيله أن لا يوجد وهذا أصح من جعل المنفعة معقودًا عليها إذ لا يصح آجرتك منافع هذه الدار شهرًا على أن جعل المعدوم موجودا قلب الحقيقة ليس له في الشرع استمرار واما لأن فيها صحيحة كانت أو فاسدة إذ في التمييز خرج للعوام رضا يوثر في إيجاب الأصول كإيجاب المال في مقابلة غير المالك في نحو الخلع والفضول كبيع عبد قيمته ألف بألوف ولا رضا في العدوان وكل قياس لا يقوم إلا بوصف يقع به المفارقة باطل والذرق بين النكتتين أن الثانية أعم لدفعها القياس على العقود الفاسدة والتي أحد عوضيها غير مال متقوم شرعًا أيضًا كالخلع إذ لا ينظمهما التجويز