← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 98083

فصول البدائع في أصول الشرائع

الفناري

Полный текст (856 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لصاحب البذر لأنه نماء ملكه كولد الجارية وثمر الشجر وكما إذا ألقت الريح به في أرض فثبت والزرع كإصلاح الأشجار قلنا البر ليس علة لبقائه فكيف لهلاكه وانقلابه شيئا آخر إذ عند هلاكه لا يبقى برا بخلاف الجارية والشجر ومهلكه ضامن له ولضمانه يملكه ولذا كان له إذا زرع في أرض صاحب البذر أيضًا بإطلاق المبسوط وفيما ألقت الريح لا اختيار يغالبه فيغلبه. الثالث: شرط له حكم السبب سابق اعترض بينه وبين الحكم فعل المختار غير منسوب إليه فخرج بالسابق الشرط التعليقي وبفعل المختار نحو سيلان المانع وبغير منسوب إليه نحو سير الدابة بعد سوقها والطيران بعد فتح باب القفص عند محمَّد رحمه الله تعالى وله فروع: ١ - حل قيد عبد فأبق لم يضمن لأن إباقه اختياري تخلل ولم يحدث به فقطع الإضافة عن صاحب الشرط لا كما أمر عبد الغير فإنه استعمال كالاستخدام انقطاعها عن صاحب السبب فيمن أرسل دابة فجالت يمنه ويسره أو وقفت ثم سارت فاتلفت لم يضمن لانقطاع الإضافة وصيرورته كالمنفلتة فإنها بالنهار جبار وكذا بالميل عندنا إذ لا سبب كالإرسال ولا شرط كفتح باب الإصطبل ولا علة كالإتلاف من صاحبها خلافًا الشافعي رحمه الله تعالى لحديث البراء قلنا ذهاب الدابة اختياري لم يتولد من فعله كدلالة السارق ويويده "العجماء جبار" وحديث البراء مؤول بأن ناقته انفلتت بقصده إياها للأخذ ومسلم أن حفظ الدابة على أربابها ليلًا لكن من حيث الإثم بتركه ولا يلزم منه الضمان. ٢ - فتح باب القفص فطار على فوره أو باب الإصطبل فخرجت على فوره إذ لو مكثا ساعة لا ضمان إجماعا لم يضمن إلا عند محمَّد ﵀ لتخلل فعل المختار (١) لا كالسقوط في مسألة حفر البئر بل كاسقاطه نفسه كمن مشى على جسر واه وضع بلا ولاية أو على موضع رش الماء فيه عالمًا بوهاء الجسر ووضعه بغير حق منه وبالرش هنا لا يضمن لأن العطب مضاف إلى اختياره أما غير عالم بهما فيضمن لأنه متعد وإذا وضع في ملكه لا ضمان مطلقا لعدم التعدي. وقال محمَّد رحمه الله تعالى طيرانه وخروجها على فوره هدر شرعا إذ النفار طبع فيجعل اختياره كعدمه لفساده كما إذا صاح بها فصار كسيلان ما في الزق إما لأعلى الفور فدليل ترك عادتهما وبذا بقطع الإضافة إلى الشرط

стр. 282

وليس شرعية الإهدار وطبعية النفار علنين صالحتين للاستدلال بالاستقلال كما ظن فأولا لأن الحكم وهو تلفهما يصلح إضافته إلى فعلهما في الجملة كنفارهما لأعلى الفور وثانيا أن الفرق بين الفور وعدمه بترك العادة لا يكفي حاصل لعموم النكتة الأولى فالأولى أن الثانية علة الأولى وتتم النكتة بهما فينطق الجواب بأنا قلنا هدر في الإيجاب على الغير إما لقطع الحكم عند فلا كالكلب يميل عن سنن الإرسال فيأخذ ما لا يحل، وكالدابة تجول بعد الإرسال كما وكصيد الحرم يخرج منه فينقطع إضافته إليه فيحل. أصل متفرع: شارط ادعى الإضافة إلى العلة فالقول استحسانًا بخلاف صاحب العلة كالحافر إذا ادعى أن الهالك أسقط نفسه كان القول له لا للولي في دعوى السقوط لتمسكه بالأصل وهو الإضافة إلى العلة بخلاف الجارح إذا ادعى الموت بسبب آخر والقياس قول أبي يوسف رحمه الله تعالى الأول أنه للولي لتمسكه بظاهر أن الإنسان لا يهلك نفسه. قلنا: الظاهر يصلح دافعا لا موجبا لاستحقاق الدية على عاقلة الحافر. ٣ - أشلى كلبا على صيد ومملوك أو إنسان فقتله أو مزق ثيابه ولم يسق لا يضمن لاعتراض فعل المختار غير منسوب إليه لعدم السوق بخلاف سوق الدابة فإنه كسوقه وإما الإشلاء على صيد غير مملوك فجعل قتله كالذبح نقيا للحرج عن باب الصيد بقدر الإمكان إذا لذبح بالوجه المسنون متعذر في باب الصيد وضمان العد وإن شرع جبرا فيعتمد الفوات فلا يجب مع الشك ونظيره ألقى نارا في الطريق فهبت به الريح واحرقت شيئًا أو هوام فانتقلت ولدغت إنسانا فهلك لم يضمن لانقطاع نسبتها بالتحول كالدابة الجائلة في رباطها. وفروع الثالث: نظير إرسال الدابة من قبيل السبب الحقيقي كدلالة السارق ذكرت تلفيقا بينه وبين الشرط في هذا التفصيل. الرابع: شرط اسما أي صورة للتوقف عليه في الجملة لا حكمًا أي لا معنى لعدم إضافة الحكم إليه ثبوتا عنده كأول شرطين تعلق بهما ملاحظة ترتيبهما لا كأحد الشروط المتعددة مطلقا كما ظن فآخرهما شرط اسما وحكما كشروط سائر الأقسام وإما حكمًا لا اسما فلا وجود له إذ لا شرط بدون التوقف اللهم إلا أن يفسر الاسم بصورة أداة الشرط كما مر فيوجد كما في أن خفتم إذا حمل على قصر الذات. قلنا الحاصل: أن نعتبر الاسم وهو الصيغة والمعنى وهو التوقف والحكم وهو الثبوت عنده ونسبع الأقسام العقلية كما في العلة فاسما فقط غلو لم يخف الله ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي

стр. 283

الْأَرْضِ﴾ الآية ومعنى فقط كالنية للعبادة والقدرة للتكليف وحكما فقط نحو بتحر على صغر سنة ولا حكمًا فقط كأول المعلق بهما بأن ولا معنى فقط نحو أن خفتم مرادًا به قصر الذات ولا اسما فقط نحو المرأة التي أتزوجها طالق والجامع للثلاثة كآخر المعلق بهما بأن. (فرع) إذا قال لامرأته إن دخلت هذه الدار وهذه فأنت كذا فدخلت إحديهما في غير ملكه فنكحها فالأخرى في ملكه تطلق خلافًا لزفر قياسًا لأحد الشرطين على الآخر إذ صيرهما شيئًا وأحدا والشرط يمنزلة العلة عنده ولذا لا يثبت الإحصان عنده إلا بشهادة رجلين ولا يقطع بخصومه المودع لأنها شرط ظهور السرقة فلا يجري النيابة كالشهادة فيها قلنا الملك شرط الإيجاب أو شرط الوقوع وحان الشرط الأول خالية عنهما وإلا كان شرط نفس الشرط وليس إذ لو دخلهما في غير ملكه انحلت اليمين أو لبقاء اليمين وليس وإلا لبطل بالإبانة قبلهما أما عند تمام الثاني فحال الوقوع ولذا يقال تعدد المقدم لا يقتضى تعدد الشرطية بخلاف تعدد التالي فيشترط الملك حالتئذ. الخامس: شرط هو علامة وتحقيقه أن علامة الشيء معرفة وإنما يحتاج إلى المعرف ما فيه نوع خفاء كما جعل التكبير علامة لقصد الانتقال في الأركان فشرط الحكم إذا كان مظهرا لتحقق نفس العلة مع الخفاء في ذاكا أو لتحقق صفتها للخفاء فيها سمي شرطا هو علامة أما كونه شرطا فلتوقف تحقق الحكم على تحقق العلة الموصوفة الموقوف عليه والوقوف على الموقوف موقوف وإما كونه علامة فلأنه في الحقيقة شرط تحقق العلة لا الحكم مع أنه مظهره مثال ما كان مظهر النفس العلة الولادة المظهرة للعلوق الذي هو علة النسب بعد قيام الفراش أي النكاح الثابت أو حبل طاهر في العدة أو اقرار به من الزوج عند الإمام ومطلقا عندهما إذ لو أمكن الإطلاع على العلوق بسبب آخر لما كان إلى ادعاء الولادة والشهادة بها حاجة في إثبات النسب فلم تكن شرطه بل شرط طهور عليه فكانت أمارة لإيضاف النسب إليها ثبوتا بها ولا عندها ولذا قبلا شهادة القابلة عليها من غير الأمور الثلاثة إذ المقصود تعيين الولد حاصل وشهادتها تكفى له كما مع أحدهما قلنا الأمر كذا في حق صاحب الشرع لكونه علام الغيوب وفي حقنا لقامت الولادة الظاهرة مقام العلوق الباطن وجعلت علة للنسب فاشترط لها كمال الحجة كدعوى النسب ابتداء والأمر المبطن قبل ظهور كالعدم بالنسبة إلي كالخطاب النازل في حق من أسلم في دار الحرب إما مع أحدهما أسند إلى دليل ظاهر يثبت النسب شرعًا فالولادة علامة للنسب الثابت حاصل فتثبت بشهادة القابلة لتعيين الولد ثم لما جعلاها علامة مطلقة وأثناها بشهادة لقابلة

стр. 284

بشهادة القابلة ثبتا بها ما كان تبعًا لها استحسانا كالطلاق والعتاق المعلقين بها وكاستهلال الصبى حتى تثبت الإرث وإن لم يثبت شىء منها بشهادة امرأة ابتداء كما يثبت بشهادة القابلة أمومية الولد بعد ما قال إن كان يجارينى حمل فهو مني واللعان إذا نفى الزوج الولد والحد إذا كان النافي عبدا أو محدودا في قذف فإذا ثبت بها مثل الحد واللعان للتبعية فصل النزاع أولى قلنا قياسا الولادة المعلق بها شرط محضن فلا يثبت إلا بحجة كاملة كالمعلق وثبوتها بشهادة القابلة ليس مطلقا بل لضرورة عدم اطلاع الرجال عليها فلا يتعدى إلى ما تنفك الولادة عنه كالنسب وأمومية الولد واللعان عند النفي مع أنهما تتعلق بالفراش القائم والإقرار بحال الطلاق والعتاق والاستهلاك كشهادة المرأة على ثيابة الأمة المشتراه على أنهما بكر لا ترد بها بل يستحلف البائع بعد القبض رواية واحدة في الأصح وقالا أيضًا الاستهلاك علامة الحياة الخفية التي هي علة الإرث لا علتها ولا شرطها لتقدمها عليه فيقبل فيه شهادة القابلة كما في حق الصلاة على الموؤدة ويؤيده قبول علي ﵁ شهادتها عليه قلنا نعم لو لاقامته مقام الحياة كما مر في الولادة والخبر محمول على حق الصلاة لأنه من أمور الدين وخبر الواحد فيها حجة بخلاف الميراث. ومثال ما كان مظهرًا لصفة العلة الإحصان في الزنا وهو أمور سبعة أو أمران: الإِسلام والدخول بنكاح صحيح لمن هي مثله، والعقل والبلوغ لأهلية العقوبة والحرية شرط تكميلها فإنه مظهر لصفة الزنا التي هو بها علة وهي كونه بين مسلمين مستوفين للذة المتاع الحلال إذ هي الداعية إلى استحقاق مثل هذه العقوبة الفخيمة بعد أهليتها والإحصان ملزومها فيستدل به على ثبوتا فلأن العلم بوجوب الرجم يتوقف على العلم بالإحصان جعل شرطًا ولأنه معرف طبقه العلة وسابق عليها وعلى الحكم بالوسائط فضلا عن إضافة الحكم إليه ثبوتا عنده جعل علامة وهذا معنى قولهم إذا وجد الزنا لم يتوقف حكمه على إحصان يحدث بعده لا أن شرط الغير التعليقي يجب تأخيره عن صورة العلة وجهًا علم أن شروط الصلاة والنكاح ليست علامة وهذا الحفز والشق وغيرهما إذ ليس في شيء منها إزالة خفاء فهذا مطمح نظر الشيخين والقاضي أبي زيد فإن كلام المشايخ رموز ولا طعن علي الرمز والحمل على تسمية الشرط المتقدم علامة مطلقا في غاية البعد لو وجوب ظهور أثره إلي الأحكام وكون الاحصان شرطا في معنى العلة لوجود علة معارضة صالحة للإضافة كالزنا مع أنه عبارة عن خصال حميدة واجبة أو مندوبة فكيف يوجب العقوبة المحصنة ولكونه علامة لم يضمن شهود الإحصان إذا رجعوا بخلاف شهود

стр. 285

العلة والسرط الخالص فيما تقدم وعند زفر كشهود الزنا سواء لأن أصله أن للشرط حكم العلة لتعلق الحكم بهما نفع أن الأحضان بخصوصه ملحق بالزنا ولذا يقبل الشهادة عليه بدون الدعوى هنا لأعلى النكاح في سائر المواضع وصح الرجوع عن الإقرار به ووجب أن يسال القاضى الشهود عن ماهيته وكيفيته كالزنا في جميع ذلك. قلنا: إضافة الحكم إلى شهود الشرط فضلا عن العلامة مع صلاح العلة لها غير معقولة وشرط الحق وسببه من حقوق صاحبه فكما أن الحد حق الله تعالى صار الإحصان كذلك لجهة شرطيته فصح الرجوع عنه والسؤال للإجمال لوقوعه على معان ولذا أيضًا لم يشترط الذكورة في شهوده مع اشتراطها في شهود الزنا. وقال زفر: هو مكمل للعقوب فيعتبر موجب أصلها وقياسا على شهادة ذميين علي عبد مسلم زنى أو قذف بالزنا بأن مولاه الكافر أعتقه قبلهما وأنكره هو والمولى حيث لا يقبل في إقامة الحد مع أن شهادة الكافر على مثله مقبولة ولا شهادة على العبد بل له العتق والإحصان فحين لم يقبل هذه لا يقبل تلك فكان الإحصان في معنى العلة والمسألة مصورة في الأمة مطلقا وفي العبد على قولهما قلنا المكمل هو العلة أو صفتها لا أمارة صفتها وإلا أضيف الحكم إليها وخصوصه شهادة الكفار غير خصوصية شهادة النساء لأن الأولى في المشهود عليه فلا تقبل في المسلم والثانية في المشهود به فلا تقبل العقوبة وعلنها وشرط له حكم العلة فلا يلزم من رد الأولى فيما يتضرر المسلم تكثير محل الجناية لإثبات الحرية وإيجاب نفله من الجلد إلى الرجم والكافر لا يصلح لذلك رد الثانية فيما لا يضاف العقوبة إليه ثبوتا به أو عنده وإن لزم ضرر المسلم ضمنا والنساء تصلح للأضرار في الجملة. وأما العلامة فلغة الأمارة كالميل والمنارة وشرعا ما يعرف الحكم به من غير تعلق وجوب ووجود به (١)، وهي إما محض أي خالص شوب الباقية قال على وجود خفي سابق كالتكبير للانتقال وكرمضان في قوله أنت طالق قبل رمضان بشهر وأما ما فيه معنى الشرط كالاحصان كما مر، وإما بمعني العلة كالعلن الشرعية التي هي امارات وإما علامة مجازا كالعلة الحقيقية والشرط الحقيقى ومن فروع العلامة المحضنة لا هو علامة فموضعه هنا لاثمة كما ظن جعل رحمه الله تعالى العجز عن إقامة البينة على زنا المقذوف علامة معرفة لسقوط الشهادة سابقًا بالقذف فبطل شهادته من حين القذف لأن سقوطها أمر حكمي خفي جاز أن يحكم بسبق وجوده عند العجز بخلاف الجلد فإنه فعل حسى لا

стр. 286

يمكن الحكم بسبق وجوده على حين نفسه فضلا عن حسن العجز فيكون شرطًا له لا أمارة وذلك بناء على أن علة السقوط نفس القذف لأنه كبيرة وهتك العرض من الأصل عفته لمانع الدين والعقل فكان كسائر الكبائر في كونه سمة الفسق وكفايته في سقوط الشهادة بخلاف الجلد فدل هذا على أن العجز أمارة في حق السقوط شرط في حق الجلد وإن قلنا بتعليقها بالرمي والعجز معا قلنا الجزاء الثابت بالنص من الأمرين فعل كله مفوض إلى الإمام وهما الجلد ورد الشهادة لا سقوطها وقد اعترف أن العجز لا يصلح معرفا للفعل فيكون شرط له وبناؤه على أن القذف كبيرة فاسد لاحتمال أن يكون حسبه لم يمكن إثباته بالبينة ولم يكن مسموعا منهم لأنه إشاعة الفاحشة وبعد العجز يحتمل الحسبة وأصالة العفة لا تصلح علة لإيجاب العفة حتى تصلح علة لاستحقاق رد الشهادة كمجرد القذف وإلا لما قبلت بنية القاذف أصلًا لكن إطلاق الإقدام على دعوى الزنا لما كان بشرط الحسبة وذا بشهود حضور في البلد لا عن ضغينة وبشهود غيب وجب تأخيره إلى آخر المجلس أو ما يراه الإِمام كالمجلس الثاني في رواية عرابي يوسف رحمه الله تعالى ليتمكن من إحضارهم ثم لا يوخر الحكم الظاهر بالعجز لما يحتمل الوجود والأصح أن رعاية جهة الحسبة تقتض أن تقبل بنية القاذف بعد حده على الزنا فيحد له ويبطل رد شهادته قبل التقادم ويقتصر على الثاني بعده كشهادة رجل وامرأتين بسرقة يقبل في المال لا الحد وان قيل أيضًا بأنها لا يقبل بعد الإقامة لأنها حكم بكذب الشهود وكل شهادة حكم بكذبها لا يقبل أصلًا كما إذا رد شهادة الفاسق فأعاذها بعد التوبة. وأما المانع فلظهور معنى المنع لغة وشرعا لم يحتج إلى تعريفه بل قسم إلى مانع للسبب والمانع للحكم ومورد القسمة ما يوجب عدم الحكم أعني مانع الحكم مطلقا لا ما يمنعه بعد تحقق السبب ليتناول الأولين من الخمسة فالمانع للسبب ما يستلزم حكمه تخل تحكمه السبب كالدين في الزكاة فإن حكمه سببه وهو الغني مواساة الفقراء من فضل المال وحكمة الدين وهو وجوب تفريجِ الذمة عن المطالبتين تخل بها إذ لم يدع فضلا يواسي به ثم هو قسمان: ١ - ما يمنع انعقاده سببًا أي علة كانقطاع وتر الرامي أو انكسار فوق سهمه حسا وبيع الحر وبيع الحر شرعا فحكمه الحرية وهي القدرة الحكمية تخل بحكمة البيع وهي إباحة الابتذال بالتصرف. ٢ - ما يمنع تمامه كالحائط الحائل بين الرامي والمرمي وكون الملك للغير في البيع

стр. 287

الفضولي العقد أصله ولذا لزم بإجازته ولم يتم في حق المالك ولذا بطل بموته ولم يتوقف على إجازة الورثة وإن ثم في حق العاقد حتى لم يقدر على إبطاله فإن حكمه ملك الغير وهي نفاذ تصرفه تخل بحكمة البيع وهي نفاذ تصرف المشتري من غير رضاه والمانع للحكم ما يستلزم حكمة تقتضى نقيض الحكم كالأبوة في القصاص يستلزم حكمه هي كون الأب سببًا لوجوده الآن يقتض أن لا يصير الابن سببا لعدمه ثم هو على ثلاثة أقسام: ١ - ما يمنع ابتداء الحكم كالترس المانع للجرح وليس كالحائط لاتصاله بالمرمي دونه وخيار الشرط حتى لا يخرج بدل من له الخيار عن مليكه إذ حكمة الخيار وهي إمكان امتناعه تقتضي عدم خروجه وإنما جعل مانعا عن ابتدائه لا عن السبب ولا عن تمام الحكم أو لزومه لما عرف أن ضرورة الاحتزاز عن معنى القمار أوجبت نقله إلى الحكم فاندفعت بابتدائه. ٢ - ما يمنع تمامه كاندمال الجرح لأن تمامه بعدم المقاومة وقد قاوم بالاندمال وخيار الرؤية حتى يمكن الفسخ بلا قضاء ورضاء فحكمته وهي التيقن بالرضاء تقتضى تمكنه منه. ٣ - ما يمنع لزومه كصيرورة الجرح طبعا خامسا لم لمنع ابتداؤه وهو الجرح ولإتمامه لأنه بعدم المقاومة وذا بعدم الاندمال وقد حصل ومنع لزومه لأنه بالسراية فإن الرمي علة للمضي وهو للإصابة وهي للجراحة وهي لسيلان الدم وهو لزهوق الروح ولم يوجد وخيار العيب إذ لا يمنع تمامه فله أن يتصرف فيه كيف ما شاء ولا يرد وأو قبل القبض لا بقضاء أو رضاء ومنع لزومه لأن له أن يرد بأحدهما ولو بعض المبيع وبعد القبض فحمكته وهي الامتناع عن التضرر اقتضته والقاضى أبو زيد رحمه الله تعالى جعل أقسام الموانع أربعة بجعل خيار الرؤية والعيب مما يمنع لزوم الحكم لتمكن المشتري من الفسخ فيهما بعد ثبوت الملك في البدلين. تنبيهات: ١ - أن الشرط لما عرف أن عدمه مانع فأما مانع للسبب كالقدرة على التسلم عدمها ينافي حكمه البيع وهي إباحة الانتفاع أو مانع للحكم كالطهارة للصلاة ينافي عدمها حكمه الصلاة وهي تعظيم الباري تعالى. ٢ - الحكم وحكمته متلازمان فكذا منافاته مع منافاتها لأن تفيض الملزوم من الطرفين فلذا يعتبر المنافاة مرة بين الحكمين ونارة بين الحكمتين وأخرى بين القسمين المختلفين.

стр. 288

٣ - أن المانع للسبب بقسيمة ليس من تخصيص العلة في شيء فوجود متفق عليه في العلل المنصوصة والمستنبطة إما المانع للحكم فالمختار عدمه فيهما وفيه خمسة مذاهب أخرى سنفصلها إن شاء الله تعالى. القسم الثالث في المحكوم فيه وهو فعل المكلف وفيه مباحث: الأول: شرط المطلوب الإمكان فلا يجوز تكليف ما لا يطاق عند المحققين وهو مذهب الغزالي رحمه الله تعالى، والمعتزلة خلافا للشيخ الأشعري وجماعة فمنهم من جوز وقوعه أيضًا وتحريره أن المحال يطلق على ثلاثة: ١ - الممتنع بالذات كإعدام القديم وقلب الحقائق والحق أنه لا تكليف به اتفاقا. ٢ - الممتنع بالغير كالمفقود لازمه أو شرطه العقلي ويكلف به اتفاقا. ٣ - الممتنع العادي وهو ما لا يتعلق به القدرة الكاسبة للعبدة عادة وهو المبحث. وقيل: القسم الثاني أيضًا من محل النزاع وهو المناسب لأدلة الخصم وقبل الأول هو المناسب لأدلتنا وأجوبتنا. لنا: العقل والنقل: أما الأول: فلأن استدعاء حصول المستحيل لا يليق من الحكيم وإن جاز فليس مبنيًا على وجوب رعاية الأصلح على الله تعالى وامتناع إسناد ما هو قبيح في علمنا كما عند المعتزلة بل لأنه لا يناسب حكمته وهذا يمنع الوقوع فقط كذا ظن. وأقول: بل والجواز لأن الوجوب بمقتضى الحكمة والوعد والفضل لا يمنعه كما أن الإيجاب يتخلل الاختيار لا يمنعه. وقيل: ولا يجوز مطلقًا لتوقفه على تصور حصوله مثبتًا في الخارج فإذا انتفى والفرق بينهما تجويز الحسن والقبيح العقلين في الجملة عندنا وإن لم يكن موجبًا فإنه إما مدرك أو عاجز لا مناف مقنض لنقيض حكم الله تعالى لأن العقل من حججه التي لا تتناقض والممتنع في المستحيل ليس مطلق تصوره بل تصوره مثبتًا ولا مطلقًا بل في الخارج لأنه المستحيل إذ هو تصور الأمر على خلاف حقيقة كأربعة ليست بزوج. وأما النقل فقوله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦) ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية ٧٨) ونحوهما وكل ما أخبر الله تعالى بعدم وقوعه يستحيل وقوعه وإلا أمكن كذبه وإمكان المحال محال فهذ إليس دليلًا على عدم الوقوع فقط كما ظن، نعم كل دليل على عدم الجواز دليل عليه كما أن دليل الوقوع دليل الجواز قالوا في الجواز فقط أفعاله غير معللة بالأغراض حتى يمتنع عند عدمها

стр. 289

قلنا معللة بالمصالح كمنافع العباد لاقتضاء حكمته وليس ذا غرضا ولهم في الوقوع وجوه: ١ - تكليف العصاة كإيمان أبي جهل وقد علم الله كذلك وخلاف معلومه ملزوم جهله المحال. ٢ - أنه أخبر بعدم وقوعه في قوله تعالى ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: من الآية ٦) وخلافه ملزوم كذبه المحال. ٣ - تكليف من علم بموته قبل التمكن الحقيقي كمن مات وسط وقت الموسع وكذا من نسخ عنه قبل التمكن في الجملة كما قبل الموت فإن الامتثال يمتنع منهما. ٤ - أن الاستطاعة تقارن الفعل والتكليف الذي هو طلبه قبله فلا قدرة حال التكليف. ٥ - أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى فهم مجبرون عليها بلا قدرة ولذهاب الشيخ إلى هذين الأصلين نسب تكليف المحال إليه وإلا فهو لم يصرح به والنسبة بهما إلى هذا العظيم ضعيفة إذ لا تقتضينها فإن مناط التكليف الإمكان بمعنى صحة تعلق قدرته الكاسبة بإيقاعه عادة وهي بالقدرة المفسرة بصحة الآلات والأسباب إجماعًا لا الاستطاعة الحقيقية وإلا لكان كل تكليف تكليفًا بالمح لأن الفعل معها واجب فطلبه طلب إيجاد الموجود وهو تكليف محال لأن الطلب يقتض مطلوبًا غير حاصل لأنه تكليف بالمح كما ظن وبدونها ممتنع والتعميم باطل إجماعًا لأن من جوزه لم يعمم ولزم أن لا يعصى أحد لأنه إذا لم يأت بالمأمور لم يكلف به حاصل وبذا يندفع أيضًا أن الفعل بدون علته التامة ممتنع ومعها واجب فلا تكليف إلا بالمحال ولأن قوله بأن الأفعال مخلوقة لله تعالى مبنى على أن ترجيح الاختيار من جانبه لا كما قال الجهمية من أن أفعال الحيوانات كحركات الجمادات فيكون امتناع أحد الطرفين بالغير ونحن مساعدون على التكليف بمثله والجواب عن باقي الأدلة أن الأول منقوض بما اتفقوا على إمكانه لاقتضائه أن لا يكون مكلف به ممكنًا لتعلق علم الله بأحد طرفي كل ممكن ومناقض كالثاني بأن علمه تعالى وإخباره مرادا بهما تعلقهما بفعل العبد اختياريًا وبعدمه مع اختياره في الإيقاع مسلم ولا ينافي قدرته بل يحققها واجبًا ممنوع لأنهما تابعان المعلوم والمخبرية بمعنى أنهما حاكيان لهما ولكيفيتهما ولذا يحققان الاختيار لا بمعنى وقوعهما بعدهما حتى ينافيه القدم ويصح الحكاية لأن الكل مشهود له كالمحسوس. لنا: كيف ولو لم يتبعهما لزم الجبر وقد مر نفيه ولئن سلم فالممتنع بالغير ليس محل النزاع وإلا لزم تعميم الامتناع والثالث يندفع بما مر أن الشرط الامكان

стр. 290

بالنسبة إلى مرضحة كسب المكلف ولهم سادس منه يفهم تجويزهم التكليف الممتنع لذاته وهو أبا جهل مكلف بالإيمان أي بتصديق جميع ما جاء به الرسول فيكون مكلفًا بالتصديق في عدم التصديق بشيء لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: من الآية ٦) وهو محال لأنه ملزوم الجمع بين النقيضين وهما التصديق في الجملة وعدمه أصلًا ولأن ذلك التصديق ملزوم لعدم التصديق أصلًا وهذا معنى أن التصديق يستلزم التكذيب في عدم التصديق أصلًا لأن وقوعه يقتضي كذب الخبر وإلا كان الوجه الثاني وإنما استلزم التكذيب لأنه إذا صدق فقد علم بتصديقه وجزم بكذب الخبر بعدم التصديق أصلًا والجزم بالكذب تكذيب والجواب أن الإيمان في حق كل مكلف التصديق في الجميع إجمالا وفي كل معلوم له تفصيلًا وذلك ممكن في نفسه متصور وقوعه من أبي جهل لجواز أن لا يكون مجيء الأخبار بعدم التصديق معلومًا له على التفصيل وعلم الله تعالى وإخباره للرسول لا ينافي ذلك كما مر فهو كقوله تعالى لنوح ﵇ ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (هود: من الآية ٣٦) ولئن كان معلومًا لا يخرج أيضًا عن الإمكان بل كان من قبيل ما علم المكلف امتناعه منه بالغير ومثله جائز غير واقع لانتفاء فائدة التكليف وهي الابتلاء بالعزم على الفعل أو الترك ولا عزم لأنه الجزم بعد التردد ولقائل أن يقول إن الإيمان أن كان التصديق في الجملة لم يلزم من التكليف بالإيمان التصديق بكل وبهذا النص وإن كان التصديق بكل كان نفيه في لا يؤمنون رفع الإيجاب الكلي لا السلب الكلي فلا ينافيه التصديق بشيء وهو هذا النص فليس هذا الدليل هائلًا كما ظن. تتمة في تقسيم القدرة وأحكام قسمتها القدرة التي هي شرط سابق للتكليف وهي سلامة الآلات والأسباب كما مر مفسرة ما يتمكن به العبد من أداء ما لزمه من غير حرج غالبًا قيد به ليخرج الحج بلا زاد وراحلة فإنه نادر وبلا راحلة فقط كثير أما بهما فغالب كالجذام والمرض والصحة وهي شرط لوجوب الأداء لا لنفس الأداء لوجوب تقدم الشرط. أما القدرة الحقيقية فعلة تامة لا شرط ولذا يقارنه ولا لنفس الوجوب بل شرطه السبب والأهلية لأن المقصود الأداء فلما أمكن انفكاك وجوبه عن نفس الوجوب لم يكن إلى اشتراطها له حاجة ولأنه جبري ولذا يتحقق في النائم والمغمي عليه إذا لم يؤد إلى الحرج ولا قدرة لا يقال نفس الوجوب لا ينفك عن التكليف المستلزم للقدرة فكيف

стр. 291

ينفك عن لازمه لأنا نقول معنى اشتراط التكليف بها أن الله تعالى لا يأمر إلا بما يستطعه عند إرادة أحداثه فهذه القدرة لا تلزم التكليف مطلقا بل حالتئذ ولئن سلم فعدم انفكاك نفس الوجوب عن القدرة لا يقتض اشتراطها فيه فلا يشترط للقضاء حتى إذا قدر في الوقت ثم زالت بعد خروجه بحث القضاء إما إذا فات بتقصيره فلأن القضاء مرتب على نفس الوجوب ولأن بقاءهما لا يشترط لبقاء الواجب كالشهود في النكاح ولذا يجب تدارك الفوائت في النفس الأخير بالإيصاء وينفى إثمها بعد الموت وليس تكليفًا بما لا يطاق لأنه ليس تكليفًا ابتدائيًا بل بقاؤه وهو أسهل إلا عند من أوجب القضاء بسبب جديد فيجعله تكليفًا ابتدائيًا فلا بد أن يشترطها وهذه ثمرة ذلك الخلاف قيل وفي تفريغ وجوب التدارك في النفس الأخير وبقاء الإثم على عدم اشتراط بقائها لبقاء الواجب ليشترط في القضاء بحث لأن اللازم من اشتراطه عدم بقاء الفعل ولم يبق بعد الموت لا بقاء الإثم ولذا يبقى فيما ثبت بالميسرة كماذا فرط في أداء الزكاة بعد التمكن فهلك يبقى الإثم ولأنه كما يشترط عند كون المطلوب نفس الأداء حقيقتها وعند كونه خلفه توهمها فليشترط في القضاء كذلك فليكلف توهم القدرة في النفس الأخير بناء على توهم الامتداد ليظهر في المؤاخذة. وأقول عن الأول: بقاء الإثم أثر بقاء الوجوب وإن لم يبق القدرة والاستدلال بالأثر على المؤثر طريق صحيح ولا نعلم عدم بقاء الفعل في حق الإثم ولذا وجب الايصاء والباقي في الميسرة إثم التقصير لا إثم الوجوب ولذا لا إثم عند عدم التقصير كما في المنقطع عن ماله. وعن الثاني: أن حكمنا بكفاية توهم القدرة عند طلب الخلف لايجابه مقام الأصل وبإقامة صحة أسباب الخلف مقام صحة أسباب الأصل للاحتياط في الامتثال بقدر الامكان والإثم في الآخرة لا يتعلق به لا الطلب ولا الإيجاب ولا رعاية صحة الأسباب. تقسيمها: أنها نوعان مطلق وتسمى الممكنة وهي أدني ذلك فهي الأصل الذي شرط لوجوب أداء كل واجب بدنيا كان أو ماليًا وحسنًا لنفسه أو لغيره من غير اشتراط بقائه لبقاء الواجب ولذا لم يسقط الفطر بهلاك المال بعد وجوبهما وذلك عدل وحكمة من الله تعالى في التقويم ومنه في أصول فخر الإِسلام وليس ميلًا إلى جواز التكليف بدونها بل التوفيق أن اشتراطها عدل وإعطاءها فضل. فروع: ١ - من يعجز عن الوضوء كالمفلوج وليس له معين وقيل: إعانة الحر والمرأة كعدمها

стр. 292

وفي العبد روايتان أحديهما لأنه كيده أو يتضرر بزيادة مرضه أو ينقص ماله فاحشًا كضعف القيمة أو عدم دخوله تحت التقويم يتمم. ٢ - يعتبر حال المصلي عند أدائها قائمًا أو قاعدًا أو موميا ولاعتبار حاله عند الأداء لم يتعين أحد الحالات عند فواته في حق القضاء فاعتبر حال القضاء قائمًا أو قاعدًا أو موميًا وحكم بالخروج عن العهدة اعتبارًا لحكايته في مطلق القدرة لا في القدرة المكيفة لا لأن القدرة بشرط للقضاء أيضًا فلا إشكال. ٣ - أعتبر الزاد والراحلة في الحج من الممكنة لأن غالب التمكن بهما فبدون الزاد بادر وبدون الراحلة كثير لا غالب وإنما لم يعتبر توهم القدرة بالمشي فيه مع صحة النذر به بخلاف الصلاة لأنه فيه مفض إلى التلف ولا خلف له ينفي بما أشرفه الحرج وفيها مفيد ليظهر أثره في خلفه ولذا لم يعتبر في الزاد والراحلة الإباحة مثل القدرة المالية بخلاف الوضوء لأن صفة العبادة فيه غير مقصودة والمقصود الطهارة كيفما حصلت. ٤ - يسقط الزكاة بهلاك النصاب بعد الحول قبل التمكن من الأداء إجماعا كالمنقطع عن ماله ومن لم يجد المصرف إما سقوطه بعد التمكن فبناء على التيسير. ٥ - يلزم الأداء على من صار أهلًا للصلاة في آخر جزء الوقت كمن أسلم أو بلغ حث لم يبق من الوقت إلا ما يسع فيه كلمة الله عندهما وعند أبي يوسف الله أكبر أو طهرت لتمام العشرة وقد بقي ما يسع التحريمة أو قبله ببقاء وقت يسع الغسل والتحريمة حتى يقوم لزوم حكم من أحكام الطاهرة مقام الطاهرة وعند زفر رحمه الله تعالى أن أدرك وقتًا صالحًا للأداء وإلا فلا إذ لا قدرة بالعنين جميعًا واحتمال امتداد الوقت كما كان لسليمان ﵇ لا يكفى لصحة التكليف لبعده وقدرته بل هو أبعد من الحج بدون الزاد والراحلة والصوم للشيخ الفاني والقدرة على الأركان للمدنف والمقعد وعلى الإبصار للأعمى. قلنا: أولًا اعتبار توهم القدرة ليس فيما يكون المطلوب أداؤه كما في تلك المسائل بل ليثبت وجوب الأداء ثم العجز عنه يخلفه خلفه كالوضوء التيمم وكمن حلف على مس السماء أو تحويل الحجر ذهبًا بخلاف الغموس فإن الزمان إن أعاده الله تعالى لم يبق ماضيًا. وثانيًا: اشتراط القدرة لوجوب الأداء فلئن سلم عدمها فالقضاء ليس مبنيًا عليه بل على نفس الوجوب كما في صوم المريض المسافر بل النائم والمغمي عليه.

стр. 293

وثالثا: القدرة المشروطة سلامة الأسباب وهي حاصلة في حق الأداء وفي الأخيرين بحث ففي الثاني أن وجوب القضاء للتكليف فلو بني على مجرد نفس الوجوب وليس القدرة شرطًا له لوقع التكليف بدون شرطه وإن وجوب الأداء أن تراخى عن نحو صوم المغمى عليه لكان الواقع بعد الوقت فيها أداء والإجماع على خلافه وكيف يقال بأن الخطاب المقيد بوقت يطلب به الأداء بعده وها هنا يظهر سر قول من قال بتلازم الوجوبين في حقوق الله تعالى بخلاف حقوق العباد فإن المؤدي بعد الأجل ليس قضاء. وفيه بحث: إذ لا يلزم من عدم صحة تراخي وجوب الأداء إلى ما بعد الوقت عدم صحته أصلًا لجواز تراتخيه إلى تضيق الوقت كما مر مع سائر أمثلته وفي الثالث أن الوقت الصالح من جملة أسباب الأداء فلا نعلم سلامتها وكان الحق أن وجوب الأداء لا يتوقف بعد نفس الوجوب حين يتضيق الوقت إلا على توهم فهم الخطاب باعتبار إمكان الانتباه ليترتب عليه وجوب القضاء لا على فهمه بالفعل وذلك يتحقق في نحو المريض والمغمي عليه كالناسي وفي مسألتنا غير متحقق إلا في الجزء الأخير لعدم الأهلية قبله وإن المعتبر في حق القضاء سلامة له بأنه لأسباب الأداء فالجواب هو الأول. النوع الثاني الكامل ويسمى الميسرة لتحصيلها اليسر بعد الإمكان فهي زائدة على الشرط المحض اشترطت لوجوب بعض الواجبات كرامة من الله تعالى لتصيره سهلًا، مع جوازه بدونها ولذا اشترطت في أكثر الواجبات المالية لكون أدائها أشق على النفس عند العامة ولتوقف وجوبه على تغيرها صفته صارت بمعنى علة لا يمكن بقاء المعلول بدونها إذ لولاها لم يبق اليسر وانقلب عسرًا فلا يبقى الوجوب بخلاف الرمل في الحج والشروط كالشهود في النكاح. فروع: ١ - يسقط الزكاة بهلاك النصاب بعد التمكن من الأداء عندنا خلافًا للشافعي (١) له أن الواجب بعد التقرر لا يسقط بالعجز كما في حقوق العباد وصدقة الفطر والحج، قلنا وجوب الزكاة بقدرة ميسرة ولذا خصصه بنصاب فاضل نام حقيقة أو تقديرًا وبربع العشر من نمائه مع بقاء أصله فلو قلنا ببقائها بعد هلاكه انقلب غرامة على أصله ولا يضر منعه

стр. 294

بل استهلاكه كمنع المولى العبد الجاني عن الدفع أو المديون عن البيع أو المشتري الدار المشفوعة عن الشفع حتى هلكت لا يضمن بخلاف منع الوديعة والرهن إذ لا بد غصب هنا بإبطال حق المالك كما في منع الوديعة أو اليد المتقومة كما في منع الرهن أما المستهلك فمتعد على الفقير لتعين حقه فيه ولذا يبرأ بهبة ذلك النصاب منه دون مال آخر وبهلاكه قبل التمكن فيعد باقيًا تقديرًا زجرًا على تعديه وردًا لما قصده من ابطال حق الفقير نظرًا له كما عد أصله ناميًا تقديرًا وإلا لأدى إلى عدم الزكاة أصلًا كالمستهلك عبده الجاني والصائم إذا سافر بخلافه إذا مرض وشرط انتصاب ليس للتيسير نظرًا إلي أن المكنة يثبت بدونه لأن نسبة ربع العشر إلى كل المقادير على السوية أو في الأقل أيسر بل هو شرط الأهلية كالعقل والبلوغ أو شرط وجوب الأداء لأن حسن الإغناء لا يتحقق غالبًا إلا بالغنى الشرعي كما أن أصله لا يتحقق من غير الغني كالتمليك من غير المالك وإلا لم يكن لدفع الحاجة بل لإحواج المؤدي وليس لكثرة حد معين فقدرة الشرع بملك النصاب والإيثار ممدوح لكنه نادر والغالب عدم الصبر عليه فالمراد بقوله ﵇ "أفضل الصدقة جهد المقل" (١) تفضيل الموبد من عند الله بالصبر على الحاجة وايثار مراد العبر ولو كان به خصاصة وبقوله خير الصدقة ما يكون عن ظهر غنى تفضله لمن لا بصير على ذلك وقبل مراده غنى القلب حتى لا يتبعه بالمن والاستكثار فلا تمسك قائما لم يشترط بقاء النصاب لبقاء الواجب بل يبقى الباقي بعد هلاك بعضه يقسطه إما سقوطه بعد هلاك كله فلفوت اليسر يفوت النماء لا لعدمه. ٢ - إذا اعتبر المؤشر بعد الحنث يكفر بالصوم لأن وجوب الكفارات بالميسر إذا للأيسر وإذ لم يعتبر للانتقال إلى الصوم أو الإطعام عدم القدرة في العمر وإلا لبطل أداؤهما إذ لا يتحقق العجز إلا في آخه كما في إن لم آت البصرة أو لم أتكلم، إما تخيير صدقة الفطر فصوري لا معنوي لتساويها معنى ومثله يراد لتأكيد الواجب لا للتيسير غير إن مال التكفير غير معين فأي مال إصابة بعد الحنث دامت به القدرة ولذا ساوى الهلاك الاستهلاك فيها إذ لم يكن اعتبار التعدي في غير المعين فصارت القدرة فيها كالاستطاعة في كونها معتبرة حال التكفير وحكمها كالزكاة في أن المال مع الدين كعدمه في الأصح ولذا يحل له الصدقة كماء المسافر المعد للعطش وفي آخر لا يجزيه التكفير بالصوم بخلاف الزكاة والفرق اشتراط كمال الغنى فيها للأمر بالاغناء كصدقة الفطر شكرًا

стр. 295

والكريم لا يوجب الشكر إلا لنعمة كاملة إذ القاصر له حكم العدم من وجه ولذا لا يتأدى إلا بتمليك عين متقومة لا بالإباحة ولا بتمليك المنافع والدين يسقط الكمال ولا يعدم الأصل والكفارات لم تشرع للإغناء بل إما سافرة لترقيع تمزيق لباس التقوى وذلك بالثواب الحاصل من معنى العبادة أو زاجرة لما فيها من معنى العقوبة ولذا تأدى بالتحرير والصوم والإباحة فالمعتبر فيها أدني ما يصلح لكسب ثواب تقابل به موجب اجداية لقوله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود: من الآية ١١٤) ولمعنى الإغناء في صدقة الفطر أيضًا لا يجب مع الدين وإلا فوجوبها لا بالميسرة فإنها تجب برأس الحر ولا غنى به وبالغنى بثياب البذلة والمعنى وبالحملة بنصاب ليس بتام ولو تقديرًا ولا يسر به وإنما لم يعتبر دين العبد الذي يؤدي عنه حيث وجبت لاحتمال الغنى بمال آخر والمعتبر فيها مطلق الغنى بأي مال كان بخلاف زكاة عبد التجارة فإن شرطها كمال الغنى يعين ذلك المال ولذا يسقط بهلاكه وإن كان له مال آخر. ٣ - يسقط العشر بهلاك الخارج لوجوبه بالميسرة فإن قدرة آدائه تستغنى عن بقاء تسعة الأعشار ولم يجب إلا بأرض تامة بعين الخارج وكذا الخراج تسقط إذا اصطلم الزرع آفة فامتنع استغلال السنة لوجوبه بالميسرة ولذا إذا قل الخارج خط الخراج إلى نصفه فإن التنصيف عين التنصيف ويجب بأرض نامية لا سبخة ونحوها غير أن النماء التقديري بالتمكن من الزراعة كاف فيه لكون الواجب غير جنس الخارج وغير جزء منه مضاف إليه كالعشر فلا تحمل تقصيره عذرا في إبطال حق الغزاة، واعترض بعض الأفاضل على قولهم بقاء الميسرة شرط اتقاء الواجب وإلا انقلب اليسر عسرا بأن الكرامة تيسر لا يقتضيها تيسير آخر كالنصاب النامي وبقائه وإلا لأدى إلى إبطال الزكاة حتى لو هلك النصاب بعد خمسين سنة لسقطت زكاة الكل وبأن اليسر الحاصل بالحولان لا ينقلب عسرا بل غايته أن لا يترتب عليه يسر آخر، وجوابه أن المقصود وطول مكث الملك عند المالك ليس تعديا كما مر من أمثلته فما لم يؤد لا يحصل يسر واحد هو المقصود وهو الفائت بالهلاك ومعنى الانقلاب تحول الأداء من اليسر إلى العسر كانقلاب الوجود عدمًا ومن العجب عد البقاء يسرًا فلو صح ذلك لكان الحولان على أي مال كان نماء وليس كذلك والله الميسر لكل عسير، الثاني: حصول الشرط العقلي للمكلف به إن لم يمكن تحصيله للمكلف شرط للتكليف فينتفي التكليف بانتفائه وإن أمكن ليس شرطًا واللغوي سبب غالبًا إما الشرط الشرعي فحصوله ليس بشرط عند أكثر الشافعية

стр. 296

والعراقين من أصحابنا وشرط عند مشايخ ما وراء النهر كأبي زيد والسرخسي وفخر الإِسلام ومتابعيه وعند أبي حامد الاسفراييني والمسألة ليست على عمومها إذ لا خلاف في أن مثل الجنب والمحدث مأمور بالصلاة بل منزلة في جزئى منها وهو أن الكفار مخاطبون بالشرائع أي بفروع العبادات عملًا عند الأولين وليس كذا عند الآخرين وقال قوم من الآخرين مكلفون بالنواهي لأنهم أليق بالعقوبات الزاجرة دون الأوامر والأول هو الصحيح من أصحابنا وأصحاب الشافعي (١) ولا خلاف في إنهم مخاطبون بأمر الأيمان لأنه مبعوث إلى الكافة وبالمعاملات لأنهم أليق بمصالح الدنيا حيث آثروها على العقبى وبالفروع في المؤاخذة الأخروية بترك الاعتقاد وفي عدم جواز الأداء حال الكفر وفي عدم وجوب القضاء بعد الإِسلام وإنما الثمرة زيادة العقوبة بتركها عليها بترك الاعتقاد لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ (الفرقان: من الآية ٦٨ - ٦٩) الآية وما قبل من فرض المسألة الكلية في الجزئية لا بد أن ديدن مألوف تسهيلا للمناظرة كما يقرض أن وجود الممكن زائد على ماهيته في وجود المثبت فلا يردان القاعدة لا تثبت بمثال جزئى لأنه لغرض يسهل مع اتحاد المأخذ ولا سيما فيما نصح فيه التمسك بعدم القائل بالفصل مشعر كليتها باقية على الخلاف وليس كذلك بالإجماع ومنه يعلم عدم إفادة تمسك الأولين بأنه لو كان شرطًا لم يجب صلاة على محدث وجب ولا هي ولا الله أكبر قبل النية ولا اللام قبل الهمزة مع وجوبها بكل جزء وجزء جزء بل الأوجه تمسكهم بوجوه: ١ - عموم النصوص الموجبة للأعمال والعقاب على تركها مع أن الكفر لا يصح مانعًا لإمكان إزالته إذ النسبة كالحدث ولا داعيًا إلى التخفيف ويتحقق المقتضى وانتفاء المانع يتم الأمر. ٢ - الآيات الموعدة بتركها نحو قوله تعالى عن الكفار ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (المدثر:٤٢ - ٤٣) لا يقال قولهم ليس بحجة بلو أن كذبهم لأنهم لو كذبوا لكذبوا فإن قيل غير واجب كم إلي نحو قوله تعالى ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ (النحل: من الآية ٢٨) قلنا: يستبد العقل بدرك كذبهم ثمه دونه هنا وللاجماع على أن

стр. 297

المراد تصديقهم فيما قالوا وتحذير غيرهم لأن العذاب بمجرد التكذيب بيوم الدين لأنه سبب مستقل فلا يحال على غيره إذ لا توارد لأن العذاب لو لم يترتب على الكل للغي سائر القيود وكلام الله منزه عنه ولا توارد لأن المرتب عليها زيادة لا يفسد إذا لتوارد جائز في العلل الشرعية لكونها إمارات لأن المصلين بمعنى المؤمنين كما في قوله ﵇ "نهيت عن قتل المصلين" (١) كيف ومنهم من يصلى ويتصدق ويومن بالغيب لأن الأصل الحقيقة ولأن قوله تعالى ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ يلغو حينئذ ولا تماثل بين الصلاتين فكيف يتناولهما لفظ مع أنه يعم العموم المتيقن لخروجه جوابًا عن المجرمين وكقوله تعالى ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (فصلت: من الآية ٦ - ٧) على ما علم من مقتضي ترتيب الحكمَ على المشتق وعلى المقيد وحملهما على نفى الاعتقاد لوجوب الصلاة والزكاة كما قاله الزجاج أو القول بأن معنى لا يؤتون الزكاة لا يز كون أنفسهم بالإيمان كما قاله الحسن خلاف الظاهر ولتخصيهم من العمومات لا يصار إليهما إلا لدليل صحيح. ٣ - أن الكفار مكلفون بالنواهي لوجوب حد الزنا عليهم فكذا بالأوامر بجامع حصول مصلحة التكليف ورد تارة يمنع إنهم مكلفون بالنواهي ووجوب حد الزنا لالتزامهم الأحكام لا لحرمته ولذا لا يحد الحربي مطلقًا ولا إلزامي بذميته إلا عند الترافع ولا رحم مع الكفر ويجوز أن يحد أحد على المباح عنده كإقامة الشافعي على الحنفي الشاري للتقيد وأخرى بالفرق بأن اجتناب الكافر عن المناهي ممكن الامتثال بالواجبات لأنها عبادة وذلك لأن النية لا تعتبر مع الترك كإزالة الخبث وبه يتحقق دليل المذهب الثالث. والجواب عن الأول: أن عموم الخطابات يقتض اندراجهم تحت القسمين وإذا خص الواجبات لعدم أهليتهم للعبادة بخلاف العقوبة بقي المناهي على الأصل وعدم حد الحربي لتقسيماته ووجوب الترافع للثبوت وذلك لأن جواز العقوبة على المباح عند الفاعل غير مسلم. وعن الثاني: بأن الانتهاء على قصد إلامتثال بدون النية بل وبدون الأيمان متعذر والممكن صورته ولا عبرتهما مع إنها مشتركة بين القسمين وإلا أنيط بها الثواب،

стр. 298

وليس أهلًا له بخلاف الترك الحسي من نحو إزالة الخبث، وللطائفة الثانية أن المترتب على كل من الفعل والكف أولا وبالذات هو الثواب والكافر ليس أهلًا له والشيء يفوت بفوات مقصوده وإذا انتفى العقاب بمخالفتهما المترتب ثانيًا وبالعرض وهذا إسقاط لهم عنه غير الخطاب وتغليظ بأخراجهم عن الأهلية لا تخيف كان لا يأمر الطيب العليل بشرب الدواء وهذا هو المقتض للعدول عن الظاهر بالوجهين السابقين فإن الجمع بين الأدلة أولى بقدر الإمكان على أنه مؤيد بقوله ﵇ "فإن أجابوك فأعلمهم بأن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات (١) " الحديث فإن المعلق بالشرط عدم قبل وجوده وأقول في الجواب أن اندراجهم تحت الخطابات من حيث الثواب بالموافقة وإن امتنع فلم يمتنع من حيث العقاب بالمخالفة والكلام فيه فوجب العمل بالعموم والحقيقة في ذلك المقدار ولذا عوقبوا بترك اعتقاد الفروع اتفاقًا مع أن الأمر به لنيل الثواب وحديث الإسقاط عن غير الخطاب منقوض بخطاب الإيمان الذي هو أصل السعادات فكيف بتوابعه وبخطاب المعاملات كيف والنص مملوء بخطابهم والمعلق بالشرط في الحديث هو الأمر بالاعلام لنس الفرضية إما الاستدلال بأنهم لو كلفوا لصحت لأن الصحة موافقة الأمر أو لأمكن الامتثال لأن الإمكان شرطه حالة الكفر لا يمكن منه وبعده أي حاله الموت لا يمكن أيضًا لسقوط الخطاب أو لوجب القضاء ولا يجب فاسدًا ما الأول فلأن حالة الكفر ليست قيد للفعل في مرادهم بل للتكليف به مسبوقًا بالإدمان كالجنب والمحدث قبل أساس العبادات لا يثبت تبعًا لوجوب الفروع فإن قوله لعبده تزوج أربعًا لا يثبت الحرية قلنا مع أنه مما يحتاط في إثباته ويجتهد في إعلائه بخلاف المستشهد بها لا نثبته في صمته بل بأوامر المستقلة فيه واشتراطه لا لإثباته بل لترتيب العقاب الملايم لعدمه وإما الثاني فلإمكانه حالة الكفر يسبق الإيمان لا يقال هو كافر حينئذ فلو كان ممكنا اجتمع المتنافيان لأن نفيه ضرورة بشرط المحمول فلا يتنافي الامكان الذاتي وإما الثالث فلجواز سقوط القضاء في حقهم لقوله تعالى ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال: من الآية ٣٨) وإما أن القضاء بأمر جديد إن سلم فلا يجدي لأن القائلين بمخاطبتهم بالفروع لا يفضلون بين أمر الأداء والقضاء قال شمس الأئمة لا نص من علمائنا ينافي هذه المسألة بل استدلوا على الخلاف بين الشافعي وبين علماء ما وراء النهر من أصحابنا بهذه

стр. 299

المسائل: ١ - أسلم المرتد لا يلزمه قضاء صلاة الردة خلافًا له. ٢ - صلى في أول الوقت فارتد فأسلم والوقت باق الأداء خلافًا له. ٣ - أن الشرائع ليست من الإيمان عندنا خلافًا له والكل ضعيف وأن سقوط القضاء بقوله تعالى ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ (الأنفال: من الآية ٣٨) الآية وبطلان المؤدي بقوله ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (المائدة: من الآية ٥) والشافعي ﵀ شرط في الإحباط الموت على الكفر حملًا للمطلق على المقيد في قوله تعالى ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ البقرة: من الآية ٢١٧) وأنهم مخاطبون بالعقوبات والمعاملات مع أنها ليست من الإيمان إجماعًا فلا يكون تفريعنا منتظمًا ثم قال فالاستدلال الصحيح على أن الردة تبطلِ وجوب الأداء أن من نذر بصوم شهر ثم ارتد ثم أسلم لا يجب عليه وقوله تعالى ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ (الأنفال: من الآية ٣٨) في حق السيئات ونذر الصوم من الحسنات قبل النذر من الأعمال ولذا يترتب عليه الثواب والعقاب فبطلانه بقوله ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (المائدة: من الآية ٥) قلنا احاط الردة النذر من حيث إنه عمل مقرر لمنافاتها العمل فكيف يتوجه الخطاب به معها، توضيحه أن الآية لما دلت على إنهم غير مخاطبين بقوله تعالى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (الحج: من الآية ٢٩) دلت على عدم الخطاب بسائر الشرائع إذ لا قائل بالفصل وبذلك يجاب عن انه لا يلزم من عدم الخطاب بالردة عدمه بالكفر الأصلي والجواب منع أن دلالة الآية على عدم المخاطبة بإيجاب النذر بل على المخاطبة بإحباطه، الثالث: كل مكلف به فعل ففي النهي كف النفس خلافًا لأبي هاشم وكثير، لنا: أن القدرة مع الفعل لأنها عرض لا تبقي زمانين فلو تقدمت لعدمت عنده فهي مفسرة بالحالة التي يكون الفاعل عليها عنده فلا يكون عدم الفعل مقدورًا أو على هذا لا يردان استمرار العدم يصلح أثرًا وأنه يكفى في كونه أثرًا أن الفاعل لم يشاء فعله فلم يفعل ووجوب أن يفعل شيئًا مصادرة فلا حاجة إلى الجواب عن الثاني بأن عدم المشبه متحقق في الموجب بالذات مع أن عدم الفعل ليس أثرًا للقدرة فيه اتفاقًا مع أنه غير تام لأن المراد عدم المشبه عمن من شأنه. للمخالف أن القدرة سابقة وتعلق الحادث بها لأنها كالباقي المستمر الوجود فهي مفسرة بمبدأ الآثار المختلفة أو بصفة تؤثر وفق الإرادة فنسبتها إلى الطرفين على التسوية فالعدم مقدور وعندي أن مذهبنا مبني على أن المكلف به في النهي لو لم يكن كف النفس عند الباعث بل عدم الفعل لكان مكلف مثابًا كل لمحة بعدم المناهي اللامتناهي وهو خلاف

стр. 300

الإجماع وذلك لأن منا من قال ببقاء بعض الأعراض، الرابع أن التكليف بالفعل ويعني به أثر القدرة التي هي الأكوان لا التأثير الذي هو أحد الأعراض النسبية ثابت قبل حدوثه اتفاقًا في الأصح وينقطع بعده إلا عند البهشمية وهو واضح وأورد لو انقطح انعدم الطلب القائم بذات الله تعالى وصفاته أبدية وورد بأن كلامه واحد والتعدد في العوارض الحادثة من التعلق ككونه أمرًا أو نهيًا وانتفاؤها لا يوبا انتفاء وباق حال حدوثه عند الأشعري خلافًا للمعتزلة والإمام وليس نزاع الشيخ أن تعلق التكليف بالفعل لنفسه إذ لا انقطاع له أصلًا ولا أن تنجيز التكليفى باق لأن التكليف بإيجاد الموجود محال لأنه طلب يستدعي مطلوبًا غير حاصل لأنه تكليف بالمحال كما ظن وليس أيضًا لا تنجيز التكليف إلا حال الحدوث كما نقض المتأخرون بأنه المذهب للشيخ لما ذكر ولانتفاء فائدة التكليف وإن كانت لابتدائه وهو الابتلاء لأنه عند التردد في الفعل والترك وليس هذا النزاع أيضًا مبنيًا على أن القدرة مع الفعل عنده لا عندهم كما زعم والألم يثبت التكليف قبله عنده وهذا لا يرتضيه عاقل للإجماع على أن القاعد مكلف بالقيام إلى الصلاة ولأنه طلب وإن فائدته عند التردد وأن لا معصية حاصلة وليس من لوازم كون القدرة الحقيقية مع الفعل كون التكليف معه بل بجب كون المطلوب بعد الطلب فالحق أنه مبنى على أن التكليف باق عند التأثير اتفاق لكن التأثير عين الأثر عنده سابق عليه مولد له عندهم إما سن الإله بأن الفعل الذي هو أحد الأكوان أثر القدرة اتفاقًا فعندهم لأن القدرة الحادثة مؤثرة وعنده كاسبة وإن لم يكن مؤثرة والأثر يستند إلى الكاسبة وتأثيرها كسبها فيوجد معها لأن الضرورة قاضية بأن كون الشىء أثر الأخران يوجد بوجوده ويرتفع بارتفاعه وما يتوهم من الآثار بخلاف ذلك كأكوان الحركة فالسوابق معدات لقبول اللواحق وإذا كان مقدورًا كان مكلفًا به لعدم مانعه وهو عدم القدرة فليس تامًا إذ لا نعلم حصر المانع ولعله طلب إيجاد لموجود أو انتفاء الابتلاء أو غيرهما. تقسيم المحكوم فيه على سوق أصحابنا هو من وجوه: ١ - أن تكليف الله تعالى إيجاب الامتثال لإحكامه فكل عمل من هذه الحيثية عبادة مطلقًا أما إذا اعتبرت خصوصياته فإن كان المقصود الأولى منه الإقدام على ما ينبغي تعظيمًا للجناب الإلهي شكرًا على نعمه وتحصيلًا للثواب الأخروى استجلابًا لمزية كرمه سمي عبادة وإن كان الإحجام عما لا ينبغي عبرة خاصة له أولًا وعامة لبني نوعه ثانيًا سمى

стр. 301

مزجرة وعقوبة وإن كان غيرهما فمعاملة سواء كان للغير مدخل في انعقاده كنحو البيع والنكاح أو في وجوده كنحو الطلاق والقضاء وعلامتها كونها مناطًا للنفع الخاص ببعض العباد لا مشتركًا بين النفعين كالقصاص وحد القذف ولا نفعًا عامًا كغيرهما فشرعية المعاملات لإصلاح ما بين الناس وشرعية العبادات لإصلاح ما بينهم وبين الله تعالى وكذا شرعية المزاجر إل في تينك المزجرتين ففيهما كلتا المصلحتين. ٢ - أن معنى التعبد الترغيب في التوجه إلى الله تعالى والإعراض عما سواه وذلك إما بالقلب وهو في الاعتقادات الخمس وقسيمتها لاعتبار المباشرة في العمل وإما بالبدن وأجزائه إذا أطاعت النفس وارتفع المانع وهو الطالق غير أن إطاعتها وهي أمارة بقهرها ببذل شقيقها الكلي كالمال وهي الزكاة أو ترك شقيقها الجزئي وهي المشتبهات الحالية إما دفعة وهو الصوم أو التدريج التعويد له وهو الحج ودفع المانع بالجهاد. ٣ - معنى العقوبة التنفير عن التوجه عن الله والإقبال إلى ما سواه وذلك لا يظهر إلا بالتعدي وإلا فنعم المال الصالح للرجل الصالح لإعانته على التوجه إلى الله فهو كالأفعى يصلح ترياقًا وسمًا عند القدرة على استعماله والتعدي إما على الدين وله مزجرة خلع البيضة كالقتل مع الردة وهو في مقابلة الاعتقاد وإما على النفس وأجرائه ومزجرته القصاص وهو في مقابلة الصلاة وإما على شقيقها الكلي ومزجرته حد السرقة الصغرى أو الكبرى وهو في مقابلة الزكاة أو على شقيقها الجزئي الحالى ومزجرته حد الزنا وهو في مقابلة الصوم أو التدريجي بسلب العقل ومزجرته حد الشرب ولذا كان أم الخبائث وهو في مقابلة الحج أو على العرض المفضى إلى التقاتل بين المسلمين ومزجرته حد القذف وهو في مقابلة الجهاد والله أعلم بسرائر شرائعه. ٤ - أن الله غني عن العالمين لكنه حكيم لا يخلو فعله عن مصلحة وإن قلنا بأن فعله غير معلل بالغرض فإن الغرض من الشيء ما لا يمكن تحصيله إلا به والمصلحة أعم منه فمصلحة التكليف ليست عائدة إليه لغناه بل إلى العباد فإن كان نفع الشرعية عائدًا إلى كلهم يسمى حق الله تعطمًا له كجميع العبادات وإلا فحق العبد كجميع المعاملات وإما المزاجر فمن الأول خاصة إلا المذكورتين المشتركتين. ٥ - المشروعات إما حقوق الله تعالى خاصة أو حقوق العباد خاصة وإما اجتمعا وحق الله غالب أو بالعكس إذ لا وجود لما تساويا فيه. ٦ - أن حق الله تعالى لا يخلو عن أحد معان ثلاث الشكر على نعمه والزجر عن

стр. 302

نقمه والتسبب لبقاء كرمه فالثالث معنى المؤونة والثاني معنى العقوبة والأول معنى العبادة إن ثبت في ذمة وإلا فحق قائم بنفسه والمعاني الثلاث إما أن يعتبر فرادى أو مركبًا والمؤونة المنفردة من حق العباد بقي العبادة والعقوبة منفردتين وتسميان خالصتين والمركب ثلاثيًا مطلقًا وثنائيًا على التساوي غير موجود وعلى التفاوت بالغلبة يكون ستة واحد منها وهو الغالب عقوبته على المؤونة غير موجود يبقي ثمانية واحد منها وهو العقوبة الخالصة جعلت قسمين كاملة وقاصرة لتميز حكميهما حصل بالاستقراء تسعة: ١ - عبادة خالصة كالجهاد. ٢ - عقوبة خالصة كالحدود. ٣ - قاصرة كحرمان الميراث. ٤ - عقوبة يتضمن العبادة ككفارة الطهارة والفطر. ٥ - عكسه كسائر الكفارات. ٦ - عبادة يتضمن الموونة كصدقة الفطر. ٧ - عكسه كالعشر. ٨ - موونة تتضمن العقوبة كالخراج. ٩ - حق قائم بنفسه كالخمس. أما العبادات فأما الإيمان أو فرعه ولكل منهما أصل وملحق به وزوائد في التصديق في الإيمان أصلٌ محكم لا يحتمل التبدل والإقرار ملحق به وكانت دالة إلى تقلب ركنًا في أحكام الدنيا والآخرة حتى جعل مدار الحكم الظاهر وقد مر ولذا اعتبر إيمان الحربي أو الذمي المنكرة فيه لإرادته إذ لم يجعل الإقرار ركنا فيها وإلا كان سعيا في إثبات الكفر والإِسلام يعلو ولا يعلى عليه بل ركنها تبديل الاعتقاد ولذا بكفر المرتد بقلبه وتبين أمر أنه فيما بينه وبين الله تعالى فالإقرار دليل مجرد فيها فعارضه قيام السيف وزوائده قبل تكرار الشهادة وقيل: الأعمال والأصل في الفروع الصلاة لأنها شرعت شكرا لنعمة ظاهر البدن فق تقلباته بأركانها التي هي روحها وبالجملة هى أجمع عبادة لدلائل التعظيم ولذا كانت عماد الدين وتالية الأيمان وقرة عين الرسول لكنها دونه لتوسط الكعبة ولذا صارت من الفروع، ثم الزكاة إما الفرعية نعمة المال وإما لأن لواسطتها ضرب استحقاق فكانت دون الصلاة في الخلوص لاستحقاق الكامل كما ظنه الشافعى ﵁ حيث جوز للفقير أن يأخذ مقدار الزكاة من المال إذا ظفر به والملحق بها لأنه وسيلة إليها إذ بها يتم

стр. 303

روحها ولأن واسطه النفس وهي دون الأولين في المنزلة لاستحقاقها القهر لا الإعزاز وفوقهما في كونها مقصودة لأنها أعدى العدى حتى صار من الجهاد، ثم الحج لأنه عباده هجرة عن المرافق والأوطان وانقطاع عن اللذات والإخوان لزيارة بيت الرحمن لا تقوم إلا ببقاع معظمه وأوقات مشرفة بها تنقاد جموح النفس وينطاع للصوم فكأنه وسيلة إليه والعمرة سنة متابعة له، ثم الجماد كان فرض عين لإعلاء الدين ثم صار لانكسار شوكة المشركين كفاية تحصل ببعض المسلمين ولأن الواسطة كفر الكافر لم يكن عبادة أصلية فكانت دونها والزوائد هي السنن والآداب ومن جملتها الاعتكاف المشروع لإدامة الصلاة بحقيقة الأداء أو حكمه بالانتظار ولذا اختص بالمساجد وصح النذر به وإن لم يكن قربة من جنسه لأنه نذر بالصلاة معنى، وإما العقوبة الكاملة فكحد الزنا والسرقة وشرب الخمر شرعت لصيانة الإنساب والأموال والعقول ولكمال الجنابة والقاصرة كحرمان الميراث بالقتل إذ لا يتصل ببدنه ألم ولا بماله نقص بل مجرد منع عن التمول ويسمي اجزية لقصورها فإن الجزاء كما يطلق على العقوبة يطلق على المثوبة والبالغ الخاطئ يلزمه هذا الجزاء القاصر لتقصيره في التثبث لا الكامل وهو والقصاص لخطأه ولا الصبي إذ لا يوصف بالتقصير السبب عندنا كصاحب الشرط والسبب فإن التسبب وهو اتصال أثر الفعل يتناولهما كحافر البئر وواضع الحجر والقائد والسالق تلف بها المورث والشاهد على مورثه بالقتل فقتل ثم رجع خلافًا للشافعي لأنه قتل بغير حق بالخطأ ولذا وجبت الدية قلنا قوله ﵇: "إلا ميراث لقاتل" بعد صاحب البقرة ترتيب على القتل وهو المباشرة أي اتصال نفس الفعل فلا يصح قياس ما دونها لإثبات العقوبة والدية بدل المحل وتلفه بأمرين علي لفط واحد، وإما العبادة المتضمنة للعقوبة فككفارة القتل واليمين وقتل الصيد عبادة أداء لتأديتها بالصوم والتحرير وإطعام المساكين ولذا يشترط فيها النية ويجب بطريق الفتوى ويومر بالأداء ولا تستوفى كرها وجزاعًا وجوبًا ولذا سميت سائرة للذنب ولا مبتدأة بل بأسباب فيها معنى الحظر فجهة العبادة كما ترى غالبة ولدور إنها بينهما لم تجب على الكفار والصبي واشترط في سببها الدواران بين الحظر والإباحة كالقتل الخطأ والمنعقدة بخلاف العمد والغموس إذ لا إباحة ولم تجب على المسبب إذ لا مباشرة وغلط الشافعي في جعلها ضمان المتلف لتجب على الصبي والمجنون والمسبب لأنها من حقوق الله تعالى وهو منزه عن أن يلحقه خسران يحتاج إلى جبره بل الضمان فيها جزاء الفعل ولذا يتعدد الكفارة يتعدد الفعل مع اتحاد المحل كالجنابة على الصيد في الإحرام وبدل المحل للجبر

стр. 304

فيتخذ عند وحدة المحل ولذا تعددت الجنابة كصيد الحرام وقولهم مراده بالمتلف حق الله كالاستبعاد الفائت بالقتل لا المحل لا يجدي في الإيجاب على الصبي والمجنون كما في العمد، وأما العقوبة المتضمنة للعبادة فككفارة الفطر عقوبة وجوبًا وعبادة أداء ولذا يسقط بالشبهة كالحد كمن جامع ظانًا أنه قبل الصبح أو بعد الغروب إما جماع زوجته وأكل ماله فلا يورث شبهة في إباحة الإفطار كمن قتل بسيفه أو شرب خمرة وباعتراض الحيض والمرض وحين كسافر بعد الشروع فافطر وحين رأي الهلال وحده فرد القاضي شهادته فأفطر وإن لم يتح لهما فرده وقوله ﵇ صومكم يوم تصومون شبهتان فيه وألحقها الشافعي بسائر الكفارات فلم يسقطها بالشبهة ورد بوجوه: ١ - قوله ﵇ "من أفطر في رمضان متعمدًا فعليه ما على المظاهر" (١) لأن قيد التعمد يشير إلى كمال الجناية فجزاؤها عقوبة غالبة ولأنه ألحقها بالمظاهر وكفارته عقوبة غالبة وسببها حرام إجماعا لأنه منكر من القول وزورا التوجيه هو الأول وإن نقل الثاني من صاحب الكافي واختاره في التقيد ومبناه أن سببها النفس الظهار لا هو مع العود كما قيل بدليل جواز التكفير قبل العود لكن فيه بحوث: ١ - ما اتفقوا من أن سبب جميع الكفارات دائر بين الخطر والإباحة فلو كان للعود مدخل في السببية كما هو ظاهر النص وتجويز التقديم ليقع الفعل حلالًا فذا وإلا فلكون الظهار في الحقيقة طلاقًا وهو مباح وكونه منكرًا وزورًا جهة حرمته لا دليل خلوص حرمته. ٢ - قول فخر الإِسلام ﵀ أن العبادة غالبة في الكفارات ما خلا كفارة الفطر وفرقوا بأن الجنابة على الصوم لكون شهوة البطن والفرج أمرًا معودًا وغالبًا على صاحبه أقوى فأدعى للزجر وبأن شُرعت الكفارة في الظهار فيما يندب تحصيل ما تعلقت به تعلق العلل وهو العود وفي اليمين فيما يجب تحصيله تعلق الشروط ككلام الأب فيمن حلف لا يكلم أباه وشرع الزاجر فيما يندب أو يجب تحصيله خال عن الحكمة بخلاف كفارة الفطر. ٣ - ما ذكر صاحب الكافي أنه لو ظاهر امرأته مرارًا لزمه بكل ظهار كفارة فلو غلبت العقوبة لقد أخلت لأنه درء.

стр. 305

٢ - عدم وجوب الكفارة على من أخطأ في الصبح والغروب إجماعا فالاعتبار كمال الجناية في سببها خلاف كفارة قتل الخطأ وفي كمالها غلبة العقوبة إما من أخطأ يسبق الماء والطعام حلقه فلا يفسد عنده. ٣ - أن الجناية فيه على خالص حق الله تعالى والطبع يدعو إليها فيستدعي زاجرًا يكون عقوبة محضة غير أن المجني عليه لما لم يكن عند الجناية مسلما تامًا إلى صاحبه صار قاصرًا فاتصف الزاجر بالعقوبة وجوبًا أي وجب للزجر بخلاف غيرها إذ لا معنى للزجر عن القتل الخطأ والعبادة أداء حتى تأدى بنحو الصوم وبطريق الفتوى كالعبادة لا الاستيناء كالعقوبة لوجود نظيره كإقامة الحد ولم يعكس لعدمه ولذا قلنا يتداخلها من رمضان أو أكثر إذا لم يتخلل التكفير فالتداخل من الدرء كما في الحدود، وأما العبادة المتضمنة للمؤونة فكصدقة الفطر قربة لكونها صدقة وطهرة للصائم واعتبار الغني فيمن يجب عليه واشتراط النية وعدم صحة أدائها من غير المالك كالمكاتب عن نفسه وتعلق وجوبها بالوقت ومصرف الصدقة كالزكاة في الكل وفيها معنى الموونة وهو الوجوب بسبب الغير ولكون الرأس سببًا كما قال ﵇ "أدوا عمن تمونون" (١) كالنفقة فلم يشترط كمال الأهلية ووجبت على الصبي والمجنون كنفقة ذوى الأرحام، وأما الموونة المتضمنة للعبادة فكالعشرة موونة لأنها سبب بقاء الأرض وسببها الأرض النامية وباعتبار تعلقه بالنماء وصرفه إلى الفقراء كالزكاة فيه معناها والأرض أصل ومحل والنماء صنف وشرط تبع ولتضمنه المعنيين لابتدائه على أرض الكافر وأجاز محمَّد رحمه الله تعالى إبقائه إذ لا إثبات ولا إسقاط بالشك، وأما المؤونة المتضمنة للعقوبة فالخراج مؤونة كما مر فيها عقوبة للانقطاع عن الجهاد إلى سبب الذل الذي هو الحرث وعمارة فلا يبتدأ به المسلم وجاز إبقاؤه إذا أسلم لمثل ما مر فقاس محمَّد إبقاء العشر على إبقائه غير أنه يضع في الخراج على رواية ابن سماعة كمأخوذ العاشر من أهل الذمة ودق الصدقة على رواية السير وإفساده بأن في العشر عبادة تنافي الكفر ولو بقاء وفي الخراج عقوبة لا تنافى الإِسلام فأوجب أبو يوسف تضعيفه لإخراج لأن تغيير الوصف أسهل وقد وجد نظيره في بني تغلب والذمي المار على العاشر وبعد التضعيف صار في حكم الخراج الذي هو من خواص الكفر قلنا الانتقال من الوظيفتين إلى التضعيف ثبت في قوم بأعيانهم ضرورة

стр. 306

الخوف من الفتنة إجماعًا على خلاف القياس فلا يصار إليه عند عدمها بل إذا عجزنا عن أحديهما أثبتنا الأخرى ونعني بالمؤونة فيهما أنهما سبب لحفظ انزال الأراض فإنه ببأس الغزاة المجاهدين ودعاء الفقراء المجتهدين وغلب الشرع في العشر معنى العبادة إكراما للمسلمين وفي الخراج معنى العقوبة إهانة للكافرين، وإما الحق القائم بنفسه أي من غير تعلقه بذمة فكخمس الغنائم والمعادن لأن الجهاد حق الله تعالى ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال: من الآية ١) لكونه إعلاء كلمته لكنه استبقى الخمس لنفسه وأعطى باقيه للغانمين منة ولذا يقسمه الإمام وجوز صرفه من الغنيمة إلى الغالفين وأولادهم وآبائهم ومن المعدن إلى الواجد وقرابة أولاده عند الحاجة بخلاف افتقار المزكي بعد الحول لا يرد الساعي ما أعطاه وان بقى ولا يصرف حانث وجد ما يكفر به إلى نفسه لحاجته ولذا أيضًا حل لبني هاشم خمس الخمس إذ لم يكن آلة أداء الواجب على أحد ليصير بانتقال آثامه إليه وسخا ولذا جعلنا النصرة علة استحقاقه لا لقرابة كما قال الشافعي والثمرة سقوطه بوفاة النبي ﵇ لانتهاء النصرة كما سقط سهم المولفة لانتهاء ضعف الإِسلام فعند الكرخي وهو مختار أبي زيد في الإسرار في حق أغنيائهم خاصة وعند الطحاوي مطلقا وعند الشافعي ثابت لبقاء القرابة له لأن قوله تعالى ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (الأنفال: من الآية ٤١) ترتيب على المشتق فالعلة مأخذة ولئن ثبت عليه اَلنصرة بالحديث يكون وصفا يتم بها القرابة علة كالعدالة في الشاهد والنماء في النصاب والتأثير في الوصف الملايم ولذا أعطنا بني هاشم وبني المطلب دون غيرهم من بني نوفل وبني عبد شمس قلنا أولًا تعليق الكرامة بالنصرة لكونها من الطاعات أولى منه بالقرابة لكونها خلقية إما لأن الأول هو الغالب وإما اعتبارًا بأربعة الأخماس حتى لا يملكها من دخل تاجرا ويملكها من دخلها بقصد النصرة وان لم يقاتل وثانيا الأصل صوت قرابتها عن إعراض الدنيا بالنص وهو قوله تعالى ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الأنعام: من الآية ٩٠) الآية ولأنها أعلى من أن يجعل علة لاستحقاقها وإن صارت مانعة عن الزكاة وغير مقتضية للإرث عن الرسول وليست النصرة منضمة لها علة لصلاحها علة بنفسها كما في أربعة لأخماس ومثله لا يصلح مرجحًا ولكن سلم فلما عدمت بعد وفاته لم يبق القرابة علة كنصاب لم يبق نماؤه وشاهد، ثم من فروعه بنفسه أن الغنيمة لا تملك عندنا إلا بعد الإحراز بدارنا خلافًا له إذ لو كانت لنا لتملكنا بمجرد الاستيلاء كالصيد وغيره وهو أصل يتفرع عليه مسألتنا كعدم جواز القسمة في دار الحرب وإن لاحق لمن مات فيها ويورث نصيب من مات بعد الإحراز قبل القسمة

стр. 307

وإن المدد اللاحق يشارك ولا يحل للمنفل له الجارية أن يطأها ما لم يحرزها، وها هنا تمت الأقسام التسعة بقي ثلاثة من أقسام مطلق الحقوق: ١ - حقوق العباد وهي كثيرة كالديات وبدل المتلفات. ٢ - ما اجتمعا وحق الله غالب كحد القذف فيه حق العبد لأنه شرع لصون عرضه ولذا شرط دعواه ووجب على المستأمن وإقامة الإِمام بعمله ولم يبطل بالتقادم ولم يصح الرجوع وحق الله تعالى لأنه شرع للزجر ولذا يستوفيه الإِمام وينصف بالرق ولا يحلق القاذف إذا أنكر وهو الغالب خلافًا للشافعي ﵀ لولايته على حقوقهم أيضًا لأنه مولى الموالي ولذا يجري فيه عندنا التداخل فيما قذف جماعة بكلمة أو كلمات ولا يجري الإرث ولا يسقط بعفو المقذوف. ٣ - ما اجتمعا وحق العبد غال كالقود فإن الله تعالى في نفس العبد حق الاستبعاد وللعبد حق الاستمتاع وفي القود إبقاء لهما ففيه حق الله لسقوطه بالشبهة وكونه جزاء الفعل لا ضمان المحل وحق العبد لوجوبه مماثلة ففيها أنباء عن الحبر ومقابلة بالمحل فكان غالبًا ولذا يورث ويعفي ويعتاض عنه صلحًا ويواخذ الإِمام به لا بحدي القذف والزنا وإما حد قطاع الطريق قطعًا كان أو قتلًا فحق الله تعالى على الخلوص عندنا لتسميته جزاء مطلقًا وهو يقتضي الكمال كما سيجيء أن شاء الله تعالى ولأنه جعل محاربة لله تعالى ورسوله ﵇ وسماه خزيا ولذا يستوفيه الإِمام ولا يسقط بالعفو ولا يجب على المستأمن إذا ارتكب سبب فينا كحدي الزنا والسرقة وعند الشافعي إذا كان قتلًا يجتمع الحقان إذ فيه معنى القصاص وقد ظهر الفرق. آخر التقاسيم هذه الحقوق تنقسم إلى أصل وخلف ففى الأيمان الإقرار خلف التصديق مستبدأ في أحكام الدنيا كما مر ثم يخلف أداء أحد أبوي الصغير والمعتوه والمجنون عن أدائهم لكن لا يعتبر لداؤء مع أدائهم إلا في المجنون فلا يرتد الصغير المسلم نفسه بارتداد أحد أبويه ويصح إسلامه بنفسه مع كفرهما ثم أداء السابي إذا قسم أو بيع من مسلم في دارهم والكل خلف عن أداء الصغير مرتبًا كخلفية المورث على الترتيب فلا يلزم خلف الخلف وفي الصلاة يخلف القعود ثم الاضطجاع عن القيام الإيماء عن الركوع والسجود والقضاء عن الأداء وغيرها وفي الزكاة يخلف القيم عن الأعيان كما في العشر وسائر الصدقات الواجبة وفي الصوم يخلف الفدية كالصلاة وفي الحج يخلف الإنفاق عن الأداء بنفسه وفي اليمين

стр. 308

يخلف الكفارة عن البر وفي العقوبات يخلف المال عن القصاص صلحًا أو عفوًا وفي حقوق العباد يخلف قيم المتلفات عنها وغير ذلك مما يطول. تتمات: ١ - يخلف التيمم عن الوضوء مطلقًا عندنا فيرتفع به الحدث إلى غاية وجود الماء كالطهارة والأصل قوله ﵇ "التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء" (١) فإنه الظاهر من الاختيار ولأنه لو لم يكن حكمه حكم الأصل بل الإباحة الضرورية كان أصلًا لا خلفًا فجاز للفرائض الكثيرة وقيل الوقت وطلب الماء ولا يتحرى في إنائين نجس وطاهرًا وثلاثة والغلبة للنجس لعين الخلف المطلق عند العجز بالتعارض إما في ثلاثة والغلبة للظاهر يتحرى اتفاقًا وقال الشافعى رحمه الله تعالى خلف ضروري ضرورة إسقاط الفرض مع قيام الحدث كالمستحاضة فعكس المسائل لأن الثابت يتقدر بقدرها ولا ضرورة قبل الوقت والطلب وعند وجود الماء الطاهر مع إمكان الوصول بالتحري قيل تفريع التحري على ضرورة الخلفية منتظم إذ لو أريد بها ضرورة العجز عن الماء فلا خلاف ولو أريد العمل به بقدر ما يندفع به ضرورة إسقاط الفرض فلا معنى لها في مسألة التحري بل على أن لا عجز مع أمكان التحري سواء كان خلفًا ضروريًا أو مطلقًا وليس بشيء لأن العجز حاصل قطعًا بالتعارض والتحري فبما يثبت من توابعه كالتيمم فالخلاف في أن الخلف مطلق يرجح على التحري لكونه ضروريًا أو ضروري بمعنى أن لا يضار إليه مما أمكن فلا يرجح عليه وسيتضح تحقيقه في بحث التعارض إن شاء الله تعالى. ٢ - أن الخلفية بين الفعلين عند محمَّد وكذا عند زفر في رواية وفي أخرى لا بل يجوز اقتداء المتوضي بالتيمم وإن وجد المتوضى ماء بين الأنيتين عندهما قالا المأمور به أصلًا وخلفًا الفعلان قلنا رتب القصد إلى الصعد على عدم الماء لا على عدم التوضى كما رتب إلا عند إذ بالأشهر على اليأس من المحيض فكما أن الخلفية ثمة بين الأشهر والحيض كذا

стр. 309

هنا بين الآيتين ويؤيده الحديث والصعيد طهور حكمي وإن كان ملوثًا في الحقيقة فيصلح مزيلًا للنجاسة الحكمية وعدم اشتراط إصابة التراب كالتيمم على الحجر الملساء ليس زيادة للخلف على الأصل في حق الحكم كاستغناعه من مسح الرأس والرجل والثمرة جواز إمامة المتيمم للمتوضئ عندنا إلا إذا وجد المتوضي إمام فزعم أن صلاة أمامه فاسدة كزعمه خطأه في جهة القبلة لأن لكل منهما طهارة مطلقة وشرط الصلاة موجود في حق كل بكماله لا عندهما لأن الإِمام صاحب الخلف قلنا الباقي عند الصلاة هو التيمم وليس بخلف لا التراب وهو الخلف. ٣ - أن الخلف مع إطلاقه قد يكون ضروريًا مع القدرة على الماء لخوف فوت صلاة لا خلف لها كالجنازة والعيد خلافًا للشافعي وصحه قياسًا على سائر الصلوات قلنا إذا فأتت بالتوضي لا إلى خلف صار عادمًا في حق هذه الصلاة كالخائف من العطش بخلافها وبخلاف الولي إذ ينتظر له وحق الإعادة. فرع: إذا جىء بجنازة أخرى ولا تمكن من الوضوء بينهما لم يعد عندنا لأن التيمم باق ما لم يتمكن من التوضى بحيث لا تفوته الصلاة إذ الخلفية في الألة وعندهما يعيد لعدم بقاء الفعل الذي هو الخلف عندنا الفراغ من الأولى لانتهاء الضرورة. ٤ - أن الخلافة لا تثبت إلا بعبارة النص كالتيمم والفدية في الصوم أو دلالته حقيقة كقضاء المنذورات المتعينة أو احتمالا كالفدية في الصلاة أو إشارة كأداء القيم في الزكوات أو اقتضائية. ٥ - شرط العدول إلى الخلف عدم الأصل في الخال مع احتمال وجوده لينعقد السبب له فيخلف بالعجز كما في التيمم لاحتمال وجود الماء بطريق الكرامة وفي مسألة مس السماء والإِسلام في آخر وقت الصلاة وهذا في الجميع بخلاف الغموس ولذا قال الصاحبان فيمن شهد بقتله وجاء حيا بعد قتل من شهد عليه فلوليه أن يضمن الشهود وولى الجاني وعلى الثاني لا يرجع على الشهود إجماعًا إما أن اختيار تضمين الشهود فهم يرجعون على الولي لأن التعدي والضمان سب ملك المضمون كما في الغضب ومملوكية الدم غير مستحيلة كمس السماء والحرمة لا ينافيها كالعصير المتخمر والدهن النجس لكن السبب لم يؤثر في الأصل وهو القصاص إجماعًا فيؤثر في بدله وهو الدية كمدبر فات عند غصب الغاصب فضمن الأول يرجع على الثاني لاحتمال ملك المدبر ولذا ينفذ القضاء بجواز بيعه وهذا شهود الكتابة إذا رجعوا بعد الحكم بعتقه فضمنوا قيمته رجعوا على

стр. 310

المكاتب بدل الكتابة لاحتماله المملوكية وقت التعدي وإنما لم يرجعوا بالقيمة لأن العبد استحق العتق على المولى بالبدل وهم بضمان القيمة قاموا مقام المولى وقال الإِمام الإتلاف حكمًا بالتسبب من الشهود وحقيقة بالمباشرة من الولى سواء في ضمان الدية فكما لا يرجع الولي لأنه ضمن بجناية نفسه لا يرجع الولي لأنه ضمن بجنابة نفسه لا يرجع الشهود لذلك بخلاف ما إذا شهدوا بالقتل خطأ لأنهم ما أتلفوا نفسًا بل مالًا محتملًا للملك فملكوه بالضمان فيأخذونه من الولى قائمًا ومثله أو بدله تالفًا ثم الدم لا يحتمل الملك أصلًا لا في الخال بالإجماع ولا في المال لانقطاع الوحي بخلاف المدبر كما مر والمكاتب لجواز بيعه برضاه ورده إلى الرق بالعجز وأنه عبد ما بقى عليه درهم ولأن الخلف يعمل عمل الأصل وملك القصاص وهو الأصل غير مضمون ولذا لا يضمن قاتل من هو عليه فكذا خلفه. القسم الرابع في المحكوم عليه وهو المكلف وفيه مباحث. الأول: اشترط في صحة التكليف فهم المكلف له بمعنى تصوره لا تصديقه (١) وإلا لزم الدور وعدم تكليف الكفار فلا حاجة إلى استثناء التكليف بالمعرفة أو النظر أو قصده وأمثالها كيف والدليل العقلي غير فارق وهذا مذهب كل من منع تكليف المحال وبعض من جوزه إذ لا ابتلاء، لنا أولًا أن التكليف استدعاء حصول الفعل على قصد الامتثال وهو محال عادة وشرعًا لاشتراط النية ممن لا شعور له وإن كان ممتنعًا بالغير فالاتفاق لا يكفي في سقوط التكليف وثانيًا لزوم تكليف البهائم إذ لا مانع يقدر إلا عدم الفهم ولا فساد في أنهما لا ينتهضان على من جوز تكليف المحال إلا بالتمسك بانتفاء فائدة التكليف وهو الابتلاء لأن تجويزه مبني هذا الخلاف وإما حديث رفع القلم عن ثلاث بتمامه فلا يدل على عدم الجواز بل على عدم الوقوع، ولهم أولًا أنه واقع حيث اعتبر طلاق السكران وقتله وإتلافه قلنا هو من ربط الأحكام باسبابها أي حكم وضعي لا تكليفي كقتل الطفل وإتلافه وضعي له وتكليفي على وليه. وثانيًا: قوله تعالى ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء: من الآية ٤٣) ومن لا يعلم ما يقول لا يفهم ما يقال له. قلنا: الظاهر في مقابلة القاطع واجب التأويل فأما نهي عن السكر عندها نحو

стр. 311

لا تمت وأنت ظالم وقوله تعالى ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٢) فإن القيد مناط النفي غالبًا وإما نهي للنهى لأن النهي تمنع التثبت كالغضب أي حتى تعلموا علمًا كاملًا. الثاني: المعدوم مكلف عند الأشاعرة خلافًا لغيرهم لا بمعنى كون الفهم أو الفعل حال العدم مطلوبًا بل بمعنى المطلوبية حال العدم أعني توجه الحكم في الأزل إلى من علم الله وجوده بالفهم والفعل فيما لا يزال فيندفع قولهم إذا امتنع في النائم والغافل ففى المعدوم أجدر لأن الممتنع هو المعني الأول، لنا لو توقف تعليق التكليف على الوجود الحادث لكان حادثًا فكان للتكليف الذي يتحقق حقيقة إلا بالتعلق حادثًا وأنه أولى لأنه أمر ونهي وهما كلام الله تعالى وهو أزلي، أولًا لزوم الأمر والنهي والخبر والنداء والاستخبار من غير متعلق موجود وأنه سفه محال ولا قياس على خبر الرسول، لنا لأن عه مبلغًا وفي الأزل لا مخاطب أصلًا قلنا فيه تحقيق وتدقيق إما التحقيق فهو أن الكلام عند الشيخ نوع واحد هو الخبر المفسر بالنسبة بين المفردين القائمة بالنفس المحتمة للتصدق أو التكذيب وسائر الأقسام أصنافه ينقسم إليها بعارض اختلاف المسند فالخبر باستحقاق الثواب على الفعل والعقاب على الترك أمر وعكسه نهي وبإرادة الإستعلام استخبار والإجابة نداء وبغير هذه الأربعة خص باسم الخبر ومنه الوعد والوعيد كما ينقسم إلى أصناف الماضي والحال والمستقبل باختلاف أحوال المسند من تقدمه على زمان ظهور الخبر ومعيته وتأخره والكلام يتصف بهذه الأقسام في الأزل ويختلف عنها العبارات ولا إشكال على الخبرية بامتناع تطرق الصدق والكذب لأن امتناعه عقلي لخصوصية المحل لا لغوي فلا ينافيه جواز العفو مع تجويزهم الخلف في الوعيد وعن ابن سعيد ﵀ هو الخبر المشترك الحالي عن التعلق والأقسام عوارض حادثة بحسب حدوث التعلق لا أنواع حتى يرد عليه أن الجنس لا يوجد إلا في نوع والفرق بين المذهبين اعتبار التعلق قديمًا وعدمه وإما التدقيق فهو أنه كسائر الصفات لا يتغير بتغير التعلقات كما لا يتغير علمه بإرسال نوح ﵇ بتغير الأزمنة وهذا قريب مما يقال علمه ليس زمانيًا فلا يكون له ماض وحال ومستقبل وأنكره أبو الحسين ﵀ بوجوه أقوالها أن إمكان انفكاك أحد هذه العلوم عن غيره يستلزم مغايرتها وجوابه أن ذلك في علمنا وعلم الله تعالى بجميع الكائنات على ما هي عليه واجب فتنزيل الجواب أن تعلق هذه الأقسام في الأزل بالمعدوم المعلوم وجوده لله عين تعلقها فيما لا يزال حين وجد فإن يختلفان بالامتناع والامكان وقريب

стр. 312

منه القول بأن المخاطبة في الأزل بالماهيات والهويات الثابتة في علم الله تعالى ويضطر إليه في أمر التكوين ويونسه تمثليهم بطلب الأب في نفسه التعلم من ابن سيولد وأقول هذا التنزيل مما لا يستدعى ذلك التحقيق والتدقيق لصحة تحقق جميع هذه الأقسام في الأزل بذلك الاعتبار بحقائقها من غير ردها إلى الخبر ولا اعتبار العروض في تعلقها فإن كان تعلق شخصي كما هو هو أزلا وأبدًا حينئذ إما مذهب ابن سعيد من أن التعلق حادث فلا يستدعي وجود المتعلق في الأزل والقديم هو الخالي عن التعلق إذ التعلق ليس من حقيقته فلا يكفى جوابًا لأن أحد التعلقات لازمة فلا يوجد بدونه وثانيًا أن الكلام لو قدم بأقسامه كما يقول الشيخ ليتحقق الأمر بالمعدوم لزم تعدد أنواعه وأشخاصه في الأزل وهو غير قائم به وإن قال به شرذمة قلنا لتعدد اعتباري لتعدد المتعلقات كما في الأبصار بالمبصرات وما نفاه هو الوجودي على أن عدم امتناع ذلك أيضًا قد علم، الثالث أن جهل الأمر انتفاء شرط وقوع الفعل صح تكليفه اتفاقًا وإن لم يقع إلا في الشاهد وكذا أن علمه دون المأمور لتحقيق فائدته إذ يمكنه الفعل لو وجد الشرط فيصبر قطعًا عاصبًا بالعزم على الفعل والترك وبالبشر به والكراهة له ولذا يعلم التكليف قبل الوقت وإن لم يعلم وجود الشرائط كالتمكن وغيره في الوقت والجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط وقال الإِمام والمعتزلة لا يصح كما لو علم المأمور إذ مانع الصحة وهو كونه غير منصور الحصول مشترك ولأن ما عدم شرطه غير ممكن فالتكليف به مع العلم بعدمه تكليف بما علم استحالته وجواب الأول الفرق بتحقق الفائدة والثاني بوجهين: ١ - أن شرط التكليف الإمكان العادي والمنتفي ها هنا الإمكان الوقوعي وهو استجماع شرائطه بالفعل. ٢ - أنه يقتضي عدم صحته مع جهل الأمر كما في الشاهد فإن عدم الإمكان بالنسبة إلى المأمور مشترك لنا أنه لو لم يصح فأولا لم يقع معصية إذ كل ما لم يفعل فقد إنتفى شرط له من إرادة حادثة كما عند المعتزلة أو قديمة وحادثة كما عندنا فلا تكليف به فلا معصية وثانيًا لم يعلم أحداثه مكلف في الحال واللازم بطل بالضرورة إما الملزوم فلأن التكليف ينقطع في كل جزء بغرض وقوع الفعل فيه لوجوبه قطعًا أو امتناعه عاصيًا وبعده بالأولى وقبله لا يعلم لتجويزه انتفاء شرط فيه وهذا متأت في المضيق والموسع وهذا إلزامي للمعتزلة وإلا فمع الفعل تكليف عند الشيخ لما مر وثالثا لم يعلم إبراهيم ﵇ وجوب ذبح ولده لانتفاء شرطه في وقته وهو عدم النسخ وإما إنكار قوم العلم

стр. 313

بالتكلِف قبل دخول وقت الامتثال فمعاندة. وقال القاضي مخالفًا للإجماع على تحقق الوجوب والحرمة قبل التمكن من الفعل ولذا يجب الشروع بنية الفرض إجماعا ومنه يعلم أن التكليف يتوجه قبل المباشرة إجماعا. فصل بيان المحكوم عليه بالبحث عن الأهلية والأمور المعترضة عليها ففيه جزءان: الجزء الأول في الأهلية: هي لغة الصلاحية واصطلاحًا الصلاحية للوجوب له وعليه شرعًا أو لصدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعًا ويسمى الأولى أهلية نفس الوجوب والثانية أهلية الأداء والأولى بالذمة والثانية نوعان كاملها بكمال العقل والبدن كالعاقل البالغ وقاصرها بقصورهما كالصبي العاقل أو المعتوه أو بقصور أحدهما كالبالغ المعتوه فوجوب الأداء مع الكاملة وصحة الأداء القاصرة ولتحقيقه مقدمات: ١ - تذكير ما مر أن نفس الوجوب شغل الذمة ولزوم الوقوع ووجوب الأداء طلب تسليم ما اشتغلت به ولزوم الإيقاع ونفس الأداء التسليم والإيقاع فهذه ثلاثة مفهومات لكل منها أهلية عبر القوم عن أهلية الأول بأهلية الوجوب وعن أهلية الثاني بأهلية الأداء الكاملة وعن أهلية الثالث بصحة الأداء وأهلية الأداء القاصرة وحصل ستة مفهومات فنفس الوجوب بالسبب وأهليته بالذمة ووجوب الأداء بالخطاب وأهليته بالعقل والبدن الكاملين ونفس الأداء بوجود الأركان والشرائط وأهليته أعني صحته بالقاصرين. ٢ - أن الذمة لغة العهد لأنه سبب نوع الذم إذا نقض واصطلاحًا عند الجمهور حقيقة عهد جرى بين الرب والعباد كما يدل عليه قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ (الأعراف: من الآية ١٧٢) الآية حيث فسروه بأن الله تعالى لما خلق آدم ﵇ أخرج ذريته من ظهره مثل الذر وأخذ ذلك الميثاق وأعادهم إلى ظهره واستدلوا عليه بما روى مالك وأحمد بن حنبل والترمذي عن عمر ﵁ أن النبي ﵇ قال في تفسيره "إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون" (١) ووفق صاحب الكشف بأن المراد إخراج ذرية آدم

стр. 314

من ظهره وظهر أولاده حسب ما يتوالدون في أدني مدة كموت الكل بالنفخة الأولى وحياتهم بالنفخة الثانية فقيل صاروا حينئذ أصنافًا ثلاثة سابقون هم المقربون سبق لهم نور يحبهم فانجذبوا بشر أشرهم إليه بتجريد يحبونه ثم أصحاب الميمنة هم الأبرار الممتثلون بقوله تعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (هود: من الآية ١١٢) ثم أصحاب المشئمة الذين جوابهم بلى لا عن رغبة واختيار بل عن هيبة ووقار وعند المؤولين عهد استعير به تمثيلًا عن نصب أدلة المعرفة والوحدانية لهم وتركهم بحيث يصلح للاستدلال عليهما والاقرار بهما ورئيسهم صاحب الكشاف ليناسب مذهبه في أن التكليف بالعقل قال الرازي فاتفقت المعتزلة أن الحديث لا يصلح مفسرًا للآية ووفق البيضاوي بأن المراد من بني آدم هو وأولاده جعله اسمًا للنوع كالبشر ومن الإخراج توليد بعضهم عن بعض على مر الزمان واقتصر في الحديث على ذكر الأصل وذكر الشيرازي ﵀ بينه وبينهم ميثاقين أحدهما لما يهتدي إليه العقول بنصب الأدلة وذا في الآية وثانيهما لما لا يهتدي إليه من الواردات الشرعية التي تتوقف على توقيف الأنبياء عليه فأخبر في الحديث بذلك في جواب سؤال الصحابة عن الميثاق الحالي جريًا على الأسلوب الحكيم وأيًا ما كان ففط الآية دلالة أن فهيم وصفًا به أهلية الإجابة والاستجاب قيل فهو العقل وإليه يشير ظاهر كلام أبي زيد ﵀ أن يشمل العقل الهيولاني وإلا صح أن للعقل مدخلًا فيه وليس عينه بل هو خصوصية الإنسان المعتبر فيها تركيب العقل وسائر القوي والمشاعر لا كالملك وسائر الحيوانات وبذا اختص بقبول الأمانة المعروضة فإن استعير بالعهد عن تلك الخصوصية فالذمة في قولهم وجب في ذمته حقيقة العهد كما ذهب إليه فخر الإِسلام فأريد بها فيه نفس ورقبة لها عهد أي باعتباره كما فسره بها تسمية لها باسم أكل وهو المطابق لما عبر عنها بالعنق في قوله تعالى ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (الإسراء: من الآية ١٣) أي جعلنا القضاء والقدر المسببين للخيًر والشر أو عمله الذي هو وسيلة الخير والشر لا زمالة لزوم القلادة للعنق فإن الطائر لتيمن العرب بسنوحه وتشأمهم بتروحه يستعار به لسبب الخير والشر ففيه تمثيل مبني على الاستعارة المصرحة أو حقيقة في الخارج من العمل من طار السهم أي خرج وأياما كان ففيها دلالة أن في الإنسان وصفًا وخصوصية بها التزمه إذ ليس المراد إلزامًا بدون التزامه لما يفهم من سياق الآيتين كما ظن فاعترض بجواز الاستدلال حاصل بمثل أقيموا الصلاة مع أنا بصدد إثبات وجود ما به التكليف العام وهو المراد يحمله الأمانة أي الطاعة أو التكليف في آية العرض سواء فسر بحقيقته

стр. 315

حيث قيل خلق الله في هذه الأجرام فهما فقال فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني ونارًا لمن عصاني فقلن نحن مسخرات لا نحتملها وحين خلق آدم وعرض عليه حمله فهو ظلوم بتحمل ما شق جهول بوخامة عاقبته أو أوّل بأنها لو عرضت عليها وكانت ذات شعور لا بين حملها وحملها هو مع ضعف بنيته وخاسها فهو ظلوم لعدم الوفاء بها جهول بعاقبتها وصف الجنس بوصف الأغلب أو بأن استعير عن التكليف بالأمانة وعن نسبته إلى الاستعداد بالعرض وعن عدم اللياقة الآباء وعن الاستعداد بالحمل وعن غلبة القوة الغضبية والشهوية بالظلم أو الجهل فهما علة الحمل إذ التكليف لتعديلهما المؤدي كماله إلى مرتبة بها يتحقق كون خواص البشر أفضل من خواص الملائكة وهنا يعلم أن تركيب العقل غير كاف في قصد ترتيب الكمال الإنساني على وجوده وإن فيه أمرا به التزامه فالثابت بهذه الأدلة ما به الوجوب عليه ولم يتعرض لدليل الوجوب له لظهوره وكثرته ولأنه لا يتوقف على تحقق الذمة بدليل ثبوته للحمل ولكل دابة بالآية. ٣ - أن العقل نور يضىء به طريق يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس فيتبدى المطلوب للقلب أي أمر طاهر في نفسه مظهر لغيره أو منور به طريق الفكر للبصيرة كما يظهر بنور الشمس طريق الإحساس للبصر وهو طريق الاستدلال بالشاهد على الغائب وانتزاع التمليك من الجزئيات وبالجملة ما مر من ترتيب المعلوم لتحصيل المجهول فمبدأ الترتيب العقلي من حيث ينتهي إليه الدرك الحسين لأن مبدأ، ارتسام المحسوس في أحدى الحواس الظاهرة ونهايته ارتسامه في الباطنة فمن الصور التي أدركها الحسن المشترك وخزنها في الخيال والمعاني الجزئية التي أدركها الوهم وخزنها في الحافظة ثم تصرف فيها المنصرفة بالتحليل والتركيب المسماة مفكرة ومتخيلة باعتبار استخدام العقل أو الوهم إياها شرع النفس في انتزاع المعاني الكلية وترتيبها والانتقال إلى ما يطلبه فإذا رتبها بشروطه السالفة يتبدى المطلوب للنفس المسمى بالقلب لتقلبه بين العلم والعمل فإنه بين إصبعي الرحمن فيمكن حمل النور على الجوهر المسمى بالعقل الأول والقلم كما قال ﵇: "أول ما خلق الله تعالى العقل والقلم ونوري" في روايات وهو السبب الأول كالشمس وتوسط العقل الفعال أو العقول الآخر لا ينافيه وعلى إشراقه الحاصل بحسب القابلية المقدرة من الله تعالى فطرية كانت أو كسبية كإشراقها وعلى الصفة المعنوية الحاصلة للنفس من إشراقه كالضوء الحاصل من إشراقها وهي الإنسب يما جعل صفة للراوي وهي البصيرة المفسرة بالقوة المعدة لاكتساب لعلوم فأما قابلية النفس لإشراقه

стр. 316

فهي الذهن ثم للحاصل للنفس بإشراقه وللنفس باعتباره مراتب أربع يسمى العقل الهيولاني في مبدأ الفطرة فالعقل بالملكة عند إدراك البديهيات وحصول ملكة الانتقال إلى النظريات فالعقل بالفعل عند القدرة على إحضار النظريات بلا تجشم كسب جديد ثم العقل المستفاد عند مشاهدتها المسمى علم اليقين ولا رتبة بعد المشاهدة فالمسماتان عين اليقين وحق اليقين الحاصلتان عند الإنس به والاستغراق فيه من مراتب العمل ومناط التكليف هي العقل بالملكة التي عندها قوة تحصيل النظريات. ٤ - تذكير ما مر أن العقل معتبر في الأهلية لكونه آلة إدراك الحسن والقبح الثابتين بإيجاب الله تعالى ولو لم يرد الشرع لدرك بالعقل أو لم يدرك لكدورته باتباع الهوى ومعارضة الوهم لا مهدر إلا في فهم الخطاب كما قالت الأشاعرة ولا مهدر مطلقًا بدون المعلم كما قالت الإسماعيلية ولا موجب منيع مطلقا وإن خفى إيجابه في نحو وجوب الصوم في آخر رمضان وحرمته في أول شوال كما قالت المعتزلة فليس كما ظن أن لا نزاع فيه بل في توجه أحكام الشرع إلى من لم يبلغه الدعوة ولعدم ورودها أو وصولها حين يترتب الثواب والعقاب عليه بل هذا فزعة. ٥ - أن للنفس المسماة بالقلب قوة عاقلة بها يستضيء من ذلك الجوهر وقوة عاملة بها تحرك البدن ولذا انقسمت علومها إلى نظرية لا تتعلق بالمباشرة كالإيمان وإلى عملية تتعلق بها كالعبادات فإذا حركت البدن حسما تستضيء منه بلا شوب ومعارضة الوهم أي إلى الخير الملائم للروح لا للبدن وعن الشر المعكوس المنحوس استدل به على وجود تلك الصفة المسماة بالعقل ناقصًا أو كاملًا والأعلم عدمها ولما تفاوت أفراد البشر في كمال العقل المسمى شرعا بالاعتدال لتفاوت القابليات الخلقية والكسبية فإن البدن كلما كان أعدل وبالواحد الحقيقي أشبه كان نفسه الفائضة بكمال كرم الفياض أكمل وإلى الخير أميل وللكمال أقبل تفاوتًا تعذر الوقوف عليه أقام الشرع البلوغ الظاهر إذ عنده يحصل العقل بالملكة غالبًا حيث يتم التجارب ويتكامل القوى الجسمانية المسخرة للعقل بإذن الله تعالى الخالق للقوى والقدر مقام اعتداله الخفي تيسيرا كالسفر، إذا تحققت فنقول إما أهلية نفس الوجوب فالبذمة الحاصلة عند الولادة فلكل من ولد ذمة صالحة للإيجاب والإستيجاب يثبت له ملك الرقبة والمتعة وعلية الثمن والمهر بتصرف الولي، فأما الحمل فجزء من وجه حسًّا، ولذا لا ينفصل إلا بالقرض وحكما ولذا يعتق ويرق ويبتاع تبعًا لها دون وجه لانفراده بالحياة فلم يكن له ذمة مطلقة فصلح لأن يجب له كالعتق والإرث

стр. 317

والوصية والنسب لا عليه كالثمن ونفقة الأقارب ونحوهما من الضمانات والمؤن لكن الوجوب على المولود لا يقصد إلا لحكمه عن الاختيار وغرضه كالابتلاء والاختبار في العبادات والإنزجار في العقوبات فيبطل لعدمهما كما لعدم المحل في بيع الحر وإعتاق البهيمة ولانعدام الوجوب حكمه لم يجب القصاص على الأب لانعدام الاستيفاء ولم يجب الشرائع في الدنيا على الكفار عند مشايخ ما وراء النهر كالشيخين وأبي زيد زيادة للعقوبة بتركها عليها بترك الاعتقاد والكفر وجوب المعاملات والعقوبات وأصل الإيمان واعتقاد الشرائع إجماعًا لأهليتهم للمصالح الدنيوية والانزجار وأداء التصديق والإقرار والاعتقاد وذلك لانعدام صحة آدابهم كافرين لا يقال فليجب على تقدير الأيمان لأنه لو كان كذلك لوجب القضاء بعد الإيمان كصلاة النائم وصوم المريض إذ في مثله يتحقق نفس الوجوب ويتراخى وجوب الأداء خلافا للعراقية من مشايخنا والشافعية والمعتزلة وأئمة الحديث تمسكًا بعموم الخطابات كما قيل في ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ (البقرة: من الآية ٢١) أنه خطاب لجميع الفرق الثلاث أو لمشركي مكة كيف وقد ترتب عليه ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ (البقرة: من الآية ٢٤) الآية وذا خطاب بشرط تقديم الإيمان كخطاب المحدث والجنب يصلوا وهذا غير الوجوب حال الكفر وعلى تقدير الإيمان قالوا الإيمان رأس نعيم الآخرة فلا يصلح للتبعية فلا يثبت اقتضاء كما لا يثبت الحرية في قوله لعبده أعتق عن نفسك عبدا أو تزوج أربعًا بخلاف خطاب المحدث والجنب قلنا قد مر مستوفي أن الخطاب بشرط الشيء لا يقتضي أن يكون ثبوت الشيء به فالإيمان ثبوته بخطأ بأنه لا بخطابات الشرائع على أن المقدمة الشرعية للواجب موجبة اتفاقًا من غير فصل كما مر كيف وعقوبتهم بترك اعتقادها لتوجه الخطاب فكيف يمنع في حقها بترك العمل ومثل هذا الخطاب للإذلال وعدم ثبوت الحرية في المسألتين لعدم أهلية المخاطب للتحرير المقتضي ومن مقتضي المقتضى ذلك وللكفار أهلية نفس الإيمان ولذا أيضًا لا يقتضى ما مضى من بلغ فني أثناء رمضان إذ لا أداء له حالتئذ للحرج بخلاف ما بقى وعليه يخرج الصوم والصلاة في الحائض إذ ليست أهلًا لأدائها للنجاسة ولا لقضائها للحرج بخلافه فإنها أهل لأدائه كالجنب والمحدث لكن منعها الشرع أمر حكميا فانتقل إلى القضاء لعدم الحرج وفي المجنون فإنه مع الاستيعاب ليس أهلًا لأدائها ولا لقضائهما للحرج كما في استيعاب الإغماء في الصلاة دون الصوم لندرته شهرا ومع عدمه أهل لأدائه حتى لو حسن بعد النية ليلًا فقد أدى ولأدائها باحتمال الإفاقة ولقضائهما لعدم الحرج.

стр. 318

تفريع: فالصبي الغير العاقل لإحكامه أقسام حقوق الله تعالى منها ما لا يجب كالعبادات الخالصة بالبدن أو المال أو بهما لا إذ لاختيار لا في الأداء ولا في الإنابة وليس المقصود المال ليعمل النيابة الجبرية وكالعقوبات مطلقًا مثل الحدود والكفارات إذ لا انزجار والصبا مظنة المرحمة بالحديث وللأمرين حجر عن الأقوال نحو الأقارير والعقود بنفسه ولا سيما المضرة نحو الطلاق والهبة ونحوهما وكعبادة فيها المؤونة كصدقة الفطر عند محمَّد ﵀ لأن الحكم للراجح وقالا الإختيار القاصر بالولي يكفى للعبادة القاصرة بخلاف الزكاة وهذا لأن الكل يحتمل السقوط عن البالغ فعنه أولى ثم القول بعدم الوجوب لعدم حكمه أسلم من قول بعض مشايخنا بوجوب كالهائم السقوط بعذر الصبا لدفع الحرج بناء على صحة الأسباب وقيام الذمة وذلك صورة لقصر المسافة ومعنى لأن ما لا فائدة فيه فاسد وتقليدًا لأن الصحابة لم يقولوا بالوجوب عليه أصلًا وحجة إما نقلًا فلحديث "يرفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحلم" (١) ورفع القلم عدم الوجوب وإما عقلًا فإذ لو وجبت ثم سقط لوقع عن الفرض إذا أدى ومنها ما يجب لصحة القول بحكمه كمؤونة فيها عبادة نحو العسر حتى لم يجب على الكافر أو عقوبة كالخراج حتى لم يبتدأ على المسلم وذا الغلبة وحقوق العباد منها ما لا يجب كما خلص عقوبة نحو القصاص أو جزاء نحو حرمان الإرث بالقتل خلافًا للشافعي، وإما حرمانه بالرق لعدم أهلية الملك وبالكفر لعدم الولاية فليس جزاء لأنه انتفاء بانتفاء الشرط أو جزء العلة ومنها ما يجب كالغرم إذ العذر لا ينافي عصمة المحل نحو ضمان ما أتلفه بالانقلاب عليه وكالبدل نحو الثمن والأجرة وكالصلة المشابهة بالمؤن نحو نفقات الزوجات مطلقًا مؤنة من حيث إنها عوض الاحتباس صلة من حيث عدم تسميتها في العقد فوجبت عند مضي المدة بالإلتزام ولو مع الفقر وسقطت عند عدمه للشبهين ونحو نفقة الأقارب عند اليسار لأنها مؤونته وليس فيها معنى العوضية فلذا يسقط عند عدمه وبمضي المدة مطلقًا وذلك

стр. 319

لأن ما مقصوده المال يحتمل الأداء بالنيابة الجبرية إما الصلة المشابهة بالجزاء كتحمل العقل يشبه جزاء ترك حفظ السفيه والأخذ على يد الظالم ولذا اختص برجال العشيرة دون نسائهم إذ لسن من أهل الحفظ والمعونة فلا تلزمه. تنبيه: وهذا الصبي العاقل إلى هنا لاشتراك العلة، ومن أحكامه أنه يرث ويملك بمباشرة وليه إيمانه تبعًا لأبويه أو الدار وهذا كفره وارتداده تبعًا إذا ارتد أبواه ولحقا معه لا قصد إلا للحجر بل عدم ركنه وهو عقد القلب فإذا أسلمت زوجته لم يعرض على وليه بل أخر إلى أن يعقل لأن الصبا محدود بخلاف الجنون ولم يترك العرض لأن فيه حق العبد وإما أهلية وجوب الأداء فبالعقل والبدن الكاملين كالبالغ العاقل لأنه بالخطاب فلا بد من فهمه وقدرة المباشرة لمفهومه فمن خلا عنهما كما مر لا أداء له حكمة فلا وجوب أصلًا ومن قصرا فيه لا تكليف عليه رحمة كالصبي العاقل والمعتوه البالغ وإما أهلية الأداء أعني صحته فبالعقل أو البدن القاصرين كإيمان الصبي العاقل بلا وجوب أداء خلافًا للمعتزلة لما مر، لنا قوله ﵇ رفع القلم عن ثلاث الحديث لكن مع نفس الوجوب لأنه بأسبابه المتحققة كأدلة الربوبية والذمة ولتحقق حكمه وهو الأداء عن اختيار ولذا يقع فرضًا ولا يلزم تجديده إذا بلغ، أما إذا صلى أول الوقت فبلغ في آخره أو أحرم فبلغ قبل الوقوف فقيل تجب عليه الإعادة وفي التقويم أنه يقع عن الفرضين لأن إسقاط الوجوب عنه كان نظرًا له ودفعًا للحرج والنظر هنا في أن لا يسقط ولذا أيضًا يفرق امرأته إذا أسلمت وأبى بعد العرض بخلاف الشرائع فإن فيها حرجًا بينًا في مظنه المرحمة. وقيل: لئلا يتضاعف القضاء ولا يتأتي في الحج على أنه لو حج لا يقع فرضًا كالعبد هذا مذهب الجمهور وقال السرخسي رحمه الله تعالى لما يثبت وجوب الأداء في حقه لم يثبت نفس الوجوب لأنه حكمها الأداء فإن ما يقتضيه شغل الذمة تفريقها إلا طالب تفريقها فذا حكم الخطاب. تفريع: فالصبي العاقل وهذا المعتوه البالغ لأحكامه في حق الأهليتين أقسام ستة لحقوق الله تعالى حسن لا يحتمل القبح وعكسه ومحتمل لهما وحقوق العباد نفع محض وضرر مخض ومتردد بينهما: ١ - كالإيمان بالله وصفاته يصح منه خلافا للأشاعرة والشافعي وقد مر لوجوده حقيقة ولا حجر منه شرعا ولثبوت أهليته للأداء قال الله تعالى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: من الآية ١٢) وفسر بالنبوة فلان يكون مهتديا من يصح هاديا أولى لكن بلا عهدة

стр. 320

وتبعة وهي في لزومه لا فيه لأنه سبب نيل فوز الدارين إما حرمان أرثه من أقاربه الكفار وفرقته من امرأته الكافرة فمع إمكان معارضتهما إذ يرث من أقاربه المسلمين ولا يفرق من امرأته التي أسلمت قبله يضافان إلى كفر الباقي لا إلى إسلامه ولو أسلم فمن ثمراته التابعة المفارقة لأمن حكمه الأصلي المعتبر فيه ولذا لم يعد إيمانه تبعًا لأبويه عهدة. ٢ - كالكفر لا يعفي في أحكام الآخرة اتفاقا إذ لا احتمال للعفو عن الشرك بالنص وفي أحكام الدنيا كفرقة المرأة المسلمة وحرمان الميراث عن المسلم خلاف فيصبح ارتداده عند الإِمام ومحمد رحمه الله تعالى لوجود حقيقته وعدم احتماله العفو وقال أبو يوسف والشافعي الردة ضرر محض فلا يصح كالطلاق ولذا لا يقتل وإن بلغ مرتدا قلنا إفسادها الإيمان لا يحتمل العفو كما يفسد صلاته كلامه وصومه إفطاره وحجة جماعة ولذا لا يسقط بعد البلوغ فكذا بالصبي وعدم قتله قبل البلوغ لأنه ليس من أهل المحاربة كالنساء وبعده لشبهة الخلاف فيجبر على الإِسلام لا لعدم الأهلية إذ لو قتله أحد قبله أو بعده لا يضمن كالمرتدة قيل مذهب الإِمام مما يؤيد قول المعتزلة أن الصبي العاقل غير معذور في الجهل بالله وترك الإيمان به قلنا قول المعتزلة وجوب الإيمان عليه وقوله صحة الردة وكم بينهما. ٣ - كالصلاة ونحوها من البدنية التي تشرع وقتا دون وقت يصبح بلا عهدة فيكون نفلا بلا لزوم قضاء ومضى بخلاف نحو الزكاة لتضرره بنقصان ملكه. ٤ - وهو حق عبد فيه نفع محض مباشرته كقبول الهبة والصدقة لكفاية الأهلية القاصرة إذ صح منه مباشرة النفل بحديث "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا" (١) أي ضرب تأديب وكالإصطياد والاحتطاب نظيره قبول يدل الخلع من العبد المحجور بلا إذن المولى وكوجوب الأجر للصبي المحجور مطلقًا وللعبد بشرط السلامة إذا آجرا نفسهما وإنما العمل والقياس عدم وجوبه لعدم صحة العقد واستحسانًا فيهما لأن العقد يتمحض منفعة بعد إقامة العمل غير أن العبد ما دام في العمل مغضوب للمستأجر بصدد أن يملك بالضمان إن هلك فلذا شرط السلامة فيه بخلاف الحر وكوجوب الرضخ في مقابلتهما بلا إذن الولي والمولي استحسانا لأنه بعدها يتمحض
следующие страницы →