فمات كان آثمًا إما لفوت نفسه بمباشرته من غير حصول المقصود وهو إقامة حق الله بخلاف المقيم المكره على الفطر حتى قتل فإن فوته ثمه بمباشرة الظالم وهو مستديم للطاعة كالمجاهد أو لأن فيه تغير المشروع وهو إما التأخير أو جواز التعجيل على وجه يضمن يسرًا أو معناه أن مشروعية الصوم للارتياض ولم يحصل إما المسافر والمريض المكره على الإفطار فيجب عليهما ويأثمان بالصبر حتى الموت كالمضطر على أكل الميتة.
الثالث: المجاز الأتم كما وضع عنا بأصله من الأبصر والأغلال فالإصر وهو الثقل مثل لثقل تكليفهم والأغلال لأعمالهم الشاقة كالنوبة بقتل النفس وبت القضاء بالقصاص وغيرهما النسخ تخفيفًا بالرخصة مجازًا.
الرابع: ما سقط عنا مع مشروعيته لنا في محل آخر لأنه تأخر ومنه الصوم على التمريض الخائف للتلف لأنه صار غير مشروع في حقه كالسلم فأصل البيع في الأعيان لنهيه ﵇ عن بيع مال ليس عند الإنسان وعن بيع الكالي بالكالي لكن سقط التعيين فيه تخفيفًا بحيث لم يبق مشروعًا بل العينية تفسده مع مشروعيته في غيره وكسقوط حرمة الخمر والميتة في حق المكره والمضر إلا في رواية عن أبي يوسف ﵀ واحد قول الشافعي ﵀ قاسا على الإكراه على الكفر وأكل مال الغير قلنا قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ بعد قوله قد ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ استثناء من الحرمة فالمحرم غير قائم بخلاف الثاني وقوله الأمر اكره وقلبه يطمئن بالإيمان مستثني من الغضب لامتها وذكر المغفرة في آخر آية فمن اضطر باعتبار زيادة التناول على قدر به إبقاء المهجة فإن رعايته واجبة ولأن حرمة الخمر لصيانة عقله ودينه والميتة لصيانة بدنه عن سراية الخبث ولا صيانة للبعض عند فوت الكل والثمرة في التأثيم إذا صبر فقتل عندنا والحنث إذا حلف لا يأكل حرامًا عندهما وحرمتهما باقية في غير حالة الضرورة وكسقوط غسل الرجلين في مدة المبيح لأنه غير مشروع حالة التخفف بل حالة التعري لأن الخف مانع لسرابه الحدث إلى القدم حكمًا فكيف يشرع غسله وليس معنى الرخصة تأدى الغسل بالمسح ليكون رافعًا وإلا لما اختلف بالمسح على الطهارة وغيرها كما في مسح الجبيرة وعلى الطهارة الكاملة عند الحدث وعدمها وكقصر السفر عندنا رخصة إسقاط فإتمام المسافر بنية الظهر لا يجوز كإتمام الفجر وبنية الظهر والنفل إساءة وترك القعدة الأولى مفسد وقال الشافعي ﵀ رخصة ترفيه حقيقة حتى لو فأتت يقضي أربعًا في
стр. 247
قول مطلقًا وفي قول إذا قضي في الحضر لأن النبي ﵇ سماه صدقة في حديث عمر ﵄ (١) والصدقة لا يتم إلا بالقبول ولذا قال فاقبلوا فقبل القبول على ما كان.
لنا وجوه:
١ - أن التصدق بما لا يحتمل التمليك أصلًا وإن كان ممن لا يلزم طاعته إسقاط محض لا يرتد بالرد كعفو القصاص أو هبته أو تصدقه أو تمليكه من الولى وكهبة الزوج الطلاق أو النكاح أو تصدقهما أو تمليكهما من المرأة وقد سمي الإسقاط تصدقًا في قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٠) فمن يفترض طاعته أولى بأن لا يتوقف على القبول لأن تمليك الله في محل يقبله لا يرتد مطلقًا كالإرث بخلاف تمليكنا في الأعيان ففى لا يقبله إذا لم يكن من العبد فمن الله تعالى أولى فمعنى اقبلوا صدقته اعملوا بها وإما ما يحتمل التمليك من وجه دون آخر كقوله لمديونه تصدقت بالدين عليك أو ملكتك إياه فإن قبل أو سكت سقط وإن رد ارتد لأنه مال من وجه دون آخر فكذا تصدقه ابراء من وجه وتمليك من آخر حتى لم يصح تعليقه بالخطر كتمليك العين فعمل بالشبهين، وفي حديث عمر بحث شريف استرادي هو أن قوله أنقصر الصلاة ونحن آمنون مبني على أن القصر معلق بالخوف في القرآن فقال بعض أصحابنا كل من الحديث وسؤال عمر ﵁ يدل على أن عدم الشرط لا يقتض عدم المشروط لأن عمر ﵁ كان من أهل اللسان وأرباب البيان فلو دل على ذلك لفهم وما سأل ورد بالمنع إما الحديث فلان القول بمفهوم الشرط إذا لم يظهر فائدة أخرى كالخرم مخرج الغالب ها هنا إذا كان الخوف هو الغالب حينئذ وإما السوال فلجواز أن يكون مبنيًا على وقوع العمل على خلاف ما فهمه كما يدل عليه سياق القصة. والجواب عن الأول: أن عدم القول بمفهوم الشرط مع أنه أصل عندهم لخروجه مخرج الغالب كلام لا طعم له فإن تعليق رفع الجناح عن القصر بأمر غالب لا سيما الخوف يويد عدم رفعه عند عدمه لأن النادر كالمعدوم ولأن للضرورة المؤثرة في رفعه ربما يكون ناشئة من الغلبة.
وعن الثاني: بأنه لم نرض رأسا برأس حتى جعل سياق القصة دليلًا على فهمه خلاف ما عملوا به وهو ممنوع إذا لو كان سواله مبنيًا على هذه الدلالة لما صح الجواب بأنه صدقة فاقبلوها لأن المستدل بشيء لإيجاب يمنع مداوله من غير التحرض لدليله بل الجواب حاصل أن التقييد بالخوف لغلبته لا لاقتضاء عدمه عدم القصر إما إذا جعل ساكنًا
стр. 248
عن حالة الأمن فسأل المعرفة حكمها صح الجواب بقبوله مطلقًا على أن عدم القول بمفهوم الشرط لخروجه مخرج الغالب مع تجويز فهم عمر ﵁ مفهومه متنافيان أو اعتراف بأنه ليس من أهل اللسان والثاني ظاهر البطلان فتعين عدم القول به وهو المذهب المشيد الأركان.
٢ - أن معنى الرخصة وهو اليسر عين القصر إذ ليس الإكمال إلا مؤنة محضة وثواب أداء الفرض واحد لأنه بتسليم ما عليه لا بتكبير الأعداد كظهر العبد مع جمعة الحر وفجر المقيم قال ﵇ "أفضل الصدقة جهد المقل (١) " فتصدق درهم ممن لا يملك غيره أفضل من آلاف ممن يملك أضعافها.
٣ - أن التخيير إنما يثبت للعبد إذ تضمن رفقًا وإلا فربوبية فإن اختيار العبد ضروري يثبت ضرورة الارتفاق والاختيار المطلق آلهي ولا رفق في التخيير لتعين القصر له بخلاف التخيير في أنواع الكفارة وجزاء الصيد والحلق لاختلافها وبخلاف رخصة الصوم فإن اليسر متعارض إذ مشقة السفر معارضة بخفة الشركة مع المسلمين ورفق الإقامة بمشقة الانفراد فصار الصوم أولى لأصالته وتمسك الشافعي رحمه الله تعالى في أن الفطر أولى في قول بظاهر الرخصة والعزيمة فيهما كما هو دأبه وإن قيل بأن الحق أن الصوم أفضل عنده قولًا واحدًا عند عدم التضرر والإفطار أن تضرر فعلى هذا الخلاف فقال لما تراخي وجوب الأداء إلى العدة ونفس الوجوب لا ينفك عنه عنده تأخرت العزيمة فينبغي أن لا يجوز قبلها كقول الظاهرية غير أنا تركناه في عدم الجواز للأحاديث الواردة فبقي في أفضلية الفطر ولا تراض في الصلاة فعزيمتها أولى قلنا الاعتبار للمعاني لا سيما في درك حدود القياس.
أصل مناسب: اختلاف الأجناس بحسب المعنى هو المعتبر لإفادة التخيير لا بحسب الصورة فلذا خير العبد بين الظهر والجمعة إذا أذن مولاه لها لأنهما مختلفان اسمًا وشرطًا ولذا لا يصح اقتداء ناوي إحديهما بناوي الأخرى بخلاف ظهر المقيم والمسافر مع أن لكل منهما رفقًا ليس للأخرى بل الجمعة هي الأصل له عند الأذن يكره لخلفه عنها وكذا التخيير من دخل الدار به بقوله إن دخلتها فعلي صيام سنة بين صيام سنة وتكفير بصوم
стр. 249
ثلاثة عند محمَّد ﵀ ومروي في النوادر أن الإِمام رجع إليه قبل موته بأيام لاختلافهما معنى فإن أحدهما قربة مقصودة خالية معنى الزجر والعقوبة والآخر كافر إما في ظاهر الرواية فيجب الوفاء بالمنذور كما هو الصحيح في نحو أن شفي الله مريضى مما يراد وقوعه ولا يرد تخيير موسى ﵇ بين أن يرعى ثماني حجج أو عشرًا لأن الفضل كان برًا منه بدليل من عندك ولا تخييرنا في نافلة العصر بين الأربع والركعتين لأن في الكثير مزيد الثواب وفي القليل يسرًا ونظير التخيير عند اختلاف الجنس ولزوم الأقل عند اتحاده تخيير المولى عند جناية العبد بين الدفع والفداء كانت القيمة أقل أو أكثر لاختلافهما ولزوم الأقل من الأرش والقيمة عند جناية المدير لأن المقصود المالية.
المبحث الثالث في أحكام الحكم
فللوجوب أحكام:
أحدها: في الواجب على الكفاية وهو:
ما يحصل المقصود من شرعيته بمجرد حصوله فلذا يسقط بفعل البعض كالجهاد المقصود منه إعلاء كلمة الله بإذلال أعدائه إما العين فما لا يحصل المقصود من شرعيته لكل أحد لا بصدوره منه كتحصيل ملكة الخضوع للخالق بقهر النفس الإمارة بتكرار الأعراض عما عداه والتوجه إليه في الصلاة وحكمه الوجوب على الجميع أي على كل واحد وسقوطه بفعل البعض وليس رفع الحكم نسخًا مطلقًا بدليل شرعي متراخ وهذا ارتفاع بطريق عقلى لارتفاع شرطه وهو فقد المقصود وقيل: يجب على البعض فافترقوا فقيل أي بعض كان وقيل: بعض معين عند الله تعالى لنا: إثم الجميع بتركه ولهم أولا لو وجب على الجميع لما سقط بفعل البعض قلنا لا ثم اللزوم كما يسقط ما في ذمة الأصل بأداء الكفيل والاختلاف في طرق الاسقاط لا ينافي وحدة الساقط في الحقيقة كما في الكفاله ونحو قتل من ارتد فقتل نفسًا عمدًا عدوانًا إذ ليس متعددًا في الحقيقة بل في الاعتبار ويسقط من حيث الرد تارة بالنوبة وأخرى باستيفائه، ومن حيث القصاص تارة بالعفو مطلقًا أو على مال وأخرى باستيفائه.
وثانيًا: لو لم يجز الإيجاب على البعض لكان لاتهامه وهو ملغي كما في المخير على المختار.
قلنا: تأثيم المعين بترك منهم من أمور تعينه أي يترك الكل معقول وتأثيم المبهم بترك واجب معين غير معقول فلا يلزم من إلغائه ثمة الغاؤه ها هنا وليس القصد إلى تأثيم كل
стр. 250
واحد ابتداء كما في العين.
وثاكً: قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (التوبة: من الآية ١٢٢) ففيه إيجاب على طائفة غير معينة قلنا مؤول بأن فعَل الطائفة مسقط للوجوب جمعًا بين الدليلين.
وثانيها: في الواجب المخير وهو الواجب بالأمر بواحد منهم من أمور معينة كخصال كفارة اليمين والخلق وجزاء الصد وسائر الكفارات مرتبة فالواجب عنده أحدها منهما وتحقيقه أن الواحد من تلك الأمور من حيث مفهومه الذي لا يتعداها معلوم ومن حيث تعدد ما صدق عليه منهم ومخبر فيه فمعنى وجوبه وجوب تحصيله في ضمن معين ما وإن كان نفسه واحدًا جنسيًا ومعنى تخييره التخير في إيقاعه بين المعينات وكان الواجب معلومًا كلف بإيقاعه معينًا والتوقف إيقاعه كذلك على خصوصيات خير بينها وقال بعض المعتزلة الواجب الجمع ويسقط بالواحد وجوب الباقي فأبو هاشم واضرابه على أن الثواب والعقاب لو أحد هو الأعلى الأول والأدنى في الآخر فالنزاع لفظي وغيرهم على أنهما لكل واحد فمعنوي وبعضهم الواجب معين عند الله تعالى وهو ما يفعله المكلف فيختلف وبعضم معين لا يختلف لكنه يسقط به وبالأخر سقوط الواجب بالنفل.
لنا: إمكان الإيجاب على الوجه المذكور ودلالة النص عليه وفي تمسك المعتزل بالنص قولًا بأن المعطوف على المأمور الواجب واجب مصادرة إما أن التخيير لو اقتضى وجوب الجميع لوجب الترويج من جميع الأكفاء الخاطبة عند أمرها به والإجماع على بطلانه وكذا في وجوب اعتاق واحد من جنس الرقبة للكفارة فطعن فيه الإِمام الرازي بأن وجوب الجميع جمعًا غير لازم وبدلًا غير مجمع على بطلانه وليس بشيء لأن وجوب الجميع بدلًا عين وجوب الواحد المبهم فالملازمة إنما هي على تقدير نقيض المدعي.
للمعتزلة الأولى: أولًا أن التكليف بغير المعين تكليف بالمجهول وعلم المكلف والمكلف بالمكلف به ضروري وبالمحال لأن غير المعين يستحيل وقوعه فكل واقع معين ولا قائل بأنه هو.
قلنا: مفهومه معلوم والإبهام في ذاته كما مر.
وثانيًا: بأن الواحد الدائر واجب ومخير فإن تعدد ألزم التخيير بين الواجب وغيره فيرتفع الوجوب لجواز اختيار الغير وعدم فعله وان اتحد ألزم اجتماع جواز الترك وعدم جوازه في شيء واحد قلنا نختار التعدد لأن الأحد الدائر إذا تعلق به الوجوب والتخيير
стр. 251
يأبى كون متعلقيهما واحدًا كتعلق الوجوب والحرمة في كافر أسلم على أختين تحته فتصرف الحرمة إلى معين والوجوب إلى تعيين آخر بمعنى أيهما عين حرم الآخر وها هنا الوجوب إلى الواحد الدائر والتخيير إلى المعينات وإنما يرتع الوجوب لو أمكن إيقاع الواجب لا في ضمن أفراده الكائنة من حيث التعين خيرًا له.
وثالثًا: بقياسه على الكفاية وإن وردت بلفظة التخيير نحو ليفعل سالم أو غانم بجامع حصول المصلحة بمبهم من فاعلين أو فعلين لاستوائها فيهما قلنا أولًا بأن بينهما فرقا ففى الكفاية إجماع على تأثيم الجميع ولا إجماع هنا على التأثيم بترك الكل أو بأنا لا نعلم صحة القياس وإنما يصح لو لم يكن فرق مؤثرًا ولا تم وجود العلة في الفرع وكيف ولازمها وهو التأثيم بالجميع منتف والسند لا يمنع.
وثانيًا: الفرق من جهة أخرى أن الجامع وإن اقتضى ظاهرًا جواز التعلق بالمبهم فيهما لكن ضرورة انتفاء لازمه وهو تأثيم المبهم لكونه غير معقول تضمنت إليه قصار المجموع علة مخالفة الظاهر والوجوب على الجميع ولا ضرورة هنا وإن التأثيم يترك مبهم من أمور معينة معقول وهذه الأدلة مختصة بالأولى لأن الأولى يقتضي علم المأمور بالمكلف به.
والثاني: عدم جواز التخيير بين الواجب وغيره وليسا في المذهبين الأخيرين والثالث ظاهر فللثانية وجوب علم الله بما يفعل لشموله وما يفعله كل هو الواجب عليه اتفاقًا فيختلف.
وللثالثة: وجوب علم الأمر بالمأمور به قلنا عنهما العلم بأنه أحد الأمور كاف بل لو لم يكن علم الأمر بالمبهم على أنه مبهم كان جهلًا ولا تفاوت بين المكلفين بالتكليف بل بالاختيار.
وثالثًا: في الموسع أي وقته وهو الذي يزيد وقته على الفعل فالجمهور على أن كل جزء منه وقت لأدائه وقال القاضي الواجب في كل جزء الفعل فيه أو العزم عليه فيما بعده إلى أن يبقي قدر ما يسعه فبتعيين الفعل وبعض الشافعية على أنه أول جزء فالتأخير قضاء وبعض الحنفية آخر جزء فالتقديم نفل يسقط الفرض كالزكاة المعجلة والكرخي على أنه نفل سقط أن لم يبق مكلفًا إلى آخر الوقت بأن يجن أو يموت وإن بقى علم أنه كان واجبًا وهذا الخلاف غير ما مر أن السبب عند الشافعية أول جزء في رواية وأخره في أخرى وعند أوله أن اتصل به الأداء وإلا فما اتصل به متنقلًا جزعًا فجزعًا إلى أن يتضيق فيتقرر عند زفر رحمه الله تعالى لاعتباره القدرة بالفعل وإلى آخر جزء فيتقرر فيه عند
стр. 252
غيره لأن إمكان القدرة كاف فيعتبر العوارض وبغير الفعل كمالًا ونقصانًا عنده وعند فواته ينتقل السببية إلى الكل كما هو أصله وذلك لاتفاق أصحاب ذلك الخلاف على أن الواقع في كل جزء أداء فهو في تقرر السبب لا أصله.
لنا: لولا تيقننا إيجاب الفعل معينًا بجميع الوقت من غير تخيير وتخصيص فهما تحكم وثانيًا لزوم التقديم على الوقت أو القضاء وكلاهما خلاف الإجماع.
للقاض أن للفعل أو العزم حكم خصال الكفارة.
قلنا: نقطع بالامتثال بخط وصية الفعل والإثم بترك العزم لكون وجوب العزم على فعل كل واجب عند تذكره إجمالًا وتفصيلًا من أحكام الأيمان لا لتخيير ولا تعلق له بالوقت إذ مجوز ترك واجب بعد عشرين سنة آثم وللتعضين دليلان مقلوبان بعضًا مفهومان من ثاني دليلي الجهور قلنا فيهما خلاف الإجماع إنما يلزم لو لم يكن التأخير والتعجيل كخصال الكفارة وهذا إنما يناسب التخيير بين الأداء والقضاء في الوقت وبين الأداء والتقديم في الوقت وللكرخي أن يقرر الوجوب بآخر الوقت مع التكليف عنده واجب ومع عدمه نفل وتنافيه الأحكام كوجوب نية الفرض وغيره.
تذنيبان:
١ - قيل: إن فرضنا تقارن أول الصلاة بأول الوقت صحت عند الشافعية وعند الحنفية لا بد أن يتقدم جزء عليها لوجوب تقدم السبب. ورد بأن تقدمه ذاتي كتقدمة حركة الإصبع على حركة الخاتم ولا ينافيه التقارن، وأقول بعد تسليم الرواية وإمكان ألا يتقدم جزء لا يتجزأ أن معنى سببية الوقت كون العبادة شكر النعمة الوجود فيه ومن لوازم الشكر سبق النعمة ولأن المكنة بمعنى سلامة الأسباب هى الشرط للفعل لا الاستطاعة الحقيقة كما سيظهر وهي مقدمة والزمان المتوهم كاف للتقدم الزماني كما في خلق الله الزمان.
٢ - أن مؤخر الفعل عن جزء ظن الموت فيه عاص اتفاقًا ومؤد عند الجمهور وقاض عند القاض فإن أراد القضاء اللغوي الشامل كالأداء فلفظي وإلا فمعنوي فهو جعل الوقت المتعين بظنه ناسخًا والحق أنه أداء كجلس في بيت مظلم اعتقد قبل الوقت أنه لم يبق منه إلا قدر ما يسع الفرض فأخر عصى ثم خرج وعلم خطأ اعتقاده واوقعه في الوقت كان أداء فالأصل أن العصيان لا ينافي الأداء والعوارض لا تعارض الأصول وهذا بخلاف من أخر مع ظن السلامة ومات فجأة حيث لا يأثم إذ لا تأثيم بالجائز وشرط سلامة
стр. 253
العاقبة تكليف بالمحال عكس ما وقته العمر فإنه يأثم بالموت بعد تأخيره والألم يتحقق الوجوب ورابعها في مقدمة الواجب، وقبل التحرير تمهيدات:
أ- أن مقدمة الواجب ما يتوقف عليها فإن كان التوقف وجوبه فهو مقيد إما تحقيقًا بقيد وجوب السعي بنداء الصلاة والصلاة بدلوك الشمس أو تقديرا كالزكاة بحصول النصاب النامي وككل واجب بحصول محله والقدرة الممكنة وغيرها وإن كان صحته فهو المطلق أي بالنسبة إلى ما ليس قيدًا لوجوبه كتوقف الصلاة على الوضوء والزكاة على إفرازه والنكاح على الشهود وقيل: المطلق ما يجب في كل وقت وعلى كل حال فنوقض بالصلاة حيث لا تَجِب قبل الوقت وحال الحيض فزيد في كل وقت ما قدر الشارع إلا لمانع ولا يشمل غير الوقتيات ولا مثل الحج والزكاة في إيجاب ما يتوقف عليه صحتها من المقدمات.
ب- أن المقدورية قد تفسر بإمكان التحصيل فيخرج عنها تحصيل البدو الرحل والقدرة ونحوها وقد تعرف بإمكان الإتيان بها وتركها عند الإتيان بالواجب عقلًا وعرفًا كالوضوء للصلاة والأول أعم لتناوله مالًا يتناوله الثاني من الشرط العقلي كترك جميع الأضداد للواجب الغير الكف وفعل ضد واحد للكف والعرفي كغسل شيء من الرأس لغسل الوجه وستر شيء من الركبة لستر الفخذ والسبب العقلي كالذهاب إلى مكة للحج.
ج- أن التوقف إما عقلي أو عرفي كما مر أو شرعي بأن جعله الشارع شرطًا ففسر المقدورية بالأعم يجعله متناولًا للثلاث ومفسرها بالأخص يخصه بالثالث فنقول مقدمة الواجب المقيد لا يجب اتفاقًا كالاستطاعة للحج والنداء للجمعة ومقدمة المطلق وأخذ إذا كانت مغدورة بالتفسير الأعم فيها وفق التوقف عند الجمهور فيحترز بها عن محو الوضوء لمن لا يجد الماء أو لم يقدر على استعماله بل يجب بدله وهو التيمم وعلى فاقد الطهورين التشبه كالمربوط على سارية وبالأخص فيهما عند ابن الحاجب فيحترز عنه وعن الشروط العقلية والعرفية والأسباب فالثمرة في تناول حكم المسألة هذه الثلاثة عندهم وعنده الشرط الشرعي فقط، ورجح الأخير بأن ما لا يمكن تحصيله يخرج بقيد الإطلاق لكون الواجب بالنسبة إليه مقيدًا فلا يحتاج إلى قيد المقدورية احترازًا عنه وذلك مسلم في نحو تحصيل المحل والقدرة أم إلى نحو الوضوء والتيمم فلا لأن الموقوف عليهما الصحة لا الوجوب وقال بعض الجمهور وهم الواقفية إن كان سببًا يجب وشرطًا لا وقيل: لا مطلقًا فدعوى الاتفاق في وجوب السبب باطلة للجمهور أن الشرط لو لم يجب لجاز تركه مع وجوب المشروط وهو تكليف بالمحال، فكذا يجب السبب إذ لا قائل بوجوب
стр. 254
الشرط دون السبب ورد بأن المحال وجود المشروط مع عدم الشرط لا مع عدم إيجابه لجواز الإيجاب عند وجود الشرط كإيجاب الزكاة عند وجود النصاب وجوابه بأنه خلاف الظاهر لأن الواجب المطلق يقتض ظاهرًا وجوبه كل وقت فنفي عدم وجوبه عند عدم الشرط بخلاف إيجاب المقدمة فإن الأمر لا ينفيه ليس بشىء لما مر أن الواجب المطلق أعم من ذلك بوجوه نعم يمكن أن يقال أن مثله شرط الوجوب والكلام في شرط الصحة فكل مقدمة أن يقيد الوجوب بها فلا نزاع فيها وإلا ثبت الوجوب على كلا تقديري وجودها وعدمها والتكليف بهذه الحيثية لتضمنه الوجوب على تقدر عدم المقدمة مع توقف الوجود عليها تكليف بالمخ إما في المقدمة العقلية فظاهر وإما في العادية فلأن التكليف بالمخ يتناول المحال العادي في الامتناع بل هو في الحقيقة محل النزاع كما سيظهر وقالوا أيضًا كل ما يتوقف عليه الصحة شيء لا يحصل الامتثال وتفريغ الذمة بدونه وكل ما كان كذلك فهو واجب وقريب منه قولهم لو لم يجب لصح الأصل دونه ولما كان التوصل إلى الواجب واجبًا والجواب للصحيح عن الكل أن الثابت بها أن لا بد منه لا أنه مأمور به شرعًا بل ذلك منتف قطعيًا وإلا كان الشرط الفعلي أو العادي عبادة وليس كذلك اتفاقًا لا يقال الإجماع منعقد على وجوب تحصيل أسباب الواجب شرعًا كحز الرقبة لأنا تمتع بالإجماع وإن سلم ففي الأسباب فقط لا مطلقًا ولا لكونها وسيلة بل بدليل خارجي وليس هو الإجماع لأنا في طلب الداعي إليه ولا ضرورة الجبلة لأن ما لا بد منه كذلك ولا أن ليس في وسع لمكلف إلا مباشرة الأسباب لأنه ممنوع بل لأن المسببات قد لا تكون مقدورة فيصرف الأمر بها إلى أسبابها كجزء لرقبة ومنه إثبات وجوب النظر يتوقف معرفة الله تعالى عليه فإنه سبب لا شرط وبه علم دليل الواقفية ودليل ابن الحاجب إما على أن الشرط الشرعي واجب فإذ لولاه لوجد بدونه إتيان المأمور به بهذا وهو الصحة والصحة بدونه تنفي شرطيته هف ويرد منع أن الصحة موافقة هذا الأمر فقد بل جميع الأوامر الواردة في شأنه فيجوز أن يكون وجوب الشرط بأمر أخر بل لا بد منه للعلم بشرطيته إذا إيجابه بهذا الأمر يتوقف عليها ولئن سلم فيجوز التقييد التقديري لهذا الأمر بأمر آخر فلا يوجد بدونه موافقة هذا الأمر أيضًا، والثاني هو السلف على دليل الجمهور في الحقيقة مع جوابه لكن يرد الأول إذ ليس النزاع في وجوب الشرط عند المشروط في نفس الأمر كما مر بل في أن إيجاب المشروط إيجاب له، وجوابه أن الأوامر الواردة في شأن الواجب المطلق شروطًا وأسبابًا لبيان الشرطية والسببية لا للإيجاب مطلقًا
стр. 255
فإيجابها بأمر الواجب وهي لبيان تفاصيل الموجب يوضحه أن الأمر لو لم يرد بالمشروط وطالما يجب الإتيان بالشرط أصلًا فتاركهما يعطى الأمر بالمشروط من وجهين وإما على أن الشروط العقلية والعادية والأسباب لا تجب فلستة أوجه:
١ - لو وجبت للزم تعقلها لأن تعلق الخطاب ملزوم شعور المخاطب ونحن نقطع بإيجاب الفعل مع عدم الالتفات إلى لوازمه عقلًا أو عرفًا وعبارة الذهول غنما تصح في الشاهد دون الغائب بخلاف الشرط الشرعي فإن الأمر طلب إيقاع الواجب مشروعًا وذلك بملاحظه ماله من الأركان والشرائط الشرعية.
٢ - لتعلق به طلب فعل ينتهض تركه سببًا للعقاب ولا يتعلق إذ لا موأخذة بتركه من حيث هو كما لا ثواب بفعله اتفاقًا وكل ما لم يتعلق به ليس بواجب لأن الحد والمحدود يتلازمان إما الشرع فقد تعلق به ذلك.
٣ - لامتنع التصريح بعدم إيجابه وليس هذا كأوجبت غسل الوجه لا شيء من الرأس ولا يرد منع اللزوم أن قدر على الواجب بدونه ومنع بطلان اللازم إن عجز إما الأول فلان الشرط العرفي كالعقلي عندهم وإما الثاني فلأن التصريح بعدم إيجابه إنما يمتنع لو قطعنا بملاحطه عند الإيجاب كما في الشرعي.
٤ - لعصي بتركه كالشرعي ونحن نقطع أن العصيان بترك غسل الوجه لا غسل شيء من الرأس وبرد الإيراد مع جوابه.
٥ - لصح قول الكعبي أن لا مباح لأن فعل الواجب الذي هو ترك الحرام لا يتم إلا بفعل المباح وفيه كلام سيجيء إن شاء الله تعالى.
٦ - لوجبت نية المقدمة إجمالًا كما في الشرعية ولا يجب لأن النية لتمييز العادة من العبادة وغير الشرعية ليست بعبادة اتفاقًا إما نفس النية فلتميزها بذاتها لم يحتج إلى النية كما في الوجود ونحوه وهذا يختص بمذهب المشترطين للنية بالشروط لا عند القائلين بأن الشروط يعتبر وجودها كيفما كان لا قصدًا قبل يندفع الكل بأن تعلق الخطاب بالإيقاع على الوجه الممكن عقلًا وعادة وشرعًا وأجيب بأنه إنما يسلم لو أثبت ملاحظة الأمر في كل والثواب بفعله والعقاب بتركه ورد بأنه مشترك الإلزام للنزاع فيها في الشرعية أيضًا ولفساد قياس الغائب على الشاهد في عدم الملاحظة.
والحق: أن الفرق الإجماع على كون الشرعية عبادة عند النية دون العقلية والعرفية وسائر الفروق تبتني عليه وللواقفية في إيجاب الأسباب دون الشروط أوّلًا ما مر وثانيًا أن
стр. 256
الأسباب مقتضية أو مقضية فيشتد تعلقها بخلاف الشروط.
قلنا: عن الأول انتفاء دليل من الشروط لا يقتضى انتفاء المدلول وعن الثاني أن مقتض الواجبية توقف الأصل عليه لا شدة التعلق ولا فرق في ذلك وللمانعين مطلقًا عدم ظهور التناول أو الانفهام ويظهر خلله عند تعقل أن تعقل الطلب بالايقاع على الوجه المشروع أو على الوجه الممكن.
تتمه: قيل كما أن من مقدمة الواجب ما يتوقف عليه وجوده بأحد التوقفات الثلاثة فمنها ما يتوقف عليه العلم به إما للالتباس كالإتيان بالصلوات الخمس عند ترك واحدة ونسيانها أو للتقارب كستر شيء من الركبة لستر الفخذ، وفيه بحث لأن العلم به أن كان واجبًا كان ما يتوقف عليه من سائر الصلوات واجبة وأنها نفل كيف وقد قيل لو قضى واحدة وصادف المتروكة سقط وإن الإتيان بسائرها وبستر المركبة مقدمة عادية لنفس القضاء وستر الفخذ كما مر والمختار فيها عدم الجواب ومما يونسها أمور:
١ - اشتباه المنكوحة بغيرها يجب الكف عنهما إلى أوان رفعه.
٢ - قوله لزوجيته إحديكما طالق يكف عنهما إلى أوان البيان والطلاق يستدعى محلًا معينًا في الجملة لا معينًا شخصيًا ومحل الحرمة متعين في الأول في نفس الأمر لا ها هنا وعلم الله تعالى تابع للمعلوم.
٣ - الواجب غير المقدر كالطمأنينة في الركوع إذا زيد على قدر الواجب لا يوصف الزائد بالوجوب لجواز تركه ومنه الزائد على مطلق المسح في الرأس والخف عند الشافعية والحق خلافه لأن المسح إمرار اليد لغة فيستدعى لغة فيستدعي مقدارا فيكون محملا بينه حديث المغيرة أو آلته ولذا ذهب مالك إلى استيعاب الرأس ومحل الفرض في الخف واحد إلى أكثر الرأس والخف إما الحكم عليه بأنه الإصابة فليندفع الامالة.
وللحرمة حكمان
الأول: في الحرام المخبر وهو جواز أن يحرم واحد مبهم من أشياء معينة والتخيير في الترك كما كان في الواجب بالفعل فله أيها شاء جمعًا وبدلًا لا أن يفعل الكل خلافًا للمعتزلة.
الثاني: في اجتماع الوجوب والحرمة في الفعل الواحد إما الواحد بالجنس كالسجود لله تعالى وللشمس فمنعه المعتزلة فمن قال بأن الحسن والقبح لذات الفعل تمسك بلزوم اقتضاء الحقيقة الواحدة متنافيتين فإذا لورد قوله تعالى ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾
стр. 257
(فصلت: من الآية ٣٧) الآية. أجابوا: بأن الوجوب والحرمة لقصد التعطم لا للسجود وهذا تخصيص لدعواهم بأفعال الجوارح وجوابه بعد تسليم حكم العقل بوجهين:
١ - منع اللزوم لجواز أن يكون الفعل مشككًا في أفراده والاقتضاءات المختلفة يكون منها.
٢ - أن الإجماع قبل ظهور المخالف منعقدٌ على أن الساجد للشمس عاص بالسجود والقصد معًا ومن قال منهم بأنهما للأوصاف والإضافات تثبث بلزوم اجتماع الضدين وليس بشيء لأن اختلافهما بوجوب المغايرة بين المتعلقين وإما الواحد بالشخص فعند اتحاد الجهة مستحيل قطعًا إلا عند بعض من جوز التكليف بالمخ وبعضهم منعه قولًا بأنه تكليف محال لاجتماع تجويز الفعل الذي يتضمنه الإيجاب وعدم التجويز وعند ما يكون له جهتان فإن كان بينهما لزوم فكذا لتعذر الامتثال بهما وإن لم يكن بل جمعهما المكلف باختياره كالصلاة في الدار المغصوبة فإن للأكوان التي يتضمنها جهتين كونها من هيئات الصلاة المأمور بها وكونها استيلاء على مال الغير ظلمًا ولا ملازمة بينهما وكذا رمي المكلف سهمًا إلى حربي فطرق مسلمًا أو بالعكس فقال الجمهور لا تصح الصلاة والقاضي على إنها لا تصح أي ليست طاعة لكن يسقط الطلب عندها لا بها أي طريق إلى سقوطه من غير تأثير قال الإِمام هذا حيدٌ عن التحصيل لأن الأعذار القاطعة للخطاب محصورة وسقوط التكليف عند المعصية لا أصل له في الشريعة، ورد بأن الفرض قد يسقط عند المعصية كشرب المجنون حتى جن وجوابه أن ذلك لرفع الأهلية لا لفعل ما كلف به مع بقائها وأحمد الجبائي وأكثر المتكلمين على إنها لا تصلح ولا تسقط.
لنا: أولًا: أن خياطة العبد المأمور بها في مكان نهي عن السكون فيه طاعة ومعصية من جهتين. وثانيًا: أن المانع اتحاد المتعلقين ولا اتحاد بين الصلاة والغصب ولا تلازم في الحقيقة وجمع المكلف لا يخرجهما عن الحقيقة، وقد يستدل ثالثًا: بلزوم أن لا يثبت بلزوم أن لا يثبت صلاة مكروهة وصوم مكروه وقد ثبتا كالصلاة في المواطن السبعة والصوم يوم الجمعة مفردًا وإنها ضد على غير أحمد لخلافه في صحتهما، وبيان للزوم أن الأحكام كلها متضادة فلو لم يجتمع مع الحرمة لم يجتمع مع الكراهة ورد الكون في الخير الذي هو شخص واحد في الخارج جزء للصلاة في الدار المغصوبة وعين الغصب وبالجملة ذاتي للجهتين فيتحد متعلق الوجوب والحرمة بحسب الوقوع وإن لم يكن بين الصلاة والغصب اتحاد في المفهوم ولا بين الجهتين تلازم بحسب الاعتبار كما مر فإن كان
стр. 258
الصلاة والصوم المكروهان كذلك منعنا صحتهما وإلا منعنا اللزوم والأولى الاكتفاء يمنع اللزوم وبيان أنهما ليسا كذلك كما في الكون الشخصي الذي في صلاة الحمام فمرجع الوجوب جزئيته ومرجع الكراهة وصف منفك عنه وهو خوف إصابة الرشاش أو لوسوسة الشياطين لكونه مأوىً لهم من حيث أنه محل انكشاف العورة وكما في الإمساك الشخصي يوم الجمعة فمرجع الوجوب جزئيته ومرجع الكراهية كونه مظنة الضعف المخل بعبادات ذلك اليوم وهذا لأن صحتهما متفق عليها عند غير أحمد فلا يتوجه منعها. ورابعًا: إنها لو لم تكن صحيحة لم يسقط معها أي عندها التكليف لأن سقوط القضاء عين الصحة أو ملزومها على المذهبين ونص القاضي على الإجماع على سقوط القضاء قبل الملزومية ممنوعة لأن سقوط القضاء عنده بجامع عدم الصحة في مذهب القاضي قلنا ذلك فيما يرفع الأهلية كما مر أن المجامع سقوط التكليف لا سقوط القضاء قال الإِمام كما نفل عنهم سقوط الطلب نقل إنها صلاة مأمور بها فكيف نخرقه في عين ما ينقله، ورد هذا أيضا بمنع الإجماع لمخالفة أحمد لا تعني أنها لقنع انعقاده حتى يرد قول الغزالي إنها حجة على أحمد لجوازه قبله أو بعده بل لأنه أقعد بمعرفة ما انعقد قبله من القاضي قال المقتول نسبة أمام للمسلمين التي الميتة الجاهلية إفك وتبديع كمجرد وهم وتواتر الإجماع في خراسان على قرب خمسمائة سنة إلى متوسط أو ضعيف في التقلبات مع عدم وصوله على قرب المائتين إلى المخالط لحملة الأنباء الأشد بحثًا فيها بعيد، وللقاضي والمتكلمين أعني البهشمية في نفى صحتها أولًا: اتحاد متعلقى الأمر والنهي فإن الكون لكونه جزأ الحركة والسكون الجزئين للصلاة مأمور به ولكونه عين الغصب منتهي عنه والضاد وعن المكلف هو الكون لا جهتاه فيلزم اجتماع المتقابلة في واحد بالشخص في زمان واحد، قلنا: امتناعه عند اتحاد الجهة لجواز كون شخص أبكم وابنًا من جهتين ولا اتحاد هنا كما في مثال الخياطة.
وثانيًا: إنها لو صحت لصح صوم يوم النحر المنذور لوجود المقتضي وارتفاع المانع فيهما حينئذ إما الأول ففيها الأمر بها من حيث إنها معلول لدلوك الشمس مثلًا وفيه اندراجه تحت قوله تعالى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (الحج: من الآية ٢٩) عند القائلين بانعقاده كالحنفية لكون التزامه قربة واقترانه بيوم العيد باختيار المكلف كنذر الصلاة في المساجد الثلاثة التي هي أفضل تنعقد ولا تجب فيه.
وإما عند الشافعية فلا مقتضى لعدم انعقاده فإن النذر التزام القربة وصوم يوم العيد
стр. 259
ليس قربة ولقوله ﵇ لا نذر في معصية الله تعالى وظهر جوابه وإما الثاني فلعدم الاتحاد ها هنا كما ثمة كالصومية والوقوع يوم النحر.
قلنا أولًا لا نسلم الملازمة كيف وبينهما لزوم من أحد الطرفين لأن صوم يوم النحر مضاف لا ينفك عن مطلقة ولا يلزم من دفع الأقوى الملازم من جهة الصحة دفع الأضعف الجائز الانفكاك من الطرفين إياها. وثانيًا: يمنع اللزوم على مذهب الشافعية مستندًا بالفرق فإن نهى التحريم وإن اقتضى بطلان الذات فيهما فقد وجد في الصلاة دليل مخالفة الظاهر وهو لزوم التكليف المح فوجب صرف النهي إلى فساد الوصف كالنهي عن الطلاق في الحيض صرفه أمره ﵇ بالرجعة له إلى وصف تطويل العدة والحق به كل طلاق يقضي إليه في الحرمة بخلاف الصوم المذكور المنذور فإنه لم ينعقد فلم يتناوله قوله تعالى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (الحج: من الآية ٢٩) ويمنع بطلان اللازم على مذهب الحنفية لأن النهي في كراهة فيرجع إلى صفة الإعراض عن ضيافة الله تعالى فيصح ذاته هذا كله فيما لا لزوم إما فيما هو فيه كمتوسط أرض مغصوبة على علم ببذل مجهوده في الخروج منها فحظ الأصول فيه بأن جواز تعلق الأمر والنهي معها بالخروج لو عدم جوازه فقال البهشمية تعلقان مغابة إذ لم يسقط الطلب عنه يوم القيمة وإن أتى بما وجب عليه كمن غصب مالًا غاب صاحبه ثم ندم وتاب لم يسقط حق الأدمي قلنا فيه التجويز وعدمه وهو تكليف هو محال فلا معصية إذا حرج بماهية شرطه من السرعة وسلوك أقرب الطرق وأقلها ضرًا وقال الإِمام باستصحاب حكم المعصية لتسبب فعله الاختياري إلى ما تورط فيه لا للنهي عنه حتى لو وقع بالإجبار سقط عنه المعصية وبه ظهر جواب مسألة أبي هاشم تحير فيه الفقهاء وهي توسط فتخص جمعًا من الجرحي جثم على واحد بحيث أن بقي هلك من تحبه وإن ذهب فآخرًا أن حكمه سقوط التكليف مع استمرار حكم العصيان.
قلنا: بعيد إذ لا معصية إلا بفعل منهي عنه أو ترك مأمور به والحصر عنده ممنوع لجواز أن تكون بتسبب منهي عنه بالاختيار وهو أقرب من التعصية بفعل الغير.
وللندب حكمان:
١ - أن الأمر فيه أيضًا حقيقة عند القاضي وجماعة فيكون بينهما مشتركًا لفظيًا أو معنويًا ويكون حكمه التوقف خلافا للكرخي والجصاص ولا خلاف في استعمال الصيغة مجازًا، ولا لزوم أن يكون ترك المندوب معصية إذ لا معنى لها إلا مخالفة الأمر الظاهر أو
стр. 260
للازم. وثانيًا: أن السواك مندوب إليه وليس بمأمور به لقوله ﵇ "لولا أن أشق على أمتي" الحديث ولأن المندوب لا مشقة له والمأمور به فيه مشقة بالحديث لا يقال المعصية مخالفة أمر الإيجاب والمعنى أمرتهم أمر إيجاب لأن كلا منهما خلاف الظاهر قالوا أولًا المندوب طاعة إجماعًا وكل طاعة مأمور بها إذ ليست هي ما هو مرادًا لله فقد يريد العصيان بل ما أمر به قلنا الحصر ممنوع بل هي فعل المطلوب الأعم من الجازم والراجح وثانيًا ينقسم إلى أمر إيجاب وندب لغة اتفاقًا ومورد القسمة مشترك، قلنا انقسامه مرادًا به (أم ر) لا نعلم الاتفاق فيه ومرادًا به استعمال مدلوله وهو الصيغة لا يفيد فإن الانقسام قد يكون إلى الأقسام المجازية كما إلى خمسة عشر أو أكثر.
٢ - أنه ليس تكليفًا إذ لا يوجب مشقة والتكليف إلزام ما فيه كلفة خلافًا للأستاذ فإن التكليف طلب ما فيه كلفة وفعله لتحصيل الثواب سياق لأنه ربما يخالف المشتهى فالنزاع لفظي إما وجوب اعتقاد ندبيته فأمر آخر.
وللكراهة أحكام
الأول: أن النهي حقيقة فيها لأن ترك المكروه طاعة بناء على أن النهى عن الشيء أمر بضده أو مستلزم له عندهم ولأنه ينقسم إلى نهى تحريم ونهي كراهة والحق خلافه كما مر.
الثالث: إنها ليست تكليفًا إذ لا إلزام فيها أو تكليف لأن في تركه لتحصيل الثواب كله كما مر.
الثالث: أن المكروه قد يطلق على الحرام نحو نكره في الأوقات المكروهة صلاة أو كما قال الشافعي صلاة لا سبب لها وعلى ترك الأولى نحو ترك صلاة الضحى مكروه.
وللإباحة أحكام
الأول: المباح يراد فيه الجائز ويطلق أيضًا على معان أربعة:
أ- مالًا يمتنع شرعًا أي لا يحرم فيتناول غير الحرام نحو يجوز الصلاة في الدار المغصوبة فهو أعم من الأول.
ب- إلا يمتنع عقلًا وهو الممكن العام الموجب فيتناول غير الممتنع فهو أعم من الأول مطلقًا ومن الثاني من وجه لافتراقهما في جمع النقيضين وشرب قطرة من الخمر كقولهم المخلوف عليه أن امتنع عادة نحو ليتصعدن السماء انعقدت وحنت في الحال وإن حاز فإن وجب تجولًا بصعده لا ينعقد وإلا انعقدت وأمكن بره وحنثه.
стр. 261
ج- ما استوى الفعل والترك في عدم حرمته سواء سؤاهما الشارع بتعلق خطاب التخيير كالمباح أو العقل أو لم يتعلق به خطاب أصلًا كفعل الصبي وكل غير مكلف وهو أعم من الأول وأخص من الثاني مطلقًا ومن الثالث من وجه.
د- المشكوك فيه لاستواء الطرفين شرعًا أو عقلًا في نفس المجتهد لا في حكم الشارع ونفس الأمر أو لعدم الامتناع شرعًا أو عقلًا كذلك ويشتمل على أربعة أوجه:
١ - ما تعارض فيه دليلان شرعيان ولا ترجيح فيخبر المفتي والمنفي كما أن للشافعى في عبد غاب أثره وانقطع خبره أعتق عن كفارة قولين الأجزاء باستصحاب وجود العبد وعدم الأجزاء باستصحاب شغل الذمة والمباح ما دل دليل واحد على إباحته لا دليلان متقابلان.
٢ - ما تعارض فيه ذلك عقلًا عنده.
٣ - ما دل عليه دليل شرعي ولم يظهر امتناع عدمه الذي في نفس الأمر عند المجتهد كما فتى الإِمام بوقوع الطلاق إذا قال لجماعة فيهم زوجته طلقتكم لمصادفة الصريح محله وقال الغزالي في النفس منه شيء أي لا أجزم بوقوعه وعدمه لا يمتنع وبينه النووي ﵀ بأن ما يقع ما يقصد به رفع عقد النكاح.
٤ - ما لم يظهر عقلًا امتناع عدمه عنده.
الثاني: أن الإباحة حكم شرعي كسائر الأحكام فلا إباحة قبل البعثة وفيما لا دلالة شرعية عليها نعم عدم المدرك الشرعي مدرك شرعي في مباح الأصل عند البعض كما مر وهذا يشتمل على مقامين:
أ- أن الاختياريات التي يدرك العقل عدم المصلحة والمفسدة فيها ولم يتعلق خطاب فمباحة عند جميع المعتزلة لحكم العقل بعدم الحرج في الطرفين.
ب- التي لم يدرك العقل اشتمالها عليهما وعدمه فمباحة عند بعضهم لعدم الحرج في طرفيها لا عند معتزلة بغداد لعدم حكم العقل وتوقف الصبر في منهم كما مر في ثانية مسألتى التنزل وعندنا ليس شيء منها مباحًا والنزاع مبني على أن الإباحة ما عدم الحرج في طرفيه مطلقًا كمذهب البصرية أو ما حكم بعدمه عقاد فقط كالبغدادية أو شرعًا كمذهبنا.
стр. 262
الثالث: أن المباح ليس بمأمور به (١) خلافًا للكعبي (٢) وربما يعبر عنها بأن الواجب لا يجوز تركه خلافًا له وفيه بعض تفضيل ربما يعقل عنه فلا يتحرر المبحث ولذا يسند الخلاف إلى بعض الخلاف إلى بعض الفقهاء أيضًا لا يجوز ترك مثل الحائض والمريض والمسافر الصوم مع وجوبه عليهم لتحقق السبب ولذا يجب القضاء فيحتاج إلى الجواب بأن الشيء قد لا يترتب على موجبه لمانع وبأن وجوب القضاء لتسند إلى سبب الوجوب لا وجوب الأداء كمن نام في جميع الوقت والحق أن الواجب لا يجوز تركه عندهم لكن على حسب الوجوب فبمعنى ماله نفس الوجوب أو سبب الوجوب على المذهبين لا يجوز ترك قضائه فيأثم به وقد يجوز ترك أدائه فلا يأثم به وبمعنى ما له وجوب الأداء لا يجوز ترك أدائه وقضائه فيأثم بهما فلهذا اخترنا العبارة الأولى.
لنا أن الأمر طلب فيستلزم ترجيح متعلقة وله أن كل مباح ترك حرام أو هو موقوف عليه فالسكوت ترك للقذف والسكون ترك للقتل وكل ترك حرام فهو واجب أو مقدمة له.
وقيل: الدعوى والليل في مصادمة الإجماع على أن الفعل ينقسم إلى الواجب والمباح فلا يسمعان.
وأجيب بأن الإجماع يؤول بذات الفعل جمعًا بينهما ولامتناع في كونه مباحًا لذاته واجبًا لما يستلزمه ككونه واجبًا وحرامًا باعتبارين ثم أورد على الدليل بوجهين:
١ - أنه منع مقدمة الواجب فالسكوت مثلًا غير متعين لترك القذف لإمكان تركه بكلام آخر وأجيب بأن غايته أنه واجب غير فثبت أصل الوجوب ورد بأن المخير يكون بين أمور معينة وهذا بظاهره كلام على السند لكن لإمكان إلحاقه بأصل الدليل بالترديد، أجيب عنه بأن التعين مرادًا به الشخصي خلاف الإجماع كما في خصال الكفارة والنوعي حاصل لأنه اختياريًا إما واجب أو مندوب أو غيرهما واضطراريًا إما حركة أو سكون.
ورد بأن المعتبر تعيين الشارع حقائقها وتمييز كل منها بما يخصه كالصوم والإعتاق مثلًا لا بالأعراض العامة وأجيب بأنه حاصل لأن الشارع عين كل نوع من الفعل والفقهاء دونهما والتعبير بالأعراض العامة للاغناء عن التفصيل المعلوم لا للجهل.
стр. 263
٢ - أنه لو صح لكان كل واجب حرامًا إذا ترك به واجب آخر وكل حرام واجبًا لاستلزامه ترك حرام آخر وكذا كل حرام وواجب واحد واجبات متعددة تعدد الحرمات إلى غير ذلك، وأجيب بالتزامها باعتبار الجهات ورد بلزوم أن يكون فاعل واجب بل مباح بل مكروه بل حرام مثابًا من وجوه كثيرة لا تحصى وأنه خلاف الإجماع وأجيب بأن الإثابة والعقاب بذات الفعل لا للوازمه وليس يسيء لأن بعض المأمور به لإثبات به وبعض المنهي عند لا يعاقب عليه حاصل ولم يقل به أحد ولئن قال هو فلا يظهر لمذهبه فائدة لأن المبحث ما يتعلق به الثواب ولذا قبل الجواب الذي لا مخلص إلا به منع كون المقدمات العقلية والعارية واجبة فإن مال الجوابين واحد.
الرابع: أن الإباحة تكليف عند الأستاذ يعني إنها يتضمنه وهو وجوب اعتقاد حقيته وإلا فبعيد.
الخامس: أن المباح ليس بنسب للواجب كما ظن وإلا فسيلزم الوجوب التخيير لأنه الحقيقة جنسه والمأذون في الفعل ليس تمام حقيقة المباح بالمعنى المتنازع بل مع الترك نعم تمام حقيقة بمعنى ما لا يمتنع شرعا.
التقسيم السابع الجامع المحكم الشرعي على سوق أصحابنا
الحكم الشرعي: وهو الموقوف على توقيف فهو بمعنى خطاب الله لا بمعنى الاسناد كما ظن ولا خفاء في اشتراك المورد فلا حاجة إلى جعله ما يطلق عليه لفظ الحكم أن كان المعتبر فيه تعلق الاقتضاء بأحد طرفي فعل المكلف بوجه أو التخيير أي الزام ما فيه كلفة ولو بوجه وفي مذهب أو عدمه فتكليفي ومقصوده المفاصد الأخروية من الثواب أو العقاب أو عدمها وينحصر في خمسة أو سبعة أو تسعة فاندراج الإباحة مثلًا تحت التكليفي وعدم صواب تحت المقصود كإندراج المحجوب حجب الحرمان تحت الورثة وهو أولى من التخريب بالحمل على الاصطلاح الغير الثابت أو التغليب وإلا كان المعتبر تعلق شيء به بالوضع الشرعي من حيث التعلق الأول وإلا فلا نسبة له إلى التكليف ولا بد أن يحصل من تعلقه صفة لذلك فوضعي فإن دخل ذلك الشيء فيه فالمادة تسمى ركنًا والصورة في المعاملات انعقادًا وهو ارتباط أجزاء التصرف وإن خرج فإن تقدم عليه فإن كان موثرًا في العلم بثبوته فدليل وهو مدلوله وإن كان مؤثرًا في نفس ثبوته بمعنى اعتبار الشارع إياه في مشروعيته لا بمعنى الاقتضاء العقلي كما في العقلية فعلة ومعلولها باعتبار أنه
стр. 264
حكم أصلي بالمعنى السالف عزيمة وباعتباراته مسبب عن عذر طارئٍ يناسب التخفيف مع قيام المحرم رخصة وتقسيمهما إلى الأحكام التكليفية باعتبار ذاتها لا باعتبار كونها عزيمة وكل منهما إذا اعتبر الشارع له وقتًا أن أوقع فيه فأداء وإلا فقضاء والمراد الشرعيان وإلا فإن كان موصلًا إليه في الجملة فسبب وقتيًا كان كزوال الشمس لوجوب الصلاة أو معنويا كاسباب الملك والضمان والعقوبات ونفسها وإلا فإن توقف وجود الفعل على وجوده فشرط أو على عدمه فمانع ولا فلا أقل من أن يكون معرفا لوجوده فعلامة وإن تأخر عنه فأثرٌ له ويسمى حكمة، سواء كان مقصودا منه كفك الرقبة من شراء الجارية ويعد معلولا أو لم يكن كملك المتعة منه ويعد مسببًا ثم إذا كان الأثر مقصودًا فكونه بحيث يوصل إلى المقصود الدنيوي صحة والمتصف بها مشروع بأصله ووصفه وهو في العبادة موافقة أمر الشارع عند المتكلم وسقوط القضاء عند الفقيه أي تفريجِ الذمة وإن كان إسقاطا لها بالشروع فلا يستدعي سبق الثبوت وفي المعاملة الاختصاص الشرعي أعني الغرض المترتب على العقود والفسوخ وغيرهما ترتبًا لا يستنكره شرعًا ومنه البينونة على الطلاق ولزوم القضاء على الشهادة وثبوت الحق على القضاء لا حصول الانتفاع أو التوالد مثلًا حتى يرد أنه قد يترتب على الفاسد وقد يتخلف عن الصحيح كما سمي ترتب الأثر فيها نفاذًا فبيع الفضولي منعقد صحيح لكونه موصلًا ليس بنافذ للتوقف وكون الترتيب بحيث لا يمكن رفعه لزوما وثباتا فالبيع بالخيار صحيح نافذ ليس بلازم وكونه بحيث لا يوصل إليه أصلًا بطلان، والمتصف به غير مشروع بأصله ووصفه وقد يسمى فأنت المعنى من كل وجد مع وجود الصورة إما لعدم معنى التصرف كبيع الميتة أو لعدم أهلية المتصرف كبيع الصبي والمجنون وبحيث يوصل إليه أركانه وشرائطه لا أوصافه فساد والمتصف به مشروع بأصله دون وصفه فإن كان الوصف المفسد في الركن ففى صلب العقد كالربا وإلا فمن خارج كما بجهالة الأجل وبين البطلان والفساد وإن تناوبا مجازًا فرق في المعاملات عندنا فالفاسد منعقد كالربا ولذا يفيد الملك وإن لم نقلب بطرح الزيادة صحيحًا لأنه في الصلب بخلافه لجمالة الأجل لكن ليس صحيحًا ولا نافذًا لعدم ترتب إباحة الانتفاع والباطل ليس بمنعقد كبيع المائن لا في العبادات إذ ليس سقوط القضاء بحيث يحصل من وجه وصوم يوم العيد لو نذره ليس واسطة بل صحيح لأنه يسقط وإن القضاء وإن كان الأولى الإفطار والقضاء ولكن قد يسمى فاسدًا باعتبار الإعراض عن ضيافة الله تعالى وتحقيقه إن سقوط القضاء بما يسمى فاسدا صومًا كان أو
стр. 265
صلاة ليس بجهة فساده بل لانعقاد سببه فهو بالنسبة إلى ذلك السبب ليس فاسدًا وإن كان بالنسبة إلى صحيح السبب كذلك فمن حيث هو مسقط صحيح، وعند الشافعية لا فرق بينهما أصلًا لأنهما اسم غير الصحيح وإن صح إن لا مناقشة في التسمية لكن التفصيل لتمييز الأحكام فهذا مجزه والصحة وعدمها على اصطلاح الفقيه موقوف على التوقيف لأن بعض الأفعال لا يسقط القضاء كصلاة فاقد الطهورين والمربوط وكذا الأعمى الذي تحرى له بصيران في إنائين فاختلفا والبصير المتغير تجريه فيهما عند الشافعي فهما من أحكام الوضع وقس عليهما غيرهما من كون الملكين وثبوت الدين في الذمة أثرًا أو معلولا ومسببا ونحوها فليس أمثالها خارجة عن التكليفى والوضع كما ظنه بعض الأفاضل ثم كونه مناطا للمقصود الأخروي من الثواب والعقاب حسن وقبح فلكونهما شرعيين عند الأشاعرة من الوضعية هذا أو لا بد من الكلام فيما يتضح له أحكام من هذه الأقسام وهو: سنة، الركن، والسبب، والعلة، والشرط، والعلامة، والمانع: أما الركن: فهو ما يتقوم به الشيء وهو جزؤه لا ما تقوم به لصدقة على المحل فإن لم يعتبر الشارع حكمه باقيا عند إنتفائه لضعفه فركن أصيل كالتصديق للإيمان وإن اعتبره باقيا لعذر فركن زائد كالإقرار له سمي به لشبهة بالخارج إما الركن المكمل وهو ما يتقوم به كمال الشيء لا نفسه فلم يذكر في القسمة لعدم اعتبار الدراجة تحت المورد لا يقال تحقق الكل عند إنتفاء جزئه محال لأنا نقول الباقي حكم الكل لا عينه وذلك غير محال كما يعطي للأكثر حكم الكل وجعل التجوز في الركنية لقوة الزائد لا يوافق كلامهم.
وأما السبب: فهو لغة إما الطريق نحو فاتبع سببًا أو الحبل نحو فليمدد بسبب أو الباب نحو أسباب السموات والكل مشترك في الاتصال فاصطلح لمعنيين:
١ - ما يفضى إلى حكم مطلوب يدرك فيه لا به وهذا يتناول ما ليس تعلق الفعل به بصنع المكلف كالوقت وما هو بصنعه لكن لا يكون الغرض من وضعه ذلك كالشرعي لملك المتعة لأن المراد بالباء السببية أعني العلية وضعًا شرعيًا ويخرج ما يدرك تأثيره فيما هو الغرض من وضعه كالشاري لملك الرقبة فإنه علة. ٢ - كل وصف ظاهر منضبط دل السمع على كونه معرفا لحكم شرعي (١) وهذا أعم لتناوله كل ما يدل على الحكم من الحلل وغيرها فما سنذكر من أسباب الشرائع حقيقة
стр. 266
بالثاني مجاز بالأول لأن كلها أو بعضها علة كما للعقوبات ثم قسموه إلى أربعة أقسام لأن إفضاءه إما في الحال فإن لم يضف العلة المتخللة إليه فسبب حقيقي وإن أضيفت فأما ثبوتًا به ولكن لم يوضع له وإلا كان علة أو ثبوتًا عنده بلا تراخ وهو السبب الذي في حكم العلة أو ثبوتًا عنده مع التراخي أو به غير موضوع لمتخلل لم يوضع له وهو السبب الذي له شبهة العلة وأمل في المأل فسبب مجازي فقيل مورد القسمة المعنى الأول وليس إذ لا يتناول غير الأول وقيل: المعنى الثاني وليس أيضًا لتناوله العلل والإمارات والصحيح أن المورد ما يطلق عليه اسم السبب كتقسيم المشترك اللفظي فلا يلتزم معنى مشترك بينها وكذا في العلة والشرط ولذا جاز عد المجازي منها واشتراك بعض الأقسام بين الثلاثة أو الاثنين لاشتراك الإطلاق.
الأول: الحقيقي وهو طريق الحكم بلا انضياف وجوب ووجود إليه أي وضعا وبلا تعقل التأثير فلا بد من تخلل علة لا نضاف إليه خرج بالأول العلة لثبوت الحكم بها وضعًا وبالثاني الشرط لثبوته عنده وضعا وقيد الوضع ليدخل فيه مثل إنضياف ملك المتعة إلى الشري فيه ويخرج بالقيد الأخير كمطلق الأقسام الباقية من المسبب لتعقل حقيقة التأثير أو شبهته فيها وحكمه أن لا يضاف أثر الفعل إليه وله فروع.
١ - الدال على السرقة أو القتل أو قطع الطريق لا يضمن أو على حصن حربي بوصف طريقة لا يشترك في الغنيمة إلا إِذا ذهب معهم فصار صاحب علة لأن الدلالة طريق الموصول وقد لخلل بينها وبين الحصول فعل مختار لم يضف إليها وإنما يضمن محرم دل على الصيد لأن إزالة إلا من جناية في حقه لالتزامه إياه فدلالته مباشرة لا تسبب كمودع دل سارقا على الوديعة لكن لأن الدلالة تعرض الانتفاض لم يضمن بها حتى يستقر باتصال القتل وإلا يصير كما أخذه فأرسله أو رماه فلم يصب نظيرها الجراحة نستأني لمعرفة مآلها فإن اندملت بلا أثر فلا شيء والمضارب إذا جاوز البلد المشروط فإن عاد إليه قبل التصرف فلا ضمان وإنما لا يضمن الحلال الدال على صيد الحرم لأنه كالدال على الأموال المملوكة ومتاع المسجد والأموال المحترمة لله تعالى كالموقوفة يوضحه أنه ضمان المحل فلا يتعدد بتعدد الجاني بخلاف ضمان المحرم وإنما أوجبوا الضمان على الساعي استحسانا على خلاف القياس لغلبة السعاة.
٢ - فإن النكح هذه فهما حرة فنكحها فولدت فظهرت أمه لم يرجع بقيمة الولد عليه لأن الاستيلاد فعل مختار غير مبني على الأمر بالنكاح بل على نفس النكاح لوضعه له ولذا
стр. 267
يرجع إذا زوجها على هذا الشرط فإنه علة مشروطة بالحرية للإستيلاد ففى حكم العلة لحكمه.
٣ - الموهوب له الجارية المستولدة المستحقة لا يرجع بقيمته على الواهب والمستعير المتلف للعين باستعماله فاستحق فضمن لا يرجع بقيمته على المعير لأن العلة الاستيلاد واستهلاك المستعار غير مضافة إلى الهبة والإعارة ويرجع المشترى بقيمته على البايع لالتزامه السلامة ولا عيب فوق الاستحقاق وفي عقد التبرع لا إلتزام لها لا بالعقد لوصول عوضه وقيل: لتضمن عقد المعاوضة الكفاله لشرطه البدل عليه بخلاف المتبرع واستضعفه شمس الأئمة رحمه الله تعالى لأن من استأجر من المأذون دابة فتلفت فاستحقت برجع بما ضمن من قيمتها على العبد في الحال مع أن العبد لا يؤاخذ بضمان الكفاله مالم يعتق بخلاف ضمان العيب وأقول غاية الكفاله الضمنية أن نكون كالمصرحة فلا يلزم من عدم اعتبارها في العبد عدمه مطلقًا.
٤ - من دفع لصبي سلاحًا ليمسكه له فوجأ به نفسه لم يضمن لأن ضربه نفسه صادر باختياره غير مضاف إليه بخلاف سقوطه من يده إذ هو غير مختار فيضاف إلى الدفع لكونه تعديًا وصار في حكم العلة أما من حمل صبيًا حرًا أو مكاتبًا لا يعبر عن نفسه بلا ولاية إلى حرًا أو برد أو شاهق جبل أو سبعة أو محياه أو نحوها فعطب بذلك الوجه يضمن عاقلته استحسانًا حلا فالزفر والشافعي قياسًا إذ لا يضمن الحر بالغصب لعدم كونه مالًا متقومًا كماذا نقلة بإذن وليه أو حصل في يده بغير صنعه أو مات حتف أنفه أو بمرض أو كان يعبر عن نفسه قلنا الصبي الغير المعبر محفوظ بيد وليه وغير قادر على المعارضة بلسانه كما بيده وقد أزال يده فاستولى يده حقيقة وحكمًا متعديًا فتسبب لإتلافه كحافر البئر ولذا يضاف التلف إليه ويقال لولا تقربه إلى المهلكة لم يهلك فكان في معنى العلة بخلاف الصور المذكورة لأنه إذا مات حتف أنفه أو بمرض لا يضاف إليه بل إلى سبب حادث من نفسه ولذا إذا قتل الصبي رجلًا لا يرجع عاقلته على عاقلة الغاصب إذ فعله غير مضاف إليه ومثله من حَمَلَ صبيًا بلا ولاية على دابة فسقط منها وهي واقفة أو سارت بنفسها تضمن إعاقته مستمسكا كان أي قادرًا على الجلوس عليها بلا إمساك أولًا لأنه مسبب متعد يضاف التلف إليه وإن ساقها الصبي وهو يقدر على صرفها انقطع التسبب.
٥ - من قال لصبي أصعد الشجرة وانقض ثمرتها لتأكل أنت أو لنأكل نحن ففعل
стр. 268
فعطب لا يضمن لأن صعوده حاصل باختياره لمنفعة نفسه من كل وجه أو من وجه فلا ينقطع الحكم عن علته بالشك لأن الأصل الإضافة إلى العلة دون السبب بخلاف ما إذا لدغته حية وجرحه إنسان حيث يسقط نصف الضمان لأن كلا علة فتعذر الترجيح ويضمن عاقلته في لأكل أنا لأنه صار مستعملًا له بمنزلة الألة فتلفه يضاف إليه ومسائلة كثيرة كحل قيد العبد وفتح باب القفص والاصطبل وغيرهما من الأسباب والشروط المعدودة من هذا.
الثاني: سبب في حكم العلة وهو سبب يضاف العلة المتخللة إليه لكن لا يكون موضوعًا لحكمها فيكون كعلة العلة أو إيجاد شرط لا يتراخي عنه العلة وحكمها وحكمه أن يضاف أثر الفعل وقد مر من فروعه أكثر من خمسة ومنها سوق الدابة وقودها لأنها تمسّي على طبعهما لكنهما لم يوضعا للتلف فيضاف ما تلف إليهما في بدل المحل لا في جزاء المباشرة كالقصاص والكفارة وحرمان الميراث وكذا قطع حبل القنديل وشق الزق وفيه مانع وإشراع الجناح إلى الطريق ووضع الحجر فيه وترك الحائط المائل بعد المتقدم إليه وإدخال الدابة في زرع الغير حتى أكلته ومنها الشهادة بالقود فلإضافته إليها صارت في حكم العلة ولأنها لم توضع له لم يكن علة فلم يلزم القصاص وغيره من أجزية الأفعال والشافعى ﵁ بما سببته لكنه جعل السبب المؤكد بالعمد المعين إذ الشهود عينوه مباشرة فاوجب القصاص للزجر لأدائه إلى الهلاك غالبًا قلنا القتل مع أن الشهادة لم توضع له ليس في يد الشاهد بل يتخلل حكم القاضي ومباشرة الولي قتله باختياره الصحيح بخلاف اختيار المكره حيث لا ينافي الاقتصاص وإذا لم يجب به كفارة لعدم المباشرة مع قصورها جزاء فالقصاص أولى كيف والقصاص يقتضي المماثلة وهي بين المباشرة والتسبب وإن أكد مفقودة.
الثالث: سبب له شبهة العلة وهو سبب إيجاد شرط العلة فيضاف الحكم إليه ثبوتًا عنده على صحة التراخي أو يثبت به غيره موضوع لمتخلل لم يوضع للحكم وحكمه أن يضاف أثر الفعل إليه بالتعدي لا مطلقًا كحفر البئر إيجاد شرط الوقوع فيضمن بالتعدي وكذا إرضاع الكبيرة ضرتها الصغيرة فتعزم نصف صداقها للزوج أن تعمدت إفساد بخلاف محرم نصب قسطاطًا أو حفر بئر الإستقاء فتعلق به صيدًا ووقع فيها لم يضمن لعدم التعدي كذا ذكره الإِمام الحصري، ورد بأنه من أقسام الشروط التي في حكم العلة وليس بشيء لما مر أن الامتناع في كون الواحد شرطًا وسببًا باعتبار رفع المانع والإفضاء
стр. 269
كما في كونه سببًا وعلة بالاعتبارين أو شرطًا وعلامة أو سببًا وعلة وشرطًا بالاعتبارات بل الغرض من ذكر المثالين التنبيه على أنه قد يكون في نفسه شرطًا كالحفر لكونه رفع المانع وقد لا كالإرضاع نعم الفرق بينه وبين الثاني غير متضح فإنه وإن أمكن في الحفر أن لا يكون كشق الزق تخلل فية سبب آخر اختياري مباح هو المشي دونه هنا وإن لم يضف الحكم إليه لعدم التعدي فيه ولذا لو حفر في ملكه كان الحكم بالعكس وتراخي الوقوع والتلف به لكن إرضاع الكبيرة كشهادة القتل في أن الحكم مضاف إليه ولم يوضع له بل أولى لأن ارتضاع الصغيرة غير معتبر فهو كالطبيعي ولذا إذ قتل مورثه لا يحرم عن الميراث اللهم إلا أن يفرق باعتبار أن التسبب هنا في موضعين إذ لا الارضاع موضوع للإفساد بل للتربية ولا إفساد النكاح لا لزوم المهر لما عرف أن البضع حين خروجه غير متقوم ولزومه بطريق المتعة وضمانه لشبه الغصب كما في الشهادة بالطلاق قبل الدخول ولذا لم يعينه فخر الإِسلام رحمه الله تعالى بل المفهوم من عبارته وعبارة شراح كتابه أنه عين المسبب المجازي سمي باسمين باعتبارين.
الرابع: السبب المجازي وهو ما ليس مقضيًا في الحال بل في الآل وخص به وإن كان السبب مع التأثير مجازًا أيضًا لأن التجوز ينقصان الحقيقة أولى منه بالزيادة المكلمة عليها وهو كاليمين بالله للكفارة وكتعليق الطلاق والعتاق والنذر بشرط لا يراد أو يراد للجزاء فإنه إليست أسبابًا حقيقة إذ لا أقضاء لليمين إليها إلا على تقدير الحنث ولا للتعليقات إلى الأجزية إلا عند وجود الشرط فعند الحنث ووجود الشرط يكون اليمين والتعلقات أسبابًا مفضية بالفعل وإن نفس الحنث والمعلق يكون عللًا وكان تجوزًا من تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه مع أن قولهم يثبت الكفارة أمر دائر بين الحظر والإباحة كاليمن المنعقدة بخلاف الغموس ظاهر في أن السبب نفس اليمين لكن بشرط ذوات البر وعلى هذا يحمل عبارة المشايخ فلا يرد إنها في المأل لا تصير أسبابًا بل عللًا حقيقية للإضافة والتأثير والاتصال فإن العلل حاصل هي المعلقات التي صارت منجزة ولا محتاج إلى ما هم برءاء عنه من حمل السبب على اللغوي وكذا لا يردان سبب الكفارة الهتك بالخنث لا اليمين وإنها يعقد للبر الذي هو ضده ولا يحتاج إلى الجواب بأن الإفضاء نوعان وهاهنا انقلابي كافضاء الصوم على تقدير الهتك إلى الكفارة ونظائره لورود منعهم فيه أيضًا بأن سببها الجناية عليه فلا حاجة إلى مستصوبه في العلاقة إنها مشابهة السبب في الإفضاء ولو بعد حين إذ لا مخلص فيه لورود أن الحاصل بعد حين التأثير لا هو وقال الشافعي هى أسباب
стр. 270
بمعى العلل لأنها الموجبات على النفاد ولا علل لتأخر الحكم إليها فاستدعت المحل قد يجز تعليق الطلاق والعتاق بالملك لعدمه وجاز التكفير بالمال قبل الحنث عنده لوجوده وسيجىء تمام البحث إن شاء الله تعالى ثم إن لهذا السبب المجازي شبهة الحقيقة عندنا لوجهين:
١ - أن اليمين بالله وبغير شرعت لتأكيد البر وذلك بأن يكون مضمونًا بلزوم الكفارة في الأول والجزاء في الثاني وكل ما كان الثابت بسبب مضمونًا به عند فواته كان له شبهة الثبوت قبله فكذا لسببه كما أن الغصب يوجب ردّ عين المغصوب مضمونًا بالقيمة عند فوته ولها شبهة الثبوت قبله حتى يصح الأبراء عن القيمة والعين والكفاله والرهن حال قيام العين ولم يجب على الغاصب زكاة قدر قيمته ولذا يتملكه بالضمان من وقت الغصب.
٢ - أن وجوب البر لخوف لزوم الكفارة أو الجزاء وكل واجب لغيره يكون ثابتًا من وجه دون آخر وإذا كان له عرضية الفوات كان لهما عرضية الثبوت فكذا لسببه يكون المسبب ثابتًا على قدر السبب وشبهة السيء معتبرة بحقيقته فلا تستغني عن المحل كهى إذ كل حكم عائد إلى المحل فشبهته كالحقيقة وبقاؤه كالابتداء في استدعائه ولذا لا يثبت شبهة النكاح في المحارم وشبهة البيع في الحر لأن معنى الشبهة قيام الدليل مع لخلف المدلول لمانع فيمتنع في غير المحل فماذا فات المحل بزوال الحل بطل اليمين فتنجيز الثلاث يبطل تعليقها وتعليق ما دونها ولمحمد رحمه الله تعالى. طريق آخر: هو أن المعلق طلقات هذا الملك إذ صحة اليمين باعتبار الملك القائم فتبطل بتنجيزها لبطلان اليمين بفوات الجزاء بطلانه بالشرط فيما جعل الدار بستانًا أو حمامًا مثلًا بل أولى لإنهاء يعرف به وقد فات باستيفائها بخلاف ما دون الثلاث إذ يبقى به الملك وعدم القدرة على تنفيذ الملك لا يمنعه لعدم شرطه كاستيفاء القصاص من الحامل ومنافع البضع حالة الحيض وكتصرفت الضني الملك فتبقي اليمين بقائه وهو مردود بأنه لو صح فإذ تجزئتين بعد تعليق للثلاث وعادت إليه بعد التحليل ووجد الشرط فعند من هدم ما دون الثلاث ينبغي أن يطلق واحدة لأنها الباقية عن طلقات الملك السابق وليس كذلك وسره أن التعليق ليس يتصرف في الطلاق لنصبح باعتبار هذا الملك دون غيره ولا إيقاع ولا سببية فلذا لم يختره وقال زفر رحمه الله تعالى جاز محض لا يستدعي محلًا ولا حلا فلا يبطل ولذا أصبح تعليق طلاق المطلقة الثلاث بتزوجها فيقع لو تزوجها بعد التحليل فلم يستدع ابتداؤه المحل فبقاؤه وهو أسهل أولى واشتراط الملك عند ابتداء التعليق بغيره ليكون الجزاء الموقوف على الملك
стр. 271
غالب الوجود بالاستصحاب فيحصل تأكيدًا البر المقصود من اليمين ولا حاجة للتعليق
بالملك إلى ذلك لتيقن وجوده عند ذوات البر ومع هذا لا يشترط عند بقائه فلا يبطل بزوال الملك اتفاقًا فكذا بزوال الحل قلنا بعد ما مر من أن شبهة العلية تستدعي المحل كل من قياس التعليق بغير التزوج على التعليق به ليلزم من عدم اقتضاء الثاني المحل عدم اقتضاء الأول إياه وقياس الحل على الملك في أن لا يشترط عند البقاء فاسدًا ما الأول فأولًا لما قال من الفرق بينهما وثانيًا لأن شبهة الثبوت للمعلق بالنكاح ممتنعة لأن ملك النكاح علة ملك الطلاق وصحته وليس للشيء قبل علة صحته حقيقة الثبوت فكذا شبهته فلم يشترط له قيام المعلق بغيره وثالثًا لأن ملك النكاح علة صحة إيقاع الطلاق وهي علة صحة وقوعه وعلة العلة علة وتعليق الوقوع بما هو علة صحته لغو نحو أن أعتقتك فأنت حر فإذا لم يكن تطليقًا لا يشترط له قيام المحل ولا يرد أن طلقتك فأنت طالق حيث لا يلغو بل يقع طلقتان عنده لأن الطلاق متعدد بخلاف العتق لو نوى بالشرط عين ما في الجزاء لفي وملك النكاح علة لصحة جميع الطلقات وعارضت هذه الشبهة الشبهة السابقة المستدعية لقيام المحل فتساقطا فلم يشترط المحل واكتفى بذمة الحالف محلًا لعدم في ليله لا لدليل عدمه بخلاف التعليق بغيره إذ جواز اليمين ثمة بحل حالي فلا بد من محله وهو المرأة وهنا لمآلى لأن صحة اليمين للمحل فمع الاضافة إليه للمآل وبدونها للحالي فاستدعي بقاؤ المحل استدعى ابتداؤه أيضًا وما لم يستدع ابتداؤه لم يستدع بقاؤه أيضًا، وأما الثاني فاولًا: لأن ملك الطلاق مستفاد من ملك النكاح ولما استدعى صحة ملك النكاح الحل لا الملك فكذا صحة ملك الطلاق فالمافي لها زوال الحل لا الملك. وثانيًا: لأن الدليل قام على أن الحل لا بد منه دائمًا لا الملك إلا عند وجود الشرط وقد أمكن بالعود وتحقيق هذا للطرح العطم بهذا الوجه القويم. وأثر الفضل الفخيم. من الله الكريم.
وهاهنا نقوض وأجوبة
ففي أن التنجيز يبطل تعليق ما يستدعى المحل أمران:
١ - تعليق الظهار بدخول الدار لا يبطل بتنجيز الثلاث مع أنه كالطلاق في الاستدعاء قلنا: شرعية إظهار لتحريم الوطئ والمنع عنه إلى وقت التكفير لا لإبطال حل المحلية دفعة وتدريجًا كالطلاق فالحل باق ولذا يظهر بعد التكفير فانتفاء الحل بالثلاث لأنها في تحريم لنفعل بل نؤيده ولا يلزم من اشتراط النكاح في ابتدائه لتحقق تشبيه المحللة بالمحرمة اشترطه في نفائه كالشهود في النكاح إما اليمين بالطلاق الذي هو لابطال الحل فيفوت بفوت محله
стр. 272
بتنجيز الثلاث. لا يقال لو لم يشترط النكاح لبقائه لما ارتفع الظهار بالرضاع لأن ذلك للمنافاة بين موجبيهما وهو التحريم المويد والموقف لا لاشتراطه وليس تنجيز الثلاث تحريمًا مؤبدًا لرجوع الحل بالتحليل.
٢ - الإيلاء المعلق مثله لأنه يقتضي الملك ولا يبطل بتنجيزها. قلنا لا نعلم اقتضاؤه فإنه يمين تنعقد معلقة في غير الملك ومنجزة على الخلاف فبالأولى أن لا يبطل بعدمه.
وفي أن المعلق يبطل ببطلان المحل آخران:
١ - ارتداد المعلق طلاقها بالشرط لا يبطله وقد بطل حلها قلنا الردة لا تبطل حل المحلية ولذا إذا بانت بها صم طلقها في العدة وقع ولو ارتدا معًا لا يزول النكاح بل الفرقة لانقطاع العصمة.
٢ - الأمة المستولدة معلق عتقها موت المولى فلو أعتقها منجزًا فارتدت وسببت وعادت إليه عاد العتق المعلق بالموت قلنا قد بطل التعليق الأول بالعتق المنجز والتعليق العائد ثانيًا غير ذلك بسبب جديد هو قيام نسب الولد كالأمة المنكوحة اشتراها الزوج صارت أم ولد لذلك.
وأما العلة: فهي لغة المغير كالمرض والمولود مريضًا متغير من أصله النوعي أو من العلل وهو الشربة الثانية. وشرعًا: ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء أي بلا واسطة سمي بها لتغييره الحكم من العدم إلى الثبوت أو من الخصوص إلى العموم بحيث لو تكررت لتكرر الحكم خرج ما يضاف إليه وجوده كالشرط أو وجوبه لكن بواسطة كالسبب وعلة العلة وغيرهما ويتناول العلل الوضعية شرعًا والمستنبطة اجتهادًا وإيجابها كما مر مرارًا يجعل الشرع لا بذواتها ففي نفسها أمارات وعلى ذلك إضافة الجزاء من الثواب والعقاب إلى العمل بالنصوص والعقلية موجبة بذواتها بمعنى استلزامها عقلًا لكن بإيجاد الله تعالى فإن المتولدات مستندة إليه تعالى بلا واسطة قال فخر الإِسلام وكذا العقاب يضاف إلى الكفر أي لا بذاته بل يجعل الشرع ونظر فيه بأنه ينزع إلى جواز العفو عن الكفر عقلًا إلا أن السمع ورد أنه لا يعفي وهو مذهب الأشعري ﵀، والحق أن الكفر يقتض العقوبة لذاته عدلًا وحكمه وأول بأن مراد وأن سببيته للعقوبات المخصوصة بالشرع ولذا جاز التغليظ لبعض والتخفيف لآخرين وهي سبعة أقسام والمورد ما يطلق عليه اسمها اشتراكًا أو تجوزًا كما في السبب لأنهم اعتبروا لها صفات ثلاثة:
стр. 273
١ - أن يكون وضعها له فلازمه أن يضاف إليها وهي العلية الاسمية وقيل: هي الإضافة لا الوضع لاطرادها دونه كما في هلك بالجرح وقتله بالرمي وفيه بحث فإن كل ما يضاف إليه الحكم وضعًا أو شرعًا فهو موضوع له كذلك تحقق الواسطة وتراخي كما فيهما أو بدونه كما في علة العلة أو لم يكن شيء منهما كما في العلة الحقيقة.
٢ - أن تؤثر فيه وسيجيء أن المعنى به اعتبار الشارع إياها بحسب نوعها أو جنسها القريب فيه وهي المعنوية.
٣ - أن لا يتراخى عنها وهي الحكمية ثم الجمهور يوجب المقارنة أن كانا كما اتفقوا عليها في العلل العقلية كحركة الإصبع والخانم وكالاستطاعة مع الفعل وإلا لوجد المعلول بلا علته فالحقوا الشرعية بها لأنها معتبرة فالأصل توافقهما وإذا ولاها لما صح الاستدلال بوجود العلة بعد وجودها وإل اكان المعدوم ومنهم من فرق كأبي بكر محمَّد بن الفضل بأن إيجاب العلة بعد وجودها وإلا كان المعدوم موثرًا فإذا جاز تقدمها بزمان جاز بأكثر لأن الشرعية منزّلة منزلة الأعيان بدليل قبولها الفسخ بعد أزمنة متطاولة فجاز بقاؤها بخلاف الاستطاعة مع الفعل فإنها عرض لا يبقى قلنا أولًا بعدية الإيجاب رتبة مسلمة وليس محل النزاع فإن كل علة كذلك اتفاقا وزمانا ممنوع ومع المقارنة كما بين حركتي الإصبع والخاتم لا يكون المؤثر معدومًا. وثانيًا: منقوض بالعلل العقلية إذا كانت أعيانا لا أعراضا وثالثًا قبول الفسخ يستدعي وجود الحكم لأنه المورد دله لا وجود العلة حتى تبقى كيف وهي حروف وأصوات ولئن سلم فكونها بمنزلة الأعيان لضرورة جواز الفسخ فلا يثبت فيما وراءها فهذه الصفات الثلاث مفردة ثلاثة ومثناة ثلاثة ومثلثة واحدة، غير أن فخر الإِسلام لم يذكر العلة معنى فقط واقام مقامها العلة التي تشبه الأسباب والوصف الذي يشبه العلل والحق تحققها الأول علة إسما ومعنى وحكما وهي الحقيقة التي مر تفسيرها كالبيع المطلق للملك موضوع ومؤثر وغير متراخ عنه. الثاني: اسما فقط كالتعليق واليمين فإن الكفارة والجزاء يضاف إليها لكن لا تأثير قبل الشرط والخبث ولا حكم قبل الشرط والخبث ولا حكم قبل ومنه بيع الحر. قال فخر الإِسلام ومنه السفر الطاري على الصوم للرخصة ليس بعلة حكمًا لوجوب أن لا يفطر ولا معنى لأن الموثر المشقة لكن لما صار شبهةً في سقوط الكفارة صار علةً اسما. الثالث: اسما ومعنى للوضع والتأثير لا حكمًا لتراخي المعلول أعنى أن لا يترتب ابتداء بل واسطة أعم من أن يكون حقيقيًا زمانيًا أو رتيبًا بالتوسيط وهذا جلس تحته أنواع أربعة لأن التراخي أن كان حقيقيا فإن
стр. 274
يسند إلى أوله فأما أن بتراخي إلى ما ليس بحادث به ويسمى باسم الجنس علة اسما ومعنى لا حكمًا أو إلى ما يحدث به ويسمى علة في حيز السبب وبمنزلة علة العلة وإن اقتصر على وقت الإضافة التحقيقة أو التقديرية يسمى علة تشبه السبب وإن كان التراخي رتبا يسمى علة العلة ويعلم منه أن العلة التي تشبه السبب ليست أحد الأقسام السبعة العقلية وان عدها فخر الإِسلام أحد السبعة فالأول كالبيع المرقوق علة اسما ومعنى للوضع والتأثير ولذا يعتق بإعتاقه موقوفًا لا كما قبل البيع ويحنث به من خلف لا يبيع لا حكمًا لتراخيه لمانع حق المالك إلى أجازته وعندها يثبت الملك من وقت البيع مستندا فيملك زوائده المتصلة والمنفصلة لا مقتصرا فيظهر كونه علة لا سببًا وهذا ممن قال بتخصيص العلة مستقيم ومن غيره مأول بأنه لا يكون علة ممتنعة التخصيص الا إذا ارتفع المانع وقد يقال ذلك الخلاف في العلل المستنبطة لا لوضعية شرعا وكالبيع بشرط الخيار لأنه يدخل الحكم دون السبب لاستلزامه ودلالة العلية كما سبق غير أنه لا ينفذ اعتاقه بإسقاطه لعدم الملك مع التعليق بخلاف الموقوف.
والثاني: العلة التي تشبه السبب كالإيجاب المضاف إلى وقت نحو أنت طالق غدا موضوع وموثر ومتراخ ومقتصر وللأولين جوز أبو يوسف رحمه الله تعالى في النذر بالصلاة والصوم في وقت بعينه التعجيل قبله والمتراخي وجوب الأداء كصوم المسافر وللأخيرين لم يجوزه محمَّد ﵀ اعتبار الإيجاب العبد بإيجاب الله تعالى وشبيه السبب للإضافة التحقيقية وكعقد الأجازة لوضعه وتأثيره في ملك المنفعة ولذا صح تعجيل الأجرة وتراخي حكمه إذا المنفعة معدومة ولذا لا يملك الأجرة إلا عند تسليم المنفعة حقيقة أو تقديرا كالوصية المضافة إلى ما يثمر نخيله العام ولذا يقال الإجارة عقود متفرقة وشبيه السبب للإضافة التقديرية وكالنصاب للوضع له ولذا يضاف إليه وتاثيره فيه لأن الغنى يوجب المواساة ومتراخ حكمه إلى وصف النماء بالحولان وشبيه السبب لاضافة حكمه وهو الوجوب إلى حصول الوصف ولما اقتصر الوجوب على حصوله وإنه مؤثر كأصله ومحصل لليسر أشبه العلة والنصاب السبب ولو كان النماء علة حقيقة لكان النصاب سببًا حقيقيًا ففارق بذلك القسم الأول ولما لم يكن الوصف مستقلا في الوجود أشبه النصاب العلة أيضًا ولأصالته غلب شبهه بالعلة فرجح لها فكان الوجوب ثابت به فصيح التعجيل ليصير زكاة بعد الحلول لكن مع اعتبار حال الأداء في أهلية للتصرف فلو غنى أو ارتد قبل الحول وقع المؤدي عنها إذ يعتبر شروط الأداء عند بخلاف شرط الوجوب ككمال
стр. 275
النصاب ولما تراخي إلى ما ليس بحادث فإن النماء إما بالسوم والرعي أو بزيادة الرغبة فارق القسمين الأخيرين.
والثالث: العلة التي في حيز السبب كمرض الموت موضوع لتغير الأحكام عن تعلق حق الورثة بالمال وحجر المريض عن التبرع فيما تعلق به حقهم كالهبة والصدقة والوصية والمحاباة ومؤثر فيه شرعا ومتراخ إلى اتصال الموت به وإلا فيملكه الموهوب له وينفذ تصرفاته أولًا بالموت ولما كان علة الترادف الآلام المفض إلى الموت فارق القسمان الأولين وصار بمنزلة على العلة لأعينها لكون التأثير تدريجيًا وكذا الجرح المفضي الهلاك بواسطة المضي في الهواء والنفوذ في المرمي والسراية ولكونها يمنزلة علة العلة لم يورث شبهة في وجوب القصاص وكذا التزكية عند الإِمام لأنها موجبة لإيجاب الشهادة الحكم بالرجم فيضمن المزكي عند الرجوع غير انها لكونها صفة للشهادة كانت متابعة لها من هذا الوجه فيضمن الشهود أيضًا إذا رجعوا أو عدم لزوم القصاص لشبهة تخلل قضاء القاضي كما مر وقالا التزكية ثناء ليس بتعد ولا ضمان إلا بالتعدي ولذا لا ضمان إلا على الشهود عند رجوع الفريقين كنا عند الرجوع ظهر أنه تعد معنى والاعتبار للمعافي.
والرابع: علة العلة كشرى القريب للعتق بواسطة الملك علم اسما لأن المضاف إلى الشيء مضاف إليه كحكم المقتضى إلى المقتضي لكن للوسطة لم يكن حقيقية لا يقال إضافته إليها غير كافية بل لا بد من وضعها له كما ذكره الإِمام السرخسى رحمه الله تعالى وغيره ولا وضع هنا لا بين الشري والعتق ولا بين الملك والعتق كما لا يوضع بين الشري وملك المنعة لا، لأنا نقول مسلم أن يطلق الشراء أو الملك لم يوضع للعتق لكن لا نعلم ان شري القريب أو ملكه لم يوضع له شرعا والمقصود هو الثاني كما يقال القدح الأخير علة الحد والمن الأخير علة الهلاك في إثقال السفينة أي عند اعتبار الأمور السابقة لا من حيث هو فعلي هذا الإضافة والوضع في الجملة متلازمان ومعنى لأن الموثر في المؤثر مؤثر لا حكم كما ظن وإلا كانت علة حقيقية وليس إذا لتوسط ينفي الإضافة الابتدائية، الرابع علة معنى لا اسما ولا حكمًا ويسمى وصفا له شبهة العلة لأخذ وصفي العلة المركبة منهما تركب علة لرجوا من المقدر والجنس عندنا والعقود من الإيجاب والقبول فكل علة معنى لأن له مدخلا في عين التأثير لكونه مقوما للمؤثر السام ولاشك أن الجزء عندهم حقيقة قاصرة فيتولهم لا تأثير لا جزاء العلة في أجزاء المعلول لا ينافيه من وجهين وجعله السرخسى سببًا لكونه طريقا على المقصود لا موجبا والحق مع فجر
стр. 276
الإِسلام إذ كل سبب يتخيل بينه وبين المعلول علة ولا يتخيل هنا لأنه بعض العلة لا أسماء لعدم الإضافة فإنها إلى المجموع ولا حكمًا لأن المراد غير الجزء الأخير ولأن له شبهة العلة حرم شبهة الفضل في النسيئة فمجرد الجنس كالقهوة بالقهوة أو أيقدر كالحنطة بالشعير أو الصغر بالحديد حرمها.
الخامس: علة معنى وحكما لا اسما كآخر وصفيها وجودا فالقرابة والملك للعتق فإنهما بأجر أضيف إليه لترجحه بوجود الحكم معه وأثر فيه لأن ملك الرقبة يستفاد منه ملك العتق والقرابة موثرة في الصلة وفي الرق قطعها ولهذا وإن الله تعالى هذه القرابة عن القطع بأدنى الركبان وهو النكاح فبأعلاهما أولًا لكون قدرة العتق من أحدهما ونفسه من الآخر صار العلة الكل لا كلا فلم يكن علة اسما. ألا ترى أن الموضوع للعتق شرعًا ملك القريب لا مطلق الملك عما عند تأخر الملك كشري الثابت قرابته فالمشتري معتق حتى يصح نية الكفارة عند الشري إلا بعده إذ لم يتراخ الحكم عنه ومثله من علة العلة بمنزلة نفس العلة فلا ينافيه تخلل الملك ويضمن أحد المشتريين نصيب الأجنبي عندهما لا عند الإِمام إذا شريا معا وإذا شرى بعد الأجنبي فبالاتفاق والفرق للإمام أن الرضاء بالشركة في الأول رضاء بحكمهما ولا عبرة بجهله لأنه نقص وكفا به عارا ولا رضاء في الثاني.
لا يقال وكذا في الأول للجهل لأن الرضاء مبطن فأدير الحكم مع الظاهر وهو مباشرة الشراء والشركة، ولأن جهله كالمعدوم بما يعتبر وإما تأخر القرابة فكدعوى أحد الشخصين بنوبة عبد مجهول النسب ورثاه أو اشترياه فالمدعي معتق وغارم نصيب الآخر لأن القرابة حصلت بصنعه بخلاف ما إذا كانت معلومة فلم يحصل بصنعه فهي على الخلاف السابق وفيما ورثاه يضمن مدعيها إذا لم تكن معاومة للصنع إذا كانت لا بالاتفاق لعدمه فإن الارث ضروري بخلاف آخر الشاهدين شهادة لأن العمل بالقضاء وهو بالجملة بلا اعتبار الترتيب.
السادس: علة اسما وحكما لا معنى كالسبب الداعي القائم مقام المسبب المدعو من السفر المطلق والمرض المشق لا المطلق لرخصهما والنوم الموجب لاسترخاء المفاصل للحديث ودواعي الوطئ لحرمة المصاهرة وفساد الإحرام والاعتكاف والنكاح بثبوت النسب والتقاء الختانين لوجوب الاغتسال والمباشرة الفاحشة مع الانتشار وعدم الفاصل للحديث إلا عند محمَّد رحمه الله تعالى وكالدليل أي سبب العلم القائم مقام المدلول من الخبر عن المحبة والبغض في إن أحييتني أو أبغضتني فأنت كذا لوقوع الجزاء لإخبارها
стр. 277
ويقتصر على المجنس لأنه بمنزلة تخييرها والطهر الخالي عن الوقاع لإباحة الطلاق، أما حدوث الملك في مسائل الاستبراء من حرمة الوطئ ودواعيه إلى انقضاء حيضه أو بدلها فعده فخر الإِسلام رحمه الله تعالى من الثاني لأن حدوثه دليل سابق الملك الدال على شغل الرحمة أو دليل التمكن من الوطئ الدال على سقط زرع الغير وصاحب التقويم من الأول لأنه سبب مؤد إلى اختلاط المائن ثم كل منها علة اسمًا للوضع والإضافة الشرعيين وحكمًا لعدم التراخي لا معنى لأن المؤثر هو المشقة وخروج النجس الوطيء وخروج المنى والحدث وكله المحبة والبغض والحاجة إلى الطلاق لمريده فيه وشغل الرحم أو اختلاط المائن، والفقه المجوز للاقامتين أحد الأمور الثلاثة:
١ - دفع الضرورة لتعذر الوقوف على حقيقة العلة كما في النوم والخبر عما في القلب وفي الاستبراء والنكاح والالتقاء والطهر الخالي.
٢ - دفع الحرج لتعسره مع إمكانه كما في السفر والمرض والمباشرة.
٣ - الاحتياط كما في دواعي الوطيء في الحرمات والعبادات.
وإما الباقي من السبعة العقلية فعله حكمًا فقط والإحكام أيضًا تقتضى ثبوته كالجزء الأخير من السبب الداعي القائم مقام المدعو فإن الحكم لا يضاف إليه بل إلى المجموع ولا يؤثر لأن المؤثر المدعو إليه ولكنه لا يتراخى عنه وذلك كاسترخاء المفاصل المستفاد من الهيئات المخصوصة ومنه الشرط الذي علق به فعند وجوده لا يتراخى عنه الحكم مع أنه ليس علة اسمًا ولا معنى.
وفيه بحث فإن العلية الحكمية تستدعي الترتيب الشرعي ولا يكفي الوجود الاتفاقي معه والشرط التعليقى لا يترتب الحكم عليه بل على التعليق ولذا كان الضمان على شهوده الشرط إذا رجع الكل وكذا إذا رجع شهود الشرط وحدهم عند الأكثر والحق أنه الشرط الذي في حكم العلة كما سيجيء أمثلته لأن الحكم مترتب عليه من غير وضع وتأثير.
وإما الشرط فلغة العلامة اللازمة ومنه أشراط الساعة والشروط للصكوك وشرعًا ما بتعلق به الوجود دون الوجوب أي يتوقف الثبوت عليه بلا تأثير ووضع (١).
وها هنا تحصيل وتقسيم
إما التحصيل فهو أن الشرط إما تعليقي ويسمى جعليًا وحصوله إما بأداة الشرط أو دلالته وإما حقيقى يتوقف عليه وجود المشروط وضعًا أو شرعًا.
стр. 278
فالأول: عدمه مانع عن انعقاد العلة علة فضلًا عن وجود الحكم عندنا وعن وجود الحكم عند الشافعي رحمه الله تعالى وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى ولا خلاف في أن عدم الثاني مانع عن وجود المشروط فتحقق أن الشرط مطلقًا رفع المانع كما أن عدمه نفس المانع وبذلك ينفصل عن العلة والسبب والركن فإن عدم الأولين ليس مانعًا وإن ثبوت الحكم بعلل وأسباب شتى.
تنويره أن عدم الطهارة والشهود مانع شرعي عن جواز الصلاة والنكاح لا عدم المصلي والخطاب إما عدم الركن عين عدم الحكم وكذا مثل عدم حفر البئر وشق الزق مانع من السقوط والسيلان فعدمهما وهو عبثهما رفع له بخلاف النقل والميعان ووضع الحجر وإشراع الجناح فليس شيء منه رفع المانع. وإما التقسيم فهو أنه خمسة أقسام: لأن ما هو رفع المانع في الحقيقة سواء كان جعليًا أو وضعيًا أن لم يلاحظ صحة إضافة الحكم إليه بل مجرد توقفه أو توقف انعقاد علته عليه فشرط محض كطهارة الصلاة وشهود النكاح والدخول المعلق به الطلاق وإن لو حظت فإن لم يعارضه علة تصلح لإضافة الحكم إليها كحفر البئر فشرط في حكم العلة وإن عارضته فإن كان التوقف عليه بتبعية التوقف على أمر بعده فشرط مجازي ويسمى شرطًا اسمًا للتوقف لا حكمًا لعدم إضافة الحكم إليه ثبوتًا كاحد المعلق بهما وإلا فيكون فعل المختار الغير المنسوب إليه متخللًا بينهما إذ لو لم يكن مختارًا كما في شق الزق أو كان منسوبًا إليه كفتح باب القفص بحيث أزعج الطير كان مما في حكم العلة وحين تخلله إن كان السابق مستقلًا بحاله فشرط في حكم السبب كفتح بابه لا بتلك الحيثية وإن كان رافعًا لخفاء العلة فشرط هو علامة كالاحصان الأول الشرط المحض فجعليه ككل ما علق به بأداته ويسمى الشرط صيغة أو بمعناه ويسمى الشرط دلالة والفرق أن الأول يجرى في المعين وغيره.
والثالث: يختص بغير المعين نحو المرأة التي أتزوجها أو التي تدخل منكن الدار طالق لنا فإن ترتيب الحكم على الوصف المعرف تعليق بخلاف هذه المرأة فيلغو في الأجنبية ويتنجز في المنكوحة لأن الوصف في المعين لغو إذ الإشارة أبلغ في التعريف وحقيقيه كشروط العبادات والمعاملات فإنها تتعلق بأسبابها ثم بشروطها كما يتوقف لزوم الشرائع على العلم بها أو ما يقوم مقامه من شيوع الخطاب في دارنا وإلا فلا قدرة فلا تلزم على من أسلم في دار الحرب فلا يجب قضاء ما مضي حين علم بها بخلاف من أسلم في دارنا فمضى بلا
стр. 279
علم بها قضى، ثم معناه لازم لصيغته في الأصح وقيل: إذا لم يكن الفائدة أخرى كإخراجه مخرج العادة الغالية، في ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (النور: من الآية ٣٣) لأن الغالب أن الكتابة عند علم الخَير وإلا فجائز بدونه إجماعا وفي ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ (النساء: من الآية ١٠١) إذ كان الغالب هو الخوف حينئذ وإلا فالقصر في السفر غير موقوف عليه قلنا هذا إلغاء للشرط وكلام الله تعالى منزه عنه ويكفي بأنه خلاف الأصل الشائع بل الأمر بالكتابة للاستحباب وذا لا يوجد الآية وقرينته عطف على قوله وتوهم إما على القول بأن المراد إلا شاء من بدل الكتابة فظنوا ما على أنه الإيتاء من مال الصدقة فلأن الصرف إليه على التعين غير واجب عندنا، وهذا المراد بالقصر قصر الأحوال كالإيماء على الدابة وتخفيف القراءة والتسبيح والتعديل، وهو مقيد بالخوف لا قصر الذات بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا﴾ (البقرة: من الآية ٢٣٩) الآية، وقوله تعالى ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (النساء: من الآية ١٠٣) أي أدوها كما يليق بالحضر والقرآن يفسر بعضه بعضًا لا أن القرآن يوجب الشركة وأبعد من هذا فهم دلالة الشرط من قوله تعالى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (النساء: من الآية ٢٣) ثم الاعتذار بما مر فإنه ليس بشرط ولا دلالة لأنه معرفة بالإضافة وإذا وكان شرط كالدخول بالأم لوجب تعليق الطلاق بعدم أحدهما إلا بعدم الثاني فقط كما وقع في قوله تعالى ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (النساء: من الآية ٢٣) بهن فاة الشرط اسما أي صيغة وحكما أي معنى لأن المشروط بالأمرين يرتفع عند ارتفاع أحدهما. والثاني الشرط الذي له حكم العلة فإن العلة أن صلحت لإضافة الحكم فيها وإلا أضيف إليه تشبيها له بها في تعلق الحكم ولكون علية العلل جعلية وفي الحقيقة إمارات وهذا أصل كبير له تفريع كثير: أ- شهود الشرط واليمين إذا رجعوا فالضمان على الثاني لأن اليمين علة أي في صدد ذلك أو لقضاء بوجود الشرط كما نترجح على السبب أيضًا عند رجوع شهود التخيير والاختيار في الطلاق والعتاق فيضمن شهود إلاختيار ولو رجع شهود الشرط وحدهم فإن قال فخر الإِسلام يجب أن يضمنه الخلفية الشرط عن العلة ونفاه شمس الأئمة وصدر الإِسلام مطلقًا إلا عند زفر ووجهه أن العلة وإن لم تصلح لاضافة الحكم لعدم التعدي تصلح لقطعها عن الشرط لكونها فعلا مختارًا كفتح باب القفص خلاف حفر البئر لعلة هناك طبع لا اختيار فيه وعلى هذا إنما يضمن شهود الشرط في المسألة الآتية على قول الإمام مع أن اليمين علة إختيارية لأنهم في المعنى شهود التخيير إذا التعليق بالشرط
стр. 280
الموجود تنجيز لا شهود الشرط وإنما ضمن المهر شهود الدخول بها وهو شرط لا شهود النكاح وهو علة عند رجوعهم لأنهم بإدخال عوض المهر في ملك الزوج ابتدؤا شهودًا لنكاح عن الضمان.
ب- حلف إن كان قيد عبده رطلًا أو إن حله أحد فهو حر فشهد رجلان أنه رطل فقضى بعتقه فحل المولى فوجد أنقص ضمنًا فيمته عند الإِمام لنفاذ القضاء ظاهرًا وباطانًا عنده لأنه واجب عليه شرعًا بدليله فيجب تصحيحه بقدر الامكان وذلك بإثبات المشهود به سابقًا اقتضاء بخلاف ما إذا بأنا عبيدًا أو كفارًا لبطلان القضاء عند أبي حنيفة لا عندهما لعدم نفاذه باطنًا إذا لحجة باطلة حقيقة وصادقة بظاهر العدالة فيعتبر في وجوب العمل دون تنفيذ القضاء عملا بالشبهين فعتقه عند كما بحل القيد، فعنده وجب الضمان على شهود الشرط لعدم صلوح إضافته إلى العلة وهي اليمين إذ لا تعدي فيها لأنه تصرف المالك في ملكه.
ج- حفر البئر وشق الزق وقطع حبل القنديل كل منها شرط لأنه رفع المانع وليست فيها علة صالحة لحكم لأن السقوط والسيلان والثقل طبع لا اختيار فيها بخلاف إيقاعه نفسه والمشي سبب أقرب من الشرط لكنه مباح لا يصح ترتب ضمان العدوان عليه مع أنه غير واجب إما وضع الحجر وإشراع الجانح وترك هدم الحائط الماثل بعد المتقدم إلى صاحبه وذلك كاف والإشهاد لاحتياط الإثبات إن أنكر كما في الشفعة فمن الأسباب ألحقه بالعلل كما ذكرنا وإن كانت مثلما في ضمان المحال من النفس والمال لا في أجزائه الأفعال لأن شيئًا منه إليس برفع المانع بل أمور وجودية مقضية فإن عدم الحجر ليس يمانع عن الهلاك بالسقوط في ذلك الموضع لجوازه بسبب آخر بخلاف عدم البئر فإنه مانع عن السقوط في قعرها وكذا غيره.
بقية تفصيل حفر البئر من التهذيب: وإن حفر في ملكه فسقط غيره بالمشى إليه لا يضمن إذن أولا وأعلم به أولًا لعدم التعدي أو في دار غيره بغير إذنه فهلك الصاحب الدار شيء يضمن الحافر إلا إذا كان بإذنه وإذا هلك ثالث فإن دخل بغير إذن المالك يضمنه الحافر في قوله التعدية لا في قول لتعدي الساقط في دخوله وأنه مسبب وإن دخل بإذنه فإن أعلمه فلا ضمان وإلا يضمن الحافر وكذا وضع الحجر.
د- بذر بر غيره في أرض كان له لأن العلة طبع العناصر بتسخير الله تعالى بدون اختيار فلا يصلح للإضاة والبذر شرط اختياري يصلح لها. وقال الشافعى رحمه الله تعالى
стр. 281
لصاحب البذر لأنه نماء ملكه كولد الجارية وثمر الشجر وكما إذا ألقت الريح به في أرض فثبت والزرع كإصلاح الأشجار قلنا البر ليس علة لبقائه فكيف لهلاكه وانقلابه شيئا آخر إذ عند هلاكه لا يبقى برا بخلاف الجارية والشجر ومهلكه ضامن له ولضمانه يملكه ولذا كان له إذا زرع في أرض صاحب البذر أيضًا بإطلاق المبسوط وفيما ألقت الريح لا اختيار يغالبه فيغلبه.
الثالث: شرط له حكم السبب سابق اعترض بينه وبين الحكم فعل المختار غير منسوب إليه فخرج بالسابق الشرط التعليقي وبفعل المختار نحو سيلان المانع وبغير منسوب إليه نحو سير الدابة بعد سوقها والطيران بعد فتح باب القفص عند محمَّد رحمه الله تعالى وله فروع:
١ - حل قيد عبد فأبق لم يضمن لأن إباقه اختياري تخلل ولم يحدث به فقطع الإضافة عن صاحب الشرط لا كما أمر عبد الغير فإنه استعمال كالاستخدام انقطاعها عن صاحب السبب فيمن أرسل دابة فجالت يمنه ويسره أو وقفت ثم سارت فاتلفت لم يضمن لانقطاع الإضافة وصيرورته كالمنفلتة فإنها بالنهار جبار وكذا بالميل عندنا إذ لا سبب كالإرسال ولا شرط كفتح باب الإصطبل ولا علة كالإتلاف من صاحبها خلافًا الشافعي رحمه الله تعالى لحديث البراء قلنا ذهاب الدابة اختياري لم يتولد من فعله كدلالة السارق ويويده "العجماء جبار" وحديث البراء مؤول بأن ناقته انفلتت بقصده إياها للأخذ ومسلم أن حفظ الدابة على أربابها ليلًا لكن من حيث الإثم بتركه ولا يلزم منه الضمان.
٢ - فتح باب القفص فطار على فوره أو باب الإصطبل فخرجت على فوره إذ لو مكثا ساعة لا ضمان إجماعا لم يضمن إلا عند محمَّد ﵀ لتخلل فعل المختار (١) لا كالسقوط في مسألة حفر البئر بل كاسقاطه نفسه كمن مشى على جسر واه وضع بلا ولاية أو على موضع رش الماء فيه عالمًا بوهاء الجسر ووضعه بغير حق منه وبالرش هنا لا يضمن لأن العطب مضاف إلى اختياره أما غير عالم بهما فيضمن لأنه متعد وإذا وضع في ملكه لا ضمان مطلقا لعدم التعدي. وقال محمَّد رحمه الله تعالى طيرانه وخروجها على فوره هدر شرعا إذ النفار طبع فيجعل اختياره كعدمه لفساده كما إذا صاح بها فصار كسيلان ما في الزق إما لأعلى الفور فدليل ترك عادتهما وبذا بقطع الإضافة إلى الشرط
стр. 282
وليس شرعية الإهدار وطبعية النفار علنين صالحتين للاستدلال بالاستقلال كما ظن فأولا لأن الحكم وهو تلفهما يصلح إضافته إلى فعلهما في الجملة كنفارهما لأعلى الفور وثانيا أن الفرق بين الفور وعدمه بترك العادة لا يكفي حاصل لعموم النكتة الأولى فالأولى أن الثانية علة الأولى وتتم النكتة بهما فينطق الجواب بأنا قلنا هدر في الإيجاب على الغير إما لقطع الحكم عند فلا كالكلب يميل عن سنن الإرسال فيأخذ ما لا يحل، وكالدابة تجول بعد الإرسال كما وكصيد الحرم يخرج منه فينقطع إضافته إليه فيحل.
أصل متفرع: شارط ادعى الإضافة إلى العلة فالقول استحسانًا بخلاف صاحب العلة كالحافر إذا ادعى أن الهالك أسقط نفسه كان القول له لا للولي في دعوى السقوط لتمسكه بالأصل وهو الإضافة إلى العلة بخلاف الجارح إذا ادعى الموت بسبب آخر والقياس قول أبي يوسف رحمه الله تعالى الأول أنه للولي لتمسكه بظاهر أن الإنسان لا يهلك نفسه. قلنا: الظاهر يصلح دافعا لا موجبا لاستحقاق الدية على عاقلة الحافر.
٣ - أشلى كلبا على صيد ومملوك أو إنسان فقتله أو مزق ثيابه ولم يسق لا يضمن لاعتراض فعل المختار غير منسوب إليه لعدم السوق بخلاف سوق الدابة فإنه كسوقه وإما الإشلاء على صيد غير مملوك فجعل قتله كالذبح نقيا للحرج عن باب الصيد بقدر الإمكان إذا لذبح بالوجه المسنون متعذر في باب الصيد وضمان العد وإن شرع جبرا فيعتمد الفوات فلا يجب مع الشك ونظيره ألقى نارا في الطريق فهبت به الريح واحرقت شيئًا أو هوام فانتقلت ولدغت إنسانا فهلك لم يضمن لانقطاع نسبتها بالتحول كالدابة الجائلة في رباطها.
وفروع الثالث: نظير إرسال الدابة من قبيل السبب الحقيقي كدلالة السارق ذكرت تلفيقا بينه وبين الشرط في هذا التفصيل.
الرابع: شرط اسما أي صورة للتوقف عليه في الجملة لا حكمًا أي لا معنى لعدم إضافة الحكم إليه ثبوتا عنده كأول شرطين تعلق بهما ملاحظة ترتيبهما لا كأحد الشروط المتعددة مطلقا كما ظن فآخرهما شرط اسما وحكما كشروط سائر الأقسام وإما حكمًا لا اسما فلا وجود له إذ لا شرط بدون التوقف اللهم إلا أن يفسر الاسم بصورة أداة الشرط كما مر فيوجد كما في أن خفتم إذا حمل على قصر الذات.
قلنا الحاصل: أن نعتبر الاسم وهو الصيغة والمعنى وهو التوقف والحكم وهو الثبوت عنده ونسبع الأقسام العقلية كما في العلة فاسما فقط غلو لم يخف الله ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي
стр. 283
الْأَرْضِ﴾ الآية ومعنى فقط كالنية للعبادة والقدرة للتكليف وحكما فقط نحو بتحر على صغر سنة ولا حكمًا فقط كأول المعلق بهما بأن ولا معنى فقط نحو أن خفتم مرادًا به قصر الذات ولا اسما فقط نحو المرأة التي أتزوجها طالق والجامع للثلاثة كآخر المعلق بهما بأن.
(فرع) إذا قال لامرأته إن دخلت هذه الدار وهذه فأنت كذا فدخلت إحديهما في غير ملكه فنكحها فالأخرى في ملكه تطلق خلافًا لزفر قياسًا لأحد الشرطين على الآخر إذ صيرهما شيئًا وأحدا والشرط يمنزلة العلة عنده ولذا لا يثبت الإحصان عنده إلا بشهادة رجلين ولا يقطع بخصومه المودع لأنها شرط ظهور السرقة فلا يجري النيابة كالشهادة فيها قلنا الملك شرط الإيجاب أو شرط الوقوع وحان الشرط الأول خالية عنهما وإلا كان شرط نفس الشرط وليس إذ لو دخلهما في غير ملكه انحلت اليمين أو لبقاء اليمين وليس وإلا لبطل بالإبانة قبلهما أما عند تمام الثاني فحال الوقوع ولذا يقال تعدد المقدم لا يقتضى تعدد الشرطية بخلاف تعدد التالي فيشترط الملك حالتئذ.
الخامس: شرط هو علامة وتحقيقه أن علامة الشيء معرفة وإنما يحتاج إلى المعرف ما فيه نوع خفاء كما جعل التكبير علامة لقصد الانتقال في الأركان فشرط الحكم إذا كان مظهرا لتحقق نفس العلة مع الخفاء في ذاكا أو لتحقق صفتها للخفاء فيها سمي شرطا هو علامة أما كونه شرطا فلتوقف تحقق الحكم على تحقق العلة الموصوفة الموقوف عليه والوقوف على الموقوف موقوف وإما كونه علامة فلأنه في الحقيقة شرط تحقق العلة لا الحكم مع أنه مظهره مثال ما كان مظهر النفس العلة الولادة المظهرة للعلوق الذي هو علة النسب بعد قيام الفراش أي النكاح الثابت أو حبل طاهر في العدة أو اقرار به من الزوج عند الإمام ومطلقا عندهما إذ لو أمكن الإطلاع على العلوق بسبب آخر لما كان إلى ادعاء الولادة والشهادة بها حاجة في إثبات النسب فلم تكن شرطه بل شرط طهور عليه فكانت أمارة لإيضاف النسب إليها ثبوتا بها ولا عندها ولذا قبلا شهادة القابلة عليها من غير الأمور الثلاثة إذ المقصود تعيين الولد حاصل وشهادتها تكفى له كما مع أحدهما قلنا الأمر كذا في حق صاحب الشرع لكونه علام الغيوب وفي حقنا لقامت الولادة الظاهرة مقام العلوق الباطن وجعلت علة للنسب فاشترط لها كمال الحجة كدعوى النسب ابتداء والأمر المبطن قبل ظهور كالعدم بالنسبة إلي كالخطاب النازل في حق من أسلم في دار الحرب إما مع أحدهما أسند إلى دليل ظاهر يثبت النسب شرعًا فالولادة علامة للنسب الثابت حاصل فتثبت بشهادة القابلة لتعيين الولد ثم لما جعلاها علامة مطلقة وأثناها بشهادة لقابلة
стр. 284
بشهادة القابلة ثبتا بها ما كان تبعًا لها استحسانا كالطلاق والعتاق المعلقين بها وكاستهلال الصبى حتى تثبت الإرث وإن لم يثبت شىء منها بشهادة امرأة ابتداء كما يثبت بشهادة القابلة أمومية الولد بعد ما قال إن كان يجارينى حمل فهو مني واللعان إذا نفى الزوج الولد والحد إذا كان النافي عبدا أو محدودا في قذف فإذا ثبت بها مثل الحد واللعان للتبعية فصل النزاع أولى قلنا قياسا الولادة المعلق بها شرط محضن فلا يثبت إلا بحجة كاملة كالمعلق وثبوتها بشهادة القابلة ليس مطلقا بل لضرورة عدم اطلاع الرجال عليها فلا يتعدى إلى ما تنفك الولادة عنه كالنسب وأمومية الولد واللعان عند النفي مع أنهما تتعلق بالفراش القائم والإقرار بحال الطلاق والعتاق والاستهلاك كشهادة المرأة على ثيابة الأمة المشتراه على أنهما بكر لا ترد بها بل يستحلف البائع بعد القبض رواية واحدة في الأصح وقالا أيضًا الاستهلاك علامة الحياة الخفية التي هي علة الإرث لا علتها ولا شرطها لتقدمها عليه فيقبل فيه شهادة القابلة كما في حق الصلاة على الموؤدة ويؤيده قبول علي ﵁ شهادتها عليه قلنا نعم لو لاقامته مقام الحياة كما مر في الولادة والخبر محمول على حق الصلاة لأنه من أمور الدين وخبر الواحد فيها حجة بخلاف الميراث.
ومثال ما كان مظهرًا لصفة العلة الإحصان في الزنا وهو أمور سبعة أو أمران: الإِسلام والدخول بنكاح صحيح لمن هي مثله، والعقل والبلوغ لأهلية العقوبة والحرية شرط تكميلها فإنه مظهر لصفة الزنا التي هو بها علة وهي كونه بين مسلمين مستوفين للذة المتاع الحلال إذ هي الداعية إلى استحقاق مثل هذه العقوبة الفخيمة بعد أهليتها والإحصان ملزومها فيستدل به على ثبوتا فلأن العلم بوجوب الرجم يتوقف على العلم بالإحصان جعل شرطًا ولأنه معرف طبقه العلة وسابق عليها وعلى الحكم بالوسائط فضلا عن إضافة الحكم إليه ثبوتا عنده جعل علامة وهذا معنى قولهم إذا وجد الزنا لم يتوقف حكمه على إحصان يحدث بعده لا أن شرط الغير التعليقي يجب تأخيره عن صورة العلة وجهًا علم أن شروط الصلاة والنكاح ليست علامة وهذا الحفز والشق وغيرهما إذ ليس في شيء منها إزالة خفاء فهذا مطمح نظر الشيخين والقاضي أبي زيد فإن كلام المشايخ رموز ولا طعن علي الرمز والحمل على تسمية الشرط المتقدم علامة مطلقا في غاية البعد لو وجوب ظهور أثره إلي الأحكام وكون الاحصان شرطا في معنى العلة لوجود علة معارضة صالحة للإضافة كالزنا مع أنه عبارة عن خصال حميدة واجبة أو مندوبة فكيف يوجب العقوبة المحصنة ولكونه علامة لم يضمن شهود الإحصان إذا رجعوا بخلاف شهود
стр. 285
العلة والسرط الخالص فيما تقدم وعند زفر كشهود الزنا سواء لأن أصله أن للشرط حكم العلة لتعلق الحكم بهما نفع أن الأحضان بخصوصه ملحق بالزنا ولذا يقبل الشهادة عليه بدون الدعوى هنا لأعلى النكاح في سائر المواضع وصح الرجوع عن الإقرار به ووجب أن يسال القاضى الشهود عن ماهيته وكيفيته كالزنا في جميع ذلك. قلنا: إضافة الحكم إلى شهود الشرط فضلا عن العلامة مع صلاح العلة لها غير معقولة وشرط الحق وسببه من حقوق صاحبه فكما أن الحد حق الله تعالى صار الإحصان كذلك لجهة شرطيته فصح الرجوع عنه والسؤال للإجمال لوقوعه على معان ولذا أيضًا لم يشترط الذكورة في شهوده مع اشتراطها في شهود الزنا. وقال زفر: هو مكمل للعقوب فيعتبر موجب أصلها وقياسا على شهادة ذميين علي عبد مسلم زنى أو قذف بالزنا بأن مولاه الكافر أعتقه قبلهما وأنكره هو والمولى حيث لا يقبل في إقامة الحد مع أن شهادة الكافر على مثله مقبولة ولا شهادة على العبد بل له العتق والإحصان فحين لم يقبل هذه لا يقبل تلك فكان الإحصان في معنى العلة والمسألة مصورة في الأمة مطلقا وفي العبد على قولهما قلنا المكمل هو العلة أو صفتها لا أمارة صفتها وإلا أضيف الحكم إليها وخصوصه شهادة الكفار غير خصوصية شهادة النساء لأن الأولى في المشهود عليه فلا تقبل في المسلم والثانية في المشهود به فلا تقبل العقوبة وعلنها وشرط له حكم العلة فلا يلزم من رد الأولى فيما يتضرر المسلم تكثير محل الجناية لإثبات الحرية وإيجاب نفله من الجلد إلى الرجم والكافر لا يصلح لذلك رد الثانية فيما لا يضاف العقوبة إليه ثبوتا به أو عنده وإن لزم ضرر المسلم ضمنا والنساء تصلح للأضرار في الجملة.
وأما العلامة فلغة الأمارة كالميل والمنارة وشرعا ما يعرف الحكم به من غير تعلق وجوب ووجود به (١)، وهي إما محض أي خالص شوب الباقية قال على وجود خفي سابق كالتكبير للانتقال وكرمضان في قوله أنت طالق قبل رمضان بشهر وأما ما فيه معنى الشرط كالاحصان كما مر، وإما بمعني العلة كالعلن الشرعية التي هي امارات وإما علامة مجازا كالعلة الحقيقية والشرط الحقيقى ومن فروع العلامة المحضنة لا هو علامة فموضعه هنا لاثمة كما ظن جعل رحمه الله تعالى العجز عن إقامة البينة على زنا المقذوف علامة معرفة لسقوط الشهادة سابقًا بالقذف فبطل شهادته من حين القذف لأن سقوطها أمر حكمي خفي جاز أن يحكم بسبق وجوده عند العجز بخلاف الجلد فإنه فعل حسى لا