من المريض والمكره والصبي فيثبت أمومية مستولدته وحرية ولدها بالدعوة لا حتياجه إلى بقاء نسله كدعوة المريض المديون حتى تعتق هما وولدها من جميع المال ويفسد شراء ابنه المعروف كالمكره فيملكه بالقبض فيعتق لكن لا يصح التزامه الثمن أو القيمة للضرر كالصبي فلا يسلم له شيء من سعايته الواجبة بل للبايع.
٢ - حجر بالدين عند خوف أن يلجي أمواله ببيع أو إقرار عن التصرف إلا مع الغرماء لكن بالقضاء اتفاقًا.
٣ - حجر بالامتناع عن بيع المال عرضًا كان أو عقارًا لقضاء للديون فبيعه القاضي كما فعل النبي ﵇ مع معاذ ﵁ إذ له أن ينوب كل من امتنع عن إيفاء حق مستحق يجري فيه النيابة كالذمي الممتنع عن بيع عبده الذي أسلم والعنين الأبي عن التفريق بعد المدة وبيعه هذا ابطال لعبارات منعه وامتناعه فيكون حجرًا، والسفر لغة قطع المسافة وشرعًا خروج مديد أغنى امتداد الحاصل بالمصدر أدناه ثلاثة أيام ولياليها بإشارة حديث تعميم رخصته جنس المسافر فمن ضرورته عموم التقدير ولذا زعمت سفر المعصية كما ترتب على مطلقه في قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: من الآية ١٨٤] الآية خلافًا للشافعي لقوله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٣] أي بالخروج والقطع لاقى النعمة لا تنال بالمحظور بل هو سبب الزجر كالسكر قلنا بعد ما مر السفر والعصيان يفترقان والنهي لغيره لا يعدم الشروعية والسكر معصية لعينه فمعناها والله تعالى أعلم غير باغ ولا عاد في الأكل أي غير طالب للميتة قصدا وتلذذًا وشهوة بل دافعًا للضرورة ولا متجاوزا أحد سد الجوعة أو غير باغ بتجاوز حد الجوعة وغير عاد بحفظها لجوعة أخرى والتأويل مروي عن الحسن وقتادة وأولى بسياق بيان تحريم الميتة حكمه أنه لا ينافي الأهليتين والأحكام لكن مطلقة من أسباب الترخيص إقامة له مقام المشقة إذ جنسه لا يخلو عن مشقة ما أقلها من التحرك وامتداده بخلاف المرض فإن منه ما ينفعه الصوم كالتخمة ومنه ما لا يضره أي لا يوجب ازدياده كالبرص الأبيض فلم يتعلق رخصته بنفسه كما ظنه بعض الحديث ففي الصلاة القصر عزيمة أو رخصة إسقاط لشطر ذوات الأربع وعند الشافعي ترفيه فلا يبطل العزيمة كما في الصوم، لنا أصالة القصر بأثر عائشة ﵁ وخبر مقاتل ﵁ وصدق حد النافلة على الأخرتين حيث يثاب فاعلهما ولا يعاقب تاركهما والمراد صدقة قبل النية والشروع إذ هو المعتبر من حد النافلة فإن بعدهما كل نافلة فرض كما بعد النذر فسقط ما
стр. 352
قيل فرضية الإتمام عند نيته وح لا ثم أنه لا يعاقب وقلنا أيضًا النية عند الشافعي ﵁ شرط القصر ففيما إذا لم ينو شيئًا منهما وأتم كان الكل فرضًا ولانية لإتمام وحديث الصدقة وتسميته صدقة فإن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض ففيها الوضع والنسخ وفيه التأخير ومنافاة العبودية المشية المطلقة فلا يختار إلا الأرفق فلا يخير بينه وبين غيره في الجنس الواحد إذ لا فائدة ولذا لم يخير مولى المدبر الجاني بين قيمته والأرش إذا كانت دونه ولا المعتق عبده الجاني جاهلًا كذلك ولا المكاتب الجاني بل يلزم الأقل بخلاف العبد الجاني حيث خير بين دفعة وقيمته ألف وبين فدائه بعشرة آلاف لاختلاف الجنس لا يقال كثرة الثواب فائدة لأنها في حسن الطاعة والتوجه لا في الطول والعدد كظهر المقيم مع فجره وظهر العبد مع جمعة الحر مع أن الحكم الدنيوي وهو الصحة لا يبنى على الثواب الأخروي كصلاة المرائي والمتوض بماء نخس في عالم ولكون السفر اختياريًا لم يوجب ضرورة الازمة قبل إذا أصبح مسافرًا صائمًا أو مقيمًا فسافر لا يباح إفطاره وإذا أفطر لا كفارة عليه لشبهة اقتران المبيح صورة وإذا أفطر المقيم ثم سافر لم يسقط الكفارة بخلاف المرض في الكل حيث يحل فطره في الأولين ويسقط الكفارة في الثالثة لأنه سماوي تنزيل الاستحقاق من أوله إذ زاوله لا يتجزى وبين بعروضه أن صوم اليوم لم يجب عليه من جناب الموجب كالحيض بعد الصوم.
تتمة: أحكامه تثبت بنفس الخروج وإن لم يتم علة لخبر أنس وابن عمر ﵁ تعميمًا للرخصة من ليس مقصده فوق مسيرة ثلاثة لكن بنية رفضه أي دفعه لنية الإقامة قبل الثلاثة يصير مقيمًا ولو في غير موضع الإقامة وبنية رفعه لنيتها بعد الثلاثة لا إلا في موضعيها لأن الدفع أسهل من الرفع والامتناع عن السفر الأيسر من التزام الحضر، والخطأ قد يراد به العدول عن الصواب كقوله تعالى ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: من الآية ٣١] ويراد ما ليس بعمد نحو ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: من الآية ٩٢] و "رفع عن أمتي الخطأ" (١) وهو المعنى هنا وعرف بالفعل عن قصد صحيح غير تام ومنه رمي صيد أصاب إنسانًا إذ من تمام القصد قصد محله ولوجود قصد ما أقله ترك التثبيت ولذا عد في المكتسبة جاز أن يؤاخذ به بدليل دعاء النبي ﵇ خلافًا للمعتزلة، حكمه لا ينافي الأهليتين لكن يصلح عذرا في سقوط حق الله تعالى إذا وقع عن اجتهاد فلا يأثم به كما في القبلة والفتوى وشبهة دارئة في العقوبة فلا يأثم إثم القتل ولا يؤاخذ بحد
стр. 353
وقود لأنه جزاء كامل فلا يجب على المعذور لقوله تعالى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: من الآية ٥] لا في حقوق العباد فيضمن الأموال لعصمة المحال
ووجبت الدية من حيث إنها بدل المحل ولذا تتعدده لا يتدد الفاعل لكن على وجه
التخفيف حيث وجبت على العاقلة في ثلاث سنين من حيث إنه عذر فيما هو صلة لم تقابل مالًا ومبناها على التخفيف والكفارة من حيث إنها تشبه جزاء الفعل إذ لا ينفك عن ضرب تقصير بترك التثبيت فيصلح سبب للجزاء القاصر الدائرين العبادة والعقوبة ويقع طلاقه خلافًا للشافعي لعدم القصد كالنائم قلنا أقيم البلوغ عن عقل مقام العمل بالعقل بلا سهو وغفلة لكونه خفيًا لا يوقف عليه بلا حرج لا مقام القصد في نحو النائم لأنه معلوم عدمه ولا مقام الرضا فيما يبنى عليهما كالبيع والإجارة إذ لا يتعذر الوقوف عليه لأنه امتلاء الإختيار حتى يقضي إلى الظاهر فيري في الوجه البشاشة كالغضب غليان القلب حتى يظهر أثره في حماليق العين ولذا كانا في صفات الله تعالى من المتشابه إما الطلاق فيبنى على القصد فقط وقد وجد بدليله وينبغى أن ينعقد البيع خطأ بلا نفوذ إذا صدق خطأته خصمه لوجود القصد بدليله لا الرضا كبيع المكره ينعقد فاسدًا، والإكراه حمل القادر إلا بي على قول أو فعل مهددًا إما كاملًا ويسمى ملجئا بتلف أو عضو وإما قاصرا غير ملجئ بحبس أو قيد مديدًا أو ضرب شديد قياسًا ويقصد جنس الأب أو الابن أو كل ذي رحم محرم استحسانًا لأن البار يختار حبسه على حبس أبيه بخلافه بإذهاب الجاه وإتلاف المال ونحوه.
حكمه عند الشافعي ﵀ أن قسمته سيان لأن عصمة المحل تقتضي دفع الضرر وعمن لا يرضي وكل منهما إضرار وأصله أنه إما على حق كالإكراه على إسلام الحربي دون الذمي وعلى المولى بعد المدة وعلى بيع المديون ماله لقضاء دينه فيقتصر على الفاعل إذ يجعل مختارًا شرعًا وما على غير حق فإن كان عذر شرعًا يقطع الحكم عن الفاعل لعدم اختياره ورضاه فإن قوله وفعله لدفع الشر لا يعتبر عن مراده وتحصيل مرتاده فإن لم يمكن نسبته إلى الحاصل كالأقوال إذ لا تكلم بلسان الغير يبطل وإن أمكن بنسب إليه فيضمن الحامل الأموال وجزاء صيد الحرم والإحرام وإن لم يكن عذرا بأن لا يحل به للفاعل الإقدام يقتصر عليه فيجلد الزاني ويقتص القاتل مكرهين كما يقتص الحامل أيضًا بالتسبيب كما في رجوع شهود القود وعندنا أن شيئًا منهما لا تنافى الأهليتين لكمال العقل والبدن ولا التكليف لترتب الأجر تارة والإثم أخرى على فعل المكره عليه وإذا آيته
стр. 354
ولا يعدم الاختيار لا في السبب ولا في الحكم إذ لا إكراه فيما لا اختيار كالطول والقصر ولأن المطلوب أن يعرف الشرين فيختار أهون الأمرين عليه وإن عدم الرضا فيهما بنوعيه فكان دون الهزل وشرط الخيار بالنظر إلى الحكم المقصود بل دون الخطا أيضًا لكن يفسد الملجئ منه الاختيار لأن مجبولية الإنسان على حب صحته وحياته توجب الإقدام فلا يتغير معه قول أو فعل إلا بمغير تغير قول الطائع بالشرط والاستثناء وأفعاله المنهية بوقوعها في دار الحرب وبالشبهة فأثركماله في تبديل النسبة وقاصره في إعدام الرضا فقط وذلك لأن المكره عليه إما فرض يوجر بالإقدام عليه كشرب الخمر وأكل الميتة والخزير فإن الملجئ يسقط حرمتها لأن الاستئناء من الحرمة حل فالإضرار المنصوص أن تناول الإكراه فبعبارته وإلا فبدلالته فلو صبر حتى قتل عالما بسقوطها إثم وإلا فيرجى أن لا ياثم وغير الملجئ لا يسقطها لكن يورث شبهة دارئه بخلاف القتل بغير الملجئ فإنه لا يحل ولا ينتقل وإما مباح يستوى طرفاه من حيث هو كالإفطار في نهار رمضان وذكره قسمًا برأسه لأنه يحتمل أن يؤجر بالصبركما في المقيم أو بالإقدام كما في المسافر وفي الإثم بالعكس فمطلقه بين بيّن لا إنه لا يأثم ولا يؤجر كما ظن ولا أنه يأثم بالصبر لكن لا للإباحة بل لبذل نفسه بترك المباح كما قتل فإن كلا منهما ممنوع ولأن بينه وبين إجراء كلمة الكفر فرقا قبل الإكراه حيث يحتمل الصوم السقوط لأن الصلاة مثله فيه وهي من قسم الرخصة وإما مرخص مع بقاء الحرمة يوجر فيه لو صبر سواء كان حقًا لله تعالى لا يحتمل السقوط كإجراء كلمة الكفر فإنه ظلم في أصله وخص بالنص في قصة عمار ﵁ وبقي الكف عزيمة بخبر خبيب ﵁ ومع هذا فالاجراء نوع جناية دون القتل إذ هذا هتك حرمة الشرع صورة ومعنى وذلك صورة فقط والقلب مطمئن أو يحتمله كالعبادات ومنه قتل صيد الحرم والإحرام أو للعبد كإتلاف مال المسلم حيث يسقط بإسقاط صاحبه لا بالإكراه لكن لما عارضه أمر فوقه هو تلف النفس أو العضو رخص فيه وبقي العمل بالعزيمة واجبًا وهذا كتناول طعام الغير أو المحرم محظور إحرامه مخمصة فإذا استوفاهما يضمن القيمة والجزاء فالإقدام فيها بالمجيء رخصة والإحجام حتى قتل شهادة ومنه زنا المرأة بالمجيء فبغيره شبهة دارئه وإما حرام كقتل المسلم بغير حق والجرح إذ لا يحل قتل غيره ولو كان عبده ولا قطع عضوه لتخليص نفسه بخلاف جرح نفسه وقطع عضوه على ما استثنى محمد ﵀ لذلك والملحق بالمال عضو نفسه في أنه لوقايته لا عضو غيره بدليل حالة الإضرار يصح فيها أكل مال الغير لا أكل عضوه ويصح أكل عضو نفسه
стр. 355
وكذا زنا الرجل ففى غير المنكوحة لضياع النسل وفيها لفساد الفراش فإنه قتل معنى لا نم انقطاع النسب ممن منه في نفس الأمر هلاك معنى أو حكمة تراعى في الجنس لا في كل فرد أو ربما يرده صاحب الفراش لتوهم الزنا باللعان بخلاف زناها إذ النسب إليه وإلحاقه بها ضروري ولما حرم زناه ولو بالمجيء لم يصر شبهة دارئة بغيره بخلافه به فنقول لما أفسد الملجئ اختيار الفاعل فإن عارضة اختيار الحامل يرجح لصحته وجعل الفاعل آلة له وإن لم يحتمل كونه آلة كالأقوال مطلقًا لما مر يقتصر على الفاعل من حيث أنه قول ففيما ينفسخ ينفذ كالطلاق وغيره من نحو الأمور العشرة التي يجمعها.
(قوله) طلاق عتاق والنكاح ورجعة، وعفو قصاص واليمين كذا النذرة. ظهار وإيلاء وفيء فهذه تصح مع الإكراه عدتها عشر: لأنها تنفذ مع الهزل وخيار الشرط ولا اختيار فيهما للحكم الذي هو المقصود وفي الإكراه اختيار له فاسد والفاسد ثابت من وجه فلان ينفذ معه أولى إما إذا أكرهت على قبول مال الطلاق فيقع بلا مال كما في خلع الصغيرة لأن عدم الرضا جعل قبولها كأن لم يكن والتوقف على الرضا شأن المال لا الطلاق كالثمن بخلاف إكراهه دونها حيث يقع ويلزم المال لطوعها وبخلاف الهزل حيث لا ينفصل المال عن الطلاق فيه اتفاقًا إذ فيه الرضا بالسبب وعنده يصبح التزامها ويتوقف الطلاق على أن يثبت حكمه وهو اللزوم بتمام الرضا فصحة التزام المال للرضا بالسبب وتوقف الطلاق لعدمه بالحكم كما في خيار الشرط من جانبها وعندهما يقع ويجب لأن الرضا بالسبب رضا بالحكم من وجه فكفي في إيجاد الطلاق فكذا في بدله لأنه تبعه وفيما ينفسخ ويتوقف على الرضا كالبيع والإجارة تفسد وكبعض الأفعال نحو الأكل والشرب والزنا يقتصر أيضًا من حيث هو فيبطل صوم الفاعل لا الحامل وفي أكل مال الغير اختلفت الرواية في ضمانه للفاعل كما في عقر الزنا لأن منفعة الأكل كالوضئ له كما على أكل طعام الآكل وللحامل لأنه كغضبه ثم إطعامه بخلافه للأتلاف لا الغضب لكن أو تلفت الجارية بالزنا ينبغي أن يضمنها الحامل وإلى هنا غير الملتجئ فهو لاشتراكهما في عدم الرضا وكذا في فساد التقارير لقيام الدليل على عدم المخبر به بخلاف إقرار السكران بنحو الطلاق لأن السكر ليس دليل عدم المخبر له إما عدم اعتبار ردته فلاعتمادها على محض لاعتقاد وقد شك في تبدله وإن احتمل كونه آلة في بعضها فإن لزم من جعله آلة تبدل محل الجناية يقتصر كإكراه المحرم على قتل الصيد فحل الجناية إحرام الفاعل أو على البيع والتسليم فيملكه المشترى بالقبض فاسدًا وينفذ إعتاقه ونحوه خلافًا لزفر رحمه الله
стр. 356
فحل التسليم المبيع لا المغصوب وكذا المكره عليه إتمام البيع لا الغصب المحض نعم يعتبر إتلافًا من حيث جواز تضمين الحامل لو تلف في يد المشتري كجواز تضمين المشتري ومن حيث التمكن من فسخه حال قيامه أما الإعتاق فمن حيث إنه قول مقتصر فالولاء للفاعل ومن حيث انه إتلاف منتقل فيضمن الحامل وإن لم يلزم التبدل يضاف موجبه بالملجئ إلى الحامل كقصاص العمد لا إثم الفعل لأن محل الجناية دين الفاعل فلو أضيف لتبدل فيأثم كل بصفته ولذا وجب فيمن أكره على رمي صيد فأصاب إنسانا على عاقلة الحامل الدية لأنها ضمان المحل وعلي نفسه الكفارة لا على الفاعل وإن كانت جزاء الفعل لأن وجوبها لحرمة في المحل.
جمع وتفريق
كالإكراه الأمر متى صح بصدوره ممن له ولاية شرعًا صح نقل الفعل كمن أقر عبده بحفر بئر في موضع إشكال لم يعلمه إنه ليس له كغنائه فحفر فمات فيها أحد يضاف إلى الأمر يحل الايتمار وكمن استأجر حرًا أو استعان به للحفر كذلك استحسانًا لغروره بأمره في موضع الاشتباه بخلاف العبادة في المسألتين إذ لا حل ولا غرور فيضمن الفاعل ويدفع العبد أو يفدي وكذا لا يضمن قاتل عبد غيره بأمر مولاه لأنه موضع اشتباه حل التصرف بل يأثم فقط بخلاف قاتل حر بأمر حر آخر يضمن المباشر إلا إذا كان الأمر سلطانًا فأمره بمنزلة التهديد بالقتل والإكراه ناقل في هذه المواضع كلها والله تعالى أعلم بسرائر شرائعه.
تم المجلد الأول ويليه المجلد الثاني
стр. 357
فصول البدائع
في
أصول الشرائع
تأليف العلامة المحقق شمس الدين محمد بن حمزة بن محمد
الفناري الرومي
المتوفي ٨٣٤ هـ
تحقيق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل
الجزء الثاني
دار الكتب العلمية
أسسها محمد علي بيضون سنة ١٩٧١
بيروت - لبنان
стр. 358
منشورات محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية بيروت لبنان
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو
مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًّا.
الطبعة الأولى
٢٠٠٦ م - ١٤٢٧ هـ
منشورات محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت لبنان
الكتاب: فصول البدائع في أصول الشرائع
المؤلف: محمد بن حمزة الفناري
المحقق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الصفحات: ٨٦٤ (جزءان)
سنة الطباعة: ٢٠٠٦ م
بلد الطباعة: لبنان
الطبعة: الأولى
стр. 359
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وأما المقصد الأول ففي الأدلة الأربعة ، وفيه أربعة أركان؛
الركن الأول من الكتاب ، وفيه مقدمة وعشرون فصل في أحكام عشرين قسمًا
فالمقدمة فيها مباحث:
الأول: فيما يتعلق بتعريفه ، هو لغةً للكتابة ثم للمكتوب ثم غلب عرفًا للشرع على القرآن كالقرآن لكنه أشهر، وهو الكلام المنزل المعجز سورة منه (١)، فخرج غير المنزل وغير المعجز كسائر الكتب السماوية والسنة المتواترة؛ لأن المراد بالمنزل المحقق منزليته لفظًا لا ما ادعى أو ثبت منزليته معنى فقط فيخرج ثابت بالآحاد من القرآن والسنن أيضًا، وكذا المنسوخ تلاوته؛ لأن منزليته لم تتواتر، والسورة البعض المبين أوله بالتسمية وآخره بالانتهاء إليها وإلى آخر الكل توقيفًا، فسورة منه إن كان للبيان أو للتبعيض الحقيقط فلإخراج البعض؛ لأن سورة نكرة أريد بها الجنس المبهم أو واقعة من سياق النفي المستفاد من الإعجاز والذي يعجز كل سورة من السور المبهمة منه هو كل القرآن وإن كان للتبعيض المجازي أو على حذف المضاف من جنسه في البلاغة العالية فليتناول الكل والبعض وهو أقرب.
قيل: كونه للإعجاز ليس لازمًا بينًا ومعرفة السورة تتوقف على معرفته، لأنها في عرف المتشرعة البعض المذكور من القرآن وإلا فإنه للاحتراز عن نحو سور الإنجيل، فهذا التعريف ليس للتمييز أي لإحداث تصور لم يكن بل لتصوير مفهوم لفظ القرآن أي للالتفات إلى تصور حاصل للعلم بالمراد، والجواب عن الأول: إن المعتبر البينية وقت التعريف وذلك حاصل لسبق العلم بإعجازه في الكلام. وعن الثاني: بأن تميز القرآن غير تصور ماهيته الاصطلاحية، فيجوز أن يتوقف معرفة السورة على تميزه، ويكون الموقوف عليها تصور ماهيته.
وقال الغزالي ﵀: هو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف تواترًا. وأورد عليه الدور، فإن الصحيفة الكتاب والمصحف غلب عرفًا على ما كتب فيه القرآن، فقيل: يراد به ليعلم أنه المراد به ليعلم أنه الدليل، وعليه يبنى الأحكام من منع ولمس، والتنبيه على أن ضابط معرفته التواتر دون التعريف لا لكلام الأولى ولا المنسوخ تلاوته ولا ما لم يتواتر كمتتابعات في قضاء الصوم وإلا فهو اسم علم شخصي والتعريف للحقائق الكلية ويمكن الجواب بمثل
стр. 360
ما مر، وبأن تصور المصحف ليس تصور كنهه بل ما يعلم عرفًا أن هذا مصحفٌ وذاك والموقوف تصور كنهه على أنا لا نعلم شخصيته فإن له أفرادًا في صدور الحفاظ ومتون الصحف، ولئن سلم أن المراد به أنه كالشخصي أو شخصي بالاصطلاح الخاص فلا نعلم أن مثله لا يقبل التعريف الرسمي بحسب الوجود الخارجي، ولا سيما في المركبات الاعتبارية، نعم لا يقبل التحديد، لكن ليس التعريف بالمنزل والمنقول كن ذلك في شيء.
وقال مشايخنا: هو القرآن المنزل على رسولنا المكتوب في المصاحف المنقول تواترًا بلا شبهة، فالقرآن تعريف لفظي والباقي رسمي وصفًا كاشفًا، فالمنزل جنس المنزلة وخرج بقيده الكتب السماوية وبالمجموع الأحاديث المنزل معناها فقط إذْ المراد نظمه ومعناه، وبالمكتوب المنسوخ تلاوته بقي حكمه أولًا، وبالتواتر الآحاد كالشاذة، ومنها متتابعات في قضاء رمضان وبالأخير المشهوركمتتابعات في كفارة اليمين، فلا يجوز صلاة المتفرد به هذا إن أريد بالتواتر تواتر الفرع أو الأعم كما فعله الجصاص، وإن أريد به المتعارف فالقيد الأخير تأكيد، وهذا محزه لقوة شبه المشهور به وتصور النقل يتوقف على تصور مطلق المنقول فلا دور ولفظ النبي ﵇ داخل؛ لأن المراد ما تعلق به الكتب والنقل لغةً، وكذا كل حرف أو كلمة من حيث انتظامها مع طرفيها، وقكد الحيثية لا بد من إرادته فيما يختلف بالاعتبار حتى لا يحرم الحمد لله رب العالمين شكرا على الجنب.
وفي التسمية روايتان عن أبي حنيفة آية فذة أنزلت للفصل والتبرك وليست من القرآن إلا في النمل، فعلى الأول يخرج كل واحدة أو عدة بعينهما بقيد المنزلية إذ لم ينزل شيء منها على تعينه أو التواتر إذ لم يتواتر قرآنية شيء منها على تعينه بخلاف نحو ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣]، فإن المنزل والمتواتر قرآنيته صادقٌ على كل منها ولم يكن تكرارها في أول كل سورة زندقة لكون إنزالها للفصل والتبرك، وعلى الثاني: بالتواتر إذْ لم يتواتركونها من القرآن ولذا يخالف مالك ﵀.
الثاني: أن المنقول آحادًا ليس بقرآن بل واجب تواتر تفاصليه لأنه متضمن للإعجاز والتحدي وأصل للأحكام وكل ما هو كذلك فالعادة تقضى بتواتر تفاصليه بخلاف سائر المعجزات إذْ ليست أصل الأحكام وبذا علم أن القرآن لم يعارض وإلا لتواتر، فما لم يتواتر تفصيله ليس بقرآن بعكس النقيض، وهذا متفق عليه بين الأئمة الأربعة فالخلاف في بسم الله في أوائل السور مبني على أن الواجب تواتر نقله في كل محل عند الشافعي لتوصيتهم بتجريد القرآن عما ليس منه حتى من النقط، وقضاء العادة قطعًا بعدم الاتفاق على مثله جمع أن أحاديث ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة ﵃ تناسب قوله أنه آية من
стр. 361
كل سورة أو من غير الفاتحة بعض آية منها وتواتر كونه قرآنا في كل محل عند غيره كما في سائر المكررات فإذا لم يتواتر ذلك في محل ما لم يكن قرآنًا عند مالك وأبي حذيفة في رواية ولأن التوصية بالتجريد إنما يقتضي عادة قرآنيته في الجملة لا قرآنيته في كل محل كما ظنه الشافعي لجواز كونه آية فذة أنزلت للفصل والتبرك أختاره أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله على رواية أبي بكر الرازي وبها أخذ المتأخرون ولذا كتبت بقلم الوحي، أي حين نزلت وإنما كتبت بخط آخر ليعلم أنها ليست أول سورة وآخر أخرى والرواية حيث قالوا ثم يتعوذ ثم يقرأ ويخفي البسملة حيث أدخلوها في القراءة شاهدة له والأحاديث آحاد ومؤولة لتعارضها فحديث ابن عباس ﵁ من حيث كونه آية فذة أو مائة وأربع عشرة آية عن التأويلات ومع أنها من كتاب الله لا من كل سورة وحديثا أبي هريرة وأم سلمة أو بعض آية من الفاتحة فخطأ مالك ﵀ في عدم اختيار التوصية بالتجريد أصلا وخطأ الشافعى في اعتبارها في كل سورة مع الجواز المذكور.
ثم تفريع عدم الجهر على مذهب مالك ﵀ منتظم كالجهر على مذهب الشافعي أما على الرواية الأخيرة لأبي حنيفة فلأنه غير معلوم قرآنيته من حيث ذلك المحل والأصل في الأذكار الإخفاء، وليعلم بالإخفاء أنه ليس من ذلك المحل والجهر ليس من لوازمه كالشفع الأخير ولأن اختلاف العلماء من حيث إن دليل كل شبهة قوية من حجة غيره أوْرث شبهةً في قرآنيته أو في كونها آية تامة لم يجز الصلاة به إذْ المقطوع لا يؤدي بالمظنون وحرمت على نحو الجنب عند نيته القراءة لا الثناء للاحتياط ولم يكفر إحدى الطائفتين الأخرى إجماعًا مع أن كلا من نفي الضروري كونه من القرآن وإثبات الضروري عدم كونه منه مظنة للتكفير، لا يقال دليل كل طائفة قطعيٌ عنده وإلا لم يتضح التمسك به في نفي القرآنية أو إثباتها، فلا معتبر لتعارض الشبهة وألا تجري في الاعتقاديات المختلف فيها كالوحدة وغيرها لأنا نقول قد تبين عدم قطعية دليلي الشافعي ومالك أما دليلنا وإن كان قطعيًا بالنظر إلى نفسه فالقطع به من قضاء العادة التي لا معتبر بها عند معارضة النص، فالنصوص المعارضة لها لو كانت قطعية كان الأخذ بها وترك العادة واجبًا وعند ظنيتها أورثت قدرًا من الشبهة صالحًا لدفع ما يندفع بالشبهات وهذا معنى قوتها بخلاف أدلة سائر الاعتقاديات ولا نعلم عدم صحة التمسك بمثل هذا القطعي في نفي القرآنية وإثباتها.
بقى بحث هو منع أن العادة تقتضي بتواتر تفاصيل مثله لما لا يكفى تواتره في محل ما سواء كان في النمل أو في كونه قرآنًا لإثباته في محالٍ، وجوابه أنه لو لم يجب التواتر في كل
стр. 362
محل وكفي ذلك لزم محالان جواز وقوع سقوط بعض القرآن وثبوت بعض ما ليس فيما مضى، أما الأول فلاحتمال كون الآيات الغير المكررة مكررة أسقط عما لم يتواتر فيه اكتفاء بمحل التواتر.
وأما الثاني: فلاحتمال كون الآيات المكررة غير متواترة بل غير نازلة إلا في محل فأثبت لذلك في غيره مع عدم قرآنيتها. واعترض بأنا لا نعلم لزوم المحالين لأن جواز عدم التواتر في كل محل إنما يستلزمها فيما مضي لو منع وقوع التواتر فيه في كل محل والممكنة السالبة لا تناقض المطلقة الموجبة وكيف يمنعه والوقوع لا يوجب الوجوب إذ المطلقة لا تستلزم الضرورية فلم لا يجوز أن يكون الواقع تواتر المكرر في كل محل وإن لم يجب فلم يقع السقوط والثبوت المذكوران فيما مضي وأجيب بوجوه:
١ - أن المحال الأول لازم وذلك كاف، فإن التواتر لو لم يجب لجاز سقوط بعض المكرر قبل اتفاق تواتره ولا ينافيه وقوع التواتر في سائر المكررات وبذا لم يحصل الجزم بعدم السقوط مع أنا جازمون به، ولا يقال تواتر عدم سقوط بعض المكرر كما تواتر ثبوت بعضه؛ لأن التواتر في العدم لا يتصور إما لأنه لا يستند إلى الحسن، وإما لأنه قبل حصول حد التواتر.
٢ - أن وقوع حد التواتر وإن قدح في لزومها فيما مضى فلا يقدح في الجوازين المحذورين فيما يستقبل لولا وجوب التواتر في كل محل مع أن فاعلها مجنون أو زنديق.
٣ - أن لنا وجوب التواتر في كل محل دليلًا آخر وهو كونه ما يتوفر الدواعي على نقله كما سيجىء وهذا على مذهب مجوز الانتقال.
تتمة: اختلاف القراءات السبع إن كان فيما لا يختلف خطوط المصاحف به وهو المنتهى بنفس الأداة والهيئة لا بحسب دائرة كالمد واللين أعني تطويل صوت حرف العلة إلى مقدار وعدمه والإمالة والتفخيم وتخفيف الهمزة وغيرها، وإن كان فيما يختلف وهو المسمى بقبيل جوهر اللفظ نحو ملك ومالك يجب تواتر كل منهما ليكون قرآنا.
الثالث: يجوز العمل بالقراءات الشاذة إذا اشتهرت كالخبر المشهور عند الحنفية مثل قراءة ابن مسعود ﵁ في كفارة اليمين فصيام ثلاثة أيام متتابعات بخلاف قراءة أبي ﵁ في قضاء رمضان خلافًا لغيرهم في أنه قرآن أو خبر ورد بيانًا فظن قرآنًا، وأيًّا كان يجب العمل به، قيل يجوز أن يكون مذهبًا لجواز أن يجتهد الصحابي في خبر فرواه بالمعني على زعمه ولئن سلم فالخبر خطأ قطعًا لأنه نقل قرآنًا وليس بقرآن لعدم تواتره فارتفع الثقة. والجواب عن الأول: أن إلحاق ما اجتهد فيه بالقرآن بحيث يظن
стр. 363
كونه قرآنًا من عدل مثله بعيد. وعن الثاني أن خطأيته بالنسبة إليه ممنوعة لجواز أن يتواتر عنده أو يشافه بقرآنيته وبالنسبة إلينا لا يرفع الثقة ولئن سلم فالخطأ في قرآنينه، ويجوز أن يكون مقصوده خبريته لهم أنه ليس بقرآن وشرط صحة العمل بالخبر نقله خبرًا ولا عبرة بغيرهما قلنا لا نعلم الثاني والإجماع فيه كيف والاعتماد على نقل الثقة في إلحاقه بالقرآن أقوى.
الفصل الأول في الخاص
وفيه مقامات:
الأول: في حكم مطلقه وضعًا هو تناول مدلوله يقينًا، أي: في ذاته وقطعا أي للمحتمل وهو إرادة الغير أو لاحتمال البيان كما في المجمل أو المجمل أو لمطلق الاحتمال الناشئ عن الدليل وأيًّا كان لا ينافيه احتمال المجاز حيث لا قرينة لعدم دليله خلافًا لمشايخ سمرقند ومذهبهم مردودٌ باتفاق العرف فبيانه وحقيقته إثبات الظهور ولازمته ازالة الخفاء أما إثبات الثابت وإزالة الزائل وعليه أصول وفروع ونقصان لهما منوع فالأصول منها أن اسم العدد لا يحتمل الأقل والأكثركالواحد لا يحتمل العدد فثلاثة قروء حيض لا أطهار كما عند الشافعي وإلا فعدة الطلاق الشرعي الواقع في الطهر إن احتسب كما هو مذهبه قرآن وبعض الثالث وإن لم يحتسب فثلاثة وبعفى الرابع وبعض الطهر ليس به إذ لا يراد المسمي وإلا لانقضى بثلاث ساعات وإن شرط تحلل الدم بين أفراده فبساعة من الثالث وأشهر عام أو واسطة تجوز فيه بإرادة البعض كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٤٢]، وإتمام الحيضة الرابعة في عدة المطلقة أثناء الحيض لضرورة تكميل ما لا يجزئ ولذا صارت عدة الأمة قرءين وقطح يد العبد السارق مع إن الرق منصف، ولا يطلق في أنت طالق إذا حضت نصف حيضة حتى يطهر كما في حيضة بخلاف إذا حضت، وتاء الثلاثة للفظ القرء، ومذهبنا مؤيد بقوله ﵇ "دعي الصلاة أيام أقرائك" (١) مع قوله وعدتها حيضتان وبالاستبراء فإنه بحيضة وبالاشتقاق كما مر. ومنها: أن إلحاق الشيء به فرضًا لأنه يوجب رفعًا لحكم شرعي كزيادة جزء للتخيير أو ركن أو شرط حيث يرفع حرمة ترك الأصل وإجزائه نسخ خلافًا للشافعي وسيجيء بخلاف زيادة عبادة مستقلة فلا يجوز إلا بما يجوز النسخ به فلا يلحق فرضا في أن لا يجوز الصلاة بدونه لا في أن يكفر جاحده.
стр. 364
تعديل الأركان وهو الطمأنينة في الركوع والسجود بأمرهما بقوله ﵇ للأعرابي قم فصلي فإنك لم تصلي" (١) ثلاثًا لأن الركوع ميل عن الاستواء بما يقطعه حتى لو كان إلى القيام أقرب من الركوع لم يجزه والسجود وضع الجبهة على الأرض ولا فاتحة بأمر القراءة بقوله ﵇ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ووقوعها فرضًا حين الاقتصار ليس بذلك كسائر السور لأن ذا من حيث قرآنيتها فلا ينافي وجوبها من حيث الخصوصية ولا الطهارة بأمر طواف الزيارة لقوله ﵇ "ألا لا يطوفن بهذا البيت محدث ولا عريان" (٢) وقوله الطواف صلاة فإنه الدوران حولها وهو في نفسه معلوم وإن كان مجملا في حق المبالغة المنصوصة حيث يحتمل العدد والإسراع وفي حق الابتداء إذْ لا بد لتحقق الحركة وتعينها الواجب شرعًا منه وتعينه فالتحقيق خبر العدد والابتداء من الحجر بيانًا ولذا لا يعتبر ما قبله في رواية الرقيات والطهارة أمر زائد، كأمر المسح مجمل في حق المقدار لأنه إمرار وتفسيره بالإصابة لدفع الإسالة خاص في حق التثليث وتعين الناصية أو لأن خبر الأشواط السبعة متواترٌ غير أن التقدير يحتمل أن يكون للاعتداد والإكمال فأخذنا الثاني لتيقنه وجوزنا بأكثرها لقيامه مكان الكل لترجح جانب الوجود كالاقتداء في الركوع ونية التطوع بالصوم قبل الزوال وقد روي إن الابتداء من غير الحجر مكروه لأنه ترك سنة لا باطل.
أما وجوب إعادة طواف الجنب والعريان والمعكوس فليس لعدم جوازه عندنا حتى يكون مجملا لمعنى زائد ثبت شرعًا كالربا بل لنقصانه الفاحش وجوب إعادة الصلاة المنقوص واجبها سهوًا ولذا ينجبر بالدم إنجبارها بالسجدة فهذه الثلاثة عندنا واجبة ورواية ابن شجاع في الطهارة محجوجة بوجوب الدم، وعند الشافعي فرضٌ ولا الولاء بما روي إنه ﵇ كان يوالي في وضوئه كما شرط مالك ﵀ والترتيب بقوله ﵇: "ابدأوا بما بدأ الله به" (٣)، والنية بقوله ﵇: "الأعمال بالنيات" (٤)، كما شرطهما الشافعي ﵀ والتسمية بقوله ﵇: "لا وضوء لمن لم يسم
стр. 365
الله" (١) كما شرطها الطاهر به بأنه الوضوء لأنه غسل ومسح واشتراط النية في التيمم لإشارته، والمفهوم من ترتب الحكم على المشتق عليه مأخذ؛ لا وجوب نية العلية لا سيما في الشرط الذي شأنه أن يعتبر وجوده كيفما كان لا قصدًا كستر العورة واستقبال القبلة فوجوب النية في كفارة القتل لدفع المزاحمة فهذه تعنيه، ولا التغريب بقوله ﵇ "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٢) بأمر الجلد فإنه لكونه جزاء كاف أو كل المذكور بل ذلك على تقدير ثبوته بطريق التعزيز منسوخٌ كالرجم بالحجارة دليله قول على ﵁ كفي بالنفي فتنة، وحلف عمران لا يقيم النفط حين ارتد من نفاه، ولذا لم يجعل التغريب واجبًا أو سنةً أو لأن خبره غريب مع عموم البلوى وفي ما بين القبيلين فرق ما بين تبع لأصل وتبعه رعاية لمنازل المشروعات وربما يقرر بأن الإلحاق بالفرضية إذا بطل يصار إلى أقرب المنازل منها هي الوجوب إن أمكن بأن كان الملحق به مقصودًا لذاته كالصلاة والحج؛ لأن الظن يوجب العمل وإلا كأن كان مقصودًا لغيره كالوضوء فإلى السنية إذ لا يمكن جعله واجبًا لعينه بمعنى إثم تاركه لأنه مما يسقط كله بلا إثم بسقوط الغير، ولا واجبا لأجل الصلاة بمعنى عدم جوازها إلا به وإلا لترجح على واجب الصلاة وساوى فرض الوضوء على تقدير عدمها ولا بمعنى أثم المصلي لتركه مع جواز صلاته وإلا لساوى واجب الصلاة واقتضى سهوه جائزا، وإن أريد إثم ما فذا بالسنية كما جاز الوعيد على النقيض عن الثلاث وهذا سر أن أبا حنيفة ﵀ لم يجعل في الوضوء واجبا وقيل لتفاوت درجات الأدلة فإنها أربعة قطعى الثبوت والأدلة وقطعي أحدهما وظنهما:
فالأول: كالنصوص المتواترة تثبت الفرضية والمتوسطان كالآيات المؤولة وأخبار الآحاد القطعية الوجوب والرابع كالأخبار المؤولة السنية، ومن سوى فقد سهى من وجهين كمن سوي بين شريف وخسيس فخبر التعديل للتكرار والفاتحة لشهرته والطهارة للمبالغة من الثالث وهكذا كان غسل اليد ابتداءً للمبالغة في حديث المتيقظ ولكونه مقدمة لولا تعليل آخر الحديث وطهارة العضو حقيقة وحكما ووروده فيما ليس مقصودا لذاته وغيرها من الرابع فخبر الولاء؛ لأن المواظبة ليست دليل الوجوب مطلقًا فإنه ﵇ واظب على المضمضة والاستنشاق بل هو المواظبة بلا ترك فيما هو مقصودا لذاته وخبر النية مشترك الدلالة لإضمار فيه وخبر الترتيب والتسمية معارض ومستعمل في نفى الفضيلة.
стр. 366
ويرد على الثالث والرابع طردًا وعكسًا وجوب الفاتحة وضم السورة فإن استعمال مثل حديثهما في نفي الفضيلة شائع والمجاز الشائع قادحٌ في القطع باعترافه كما في التسمية، وسنية تخليل اللحية والأصابع الثانية بالأمر القطعي الدلالة لا سيما مع اقترانه بالوعيد وفي أمثلته سعة، ويمكن الجواب بأن القواعد الأربع أصول يجوز العدول عنها لدليل كضعف قرنية المجاز في حديثهما وكشهرته فيهما وتكرر وروده في الفاتحة بخلاف حديث التسمية، وكورود حديثي التخليلين فيما ليس مقصودًا لذاته وهذا كحديث السعي فإنه من حيث كونها مصدرًا بالكتب ومعجزًا بالأمر يصح دالا على ركنيته بيانا لمجمل الحج كما قال الشافعي، لكن صيغة الإباحة في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، أوجب العدول عنه فقلنا بالوجوب إما لأنه أقرب المَنازل أو فيه الإجماع أو الجمع بين دليلي الركنية والإباحة ومنها أن الخلع طلاق فيزيد به عدده لأنه تعالى بدأ بفعل الزوج وهو الطلاق ثم جمعهما في أن لا يقيما ثم أفرد فعل المرأة وهو الاقتداء بالذكر ففيه بيان بطريق الضرورة أن فعله ما سبق كما في قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١].
وسبب نزول الآية يفصح عن أنه الخلع لا الطلاق على المال ولا الرجعي ولا يلزم منه زيادة الطلاق على الثلاث مع سبق الطلقتين إذ ليس كل ذكر لبيان الوقوع والإلزام قطعا بل لبيان الشرعية ويحتمل أيضًا أن يكون تنويعًا للثاني إلى الخلع وغيره ويصدق عليه الطلاق بعوض أو للثالث المستفاد من التسريح على ما روي أو زرين عنه ﵇ ويكون فإن طلقها بيان حكم الثالث، وفيه بعد الخروج الفاء عن التعقيب.
وقال الشافعي ﵁ أولًا فسخ لأنه يحتمله كما بخيار عدم الكفاءة والعتق والبلوغ عندكم كالبيع قلنا تمامه لا نقبله وهذه الصور امتناع قبله والفروع منها أن الصريح يلحق البائن خلافًا للشافعى ﵁ ويتحقق في المختلفة رواية واحدة وفي المطلقة على مال إحدى الروايتين عنه ولا يري البينونة في غيرهما له زوال النكاح كما بعد العدة.
قلنا فاء التعقيب في فإن طلقها المرتبة له على الخلع الذي هو أحد نوعي فعل الزوج المذكور في صدر الآية وذلك عين وصله يصدر الآية كما ذكره المفسرين؛ لأن وجود النوع والجنس واحد ذهابا إلى أن المراد به التطليق الشرعي مرة بعد مرة لا الرجعي وإلا لم يكن هذا أحد نوعية تفيد شرعيته عقيب الخلع؛ لأن بيان حكمه الخاص يستدعيها وحديث أبي سعيد الخدري يويدها فن وصله بصدر الآية بحيث فصله عن الاقتداء فقد
стр. 367
أبطل التركيب، وهذا لا ينافي كون الطلقة الثالثة مستفادة من التسريح ولا تقتضى عدم مشروعيتها إلا بعد الخلع كما ظن فقبله أما بالتسريح أو لكونه مرتبا على صدر الآية، وهو أعم أو بالإجماع، أو بحديث العسيلة ومنها أن المفوضة تستحق مهر المثل بنفس العقد لا بالوطء فلو مات قبله أو طلق بعده يجب كلا وقبله متعة لا يزيد على نصفه وعند أكثر الشافعية به فلو مات أو طلق قبله فلا شيء وبعده يجب كلا واتفقا أنه إذا فرض فات أو طلق بعده يجب كمال المفروض وقبله نصفه لهم إنه خالص حقها، فيتمكن من نفيه ابتداء كما من إسقاطه انتهاء، قلنا: الماء في أن تبتغوا بأموالكم حقيقته الإلصاق بنص العربية، ففى غيره مجاز ترجيحًا له على الاشتراك فلا ينفك الطلب، أي: بالعقد الصحيح لا بالإجارة والمتعة لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، ولا بالنكاح الفاسد لتراخي وجوب المهر فيه إلى الوطء إجماعا عن المال وسائر النصوص المطلقة، وإن كانت مطلقة محمولة على المقيد لاتحاد الحكم والحادثة ككفارة اليمين.
وكما في اشتراط الشهود وحرمة جمع غير الأختين كلاهما بالخبر المشهور والمهر وجوبا حق الشرع إبانة لشرف المحل؛ ولقوله تعالى: ﴿فَرَضْنَا﴾ على وجه، وإنما يصير حقها حالة الملك فتملك الإبراء دون النفي، ومنها: أن المهر مقدر شرعًا بمقدار بعينه معلوم عند الله يظهر باصطلاح الزوجين أو المماثلة كالقيم الظاهرة بالتقويم وكخصال كفارة اليمين فلا يجوز أقل من عشرة دراهم (١).
وعند الشافعي ﵁ كل ما يصلح ثمنًا يصلح مهرًا (٢)؛ لأنه حقها فالتقدير إليها، قلنا قوله تعالى: ﴿مَا فَرَضْنَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]، أي قدرنا من مهور النساء وأعواض الإماء كما فسر به البعض يفيد أن المتولي لتقديره صاحب الشرع لكن لكونه مجملا في تعيين المقدار بالنسبة إلينا بينه حديث جابر ﵁ من حيث نفي نقصانه أو قياسه على نصاب السرقة بجامع بدليه العضو وتقدير العبد امتثال به ظاهرًا به من حيث كونه فوق ما دون العشرة وباطنا بإظهار ما عينه في عمله فلا يلزم جواز الاصطلاح على ما دونها ولكون التقدير نافيا للنقصان كمقادير الزكاة لا الركعات جاز الزيادة، وقد مر أن المهر وجوبا حق الشرع إبانة للشرف بالتقدير بماله خطر قبل حقيقة الفرض القطع كما في سورة النور من الكشاف ففي التقدير مجاز كالبيان والإيجاب ولئن سلم فمشترك بينهما مع أن حمله على الإيجاب أولى هنا لوصله بولي، وإذ لم يقدر على المولي للإماء
стр. 368
شيء وجوابه أن في التقدير حقيقة شرعية وإن كان مجازا لغويا لاشتهار استعماله إلى أن استغنى عنه القرنية لقوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، والفرائض وفرض القاضي، ففي سائر المعاني مجاز ترجيحًا له على الاشتراك فوصله بولي لتضمين معنى الإيجاب والمقدر في الإماء الأعواض كما مر لا النفقة والكسوة غير إن تقدير العوض لم يبين أصلًا فافترقا في جواز القلة ولئن سلم كونه حقيقة في الإيجاب إذ لم يشتهر في غيرهما شرعا لكنه يستلزم تقديرًا فلا محيص عن الإجمال في جعل التقدير كالشافعي أو اختيار الترك والإيجاب في المهر كمالك القائل، بأن نفي المهر يفسده كنفي الثمن إلى
العبد فقط أبطله.
ونقصان أحدهما قول محمَّد والشافعى لأن قولهما بمحلية الزوج الثاني وهدمه دون الثلاث إبطال لقوله حتى ينكح؛ لأن غاية الحرمة منهية لها ولا إنهاء قبل الثبوت إذ نهاية الشيء لتوقفها من حيث هي غاية عليه توقف البعض من حيث هو بعض على الكل تلغو قبله في حكم الإنهاء كما لو حلف لا يكلمه في رجب حتى يستشير أباه فاستشاره قبل رجب لغت حتى لو كلمه في رجب قبلها حنث، ولأن الثبات ضد المغيا لا أثر للغاية فيه فالثابت بعدها الحل السابق كحل الأكل بعد الليل ولئن سلم فالحل فيما دونها ثابت وإثبات الثابت محال وجوابه أن محليته لم تثبت بالأية بل بإشارة حديثي العسيلة واللعن فحديث العسيلة لشهرته يزاد به على الكتاب فزيد الدخول بعبارته وفهم التحليل من إشارته فإن العود فيه وهو الرجوع إلى الحالة الأولى التي هي الحل أمر حادث بعد الدخول لأن عدمه غيابه فيضاف إليه والمستند إلى السبب الأصلي هو الحل الأصلي لا الحاصل
بالعود إليه بل هو إلى سبب العود وهذا إذا كان النكاح في الآية لمعنى العقد لا الوطء كما اختاره المتأخرون وإلا فالدخول بالآية وهو مختار متقدمي أصحابنا لأنه وإن سلم اشتماله على مجازين لغوين في النكاح، والزوج أولى من ارتكاب المجاز العقلي في إسناد الوطء إليها ولو لمعنى التمكين إذ لا يكاد يستعمل كالراكب في المركوب، بخلاف الزنا فإنه اسم للتمكين الحرام ومع نساء لا يفيد لأن التمكين لا ينهي ولا يستلزم الوطء، وحديث اللعن وإن كان من الآحاد أثبت التحليل لأنه ليس زيادةً تكون نسخًا لأن التحليل محقق للإنهاء لا رافع له يوجه، ورفع الشيء قد يكون بإثبات ضده، فلا ينفي كونه غاية كـ ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] و ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] وكالليل مع النهار واللعن غير قادح؛ لأن سببه للمحل شرط التحليل أو قصد تغير المشروع حيث لم يتزوج للتناسل، وللمحلل له تسببه والمسبب شريك المباشر، والأليق أن الغرض من إثبات خساستهما،
стр. 369
لأنه ﵇ ما بعث لعانا ولما ثبت العود إلى الحالة الأولى لم يزل الحل إلا بثلاث طلقات كالأول فبعد الثلاث أثبت الحل الكامل وبعدما دونها كله ولم يكن إثبات الثابت بل زيادة حل كزيادة الحرمة في انعقاد ظهار ويمين بعده أو لم يزد على الثلاث، إذْ لا زيادة شرعًا فاقتضى ثبوت الحل الثاني انتفاء الأول كتجديد البيع بثمن أقل، أو تداخل العدتين ثم قولهما لأن فيه إعمال الكتاب والسنة جميعًا أولى بما فيه إهمال إحداهما.
وثانيهما: قول الشافعي ﵁ إن مذهب في نقل عصمته المسروق إلى الله وهو المعنى ببطلانها على العبد حيث قلنا حكم السرقة قطع بنفي الضمان، فلو هلك عند السارق أو استهلكه قبل القطع أو بعده لا يضمن إلا في رواية الحسن، فيما استهلك بعده كإتلاف خير المسلم لقوله ﵇ لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه إبطال لخاص الكتاب به حيث جعل القطع جميع الموجب، ومع نقل العصمة يكون بعضه ولولا هذا الاعتبار لما ورد الإيراد؛ لأن إثبات حكم سكت عنه النص بخبر الواحد غير محذور ونحوه ما مر في زيادة التغريب على الجلد، فللشافعي ﵁: أن القطع لا ينفي الضمان صريحًا ولا دلالة لاختلافهما اسمًا ومقصودًا ومحلا وسببًا واستحقاقًا فلا يقتضي ثبوت أحدهما انتفاء الآخر فيثبت لعمومات الضمان. قلنا: نقلها بإشارة جزاء إما لفظا فلأن مطلقه عن جبر النقصان في معرض العقوبة يراد به خالص حقه تعالى، وهذا كذلك ولذا لم يكون كون الغصب القصاص مقيدا بالمثل ولم يملك الصنروق منه إثبات الحد وعفوه بعده ولم يورث وأشترط دعواه ليظهر السرقة ويسترد إن أمكن حتى لو وجد المظهر بلا ملك كفي كالمكاتب والمستعير والمستأجر والمستبضع والقابض على سوم الشراء والمستودع والمضارب والمرتهن ومتولي الوقف وسدنه الكعبة وكل جزاء يخلص بهتك حرمة خالصة له ليكون طبقها ومن ضرورته لخويل العصمة إليه، وإما معنى فلأنه مأخوذ من جزى أي قضي وأحكم أو جزءا، أي: كفي فيشير لإطلاقه إلى كماله المستدعي لكمال الجناية بكونها حرامًا لعينهاكشرب الخمر والزنا لا لغيره وإلا كانت مباحة في نفسهاكشرب عصير العنب لأحد والوطء حالة الحيض فيتحول العصمة إليه، وقد يجاب بإن كمال الجزاء يقتضي كون القطع جميع الموجب فلا يجب الضمان معه وهذا لا يحتاج إلى توسط كمال الجناية، وتحول العصمة فلا تناسب فأوجه منه أن القطع إن لم يكن جميع الموجب جاز زيادة نقل العصمةكزيادة التغريب عنده، وإن كان لم يجز زيادة الضمان بالعمومات إذْ لا تصح ناسخة لعدم قوتها أو تراخيها ولا مخصصة للخاص وههنا فوائد:
стр. 370
١ - أن عصمة المال واحدة كانت للعبد إذْ لا يجب القطع إلا بسرقة مال يختص به خلاف صيد الحرم وحشيشه فإذا نقلها الله إلى نفسه تحقيقا لصيانته على العبد لم يبق للعبد حرمة يجب الضمان بهتكها خلاف قتل الصيد المملوك في الحرم والإحرام، وشرب حفر الذمي والقتل الخطأ، واختير هذا النوع من الصيانة وإن اشتمل على إبطال حقه في الضمان لأن نفع القطع يعمه، وغيره كالقود.
٢ - أن ملك العبد لا يستلزم عصمته كعصير المسلم إذا تخمر ينتقل عصمتها إلى الله تعالى فلا يلزم من انتقالها بدونه، حيث يثبت له ولاية الاسترداد إن كان قائمًا بقاء اللزوم، بلا لازم فلا ينتقل المالك وإن توقف انعقاد السرقة موجبه للقطع عليه توقفه على العصمة وإذ لا يقطع النباش وذا لوجوه:
أ- كون انتقال العصمة للضرورة فيتقدر بقدرها، ولذا لو وهبه المالك للسارق أو باعه منه أو من غيره صح أو أتلفه غيره يضمن.
ب- كن نقل الملك مبطلا للعصمة أصلًا لأن خالص ملكه تعالى يوصف بالإباحة لأنها كالاحتطاب ونحوه.
ج- كون الملك صفة المالك مقصودا لا لمحل الجناية كالعصمة.
٣ - نقل العصمة إليه تعالى لا يوجب الإباحة وإلا لتسبب الجناية للتخفيف وصار القطع مناقضًا لنفسه فاشترط العصمة السابقة التي يحدث انتقالها مع الأخذ تحقيقًا للحفظ في تلك الحالة ويتم بالاستيفاء كما في كل ما يحب الله فعنده يتبين أنها كانت لله فلا يجب الضمان وإن تعذر الاستيفاء تبين أنها للعبد فيجب وبهذا يندفع كثير من الأسئلة.
٤ - إن سقوط الضمان لتعذر الحكم به على القاضي حيث اعتبر عصمته في القطع فلا ينافيه الإفتاء بالضمان كما رواه هشام عن محمد ﵀ لدفع الخسران اللاحق بجهة هو متعد فيها.
المقام الثاني في حكم قسمه المسمى بالأمر: إذْ الخاص كمطلق اللفظ فيما مر إما خبرًا أو إنشاءً ولكون السند عين الإخبار أخرنا مباحثه إلى أوانه فالإنشاء المعتبر هنا الأمر والنهى المنوط بهما طرفا التكليف، ولذا عد مباحثهما معظم المفاسد ونعني بهما أياهما معنى وإن استعير عنهما بالخبر في ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] وتحسنون المقدر كعكسه فيما يجيء من اصنع ما شئت، واستعارة النهى والمستعار في نحو ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ﴿يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، مجرد خبر المبتدأ فقد يقع إنشاء في مثل كيف زيد، لا أين زيد ونحوه لأنه في الحقيقة مقدرة وتنافي الإنشاء لا معه، وعندي أن الخبر جزء
стр. 371
مدلولاتها، والجزء الإنشائي معتبر في الجملة، وهذا أصح، لأن الدليل على إمتناعه صحيح ومنه ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، من وجه والمستعار أوْكد لكونه خبرا عن وقوع المطلوب صورة.
ففي الأمر مباحث: الأول: في تعريفه ولكونه من المبادي، قد مر فيها وتكراره هنا لاستيفاء حقه مطابقة وبيان حال تعاريف الطوائف صحة وفسادًا ومثله الخبر وغيره فمن قال بالكلام النفسي كالأشاعرة عرفه تارة بحقيقته الكلامية كاقتضاء فعل غير كف صيغي استعلاء فدخل كف دون لا تكف من غير عناية، وخرج النهي، وما فيه التسفل ولو من الأعلى وهو الدعاء أو التساوي كذا وهو الالتماس إذْ هما لا يسميان أمرًا اتفاقًا، بخلاف ما مع الاستعلاء، ولو من الأدنى وإلا لم يذم بأمر الأعلى ولذا لم يشترط العلو كالمعتزلة ولم يهمل الشرط كالأشعري، وحمل قول فرعون ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠]، وقد كان معبودًا لهم على معنى تشيرون أو تومرون أي تشاورون أو إظهار التواضع لملائه لغاية دهشته من أمر موسى ﵇ وارتكاب خلاف الظاهر للدليل ليس أول قارورة كسرت في الإِسلام.
وأخرى باللفظ الدالة عليه وهو المناسب لغرضنا فصار حقيقة الأصولية ومنه قول القاضي هو القول المقتضي طاعة المأمور، بفعل المأمور به ورد الدور الوارد من جهة أخذ المشتق، والطاعة التي هي موافقة الأمر بأن الأمر يمكن أن يعرف سابقًا من حيث هو كلام فذلك كاف في معرفة الأشياء الثلاثة، أو يتميز عما عداه ويطلب تصور حقيقته.
وقيل: خبر عن الثواب على الفعل أو عن استحقاقه لئلا يلزم الخلف في خبره عند عفو العمل أي محوه بالردة ولا يقدح استلزام الخبر إما الصدق أو الكذب دونه إذ عدمهما لازم المأمور به فعلا أو تاركًا ووجود لازم للثواب عليه واستحقاقه لغةً ولا تنافي بينهما.
ومن أنكر الكلام النفسي كالمعتزلة لم يمكنهم تعريفه بالطلب فتارة عرفوه بذلك اللفظ، أو بالطلب به ومنه قول القائل لمن دونه فيزعمه أفعل مرادًا به الطلب المطلق وهو المراد بما يتبادر عند الإطلاق لا الاستعلائي، فلا يتكرر قيد الاستعلاء كما ظن فخرج الفعل والإرادة الإشارة، وما من الحاكى والنائم ونحوهما إذْ لا يسمي قوله ومن غير المستعلي ونحو التهديد ولا وجه لمنع كون الصادر من الأدنى المستعلي أمرًا لغةً، أو كونه موجب الامتثال؛ لأن ذمه شامل ودليل عليهما بل كل افعل أمر لغةً وافعل قيل كناية عن كل ما يدل على الطلب من صيغ أي لغة كانت.
والحق ما في إيضاح المفصل أنه علم جنس لذلك من لغة العرب، كفعل ويفعل لكل
стр. 372
مبني للمفعول من الفعلين فيخرج به الإخبار القول عن الطلب، ومنه صيغة افعل مجردة عن القرائن الصارفة عن الأمر أي عما وضعت الصيغة له وهو الطلب الاستعلائي فالمعروف غير المعرف غير أنه تعريف بالمبهم، وأخري باعتبار الإرادة المقترنة بالصيغة كصيغة افعل بإرادات ثلاث إرادة وجود اللفظ ودلالته على الطلب والامتثال ليخرج نحو النائم ومثل التهديد وشبه المبلغ واشتراط مجموع الثلاث لتحقيق ماهية الأمر وإلا فالقيد الأخير كاف في الاحتراز كالفصل القريب والبعيد وأخرى بنفس الإرادة كإرادة الفعل واعتراض عليهما بأن قول السيد لعبده افعل كذا بحضرة سلطان توعد له بالإهلاك على ضربه ليعصيه فيتخلص أمر والألم يظهر عذره وهو مخالفة الأمر ولا يريد ما يفضي إلى هلاكه لكن قد يطلب إذا علم أن طلبه لا يفضي إلى وقوعه فهذا يبطل كون الإرداة عينه وشرطه وقد مر تمامه وإبطالهما بلزوم وقوع المأمورات لا يلزمهم لأن الإرادة عندهم ميل يتبع اعتقاد النفع أو دفع الضرر فيجوز تخلف مراد الله تعالى عندهم بسوء اختيار العبد، لا الصفة المخصصة بالوقوع ومنه يعلم فساد الاستدلال، بنحو إيمان أبي لهب بأنه مأمور به إجماعًا وليس بمراد الله تعالى؛ لأن قوله ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] يدل على علمه بأنه مستحيل فكيف يريده لأن الإرادة بما فسروه لا تنافي العلم، باللاوقوع والفرق بين الإدارة من العبد وبينها من غيره في التفسير أفسد لأنه مع عدم ثبوته لا يجدي، فإن تقيد الوقوع بالاختيار لا يجوز عدم وقوع المراد نعم، ينفي الجبر ونحوها التقدير والعلم متبوعًا أما تابعًا فأبعد.
الثاني: في أن مراده يختص بصيغة لازمة ولكل من الاختصاص واللزوم معنى لغوي هو اتخاذها خاصة، كما اختص به أبو حنيفة من المسائل، والتبعية أي أن لا يوجد إلا حيث يوجد الملزوم كلزوم أم المتصلة لهمزة الاستفهام.
ومعنى عرفي وهو صيرورته خاصة لها وعدم انفكاكها منه فإن اتفق مرادهما لغةً وعرفًا كان أحدهما مؤكدًا للآخر، وإلا فهم الاختصاص من الطرفين وحمل على كل منهما، والمقصود ها هنا أن الوجوب مثلا لا يستفاد من الفعل أي أن الفعل ليس أمرًا حقيقة ليفيده إذْ لا خلاف في أن كل أمر موجب ولا يخفي توقف هذه الكلية على القول بعموم المشترك، وقد ذهب إليه مالك في رواية والإصطخري وابن أبي هريرة وغيرهما من الشافعية، ولا ريب في أن أصله مجاز فالأمر في المأمور به وهو الفعل مصدرًا كان أو حاصلا به كالشأن في المشؤون من شأنت أي قصدت فالخلاف المذكور ها هنا في كونه أمرًا لا في إيجابه ابتداء وسنستوفيهما في السنة إن شاء الله تعالى.
стр. 373
الثالث: في موجب الأمر وهو مدلول مسماه والتعبير عنه بأن الأمر هل له صيغة تخصه لا يختص بالقول بالكلام النفسي وليس بخطأ، أما الأول فلأن المعنى مراد الأمر، وأما الثاني فلأن المعنى إنها خاصة به حقيقة فيه من حيث هي صيغة لا في غيره عن الندب كأبي هاشم (١) والإباحة (٢) كالبعض ولا مشتركة بين الأولين معنويا للطلب، أو لفظيا ولا بين الثلاثة معنويا للإذن، أو لفظيا ولا بينها وبين التهديد لفظيا، ولا للوقف كالاشعري والقاضي ابن سريج بالجيم، فهذه تسعة مذاهب لنا في الوجوب الكتاب والإجماع ودلالته والمعقول فالكتاب من وجوه:
١ - أن قوله تعالى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، أي إذا أردنا وجوده نقول أحدث فيحدث على كل من التوجيهات الثلاث المبنية على أن يكون الشيء بالإيجاد، أو بكلمة كن نفسيا في الأزل يفيد كون الوجود مع المنع عن النقيض مقصودا بأمر كن فكذا بجميع الأوامر لأنها كن كذا وهو الوجوب والفرق بالتامية والناقصية، غير موثر في حقيقة المقصود غير أن ترتب الوجود في أمر الله تعالى اعتبارا لجانب الأمر يقتضي الجبر ورفع التكليف وقد تفضل الله تعالى له بنوع اختيار وإن كان ضروريا أي تابعا لمشيئته، أو مخلوقا بلا شعوره كالعقل فالعمل يشبه جانب المأمور أيضًا أن بتأكد وجوه الطلب وهو الوجوب المفضى إلى الوجود للعقل والديانة ولا يحتاج هذا في الأوامر الجارية بين العباد لجواز التخلف في طلبهم عن أفراده وفي مرادهم ومطلوب الله مراد لولا نفى الجبر بنقل الإرادة من الوجود المطلق إلى الوجود بالاختيار ولا تخلف في مراده وبهذا يتضح أن أوامر الشرع حقائق والتأويل ليس في دلالة اللفظ بل في ثبوت مؤداه والعمل فيندفع الأوهام المضربة إما بيان الإفادة فلأن التكون إذاكان بالإيجاد وعليه أكثر المفسرين واختاره علم الهدي وأبو زيد كان مجازا عن سرعة الإيجاد وتمثيلا لغائب كمال قدرته يشاهد مفروض قدرته على الإيجاد بأوجز الكلمات بلا صنع آخر ولا يوجد جامع هذا التمثيل إذا لم يكن الوجود قطعًا مقصودًا بالأمر وإذا كان بهذه الكلمة إجراء لسنته على التكوين بها وإن لم يمتنع بدونها كمذهب الأشعري كان حقيقة، لكن المراد الأزلي القائم بذاته أعني بلا تعطل في الأزل لكن بحسب أوقاته المخصوصة ولذا ترتب في الآية على الإرادة فلا يلزم قدم الحادث كما ظن لا المركب من الحروف والأصوات أعنى وبلا تشييد لاستحالة والتسلسل لاحتياج حدوثه إلى أمر آخر وعندهم
стр. 374
يتدرج التكوين في الكلام ونفسه عين المكون والأمر التكويني لا يقتضي الفهم لإفادته بدونه بل عدمه فعلى هذا كون الوجود مقصودا به أظهروا كذا إذا كان بهما وكانت كلمة مقرونة بالإيجاد تعظيما واظهارا لقدرته كنفخ الصور، وإن أمكنه بدونها والبحث في هذا بأن الوجود حينئذ أما إن تعلق بكليهما فافتقار الإيجاد دلالة النقصان أو بكل منهما فيتوارد العلتان أو بالإيجاد فقط فلا يستقيم التمسك ساقط إذْ لا نسلم أن افتقار صفة للذات إلى أخرى له دلالة النقصان كافتقار الإيجاد إلى الإرادة وافتقارها إلى القدرة خلاف المستحيل وافتقار الكل إلى الحياة، ولا فرق في اقتضاء الافتقار النقصان بينه إلى الشرط وبينه إلى جزء المؤثر مع تعلقه بالايجاد فقط قسم لا يحتمله المورد.
٢ - نسبة قيام السماء والأرض بمعنى وجودهما بأمره قال الفراء: قال لهما كونا قائمتين أي ثابتتين تماما لمنافع الخلق وأن سلم أنه كنى بالأمر عن إيجادهما ففي شرح التقويم أن طريقها السببية وذا يجعل الأمر للأيجاب المفضى إلى الإيجاد.
٣ - انتفاء الخبرة عن المأمور في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، الآية لأن القضاء هنا إتمام الشيء قولًا كما في ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣]، أي حكمًا لا فعلا كما في ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، بدلالة عطف الرسول وكذا الأمر هو القول مصدرا، أو مميزًا أو حالًا لا الفعل إذْ لو أريد فعله لم يبق لتقى المومنين معنى ولو أريد فعل العبد أو الشيء كما في ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧]، لزم تقدير الباء وهو خلاف الأصل ولأنه لا يقتضي نفي الخيرة مطلقا لجواز أن يحكم بفعل بالإباحة.
٤ - استحقاق الوعيد لتاركه في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]، الآية إذ لا وعيد إلا بترك الواجب وهنا بمخالفة الأمر قضية لتركيب الحكم عليها وظاهرها ترك الإمتثال به لأنه المتبادر لا عدم اعتقاد حقيقته ولا حمله على ما يخالفة من الندب وغيره وهذا لا يتوقف على وجوب الحذر حتى يلزم المصادرة بل على نفسه والدليل عام لأن أضافة المصدر للعموم.
٥ - الذم والتوبيخ والإنكار على ترك السجود في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، على زيادة لا أو بمعنى ما دعاك إلى أن لا تسجد إذ المانع من الشيء داع إلى تركه والمراد بإذ أمرتك قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا﴾ [الأعراف: ١١]، فلولا أنه وقد ذكر مطلقا للوجوب لأمكنه أن يقول ما ألزمتني فعلام الإنكار.
٦ - الذم على المخالفة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾
стр. 375
[المرسلات: ٤٨].
٧ - عصيان التارك بقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، أي تركت مقتضاه إجماعا وتوعد العاصي بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، الآية.
٨ - ذمه ﵇ أبا سعيد بن المعلى على ترك استجابته وهو يصلي حين دعاء فلم يجب مستدلا بقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فأوجب ترك المأمور الذم ولا سيما مع عذر ولا يستفاد الوجوب منقوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، لولا إفادة الأمر وهذا على أن الظن يكفي فيما مقصوده العمل.
وأما الإجماع فتدلال الأئمة بصيغة الأمر مجردة عن القرآن على الوجوب حتى شاع ولم ينكر وسيجىء تمامه في العمل بالخبر وهذا ليس ظنا في الأصول بل قطعًا ويقينًا بالمعنى الأعم أو على كفاية الظهوركما سيجيء، وأما دلالته أي تثبت من الإجماع في صورة أخرى فإذًا كل من أراد طلب فعل جزما لا يطلبه إلا بلفظ الأمر ونحو أوجبت فعل كذا يدل على الأخبار عنه لا عليه واستعماله إنشاء عارض فالأصل عدم الالتفات إليه ولأنه بواسطة اقتضائه أمرًا.
وأما المعقول ونعني به الاستفادة من موارد اللغة لا إثباتها بالقياس أو الترجيح فمن وجوه:
١ - أن المولى يعد العبد الغير الممتثل عاصيًا ولا ذلك إلا بالوجوب.
٢ - أن الإشتراك خلاف الأصل كما في سائر الأفعال والمضارع أيضًا حقيقةً في أكل كما في كل ما أملكه حر وليس حقيقة في الإباحة والتهديد لأنه يقتضي ترجيح الفعل ولا في الندب لاقتضائه الذم على الترك عرفًا.
٣ - إن الائتمار لازم الأمر أي مطاوعة فإنه وإن تعدى إلى واحد لازم بالنسبة إلى ما يتعدى إلى اثنين وكل مطاوع لازم لما يطاوعه كالانكسار للكسر فالامتثال لازم للأمر غير أن قاعدة رفع الجبر جوزت التراخي إلى أوان الاختيار وإن كان المأمور به مطلوبا ومردا لمن لا يتخلف إرادته ولولا نقل إرادته من مطلق الوجود إلى الوجود باختيار العبد تمهيدًا لقاعدة التكليف لما كان فرق بينه وبين الجماد والفرق ضروري وإذا جوز الاختيار تخلف المراد عن المطلوب بأوامر الله تعالى فلأن يجوز بين العبد أولى فلذا جاز أمرته فلم يمتثل بخلاف كسرته فلم ينكسر إذْ ذلك أمر لا يتخلل في حصوله الاختيار فبهذا يسقط أن المطاوع هو الائتمار بمعنى المأمورية لا بمعنى الامتثال بل هو مسببه لأن الأثر المطلوب بالأمر ليس المأمورية بل وجود الفعل وحين منع الاختيار اللزوم عادة وشرعا
стр. 376
استعمل الأمر للوجوب المفضي إليه لغة وشريعة فهو حقيقة فيه من الحيثتين وبذا صار المطاوع قسمين وهذا حل لما رمزه المشايخ وشدوه ولما يحم أحد حول فهمه ردوه ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٣].
للمبيح أنها طريق أدنى وجود الفعل وللنادب أنه أدنى الفعل الراجح الذي يقتضيه الطلب وإن لا فارق اجماعًا بين الأمر والسؤال إلا الرتبة فيكون للندب مثله ويردهما أن الأصل فيما ثبت ان اللفظ وضع له وهو الطلب ها هنا الكمال لأن الناقص ثابت من وجه لا سيما إذا لم يمنع مانع كالقصور في الصيغة باقترانها بالصارف عن الإيجاب نحو ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، أو في ولاية المتكلم كما في الدعاء والالتماس فإنه معترض الطاعة وهما صرفهما قصور ولاية المتكلم عنه. قالوا: قال ﵇: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (١) رده إلى مشيئتنا قلنا بل إلى استطاعة وهو معنى الوجوب للقائلين لمطلق الطلب أن الثابت في مقتضاه رجحان الفعل فيكون للقدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز. قلنا: بل مع خصوصية الوجوب لأدلتنا وإما أنه إثبات اللغة بلوازم لماهيات فلا بل عدم القول بالخصوصية بلا دليلها وكذا القول لمطلق الإذن تقريرا وجوابا وللمشرك إطلاقه عليهما والأصل الحقيقة. قلنا: المجاز أولى من الإشتراك وللواقفية أولا لو تعين ما وضع له فبدليل.
وليس إذْ لا مدخل للعقل والنقل آحادًا لا يفيد العلم وتواترًا يوجب استواء طبقات الباحثين، والاختلاف ينافيه قلنا لأتم الحصر بل بالأدلة الاستقرائية المتقدمة ومرجعها تتبع مظان استعماله والأمارات الدالة على مقصوده عند الإطلاق وهنا فائدتان:
١ - أن الاستنباط من النقل قد لا يسمى نقلا وإن كان عائد إليه، كقولنا الجمع المحلي باللام عام إذ يدخله الاستثناء فيراد بالنقل ما مقدماته القريبة نقلية.
٢ - إن الظن كاف في مداولات الالفاظ.
وثانيا: أنه مستعمل في معان فلا يتعين شيء منها للإرادة إلا بدليل:
١ - الوجوب أقيموا.
٢ - الندب فكاتبوهم.
٣ - لإباحة فاصطادوا لأكلوا وأشربوا فأنهما واجبان بخلاف ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١].
стр. 377
٤ - التهديد ويسمى التوبيخ ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ويشترط قدرة المخاطب عليه.
٥ - التأديب كقوله ﵇: "كل مما يليك" (١) وهو لمحاسن الأخلاق.
٦ - الإرشاد ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهو للمنافع الدنيوية والندب للأخروية.
٧ - الإنذار ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر: ٨]، وهو إبلاغ مع تخويف والتهديد تخويف.
٨ - التقريع وهو التعجيز ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ﴾ [البقرة: ٢٣]، ولكون المخاطب قادرا فقدله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، من التهديد.
٩ - الإفحام هو الإسكات ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ويختص بموضع المناظرة بخلاف التعجيز.
١٠ - التكوين ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].
١١ - الدعاء والسوال ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧].
١٢ - الإهانة ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].
١٣ - التسوية ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦].
١٤ - الإجلال وهو الإكرام ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦].
١٥ - التعجب ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨].
١٦ - الاحتقار ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠]، فالإهانه للمخاطب والاحتقار لفعله.
١٧ - الإخبار ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]، ومنه فاصنع ما شئت، أي صنعت عكس ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
١٨ - الامتنان ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢]، ففيه إظهار منه بخلاف الإباحة.
١٩ - التسخير ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، ويقصد فيه الانتقال إلى حالة مهينة وسرعة الوجود في التكوين.
٢٠ - التمني ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي، وليس ترجيا لأنه في زعم المحب الساهر
стр. 378
المتكلم مع النجوم من برجاء الشوق الباهر مستحيل الانجلاء وبلا آخر.
٢١ - الالتماس وهو ظاهر (١) قلنا الأصل ترجيح التجوز وعد الاشتراك واستعمال مطلقه في غير الوجوب ممنوع ومع أن غيره مشترك في استدعاء القرينة الصارفة وذا المارة المجاز لو اعتبر في التوقف مثله من الاحتمال يبطل حقائق الألفاظ إذْ ما من لفظ إلا وفيه احتمال تجوز، أو خصوص أو غيرهما أو حقائق الأشياء لاحتمال تبدلها لحظة فلحظة في جنب قدرة الله تعالى بل يعتبر في أن لا يكون محكما ومن ادعاه والفرق بأن لهذا الاحتمال بخلافهما دليل كالوضع ممنوع وإلا فلا كلام وكالشيوع وكثرة الاستعمال غير مفيد لأنهما في المعاني المعلومة مجازيتها أكثر من أن يحصى وأوفر منهما في أكثر هذه المعاني ولأن الأشياء كما يحتمل كثرة تبدلها أيضًا فمن أين علم الشيوع والكثرة ها هنا دونها ثم نقول لو وجب لتوقف في الأمر لذلك لوجب في النهي لاستعماله في معان:
١ - التحريم ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠].
٢ - الكراهة النهي عن الصلاة في أرض مغصوبة وعنها في ثوب واحد.
٣ - التنزيه ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦].
٤ - التحقير ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨].
٥ - بيان العاقبة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ [إبراهيم: ٤٢].
٦ - اليأس ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة: ٦٦].
٧ - الإرشاد ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١].
٨ - الشفقة "لا تأخذوا دوابكم كراسي ولا تمشوا في نعل واحد".
٩ - الدعاء كقوله ﵇: "لا تكلني إلى نفسي" (٢).
١٠ - التسلية ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ [التوبة: ٤٠].
ولأن النهي أمر بالانتهاء وكان موجبهما واحد وذا باطل لا لضديتهما مطلقا كما ظن، بل للقطع ببديهية اللغة والشرع بالفرق بينهما حتى من الصبيان والمجانين، ومن
стр. 379
أجاب بإن بين التوقف بين معاني الأمر وبينه بين معاني النهي بونًا بينا لم يفهم معنى التوقف ها هنا فإنه بمعنى لا ادري ولا يتصور التفاوت فيه، لا بمعنى التردد بين المعاني وإلا لم يبق بينه وبين القول بالاشتراك اللفظي فرق ولم يكن لذكر المعاني التي لم يقل أحد بكونه حقيقة فيها وجه وهو غير المعاني الأربعة لا الخمسة فإنه خطأ وتفسيرها بالأحكام الخمسة أفسد وزمام الفهم بيد الله تعالى ثمت ثلاثة:
١ - كذا بعد الحظر لعدم فصل الأدلة ولأن الثابت لا يتغير بلا مغير والورود بعده ليس به، وقيل بالإباحة وهو اختيار الشافعي وعلم الهدى ﵀ أو بانتدب حتى قيل يستحب العقد، وتوقف أمام الحرمين وقيل أن علق بزوال علة عروض النهي كان كما قبل النهى ذكران هذا ليس ببعيد ونقص بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فإن الدعوة تزيل علة حرمة الدخول وهي عدم الإذن وقد وجب عندها، وجوابه أنها مستلزمة لإزالتها لنفس الإزالة والكلام فيها، قالوا: غلبت في الإباحة بعده في كلام الشارع فتقدم على مقتضي اللغة نحو فاصطادوا فانتشروا فادخروها فزروها فانتبذوها قلنا لا ثم الغلبة كما في ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا﴾ [التوبة: ٥] وكالأمر بالصلاة بعد السكر وبها وبالصومَ بعد زوال الحيض والنفاس، وبالقتل لمسلم أو ذمي لقطع أوردة أو حرب وبالحدود للجنايات وأمر المولى بالسقى مثلا بعد النهي وفهم الإباحة فيما ذكروا بالنصوص المبيحة، أو بالقرائن كشرعية الإصطياد والبيع والإدخار وغيرها لنا فلوكان علينا وذا بالوجوب لعاد على موضوع بالنقض ولذا فهمت في الكتابة به عند المدانية والإشهاد عن المبايعة مع عدم قدم الخطر.
٢ - إذا أريد به الإباحة والندب قيل حقيقة وعليه فخر الإِسلام لأن معناهما بعض معنى الوجوب والشيء في بعضه حقيقة قاصرة كالإنسان، والرقبة في الأعمى والاشل وكالجمع في بعض الأفراد وفيها منع إذ جواز الترك مأخوذ فيهما وبه تباينهما وإذ إطلاق الكل على الجزء من مشاهير طرق التجوز وقيل مجاز إذ لو كان حقيقة لكان المندوب والمباح مأمورا بهما حقيقة فلا تنفيه عنهما وقد صح أني غير مأمور بصلاة الضحي وصوم أيام البيض بخلافه بالصلوات الخمس، وصوم رمضان ولتعدي أصله وهو مختار الكرخي والجصاص ورد بأن الجزء ليس غير الامتناع انفكاكه. وجوابه: أن الغير في حد المجاز لغوي لا ما اصطلح في الكلام وإلا لم يوجد مجاز إذ لا بد فيه من إطلاق الملزوم على اللازم الغير المنفك فليس غيرا أو تخصيصه بما ليس جزأ غير متعارف أصلًا على أنه ليس إطلاق الكل على الجزء لما مر من المباينة بل استعارة بجامع جواز الفعل قيل الأمر غير
стр. 380
مستعمل في تمام الندب والإباحة بل في جواز الفعل الذي هو حزؤهما وجواز الترك إنما يثبت بعدم دلالة هذا الأمر على حرمة الترك لا بالأمر وجوابه أن معنى الأمر لا يكون ندبا وإباحة بل أمرًا ثالثا ليس معدودا في معانيه ولو سلم ثبوته فليس الكلام فيه فليس كل مامه الخاطر صحيحًا ثم الشيء في بعضه بمعنى الفائت بعض أجزائه الغير المحمولة مع تمام مسماه حقيقة قاصرة كما في الأمثلة المذكورة إذ لا ينتقص مسمى الإنسان بنحو العمى وكذا ما وراء الاثنين تمام حقيقة الجمع العام عند شارطي الانتقال، وإن كانت قاصرة عند شارطي الاستغراق. وقيل: هذا الخلاف في "أم ر" لا في الصيغة فهو عين ما مر في المبادي أن المندوب مأمور به وليس بصحيح إذ لا يساعد الأدلة من الطرفين وللتسوية بين الندب والإباحة هنا لأنه وإن قيل بأنه في الإباحة مجاز بالاجماع وإذ هذا تتمه موجب الصيغة.
٣ - إذا استعمل في الوجوب ثم نسخ فبقي الندب أو الإباحة على مذهب الشافعي كما مر فالصيغة حقيقة فيهما لا مجاز ليجتمع الحقيقة والمجاز في الإرادة لأن مرادها الوجوب وإن بقى بالآخر بعض مدلولاته كماذا قلت لشبح تراى هذا إنسان وبعد ما دنا منك ليس بناطق أو ذهب إلى كذا وبعدما نصف الطريق لا نذهب.
الرابع: في أن مطلقه عن قيد العموم وعدمه لا يقتضي العموم أي شمول الأفراد والتكرار أي تعدده في الأوقات وعند الاقتصار على الثاني كالشافعية لم يتدرج فيه الأثنين أو الثلاث معا في طلقي تحته ومعناه اقتضاء الواحدة كمذهب أبي الحسين ومالك وكثير منهم لعدم اقتضائهما كمختار أمام الحرمين، وقال الأستاذ للتكرار مدة العمر دائمًا في المطلق وبحسب الوقت إن أمكن في المؤقت إلا لدليل فلا يلزم تكليف ما لا يطاق وقيل بالوقف يمعنى التردد الاشتراكي وكما لا يوجبه لا يحتمله أيضًا ليثبت بالنية لا مطلقًا خلافًا للشافعي في رواية والصحيح منه كمذهبنا ولا معلقًا بشرط نحو ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦]، الآية أو مخصوصا بوصف نحو ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]، الآية لأن دليلنا مشترك ولذا لم يتكرر الطلاق في إن دخلت الدار فأنت طالق، أما إلحاق الشرط بالعلة ففاسد لأنها موجبة دونه خلافا لبعض منا ومن الشافعية وقولهم لا يحتمله غلا حينئذ كقول النحاة لا يجوز صرف غير المنصرف إلا لضرورة.
لموجبه أولا أنه مختصر من طلب الفعل بمصدرة المعرف كاضرب من اطلب منك الضرب فيكون في معنى المطول العام لجنسيته والأصل في الجنس عند عدم العهد العموم قلنا لا دليل على التعريف.
وثانيًا: فهم الأقرع بن حابس حين قال النبي ﵇: "فحجوا" التكرار الذي فيه
стр. 381
العموم حيث قال: أكل عام يا رسول الله، فسكت الرسول حتى قالها ثلاثًا، فقال: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم"، أو سراقة حيث قال في حجة الوداع: ألعامنا هذا أم للأبد، والأمر غير مصرح به، قيل: لو فهما لما سألا وأجيب بأنه لعله لمكان الحرج المنفي عنه، قلنا بل مورث الشبهة قياسه على سائر العبادات المتكررة زعمًا منه تكرر سببه مثلها مع معارضة احتمال سببية البيت.
وثالثا: قياسه على النهي قلنا قياس في اللغة ومع الفارق، إما لأن انتفاء الحقيقة مستغرق دون إثباتها، أو لأن دوام فعل بعطل سائر المأمورات والمصالح لا دوام ترك إذ التروك تجتمع وتجامع الأفعال، قيل: الأمر بالشيء نهى عن ضده وإذا وجب التكرر في انتفاء الضد وجب في ثبوته، قلنا لا ولو سلم فإنما يراد النهي عن الضد دائما إن لو أريد الأمر الشيء دائما وإلا ففى ذلك الوقت فاقتضاء النهي الضمني عينا كان أو لازمًا للأمر التكرر موقوف عليه فلو استفيد منه لدار.
ورابعًا: تكرر العبادات قلنا لا بالأمر بل بغيره من السنة والإجماع وربط الحكم بالسبب.
وخامسا: تمسك الصديق ﵁ في التكرار بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، من غير نكير حين امتنع بنو حنيفة عن أدائها بعد وفاته ﵇، قلنا لعل قوله أو فعله ﵇ كإرساله الجباة كل حول إلى الملاك أفاد تكراره.
وسادسا: أنه لو لم يتكرر لم يزد النسخ ولا سيما إذا اقتضى الإمرة ولا الاستثناء وإلا كان الواحد حسنا وقبيحا ومستثنى عن نفيه، قلنا لا اللزوم فإن النسخ قبل الفعل جائز ولئن سافلا نسخ إلا بعد دليل التكرار وكذا الاستثناء عين دليله لا النسخ كما ظن وإلا لم يفهم التكليف قبله، ولمجوزه مع إيجاب الوحدة كالشافعي أنه لما اختصر من طلب الفعل كمصدره المنكر الواقع على الأعلى والمحتمل للكل كان كذلك، قلنا: لكنه مفرد ومن الواجب في ألفاظ الوحدان رعاية الوحدة حقيقة إن أمكنت وإلا فاعتبارية ومحض العدد بمعزل منهما ويجيء الحديثان تقريرا وجوابا، ولمجوزهما كالإمام إن شأن الحقيقة احتمالهما إذ كل منهما قيد خارج والامتثال بالمرة لوجود الحقيقة لا لدلالة الأمر، قلنا: لا إن اسم الجنس للحقيقة لا شرط بل مع قيد الوحدة بخلاف علم الجنس ذكره أئمة العربية، ولئن سلم فغايته أن لا يفهم الوحدة من المادة لا من الصيغة، قيل: حسن الاستفسار دليل الاشتراك ولا أقل من المعنوي، قلنا: قد يستفسر عن خلاف الظاهر لشبهة، ولموجبه عند التعليق والوصف تكرر الأحكام عندهما قلنا لفهم السببية لا للأمر، فالتكرر ثمة عقلي لا
стр. 382
صيغي ولذا إذا لم يعتبر التعليل لم نتكرر كمسألة الطلاق، إذ ليس للعبد نصب العلة؛ لأنه شركة في الشرع ولا إذن له فيه، بل في مجرد التعليق.
ولذا لا يقع بقوله جعلت الدخول علة للطلاق ولا يعتق جميع غلمانه السود بقوله أعتقت فإنما لسواده والتكرر في كلما للصيغة لا للعلية. قيل: هذا الخلاف فيما لم يثبت عليه الشرط أو الوصف نحو إذا دخل الشهر فأعتق عبدًا من عبيدي مستدلًا من يثبته بنحو: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، مما ليس بعلة، وقد تكرر فأجيب بأنه بدليل آخر ولذا لم يتكرر الحج وقد علق بالاستطاعة. وأيضًا يعد العبد بالاشتراء مرة بعد أن دخلت السوق فاشترى كذا ممتثلا وليس بشيء؛ لأن التكرر ثمة بالعلية الثابتة بدليلها لا للصيغة والكلام فيه وللواقفية ما مر أنه لو ثبت فبدليل ولا مدخل للعقل والنقل آحاد إلا يفيد وتواترا يمنعه الخلاف قلنا كما مر أن دليله الاستقراء وأن الظن كاف في معرفة اللغة فالحق مذهب أصحابنا أنه للوحدة إلا لدليل؛ لأن الوحدة مراعي في ألفاظ الوحدان بإجماع أئمة العربية، ولا يلزم من جواز تقيده بالمرة والكثرة التكرار والتناقض لجواز كون التقييد لتأكيد الحقيقة أو لتعيين المجاز، فالمفرد المقترن بأدوات العموم عام بدليله فلا يرد نقضا كما زعم وكذا اقتران دليل العدد والعموم في نحو طلقي ثنتين أو ضم عشرة أو كل يوم فإنه مغير كالشرط والاستثناء والغاية وكالطليقة في اختاري تطليقة فقالت: اخترت فهي رجعية لا مفسر كما في اختاري نفسك فقالت اخترت أو بائنة، ولذا كان الوقوع به فلم يقع حين ماتت قبله وتلك الوحدة إما حقيقية موجبة تثبت ولو بلا نية أو اعتبارية كالجنس الواحد الذي هو جميع الأفراد محتملة لا يثبت إلا بنية والوحدان كما في جميع أسماء الأجناس إما وحدان صيغة نحو: لا أشرب ماء أو الماء وإما دلالة نحو لا أتزوج النساء، ولا أكلم العبيد وبني آدم حيث لا عهد تحقيقًا كما في خالعني على ما في يدي من الدراهم أو تقديرا نحو لا أكلمه الأيام والشهور أو معنى نحو لا أكلم عبيد زيد هذه لأنه جمع صار مجازًا عن الجنس لئلا يلغو آلة العهد ويعمل بالجمعية من وجه، وذلك مؤيد بالنص والعرف فإن كل ذلك يقع على الأقل ويحتمل الكل والثمرة في طلقي نفسك أو امرأتي تطلق واحدة بلا نية ومعها ثلاثًا لاثنتين إلا في الأمة خلافا للشافعى، ولا بالعكس خلافا للواجب ولا مع النية مطلقا خلافا للواقفين وإنما لا يحتاج الواحدة إلى النية عند الإمام لأنه أدنى ما يتحقق به الحقيقة لا لدلالة اللفظ وكذا ينبغى في إن دخلت الدار فطلقي نفسك أن لا يقع ثلاث بلا نية خلافا للطائفة الأخيرة وإنما لم يعمل نية الثلاث في طلقتك وأنت طالق؛ لأنه حين
стр. 383
أنشأ نية لا يحدث إلا ما يقتضيه إخبار به وهو الواحدة إذْ الخبر لا يقتض وجود المخبر به إلا ضرورة الصدق فيتقدر بقدرها بخلاف الإنشاء الأصلي.
وبخلاف أنت بائن الثلاث أحد نوعي البينونة المدلولة ولغلظتها لا تثبت إلا بدليل "تعميم" كذا كل مصدر دل عليه اسم فاعل فرد كالسارق فيراد به السرقة في حق كل سارق يد واحدة إذ لامتناع إرادة كل السرقات وإلا فلا قطع براد سرقة واحدة وبها لا يقطع يدان إجماعًا وإن اقتضاه ظاهرها ولا ليسري أو لا إجماعا وسنة قولًا وفعلا وبقراءة ابن مسعود إذ يحمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم والحادثة كمتتابعات وكقوله عنيت سالما بعد ما قال أعتق عبدا في فلا تقطع أصلا.
وقال الشافعى: تقطع في الثالثة اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى وإلا لتعدد القطع، ولا يحتمله النص ولا يقال ليس لكل سارق إيمان لأن أيديهما كقلوبكما وإذا تحقق إرادة اليد الواحدة بل واليمين فليس أيديكما مثل عبيدكما عاما لكل يد ولا يرد تكرر الجلد بتكرر الزنا والأيتان متماثلتان؛ لأن محل الجلد باق دون محل القطع كما بعد الرابعة.
الخامس: في أن مطلقه عن الوقت كالزكاة وصدقة الفطر والعشر والنذر بالصدقة المطلقة وهو قسيم المؤقت الذي له وقت محدد إن أخر عنه يكون قضاء أو غير مشروع كالصوم في الليل إن قيل بإيجابه العموم فللفور وإلا فللتراخي بمعنى عدم وجوب التعجيل وهو مذهب الشافعى أيضًا لا وجوب التأخير فإنه مذهب الجبائيين وأبي الحسين البصري وبعض الأشاعرة، وقيل للفور فلو أخر عصي وينسب إلى بعض الحنفية.
وقال القاضي: يقتضي الفور إما الفعل في الحال وإما العزم عليه في ثانيها، وقال الإِمام بالوقف في مدلوله لغه أهو الفور أو القدر المشترك وبالامتثال بالفور؛ لأن وجوب التراخي غير محتمل بخلاف العكس والصحيح من مذهبه ما في البرهان من تجويز الامتثال بهما والتوقف في الإثم بالتأخير لكن لا كالقضاء فإن الصيغة مسترسلة، وقيل بالوقف فيه وفي امتثال المبادر لاحتمال وجوب التراخي فهذه خمسة، لنا: أن المطلوب مطلق الفعل وكل من الفور ووجوب التأخير صفة خارجية لا دلالة عليهما وأنه لو حمل على أحدهما عاد على موضوع إطلاقه بالنقض وأنه جاء لهما فلا يثبت الفور إلا بقرينة ولا يقلب لأن ما قلنا به من التراخي أعم وقريب من قولهم ورد لهما، والأصل عدم الاشتراك والتجوز لا كون أحد التقييدين تكرارا والآخر تناقضا كما مر.
للقائل بالفور أولًا أن العبد المأمور بالسقي يعد عرفا بالتأخير من غير عذر عاصيا، قلنا بقرينة إن طلب السقي عند الحاجة لا لمطلق الصيغة.
стр. 384
وثانيًا: أن كل خبر وإنشاء للمحال فيلحق بالأغلب، قلنا قياس في اللغة وأنه للاستقبال بخلافهما. وثالثًا: أن النهي للفور فهكذا هو لأنه مثله أو لأنه نهي عن الضد، قلنا قد مر جوابهما ولأن النس يفيد التكرار دونه.
ورابعا: ذم إبليس في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥]، الآية على ترك المبادرة والألم بتوجه، قلنا: أمر مقيد بقوله فإذا سويته والكلام في المطلق وبمثله يراد الفور عرفا، أما أن فاء التعقيب قرينة الفور فلا؛ لأنها جزائية ليس من موجبها التعقيب ولذا قال أبو حنيفة: يكبر القوم مع الإِمام مع قوله ﵇: "إذا كبر الإِمام فكبروا" (١).
وخامسا: أنه لو جاز التأخير شرعا لوجب أن يعرف وقته وإلا كان تكليفا بألح سواء كان آخر أزمنة الإمكان أولا، ولا دلالة عليه ولا يجاب بالنقض بالتصريح كافعل متى شئت لأن فيه دلالة على التعميم فليس مثله بل بأن المعرفة إنما يجب لو وجب التأخير ولم يكن وقته مسترسلا بل معينا وليس فإن عدم التعيين إطلاق عرفا.
وسادسا: أن النصوص نحو: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والمراد سببها اتفاقا وهو فعل المأمور به واستبقوا الخيرات وفعله منها أوجبت الفور، قلنا دلالتها على أفضلية الفور لا الوجوب وإلا فلا مسارعة ولا استباق إذْ لا يتصوران في المضيق ولئن سلم فليس في جميع أسباب المغفرة إذ لا عموم للمقتضي وإن سلم فبدليل منفصل وهو هذه الأوامر ولا نزاف فيه.
وسابعًا: أنه لو جاز التأخير فإلى أمد إذْ لوكان إلى أبد جاز تركه فلا يكون واجبا فلابد من تعيينه وإلا لكان التكليف بامتناع تأخيره عن ذلك الأمد لا بالأداء إليه كما ظن تكليفا بالمح ولا ذم إلا بذلك وغايته النوعي كحد يغلب على الظن فيه إن عدم يفوته وذلك بأمارة كالمرض فلا يجب على من ليست فيه كمن كموت فجأة فلا يكون الواجب شاملا والكلام فيه.
قلنا: منقوض بقوله افعل متى شئت وبالموسعات العمرية وليس التمسك ها هنا بعدم
стр. 385
الدلالة حتى يندفع بالفرق كما ظن وحله أنه إلى الأبد بشرط عدم التفويت، وتقييد المباح بشرط فيه خطر مستقيم شرعا كالمشي في الطريق العام بشرط السلامة والرمي إلى الصيد بشرط ألا يصيب معصوما.
وثامنًا: أنه لو جاز الترك في أول الوقت فأما مع البدل فيجب أن يسقط عند الإتيان به، وليس إنفاقا ولا يختص البدلية بأول الأوقات وإلا فلا وجوب في غيره، إذ ليس الأمر للتكرار وأما لا معه فلا واجب إذ ما يجوز تركه بلا بدل ليس بواجب.
قلنا بعد النقض ما مر لا يلزم من عدم البدل في أول الوقت عدمه مطلقا فلعله الإثم بالتفويت، وإن أريد البدل من الأعمال فغير ما ملتزم في الواجب كالموسعات العمرية.
للقاضي ما تقدم من أن الفعل والعزم حكم خصال الكفارة وكذا جوابه بإن الإمتثال ليس إلا بالفعل والعزم من أحكام الأيمن.
للإمام أن وجوب الفوز محتمل دون التراخي فيجب البدار، ليخرج عن العهدة بيقين وهذا على ظاهر المنقول عنه لا على الصحيح "قلنا لأنما لجواز التأخير بالأدلة السالفة".
السادس: في أن للأمر بالشىء حكما في ضده أولا ويذكر النهى معه استطرادا "ولتحرير المبحث مقدمات ينكشف بها سره".
١ - أن لكل منهما لفظا مركبا من مادة هي "ام رن هـ ي" وصورة ومفهوما، هو نحو أفعل كذا ولا تفعل ضده، ومعنى مفهوم هو إيجاب الفعل أو ندبه وتحريمه، أو كراهته فليس الخلاف في اللفظين لتباينهما ولا في المفهومين له ولا اختلافهما بالإضافة بل في معنيهما أي الإيجاب والتحريم وغيرهما ذكره أبو الحسين في المعتمد.
٢ - أنه بين الأمر والنهى المعينين وإنما يتعينان بتعين متعلقيهما فالتعين معتبر في أربعة مواضع في نفس الأمر، وأن اعتبره بعضهم في الأمر مثلا، وبعضهم في المأمور به.
٣ - ليس المراد بالضد الذي تعلق به النهى أو الأمر الضمنيان ترك المأمور به كما ظن أو ترك لمنهي عنه كما ينسب إلى علم الهدي ﵀ وإلا صار النزاع لفظيا، ويلزم كون النهى نوعا من الأمر وقيل لأن النهى عن تركه طلب الكف عن الكف وانتهي طلب الكف عن الفعل وكذا الأمر وهو منقوض بلا تكفف عن الصلاة وكف عن الزنا ولا مطلق الضد لأنه غير معين والضد من حيث هو ضد مضأيف ومن حواص الإضافة تكافؤ المتضائفين تحصيلا وإطلاقا وإن عين بالكف أو الترك المذكورين فقد بان فساده ولأنه لا معنى لاختلافهم في مطلق الضد أن الثابت حرمته أو كراهته ولا للتفصيل بإنه هل يفوت المأمور به أو لا بل أضداده الجزئية المعينة كان يكون الأمر بالصلاة نهيا عن الأكل
стр. 386
والشرب وكلام البشر وغيرها مما هو أضداد الشرائط والأركان المعتبرة شرعا أو وعقلا وعرفا، ولذا سيقول الجصاص بأن النهي عن فعل له أضاد ليس أمرا بشيء منها.
٤ - قيل: مبني القول بالعينية أعتبار مجموع الاضداد المعينة وبالاستلزام اعتبار كل منها فالأمر بالشي عين النهي عن مجموع الأضداد ومستلزم للنهي عن كل منها وهذا لا يتأتي من جانب النهي وظني أن مبني القول بالعينية النظر إلى نفس التكليف، لتفاصيل لوازمه وسيجيء توضيحه.
٥ - ذكر كثير من المشايخ كأبي اليسر وشمس الأئمة وغيرهما أن تصوير العينية يختص بأمر الفور كالواجب المضيق ليدوم فيكون كل ضد منه مفوتا والحق خلافه لجواز كون الموسع نهيا عن مجموع الأضداد الجزئية الشاملة للوقت إذ لولا شمولها لم يتحقق التضاد بحسب الوقت المعتبر أو الكائنة وقت الاشتغال كما مر من المثال فليس هذا النزاع مبنيا على أن الأمر إيجابا بنفس النهي عن ضده متحدًّا وجميع أضداده متعددًا تحريمًا، وهو قول الجصاص وقيل عن غير عين متعددا ليناسب النهي وإنه يستلزم النهي عن الكل لوقوع النكره في سياق النفي وآخرا يتضمنه أي يستلزمه والنهي كذلك في الوجهين، عند القاضي أي أمر بضد بعينه واحدًا ولا بعينه متعددا ولا يستلزمه آخرا وعند الجصاص أمر بضد واحد لا بشيء من الأضداد المتعددة وقيل لا انتهي في الوجهين فقال بعضهم وندبا نهى ندب للترك أي تنزيه عن الفعل وبعضهم لا، وقال علم الهدي الأمر نهي بضد واحد وهو تركه والنهي أمر بضد المنهي عنه، وهو تركه وإن تعدد طرق الترك وفيه ما مر "وممن قال يستلزم حرمة ضده من قال يوجبها أي بالإشارة، ومن قال يدل عليها أي بالدلالة ومن قال يقتضيها أي بالاقتضاء، ويعني بالمقتضي الثابت بالضرورة غير مقصود لا ما يتوقف عليه غير متطوق تصحيح المنطوق واختار الإمام والغزالي أن لا عينية ولا استلزام وهو مذهب المعتزلة ومبناه وجوب ملاحظة الحكم للحاكم، وليس تحريم الضد للإمر وايجاب الضد للناهي ملاحظا فففي كل منهما ثلاثة عشر قولا ومبنى الخلاف أن إيجاب الشيء إيجاب لمقدماته العقلية والعرفية كالشرعية أولًا، فإن قال إيجاب ومن قضيته أن لا يشترط الملاحظة جعل عينه أن اعتبر نفس التكليف والحكم فإنه واحد ولازمه أن اعتبر تفاصيل لوازمه على الكيفيات الثلاث للزوم في الأوال الثلاثة ثم من جعل الكف عن فعل مستلزما لفعل ضد له وأقله السكون طرد الحكم في النهي بأحد الاعتبارين ومن فر من الإلزام الفظيع وهو إلزام وجوب كل من الزنا واللواطة لكونه ضد الآخر أوكن مذهب الكعبي في ابطال المباح وجعله واجبا لكونه ضد منهي عنه اقتصر
стр. 387
عليه، وأما الآخران فلا يصلحان سببا للاقتصار كما ظنوا إذ لا ينافيان الاستلزام كما خصص بأمر الوجوب دون الندب للزوم إبطال المباح إذ ما من وقت إلا ويندب فيه فعل فإن استغراق الأوقات بالمندوبات مندوب فلو كان ضده مكروهًا لم يكن مباح بخلاف استغراقها بالواجبات.
وأما فقدان الذم على الترك فليس داعيا؛ لأن التنزيه على الترك ها هنا كاف، ومن لم يقل بأنه إيجاب إلا للشرعية؛ لأن الملاحظة أعني للشارع تختص بها فقد نفي، إما في غير الشرعي فلأن السكوت لا يصلح دليلا إلا يرى أن الأمر لا يصلح للإيجاب في غير مدلوله وقد وضع له فلان لا يصلح للتحريم ولم يوضع له أولى وأما في الأمر الشرعي فلأن البحث لغوي ويكفي في الشرعي الاتفاق على الإيجاب في بحه المقدمة فاعلم أن الحق الذي ذهب إليه أصحابنا ثبوت الاستلزام من الطرفين في الجملة ولا يرو الالزام الفظيع وإبطال المباح لعدمة فيهما ولما مر في تلك المسأله أن الفعل الواحد يجوز اتصافه بالحرمة والوجوب أو به وبالإباحة وعارضا والاعتبار في نوط الثواب والعقاب لجهة في ذاته لكونه أقوى وأن الملاحظة غير واجبة للأحكام اللزومية سيما الاقتضائية. ولذا لم يثبت المقتضي لكونه غير مقصود إلا بقدر ما يندفع به الضرورة ولذا اختاروا وجوب جميع مقدمات الواجب كما مر ويقرر الأصل ها هنا عند المتأخرين المحققين على أن تحريم ضد المأمور به أن قصد كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فلا كلام فيه وإلا فلم يعتبر تحريمه إلا حال تفويته الَمأمور به كالإفطار للكف المستدام المستفاد من قوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإذا لم يفوته اقتضى كراهته؛ لأن الضرورة تندفع به كالأمر بالقيام في قوله ﵇: "ثم ارفع رأسك حتى تستوي قائما" (١) ليس ينهى عن القعود قصدًا فيكره الصلاة لو قعد فقام ولم يفسد به.
وكذا النهى قيل يقتضي كون الضد في معنى سنة واجبة أي موكدة فإنها قريبة منها والمختار أنه يحتمل اقتضائه فقال الجصاص هذا منقوض بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، الآية حيث أوجب ضده وهو الإظهار لكونه ضدًا واحدًا بخلاف نهي المحرم عن لبس المخيط فلم يوجب لبس شيء متعين غيره، ولذا وجب قبول قولها فيما تخبر به من حيض أو حبل أو غيرهما، قلنا: إذا لم يفوت عدم الضد ترك المنهي
стр. 388
عنه وهنا له ضد واحد فيفوت فدمه تركه أو لبس بنهي بل نسخ لجواز الكتمان كقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، نسخ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، الآية أو للإباحة المطلقة في حقه ﵇ فلم يبق مشروعا كخبر "لا نكاح إلا بشهود".
فروعنا:
١ - النهي عن الخروج والتزوج في قوله تعالى ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، لما أفاد وجوب التربص والكف عنهما بالاقتضاء لا قصدا لم يعتبر فعلا بل إثما وحرمة، ومن الجائز اجتماع الحرمات كصيد الحرم للمحرم بوجهين وخمر الذمى على الصائم الذي حلف لا يشرب خمرًا بوجوه جرى التداخل في العدة للزوج، والواطيء يشبه مقصودهما ولذا سميت أجلا فيجتمع اجتماع الآجال كما في الديون وكمن حلف مرات لا يكلم يوما ينقضي إيمانه بيوم وكمرأة تحرم على أزواج بثلاث تطليقات تنقضي بإصابة زوج واحد بخلاف الصوم الذي قاس عليه الشافعي فإن الكف وجب ثمة مقصودًا فاعتبر فعلا ولا تداخل فيه، وحين لم يثبت حرمة الوقاع فيه قصدا لم تتعد إلى دواعيه عكس الاعتكاف تأثيما لا افسادا وعكس الإحرام إلا في وجوب الدم للتمتع بالمرأة، ولذا تساوى الإنزال وعدمه فيه إذ منهية الرفث ولا يتعلق عقوبة حقيقته كما دونه كالحد والكفارة في الصوم إما معنى بهيهما فقضاء الشهوة فيفسدهما بعد الإنزال لا قبله.
٢ و ٣ - جواز أبو يوسف ﵀ صلاة من سجد على نجس فأعاد على طاهر لأنه لا يفوت المأمور به، فتكره ولا تفسد، وبقي تحريمة من ترك القراءة في ركعات النفل في جميع المسائل الثمانية لأن حرمة ترك القراءة اقتضائية من أمر اقرؤا فلا يحرم إلا قدر ما يفوت القراءة ويفسد الأداء لا التحريمة، وليس من ضرورة فساده، فسادها كما إذا فسد بتذكر الفائته ولأنها شرطه كالطهارة. وقال الساجد على النجس مستعمل له بحكم الفرضية كحامل النجاسة في وجهه، وهو أقوى من حملها في الثوب وبذا يفوت التطهير الواجب المستدام كالكف في الصوم ومحمد ﵀ لم يبق التحريمة بتركها مطلقا لأنها فرض دائم حكمًا، ولذا تفسد باستخلاف الأمي بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة فتركها في ركعة تفسد الأفعال فكذا التحريمة كسائر منافيات الصلاة.
وقال الإمام كما قال محمَّد غير أن تأثيره في فساد التحريمة أيضًا موقوف على أن يقوي لأنها على التيسير ومما يسقط ويتحمل وقوته بالترك في شفع لأنه في ركعة مجتهد في
стр. 389
جوازه وفيه إجماع، ولذا قال أيضا ترك مسافر قراعة فرض الظهر لا يقطعها فلو نوى الإقامة يتم أربعا ويقرأ في الأخريين لإن هذا الاحتمال يمنع تعدي الفساد إلى الإحرام خلاف فجر المقيم وهو قول أبي يوسف ﵀ وعند محمد لما فسد بترك القراءة مطلقا لم يكن إصلاحه كفجر المقيم وهذا أصل أجدى من تفاريق العصا كبطلان الاعتكاف بالخروج من غير ضرورة والصلاة بالانحراف عن القبلة بالبن وكشف العورة ولو ساعة؛ لأن اللبس والاستقبال والستر فروض مستدامة فعمدتنا ما أشرنا إليه من أن فعل المأمورية لا يحصل إلا بالانتهاء عن أضداده وترك المنهي عنه الا بفعل ضده وأقله السكون فإنه كون عندنا وتصور الحاكم لوازم الحكم غير لازم فكان كل منهما مقدمة الواجب وإن كان عقليا لو عاديا فهذا فرع ذلك والاختلاف في النية والتضمن اعتباري ولا يلتفت إلى أنه لو لم يكن عينه لكان إما مثله أو ضده فلا يجتمعان أو خلافه فيجوزا اجتماع كل منهما مع ضد الآخر ولا يجوز اجتماع الأمر بالشيء مع ضد النهي عن ضده وهو الأمر بضده لأنهما يعدان أمرا متناقضا ولأنه تكليف بالمح وذلك لأنا لا نعلم جواز اجتماع كل من الخلافين مع ضد الآخر كليا فأنهما قد يكونان متلازمين إن سميا غيرين وإلا فالملازمة ممنوعة كما ها هنا فيمتنع ذلك وقد يكون كل منهما ضد الضد الآخر كالعلم للشك ولضده وهو الظن ولا إلى إن فعل السكون عين ترك الحركة فطلبه طلبه؛ لأن العينية ممنوعة تعقلا ومثال جزئي، أما رجوع النزاع منه لفظيا كما ظن فلا ولا إلى إن أمر الإيجاب يقتض الذم على تركه وهو فعل لأنه المقدور ولا ذم بما لم ينه عنه وذلك لأنه ريما يذم على إن لم يفعل ما أمر به والذم لا ينحصر في فعل المنهي عنه لتحققه في ترك الواجب ولو سمي الكف عن الترك فعلا وطلبه نهيا صار النزاع لفظيا كما مر.
وللإمام ومن تبعه ما مر أنه لو استلزم النهي عن الضد لم يحصل بدون تعقله وتعقل الكف عنه؛ لأن الطلب يستدعي تصور المطلوب ومتعلقه والسكوت لا يصلح دليلا لكنا نقطع بصحة الأمر مع الذهول عنهما، أما عن الأضداد الجزئية فظ، وأما عن الضد العام فلما مر ولأن مشاهدة الكف عن الشيء أي عدم الكف لكن لا نزاع فيه، قلنا ذلك حكم الطلب القصدي لا الضمني والاقتضائي ومن له.
السابع: في أن الامتثال أعني الإتيان بالمأمور به على وجهه وكما أمر به يوجب الإجزاء خلاف لأبي هاشم وأتباعه كالقاضي عبد الجبار.
لنا أولا أنه إن بقي متعلقا بعين المأتي عنه كان طلب تحصيل الحاصل أو بغيره فلم يكن المأتي به كل المأثور به هف.
стр. 390
وثانيا: أنه يقتضي الحسن وما ذلك غلا بالصحة الشرعية.
وثالثا: أنه لو لم ينفض عن عهدته بذلك لوجب عليه ثانيا وثالثا فلم يعلم امتثال مع أنه لا يفيد التكرار.
ورابعا: أن قول المولى لعبده افعل ولا يجزئ عنك يعد تناقضا.
وخامسا: أن القضاء استدراك ما قد فات من مصلحة الأداء والفرض أنه لم يفت شىء فاستدراكه تحصيل الحاصل لا يقال القضاء ليس عين الأول بل مثله فإما أن يوجب بالأمر الأول فلم يمتثل أولا بالكلية أو بأمر آخر فلا نزاع فيه، لهم أولا أن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه حتى يجوز الصلاة في الدار المغصوبة والبيع وقت النداء فكذا الأمر.
قلنا لا نعلم أنه لا يقتضيه فيما فيه القبح وفي المثالين في مجاوره لا في ذاته فلذا جاز ولا نسلم الجامع وتعلق الطلب الجامع يشير مؤثرا في الحكم ولأن بينهما فرقا وهو أن الانتهاء عن الشيء يكون بترك شيء منه فيمكن أن يكون المطلوب ترك وصفه أو مجاوره، أما الامتثال به فليس إلا بالإتيان بجميعه، أما أن القياس بين المتقابلين فاسد لقياس العكس، نعم في إثبات الأصل بالقياس نزاع.
وثانيا أن كثيرا من العبادات الفاسدة يجب المضى فيهاكالحج والصوم الفاسدين، قلنا الإجزاء فيهما للأمر الوارد بإتمامهما لا بأصلهما إذ هو لفساده وجب قضاؤه والحج وإن كان فرض العمر يتضيق بالشروع ولا فرق فيه بين حج الفرض والنفل.
وثالثا. أن مقتضى الأمر فعل المأمور به وسقوط التكليف زائد، قلنا مقتضى المقتضى لما مر.
ورابعا: من صلى آخر الوقت متوضئا بنجس ظنه طهورا مأمور بها ولذا لا يأثم مع وجوب القضاء إذا ظهر نجاسته، قلنا ليس بمأمور بها إذا ظهرت ولا بالإعادة إذا لم تظهر لأن المأمور به صلاة بظن الطهارة لكن إذا تبين خلافه وجب مثله بأمر آخر والأول لا يقض وتسميته قضاء مجاز؛ لأنه مثل الأول بخلاف إعادة الحج الفاسد إذ لا استدراك للفائت هنا بل فعله في وقته على الوجه المأمور به كصلاة فاقد الطهورين، وكان المأتي به ثانيا واجبا مستأنفا بخلاف الفاسد ومما سلف يعلم أن المبحث هو الصحة بمعنى سقوط القضاء لا بمعنى حصول الامتثال به إذْ لا معنى لإنكاره عن مثل أبي هاشم؛ لأن حقيقة الامتثال ذلك.
الثامن: في أن إرادة وجود المأمور به ليست بشرط لصحته فكل ما علم الله وجوده