والشرب وكلام البشر وغيرها مما هو أضداد الشرائط والأركان المعتبرة شرعا أو وعقلا وعرفا، ولذا سيقول الجصاص بأن النهي عن فعل له أضاد ليس أمرا بشيء منها.
٤ - قيل: مبني القول بالعينية أعتبار مجموع الاضداد المعينة وبالاستلزام اعتبار كل منها فالأمر بالشي عين النهي عن مجموع الأضداد ومستلزم للنهي عن كل منها وهذا لا يتأتي من جانب النهي وظني أن مبني القول بالعينية النظر إلى نفس التكليف، لتفاصيل لوازمه وسيجيء توضيحه.
٥ - ذكر كثير من المشايخ كأبي اليسر وشمس الأئمة وغيرهما أن تصوير العينية يختص بأمر الفور كالواجب المضيق ليدوم فيكون كل ضد منه مفوتا والحق خلافه لجواز كون الموسع نهيا عن مجموع الأضداد الجزئية الشاملة للوقت إذ لولا شمولها لم يتحقق التضاد بحسب الوقت المعتبر أو الكائنة وقت الاشتغال كما مر من المثال فليس هذا النزاع مبنيا على أن الأمر إيجابا بنفس النهي عن ضده متحدًّا وجميع أضداده متعددًا تحريمًا، وهو قول الجصاص وقيل عن غير عين متعددا ليناسب النهي وإنه يستلزم النهي عن الكل لوقوع النكره في سياق النفي وآخرا يتضمنه أي يستلزمه والنهي كذلك في الوجهين، عند القاضي أي أمر بضد بعينه واحدًا ولا بعينه متعددا ولا يستلزمه آخرا وعند الجصاص أمر بضد واحد لا بشيء من الأضداد المتعددة وقيل لا انتهي في الوجهين فقال بعضهم وندبا نهى ندب للترك أي تنزيه عن الفعل وبعضهم لا، وقال علم الهدي الأمر نهي بضد واحد وهو تركه والنهي أمر بضد المنهي عنه، وهو تركه وإن تعدد طرق الترك وفيه ما مر "وممن قال يستلزم حرمة ضده من قال يوجبها أي بالإشارة، ومن قال يدل عليها أي بالدلالة ومن قال يقتضيها أي بالاقتضاء، ويعني بالمقتضي الثابت بالضرورة غير مقصود لا ما يتوقف عليه غير متطوق تصحيح المنطوق واختار الإمام والغزالي أن لا عينية ولا استلزام وهو مذهب المعتزلة ومبناه وجوب ملاحظة الحكم للحاكم، وليس تحريم الضد للإمر وايجاب الضد للناهي ملاحظا فففي كل منهما ثلاثة عشر قولا ومبنى الخلاف أن إيجاب الشيء إيجاب لمقدماته العقلية والعرفية كالشرعية أولًا، فإن قال إيجاب ومن قضيته أن لا يشترط الملاحظة جعل عينه أن اعتبر نفس التكليف والحكم فإنه واحد ولازمه أن اعتبر تفاصيل لوازمه على الكيفيات الثلاث للزوم في الأوال الثلاثة ثم من جعل الكف عن فعل مستلزما لفعل ضد له وأقله السكون طرد الحكم في النهي بأحد الاعتبارين ومن فر من الإلزام الفظيع وهو إلزام وجوب كل من الزنا واللواطة لكونه ضد الآخر أوكن مذهب الكعبي في ابطال المباح وجعله واجبا لكونه ضد منهي عنه اقتصر
стр. 387
عليه، وأما الآخران فلا يصلحان سببا للاقتصار كما ظنوا إذ لا ينافيان الاستلزام كما خصص بأمر الوجوب دون الندب للزوم إبطال المباح إذ ما من وقت إلا ويندب فيه فعل فإن استغراق الأوقات بالمندوبات مندوب فلو كان ضده مكروهًا لم يكن مباح بخلاف استغراقها بالواجبات.
وأما فقدان الذم على الترك فليس داعيا؛ لأن التنزيه على الترك ها هنا كاف، ومن لم يقل بأنه إيجاب إلا للشرعية؛ لأن الملاحظة أعني للشارع تختص بها فقد نفي، إما في غير الشرعي فلأن السكوت لا يصلح دليلا إلا يرى أن الأمر لا يصلح للإيجاب في غير مدلوله وقد وضع له فلان لا يصلح للتحريم ولم يوضع له أولى وأما في الأمر الشرعي فلأن البحث لغوي ويكفي في الشرعي الاتفاق على الإيجاب في بحه المقدمة فاعلم أن الحق الذي ذهب إليه أصحابنا ثبوت الاستلزام من الطرفين في الجملة ولا يرو الالزام الفظيع وإبطال المباح لعدمة فيهما ولما مر في تلك المسأله أن الفعل الواحد يجوز اتصافه بالحرمة والوجوب أو به وبالإباحة وعارضا والاعتبار في نوط الثواب والعقاب لجهة في ذاته لكونه أقوى وأن الملاحظة غير واجبة للأحكام اللزومية سيما الاقتضائية. ولذا لم يثبت المقتضي لكونه غير مقصود إلا بقدر ما يندفع به الضرورة ولذا اختاروا وجوب جميع مقدمات الواجب كما مر ويقرر الأصل ها هنا عند المتأخرين المحققين على أن تحريم ضد المأمور به أن قصد كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فلا كلام فيه وإلا فلم يعتبر تحريمه إلا حال تفويته الَمأمور به كالإفطار للكف المستدام المستفاد من قوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإذا لم يفوته اقتضى كراهته؛ لأن الضرورة تندفع به كالأمر بالقيام في قوله ﵇: "ثم ارفع رأسك حتى تستوي قائما" (١) ليس ينهى عن القعود قصدًا فيكره الصلاة لو قعد فقام ولم يفسد به.
وكذا النهى قيل يقتضي كون الضد في معنى سنة واجبة أي موكدة فإنها قريبة منها والمختار أنه يحتمل اقتضائه فقال الجصاص هذا منقوض بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، الآية حيث أوجب ضده وهو الإظهار لكونه ضدًا واحدًا بخلاف نهي المحرم عن لبس المخيط فلم يوجب لبس شيء متعين غيره، ولذا وجب قبول قولها فيما تخبر به من حيض أو حبل أو غيرهما، قلنا: إذا لم يفوت عدم الضد ترك المنهي
стр. 388
عنه وهنا له ضد واحد فيفوت فدمه تركه أو لبس بنهي بل نسخ لجواز الكتمان كقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، نسخ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، الآية أو للإباحة المطلقة في حقه ﵇ فلم يبق مشروعا كخبر "لا نكاح إلا بشهود".
فروعنا:
١ - النهي عن الخروج والتزوج في قوله تعالى ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، لما أفاد وجوب التربص والكف عنهما بالاقتضاء لا قصدا لم يعتبر فعلا بل إثما وحرمة، ومن الجائز اجتماع الحرمات كصيد الحرم للمحرم بوجهين وخمر الذمى على الصائم الذي حلف لا يشرب خمرًا بوجوه جرى التداخل في العدة للزوج، والواطيء يشبه مقصودهما ولذا سميت أجلا فيجتمع اجتماع الآجال كما في الديون وكمن حلف مرات لا يكلم يوما ينقضي إيمانه بيوم وكمرأة تحرم على أزواج بثلاث تطليقات تنقضي بإصابة زوج واحد بخلاف الصوم الذي قاس عليه الشافعي فإن الكف وجب ثمة مقصودًا فاعتبر فعلا ولا تداخل فيه، وحين لم يثبت حرمة الوقاع فيه قصدا لم تتعد إلى دواعيه عكس الاعتكاف تأثيما لا افسادا وعكس الإحرام إلا في وجوب الدم للتمتع بالمرأة، ولذا تساوى الإنزال وعدمه فيه إذ منهية الرفث ولا يتعلق عقوبة حقيقته كما دونه كالحد والكفارة في الصوم إما معنى بهيهما فقضاء الشهوة فيفسدهما بعد الإنزال لا قبله.
٢ و ٣ - جواز أبو يوسف ﵀ صلاة من سجد على نجس فأعاد على طاهر لأنه لا يفوت المأمور به، فتكره ولا تفسد، وبقي تحريمة من ترك القراءة في ركعات النفل في جميع المسائل الثمانية لأن حرمة ترك القراءة اقتضائية من أمر اقرؤا فلا يحرم إلا قدر ما يفوت القراءة ويفسد الأداء لا التحريمة، وليس من ضرورة فساده، فسادها كما إذا فسد بتذكر الفائته ولأنها شرطه كالطهارة. وقال الساجد على النجس مستعمل له بحكم الفرضية كحامل النجاسة في وجهه، وهو أقوى من حملها في الثوب وبذا يفوت التطهير الواجب المستدام كالكف في الصوم ومحمد ﵀ لم يبق التحريمة بتركها مطلقا لأنها فرض دائم حكمًا، ولذا تفسد باستخلاف الأمي بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة فتركها في ركعة تفسد الأفعال فكذا التحريمة كسائر منافيات الصلاة.
وقال الإمام كما قال محمَّد غير أن تأثيره في فساد التحريمة أيضًا موقوف على أن يقوي لأنها على التيسير ومما يسقط ويتحمل وقوته بالترك في شفع لأنه في ركعة مجتهد في
стр. 389
جوازه وفيه إجماع، ولذا قال أيضا ترك مسافر قراعة فرض الظهر لا يقطعها فلو نوى الإقامة يتم أربعا ويقرأ في الأخريين لإن هذا الاحتمال يمنع تعدي الفساد إلى الإحرام خلاف فجر المقيم وهو قول أبي يوسف ﵀ وعند محمد لما فسد بترك القراءة مطلقا لم يكن إصلاحه كفجر المقيم وهذا أصل أجدى من تفاريق العصا كبطلان الاعتكاف بالخروج من غير ضرورة والصلاة بالانحراف عن القبلة بالبن وكشف العورة ولو ساعة؛ لأن اللبس والاستقبال والستر فروض مستدامة فعمدتنا ما أشرنا إليه من أن فعل المأمورية لا يحصل إلا بالانتهاء عن أضداده وترك المنهي عنه الا بفعل ضده وأقله السكون فإنه كون عندنا وتصور الحاكم لوازم الحكم غير لازم فكان كل منهما مقدمة الواجب وإن كان عقليا لو عاديا فهذا فرع ذلك والاختلاف في النية والتضمن اعتباري ولا يلتفت إلى أنه لو لم يكن عينه لكان إما مثله أو ضده فلا يجتمعان أو خلافه فيجوزا اجتماع كل منهما مع ضد الآخر ولا يجوز اجتماع الأمر بالشيء مع ضد النهي عن ضده وهو الأمر بضده لأنهما يعدان أمرا متناقضا ولأنه تكليف بالمح وذلك لأنا لا نعلم جواز اجتماع كل من الخلافين مع ضد الآخر كليا فأنهما قد يكونان متلازمين إن سميا غيرين وإلا فالملازمة ممنوعة كما ها هنا فيمتنع ذلك وقد يكون كل منهما ضد الضد الآخر كالعلم للشك ولضده وهو الظن ولا إلى إن فعل السكون عين ترك الحركة فطلبه طلبه؛ لأن العينية ممنوعة تعقلا ومثال جزئي، أما رجوع النزاع منه لفظيا كما ظن فلا ولا إلى إن أمر الإيجاب يقتض الذم على تركه وهو فعل لأنه المقدور ولا ذم بما لم ينه عنه وذلك لأنه ريما يذم على إن لم يفعل ما أمر به والذم لا ينحصر في فعل المنهي عنه لتحققه في ترك الواجب ولو سمي الكف عن الترك فعلا وطلبه نهيا صار النزاع لفظيا كما مر.
وللإمام ومن تبعه ما مر أنه لو استلزم النهي عن الضد لم يحصل بدون تعقله وتعقل الكف عنه؛ لأن الطلب يستدعي تصور المطلوب ومتعلقه والسكوت لا يصلح دليلا لكنا نقطع بصحة الأمر مع الذهول عنهما، أما عن الأضداد الجزئية فظ، وأما عن الضد العام فلما مر ولأن مشاهدة الكف عن الشيء أي عدم الكف لكن لا نزاع فيه، قلنا ذلك حكم الطلب القصدي لا الضمني والاقتضائي ومن له.
السابع: في أن الامتثال أعني الإتيان بالمأمور به على وجهه وكما أمر به يوجب الإجزاء خلاف لأبي هاشم وأتباعه كالقاضي عبد الجبار.
لنا أولا أنه إن بقي متعلقا بعين المأتي عنه كان طلب تحصيل الحاصل أو بغيره فلم يكن المأتي به كل المأثور به هف.
стр. 390
وثانيا: أنه يقتضي الحسن وما ذلك غلا بالصحة الشرعية.
وثالثا: أنه لو لم ينفض عن عهدته بذلك لوجب عليه ثانيا وثالثا فلم يعلم امتثال مع أنه لا يفيد التكرار.
ورابعا: أن قول المولى لعبده افعل ولا يجزئ عنك يعد تناقضا.
وخامسا: أن القضاء استدراك ما قد فات من مصلحة الأداء والفرض أنه لم يفت شىء فاستدراكه تحصيل الحاصل لا يقال القضاء ليس عين الأول بل مثله فإما أن يوجب بالأمر الأول فلم يمتثل أولا بالكلية أو بأمر آخر فلا نزاع فيه، لهم أولا أن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه حتى يجوز الصلاة في الدار المغصوبة والبيع وقت النداء فكذا الأمر.
قلنا لا نعلم أنه لا يقتضيه فيما فيه القبح وفي المثالين في مجاوره لا في ذاته فلذا جاز ولا نسلم الجامع وتعلق الطلب الجامع يشير مؤثرا في الحكم ولأن بينهما فرقا وهو أن الانتهاء عن الشيء يكون بترك شيء منه فيمكن أن يكون المطلوب ترك وصفه أو مجاوره، أما الامتثال به فليس إلا بالإتيان بجميعه، أما أن القياس بين المتقابلين فاسد لقياس العكس، نعم في إثبات الأصل بالقياس نزاع.
وثانيا أن كثيرا من العبادات الفاسدة يجب المضى فيهاكالحج والصوم الفاسدين، قلنا الإجزاء فيهما للأمر الوارد بإتمامهما لا بأصلهما إذ هو لفساده وجب قضاؤه والحج وإن كان فرض العمر يتضيق بالشروع ولا فرق فيه بين حج الفرض والنفل.
وثالثا. أن مقتضى الأمر فعل المأمور به وسقوط التكليف زائد، قلنا مقتضى المقتضى لما مر.
ورابعا: من صلى آخر الوقت متوضئا بنجس ظنه طهورا مأمور بها ولذا لا يأثم مع وجوب القضاء إذا ظهر نجاسته، قلنا ليس بمأمور بها إذا ظهرت ولا بالإعادة إذا لم تظهر لأن المأمور به صلاة بظن الطهارة لكن إذا تبين خلافه وجب مثله بأمر آخر والأول لا يقض وتسميته قضاء مجاز؛ لأنه مثل الأول بخلاف إعادة الحج الفاسد إذ لا استدراك للفائت هنا بل فعله في وقته على الوجه المأمور به كصلاة فاقد الطهورين، وكان المأتي به ثانيا واجبا مستأنفا بخلاف الفاسد ومما سلف يعلم أن المبحث هو الصحة بمعنى سقوط القضاء لا بمعنى حصول الامتثال به إذْ لا معنى لإنكاره عن مثل أبي هاشم؛ لأن حقيقة الامتثال ذلك.
الثامن: في أن إرادة وجود المأمور به ليست بشرط لصحته فكل ما علم الله وجوده
стр. 391
مراد أمر به أم لا وعند المعتزلة شرط فكل مأمور به مراد، وكل منهى عنه مكروه لله تعالى وجد أم لا لنا نحو: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، ﴿ِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، فالإضلال والإغواء وكذا الضلالة والغواية مرادة والمأمور به نقيضها ثم هي منهى عنها وليست مكروهة.
وكذا ما روي عنه ﵇ وعن جميع الأمة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
والإجماع المتواتر حجة قطعية لهم أولًا قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]، نفي إرادة الظلم للعباد وعندكم كل ظلم واقع مراده، قلنا اللام كمعنى علَى كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، أي لا يظلم عليهم.
وثانيا: قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فلم يخلق الكافر للكفر ولا العاصي للمعصية كما تقولونَ به، قلناَ عام خص عنه الصبيان والمجانين ليوافق قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فمعناه إلا ليكونوا عبيد في أو المراد من الثقلين من علم الله أن يعبدوه منهما لا العموم. والأصح عندي والله أعلم: أن معناه ليطيعوني فيما هو المراد لا فيما هو المأمور به والمرضى أو لأن أمرتهم بالعبادة وغير لازم منه الفعل وهذا مروي محيي السنة عن علي ﵁ وقيل في الدنيا أو في الآخرة ولكن لا على وجه التكليفك.
وثالثا: أن إرادة غير المرضى والأمر بما لا يريد سفه في الشاهد فكذا في الغائب قلنا لا لجواز اشتمله على عاقبة حميدة كالأمر بذبح إسماعيل ﵇ حين قال: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]، أقلها إلزام الحجة بالطاعة أو المعصية.
التاسع: في أن جواز المأمور به يزول بزوال وجوبه بالنسخ خلافا للشافعي؛ لأن الوجوب يتضمنه أن يستلزمه وبطلان المتضمن بطلان للمتضمن أي من حيث هو متضمن، يونسه أن حصة الخاص من العام تستلزمه ولئن سلم فنسخ الوجوب بجميع أجزائه محتمل ولا ثبوت مع احتمال الانتفاء ولذا لما نسخ وجوب قطف الثوب عند إصابة النجاسة لم يبق جوازه، له أن الجواز هو رفع الحرج عن الفعل جزء عام للوجوب الذي هو رفع عنه مع إثباته في الترك وليس من ضرورة انتفائه انتفاء الجواز فلعله بانتفاء المنع من الترك فالناسخ لا يعارض اقتضاء الجواز كما في صوم عاشوراء.
قلنا: رفع الحرج عن الفعل والترك ليس جزؤه بل مناف لجزئه على أن الكلام فيما ليس فيه دليلان ليبقى أحدهما بلا معارض ومجوز صوم عاشوراء فعل النبي ﵇ أو الشرع العام للصوم لا لأمر الأول والثمرة أن وجوب الكفارة سابقا على الحنث كما في
стр. 392
رواية: "فليكفر ثم ليأت" (١) منسوخ إجماعا فبقي الجواز عنده.
العاشر: أن القضاء بمثل معقول يجب بموجب الأداء لا بسبب جديد كما في غير المعقول خلافا للعراقين من أصحابه وصدر الإسلام وصاحب الميزان والشافعية، لنا أن النص الوارد في قضاء الصوم والصلاة معقول المعنى لأن واجبا ما إذا ثبت لا يسقط إلا بالأداء أو الإسقاط أو العجز ولم يوجد الأولان؛ لأن فوت الوقت مقرر للعهدة لا مسقط لها ولا الثالث في حق أصله الذي هو المعصود لقدرته على صرف ما له من النفل المشروع من جنسه إلى ما عليه ليفيد رفع الإثم وإن لم يفد إحراز الفضيلة كأداء ذي العذر وسقوط فضل الوقت للعجز لا إلى مثل من جنسه لعدمه ولا ضمان من غير جنسه غلا بالإثم عامدا غير مؤثر في سقوط أصله كضمان المتلف المثلي بالتتمة للعجز وأذل سني قضاء وكالديون المؤجلة بعد آجالها.
وسره: أن الوقت وأن قيد الواجب به نصبا لأمارة وجوبه ليس مقصودا فعني العبادة تعظيم الله ومخالفة الهوى كالمأمور بالتصدق باليمنى فشلت بخالف الواجب القدرة الميسرة فإن وصف اليسر مقصود ثمة فلذا يفوت بفوته وإذا عقل الحق بهما المنذورات المتعينة من الصوم والصلاة والاعتكاف فوجب قضاؤها قياسا لا عندهم أصلًا في روياة وبالتفويت لا الفوات بمثل المرض والجنون والإغماء في أخرى وبالفوات أيضًا في ثالثة فلا ثمرة في الأحكام والنص والقياس ليس موجبا جديدا بل النص لإعلام أن ما وجب بالسبب السابق غير ساقط فجزاؤه الإتيان في وقت آخركالنص الناطق برد المغصوب وإن شرف الوقت ساقط والمأتي به بعده كهو فيه والقياس مظهر لسببية السبب، وهذا أشبه بمسائلنا كقضاء الصلوات نهارا مع الإِمام جهرا والسرية بالليل سرا، وكقضاء السفرية في الحضر ركعين وفي العكس أربعًا.
أما اعتبار حال المصلي صحة ومرضًا في القضاء فلانعقاد أصل السبب في الفصلين موجبا للأعلى بتوهم القدرة ومجوزا الانتقال إلى الأدنى للعجز الحالي ولا تفاوت بين الأداء والقضاء في ذلك كالتيمم ابتداء أو بناء ولم يعتبر كمًّا النفل في قضاء المغرب ولا كيفية في قضاء الجهرية بالنهار جهرًا فإن الجهر والثلاث في النوافل بغير مشروع؛ لأن الشرع جوز مثل هذا الفعل في ضمن القضاء فعلا لا مطلقا كتعين أحد الواجب المخير وتملك الأب جارية الابن، وكذا قضاء الظهر بأربع ركعتاها بقراءة وركعتاها بدونها ولم يجز التسليم على رأس الأوليين ولا نفل كذلك.
стр. 393
وأما قضاء الفائتة عن أيام التكبير بدونه فلتبعية جهره في غيرها كفوت رمي الجمار
والجمعة والأضحية عن وقتها، وإنما بطل التكبير ببطلان وصفه لكونه مقصودا كأصله لأنه من شعائر الشرائع، ولنا أيضًا ما أشرنا إليه من أن الزمان غير مقصود بالأمر فلا يؤثر اختلاله في سقوطه وأن الوقت كالأجل فلا يسقط الواجب يمضيه وأنه لو وجب بأمر جديد لكان مأتيا به في وقته وأداء.
لا يقال: لو لم يقصد التقييد بالوقت لجاز التقديم عليه ولم يجز بخلاف أداء الدين وإنما لم يسم أداء لاشتماله على استدراك مصلحة فاتت، لأنا نقول عدم صحته قبل الوقت لوقوعه قبل السبب كأداء الشيء قبل الوجوب فإنه تبرع لا يقع عما سيجب أصلًا لا لأن للوقت مدخلا في مقصود العبادة والواقع في وقته لاستدراك المصلحة تكون إعادة لا قضاء فإن التميز بينهما بفوت الوقت مع أن المصلحة الفائتة إن أريد بها فضيلة الوقت فلا استدراك لها وإن أريد بها غيرها فتصديقه مسبوق بتصويرها.
قالوا: أولًا لو وجب بالأمر لكان مقتضيا للقضاء لأن الاقتضاء وهو مطلق الطلب الشامل للندب أعم من الوجوب فيلزمه واللازم منتف للقطع بأن وجوب صوم الخميس لا يقتض وجوب صوم وقت آخر، قلنا: إن أريد عدم الاقتضاء أولًا أو مع وصف الكمال فيسلم وغير مضر أو مطلقًا فممنوعٌ، وإنما يصح لو كان وصف الإيقاع في الخميس مقصودا في أصل الإيجاب وهو ممنوع ولو سلم فلا على تقدير الفوات.
وثانيا: لو اقتضاه لكان أداء ولكان بمثابة التخيير بين الوقتين قلنا إنما يلزم لو لم يكن اقتضاؤه على طريق جبر الفائت بتسليم ما بقي القدرة عليه.
وثالثا: لو اقتضاه كانا سواء فلا يعصي بالتأخير قلنا بعد الجوابين إنما يستويان لو لم يشتمل أحد المقتضين على التقصير.
ورابعا: إن مثل كل قربة عرفت قربة بوقتها لا يعرف إلا بنص وكيف يقاس وقد ذهب فضل الوقت قلنا مسلم ولكن الكلام في أن المشروع قربة في غيره حقا للعبد يجب إقامته مقام الفائت قياسًا على ما نص عليه الشارع معقول المعنى بخلاف ما لم يشرع مثله أصلًا كالجمعة والجهر بالتكبيركما مر.
قيل: هذا النزاع مبني على أن المطلق وقيده شيئان في الخارج كما في العقل واللفظ أو واحد يعبر عنه بالمركب وهو ينظر إلى أن التركيب بين الجنس والفصل وتمايزهما في العقل فقط أو وفي الخارج وتمم بأن الحق أن لا تركيب في الخارج وإلا لم يصح الحمل لاستنادها إلى وحدة الهوية الخارجية فالموجب بالأمر المقيد بالوقت شيء واحد في الخارج لا شيئان
стр. 394
إن فات أحدهما يبقى الآخر فالمأتي بعد فواته شيء آخر فلا يقتضيه الأمر الأول.
قلنا لا إن كل مطلق مع قيده كالجنس والفصل جعلهما واحد لاحتمال أن يكونا عارضا ومعروضا عروضا عرضيا كالحجر الأبيض فينفك أحدهما عن الآخر، ومنه المقيد كمعنى كالابن والواجب في صحة الحمل مطلق وحدة الهوية ولو اعتبارية لا الحقيقية فقط، ولذا صح على الإنسان حمل صفات النفس والبدن عند القائل بتباينهما ولو سلم فذا في الوجود المحقق والمعتبر في المشروعات الوجود الاعتباري، ولذا صح اتصاف أحدهما بالجواز والآخر بالفساد وحكم بالانفكاك بينهما ولهما إيجاب واحد كأنواع الصلاة وأصنافها وأشخاصها الواجبة بنص واحد على أنه إنما يعتبر القيد جزأ في المشروع إذا كان له مدخل في مقصوده كما مر.
فرع: نذر اعتكاف رمضان فصامه ولم يعتكف وجب القضاء باعتكاف شهر بصوم مقصود لا في رمضان آخر في الأصح، فعند العراقين بسبب حديد وهو التفويت لأنه كالنذر ابتداء ورد بوجوبه بالفوات أيضًا كما بمرض يمنعه من الاعتكاف لا الصوم المبطون ولا يمكن جعله كالنذر لعدم الاختيار وعندنا بالنذر السابق لأن الاعتكاف الواجب لا النفل في الأصح يتبعه صوم مقصود شرطا فالتزامه إلتزام لصوم للاعتكاف أثر في إيجابه غير أنه سقط عند الأداء بعارض راجح معارض فضيلة الوقت، أو فضيلة اتصاله بالصوم الفرض؛ لأن الفضيلتين مع منعهما إيقاع صوم آخر من عند العبد تجبران بنقصانه فإذا مانع العجز عن مثله إذْ القدرة بعد الوقت تستوي في الحب؛ والممات كعدمها كما في تضيق الحج وضمان المغصوب المثلي بالقيمة لانقطاعه بقي مضمونا بإطلاق نذره وصار كالنذر في المطلق حالتئذ، بخلاف ما إذا فات الصوم أيضًا حيث جاز الاعتكاف في قضائه لأن فضيلة الاتصال بالفرض باقية وخلف الشيء كهو.
وروى الحسن عن أبي يوسف ﵀ سقوط الاعتكاف إذ لا يمكن قضاؤه إلا بصوم قصدي لم يلتزمه فيبطل كتكبير التشريق، وقال زفر: يصح قضاؤه في رمضان آخر؛ لأن الشرط يعتبر وجوده كيف ما كان لا قصدا كالطهارة وما اخترناه أحوط الوجوه الأربعة أي إيجاب القضاء بسبب الأداء بصوم قصدي أحوط من إيجابه بالتفويت لوجوبه بالفوات أيضًا ومن إيجابه في رمضان آخر وإبطاله أصلا؛ لأن الزيادة الحاصلة بشرف الاتصال بالوقت أو الفرض إذا احتملت السقوط الزوال فلأن تحتمل رخصتها نقصان الصوم والقصدي الثابتة به العود إلى الكمال أولى ووجوه الأولوية ثلاثة كون الانتقال من نقصان في الرخصة لازيادة واجتهادا في الإيجاب والإكمال لا الإجزاء بما ثبت وجوبه ولا
стр. 395
الإبطال، وإن السبب في سقوط الزيادة خوف الفوت بالموت فقط وفي زوال النقصان هو وموضوع النذر.
الحادي عشر: الأمر للمكلف أن يأمر غيره بشيء سواء كان بلفظ "أم ر" وبالصيغة ليس أمرا لذلك الغير به (١) كقوله ﵇: "مروهم بالصلاة لسبع" إلا لدليل على أنه مبلغ وإلا لكان قولك مر عبدك أن يتجر في مالك تعديا ومناقضا لقولك للعبد لا يتجر وليس إذ ليس المراد أمرا على طريق التعدي والواسطة لا ترفع التناقض قالوا فهم ذلك من أمر الله رسوله أن يأمرنا وكذا من أمر الملك وزيره به قلنا ثمة دلالة على أنهما مبلغان.
الثاني عشر: المطلوب بالأمر بالفعل المطلق الماهية بلا شرط لا يقيد الكلية اتفاقا لاستحالة وجوده، ولا بقيد الجزئية خلافا لبعض، لعدم التعرض لتشخصها وهذا معنى أن أصل المطلق أجراؤه على إطلاقه قالوا القاطع لا يعارضه الظاهر فإن الماهية يستحيل وجودها في الأعيان فلا تطلب، إذ لو وجدت وكل موجود فيها جزئي كانت كلية وجزئية قلنا إنما يقوم على استحالة وجود الماهية المطلقة أي الماهية بشرط الإطلاق والكلية لا مطلق الماهية وعدم التقييد بالجزئية ليس تقييد إعدامها، ومطلقا لا ينافي الجزئية سواء وجدت بذاتها لا بكليتها في ضمن الجزئيات، كمذهب الجمهور أو وجد ما يصدق عليه كما اختار بعض المتأخرين وقد مر.
واعلم أن المختار ها هنا صحيح لا مطلقا بل باعتبار مدلول، مادة المصدر الذي يتضمنه الأمر فلا ينافيه ما مر من وجوب رعاية الوحدة الحقيقية والاعتبارية عند انضمام الصورة إلى المادة في الاعتبار فلا تخطيء فيخطأ ابن أخت خالتك.
الثالث عشر: قيل: الأمر إن المتماثلان تأسيس إلا لمانع حالي مثل لام العهد في صل ركعتين صل الركعتين أو حالي في اسقني ماءً، اسقني ماء لدفع الحاجة بمرة غالبا وقيد الآمدي بقوله إن كان قابلا للتكرار احترازا عن مثل صم هذا اليوم مكررًا فإنه غير قابل للتعدى ويغني عنه العهد إما إذا كان الثاني معطوفا فاتفاقا لأن التأكيد بواو العطف لم يعهد أو يقل حتى لو اشتمل على قرينة التأكيد، كلام العهد وغيره يصار إلى الترجيح فإن أمتنع وجب التوقف وإما إذا لم يكن فلان وضع الكلام للإفادة لا للإعادة ولسان التأسيس أكثر والأكثر أظهر ولأن الظاهر في كل أمر الإيجاب والحق أنه تأكيد إلا لمانع كالعطف لأنه عند التكرير أغلب وأكثرية التأسيس حاصلة ممنوعة وفي غيره لا يفيد وكذا وضعه للإفادة
стр. 396
على إن الحقيقة العرفية متقدمة على اللغوية ولأن الأصل براءة الذمة عن الثانية إذ تقليل خلاف الأصل هو الأصل وظاهر الأمر مطلق الإيجاب لا الإيجاب المستأنف والاحتياط في الإيجاب معارض به في التأكيد عند التحريم كقوله للجلاد اجلد الزاني مائة مكررًا.
الرابع عشر: في أن الأمر المطلق عن دليل عينية الحسن وغيريته يتناول الضرب الأول من القسم الأول وهو حسن لعينه لا يقبل السقوط لوجهين:
١ - أن الأمر لما اقتضى الحسن ضرورة حكمة الأمر فكماله الحاصل الإطلاق يقتضي كماله.
٢ - أن لما أوجب كون المأمور به عبادة حسنة لذاتها لكونها تعظيم الله فكذا كماله فالحسن الأول سابق، والثاني لأحق فغير الضرب الأول محتمله لا يصرف إليه إلا لدليل على جواز سقوطه كالصلاة أو شبهه بها كالزكاة أو غيره كالوضوء والجهاد وغيرهما وذهب شرذمة إلا أنه يثبت الحسن لغيره لأنه مقتضى ضروري ولا يثبت به إلا الأدنى.
قلنا: على الطريق الأخير موجب لا مقتضى ولئن سلم فالاقتضاء ينافي العموم لا الكمال وفيه الكلام.
فرع: قال زفر والشافعى: فأمر الجمعة يوجب حسنها وإن لا يشرع لمن تناوله كغير المعذور إلا هي، لأن فرض الوقت واحد منهما إجماعا ولما تعينت لدفع الظهر فلا يجوز هو ما لم يفت الجمعة ولمن لم يتناوله كالمعذور إلا الظهر فإذا أداه لم ينتقض بالجمعة ويردان لا يجوز لو أداها قبله وذا خلاف الإجماع فالصحيح عنهما إن المعذور مخير بينهما فأيهما أدى لا ينتقض بالآخر كمكفر اليمين بإحدى خصالها وقلنا الأصل مسلم والنزاع في كيفية تناول الأمر فلا نعلم لنها بنسخ الظهر وألا يقضى هو بل هي بأدائه بها وإقامتها مقامه فأمر غير المعذور بنقصه بها بعد أدائه وقبلها كما أمر بإمقاطه قبله وكيف لا يبقى الظهر مشروعا في حقه وللجمعة شرائط لا يتمكن من تحصيلها بنفسه فيجوز الظهر الذي أداه قبلها لأن عدم الوجوب لا يمنع الصحة غير أنه آثم للنهى عنه وهو لمعنى في الجمعة فلا يقتضي فساده وهذا متحقق في حق المعذور أيضًا لعموم النص لكن رخص له في تركها ترفيها ورخصة الترفيه تقرر العزيمة لا تسقطها كيف ولو لم ينتفض ظهره بعد ما صلى الجمعة بل فسدت هي عاد الترخيص على موضوعه بالنقض إذ هو حرج ليس في غير المعذور فكيف فيه أما إبطال الظهر فلا كمال ولذا لو شرع المعذور فيها وخرج الوقت قبل التمام يلزمه قضاؤه عتدنا استحسانا لا عندهما.
стр. 397
المقام الثالث في حكم النهى الذي يقابله
وفيه مباحث:
الأول: إنه لغة المنع ومنه الناهية للعقل (١) واصطلاحًا اقتضاء كف صيغي عن فعل استعلاء (٢) فلا يرد كف عن الزنا منعا كما مر أو لأنه تحريم للفعل وإن كان إيجابا للكف فهو أمر ونهى بالاعتبارين وهذا لا يصح جواب في الأمر إذ يبقى قوله غير كف زائدًا وألا نسب أنه اللفظ الدال عليه واعتبر به كلا من مقابلات المزيفات السبعة مع اعتراضاته والخلاف في أن لمراده صيغة تخصه ولا يستعمل في غيره وهو الخطر لا الكراهة وبالعكس أو مشتركة لفظا بينهما فقط إذ لا قائل به فيما وراءهما وللمشترك معنى بينهما فقط وهو طلب الكف استعلاء أو للوقف بمعنى لا أدري كما في الأمر.
وفي التقويم لا وقف ها هنا وإلا لصار موجب الأمر واحدا ولا سبيل إليه وقد سلف تحقيقه ويخالفه في أنها للتكرار والدوام فينسحب حكمها على جميع الأزمان لأنه عدم ويلزمه الفور فيجب الانتهاء في الحال وفي أن تقدم الوجوب الكائن مثله قرينة على أنه للإباحة في الأمر عند البعض ليس كذا هنا فإن الأستاذ نقل إجماع القائلين بالحظر على أنه له بعده أيضًا وأن توقف الإِمام لقيام الاحتمال.
الثاني: أنه يقتضي القبح ضرورة حكمة الناهي فهو مدلوله لا موجبة خلافا للأشعري كما مر ثم مطلقة عن دليل العينية أو الغيرية أن كان عن الحسيات وهي ما لا يتوقف تحققه على ورود الشرع كالقتل وشرب الخمر والزنا وعلامته صحة الإطلاق اللغوي عليه على أنه حقيقة يقتضي القبح لعينه إلا دليل نحو ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فإن النهي للأذى ولذا يثبت به الحل للزوج الأول والنهيب وتكميل المهر وإحصان الرجم ولا يبطل به إحصان القذف وإن كان عن الشرعيات كالصلاة والبيع والنكاح والإجارة ونحوها مما زيد في حقيقته أشياء شرعا كانت غير معتبرة لغة، فالقبح لغيره عندنا فيفيد الشرعية أصلًا والقبح وصفا لكن مع رعاية إطلاقه في إفادة التحريم وحقيقته في بابه على اختيار العبد إلا لدليل يقتضي العينية كنكاح منكوحات الآباء وبيع الملاقيح هي ما في أرحام الأمهات والمضامين هي ما في أصلاب الآباء وعكسه للشافعي ﵀ واجبا ومحتملا فجعله دالا على بطلان نفس المنهي عنه فقيل شرعًا وقيل
стр. 398
لغةً، وقال أبو حسين البصري يدل عليه في العبادات دون المعاملات فتنافي الأجزاء وهو موافقة الأمر أو سقوط القضاء لا السببية وهي استتباع المعاملة أثرها فإن مقابله وهو الصحة يستعمل في الأمرين وقيل لا يدل إلا على فساد الوصف ولا على صحة الأصل فهذه خمسة مذاهب.
لنا أولًا أن النهى للانتهاء بالاختيار فيعتمد إمكانه وتصور صدوره من العبد ليثاب بالإحجام ويعاقب بالإقدام ولما لا أصل له حسًّا وشرعًا فهو ممتنع كالمنسوخ فلا يتعلق النهي به كف وامتناع مثله بناءً على عدمه وعدم المنهي عنه بناء على الامتناع ولذا لا يثاب على الأول كمن لا يشرب الخمر لأنه لا يجده فهما في طرفي نقيض لأي مما يتنافيان فلو ثبت القبح الذاتي مقتضى له كان المقتضي مبطلا لمقتضيه ومخرجا له عن حقيقته إلى النسخ وفي أبطاله أبطال نفسه فيتناقض، ومحصله توجيهان:
١ - أن المنهي عنه إذا لم يكن صحيحا بأصله لم يكن شرعيا ومعتبرا شرعا لكن المنهي هو الصوم والصلاة الشرعيان لا الإمساك والدعاء أو نقول وكل ما لم يكن شرعيا كان ممتنعا ومنسوخا فلا يكون منهيا لاختلافهما حدا وحقيقة وخاصة وحكما، ورد بأنه أنما لا يتصور ويكون ممتنعا لا شرعيا لو أريد بالشرعي المعتبر شرعا أما أريد ما يسمد الشرع بذلك وهو الصورة المعينة أي المشتملة على الأركان صحت أم لا، أي اشتملت على الشرائط أيضًا أم لا وذلك هو الحق وإلا لزم دخول شرائط الشيء فيه إذ بها اعتباره فيتصور ولذا يقال صلاة صحيحة وفاسدة وقال ﵇، دعي الصلاة أيام أقرائك.
٢ - أنه إذا لم يكن صحيحا لم يكن شرعيا بل كان ممتعا فلم يتعلق الابتلاء بالنهي عنه لعدم تصور الإقدام والإحجام بالاختيار وإلا كان النهي نسخًا وليس كذلك إجماعًا وربما يوضح الملازمة الثانية بأن منع الممتنع لا يفيد، ورد بأنه إن أريد بالشرعي المسمي بذلك فالملازمة الأولى ممنوعة لأنه ليس ممتنعا وإن أريد المعتبر شرعا فالثانية لأن امتناعه علم بهذا النهي ومنع الممتنع بهذا المنع مفيد كتحصيل الحاصل هذا التحصيل.
والجواب عن الأول أن الكلام في النهي عن الشرعي فأن كان مجرد الصورة كان هو المعتبر في الثواب باجتنابه، والعقاب بارتكابه وليس الصورة بدون الشرائط كصورة الصلاة بدون النية والاستقبال وغيرهما والبيع بدون المال عبث وذلك لأن مفسدة النهي في الإتيان بالمجموع لا بمجرد الصورة وإلا لكان كل واحدكل لحظة مثابا بترك صور المناهي اللامتناهية وإن لم تنعقد أسبابها وشرائطها التي لم تخطر بالبال شيء منها وليس كذلك إجماعًا ولا يلزم الإثم بالسجدة بدون الطهارة لأنها حسية لا شرعية وتسمية الباطلة
стр. 399
بالصلاة مجازية، وكذا النهى عن النفط في دعي الصلاة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، ومن هذا يعلم أن شرائط الشيء داخله في شرعيته لا وجوده.
وتحقيقه كونه مقيدًا بها وكون المطلق مع قيوده حقيقة واحدة اعتبارية فليس هذا النزاع مبينا على أن الشرط داخل في حقيقة السبب ومانع عن انعقاده سببا عندنا وعن تأثيره لا تحققه عنده كما ظن إذ لا حاجة هنا إلى دخوله في حقيقة المشروط أو سببه بل في شرعيته مع أن الحق في تلك المسألة أيضًا مذهبنا كما سيتضح.
وعن الثاني أنا لا نعلم أن امتناعه علم بهذا النهي وأنما يصح لو صح تعلق النهى به وكيف يصح، وتعلقه به يخرجه عن حقيقته.
أما الجواب بأن تصور اللغوي أو الشرعي حاله النهي كاف لصحته ففاسد للقطع بأن النهى ليس عن الإمساك المطلق والدعاء وبأن التصور في وقت الانتهاء عن الفعل وهو المستقبل هو الواجب والمعتبر كما في الأمر له أن حقيقة النهى في اقتضاء القبح كالأمر في اقتضاء الحسن فكما كان المأمور به حسنًا لمعنى في عينه إلا لدليل يكون المنهي عنه قبحا لعينه إلا له بناء على أن المطلق يتناول الكامل إذا القاصر ثابت لا من وجه لا قياسا في اللغة فمن جعل مجازا في الأصل حقيقة في الوصف عكس الحقيقة وقلب الأصل هذا معتمدة أما التمسك باستبدال العلماء بالنهى على الفساد وبأنه بناء على تبعية الأحكام لمصالح العباد تفضلا أو لم يفسد، فإن ساوى حكمه النهى حكمه الثبوت تعارضنا وخلا النهى عنها أو كانت مرجوحة فأولى لفوات الزائد من مصلحة الصحة الخالص عن المعارض أو راجحة فامتناع الصحة لخلوها بل لفوات الزائد من مصلحة النهى الخالص عنه فإنما يفيد أن اقتضاء القبح في الجملة ولا نزاع فيه ولتفريعه طريقان:
١ - أن الرضا بالمشروع أدني درجاته لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، والتوصية المبالغة في الأمر المقتضي للرضا ولأن المقصود من الشرع الهداية إلى السعادة العظمى وهي رضاء الله تعالى، ثم القبح ينافي الرضا وإن لم يناف المشبه والقضاء كالكفر والمعاصي ومنافي اللازم مناف للملزوم فالقبيح لا يكون مشروعا فالنهى عن التصرف الشرعي نسخ له بما اقتضاه من التحريم السابق.
٢ - إن حكمه وجوب الانتهاء وكون الارتكاب معصية لا طاعة في العبادة ومشروعا في المعاملة لتضاد بين الأوليين، وتناف بين الآخرين فإن كل مشروع لا معصية فكل معصية حسيا كان أو شرعيا لا مشروع ولذا لم يفد الزنا حرمة المصاهرة وهي الحرمات الأربع فإن المصاهرة نعمة أمتن الله بها وكرامة كالنسب ولذا تعلق به الكرامات من
стр. 400
الحضانة والنفقة والإرث والولايات وكذا حرمتها صيانة للمحارم عن مذلة النكاح الذي فيه ضرب استرقاق، ولا لغضب واستيلاء الكفرة على مال المسلم بالإحراز الملك وسفر المعصية كالإباق وقطع الطريق والبغي الرخصة وهي نعمة لدفع الحرج، ثم النعمة لا تنال بالمحظور المحض بخلاف الوطء بشبهة النكاح الفاسد والجارية المشتركة ولا يرد لزوم الاغتسال وفساد الصوم والإحرام والاعتكاف بالزنا إذ ليست نعمة ولا لزوم المضي على المحرم مجامعا أو المجامع بعده مع فساد الإحرام لأنه منهي لغيره المجاور وهو الجماع مطلقا مقارنا أو معاقبا حلالًا أو حراما فينبغي أن لا يفسد به كالصلاة في المغصوب لكنه محظورة كالكلام والحدث للصلاة فيفسد وينبغي أن لا يبقي غير أنه لازم شرعا عقوبة بخلاف الصلاة فأثر في إيجاب القضاء لا في ترك الأداء والمقارن لم يعتبر مانعًا مع أن المنع أسهل من الرفع؛ لأن محظوريته فرع اعتبار الوجود للإحرام ولا الطلاق في الحيض أو في طهر الجماع مع ترتب الفرقة؛ لأن نهيهما للمجاور وهو تطويل العدة وتلبيس أمرها أهي بوضع الحمل أو بالأقراء أو تلبيس النفقة إذْ لو لم يكن حاملًا في البائن لا يجب النفقة عنده ولا لزوم كفارة الظهار لأنها جزاء حرام كالقود والرجم والكلام في حكم مطلوب تعلق بسبب مشروع له كالملك بالبيع ولترتب فروعه هذه على ماريتنا عليه اندفعت المناقشات الواهية.
قلنا: على دليله نعم لولا التناقض ببطلان المقتضي ورفع الابتلاء بذلك فما ذكرنا عمل بمقتضى النهي وهو القبح والمنهي وهو الإمكان ورعاية لمنازل المشروعات وحدودها وعلى وجهي التفريع قبح التابع لا ينافي الرضا بالمتبوع بالاعتبارين أي يجوز كون الشيء مأمورا به ذاتا ومنهيا عنه عرضا فإن المشروعات تحتمل هذا الوصف كما مر من الإحرام والطلاق الفاسدين والصلاة في المغصوب والبيع وقت النداء، والحلف على محظور.
أما الأقسام الثلاثة الباقية منها ممتنعان وقسم واقع لكن لا يتأدى به المأمور به أمرا مطلقا بخلاف الوضوء بماء مغصوب ولأثم إن كل مشروع وطاعة لا معصية من كل وجه ولا سيما في المعاملات الفاسدة المترتبة إحكامها ولئن سلم فالقبح ينافي الرضا والمشروعية في موضوعه لا مطلقا والكلام في إنه الذات أو الوصف وعلى فروعه أما ثبوت حرمة المصاهرة فلكون الزنا كالوطء الحلال سبب الماء وهو سبب الولد المعصوم وجودًا وهو سبب البعضية التي بها الحرمة فإن الاستمتاع بالجزء حرام إلا لضرورة النسل حكيما كان كما في الموطأة، أو حقيقيًّا كما في حواء ﵂ وتسري إلى أبيه وأمه لأضافته
стр. 401
بكماله علي كل منهما وإلي أسبابه ودواعيه احتياطا ولم يسر إلى ما بين الأجداد والجدات إذ لضعفه لكونه حكيما لم يظهر في الأباعد وعمل مثله لا لوصف نفسه ككونه زنا بل لعله أصله وهو الولد كالتراب وهو لا يوسف بالحرمة وذمه بانخلاقه من امتزاج بين مائين غير مشروع لا معنى له.
وقوله ﵇ "ولد الزنا شر الثلاثة" (١) كان مراده ﵇ به مولود معين والأقرب ولد الزنا أصلح من ولد الرشدة ولهذاكان مثله في استحقاق معظم الكرامات وأما ثبوت الملك بالغصب فشرط للضمان المحتمل وجوبه فيتبع مشروطة حسنًا لآن للفائت ولئلا يجتمع البدلان في ملك، وإن قبح لو كان مقصودا لكن يعتبر مقدما على الضمان لأنه شرط مقتضى وملك البدل مترتب عليه فلذا ينفذ بيع الغاصب ويتسلم الكسب؛ لأنه كالزوائد المتصلة تبع محض يثبت بثبوت الأصل بخلاف المنفصلة كالولد والثمر فلكون زوال الملك ضروريا لا يتحقق فيها وهذا وإن كان بدل خلافة كالتيمم لا بدل مقابلة كالثمن ومن شأنه أن لا يعتبر عند القدرة على الأصل كما إذا عاد العبد الآبق أعتبر ها هنا لاتصال القضاء بزوال الملك عند الحكم بالضمان احترازا عن اجتماع البدلين في ملك وعند حصول المقصود بالبدل لا عبرة بالقدرة على الأصل كمن صلى بالتيمم ثم وجد الماء ولا يرد ضمان المدير مع عدم الملك؛ لأنه يزيل ملك المولى تحقيقا لشرطه ولا يملكه الغاصب صونا لحقه كالموقف ولم يكتف بالإزالة في جميع الصور وبها يندفع ضرورة اجتماع البدلين لأن الأصل مملوكية المال وأن يكون الغرم بأن الغنم فلا يرتكب إلا لضرورة أو يجعل ضمانه مقابلا لفوت اليد وذا جائز حال العجز والضرورة بخلاف القن.
وأما النهي عن استيلائهم فلغيره وهو عصمة المحل الثابتة لحقنا دونهم لانقطاع ولاية التبليغ والإلزام عنهم فصاركالاستيلاء على الصيد ولئي سلم ثبوتها في حق الكل لكن سببها وهو الإحراز باليد أو الدار قد يناهي بإحرازهم فسقطت في حكم الدنيا ولا يرد أنها متحققة في ابتداء لاستيلاء فلا يقيد زوالها بعده كمن أخذ صيد الحرم وأخرجه لا يملكه ويجب الضمان بالهلاك في يده وكمن اشترى خزا فصارت حلا لا ينعقد البيع؛ لأن
стр. 402
الأصل أن الفعل الممتد كابتدائه حكم البقاء كلبس الخف في حق المسح ولبس الثوب في حق الحنث فكان بعد الإحراز كابتداء الاستيلاء على مال مباح، وكذا صيد الحرم فإنه يملك بعد لإخراج حتى ذكر في الجامع جواز بيعه ولو أكله بحل إلا أنه يجب الجزاء صيانة لحرمة الجرم بخلاف شري الخمر فإنه غير ممتد، وهذا بخلاف استيلائهم على رقاب المسلمين؛ لأن سبب عصمة الأنفس وهو الإِسلام لم ينه بالإحراز.
وأما سفر المعصية فليس منهيا لعينه بل لمجاورة من قطع الطريق والتمرد على المولى ولذا يفترقان بتبديل القصد إلى الحج وإن أذن المولى وبالإغارة ونحوها بمسافة يوم.
فروعنا:
١ - شرع أصل بيع العبد بالخمر؛ لأن الثمن وصف للزومه لا أصل ومحل لكونه وسيلة إلى ما ينتفع بذاته ولذا لا يشترط وجوده فضلا عن تعينه ولا قدرة تسليمه ولا بقاؤه في الإقالة وجاز استبداله بخلاف المبيع فالفساد فيه كالخمر فإنه مال؛ لأن فيه مصلحة الآدمي لا متقوم إذ ليس بواجب الإبقاء بعينه أو كمثله أو بقيمته يفسد ولا يبطل لعدم الخلل في ركنه، وهو الإيجاب والقبول من الأهل في المحل وكذا بيع الخمر بالعبد معينين؛ لأن كلا يصلح ثمنا فيصرف إلى الخمر فينعقد في العبد فاسدا ويثبت الملك بالقبض بالإذن لا في الخمر فلا يثبت به وكذا إذا لم يعين الخمر إذا يجعل ثمنا كبيع خل غير معين لعبد معين أو دراهم بثوب معين بخلاف بيع الخمر الدراهم أو الدنانير لتعينه مبيعا والميتة وجلدها في المسألتين إذ ليس بمال وإنما يحصل المالية بصنع مكتسب ولا متقوم فيبطل ولو قضي بجوازه لا ينفذ، قيل: هي الميتة حتف أنفها؛ أما المخنوقة والموقوذة والمجروحة ففاسد لحلها عند المجوس وإذا يصح فيما بينهم عند أبي يوسف خلافا لمحمد.
٢ - نهى الربا مرادا به العقد وهو معاوضة مالين في أحدهما فضل والبيع بشرط لا يقتضيه العقد ولأحد المتعاقدين أو المبيع المستحق نفع فيه فالنهي للفضل أو الشرط وهو وصف للزومه شرطا ولا اختلال في أصله وهو الإيجاب والقبول من الأهل في المحل فيوثر فساد الوصف في دفع وصف الأصل وهو أنه حلال جائز فصار حراما فاسدا والملك يحتمله كمحك صيد الحرم والخمر وجلد الميتة مع حرمة الانتفاع بها واشترط التقوية بالقبض لضعفه كالتبرعات وللفرق بينهما بأن المفسد في صلب العقد في البيع لم يعد صحيحا بإسقاط الفضل بخلاف إسقاط الأجل المجهول.
٣ - كذا فساد شهادة من حد قذفا فلا يصح وصف أولهما فلا يقبل ويخرج منهن
стр. 403
أهلية اللعان لكن لاتصال حتى ينعقد النكاح بها كما بشهادة الأعمى إذا لا يتوقف على الأداء.
٤ - كذا صوم يومي العبد وأيام التشريق فالنهى لمعنى الإعراض عن ضيافة الله تعالى فيفسد لوصفه وهو كونه يوم عيد، وبيانه: أن المتناول مشتهى بأصله طيب بوصف الضيافة لتركه طاعة بأصله في وقته معصية بوصفه وهو الإعراض عن الضيافة كالجوهر الفاسد وكذا يصح لخلوه عن المعصية ذكرا حتى لو قال لله على صوم يوم النحر لم يصح نذره في رواية الحسن كقولها لله علي صوم أيام حيضي بخلاف قوله غدا وكان يوم النحر، وبخلاف ضرب أبيه أو شتم أمه إذ لا جهة لغير المعصية فلا يصح النذر به أصلًا لا لشروعه في ظاهر الرواية لاتصاله بها فعلا وصح صلاة وقت المنهي لعراء أركانها وشروطها عن القبح حتى الوقت بأصله والفساد في وصفه لنسبه إلى الشيطان كما في بطن عرنة ووادي محسر في المكان وحديث الرغم معرفة لا تسمع في مقابلة الحديث غير أن الوقت ظرفها لا معيارها، فصارت ناقصة لا فاسدة فتضمن بالشروع بخلاف الصوم لقيامه بالوقت فإنه معياره وجودا ويذكر في حده تعقلا وقد يفرق بأن جزء الصوم ككله اسما فلا ينعقد شروعه للنهي بخلاف الصلاة إذ أولها ليست صلاة إلى السجدة وتبين الحلف بهما ولنقصانها للسببية لا يتأدى بها الكامل بخلاف الصلاة في المغصوب إذ ليس المكان سببا ولا وصفا فلا يورث فسادا ولا نقصا بل كراهة لتعلق نهيه بالشغل المجاور لا كما قال أحمد والزيدية وبعض المتكلمين كأبي الحسين البصري والإمام الرازي أنها لا تصح؛ لأن الصلاة حركة وسكون والشغل جزء منهما وجزء الجزء جزء والنهي الجزئي مبطل؛ لأن مصداق الجوار الانفكاك وهو حاصل.
ويويده إجماع السلف على أنهم ما أمروا الظلمة بقضاء الصلوات المؤدات في المغصوب ولا نهوا عنها إذ لو وقع لانتشر، وفيه بحث لأن الجزئية إذا صحت تنافي الانفكاك إذ لا كل بدون الجزء.
وتحقيقه: أن المعتبر في جزئية الصلاة شغل ما ولا فساد فيه وإلا لفسد كل صلاة بل في تعينه المكاني بل من حيث اتصافه بالتعدي وذا مما ينفك عن ذلك الشغل المعين بتعين مكانه بأن يلحقه إذن مالكه أو ينتقل ملكه إلى المصلي أو إلى بيت المال ولا يجيء مثله في الصلاة في الوقت المكروه؛ لأن نقصانه للسببية ولا في الصوم لأن تعين الوقت معتبر فيه بالوجهين وبه يعرف أن الوقت سبب للنوافل أيضًا إذ الكلام فيها إذكل وقت داع إلى الشكر فيه.
стр. 404
٥ - كره البيع وقت النداء؛ لأن ترك السعي مجاور قد يقترفان بخلاف بيع الحر والمائن ونكاح المحارم وأزواج الآباء وصوم الليل فإن النهي فيها مستعار للنفى لفقد المحل ونسخ صوم الليل؛ لأن الوصال غير ممكن فتعين النهي للابتلاء لأنها المعنية لشهوة البطن غالبا، والفرج يتبعه لأنه وجاء إلا أنه لو واصل بالنية في رمضان تأدي لأن القبح في المجاور وهو الإمساك في الليل بخلاف صوم يوم النحر والمنفي في قوله ﵇ لا نكاح إلا بشهود نكاح الشرعي، فلا خلف ولا حمل على النهي وإنما يسقط الحد ويثبت النهيب والعدة لشبهة العقد، أو نقول أريد النهي لكن مع الدليل على بطلانه فإن النكاح ملك ثابت لضرورة النسل ولذا لا يظهر أثره فيما وراء ذلك فلو قطع طرفها أو آجرت نفسها أو وطئت بشبهة فالأرش والأجرة والعقر لها لكن لا ينفك عن الحل لأنه المقصود والنهي يقتضي تحريما يضاده فبطل بالمضادة بخلاف البيع الموضوع لملك العين والحل تبع حيث لا يضاده تحريم الاستمتاع لجواز اجتماعه مع الملك كما في المحرم كالأمة المجوسية وفيما لا يحتمل الحل أصلًا كالعبد والبهائم.
للقائل بدلالته على البطلان لغة استدلال العلماء به عليه وإنه نقيض الأمر المقتضى للصحة فيقتضى نقيضها، ورد الأول بمنع دلالته استدلال لهم على البطلان اللغوي بل الشرعي.
والثاني: بأن اقتضاء الأمر الصحة شرعي فكذا اقتضاء النهي سلمنا لكن المتقابلات جاز اشتراكها في لازم واحد فضلا عن التناقض سلمنا لكن نقيض اقتضاء الصحة عدم اقتضائها لا اقتضاء البطلان وفي الكل نظر، فإن استدلالهم لا بد من الانتهاء استقراء موارد اللغة ولا سيما قبل تدوين قواعد الشرع ومنه بعلم أن اقتضاء الأمر الصحة لغوي والاستدلال على تناقض مقتضاهما ليس بمجرد التناقض المراد به التقابل بل بالعرف المستمر على أن الأثر المطلوب بإحداهما نقيض المطلوب بالآخر وقد مر، وعدم الاقتضاء ليس أثرا والكلام في أثرهما والحق أن اقتضاءهما مطلق الصحة والبطلان لغوي، والشرعيين شرعي مستفاد من اللغوي، وللنافي للبطلان مطلقا أنه لو فعلت لكان مناقضا للتصريح بصحته لكن يصح نهيتك عن الربا العينة ولو فعلت لعاقبتك ولكن يثبت به الملك. قلنا: الظهور في الشيء لا يمنع التصريح بنقيضه الصارف عنه، ولأبي الحسين أن المنهي عنه في العبادة معصية فلا يكون مأمورًا به وإن نهي لمجاوره لا في العاملة فإن اللامشروعية لا تنافي المشروعية من وجهين قلنا كذا المأمور به ذاتا القبح صفة كما مر على أن المأمور به مطلق الفعل وأن لم يتحقق إلا في المعنيات، فالتعينات غيره مجاز القبح
стр. 405
فيها دونه.
(تتمة) كذا المنهي عنه لوصفه كعقد الربا أمر إذا بنهيه نهي الفضل يكون مشروعا بأصله دون وصفه بالأولى خلافا لكثير منهم الشافعي رحمه الله تعالى قال نهي الوصف يضاد وجوب الأصل لأن نفى اللازم ملزوم نفى الملزوم قبل معناه أنه ظاهر في عدم وجوب أصله لأنه يضاده عقلا وإلا ورد نهي الكراهة لأنها كالحرمة ضد الوجوب وقد جامعته في الصلاة في المغصوب والصوم يوم الجمعة مفردا، وليس بوارد لأن الفارق اعتبار اللزوم في الوصف لا في المجاور قلنا لا ضرورة صارفة عن أصلنا إلا عند الدلالة على القبح العيني أو الجزئي فإن صحة الإجراء والشروط كافية في صحة الشىء وإن لم يصح أوصافهما وترجيح الصحة وهو الأصل باعتبار الأجزاء أولى من ترجيح البطلان باعتبار الوصف الخارجي لها ككون وقت صوم العيد يوم ضيافة الله تعالى فإنه وصف لمطلق النهار المعتبر لمعاينته جزءًا في الصوم فجعل وصف الجزء وصفا للكل بخلاف وصف وقت الصلاة في الأوقات المكروهة وهو كونه منسوبا إلى الشيطان إذا الوقت لظرفيته لم يعتبر جزأ فيها فجعل وصفه مجاورا لا مؤثرا في فساده بل نقصانه لسببيته، فهذا اتضح الفرق ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١]، وقبح اللازم ليس عدمه وليعلم أن قبح الصلاة في الوقت المكروه جعله البعض للوصف ففرق بينها وبين صوم العيد بالظرفية والبعض للمجاور ففرق بينها وبين الصلاة في المغصوب بالسببية وعليك بالاختيار بعد الاختيار.
الثالث: أنه يوجب دوام ترك المنهي عنه إلا لدليل ولذا لم يزل العلماء يستدلون به عليه في كل وقت قالوا قد انفك الدوام عنه في نحو نهي الحائض عن الصلاة والصوم قلنا نهي مقيد مع عمومة لأوقات الحيض والكلام في المطلق.
الفصل الثاني في العام
وفيه مقامات:
الأول: في حكمه وفيه بحثان:
أحدهما فيما قبل التخصيص: هو: أن يوجب الحكم وضعا فيما تناوله يقينا وقطعا الخاص هو المذهب عند العراقين من مشايخنا بدليل قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى الخاص ﵁ لا يقضي عليه بل ردما ينسخ الخاص به كحديث العرنيين في بول ما يؤكل لحمه بحديث استنزاه البول محلي باللام وقوله ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة أي عشر لأن الزكاة تجب فيه إن بلغ قيمته نصابا بقوله ما سقته السماء ففيه العشر فلا يشترط بلوغ الخمسة كما عندهما فإن علم تراخي العام فيهما فذاك وإلا حمل على المقارنة وثبت حكم التعارض فرجح المحرم أو لم ينسخ منه شيء والمتفق
стр. 406
على العمل به إذا وجب العشر فيما وراء الخمسة بالعام كما نصفه عند كرة المؤنه بالدالية أو يرجح العام مطلقا احتياطا وذكر محمَّد شبيهه في الوصفية بخاتم ثم بالفص لأخر أن الحلقية للأول والفص يستهمانه مفصولا.
وإن كان للثاني موصولا والأشهر أنه قوله خلافًا لأبي يوسف وقيل قولهم، وقالوا القول لمدعي العموم في المضاربة للترجيح بدلالة عقد الاسترباح بعد قيام المعارضة، ولذا عم بالإطلاق ولم يفسد بعدم التنصيص على التخصيص كالوكالة وعند بعضهم صيغ العموم حقيقة في أخص الخصوص ومجاز في العموم، وقال الأشعري تارة بالاشتراك وأخري بالوقف حتى يقوم الدليل على المراد وقيل بالوقف في الأخبار دون الأمر والنهي وقال القاضي بالوقف بمعنى لا أدري لوضعت لشىء منهما أو بعد العلم بالوضع في الجملة أوضعت للعموم منفردا فيكون حقيقة فيه فقط أو وللخصوص فتكون مشتركة، أو للخصوص فقط فيكون مجازا وقال الشافعي يوجب العموم لا على اليقين وهو مذهب مشايخ سمرقند منهم علم الهدي والثمرة مع الأولين في نحو لفلان علي دراهم فيجب الاستفسار عند الواقفية كعلي شىء وثلاثة عند المخصصين لأنها الموجب وعندنا لأنها الأقل بعد استحالة إرادة الجميع ومع الشافعي ﵁ وغيره أن غير المخصص من الكتاب والسنية المتواترة لا تخصص بغير الواحد كما بالقياس لأنهما ظنيان فلا يعارضانه والتخصيص بطريق التعارض فلا تخصص متروك التسمية عامدا بمثل حديث عائشة ﵂ والبراء وأبي هريرة كما بالقياس على الناسي إذ الناسي لم يخص منه بل أقيم ملته مقام الذكر كالتيمم مقام الوضوء والعامد لكونه معرضا قصدا لا يستحق التخفيف فلا يصح قياسه ولأن النسيان لكونه من قبل صاحب الحق مرفوع حكمه بالحديث كما في الإفطار ناسيا فكأن الترك لم يوجد، وحديث عائشة لنا لأن سوألها عند الشك في التسمية دليل أنها من شرائط الحل عندهم وفتواه ﵇ بالإباحة بناء على ظاهر أن المسلم لا يدعها كالمشتري في سوق المسلمين.
وإن احتمل ذبح المجوسي وحديث البراء وأبي هريرة محمول على النهييان بدليل ما قد يروي وإن تعمد لم يحل وكون المراد بالآية ما ذبح لغير الله مطلقا اختيار الكلي أو للأوثان اختيار العطاء أو الميتة والمنخنقه اختيار ابن عباس ﵁ بدليل ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وأنه يقبل شهادة آكل متروك التسمية محمدًا وليجادلوكم فإن مخاصمتهم كانت في أكل الميتة قائلين: تأكون مقتول ربكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون فإن الكفر باستحلال الميتة لا متروك التسمية غير قادح لما سيتحقق أن العبرة
стр. 407
لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لا سيما عند ترتب الحكم على الوصف الصالح للعلبة وأكل من اعتقد الحرمة متروك التسمية كالحنفي فسق يرد شهادته وإنما لا يرد شهادة غير معتقدها التأويله كما لا يحرم الباغي عن الميراث بقتل العادل لتأويله، ولا المرضعات في ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] بحديث ابن الزبير ﵁، مع أنه لا يثبت خمس رضعات إلا يعدم القائل بالفصل إذ العطف بولا لتأكيد النفى السابق ولا بما روته عائشة مع أنه لا يجوز العمل بالقراءة الشاذة ولا يجعلها خبرًا كما مر إلا على وجه الإلزام ولا المسافر للعصيان في الترخيص بالقياس بجامع أن النعمة لا تنال بالمعصية.
ولا الأصواف والأوبار في الميتة بشيء مع أنا نمنع كونها أجزاء للميتة إذ لا موت فيها لعدم الحياة ولا الأيامى والصالحون من العباد، في الجبر فيجبر العبد كالجارية بقياسه على المكاتب مع أنه حر يدا وجبر الطالحين بالدلالة أو بعدم القائل بالفصل ولا مالك ذي الرجم المحرم في العتق بقياس غير الولاد على بني العم بجامع جواز الشهادة ووضع الزكاة. ولا داخل الحرم بنحو حديث أنس كما بالقياس على منشئ القتل فيه إذ لم يخص منه لأن كان بمعنى صار بدليل التعليق بالدخول فلو التجأ مباح الدم بردة أو زنا أو قصاص أو قطع لا يقتل ولا يؤدي بضرب بل لا يطعم ولا يسقي ليخرج ولا على الأطراف لأنها كالأموال إذ يجري فيها الإباحة دون النفس والضمير في كان لنفسه دون ماله وطرفه وقتل ابن خطل حين أحلت مكة للنبي ﵇ كما ورد به الأثر ولئن ثبت زيادة ولا فارا بدم فمعناه لا تسقط عقوبته وتقييده بالأمن من الذنوب أولى منه العمل بالعموم ما أمكن وضمير من دخله أما للبيت فإذا حصل الأمن بدخوله حصل بدخول حرمه لعدم القائل بالفصل هذا إن لم يصر آمنا بدخوله كما عند بعض الشافعية بل يخرج لئلا يتلوث ثم يقتل وأن صار آمنا كما عن بعضهم فبطريق إلحاق حرمه به لا تصادفه بالأمن في حر ما آمنا والبلد آمنا والإجماع على أمن الصيد وإن لم يلزم كون التبع كالمتبوع كما في القبلية وأما لأنه للحرم وأن لم يذكر لذكر متبوعة لقول المفسرين واستدلالهم بقوله ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهو في الحرم وكون المراد متعبدة مع أنه ليس قول من يعتد به ينافيه ظاهر كونه بيان الآيات لأن الظاهر أنها ظهور أثر قدمه في الصماء وغوصه إلى الكتب وبقاؤه إلى الآن.
ولا الإهاب فيطهر جلد الميتة به خلافا لمالك مطلقًا والشافعي في جلد غير مأكول
стр. 408
اللحم بقوله "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب" (١)، أما لأن الأول نص في الطهارة وهذا يحتمل عدم الانتفاع ببيعه وأكله يؤيده حديث ميمونة إنما حرم من الميتة أكلها بعد ما قال ﵇ هلا انتفعتم بإهابها فقيل أنها ميته، فليس نصا في النجاسة بعد الدباغ أو تعارض مع حديث ميمونة فعلمنا بحديثنا وأما لأن الإهاب اسم لغير المدبوغ، قاله الأصمعي والمدبوغ إذ تم فلا تعارض لعدم إيجاد المحل، نقضان وجوابان:
١ - خص عن قوله ﵇ "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٢) مثل أم أخته بالرأي قلنا المراد ما سبب حرمته النسب بخصوصه وليس تحريم أم الأخت مثلا له بل لكونها أمة موطوءة أبيه ولذا يحرم موطوئته ولو لم يكن منها أخت.
٢ - خص عن قوله كل طلاق واقع، إلا طلاق الصبي والمجنون طلاق النائم بالرأي. قك بل أما برواية زيادة النائم أو بدلالته إذ يفهم كل عارف باللغة أن منع طلاقهما لعدم تميزهما فكذا من تمثل بحالهما من النائم وكذا زائل العقل بشرب الدواء المباح أو الصداع أما بالسكر عن المحرم فلا زجرا له، لنا أولًا مبادرة الذهن إلى العموم في نحو قول المولى عبيدي أحرار ولا تضرب أحدا وغيره من العمومات.
وثانيا: احتجاج أهل اللسان بالعمومات كالسارق والزانية واحتجاج عمر عند قتال أبي بكر مانعي الزكاة بقوله "أمرت أن أقاتل الناس" (٣) الحديث عليه لمنعه فقرره أبو بكر ﵁ واحتج عليه بقوله "إلا بحقه" فإن الزكاة من حقه وابن مسعود على عليّ ﵁ في أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل لأبعد الأجلين بأن القصرى نزلت بعد الطولى فنسخت بعمومها خصوص الأولى وإن كان من وجه وعليّ ﵁ عمل بالاحتياط لعدم عمله بالتاريخ وعلي ﵁ على عثمان ﵁ في تحريم الأختين وطئا بملك اليمين بقوله أحلهما أو ما ملكت إيمانهم وحرمهما وأن تجمعوا بين الأختين لأن معناه حرم الجمع محلي باللام فتناوله نكاحا ووطئا وإلا وجه أن معناه لا تفعلوا جمعا والمحرم مغلب وعثمان ﵁ رجح المحلل باعتبار الأصل
стр. 409
وأبي بكر ﵁ بقوله ﵇ "الأئمة من قريش" (١)، "ونحن معاشر الأنبياء لا نورث" (٢) قيل فهم العموم فيها من ترتب الحكم على ما يصلح عليه أو من ذكره لتمهيد قاعدة شرعية أو من قوله ﵇ "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" أو من تنقيح المناط وهو إلغاء الخصوصية.
قلنا هذه الجهات لا تفرق بين الألفاظ التي ادعي فيها العموم وبين غيرها ومن عادتهم عند التمسك بغيرها التصريح بهذه الجهات فحين لم يتعرضوا الشيء منها في نحو هذه الاستدلالات أصلا مع التصريح بالعموم مطلقا علم عادة ظهورها في العموم.
وثالثا: إن هذا شاع بينهما ولم ينكر فكان إجماعا ويقتضى عادة القطع بتحقق الإجماع أو يكفي الظن والحق لأن تجوز القرائن لا يمنع الظهور وإلا لم يظهر للفظ مفهوم ظاهر إذ مستند النقل تتبع الاستعمال لا نص الواضع.
ورابعا: فهم العموم في وقايع لا تحصتي لمن تتيعها حتى كذب عثمان رض الله عنه قوله، وكل نعيم لا محالة زائل بدوام نعيم الجنة وفهم التوحيد من لا إله إلا الله عند الكل واعترض ابن الزبعرى جاهلا بلسان قومه على قوله تعالى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، بقوله أليس قد عبدت الملائكة والمسيح ورد قول اليهود ما أنزل الله من شيء بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي﴾ [الأنعام: ٩١]، الآية والإيجاب الجزئي لا يناقض إلا السلب الكلي.
وخامسا: أن العموم معنى مقصود تفهيمه على التعين عرفًا وشرعًا كما يقول من يريد عتق كافة عبيده عبيدي أحرار وطلاق جملة نسوانه كل امرأة في طالق غيبا كان الفاهم أو ذكيا فلابد من لفظ يوضع له والتعبير بالمجاز أو المشترك لا يفي بذلك مع أن الأصل عدمه.
ثم قال الشافعي لكن إرادة الخصوص محتملة في كل عام إلا لدليل، على عدمها كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]، و ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
стр. 410
وَالْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧٠]، ومع الاحتمال لا يثبت اليقين فصار دليلا ظنيا كخبر الواحد والقياس وهذا احتمال زائد على ما في الخاص من احتمال المجاز والنسخ ولذا افترقا لا سيما إذا لم يكن العام المخصص مجازا فلم يخرج بذلك عن حقيقته واحتمال النسخ بعدم الوقوف على الناسخ بعد التفحص.
قلنا الاحتمال الغير الناشئ عن دليل لا يقدح في القطع المراد ها هنا فلم يدل القرينة على خلاف الموضوع له كان ذلك لازمًا قطعًا عاديًا وإلا لارتفع الأمان عن اللغة والشرع وكلفنا درك الغيب وإرادة الخاص بخصوصه من العام أما بطريق المجاز أو خلاف الظاهر فزيادة هذا الاحتمال أما من كثرة احتمال المجازات ومثلها وهي مع القلة سيان عند عدم القرينة على أنا لا نعلم أن كل إخراج لبعض المحتملات يورث شبهة فإن التخصيص بالعقل والإخراج المتراخي نسخا لا يورثانها كما سيجىء والموصول قليل ما هو، للقائلين بأنها حقيقة في الخصوص أولا أنه متيقن لأنه مراد أو داخل فيه فيكون أحوط.
قلنا: اللغة تثبت بالنقل لا الترجيح العقلي من أنه معارض بأن العموم أحوط في كثير من الواجب وقليل من المباح.
وثانيا: أن قولهم المشتهر حتى صار مثلا ما من عام إلا وقد خص عنه البعض غالبي مبالغة كنفسه لا كلي لما مر من نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فيكون في الأغلب حقيقة في الأغلب أيضًا يكون ظاهرا إذا لم يدل دَليل على أنه للأقل وقد مر دلائله للقائلين بالاشتراك إطلاقه فيهما مشتهرا والأصل الحقيقة.
قلنا المجاز أولى منه فيحمل عليه وإلا فلا مجاز مشتهرا للواقفية مطلقا أنه مجمل فيما يصلح له كالجمع في إعداده ولذا يؤكد بما يفيد الاستغراق وقد يذكر ويراد الواحد نحو ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أي نعيم ابن مسعود قلنا مجرد الاحتمال لا يقتضي الإجمال والتأكيد ليصير محكما كما في الخاص للواقف في الأخبار فقط انعقاد الإجماع على عموم التكليف وهو بالأمر والنهى ولا دليل عليه في غيرهما.
قلنا معارض بالأخبار العامة من عمومات العقيدة والعمل والوعد والوعيد فجميع المكلفين مكلفون بمعرفتها (تحصيل) فالعام والخاص إذا تعارضنا أن علم التاريخ نضار الخاص المتأخر مع الوصل مخصصا ومع الفصل ناسخا في مقدار ما تناوله اتفاقا والعام المتأخر ناسخا وجهول التاريخ يحمل على المقارنة وترتب حكم المعارضة في متناولهما عندنا وعند الشافعي ﵁ يخصصه الخاص تقدم أو تأخر أو جهل لقطعيته دونه والعرف يكذبه كمن قال لعبده اضرب زيدا ثم قال لا تضرب أحدا.
стр. 411
البحث الثاني: فيما بعده
وفيه مسائل:
الأولى: في تعريف التخصيص هو لغة: تمييز بعض الجملة بحكم واصطلاحا قصر العام على بعض جزيئاته مطلقا عند الشافعية وبدليل مستقل متصل عندنا لأنه إن كان بغير مستقل أي بكلام يتعلق بصدره وهو خمسة: الاستثناء والشرط والصفة والغاية والبدل فليس تخصيصا بل بيان تغيير أو تفسير أو تقرير لأن الحكم لا يتم إلا بآخر الكلام وما لم يتم لا يحكم باستيفاء مقتضياته عمومًا وخصوصا في حقه إن كان بالمستقبل فإن لم يتصل فهو نسخ وبيان تبديل لأن حكمه قد تقرر والرفع بعد التقرر نسخ قالوا لا قصر ثمة لإدارة المجموع قلنا لا يلزم من انتفاء القصر من حيث الذات وهو أن لا يراد بعض جزيئاته ابتداء انتفاؤه مطلقا لجواز تحققه من حيث الحكم وهو إخراج البعض بعد إرادة الكل فإن جزيئاته بعد النسخ جزيئاته ولا يتناولها الحكم فإن كان النسخ رفعا فكما في الاستثناء وإن كان بيانا لأمد الحكم فكما في الغاية غير أنه مستقل وإن اتصل فهو تخصيص ومخصصه أما العقل نحو ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، خص منه ذاته تعالى ومنه تخصيص الصبي والمجنون من خطابات الشرع وأما الحس نحو ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الذاريات: ٤٢]، الآية خص منه الجبال ومنه ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، بيانًا كان أو تبعيضًا إذ لم يعط كل شيء وأما العادة كمن حلف لا يأكل رأسا وأما نقصان بعض الأفراد كالمكاتب في كل مملوك في حر وإما زيادته كنحو العنب من الفاكهة ولا يتصور أن إلا في المشكك وعلى تعريف الشافعية نقوض نحو على عشرة إلا ثلاثة وضربت زيدا رأسه وأكرم الرجال إلا الجهال والعالم واحد فإن التخصيص فيها على الأجزاء.
وأجيب بأن لا تخصيص في الأوليين إذ لا عام وكذا في الثالث لأن الجمع معهود أو مجاز عن الجنس فالمراد جزيئات المفرد على أن في جوازه ترددا كما سيجيء وعرفه أبو الحسين بإخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه وفيه شبه:
١ - أنه يتناول النسخ إلا أن يريد تخصيصا يطلق على ما يتناوله.
٢ - أن الإخراج وتناول الخطاب متنافيان المخرج غير متناول فكيف يجتمعان وفي الجواب عنه بأن المراد ما تناوله على تقدير عدم المخصص كقولهم عام مخصص أي لولا تخصيصه تعريف الشيء بنفسه والإضمار في الحدود ولا نعلم أن المخصص ليس بعام حيث جاز التمسك بعمومه في الأصح ووجه بأن المراد ما يتناوله في الجملة لا إضمار القيد وهو فاسد لأن المراد بالخطاب هو المشخص وإلا لفسد من وجوه شتى
стр. 412
وللمخصص أثر في تعينه فلا يتناول المخرج أصلًا فجوابه الصحيح أمن المراد التناول وضعا والإخراج إرادة، أما ذاتا وحكما وهو المعنى بالعام المخصص ولو كان الباقي واحدا وذلك لجريان العرف على أن يراد بالدلالة في تفسير الألفاظ الوضعية وهي المرادة لتناول.
٣ - انتفاضة بالنقوض المذكورة إلا إذا أريد تناول الجزئيات وفيه الإضمار وعرفه الآمدي بأنه تعريف أن العموم للخصوص وفيه تعريف بما يساويه إلا أن يريد بما في الحد اللغوي فلا دور فإن دون التأثير عين الأثر في الخارج والمعتبر في التعريف المفهوم العقلي.
(تنبيه) قيل قد يطلق التخصيص على قصر اللفظ على بعض المسمى كما قد يطلق العام على ما يتناول الأجزاء وأن لم يكن عاما لعدم دلالته باعتبار أمر مشترك بين المتناولات كالعدد والمسلمين عهدا والعبد في على عشرة إلا ثلاثة وجاءني مسلمون فأكرمت المسلمين إلا زيدا واشتريت العبد إلا ثمة فيباينان الأولين مفهوما ويعمانهما من وجه وجودا وربما يحمل على بعض المسميات فيحكم بعمومهما مطلقا وفي إطلاق المسميات على الأجزاء بعد ولو قيل أريد بالكل في هذه الأمثلة كل واحد من أجزائه لكان العام وتخصيصه بالمعنيين الأولين وفيه ضبطٌ للأقسام وتقليل لانتشار الأحكام واحتراز عن القول بالاشتراك اللفظي الاصطلاحي مع إمكان دفعه كما هو الأسهل محذورا هو الإضمار.
(تتمة) قيل: التخصيص بكل من التفسيرين لا يستقيم إلا فيما يؤكد بكل، وهو ذو أجزاء أو جزئيات يصح افتراقها حسا أو حكمًا ونقض بالنكرة في سياق النفي وأجيب بأن المراد بالتأكيد أعم من الاصطلاحي والملحق به من نحو كل رجل ولم يدفع النقض بالفعل المنفى إلا بتأويل بعيد ينخرم فيه الضيفة.
الثانية: في جوازه في جميع العمومات وقيل يمتنع مطلقا وقال شذوذ لا يؤبه به يمتنع في الخير لنا عدم لزوم المحال لا لذاته ولا لغيره، ووقوعه كما في الأمر والنهي كما أمر في آيتي: ﴿وَأُوتِيَتْ﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿مَا تَذَرُ﴾ [الذاريات: ٤٢]، ولهم أنه كذب في الخبر إذ ينفى، فيصدق، وبداء في الإنشاء وللمفصل القياس على النسخ.
قلنا قيام الدلالة على التخصيص دافع للكذب والبداء وبين التخصيص والنسخ فروق ستعلم.
الثالثة: في أنه في الباقي يعد التخصيص حقيقة أم مجاز والثمرة صحة الاستدلال بعمومه فقيل مبني على اشتراط الاستيعاب أيضًا على أنه حقيقة وهو المختار عندنا أما في
стр. 413
غير المستقل والمستقل المتراخي فمطلقا إذ لا تخصيص فيهما وإما في المقارن فمن حيث التناول ولذا أوجب العمل وأن كان من حيث قصوره عن سائر الأفراد مجازًا بطريق إطلاق اسم الكل على الجزء لأن كلا من الأفراد جزء للعام من حيث العموم وإن كان جزئيا من حيث ماهيته وهو كمذهب إمام الحرمين لولا شموله غير المستقل والمستقل المتراخي عنده، والحق أن غير المستقل دافع لأن تمام الحكم بقيوده والمستقل المتراخي دافع لتمام الحكم قبله لاستقلاله وتقرر تماميته للفصل والمستقل المتصل أعني التخصيص له شبههما، وفيه ثمانية مذاهب أخر:
١ - للحنابلة حقيقة في الكل مطلقًا.
٢ - لأبي الحاجب وغيره مجاز مطلقًا.
٣ - لأبي بكر الرازي حقيقة إن لم ينحصر الباقي بل له كثرة يعسر معرفة قدرها والإعجاز.
٤ - لأبي الحسين حقيقة إن خصص بغير مستقل مطلقا كالأشياء الخمسة ومجاز بمستقل من سمع أو حس أو عقل هو الذي نقله البعض والحق أن المخصص بغير المستقل ليس حقيقة ولا مجازا عنده قاله في المعتمد.
٥ - للقاضي حقيقة إن خص بشرط أو استثناء لا غيرهما.
٦ - لعبد الجبار حقيقة إن خص بشرط أو صفة لا استثناء وغيره.
٧ - أن خص بلفظي متصل أو منفصل.
٨ - للإمام حقيقة في تناوله مجاز في الاقتصار عليه لنافي أنه حقيقة في التناول أو لا لو لم يكن حقيقة لما صح الاحتجاج بعمومه غذ لم يبق عاما ولا ظاهرا في العموم، وقد احتج الصحابة وغيرهم كما سيجيء.
وثانيا التخصيص: لا يغير التناول للباقي على ما كان عليه وقد كان حقيقة بل الطارى عدم تناول الغير، قيل التناول وحده غير التناول مع الغير والموضوع له هو الثاني. قلنا إن أريد أنه الموضوع له من حيث مفهوم العام فممنوع، وإلا كان كلا مجموعيا لا إفراديا وكأن متناولته أجزاء لا جزئياته وليس ذلك محل النزاع وأن أريد من حيث عمومة فسلم لكنه يقتضي مجازيته من حيث الاقتصار لا من حيث التناول وقيل تحقيقه أن من صيغ العموم ما وضع لنفس الشمول ككل وما وضع للماهية مع الشمول كأسماء الشرط والاستفهام وما وضع للماهية التي يعرضها الشمول كاسم الجنس الجمع المعرفين تعريف الجنس، على ثلاثة تعريفات:
стр. 414
فالأول: كالكلي المنطقي.
والثاني: كالعقلي.
والثالث: كالطبيعي.
وهذا الدليل منزل في الثالث والغرض إبطال المجازية في الكل والاعتراض ناظر إلى الأولين دون الثالث لأن تعريف الجنس للإشارة إلى الماهية من حيث هي ففي كل من جزئياتها حقيقة كما قبل التعريف والعموم من المقام كالخطابة وإنما أفاد التعريف الإشارة إلى الجنسية ليضح إطلاقها على القليل والكثير حقيقة.
وفيه بحث:
فأولا: لأن المقام آية كون اللام للعموم وإلا لما أسنده أهل العربية إلى اللام فالتخصيص يعتبر في مفهوم اللام.
وثانيًا: لأن الجنسية إن أريد بها غير العموم والإشارة إلى المفهوم فلا قائل بأن اللام فيما لا عهد لها وإن أريد بها العموم فالجنسية غيركافية في العموم لا سيما عند مشترطي الاستغراق وإلا لكان مثل ماء وزيت منكرًا عاما ولا قائل به وتناول الجمع المحلي بلام الاستغراق المفرد لكون استغراق الجمع مجازا عن استغراق المفرد كما سيجىء.
وثالثا: لأن العموم بعد ما حصل ولو من المقام، فالتخصيص قادح فيه ومغير لموضوعه غايته أن لا يعتبر التجوز في المنطوق من الكلام بل في المقدر المفهوم من المقام.
ورابعًا: أن عند نفس العام من حيث هو حقيقة، ومن حيث عمومة مجازا ليس أمرا يختص بفهم العموم من الوضع الشخصي أو النوعي، أو الوضع المستقل أو الضمني إذ لا حجر في الاعتبار وسببه اعتبار الواضع ملاحظ تصدق المفهوم الكلي على الأفراد ففيه اعتبار كلية المفهوم وهو الأصل واعتبار تعدد الأفراد وهو التبع على أنه لو ورد فإنما يرد على الإمام أما علينا، حيث قك لا مخصص إلا المستقل المقارن فلا إذ لاستقلاله جعلنا العام حقيقة كالمنسوخ ولمقارنته جعلناه كلا مطلقا على البعض كالمستثنى منه فعبر عنهما بجهتي التناول والاقتصار لله در الحنفية في الفرق بين المستقل المقارن وغيره، وثالثا لا يتوقف سبقه إلى الفهم على القرينة إذ الموقوف عليها عدم إرادة المخرج وذلك إمارة الحقيقة.
وفي أنه مجاز من حيث الاقتصار تغير الشمول الذي وضع له صيغ العموم منطوقة أو مفهومة، لابن الحاجب لو كان حقيقة في الباقي لكان مشتركا ولكان كل مجاز حقيقة لأن
стр. 415
ظهوره في الباقي بالنظر إلى القرينة وكل مجاز كذلك، قلنا: لا نعلم الملازمة إما لأن إرادة الاستغراق باقية والمخصص بمنزلة بدل البعض وإرادة الباقي من مجموعهما كما في الاستثناء كأنه يقول لا تقتلوا من جميع المشركين أهل الذمة فلا يلزم الاشتراك وأما لأن الاشتراك أو المجاز أنما يلزم لو لم يكن إطلاقه على الباقي بالوضع الأول وهو ممنوع أما شخصيا فظاهر وأما نوعيا فلان الباقي ليس جزءًا ولا جزئيا معتبرًا خصوصه من حيث تناول مفهوم العام وأما من حيث عمومة فسلم وملتزم ومنه يعلم عدم لزوم كون كل مجاز حقيقة بالنظر إلى مفهوم اللفظ وإن وجد الوضع النوعي العلاقي، للرازى أن معنى العموم فيما لم ينحصر قلنا لا نعلم إذ المعتبر فيه عدم التعرض للانحصار لا التعرض لعدمه وذلك صادق ولوكان الباقي واحدًا وهذا جار في الصيغ منشؤه توهم أن النزاع في لفظ العام كما توهم لأبي الحسين لوكان المقيد بما لا يستقل مجازًا لكان الدال المركب مع شىء الموضوع بمعنى آخر مجازًا فيه كمسلمين والمسلم ولفظ الاستثناء في نصوص الأعداد فإن مجموع المستثنى والمستثنى منه والأداة موضوع لمعناه عندهم بيان اللزوم أن كلا صار يقيده الذي كالجزء لمعنى آخر بخلاف المستقل وحين صار العام مع المخصص شيئًا واحدًا عنده لم يكن العام بانفراده حقيقة ولا مجازا قلنا لا نعلم اللزوم فإن الدال في هذه الأمثلة مجموع المركب وليس فيها مقيد وقيد ولا ريب أن الاستثناء أيضًا كذلك إذا كان مجموع الثلاثة موضوعا لمعناه وليس العام المخصص مثلها، للقاضي ﵀ مثله إلا أن التخصيص في الصفة ليس بها لجواز شمولها لأفراد الموصوف نحو الجسم الحادث والصانع القديم بل من قرينة خارجية عقلية أو حسية أو لفظية ليست جزءًا من الدال وهذا شأن المجاز والغاية والبدل كالصفة قد يشملان المغيا والمبدل.
ولعبد الجبار مثل ما اتفقا عليه لكنه يفرق بين الشرط والاستثناء بأن الاستثناء يخرج من آحاد العموم والغاية في معناه فمعنى أكرم القوم إلا أن خرجوا أكرمهم في جميع الأوقات غلا وقت خروجهم، أما الشرط فيخرج من الحالات والوصف مع الموصوف كشيء واحد لأن الاستثناء عنده ليس بتخصيص لبقاء المستثنى منه على عمومه كما توهم لتصريحه في عمد الأدلة بأنه تخصيص ولأنه إذا لم يكن تخصيصا كان المستثنى منه حقيقة عنده مع أنه مجاز، قلنا: إخراج الحالات يستلزم إخراج الآحاد كما في الأوقات على أنه قد يجيء لصريح إخراج الآحاد نحو أكرم بني تميم إن كانوا من بني سعد وتمسك القائل بأن المخصص باللفظية حقيقة بمثل ما قالوا ضعيف إذ لا يعم المنفصل لعدم كونه كالجزء.
стр. 416
للإمام في أنه مجاز في الاقتصار كما ذكر وحقيقة في التناول ما لنا وزاد أن العام كتعداد إفراده بألفاظها الخاصة لقول أهل العربية إن وضعه للاختصار عنه فيكون المخصص كتعداد بعضها، قلنا: لا كونه كذلك في كل حكم وغرضهم بيان حكمة وضعه إذ المعدد استعمل كل منه في واحد نصا ولا نتغير ذلك بطرح البعض.
وفيه بحث لأن ما تقرر عندهم من أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع تشبيه من الطرف الآخر والتشابه بين الشيئين يقتضي المساواة والظاهر من مطلقها المساواة في أداء المقصود وذلك هو الباقي فيما نحن فيه ولا تغير في أدائه بطرح البعض إلا من حيث الاقتصار.
الرابعة: في أن العام المخصص حجة ظنية فيما بقي كغير المخصص عند الشافعي سواء كان المخصوص معلوما كالمستأمن من المشركين أو مجهولا كأن يقال هذا العام مخصوص وكالربا من البيع إذا لم ينحصر في الأشياء الستة اتفاقا وكسارق ما دون ثمن المجن من آية السرقة، ولذا اختلف فيه وكمواضع الشبهة من نصوص الحدود، وقد اختلف في الشبه المعتبرة وهو المذهب عندنا ولذا استدل أبو حنيفة ﵀ على فساد البيع بالشرط بنهيه ﵇ عن بيع وشرط، وقد خص منه شرط الخيار وعلى الشفعة بالجوار بقوله ﵇: "الجار أحق بصقبه"، وقد خص منه وجود الشريك ومحمد على عدم جواز بيع العقار قبل القبض بنهيه ﵇ عن بيع ما لم يقبض (١) وقد خص منه بيع المهر والميراث وبذل الصلح قبله وخصصه أبو حنيفة ﵀ بالقياس وفيه سبعة مذاهب أخر:
١ - للكرخي وأبي ثور ليس حجة مطلقا.
٢ - ليس حجة إن كان المخصوص مجهولا وإلا فكما قبل التخصيص.
٣ - كما قبله مطلقا؛ لأن المجهول يسقط نفسه.
٤ - للبلخي حجة إن خص بمعلوم متصل وإلا فلا.
٥ - لأبي عبد الله البصري أن أنباء لفظ العام قبله عن الباقي بعده بأن كان الباقي في غير مقيد إنباء المشرك عن الحربي بخلاف السارق عن سارق النصاب عن الحرز فجمعه وإلا فلا.
٦ - لعبد الجبار إن لم يحتج قبله إلى بيان بأن كان ظاهرا كالمشرك في الذمي لا مجملا
стр. 417
كالصلاة في الحائض ولذلك بينه بقوله ﵇: "صلوا" الحديث فحجة وإلا فلا.
٧ - حجة في أقل الجمع من اثنين أو ثلاثة على الرأيين وهذه الأربعة كالباقي متفقة في أن جهالة المخصوص قادحة في الحجية.
لنا في حجيته أولا احتجاج الصحابة وغيرهم به حتى شاع ولم ينكر فكان إجماعا احتجاج فاطمة ﵂ في ميراثها من أبيها على أبي بكر بعموم آية الميراث وقد خص مد صور الموانع فقرره وعدل إلى قوله ﵇ "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" واحتجاجهم في الربا ولا حدود وغيرها مما مر.
وثانيا: أنه كان متناولًا للباقي والأصل بقاء تناوله وهذان ينتهضان على الكل. وثالثا: على غير البصري وعبد الجبار أنه إذا قال أكرم بني تميم وأما بني سعد منهم فلا تكرم فترك إكرام غيرهم عد عاصيا فدل على ظهوره فيه، أما الاستدلال بأنه لو كانت إفادته للباقي موقوفة على إفادته للآخر لزم أما الدور أو التحكم فوقوع بأنه دور معية كما بين أبوة زيد وبنوة ابنه وقيام اللبنتين المتساندتين وليس ذا بمحال وفي ظنيته الإجماع على جواز تخصيصه بالقياس والآحاد والتخصيص بطريق المعارضة فهو أدنى من الآحاد وسره كونه غير محمول على ظاهره الذي كان وسببه أن جهالة المخصوص أو احتمال تعليله إلا عند الجبائي قدح فيه وتحقيقه كما مر أنه يشبه الاستثناء بحكمه من حيث بيانه عدم الدخول تحت الجملة أي من حيث أنه دافع لا رافع لاتصاله والناسخ بصيغته من حيث استقلالها المقتضي لكونه رافعًا لا دافعًا فلابد من العمل بالشبهين في المخصص المعلوم والمجهول.
فالمجهول يوجب جهالة العام كهى في المستثنى أو سقوط نفسه كهى في الناسخ فلا يسقط العام الثابت بالشك ويدخله الشبهة الأول والمعلوم يوجب قطعية العام كهو في المستثنى الغير المحتمل للتعليل لكونه عدما أو جهالة فيما بقى لاحتمال تعليله من حيث استقلاله الناسخ فلا يسقط حجيته بالشك لكن يدخله شبهه للأمر الثاني وليس المراد تشبيهه بالناسخ في احتمال التعليل فإنه لا يحتمل التعليل لإخراج شيء من الأفراد الباقية بالقياس لأن الناسخ رافع فلو علل لكانت علته أيضًا رافعة ولن يصح رفع حكم النص بالقياس بخلاف التخصيص فإنه دافع والدفع بيان أنه لم يثبت والقياس يصلح له وهذا معنى أن النسخ بطريق المعارضة لا التخصص وعن ذا لزم فرق آخر أن العام فيما بقى من التخصيص ظني ومن النسخ قطعي واندفع الطعن في تعليل دليل الخصوص بأنه يشبه الناسخ أو الاستثناء وكلاهما لا يعلل إذ المخصص ليس رافعا ولا عدما.
стр. 418
نظائر الثلاثة من الفروع
للاستئناء بيع الحر والعبد أو الحي والميت أو النحل والخمر أو الذكية والميتة ونحوها بثمن فإنه كبيع عبدين بألف إلا هذا بحصته منه حيث لم يدخل الحر في البيع سببه وحكمه ابتداء وبقاء ففسد لأمرين:
١ - كون البيع بالحصة ابتداء كبيع عبد بحصته من ألف موزع عليه وعلى آخر وذلك لايجوز بخلافه بقاء كما في نظير النسخ.
٢ - الشرط المخالف لمقتضى العقد وهو صيرورة ما ليس بمبيع شرطا لقبول المبيع كبيع الحر والعبد صفقة بثمنين فاسد عنده خلافا لهما وللنسخ بيع عبدين وبألف وموت أحدهما قبل التسليم حيث دخل البيت تحت البيع ثم ارتفع فلم يفسد بيع الآخر؛ لأن كونه بيعا بالحصة بقائي والجهالة الطارية لا تفسد وكذا لوكان أحدهما مدبرًا أو مكاتبًا أو أم ولد فإن الدخول في العقد باعتبار الرق والتقوم الموجودين فيهم.
ولذا جاز بيعهم من أنفسهم ونفذ القضاء ببيع المدبر مطلقا وأم الولد إلا عند محمَّد ﵀ وجاز بيع المكاتب من غيره أيضًا برضاه في أصح الروايتين فامتناع الحكم بقائي لاستحقاقهم أنفسهم كاستحقاق الغير وللتخصيص بيع عبدين بثمن مع الخيار في أحدهما فإنه لكون الخيار مؤثرا في الحكم دون السبب تيسيرًا لأمر الخطر يشبه النسخ من حيث دخوله في السبب وتصح الصور الأربع من هذه الجهة لأن البيع بالحصة بقائي ويشبه الاستثناء من حيث دخوله في الحكم ولا يصح شيء منها من تلك الجهة لكون غير المبيع شرطا لقبوله فيما علم محل الخيار وثمنه وله وللجهالة في الثلاثة الباقية ولابد من العمل بالشبهين فصح إن علمًا بشبه النسخ لعدم إفضائه إلى المنازعة ولم يعتبر اشتراط الفاسد بخلاف بيع الحر والعبد في صفقة بثمنين عنده؛ لأنه مبيع يشبه النسخ وهو اعتبار السبب وفسد إن جهل أحدهما أو كلاهما يشبه الاستثناء لإفضائه إليها.
للكرخي أن دليل الخصوص مجهولًا يوجب الجهالة كالاستثناء ومعلوما يحتمل التعليل لاستقلاله فلا يدرى قدر الباقي بخلاف الاستثناء وفيه ترك لأحد الشبهين في كل من الشقين وإبطال لليقين بالشك فيهما ولا أن التعليل يوجب الجهالة إذ ما وجد فيه العلة يخص وما لا فلا وللثاني أنه كالاستثناء، وللثالث أنه كالنسخ في كل منهما ترك لأحد الشبهين على التكافؤ ولا يخفى وجوه الأقوال الآخر وأجوبتها مما مر، نعم لمنكري حجيته وجه كلي هو أن ليس بعد الحقيقة دليل على تعين أحد المجازات والمجمل ليس حجة بدون البيان ولمعين أقل الجمع أنه المتيقن.
стр. 419
قلنا: لعدم التعين الشك في الباقي لما مر من أدلة الظهور.
المقام الثاني في ألفاظ العموم
وفيه مباحث:
الأول: في تقسيمها هي قسمان عام بصيغة ومعناه وهو مجموع اللفظ متناول المعنى تناول دلالة لا احتمال أو مستغرقه كان له واحد من لفظ كالرجال أو لا كالنساء وعام بمعناه فقط وهو مفرد اللفظ ومتناول المعنى أو مستغرقه، إما للمجموع من حيث هو بمنزلة الجمع كالرهط والقوم والجن الإنس والجميع أو لكل واحد على الشمول أو على البدل فقوله الرهط الذي يدخل الحصن كالرجال يوجب للجميع نفلا واحدا لا لواحد المنفرد ومن دخل لكل داخل منفرد ومجتمع ومن دخل أولا لكل منفرد سابق لا للآخرين ولا وجود للعام بصيغته فقط إذ لا عموم حين إذ.
الثاني: أن الأوليين أعنى الجمع وما في معناه اسم للثلاثة فصاعدا للاعتبار الاجتماع أو الاستغراق ولا يطلق على ما دونهما إلا مجازا لأن أقل الجمع ثلاثة فلو حلف لا يتزوج نساء لا يحنث بامرأتين وعند البعض يصح لاثنين حقيقة وقال الإِمام يصح لاثنين وواحد بأن أراد مجازا فذلك وإلا ففاسد النزاع في نحو رجال ومسلمين وضربوا وأضربوا لا لفظ (ج م ع) ولا في نحو نحن فعلنا ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، لنا: في أنه ليس حقيقة فيما دون الثلاثة أو لا مبادرة الذهن عند سماعها إلى الزائد على الاثنين.
وثانيا: إجماع أهل اللغة في اختلاف صيغِ الواحد والثلاثة والجمع وفي أنه يصح مجازا إطلاقه على الاثنين في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]، وعلى الواحد في قوله تعالى ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وفيه بحث سيجيء، وفيهما قول ابن عباس لعثمان رض الله عنهما ليس الإخوان إخوة في لسان قومك فقال: لا انقض أمرا قبلى وتوارثه الناس فقرره وعدل إلى الإجماع على خلاف الظاهر، أما أن للاثنين حكم الجمع في الإرث استحقاقا وحجيا والوصية إجماعا في الكل واستدلالا بالآية في استحقاق الإرث وإلحاقا للآخرين به فليس من إطلاق اللفظ في شيء.
لمدعي الحقيقة في الاثنين أو فيه وفي واحد:
أولًا: الإخوة والناس والأصل الحقيقة.
وثانيا: مستمعون في ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]، والمراد موسى وهارون.
وثالثا: قوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة" فيطلق ما وضع للجماعة عليهما ولا ينافيه أن ليس النزاع في (ج م ع) كما توهم.
стр. 420
ورابعا: أن في المثنى اجتماعا قلنا الأدلة السالفة اقتضت ارتكاب الحمل على الجماعة الشرعية المعتبرة في سنة تقدم الإمام أو حصول فضيلتها وتكمل بالإمام في غير الجمعة وبثلاثة سواء فيها والفرق أن كلا من الإِمام والجماعة شرط في أدائها فلم يعتبر مع الآخر بخلاف سائر الصلوات لا على اللغوية التي فيها النزاع؛ لأنه ﵇ بعث لتعليم الشرع أو على اجتماع الرفقة بعد قوة الإِسلام كما في قوله ﵇: "الواحد شيطان والاثنان شيطانان والجماعة ركب" (١) وسره تحقق الاتفاق في اجتماع الثلاثة لاندفاع تعارض الفردين بالثالث، ولذا جعل الثلاثة في الشرع حدا في إبلاء الأعذار كما في الأسئلة الثلاثة لموسى علية السلام ومدة السفر ومسح المسافر وخيار الشر وغيرها وتسمية الدال على ما فوق الاثنين جمعا للاجتماع لا يقتضي تسمية كل ما فيه اجتماع به كالقارورة.
لنا: في المجازية أيضًا قول ابن عباس ﵁ ليس الأخوان إخوة وأنه لا يجوز رجلان عالمون ورجال عالمان.
قلنا: الأول معارض بقول زيد الأخوان إخوة فالتحقيق نفي الحقيقة واثبات المجاز. والثاني: ممنوع لزومه إذْ ربما أوجبوا مراعاة صورة اللفظ والمعنى به أن يكون في كلا الصفة والموصوف أشعار بالاثنينية، أو ما فوقها فلا يعد فيه بناء على جواز زيد وبكر وعمر والعالمون كما توهم، ويؤيده ما يقرر أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع أو ممنوع بطلان لازمه أن لم يجب تلك المراعاة.
الثالث: أن الأولين إذا دخلهما لام الجنس وإضافته يطلق على الواحد مجازًا حيث يحنث في لا يتزوج النهياء ولا يكلم بني آدم بالواحد ولو أوصي بشيء لزيد وللفقراء نصف إذا لم يرد العهد أو الاستغراق المجموعي كالمفرد العرف بلام الجنس فيقع على الأدنى ويحتمل الكل مع النية وحينئذ يعم عموم المفرد كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، ويخص خصوصه وهذا لا ينافي ما قال أهل العربية أن متناول الجمع الغير المعهود مستغرقا جميع جمل الجنس لا وحدانة ولا مستغرقا جملة واحدة إذ أفراد الجمع الجمل وإذ فيه رعاية صيغة الجمع ومعناه فإن وضعها للحقيقة المتعددة لا لمطلق الحقيقة وفرعوا عليه أن استغراق المفرد أشمل في الإيجاب والسلب فالكتاب والملك أعم من الكتب والملائكة وأنه في المقام
стр. 421
الخطابي يحمل على جميع الأفراد بجعل كل فرد درجا في جملة وفي الاستدلالي على الثلاثة وذلك لأن كلامهم بناء على حقيقة فيجوز العدول عنه عند التجوز، ويدل على صحته ووقوعه النص والعرف والدليل، أما النص والعرف فنحو ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، والخيل والبغال والحمير ونحو فلان يحب النساء ويخالط النساء وقوله لمريده البروزا تتبرجين للرجال وأما الدليل فلأنا لو بقيناه جمعًا لغي تعريف الجنس أصلًا للمنافاة بين إرادة الحقيقة من حيث هي وإرادة أفراد المفرد الواجبة في الجمع ولو جعلناه لجنس الفرد مجازا عملنا بالجمعية من وجه لأن إرادة أفراد المفرد محتمله فيه وإن لم يكن واجبه وأعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إهمال أحدهما أو لأن الجمعية تقتضي التعدد ورفع الإبهام فبينهما منافاة أما الجنس فهو لمعرف من بين الأجناس الجامع لأفراده كما سيجيء، لا يقال في تبقية الجمع أعمال للحقيقتين معا من كل وجه، لأن جنسية الجمع في تناول الجمل تناول احتمال كما أن عهديته في اختصاصه بجملة واستغراقه في تناولها تناول دلالة، وأيضًا لو تم هذا لم يكن جمع ما عرف بلام الجنس مستعملا في حقيقته وهو باطل لغة لتنصيص أئمتها وشرعا بحمله على الثلاثة في خالعنى على ما في يدي من الدراهم والعشرة في لا أكلمه الأيام والشهور عند أبي حنيفة ﵁ والجمعة والسنة عندهما لأنا نقول وضع الجمع للمتعدد من حيث أنه أفراد جنس المفرد لا من حيث هو إفراد الجمع ولذا لو أريد بمنكره المجموع أو الثلاثة فقط صح ولا من حيث هو متعدد مطلقا بخلاف ألفاظ العدد ولذا صح إرادة الواحد في إن تزوجت النهياء لا في ثلاث نسوة أو الثلاث منها، وإذا وجب بحسب وضعه ملاحظة الجنسية في مفهوم مرده والفردية في مفهوم نفسه لم يناسب اعتبار جنسية أخرى في تناول الجمل كيفا وصدقه على جميع الجمل إن علم هو من حيث هي جملة واحدة أما العهد والاستغراق فيلائمان وضعه لأن الملاحظ فيهما الفردية لا الجنسية فالله در علمائنا في تدقيق الأنظار وتحقيق الأسرار وهذا يقتضى أولوية الحمل على المجاز مع لام الجنس لا مطلقا كما يؤيد أشهرية استعماله في الكتاب والسنة وغيرهما ولا يقتضى نفي الحقيقة لجوازيتها فإنها شأن الحقيقة المكثورة واللام في المسائل المذكورة ليست للجنس بل للعهد الخارجي الحقيقى لما تقدمه من قال في مسألة الخلع والتقديري في الأخرين، وذلك أيام الجمعة وشهور السنة عندهما لثلاثة فصاعدا إلى العشرة عنده لأن مميز ما فوقها مفرد وقالت الشافعية قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، يقتضى أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع أموالهم ولا يكفي أخذ واحدة من جملتها وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، الآية
стр. 422
يقتضي صرفها إلى ثلاثة من كل نوع ولا يكفي الصرف إلى واحد من الجملة.
أما الأول: فلأن المال من اسم الجنس الذي يطلق على القليل والكثير كالماء والعلم وقد يسمى جنسا ومثله إذا جمع يراد به الأنواع لا الأفراد ولذا، قال في الكشاف في جمع العالمين ليتناول كل جنس ما سمي به ومعنى العموم تناول كل واحد من الجزئيات المرادة فعموم مثله تناول كل نوع.
وأما الثاني: فلأن الفقير مما لا يطلق على الكثير كالرجل وجزئيات جمعه الجمل لا آحاد الفقير وحين لم يصح الاستغراق مرادا حمل على الجنس وإرادة جزئي من جزئيات الجنس هو أقل ما يطلق عليه لأن الأصل براءة الذمة وهو ثلاثة من كل صنف كما لو أوصي لهم.
قلنا فيهما بحث من وجوه:
١ - أن عموم الجمع استغراق عندهم استغراق مراتب المجموع فإذا أريد بالأموال أنواعه يكون المراد حمل الأنواع التي أقلها ثلاثة فلا يجب الأخذ من كل نوع ولا من جميع الأنواع بل من كلا ثلاثة أنواع مثلا ولا قائل به وهو المراد بأن استغراق كل واحد أي نوعي أمر زائد على عموم الجمع، قيل: لما اشتمل كل نوع على الآحاد وجد استغراق الجمل قلنا لا بد من استغراق جمل وفرد الجمع وهو النوع حينئذ والحق أن مرادهم بقصد الأنواع المختلفة قصد أفراد تلك احترزا عن قصد أفراد نوع واحد فالاستغراق إن علم هو لجمل الأفراد وإن كان باعتبار الأنواع لا لجمل الأنواع فضلا عن كل نوع.
٢ - أن تناول الجمع المعرف بلام الجنس للجمل حقيقة مكثورة علمًا وشرعًا كما مر، فيحمل على جني المفرد لأن بين الجمعية وجنسيتها تنافيًا لا على الجميع إذْ من الأموال ما لم تجب فيه الصدقة إجماعا غير أنه مجمل في مقدار الصدقة ومقدار ما فيه الصدقة فبينتها السنة وكذا في المصارف لامتناع الصرف إلى الجميع فيحمل على جنس المفرد فلا يجب أكثر من أقل ما ينطلق عليه الجنس وهو الواحد، ثم الزكاة حق الله تعالى والآية لبيان علة الصرف وهي الفقر وإن اختلف جهاته فعند تحققها يحصل المقصود ولو في صنف واحد لا للاستحقاق بخلاف الوصية.
٣ - ما مر أن عموم الجمع استغراق الجميع ولذا فرق بين للرجال عندي درهم ولكل رجل فألزم في الأول واحد وفي الثاني دراهم بعدة الرجال، وكذا بين للرجال الداخلين الحصين ولكل رجل فلئن سلم أنه للاستغراق لا يقتضي الأخذ من كل نوع ولا من كل
стр. 423
فرد فيحتاج إلى تخصيص القليل أو بعض الأنواع بالإجماع.
فروع مرتبة على أصول ممهدة:
فالأصول أن حقيقة اللفظ لغوية كانت كالواحد في لا أشرب الماء، أو عرفيه وشرعية كهو في الجمع المعرف لما مر من أولويته عند عدم العهد والاستغراق أن ثبتت بلا نية فنيتها تصدق ديانة وفضاء، وأن كان حقيقة لا تثبت بلا نية فكذا خلافا لأبي قاسم الصفار فإنها عنده كالمجاز أي إن كان فيه تغليظ يصدق فيهما وإلا فديانة فقط أمانيه ما لا يحتمله ومجازا فلا تصدق أصلًا.
والفروع أنه ينحث هذه المسائل عند تعريف الجنس بالواحد بلا نية إذ لا عهد ولا دليل على الاستغراق المجموعي بل على عدمه وهو أن هذا اليمين للمنع والظاهر أن لا يمنع إلا ما يكمن، وتزوج جميع النساء غير ممكن كما في ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، بخلاف ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فإنه عندنا لسلب العموم لا لعموم السلب كما ظنت المعتزلة لامتناعه عندهم إذ لا تمدح به بل بتخصيصه بعد الإمكان بالخواص أو بنفي الإحاطة حملا للإدراك على الرؤية الخاصة فإن نوى الكل يصدق قضاء وديانة ذكره شمس الأئمة ولا قضاء عند أبي القاسم وقيل لا ينعقد عند إرادة الكل لعدم التصور كما في لا شربن الماء في الكوز ولا ماء فيه وهو فاسد لأن البر ها هنا عدم التزوج مثلا وهو متصور فينعقد في لا أتزوج وفي أن تزوجت بخلاف لأتزوجن وإن لم أتزوج والمنكر نحو لا يتزوج نساء على الثلاثة عند تعذر الكل لعدم الجنسية فإن نوي الزيادة ينوي فيهما لأنها موجبة وكذا إن نوي الواحدة يصدق فيهما اتفاقا لأنها محتمل فيه تغليظ، إلا عندنا في المجازية أيضًا إذ لا يحتملها عنده كما في ثلاث نسوة ولا يصدق نية المثني أصلًا لا في المعرف ولا في المنكر إذ شأن العام أن لا يتعرض للعد المحض بل للذات مع صفة العموم أو الخصوص فلا يحتملانه كما إذا حلف لا يشرب ماء البحر حنث بشرب قطرة وله نية الكل لا نية الرطل منه.
الرابع: أن الجمع المنكر عام يصح التمسك بعمومه عند المتأخرين من مشايخنا المكتفين بالاجتماع وعند المشترطين للاستغراق ليس من صيغ العموم إلا عند الجبائي، لنا أنه مع جواز صدقه على جميع الأفراد ضر به حقيقة بخلاف المفرد المنكر لو حمل على بعض مراتب المجموع لكان تحكما كما قال أئمة العربية في الجمع العرف في المقام الخطابي وكلا منافيه إذ المقصود تحصيل الظن، قيل التحكم في الحمل على عدم الجميع لا في عدم الحمل على الجميع، فإن حكم بعدم صلوحه له جاء التخصيص وإن حكم
стр. 424
بصلوحه له حقيقة كان حمله عليه أولى لاندراج سائر الحقائق التي نسبة الحقيقة إليها على السوية تحته ولا يعارض ذلك بأن أقل ما ينطلق عليه متيقن لأن طلب التيقن في المقام الاستدلالي كالإقرار، وكلامنا في الخطابي مع أن تيقن الأقل يعارضه الاحتياط في الكل بل التحقيق إن وجب حمله على الكل ما لم يصرف صارف لأن كون نسبة مفهوم الجمع إلى جميع أفراده على السوية يقتضي أن يتعلق حكمه بجميع أفراده وليس ذلك إلا بالحمل على فرد يندرج سائر أفراده تحته وليس للمفرد ذلك لفرد إلا في الجنس، وسيجيء مثله فيه ومجرد كون الأصل براءة الذمة لا يعارض الظاهر إجماعا وإلا لم يثبت بالظاهر شيء، أما وقوعه على الثلاثة في نحو أن اشتريت عبيدا فلأن عدم الإمكان صارف عن الكل وبعد الكل لا يتخطى عن القليل بلا دليل والفرق بين جمع القلة والكثرة للنحاة فإن مرمى غرضنا المراد العرفي لا اللغوي يدل عليه مسائل الوصية والإقرار كاعتقوا عبيدًا ولفلان دراهم يحمل على ثلاثة مع أنهما جمع كثرة وما يقال من أن جميع الأفراد ليس عاما بالمعنى المتنازع فيه ممنوع لما مر أن المعتبر مسميات معروض العموم وهو مفهوم المفرد لا مسميات نفس العموم ولا المجموع وإلا لم يكن كل إنسان ونحو من ما عاما إذ لا يصدق باعتبار عمومها على فرد واحد قالوا رجال في صلوحه لكل عدد فوق الاثنين كرجل بين الوحدان وإذ لو فسر بالثلاثة صح اتفاقا قلنا قد وضح الفرق والتفسير قرينة العدول عن الظاهر.
الخامس: في صيغ نفس العموم منها تعريفا اللام والإضافة في المفرد والجمع والأصل فيهما عند الأصوليين العهد إما خارجيا حقيقيا نحو جاءني رجل إن كلمت الرجل أو تقديريا نحو إن كلمت الأمير إذا لم يكن في البلد إلا أمير واحد وإما ذهنيا نحو إن كلمت اللئيم يسبني ثم الاستغراق عند جمهورهم حقيقيا كان نحو ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ٢]، أو عرفيًّا نحو لئن جمع الأمير الصاغة، ثم تعريف الجنس لأن الإقدام في هذا الترتيب أفيد والإفادة أولى من الإعادة وعند أئمة العربية الأصل تعريف الجنس لأن وضعهما للإشارة إلى مفهوم ما دخلا عليه والعهد والاستغراق مجموعيا في الجمع وأفراديا في لمفرد إلا إذا تعذر الحمل وهو مذهب جمهورهم فيقع على الكل ويحتمل الأقل مجازا أو حقيقة على الخلاف وإذا تعذر يحمل على الجنس وعند أئمة اللغة وبعضهم على الجنس مطلقا إلا أن حكم الجنس أيضًا عند الأوليين أن يقع على الكل غلا عند تعذره فيقع على الأقل ويحمل الكل مع النية.
وعلى المذهب الأخير حكم الجنس أن يقع على الأقل ويحتمل الكل وإن كان حقيقة
стр. 425
فيهما وهو مذهب فخر الإسلام وأبي زيد الدبوسي مع اتفاق الأصوليين في صحة العموم ولذا اتفقوا على أن شيئًا من أصناف الجنس نحو لا أشرب ماء أو الماء أو ماء البحر أو مياه البحر أو المياه، لا يحتمل ما بين القطرة والكل أصلا كالقطرتين الرطل لما مر أن شأن العام أن لا يتعرض للعدد المحض بل للذات والصفة والتحقيق أن لا خلاف في أن للمعرف لا للعهد صحة العموم كان مفردا أو جمعا مجازا عنه ولا في أن للمقام مدخلا في كونه للعموم أما الأول فلصحة الاستثناء نحو أن الإنسان الآية وضربي زيدا إلا في وقت قيامه، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ﴾ [النور: ٤، ٥]، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ﴾ [الحجر: ٤٢]، الآية وقد استدل على عموم الجمع المعرف بأن تعريفه حين لا عهد لا يكون للماهية لأنه جمع ولا أولوية لبعض الأفراد وعليه نقض إجمالي بالجمع المنكر مع أنه قائل بعدم عمومه وتفصيلي في أنه لا يكون للماهية في نحو ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨]، ولئن كان مجازا فالمجاز المشتهر أفيد للظهور الذي له نجهد كل الجهد.
وأما الثاني فلوجوب عدم قرنية العهد وصلاحيته للعموم بل الخلاف في أن الجمهور تجعل العموم أصلًا في الجنس الحقيقى والمجازي وعند تعذره يصرفه إلى الأدنى بلانية اتفاقا لا إلى الكل إلا بها أما عند فخر الإِسلام ومن تبعه فلأن الجنس أوالى ومن الجنس الواحد الحقيقي أعلى وأما عند الجمهور فلظاهر الصارف عن الكل وهو كون المنع باليمين عما هو ممكن وها هنا لا إمكان في الكل اللغوي، ولو في الطلاق ومن أمثلته المرأة التي أتزوجها طالق لأن تعليق الحكم بالمبهم المعين بالوصف العام يفيد تعليقه بذلك الوصف وذلك يصح عندنا بخلاف هذه المرأة فإن تعريفها بأبلغ جهته لا بالوصف فيتنجز إن كانت مملوكة وكذا نظائره.
ومنها: كل وكلما والجميع وما في معناه فكل لإحاطة الأفراد على الأفراد فيما أضيف إليه المحقق أو المعذور بأن يعتبر كل فرد كان ليس معه غيره فالمحقق نحو ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، والمقدر نحو ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، لكن بحسب المفهوم سواء لم يوجد في الوجود ما يصدق عليه نحو كل عنقاء طائر أو يوجد فرد واحد نحو كل من دخل هذا الحصن أولا وقد دخلوا فرادى أو متعدد كهو وقد دخلوا معًا حيث يستحق كل نفلًا موصولًا كان من أو موصوفًا كما سيظهر لأن الأول الحقيقي وهو الفرد السابق على غيره لما لم يوجد بخلاف المسألة السابقة حمل على الاعتباري وهو المعتبر كأن ليس معه غيره السابق على المتخلف الداخل بعد ولو قال ها هنا من دخل أو لا بطل النفل والفرق أمران: