كما على ذلك برهة فتبين لنا خطأه وذلك لأن المساواة لو كفت في تكرار الوسط لكان زيد ناطق وكل إنسان حيوان قياسًا منتجًا لزيد حيوان وليس كذلك بالاتفاق لعدم تكرر الوسط والجواب لنا بالفرق أن الوسط فيما نحن فيه مفهوم واحد تعلق به السلب في الصغرى والكبرى غير أنه اعتبر في الكبرى ثبوت ذلك السلب أيضًا بخلاف صورة النقض فإن الناطق الإنسان مفهومان متغايران والتحقيق أن الأوسط كما تكرر باعتبار ما ذكرناه فقد تعدد بسبب اعتبار ثبوت السلب في الكبرى دون الصغرى وإن لزمه فمن اعتبر في القياس الاستلزام الذاتي المفسر بما لا يكون بواسطة مقدمة يخالف حدودها حدود القياس لم يقل بتكرره ها هنا ومن لم يعتبره أو فسره بعدم التخلف كما مر قال بتكرره وهو الحق ومن ها هنا يعلم إن تكرر الأوسط شرط للإنتاج في كل شكل لرجوع جميعه إلى الشكل الأول لا كما ظنه بعض الأفاضل من أنه شرط للعلم بالإنتاج كشروط الاقتران الشرطية أما قياس المساواة فالحق أن الأوسط متكرر فيه بالحقيقة لأن قولنا (أ) مساو لـ (ب) و (ب) مساو لـ (ج) ومساوي المساوي مساو في قوة قولنا (أ) مساو لمساوي (ج) وكل مساوي (ج) (فا) مساو لـ (ج) وكون تعقل النتيجة عند تعقل القول الأول حاصلًا بدون تكرر الوسط لا ينافيه بناء على ما مر من أن ملاحظة الشيء لا تستدعي التعبير عنه، الشرط الثاني بحسب الكم كلية الكبرى حقيقة أو حكمًا كما في الشخصية ليعلم اندراج الأصغر فيه إذ لو كانت جزئية جاز أن يكون البعض المحكوم عليه بالأكبر من أفراد الأوسط غير الأصغر لا يقال اشتراط كلية الكبرى يقتضي كون الاستدلال بهذا الشكل دوريًا لأن العلم بكلية الكبرى موقوف على العلم بثبوت الأكبر لكل من أفراد الأوسط أو سلبه عنه التي منها الأصغر فلو توقف العلم بثبوته للأصغر أو سلبه عنه عليه دار لأنا نقول لا نم توقف العلم بكلية الكبرى على ذلك فإن من شأن الحكم أن يختلف العلم به باختلاف أوصاف الموضوع فيجوز أن يكون ثبوت الأكبر أو سلبه معلومًا لمن يتصف بالأوسط كان من كان دون من يتصف بالأصغر بخصوصه كالحدوث للمتغير والعالم فيستفاد هذا من ذاك لا بالعكس وأما الاعتراض على كلا الشرطين بأن الإنتاج متحقق بدونهما لا شيء من (ج) (ب) وبعض (ب) (أ) بالنسبة إلى بعض (أ) ليس (ج) لأن نقيضه منضمًا إلى الصغرى ينتج مناقض الكبرى ففي غاية السقوط لأن تعين الأشكال يتعين موضوع المطلوب ومحموله والشكل بالنسبة إلى المطلوب المذكور ليس أول بل أربع وبحسب هذين الشرطين حذف السالبتان صغرى
стр. 72
مع الأربع كبرى والموجبتان صغرى مع الجزئيتين كبرى أو حصل الموجبتان صغرى مع الكليتين كبرى فضروبه المنتجة أربعة هي الاستدلال بثبوت الأوسط لكل الأصغر أو بعضه وكل منهما مع ثبوت الأكبر لكل الأوسط أو سلبه عن كله على ثبوت الأكبر لكل الأصغر أو سلبه عن كله أو ثبوته لبعض الأصغر أو سلبه عن بعضه وترتيب الضروب باعتبار شرف النتائج أو شرف أنفسها.
الجزء الثاني في الشكل الثاني
وحاصله حمل محمول واحد على متغايرين ليحمل أحدهما على الآخر ولإنتاجه شرطان: الشرط الأول: بحسب الكيف اختلاف مقدمتيه بالإيجاب والسلب ولذا لا ينتج إلا سالبة ولبيانه مقدمة هي أن مخالفته للأول لما كانت في الكبرى وجب أن يعكس إحدى مقدمتيه وتجعل كبرى الشكل الأول وتلك صغرى هذا الشكل في الضرب الثاني والكبرى في البواقي لكن في الرابع عكس النقيض على أحد الطريقين وعكس لازمها مستقيمًا على الطريق الآخر وكل منهما أولى من الآخر بوجه فالأول لقصر المسافة والثاني لمراعاته كحدود القياس فيكون طريقًا متفقًا عليه قيل الثاني أيضًا عكس النقيض للملزوم على مذهب المتأخرين فالأول أولى مطلقًا وليس بصحيح لأن المعتبر عكس اللازم لا الملزوم وقيل: أيضًا كل من الطريقين مبني على جعل الصغرى السالبة في حكم الإيجاب أما قبل صيرورتها صغرى الشكل الأول أو بعدها وفيه أيضًا بحث لأن حكم الإيجاب أن أعطى قبل الصيرورة صار الضرب الرابع يحسب الطريق الثاني موجبتين مع الملزوم وضربًا ثالثًا مع اللازم وبحسب الطريق الأول موجبتين وإن أعطى بعد الصيرورة حصل النتيجة بحسب الطريق الثاني موجبة سالبة المحمول فيحتاج إلى أخذها في قوة السالبة المحصلة إلا أن يؤخذ عكس النقيض على مذهب المتأخرين وليس بمناسب وينقدح منه طريقة أخرى هي أن يوضع لازم الكبرى موضعها فيكون الصغرى موجبة سالبة المحمول والكبرى سالبة كلية ويحصل الثالث من هذا الشكل ومن الجائز رد الضرب إلى أجلى منه قد علم إنتاجه إذا تقررت فنقول إن لم تختلفا فإن كانتا موجبتين فعكس ما يعكس منهما جزئية لا يصلح لكبروية الشكل الأول وبتعين الموضوع يصير الجزئية كلية لكن الأوسط لا يتكرر وإن كانتا سالبتين يصير صغرى الأول سالبة وعند جعلها موجبة سالبة المحمول لا يتكرر الأوسط لأن الأكبر مسلوب عما يثبت له عين الأوسط لا سالبة.
стр. 73
الشرط الثاني: بحسب الكمية كلية إذ لو كانت جزئية لا تصلح لكبروية الأول وقلب الجزئية بعد عكسها يجعل القياس شكلًا رابعًا ومع هذا لا بد من كليتهما في رده إلى الأول وعكس الصغرى لا بد من جعله كبرى ليرجع إلى الأول فلا بد من عكس النتيجة ليحصل المطلوب لكن النتيجة حينئذ سالبة جزئية لا تنعكس ولما كان كبرى الشكل الأول الذي يرتد إليه عكسًا كليًا لم يكن إلا عكس السالبة الكلية لأن السالبة الجزئية لا تنعكس الموجبة جزئية فلم يكن نتيجة إلا سالبة هذا في العكس المستوى وأما عكس النقيض فربما يكون عكس الموجبة، ولكن سالبة أو في حكمها كما في الطريق الأول للرابع وبحسب هذين الشرطين سقط الموجبة الكلية صغرى مع الموجبتين والجزئية السالبة كبرى والكلية السالبة صغرى مع السالبتين والموجبة الجزئية كبرى وكذا الجزئية الموجبة مع الموجبتين والجزئية السالبة مع السالبتين والموجبة الجزئية أو حصل الموجبتان صغرى مع السالبة الكلية الكبرى والسالبتان مع الموجبة الكلية فضروبه المنتجة أربعة وهي الاستدلال الأوسط لكل الأصغر وسلبه عن كل الأكبر أو بسلبه عن كل الأصغر وثبوته لكل الأكبر على سلب الأكبر عن كل الأصغر أو بثبوت الأوسط لبعض الأصغر وسلبه عن كل الأكبر أو بسلبه عن بعض الأصغر وثبوته لكل الأكبر على سلب الأكبر عن بعض الأصغر وقد مرت الإشارة إلى أن بيانه في الأول والثالث بعكس الكبرى وفي الثاني عكس الصغرى وجعلها كبرى ثم عكس النتيجة وفي الرابع بعكس النقيض للكبرى أو بعكس الاستقامة للازمها.
تتمتان
الأولى: أن بيان الإنتاج ربما يكون بالخلف ففي هذا الشكل يجعل نقيض النتيجة لإيجابه صغرى والكبرى لكليتها كبرى لينتج من الأول مناقض الصغرى ولتقريبه وجوه:
١ - أن نقيض النتيجة مع الكبرى يستلزم نقيض الصغرى واللازم منتف فينتفي المجموع وانتفاؤه ليس بانتفاء الكبرى لأنها حقة بل يكذب نقيض النتيجة فالنتيجة حقة.
٢ - صدق القياس مع نقيض النتيجة يستلزم اجتماع النقيضين وهما صدق الصغرى لأنها جزء القياس وكذبها لأن نقيض النتيجة مع الكبرى يستلزمه واللازم منتف فيتبقى المجموع لكن القياس صادق فكذب نقيض النتيجة.
٣ - بين صدق المقدمتين ونقيض النتيجة منع الجمع إذ لو اجتمعنا يلزم نقيض الصغرى ومنع الجمع بين شيئين يستلزم ملازمة صدق أحدهما كذب الآخر فصدق
стр. 74
المقدمتين يستلزم كذب نقيض النتيجة، وإذا لزم كذبه لزم صدقها والثالث أوفى لأنه يفيد لزوم صدق النتيجة الذي هو المدعي لأصدقها في الجملة كالأولين كذا قيل، والحق أن اللازم في الكل لزوم النتيجة لأن بين كذب النقيض والعين منع الجمع أيضًا وزيادة أما الاعتراض بأن انتفاء المجموع لا يقتضي انتفاء شيء من الآحاد لجواز أن يكون بانتفاء الاجتماع وبأن مقدمات القياس مفروضة الصدق لأنها صادقة في نفس الأمر فلمانع أن يمنع اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما على ذلك التقدير لجواز أن يكون محالًا ملزومًا لآخر فغير وارد أما الأول فلأن صدق الآحاد ملزوم صدق الاجتماع فإذا انتفى صدق الاجتماع انتفى صدق شيء من الآحاد قطعًا وأما الثاني فلأن كل مفروض الصدق لا يستلزم كل محال بل ما كان بينه وبينه علاقة تقتضي الاستلزام، والتحقيق أن المفروضات التي يطبعها العقل لا تستلزم المحال لولا ما فيها من المحال وإلا لارتفع الثقة عن أحكام العقل وأما في الشكل الثالث فطرق الخلف فيه أن يجعل نقيض النتيجة لكليته وجزئيتها كبرى والصغرى لإيجابها صغرى فينتج من الأول نقيض الكبرى وأما في الرابع فإن كان منتجًا للسلب كالضروب الثلاثة الأخيرة فكالشكل الثاني وإن كان منتجًا للإيجاب كالأولين فكالشكل الثالث لكن الحاصل في القسم الأول ما ينافي عكسه الصغرى وفي القسم الثاني ما ينافي عكسه الكبرى فلا بد فيهما من عكس النتيجة وذلك لبعد الرابع عن النظم الكامل، الثانية قال ابن سينا لا حاجة إلى هذه البيانات؛ لأن ثبوت الأوسط لأحد الطرفين وسلبه عن الآخر تقتضي المباينة بينهما وزيف بأنه إن كان حجة فإعادة للدعوى وإن كان ادعاء لأنه بين فلاشتباه البين بالقريب منه والرازي يستعمل مثله على أنه لمى الإنتاج والحق أنه صحيح وبيانه أنه غير محتاج إلى تكلف لأن حاصلة استدلال يتنافى اللوازم على تنافي الملزومات لا يقال ذلك فيما كان مقدمتاه ضروريتين فيمس الحاجة في غيره لأنا نقول يرجع جميعه إليه إذا أخذ الجهة جزءًا من المحمول وذلك كاف وترتيب الضروب لأن الأولين أشرف ذاتًا ونتيجة لكليتهما والأول والثالث أشرف لاشتمالهما على صغرى الأول دون الثاني والرابع.
الجزء الثالث في الشكل الثالث
وحاصله وضع موضوع لشيئين متغايرين ليوضع أحدهما للآخر ولإنتاجه شرطان:
١ - يحسب الكيف إيجاب الصغرى وإلا فبين الأوسط والأصغر مباينة، والحكم بالأكبر على أحد المتباينين لا يقتضي الحكم على الآخر ولأن مخالفته الأول في الصغرى
стр. 75
فرده إليه بعكس ما يجعل صغرى فعكس الصغرى السالبة سالبة لا يصلح لصغرورية الأول وكذا عكس الكبرى سالبة سالبة ولأنه لا إنتاج من سالبتين وموجبة موجبة جزئية لو جعلت صغرى للصغرى السالبة ينتج من الأول سالبة جزئية لا بد من عكسها ليحصل المطلوب ولا تنعكس وعند اعتبارها موجبة سالبة المحمول تنعكس إلى موجبة سالبة الموضوع ومعناه إثبات الأكبر لما سلب عنه الأصغر والمطلوب سلب الأكبر عما ثبت له الأصغر.
الشرط الثاني: بحسب الكم كلية إحدى المقدمتين لأن الجزئيتين لا يصلح شيء منهما لكبروية الأول لا بنفسها ولا بعكسها ولما كان صغرى الأول الحاصلة ها هنا عكسًا موجبًا كان عكس موجب فيكون جزئيًا فلا ينتج الأجزئية فبحسب هذين الشرطين سقط السالبتان صغرى مع الأربع كبرى والموجبة الجزئية مع الجزئيتين أو حصل الموجبة الكلية صغرى مع الأربع كبرى والجزئية مع الكليتين فضرورية المنتجة ستة وهي الاستدلال بثبوت الأصغر والأكبر لكل الأوسط أو الأصغر لبعضه والأكبر لكله أو بالعكس على ثبوت الأكبر لبعض الأصغر أو بثبوت الأصغر لكل الأوسط أو بعضه وسلب الأكبر عن كله أو بثبوته لكل الأوسط وسلب الأكبر عن بعضه على سلب الأكبر عن بعض الأصغر والبيان في الأولين والرابع والخامس بعكس الصغرى وفي الثالث بعكس الكبرى وجعلها صغرى ثم عكس النتيجة لأن عكس الصغرى يخرجه إلى جزئيتين وكذا في السادس غير أن الكبرى السالبة تجعل موجبة سالبة المحمول فتعكس وتجعل صغرى ثم تعكس النتيجة وبيان هذا الشكل بالخلف قد تقدم وترتيب الضروب أن المنتجة للإيجاب أقدم وجعل المنطقيون الرابع ثانيًا لأنه في نفسه من كليتين واعتبار النتيجة المقصودة فيما يمكن أولى وقدم الأول على قرينيه والرابع على جنسيه لكونهما أخص لتركبهما من كليتين ثم الثاني على الثالث والخامس على السادس لاشتمالها على كبرى الشكل الأول.
تتمتان ذكرهما ابن سينا
١ - إن الثاني والثالث وإن كانا يرجعان إلى الأول فلهما خاصية ليست فيه وهي جواز انتظامهما في بعض المواضع على وجه يراعى فيه الحمل الطبيعي والسابق إلى الذهن ولو أورد نظام الأول خرج عن طبيعته، فإن بعض الأشياء يقتضي الوضع لبعض والآخر يقتضي الحمل عليه بالطبع وسابقًا في الذهن نحو الإنسان حيوان ولا شيء من النار بارد ويقبل هذا بعينه يعرفنا فائدة الشكل الرابع لإمكان انتظام مقدماته على وجه يراعى فيه الطبيعي والسابق إلى الذهن وقيل: وبعض فوائد الأشكال الثلاثة مساس الحاجة عند
стр. 76
تحصيل بعض المجهولات عن بعض ضرورتها التي لا يرتد إلى الأول وقد سمعت أنه لا يصح عندنا وأن مرجع هذا الخلاف ما هو.
٢ - كما أن الأول فاضل من حيث أنه ضروري الإنتاج بينها فالرابع بعيد عن الطبع وسبق الذهن محتاج في إبانة قياسيته إلى كلفة متضاعفة والمتوسطان متوسطان بينهما لأنهما لقربهما من أن يكونا بيني القياسية يكاد الطبع الصحيح يفطن لقياسيتهما قبل بيان الرجوع إذ سبق بيانه من نفسه بملاحظة يسيرة ولهذا صار لهما قبول ولعكس الأول إطراح.
الجزء الرابع في الشكل الرابع
نقل الرازي عن أرسطو أن الأوسط إذا كان محمولًا في أحديهما موضوعًا في الأخرى فهو الشكل الأول فقال ناصروه إن الرابع هو الأول قدم فيه الأهم وهي الكبرى وسمعت منا فيما سلف أن تعين الأشكال بتعين موضوع النتيجة ومحمولها وذلك ناقضة ثم لإنتاجه شروط:
١ - أن لا يستعمل السالبة الجزئية.
٢ - أن لا ينتظم الصغرى السالبة الكلية إلا مع الموجبة الكلية.
٣ - أن لا ينتظم الصغرى الموجبة الجزئية إلا مع السالبة الكلية أما الأول فلأن ارتداده إلى الأول أما بعكس المقدمتين أو بقلبهما ولا عكس حينئذ والقلب إما يجعل صغرى الأول سالبة أو كبراها جزئية، وأما الثاني فإذ لولاه لانتظم الصغرى السالبة الكلية أما مع الموجبة الجزئية ويمتنع فيه الطريقان أما قلبهما فلوجوب عكس نتيجة وهي سالبة جزئية وأما عكسهما فلصيرورة كبرى الأول جزئية وأما مع السالبة الكلية ولا إنتاج عن سالبتين وأما الثالث فإذ لولاه لانتظم الصغرى الموجبة الجزئية أما مع الموجبة الكلية أو الجزئية وأيا كان يمتنع الطريقان لصيرورة كبرى الأول جزئية فيهما أو عكس الموجبة جزئية هذا وأما الصغرى الموجبة الكلية فينتظم مع الثلاث غير السالبة الجزئية فالطريق مع السالبة الكلية الصغرى ليرجع إلى الثاني ثم إلى الأول بما عرف أو عكس المقدمتين من الابتداء ومع الموجبة الكلية والجزئية قلب المقدمتين أما عكس الصغرى فخطأ وعكس الكبرى مستدرك وبحسب اعنبار هذا الشرط سقط السالبة الجزئية الصغرى مع الأربع والكبرى مع الثلاث سبعة وكل من السالبة الكلية الموجبة الجزئية مع الاثنتين أربعة أو حصل الموجبة الكلية مع الثلاث وكل من السالبة الكلية والموجبة الجزئية مع الاثنتين فضرورية
стр. 77
المنتجة خمسة هي الاستدلال بثبوت الأصغر لكل الأوسط والأوسط لكل الأكبر أو بعضه على ثبوت الأكبر لبعض الأصغر أو بسلب الأصغر عن كل الأوسط لكل الأكبر على سلب الأكبر عن كل الأصغر أو بثبوت الأصغر لكل الأوسط أو بعضه وسلب الأوسط عن كل الأكبر على سلب الأكبر عن بعض الأصغر قلة نتائج ثلاث غير الموجبة الكلية لأن العكس لا بد منه إما في النتيجة أو في المقدمة لأن البيان في الأول والثاني والثالث بقلب المقدمتين ثم عكس المنتجة وفي الرابع والخامس بعكس المقدمتين.
الفصل الثاني في القياس الاستثنائي
وهو ضربان الأول ما يكون بالشرط ويسمى المتصل ومقدمته المشتملة على شرطية والأخرى استثنائية وشرط إنتاجه أمور:
١ - كون الشرطية أي النسبة بين التالى والمقدم كلية أي ثابتة على جميع الأوضاع والتقادير الممكنة الاجتماع مع المقدم إذ لو كان جزئية جاز أن يكون وضع اللزوم غير وضع الاستثناء اللهم إلا أن يكون وضع الاستثناء كليًا أو يكون وضع الاستثناء بعينه وضع اللزوم فينتج.
٢ - أن يكون دائمة أي يكون حصول التالي دائمًا بدوام حصول المقدم لا دوام صدقه بصدقه ولا دوام النسبة بين المقدم والتالي فإنهما لا يكفيان لأن صدق المطلقة أيضًا دائمي بل صدق كل قضية بالجهة المعتبرة فيها نحو كلما كانت الشمس طالعة بالغة نصف النهار.
٣ - أن تكون تلك الكلية والدوام في ضمن اللزوم إذ لو كان في ضمن الاتفاق لم ينتج لا استثناء عين المقدم لأن صدق الاتفاقية مستفاد من صدق التالي فلو استفيد هذا من ذلك لدار ولا استثناء نقيض التالي إذ لا اتفاق لكذبهما ولا لزوم لعدم العلاقة والاقتصار على الدوام اكتفاء بدلالة أدوات الشرط على اللزوم ليس بجيد لأن الدال على اللزوم قال على الدوام أيضًا بل بعضها قال على الكلية أيضًا.
٤ - أن يكون موجبة لأن الأمرين اللذين ليس بينهما اتصال لا يلزم من وضع أحدهما أو رفع وضع الآخر أو رفعه.
٥ - أن يكون الاستثناء لعين المقدم فالنتيجة عين التالي أو لنقيض التالي فالنتيجة نقيض المقدم إذ لو انتفى أحدهما جاز وجود الملزوم مع عدم اللازم وأنه بهدم اللزوم ومنه يعلم إنتاجهما بالذات لا يتوسط عكس النقيض للشرطية في إنتاج الثاني ولا ينتج استثناء
стр. 78
نقيض المقدم أو عين التالي لجواز كون اللازم أعم وفي صورة التساوي بملاحظة لزوم المقدم للتالي وهو متصل آخر وأكثر استعمال الشرط في الأول بأن لأنه وضع لتعليق حصول التالي بحصول المقدم مثبتين أو منفيين أو مختلفين لا لتعليق صدقه بصدقه كما مر وفي الثاني لأنها وضعت لغرض أن يعلق به عدم المقدم لعدم التالي وإن كان الوجودان مقدرين لا محققين ولذا كان الغرض ذلك وهو المناسب لمقام الاستدلال كما في قوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: من الآية ٢٢] وعلى هذا لو لانتفاء الأول لانتفاء الثاني لكن في العلم لا الوجود وعند جمهور النحاة بالعكس فالآية الكريمة عندهم الانتفاء الفساد الناشيء عن التعدد الانتفاء التعدد هذا وكون لو موضوعًا لذلك كثرى فقد يستعمل لمجرد اللزوم من غير غرض التعليق بين العدمين نحو قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: من الآية ٢٢١] وقوله ﵇ "لو لم يخف الله لم يعصه".
بحث شريف
الاستثنائي المتصل الذي استثنى فيه نقيض التالي إذا استعمل فيه لو بعد وضع المطلوب يسمى قياس الخلف وحقيقته عن المنطقيين إثبات المطلوب بإبطال لازم نقيضه وعندنا بإبطال نفس نقيضه وعند البعض بإلزام المحال من نقيضه ومرجع النزاع أن المنطقيين يستعملون لبيان الملازمة بين نقيض المطلوب ونقيض مقدمة صادقة من مقدمات القياس قياسًا اقترانيًا شرطيًا قائلين لو لم يثبت المدعي لثبت نقيضه مع الكبرى مثلًا ولو ثبتا ثبت نقيض الصغرى الصادقة لكنه بط ونحن نستعمله لبيان بطلان التالي الذي هو نقيض المدعي ونقول لو لم يثبت المدعي لثبت نقيضه لكنه بطل لأنه لو ثبت مع الكبرى ولو ثبتا ثبت نقيض الصغرى والبعض لم يتعرضوا لذلك القياس أصلًا قائلين لو لم يثبت المدعي لثبت نقيضه لكنه مما ينافي المقدمة المسلمة وهي الكبرى مثلًا لأن اجتماعهما يستلزم نقيض الصغرى الصادقة والمقصود وأيًّا كان فهو قياس استثنائي يستثنى فيه نقيض التالي ومقدم شرطيته عدم صدق المطلوب لكن المناسب لمغزى من لم يذكر الاقتراني الشرطي هو الثالث، الضرب الثاني ما يكون بغير شرط ويسمى استثنائيًا منفصلًا ويسمى المشتملة على الانفصال شرطية مفصلة والأخرى استثنائية وشرط إنتاجه بعد كلية
стр. 79
الشرطية وإيجابها التنافي بين أمرين أو أكثر بأحد الوجوه الثلاثة أي كون المنفصلة عنادية إذ لولاه لم يكن بين وجود أحدهما وعدم الآخر لزوم فلا استدلال ثم التنافي إن كان إثباتًا ونفيًا يلزمه لأربع لزومات بين عين كل منهما ونقيض الآخر ونقيض كل منهما وعين الآخر فأربع نتائج اثنان باعتبار التنافي إثباتًا فقط فالأولان وإن كان نفيًا فالآخران.
تنبيهان
١ - يجب رعاية جهة المقدم والتالي في أخذ النقيض فسقط اعتراض الرازي بأن التالي إذا كان مطلقة لا يلزم من نفيه نفي المقدم.
٢ - علم من هذا البحث عدة من الملازمات الشرطية فمن المنفصلات الثلاث ثماني متصلات وبالعكس لأن كل لزوم يلزمه التنافي بين عين الملزوم ونقيض اللازم، ففي صورة التساوي بين عين كل ونقيض الآخر إثباتًا ونفيًا لتركيب اللزومين ومن المنفصلة الحقيقية موجبة كانت أو سالبة منع الجمع والخلو الموافقة كيفًا ومن المانعة منع الخلو إثباتًا من نقيضي جزئيتهما موافقًا كيفًا ومن عينيها كخالفًا كيفًا وبالعكس فبين الشيء ونقيضه أو مساوي نقيضه انفصال حقيقي وبينه وبين الأخص من نقيضه منع الجمع وبينه وبين الأعم من نقيضه منع الخلو.
خاتمتان
لكلا القياسين الأولى في ارتداد كل منهما إلى الآخر يرد الاستثنائي المتصل إلى الشكل الأول يجعل المستثنى وهو المراد بالملزوم سواء كان عين المقدم أو نقيض التالي حدًا أوسط وثبوته عينًا أو نقيضًا صغرى واستلزامه لعين التالي أو نقيض المقدم كبرى هذا فيما كان المحكوم عليه في المقدم والتالي واحدًا أما إذا لم يكن كما في قولهم كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا فيكون الجامع بينهما هو الوقت فيقدر الوقت محكومًا عليه مشتركًا ويجري هذا وقت فيه الشمس طالعة وكل وقت فيه ذا ففيه النهار موجود فهذا وقت فيه النهار موجود وهذا مع وضوحه خفي على الجمهور وقد مر جواز أن يكون للزمان زمان وهمي كالأفعال المتعلقة بالأزمنة والممتنع هو الزمان المحقق والاستثنائي المنفصل يرد أولًا إلى المتصل على ما سلف ثم إليه ويردُّ الاقتراني إلى الاستثنائي المتصل بعكسه أي يجعل الوسط ملزومًا أي مستثنى والصغرى استثنائيًأ والكبرى استلزامًا وإلى المنفصل بأن يردد بين الوسط وبين منافيه وهو نقيض الأكبر وثبوت الوسط استثناء لعينه لينتج عين الأكبر الذي هو نقيض نقيضه والأمثلة غير خافية.
стр. 80
الثانية في خطأ البرهان
وذلك إما للغلط في مادته على منع الخلو فهو قسمان:
١ - غلط المادة لفظًا إما للاشتراك اللفظي نحو عين وكل عين جار أو المعنوي كالعطف في العشرة خمسة وخمسة يحتمل ثلاثة معان أنها كل منها منفردًا أو مجتمعًا أو المركب والصادق هو الأخير ومثله حلو حامض وعكسه طيب ماهر للماهر في غير الطب لأن صدقه عند الانفراد نظرًا إلى ظاهر المبادر وعند تعيين المراد لا يختلف وإما للالتباس بين المتباينة والمترادفة كالسيف والصارم أو معنى كالحكم على الجنس المطلق بحكم نوعه أي بحكم المقيد بالذاتي فصلًا كان نحو اللون سوادًا وجنسًا نحو السيال الأصفر مرة فصحة الأول عند تقيده للبصر والثاني عند تقيده بالخلط وعلى المطلق بحكم المقيد بقيد عارض نحو الرقبة مومنة ويسمى كل منهما إبهام العكس إذ فيه إبهام عكس الموجبة الكلية كنفسها فلا يحتمل الغلط من حيث الصورة يجعل اللام للجنس ولا يتوقف أيضًا الغلط المادي على جعل اللام للاستغراق كما ظن كل منهما وكالقياس الصادق بالكاذب من جهة عدم رعاية شرائط التناقض وجعل ما ليس بقطعي كالقطعي وجعل الحمل العرضي الذي بواسطة كالذاتي الذي لا بها وجعل النتيجة مقدمة ويسمى مصادرة على المطلوب إذ ليس بمستلزم للمطلوب لأنه عينه والقول بأنه صوري إذ لا يستلزم قولًا آخر ليس بتحقيق لأنه يستلزمه صورة ومنه جعل الوسط أحد المتضايفين وكل قياس دوري صريح أو مضمر.
٢ - غلط الصورة لخروج القياس من تأليف الأشكال فعلًا وقوة لا كما في قياس المساواة أو عن شيء من شرائط الإنتاج المتقدمة ولنا رسالة لطيفة جامعة لجزئيات قسمي الغلط مع أمثلتها المستعملة في العلوم.
المقصد الثاني في المبادئ اللغوية
لما علم الله تعالى الخبير ... الاحتياج إلى التعبير عما في الضمير
إعلامًا لما بين العباد ... من مصالح المعاش والمعاد
قادة الإلهام الإلهي إلى اختلاف الألسنة والعبارات
وأقدرهم على تنويع الحروف بتقطيع الأصوات
تفهيما للمعاني المفردة والمركبات
стр. 81
وقد سبق الجواب عن إيراد الدور في المفردات بحيث يشتمل لي خفة المؤنة بخلاف الكتابة وعموم الفائدة لا كما بالتمثيل والإشارة لكونه كيفية للنفس الضروري الذي ليس له ثبات وشموله للمحسوس والمعقول من الممكنات المعدومة والممتنعات.
ومع أن ذلك لكف قد تم فوائده ... وعم عوائده
دلنا بالموضوعات اللغوية في كتابه الناطق ... وعلى لسان رسوله الصادق
إلى ما يتضمن جميع المصالح الإنسانية ... من الأمور الدينية والدنيوية
التي حصروها في خمسة من الأبواب
وهي الاعتقادات والعبادات والمعاملات والمزاجر والآداب
فوجب لذينك الأمرين التكلم فيها تحديدًا وترديدًا وأقسامًا وأحكامًا.
الكلام في تحديد الموضوعات اللغوية
كل لفظ وضع لمعنى خرج ما ليس بلفظ من الدوال الموضوعة وما ليس بموضوع من المنحرفات والمهملات والطبيعيات والتنوين في معنى للتنكير الشامل للمفرد والمركبات الستة الإسنادي والتوصيفي والإضافي والتعدادي والمزجي والصوتي وغيرها وإيراد لفظة الكل التي لشمول الأفراد مع أن التحديد للماهية من حيث هي التي لا يدخل فيها عموم كيف ولا يصدق مع صفة العموم على كل فرد له وجهان إجماليان:
١ - أن ذلك في تحديد الماهية الحقيقية لا الاعتبارية لجواز أن يكون صفة العموم داخلة فلا الاعتبار.
٢ - أنه عند تبيين الماهية من حيث هي أما مع ملاحظة ما صدقت عليها فلا ولتفصيلهما ها هنا وجوه:
أ- أن تعميمه إشعار بأنه لا يختص بقوم دون قوم.
ب- أنه إشعار بأن الملاحظ التعميم لكل فرد لا الكل المجموعي كما يتبادر من قولهم فلان يعرف لغة الغرب.
ج -وهو المعول عليه أن اللام في الموضوعات للاستغراق الشامل لكل فرد كما في نحو قوله تعالى ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: من الآية ١٣٤] فوجب اعتبار
стр. 82
العموم الإفرادي في التحديد تطبيقًا بينهما كما وجب التكرار في حد الأنف الأفطس لاعتباره في المحدود وإن كان باعتبار أن استغراق الجمع حقيقة في شمول المجموع على المختار واستغراق المفرد أشمل لشمول المفاريد كما بين في أن الكتاب أكثر من الكتب بين ظاهريهما فرق غير أن المراد ها هنا شمول المفاريد مجازًا كما في مسألة لا يتزوج النساء فانطبق التحديد على الماهية الاعتبارية المأخوذة مع العموم أما القول بأن عموم الجمع لشمول الأجزاء لا الجزئيات أوان الكل مجموعي فبط لما سيجيء من أبطال شمول الأجزاء وأن الكل المجموعي في المضاف إلى المعرفة.
الكلام في ترديدها إلى المفرد والمركب
المفرد عندنا الذي لفظ كلمة واحدة عرفًا فالذي لفظ جنس لا مستدرك فالكلمة المفيدة لأفراد المعنى كالفضل عن غير الموضوع لمعنى مركب فيه نسبة أو ضم وقيد الوحدة المفيد لأفراد اللفظ عن مثل بعلبك مما يعد كلمة لا واحدة عرفًا ولهذين الاعتبارين اندرج تحت قولهم المركبات كل اسم ركب من كلمتين فالواحدة عرفًا ما لا يكون جزؤه كلمة لا حال الجزئية ولا قبلها.
وها هنا تنبيهات
أ- قيل الملفوظ مطلق ما تعلق به اللفظ فيتناول أجزاء الكلام النفسي كما يتناولها المقروء والمحفوظ والمكتوب لتعلقها به بخلاف الذي لفظ لأنه عين اللفظ فلا يتناولها وفيه أن الصفة المعرفة لا تكون بمعنى الفعل لا سيما وهي للحدوث والحق أن الملفوظ قد يطلق على ما يقابل المعقول فإما هو المراد هنا وإنما اختير الفعل توضيحًا لتعلق الوارد بعده به أو خرج أجزاء الكلام النفسي بقيد الكلمة فإن النحوية لا يتناولها.
ب- المراد بالكلمة ها هنا النحوية المفسرة بإفراد المعنى لا بإفراد اللفظ فلا دور ولذا يتناول نحو بعلبك وغلام زيد وتأبط شرًا أعلامًا ما إذ المعنى المفرد ما تعلق وضع اللفظ لمجموعة سواء له أجزاء كالإنسان أو لا كما ذكر من مطلق العلم بخلاف معنى المركب الإسنادي والتوصيفي والإضافي والتعدادي مما فيه نسبة أو ضم إن قيل فيصدق الكلمة النحوية على الأعلام المذكورة قلنا نعم إلا أن يقيد اللفظ بالوحدة كاللفظة أو يراد ذلك أو يؤخذ أفراد اللفظ في أفراد المعنى وكل منها بمعزل عما أريد ها هنا.
ج- أن الأعلام المذكورة أسماء وحين لم يكن كلمة واحدة أي مفردًا كان القسم أعم من المقسم كالممكن من العالم والأعم من الأعم إنما يكون أعم إذا كانا مطلقين وعند
стр. 83
المنطقيين لفظ موضوع لم يقصد دلالة جزئه على شيء حسن هو جزؤه المراد سواء لم يكن له جزء كهمزة الاستفهام أوله جزء غير دال كزاء زيد أو قال لم يقصد دلالته على جزء المراد أصلًا كعبد الله وتأبط شرًا علمين أو حين هو جزؤه كالحيوان الناطق علمًا فإن شيئًا من الجزئين لا يدل على جزء المراد حين هو جزؤه وإن دل في وضع آخر وإلا لم يكن في العلم دلالة على التشخص وقيل: القسمان الأخيران مثل زيد لا يدل الجزء فيها على شيء زعمًا أن الدلالة فهم المراد بل هو فهم المعنى ولذا كان المجمل كلمة فما دل على جزء في وضع آخر مركب على الأول لكونه أكثر من كلمة واحدة مفرد على الثاني ونحو يضرب غيبة أو خطابًا أو تكلمًا وضارب ومخرج وسكران وبصري وقائمة بل كل فعل واسم متمكن لاشتمالهما على الدلالة المادية والصيغية مفرد على الأول مركب على الثاني لدلالة جزء اللفظ على جزء المعنى المراد حين أريد اللهم إلا أن يراد دلالة الجزء المرتب في السمع وحين انفرازه، قيل: لا دلالة للفظ على القيدين، قلنا: شهرة الاصطلاح تفيد الدلالة العرفية. وفرق ابن سينا بين المضارع الغائب وغيره إنما هو بحسب عدم دلالة الغائب على الزائد من مفهوم الفعل الذي هو نسبة الحدث إلى موضوع ما ودلالة غيره على تعيين الموضوع لأن كل سامع يفهمه في الخطاب والتكلم إما بحسب دلالة الياء على الغيبة فمثلهما والطعن في أن مفهوم الفعل نسبة الحدث إلى موضوع ما بأنه ينافي صدقة على المعين غلط كما في ضرب رجل إذ عدم اعتبار التعيين ليس اعتبارًا لعدم التعيين والمأخوذ في المركب الدلالة في الجملة وبعدم الدلالة في المفرد انتفاؤها أصلًا فلا يرد النقض بالمركب بالنسبة إلى معناه البسيط التضمني أو الالتزامي جمعًا ومنعًا على حدي المركب والمفرد أما تقييد المورد بالمطابقة فيورد النقض بالمركبات المجازية جمعًا ومنعًا ويرادف المركب القول والمؤلف.
الكلام في تقسيم المفرد من وجهين
الأول: أنه عندنا إن لم يستقل بالمفهومية بأن يشترط في الدلالة على معناه الإفرادي ذكر متعلقة فحرف وإن استقل فإن دل بهيئة وضعا على زمان معين من الثلاثة ففعل وإلا فاسم وقد علم بذلك حدودها إن قيل المميزات ليست بظاهرة الثبوت وإلا لما وقع الخلاف الآتي في الأقسام قلنا اشتراط ذلك الظهور في الماهيات الحقيقة أما الاعتبارية فتبع الاعتبار وكون دلالة الفعل على الزمان بالهيئة مبني على أن المراد بالمادة الحروف الأصول وبالهيئة هيئة جميع الحروف فلا نقض بنحو تكلم يتكلم والمؤثر في اختلاف الزمان
стр. 84
اختلاف الهيئة النوعية التي للماضي النوعية التي للماضي والمضارع وغيرهما من أنواع الفعل لا الصيغية التي للمعلوم أو المجهول والثلاثي أو غيره والأصلي أو المزيد لأن كلًا من الأزمنة الثلاثة المأخوذة في حد مأثر واحد بالنوع والواحد بالنوع يجوز حصوله بمؤثرات مختلفة مندرجة تحت نوع المؤثر لا خارجة عنه إن اعتبر خصوصية نوع الأثر له كما ها هنا فلا يرد نحو ضرب وضرب مما اختلف فيه الهيئة الصيغية مع اتحاد الزمان وعند المنطقيين إن لم يستقل بمعنى أن لا يكون وحده مخبرًا عنه ولا مخبرًا به فهو الحرف وإن استقل فإن صلح للإخبار عنه فهو الاسم وإلا فهو الفعل فما لا يصلح أن يخبر بها أو عنها أصلًا كبعض المضمرات والموصلات والأفعال الناقصة حرف على الثاني ليس بحرف على الأول وعند اختلاف النظرين لا يلزم تطابق الاصطلاحين والمراد بقولهم الحرف لا يصلح للأخبار به وعنه والفعل للأخبار عنه أنه لا يخبر بمعناه بمجرد لفظه فقط أو عن معناه لا بلفظه أو بلفظه مع ضميمة.
التقسيم الثاني
المفرد إما واحد أو متعدد وكذا معناه فهذا أربعة الواحد للواحد لم يشترك في مفهومه كثيرون لا محققًا ولا مقدرًا فمعرفة لتعينه إما مطلقًا أي وضعًا واستعمالًا فعلم شخص وجزئي حقيقي إن كان فردًا وإلا فعلم جنس أو استعمالًا فقط فأما بالآلة العاهدة فمعرف بالنداء أو باللام أو مضاف بوضعه الأصلي سواء كان العهد أي اعتبار الحضور لنفس الحقيقة أو لحصة منها مطلقًا مذكورة أو في حكمها أو مبهمة من حيث الوجود معينة من حيث التخصص أو لكل من الحصص وأما الإشارة الحسية فاسمها وأما بالعقلية فلا بد من دليلها سابقًا كضمير الغائب أو معًا كضميري المخاطب والمتكلم أو لاحقًا كالموصوف وإن اشترك كثيرون محققًا أو مقدرًا فكلي نكرة جنس أن تناول الكثير على أنه واحد وإلا قاسم جنس وأيا كان فتناوله لجزئياته إما بالتفاوت بأحد الوجوه الثلاثة كالوجود للخالق أو الأشدية كالنور للقمر من السهى أو الأولوية كعكسه أو الأولوية للشمس من القمر وهو المشكك وأما بالسوية كالإنسانية للأب والابن فإن المتقدم في الوجود لا فيها وهو المتواطيء الأول من هذه الأقسام إن لم يتناول وضعًا إلا الأفراد معينًا فخاص خصوص الشخص مطلقًا وإن تناول فإما وضعًا واستعمالًا فإن تناول الآحاد واستغراقها فعام بالإجماع سواء استغرقها مجتمعة كالكل المجموعي المضاف إلى المعرفة ولفظ الجميع والجملة والرهط والقوم إلا مجازًا أو فرادى على سبيل الشمول كمن وما مطلقين والكل
стр. 85
إلا فرادى المضاف إلى النكرة أو على سبيل البدل كمن وما مقيدين بالأول بخلاف الكل إلا فرادى المقيد به ففي احتمالهما الخصوص كما ظن استدلالًا بتقييدهما به إلا مجازًا كلام وإن لم يستغرقها فإن تناول مجموعًا غير محصور يسمى عامًا عند من لم يشترط الاستغراق كالجمع المنكر وعند من شرطه واسطة والحق أنه خاص حينئذ لأنه قطعي الدلالة على أقل الجمع كالمفرد على الواحد بخلاف العام المخصوص ما سيجيء وإن لم يتناول مجموعًا بل واحدًا واثنين أو تناول محصورًا فخاص خصوص الجنس أو النوع لتناولهما ها هنا جميع الكليات اصطلاحًا فالدال على الماهية التي ليست من حيث هى هي واحدة ولا كثيرة ولا مقيدة بقيد لا أنها من حيث هي ليست إياها ففرق بين سلب الثبوت وثبوت السلب مطلق وعلى الماهية مع قيد مقيد وقيده إن كان كثرة معينة عدد وغير معينة عام ووحدة معينة معرفة وغير معينة نكرة وأما وضعًا فقط لا استعمالًا كغير العلم من المعارف فالمستغرق جمعًا كان أو غيره عام إجماعًا والجمع الغير المستغرق مختلف فيه وغيرهما خاص خصوص الشخص استعمالًا وغير خصوص الشخص وضعًا ومن الألفاظ ما هو خاص من وجه كالنكرة الموصوفة بصفة عامة في الإثبات وسيجيء توضيح الكلام إن شاء الله تعالى.
تنبيه: كما يسمى اللفظ بالكلي والجزئي بالعرض كذلك يسمى بالذاتي والعرضي والمعنى هو الذاتي في الكل والكثير للكثير متباينة متفاصلة كالإنسان والفرس أو متواصلة كالسيف والصارم والواحد لكثير كالاثنين مثلًا بالنسبة إلى واحد منهما كالأول وإلى كل منهما فإن لم يعتبر تخلل النقل بينهما سواء لم يكن نقل بأن وضع لهما أولًا أو كان فاستويا في الاستغناء عن القرينة المحصلة فمشترك بالنسبة إليهما ومجمل بالنسبة إلى كل منهما ما دار بينهما إذ لو تعين أحدهما بقطعي يكون مفسرًا وبظني مأولًا وكون قسم الشيء باعتبار قسيمًا باعتبار آخر غير محذور وإن استويا في الاحتياج إلى القرينة المحصلة فمجاز إن استلزم المجاز الحقيقة أولًا وإن اعتبر تخلل النقل فأما لمناسبة فباعتبار هجر الوضع الأول أو غلبة استعماله في الثاني يسمى منقولًا شرعيًا أو عرفيًا أو اصطلاحيًا باعتبار أن ناقله شرع أو عرف عام أو خاص وباعتبار أن الأول موضوع أصلي والثاني جائز عنه يسمى اللفظ منسوبًا إلى الأول حقيقة لغوية أو شرعية أو عرفية أو اصطلاحية باعتبار واضعها وإلى الثاني مجازًا لغويًا أو شرعيًا أو عرفيًا أو اصطلاحيًا والشرعي خص من الاصطلاحي لشرفه والعناية به مستعارًا إن كانت مشابهة وإلا فمجازًا مرسلًا وعند البعض كلاهما استعارة وإما لمناسبة وبذلك الاعتبار يسمى مرتجلًا شاذًا إن لم يكن طبق
стр. 86
نظيره من اسم الجنس وقياسًا إن كان.
تنبيهات:
١ - لما جاز كون القسم أعم فلا بعد في وجود المجمل والمفسر والمأول في غير المشترك كآية الربا وسورة الملائكة.
٢ - لما كان تمايز الأقسام بحيثيات مخصوصة فلا محذور في اجتماعها كالحقيقة مع غير المجاز مطلقًا ومعه من وجه وكالعام أو الخاص أو المطلق مع غيرها.
٣ - المنقول غالبًا كان نفسه أو مهجورًا أصله حقيقة في الأول مجاز في الثاني لغة وبالعكس عرفًا للناقل والمرتجل حقيقة فمن الحقيقة مهجورة ومستعملة ومن المجاز متعارف وغير متعارف.
٤ - الوضع الأول معتبر في الحقيقة لصحة الإطلاق وفي المجاز لصحة الانتقال وفي المنقول لترجيح الاسم على غيره في تخصيصه بالمعنى الثاني فيطرد الحقيقة إلا لمانع كالأسد لكل هيكل بخلاف السخي والفاضل لله تعالى وكذا بعض المجاز لكل ما فيه علاقة ككل شجاع بخلاف النخلة لغير الإنسان الطويل كما سيجيء لا المنقول فلا يسمى الدن قارورة ولا كل مسكر خمرًا.
٥ - الحقيقة إذا بلغت في قلة الاستعمال حدًا لا يستغني فهم معناها عن القرينة المحصلة صارت مجازًا والمجاز بالعكس والكثير للواحد مترادفة لا كالإنسان والناطق قال الشافعية وكل من غير الثالث أن اتحد معناها نصوص وإلا فكالثالث متساوي الدلالة مجمل والراجح ظاهر والمرجوح مأول والمشترك بين النص والظاهر محكم وبين المجمل والمأول متشابه والتقسيم الوافي ما سيأتي من اصطلاحنا ثم كل من الأقسام الأربعة لا أقسام إما مشتق بالمعنى الخاص إن كان صيغته مأخودة من أخرى بشروط أربعة توافقهما معنى ولفظًا تركيبًا وترتيبًا وتغايرهما صيغة حقيقة أو تقديرًا أو زيادة المأخوذة في المعنى أو بالمعنى العام إن اشترط تناسب الأولين فقط ولا نجري ها هنا إلا على الأول وإما غير مشتق إن لم يكن والمشتق صفة إن دل على ذات غير معينة باعتبار معنى معين وإلا فغير صفة سواء دل على معنى فقط وإن سمى صفة عند المتكلمين أو على ذات معينة ومعنى معين كالقارورة وأسمى الزمان والمكان لعدم دلالتهما إلا عليهما أو على ذات غير معينة ومعنى غير معين كالرجل وكالأفعى والأجدل والأخيل على المختار.
وها هنا لواحق
الأول: في النسب الأربع بين العينين كل مفهومين جزئيين متباينان وجزئي وكلي
стр. 87
متباينان إن لم يصدق الكلي عليه وإلا فالكلي أعم وغيره هذه فيهما توهم ناش من الغفلة عن هذية الجزئي وكل كليين إن لم يصدق شيء منهما على شيء من الآخر فمتباينان ومرجعه إلى السالبة الكلية من الطرفين وإلا فإن صدق كل منهما على كل من الآخر فمتساويان ومرجعه إلى الموجبة الكلية من الطرفين وإلا فإن صدق أحدهما على كل من الآخر فالصادق عام مطلق والآخر خاص مطلق ومرجعه إلى الموجبة الكلية على الخاص والسالبة الجزئية عن العام وإلا فكل منهما عام وخاص من جهتين ومرجعه الموجبة الجزئية والسالبة الجزئية من الطرفين فلا بد فيه من صورة الاجتماع وصورتي الافتراق ولا ينقص الحصر بنقيضي الإمكان العام والشيئية من حيث هما عينان لأن المعتبر في صدق الكليات إمكان فرض صدقها كما في الكليات الفرضية وقد يعتبر النسب الأربع بحسب الوجود.
الثاني: فيها بين النقيضين بين نقيضي المتباينين تباين جزئي وهو صدق أحدهما بدون الآخر في الجملة لصدق كل من النقيضين مع عين الآخر ومرجعه إلى السالبة الجزئية من الطرفين فهو أعم من التباين الكلي كما بين نقيضي الوجود والعدم والعموم من وجه كما بين نقيض اللاحيوان والإنسان لأن السلب عن البعض أعم من السلب عن الكل أو السلب عن البعض مع الإيجاب للبعض وبين نقيضي المتساويين تساو والأصدق أحدهما بدون الآخر ولا نقض بالأمر الشامل كما مر لأن نقيض الشيء سلبه والسالبة السالبة المحمول تستلزم الموجبة المحصلة فإن سلب السلب إيجاب ونقيض الأعم المطلق أخص مطلق وإلا لتساوى النقيضان فالعينان ولا نقيض بنقيضي الممكن الخاص والعام لأن كل ما ليس بممكن خاص معناه كل ما ليس مسلوب الضرورة عن الطرفين وسلب السلب إيجاب فمعناه كل ما هو ضروري الطرفين فلا يصدق عليه لا الواجب ولا الممتنع لاشتمال كل منهما على ضرورة من طرف ولئن كابر أحد بصدق الممتنع قلنا فلا يصدق كل ممتنع ممكن عام لأن ضروري الطرفين ممتنع حينئذ وليس بممكن عام وبين نقيضي الأعمين من وجه مباينة جزئية لصدق كل من الطرفين مع عين الآخر ولا بد في أخذ النقيضين من رعاية شرائط التناقض.
الثالث: في تحقيق الفرق بين العموم المعنوي المعبر عنه بالكلية التصورية والصناع المعبر عنه بالكلية التصديقية لما لم يكن المفهوم الكلي من حيث هو واحدًا ولا كثيرًا بل ولا كليًا علم أن العموم أي الاشتراك عارض له من حيث نسبته إلى أفراده فأمكن أخذه من حيث هو ويسمى بلا شرط ومن حيث هو عام وكلي أي معروض لهما وهو الكلي الطبيعي عند
стр. 88
التحقيق ويسمى بشرط العموم ومن حيث هو خاص بما يصدق عليه من الأفراد من حيث إنه
جنسها أو نوعها أو فصلها أو خاصتها أو عرضها وقد أدرجت الثلاثة الأخيرة في الأولين
ها هنا اصطلاحًا اعتبار الفحش التفاوت كمنزلة التفاوت في الحقيقة ويسمى بشرط الخصوص
ومن حيث عرائه عن الجميع ويسمى بشرط لا فالمأخوذ من حيث هو هو موجود خارجًا في المشهور ولأنه جزء الموجود فيه وقيل: لا ولا لتقدم على الكل في الوجود فلا يحمل عليه وللزم من قيام الوجود الواحد به وبما ينضم إليه قيام الواحد بمحلين إن قام بكل منهما وإن يكون الموجود هو المجموع إن قام بالمجموع وإن يمتنع حمله على المجموع إن تعدد وجودهما فالحق أن الموجود ما صدق عليه لا هو.
وفيه بحث أما أولًا فلأن الطبيعية إن لم يكن محمول ما موجودًا لأن المراد بكل محمول مفهومه الكلي تحقيقًا أو تأويلًا ولا قائل به بل يقولون معنى الحمل بالاتحاد فيه وأما ثانيًا فلأن ما سوى الطبائع الكلية التشخيص وهو أمر اعتباري عندنا وموجود زائد عند الحكيم فماذا هو الموجود المعروض.
وأما ثالثًا: فلأن معروض التشخيص إن كان كليًا فذاك وإن كان جزئيًا كان متشخصًا قبله والكلام فيه كما هو فيلزم وجود التشخيصات الغير متناهية أو وجود الطبيعة الكلية وفي الأول محالان عندنا فتعين الثاني والجواب عن دليله:
أولًا: بالنقض بالوجود الذي حكموا باتحاده بين الموضوع والمحمول.
وثانيًا: بالحل باختيار أن الوجود واحد قائم بكل منهما وقيام الواحد في محلين إنما يكون محالًا لو أريد بالقيام التبعية في التحيز فلا ثم إن الوجود متحيز فضلًا عن التبعية وإلا كان معقولًا أول وعرضًا ويستدعى وجود محله قبله إلى غير ذلك من مفاسد لا تحصى إما لو أريد به الاختصاص الناعت فلا لجواز أن يكون الواحد ناعتًا لأمور كثيرة كسواد الحبشي ناعت للإنسان وما فوقه وما يساويه ولبدنه ولحمه ووجهه وبشرته وغيرها ولئن علم فتلك الاستحالة في الواحد بالشخص والوجود لا يتشخص بل المتشخص هو الموجود فلو حدته صح الحمل ولقيامه بأمور متعددة صح الحكم على كل بأنه موجود فالحق أن من الجزء الخارجي ما له وجود متميز لتميز تحيزه المعلوم حسًا كجدران البيت أو عقلًا كالأجزاء الفردة فلا يحمل، ومنه ما ليس كذلك فيحمل، وأما المأخوذ من حيث هو عام فقيل بوجوده أيضًا بمعنى وجود كل حصة منه في شيء وهو معنى وجود الواحد الجنسي أو النوعي لا بمعنى وجود ذاته الوحدانية في متعدد ليلزم اتصاف الواحد بصفات
стр. 89
متضادة وقيل: بعدمه لأن الوجود الخارجي يلزمه الخصوص المنافي للعموم وقد مر جوابه لكن هذا العموم غير العموم الاستغراقي أو التناولي على المذهبين لأن هذا في الحقيقة عموم صحة الصدق فهو بالذات للمعنى وللفظ بواسطته وتحققه بفرد كاف وعن دلالة التناول بمعزل وذلك العموم عموم نفس الصدق ومستفاد من وضع اللفظ ولا يتحقق بفرد ويتفهم منه التناول فلذا كان التحقيق تسميته مطلقًا سواء أخذ من حيث هو أو عامًا ومقيدًا إن أخذ من حيث هو خاص فتعين الآخر للعموم الصناعي وأما المأخوذ من حيث عرائه عن القيود فغير موجود في الخارج قطعًا لأن كل ما فيه مكتنف بها وقد يقال وغير معقول أيضًا وإلا لاكتنف بالعوارض العقلية والحق أنه معقول إذ لا حجر في التعقل كتعقل المعدوم المطلق والعوارض العقلية ما جعله العقل قيدًا فيه لا ما لحقه عند التعقل مطلقًا.
الكلام في تقسيم المركب
هو إما تام ويسمى كلامًا وجملة إن وضع لإفادة ما يطلب في النسبة من ثبوتها بين طرفيها أو انتفائها وهذا لا يحتاج إلى تقييد الإفادة بصحة السكوت مع أنها مجهوله وتفسيرها بعدم انتظار المخاطب أو عدم افتقار المتكلم إلى انضمام لفظ آخر افتقار المحكوم به أو بالعكس رد للمجهول إلى المجهول لأنه يجب اصطلاح حاصل في كل من طرفي الشرطية وهذه الإفادة أعم من الإفادة الجديدة فيتناول نحو السماء فوقنا ولأنها تشعر بالقصد يخرج عنه كلام الطيور ويعم الثبوت والانتفاء الإنشاءات لأنهما أعم من الإيجادي والإخباري فأخرج ما وضع ما يدل على النسبة بالعقل كدلاله اضرب على أني طالب للضرب، وأنت مطلوب ولإفادة ما وضع للإشارة لا لإفادة ما يطلب فيها نحو الإضافي والتوصيفي وما وضع لذات لها نسبة كالصفات إذا لم تكن قائمة مقام الفعل كما بعد الاستفهام والنفي وإنما توصف بالإسناد لأنه مشترك بين التام وغيره ولا يتأتى إلا من اسمين أو فعل واسم والباقية أربعة أو سبعة وحرف النداء بمنزلة ادعو والعدول تنصيص على الإنشاء والجملة الشرطية جزاء مقيد بالشرط في الحقيقة والاعتبار لها كما في الظرفية وإما ناقص وقد يسمى مفردًا بالاشتراك كمقابل المثنى والمجموع ومقابل النسبة ثم التام إن احتمل الصدق والكذب من حيث اللغة أو بالنظر إلى مجرد أنه إثبات شيء لشيء أو نفيه عنه فخبر وقضية كما مر وتعين أحدهما بحسب الخارج عن ذلك لا ينافيه والأول هو الصحيح لما سيجيء في مباحث السنة وجعل الواو الواصلة بمعنى أو الفاصلة إنما يصح لو فسر الاحتمال بالإمكان العام إذ لا يبقى للخاص معنى وقد يعرف الصدق والكذب بدون
стр. 90
الخبر ولو سلم فلماهية الخبر اعتبارها من حيث هي وبه يعرف الصدق والكذب به واعتبار أنها مدلول الخبر وبه يعرف بهما لوضوح نفس ماهيته عند الفعل وإلا فإنشاء فإن دل بالذات لا بواسطة التمني والترجي والهيئة لا كنحو اطلب الفعل على طلب ذكر ماهية فاستفهام أو فعل فمع الاستعلاء أمر إن كان غير كف ونهي إن كان كفاف أمر لأن طلب الطف بالمادة ومع التساوي التماس ومع الخضوع دعاء فيهما وإلا فتنبيه طلبي نحو التمني والترجي والتعجب والنداء والقسم أولًا كألفاظ العقود والناقص إن كان أحدهما قيدًا ناعتًا يسمى تقييديًا وتوصيفيًا ولا يتركب إلا من اسمين أو اسم وفعل لأن الموصوف اسم والصفة إما فعل أو اسم ولأنه إشارة إلى الخبر وإلا فغير تقييدي والنافع في المطالب التصورية هو التقييدي كما أن النافع في التصديقية هو الخبر.
تتمة: مدلول اللفظ قد يكون لفطًا مفردًا أو مركبًا مستعملًا كالكلمة والخبر أو مهملًا كأسماء حروف التهجي والهذيان.
خاتمة في تقسيم اختاره أصحابنا لعموم نظره وجموم ثمره
أما الأول فلشموله المفرد والمركب الإسنادي وغيره وأما الثاني فلاستغراقه الاعتبارات من أول وضع الواضع إلى آخر فهم السامع وهو تقسيم اللفظ الغير الكثير بالنسبة إلى معناه كثيرا كان أولًا والقسمان الآخران متدرجان تحته بالنظر إلى كل لفظ قالوا معرفة أحكام الشرع والفتوى بمعرفة أقسام النظم والمعنى من حيث يرجع الثانية إلى الأولى وإلا ففيه تبيان لكل شيء، جميع العلم في القرآن لكن، تقاصر عنه أفهام الرجال، واستفادتها من البعض غير تعلقها بالكل ومعناها أقسام النظم من حيث يفهم المعنى واختاروا العبارة الأولى لفوائد:
١ - أن الثانية مشعرة بأن اعتبار المعنى قيد في المدلول مع أن ثبوت الأحكام به والنظم وسيلة.
٢ - أن المعنى غاية النظم فهو متقدم في الباطن متأخر في الظاهر فاستويا.
٣ - أن المعنى مقدم في الإفادة مؤخر في الاستفادة والإفادة مقدمة قلنا اعتبر القرآن اسمًا للمعنى في العلم الأعلى لا ها هنا كما توهموا من جواز الصلاة خاصة بالفارسية عندنا حالة العجز وفاقا والقدرة خلافا وإن كان الاعتماد على رجوعه إلى قولهما واستدلوا عليه بأن الإعجاز في معنى القرآن تام في الأصح لأنه حجة على العجم أيضًا واعتبار العجز في
стр. 91
حقه من حيث المعنى لعجزه لفظًا عن شعر مثل امرئ القيس أيضًا لأن الاستنباط من النظم وإن كان للمعنى والمسألة مبنية على إقامة التنظيم الفارسي مقام العربي لما لاح من أن مبني النظم على التوسعة لأنه وسيلة غير مقصودة ومبنى القراءة على التيسير بالآية ولأنها تسقط عن الأمي ويتحمل عن المقتدي مطلقًا عندنا ولفوت الركعة عند الكل لا على اطراحه حتى يكفر منكر نزول النظم ويحرم كتابته فارسية وبزندق المداوم على القرائة بها إما الذبيحة فلحقة لأن المقصود فيها الذكر والنظم وسيلة كحالة المناجاة بل أولى باعتبار المعنى ولذا اتفق الثلاثة في أجزائها بالفارسية، واختلفوا في التشهد والخطة وأما وجوب سجدة التلاوة بها وحرمتها على الجنب والحائض وحرمة مس المكتوب بها فمع أنه جواب المتأخرين ثبت احتياطيًا به الفرق بين القبيلين والإعجاز بالمجموع أقوى وأشمل ولا ينافي تحققه بالبعض واختاروا النظم لأن في حقيقة اللفظ سوء أدب ولاشتماله على الاستعارة اللطيفة والنظم في الشعر ليس حقيقة لغوية ورجحان العرف المشهر يعارضه ما في الاستعارة من اللطف المستتر، فنقول: أداء المعنى باللفظ الجاري على قانون الوضع يستدعي وضع الواضع ثم دلالته أي كونه بحيث ينفهم منه المعنى ثم استعماله ثم فهم المعنى فلفظ بتلك الاعتبارات الأربع وتقسيمات أربع مربعة إلا الثاني فإنه ممن يسمى أقسامها وجوه النظم صيغة ولغة أي صورة ومادة ووجوه البيان أي إظهار المراد بحسب الدلالة الواضحة أو الخفية بحكمة الابتلاء يأخذ الوجهين فذكر وجوه الخفاء إلا لبيان وجوه الوضوح كما ظن جريًا على سنن قوله وبضدها تتبين الأشياء بل لأحكامها الخاصة بها ووجوه الاستعمال ووجوه الوقوف أي اطلاع السامع على مراد المتكلم ومعاني الكلام وبعضهم فسر البيان بظهور المراد للسامع فأخره عن الاستعمال ولما ورد أنه عين الوقوف فسر الرابع بكيفية الدلالة وليس بتحقيق:
فأولًا: لأن الدلالة كون اللفظ بحيث يفهم معناه وهو بكيفية مقدم على الاستعمال المقدم على الوقوف فكيف يفسر بها.
وثانيا: أن الظهور والخفاء في وجوه البيان بحسب الدلالة إذا الذي بحسب الاستعمال في الصريح والكناية فلا بد أن تقدم أقسامها على الاستعمال تقدم الدلالة بل هما في الحقيقة أقسام الدلالة وتسميتها أقسام البيان لكونه مسببا عنها وثالثا أن المتكلم لا بد أن يلاحظ وجوه البيان قبل الاستعمال إصابة الخطاب الذكي والغبي محزهما وبعد الكل فظهور المراد غاية الاستعمال فيجوز اعتبار تقدمه في التصور الأولى وصنع اللفظ إما
стр. 92
لواحد وذلك عند وحدة الوضع فإن كان على سبيل الانفراد أي انقطاع التناول أو الاستغراق فخاص وإلا فعام وأما لمتعدد فإن تعين بعض معاينة بالقطعي انقطع اعتبار تعدده فدخل فيما مر وإلا فإن ترجح بغالب الظن وأيًّا كان أو غيره فأول وإلا فمشترك وبعضهم ثلث القسمة لأن المأول ليس باعتبار الوضع بل بتصرف المجتهد والحق فعل الجمهور لبقاء تناوله الوضعي وإضافة الحكم إلى الصيغة الموضوعية بخلاف المفسر والثابت بالقياس ولا يغفل من جواز اجتماع الأقسام بالحيثيات.
الثانية: دلالة اللفظ على مراد المتكلم إما ظاهرة بمجرد الصيغة أي لا يضم القرينة كالسياقية أو السياقية الدالة على أن سوق الكلام له أي أنه المقصود الأصلي فظاهر أو وبه فقط فنص أو ومع شيء ينسد به باب التأويل والتخصيص فقط فمفسر أو مع ما ينسد به باب النسخ فمحكم وإما خفية يعارض غير الصيغة فخفي أو بها فإن أمكن دركه عقلًا لغموض أو استعارة فمشكل أو نقلا لازدحام معانيه فيحمل وإلا فتشابه فهو ساقط الطلب وطريق درك الجمل متوهم والمشكل قائم وتسمية الشافعية أقسام البيان محكما بمعنى المتضح المعنى وأقسام الخفاء متشابها بمعنى غير المتضح المعنى لإجمال أو تشبيه أو غيرهما اصطلاح مأخوذ من ظاهر قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: من الآية ٧] ومنهم من فسر الحكم بما استقام نظمه للإفادة والمتشابه بما استقام لا للإفادة بل للابتلاء لا بما اختل لعدم الإفادة كما توهم فإنه جزأة عظيمة وهؤلاء كأمتنا يقفون على ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: من الآية ٧] الأعلى في العلم فالراسخون لا يعلمون تأويله وهو مذهب عامة الصحابة والتابعين وأهل السنة من أكثر الحنفية والشافعية خلافًا لأكثر المتأخرين والمعتزلة، قيل والظاهر خلافه لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد، وإن لم يمتنع على الله تعالى والقول بحذف المبتدأ أو تخصيص الحال بالمعطوف وإن كان خلاف الظاهر أهون من الخطاب ما لا يفهم مع وقوعه حيث لا الباس قطعا نحو ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: من الآية ٧٢] والتصريح به مروي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما ولأنه إذ جاز أن يعرفه الرسول مع الحصر جاز أن يعرفه الربانيون قلنا للابتلاء وجهان الإمعان في الطلب والوقف عنه، والثاني أعظمهما بلوى لمنع العقل عن صفته الجليلة وأعمهما نفعًا في الدنيا بالأمن عن الزيغ وجدوى في العقبى بكثرة مطلب الحسنى فحكمه إنزال المتشابه ابتلاء الراسخين في العلم بكبح عنان ذهنهم عن التأمل المطلوب وتسليم الأمر إلى المحبوب
стр. 93
وإلقاء النفس في مدرجة العجز والهوان، وتلاشي الاسم والرسم بالفناء في عظمة بقاء الرحمان، وهذا منتهى إقدام الكمل بالسير الأكمل، في الطريق الأقوم الأعدل، وقبل الثاني ابتلاء نفس العقل ولولاه لاستمر العالم في أبهة العلم على المرودة وما استأنس إلى التذلل لعز العبودية والدليل نقلي وعقلي فمن الأول قراءة ابن مسعود (إن تأويله إلا عند الله) (١) وقراءة أبي وابن عباس في رواية طاووس (ويقول الراسخون) (٢)، ومن الثاني: أنه جعل تباعه بالتأويل حظ الرائعين كما بالفتنة بإجرائه على ظاهرة وتخصيص التأويل بما يشتهونه خلاف الظاهر والإقرار بحقيقته مع العجز عن دركه حظ الراسخين قبل أو قصد ذلك لكان الأليق وأما الراسخون قلنا الأليق تقديره لتناسب (إما الذين في قلوبهم زيغ) إذ لم يعهد أما في القرآن بدون أختها وليتم التفريق بعد الجمع والتقسيم وعلم الرسول ﵇ بإعلام الله تعالى لا ينافي الحصر كالغيب ولا محذور في اقتضاء الوقف الحصر وعدمه إذ لم يتوافر قبيل الأداء وقيل: النزاع لفظي فالمثبت ظاهر العلم أو ما يمكن رده إلى الحكم والمنفي حقيقة العلم أو ما لا يمكن كالعلم بالساعة ولا بد من القول به تحقيقا للقلة في قوله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعلْمِ إِلا قَليلًا﴾ [الإسراء: من الآية ٨٥] وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا ولقوله ﵇ (أو استأَثرت به في علم الغيب عندك) (٣)، وهذا أولى في الاعتقاد احترازًا عن إزراء أحد الفريقين والتفضيل أولى في الاصطلاح لاختصاص كل بحكم غايته الاشتراك في لفظي الحكم والمتشابه أو عدم إرادة الحصر.
الثالثة: استعماله إما بحسب وضع أول فحقيقة أولًا فمجاوز أيًّا كان فإن الاستعمال ظهور المراد فصريح وإلا فكتابة ولا نقفل عن النكتة.
الرابعة: أقسام الاستثمار: أي الاستنباط فهم المعنى إما من نفس اللفظ مسوقًا له أي
стр. 94
مقصودا في الجملة عبارة كان بطريق المطابقة أو التضمن أو الالتزام وغير مسوق له ويجب كونه لازما فإن لم يتوقف عليه تصحيح الحكم المطلوب فإشارة، وإن توقف فاقتضاء، وإما من مفهومه فإما بواسطة القلة المفهومة لغة أي غير الموقوفة على مقدمة شرعية فدلالة أو الموقوفة عليها وهو القياس وذلك خارج عما نحن فيه لعدم انضياف حكمه إلى اللفظ وكل من هذه العشرين أقسام النظم لأن المراد النظم الذي يفهم معناه من عبارته أو إشارته.
ومن عادتهم البحث عنها تفسيرًا واشتقاقًا وإحكامًا وترتيبًا فوجوه المعرفة ثمانون وهو مراد من جعلها عدد الأقسام فلنجر في ترتيب كتابنا على سوق أصحابنا ولنعد تفسيرها لمزيد تنويرها، وإن علم بالالتزام من وجوه ضبط الأقسام.
الكلام في الأقسام تفسيرًا واشتقاقًا
إما خاص فكل لفظ وضع لمعنًى واحد على الانفراد وعلم احترازاته والمعنى بالمعنى المدلول لا مقابل العين فيتناول قسمي الخاص الحقيقي وهو خصوص العين كزيد والاعتباري وهو خصوص الجنس منطقيًا كان كالحيوان أو لا كالإنسان وخصوص النوع منطقيًا كالفرس أو لا كالرجل ومر تحقيقه قبل ويتناول المطلق إذ هو من أقسامه على الأصح من مشايخنا لأنه بمعنى واحد في نفس الأمر أما عند من يجعله واسطة بين العام والخاص فيخرج بأن المراد بالواحد المعتبر وحدته فإن المطلق غير متعرض للصفات كما يخرج المجمل بذلك إذ معناه غير معلوم ليعتبر وحدته وأقول إرادة قيد الحيثية على ما هي واجبة في الأقسام المتباينة بالاعتبار كافية في ذلك والخصوص الانفراد واختصصت بكذا انفردت به ولم يوجد في غيري، ومنه الخصاصة وأما العام فكل لفظ يتعلم جمعًا أن المسميات لو يستغرق جميعه المسميات على المذهبين فخرج باللفظ المثبت إذ لا عموم له يحبب الأقسام والجهات والأزمان والمكلفين والمعاني الكلية ومنه عموم المفهوم والعلة إذ لا عموم لها عندنا كأني الحسين خلافًا للأشاعرة وسيجيء ومن أراد شمولها قال ما ينتظم لو يستغرق وتعريفه بكل لزومًا ليس من حيث هما من جزئياته فيصبح كالكلمة والاسم والاستغراق لغيري وهو أن لا يخرج شيء من المسمى فليس تعريف الاصطلاحي به تعريفًا أو بما يساويه والمسميات ما يصبح إطلاق اللفظ غلبه دفعة من جزئياته حقيقة أو مجازًا فيخرج الأعداد والجمل والمشترك باعتبار معاينة المختلفة والحقيقة مع المجاز عند من لم يقل بعمومها وعند من قال به لا محذور في دخولهما لاختلاف اعتباري القسيمة
стр. 95
والقسيمة ويدخل المشترك المراد به أفراد معنى واحد وإن لم يقيد بالوضع الواحد وعموم إيجاز الشامل لاذراء الحقيقة نحو لا يتزوج النساء وعبيدي أحرار ولأفراد المعاني المختلفة المشترك نحو يصلون والفرق بين التعريفين أن الأول يتناول الجمع المعهود والمنكر والذي خص عنه وهو اختيار أكثر مشايخ ما وراء النهر والجبائي دون الثاني لأن الاستغراق وهو الشرط عند العراقين من مشايخنا وأكثر الشافعية منتف فيهما والثمرة صحة التمسك الأصح هو الأول لأن الاستغراق عند مشترطية لا يفهم في المعرف أيضًا إلا في المقام الخطابي دفعًا للتحكم كما عرف وبذائفهم في المنكر والذي خص عنه أيضًا ولذا إذا امتنع حمله على الكل يحمل على أقرب مجاز منه بخلاف الواحد والمثنى المنكرين إذ ليس تناولهما تناول انتظام ودلالة بل تناول احتمال واشتراط الأمر المشترك في العام إنما يصح عند من لا يقول بالعموم في المشترك والحقيقة والمجاز والمراد بالتناول أو الاستغراق أعم من جهة اللفظ كما في العام بصيغته مثل الجمع أو من جهة المعنى كما في العام معناه تناول المجموع أو كل واحد على الشمول أو على البدل وليس المسمى مقابل المعنى إلا إذا قيل من المسميات أو المعاني كالجواهر والأعراض وهو مراد الجصاص لا أن المعنى أو للمشترك بين المعاني المختلفة عمومًا إذ مختاره خلافه وإن أطلق مجازًا لعموم محله نحو مطر عام وحصب عام وشيء أي في قوله تعالى ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ [الرعد: من الآية ١٦] لفظ عام بالمعنى يتناول كل موجود لا ومعدوم ممكن خلافا للمعتزلة لا بالصيغة كما ظنه القاضي ولا مشترك كما ذهب إليه ليندفع كونه في الآية عامًا مخصوصًا عنه ذات الله وصفاته فلا يسقط عن الاحتجاج بها على خلق الأفعال ولا وجه لمنع التخصيص بالعقل لثبوته بل الوجه في الجواب أن التخصيص بالعقل لما لم يقبل التعليل لم يقدح في القطعية والعموم الشمول نحو نخلة عميمة طويلة شاملة للهواء الكثير.
تتمة: حصر الغزالي ألفاظ العموم في خمسة:
١ - المجموع صيغة أو معنى مطلقا أو معرفا باللام أو الإضافة.
٢ - أسماء الشرط والاستفهام والموصول.
٣ - النكرة في سياق النفط وما يشبهه كالشرط والاستفهام والنهي اسما كانت أو فعلًا.
٤ - الاسم المفرد المعرف بلام الاستغراق أو المصدر المضاف.
стр. 96
٥ - الألفاظ المؤكدة نحو كل وجمع غيرها (١) وزاد أصحابنا النكرة الموصوفة في الإثبات وهذه أقسام العموم اللغوي إما العرفي فكعموم تحريم الأمهات لوجوه الاستماع وأما العقلي فكعموم الحكم مذكورًا بعد سؤال عام أو مقرون به علته، وكدليل الخطاب عند من يقول بعمومه، وأما المشترك فكل لفظ يحتمل بالوضع معاني مختلفة على أن لا يراد إلا واحد وقبل أو أسماء مختلفة المعاني وذلك لأن المراد بالأسماء الأعيان كالصريم وبالمعاني المعاني الذهنية كالإخفاء والنهل وإن ليندرج قول من ذهب إلى أن المشترك وضع بإزاء الألفاظ كالعين للفظ الباصرة وغيرها ولكون المفهومات مشتركة في اللفظ سمي متركا بحذف الجار، وإما المأول فكل لفظ ترجح بعض محتملاته بدليل فيه شبهة وقيل مشترك ترجح لأن الذي من أقسام النظم صيغة ولغة مأول المشترك والأول أصح لأن الاشتراك في المأول بين المعنين اصطلاحًا غير معبود والأصل عدمه ويجوز كون القسم أعم فيتناول ما فيه احتمال مما فيه ظهور وخفاء وخرج المجمل سواء كان إجماله لغرابة البلوغ أو لمعنى زائد شرعي كالربا أو لانسداد باب الترجيح كالوصية للموالي ممن أعلى وأسفل لاختلاف مقاصد الناس شكرًا للأنعام أو قصدًا إلى الإتمام والمفسر لأن دليله قاطع وقبل التأويل حل الظاهر على المحتمل المرجوح فبدليل يصيره راجحًا صحيح وبدونه بأقسامه الثلاثة فاسد، فإن أريد بالراجح غير القطعي كان مناسبًا لاصطلاحنا وإن أريد ما يتناوله فلاصطلاح الشافعية لأنهم يجعلون هذا المفسر قسمًا من المؤول نظيره القرء رجحنا الحيض لدلالة القرء على الانتقال والجمع بين الانتقال والجمع بمعنى الاجتماع للدم وبمعنى الجامعية لا له ولا للطهر لأن الطهر عدم الدم والعدم لا يؤثر فلا يلتفت إلى القول بأن الجامع هو الطهر والتأويل الرجع والصرف كما يصرف اللفظ إلى بعض محتملاته وربما يطلق على المصروف إليه كما قال تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأوِيلَهُ﴾ [الأعراف: من الآية ٥٣] أي عاقبته، وإما الظاهر فكل ما ظهر المراد به بنفس سماع صيغته سيق الكلام له نحو ﴿يَا أيُّهَا النُّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: من الآية ١] الآية أولًا نحو ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ﴾ [البقرة: من الآية ٢٧٥] فعدم السوق ليس بشرط في الصحيح بل منهم من جوز اجتماع جمع هذه الأقسام الأربعة ويناسبه تفسير الشافعية بما دل دلالة واضحة والنص والمفسر والمحكم قسم منه وقال بعضهم دلالة ظنية إما ظنا بالوضع كالأسد المفترس أو بالعرف العام كالغائط للخارج المستقذر أو الخاص الشرعي كالصلاة
стр. 97
أو غيره كانقبض فيخرج ما دلالته قطعية أو مساوية أو مرجوحة كالمجاور والطهور لغوي وهو الانكشاف.
وأما النص: فهو ما ازداد المراد به وضوحًا على الظاهر يتصرف المتكلم قيل هو سوق الكلام له لأن السوق له احلى من غيره ولهذا رجحت العبارة على الإشارة وفي الكشف أنه ليس بشيء لعدم الفرق في الظهور بين ﴿وَأَنكِحُوا الأيَامَى﴾ [النور: من الآية ٣٢] و ﴿فَانكحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النساءِ﴾ [النساء: من الآية ٣]، نعم يفيد قوة السوق له هي علة الترجيح بل هو ضم قرينة نطقية سياقية نحو مثنى وثلاث ورباع أو سياقية نحو قالوا إنما البيع مثل الربا ابدل على معنى زائد على مفهوم الظاهر هو المقصود الأصلي بالسوق كبيان العدد أي بأن عدم جواز الازدياد على إلا ربع في الأول إذ القاعدة أن المقصود بالأمر بشيء غير واجب مقيد بشيء قيد نحو بيعوا سواء بسواء إما إذا وجب فنفسه نحو ادوا عن كل حر وعبد من المسلمين وبالتفرقة في الثانية لكونها جواب قول الكفار.
وفيه بحث: فأولًا: لأن قرينة السوق تمنع احتمال غير المسوق له فيزداد به المسوق له وضوحًا.
وثانيًا: أن مختاره يقتضي بشرط أن يكون معنى النص غير مفهوم الظاهر وما فيه ما نقله عن شمس الأئمة وصدر الإِسلام بل عن أبي زيد من تجويز أن يكون مفهوم الظاهر مسوقًا له الكلام أو أن لا يكون نحو أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة نصًا مع سوقهما لما هو المقصود الأعلى المفهوم من العبارتين.
وثالثًا: أن القرينة لا تختص بالنطقية ولعلها حالية.
ورابعًا: أن ما ازداد وضوحًا بانفهام معنى آخر هو تمام المراد لا مفهوم الظاهر كما هو الظاهر من تعريف النص والتنصيص الإيضاح بالتكليف ومنه نصصت الدابة ومنصة العروس وقد يطلق النص على مطلق اللفظ لاشتمال المقال على تكليف في الإيضاح بالنسبة إلى الحال وعلى لفظ القرآن والحديث لأن أكثرهما نصوص.
وأما المفسر: فما ازداد وضوحًا على النص بأحد أمرين ببيان التفسير إذا كان مجملًا لحقه بيان قطعي الدلالة والثبوت فانسد به باب التأويل إذ لو لم يكن قطعيًا لانفتح به فإن المجمل لا يقبل التأويل ما لم يبين بغير القاطع والمراد بالانسداد دوامه كالقعود في قوله تعالى لا تقعد بعد الذكرى أو انسداد باب التأويل المتوهم على اعتبار كون البيان غير
стр. 98
قاطع أو بيان التقرير حين كان عامًا لحقه ما انسد به باب التخصيص. وقيل: أحد الأمرين كون البيان متصلًا والآخر كونه منقطعا فالهلوع من الأول قطعا ولا نظير له من الثاني قطعًا؟ لأن التخصيص لا يتراخى والصلاة والزكاة من الأول ومن الثاني على الثاني وقوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافةً﴾ [التوبة: من الآية ٣٦] بالعكس وهو محكم لغيره فغيره محكم في نفسه فيصبح التمثيل له تمثيله بقوله تعالى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] فدخل فيه بوجهين إنه يقبل التأويل ولهذا استثنى منه ولئن سلم فإنه خبر محكم وجواب الأول بأنه تمثيل بعد انقطاع الكلام وحينئذ لا يحتمل الاستثناء بخلاف النسخ أو بأن التمثيل بغير الفعل فاسد إذ لا انقطاع في الآية ولا يحتمل النسخ غير الحكم والصحيح بأن الاستثناء ليس بتخصيص وجواب الثاني بأنه يحتمل نسخ لفظه في الجملة فلا يتعلق به جواز الصلاة وحرمة المرأة لمثل الجنب ورد بأن ذلك الاحتمال قائم في ﴿إِن الله بكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: من الآية ١١٥] مع تمثيل المحكم به ليس بشيء؛ لأن المحكم ما أحكم مراده عن احتماله كما سيجيء لا ولفظه ولأن اعتبارًا ما كاف في التمثيل ولا يلزم من اعتبار شيء في تمثيل اعتباره في غيره بل الجواب يمنع أن كل خبر لله محكم وإلا فكان مجرد فسجد الملائكة محكمًا بل لا بد في الأحكام من أمر غير خبرية يقتضي عدم النسخ عقلا كالبرهان في علم الله وكالتأييد في قوله ﵇ "الجهاد ماض إلى يوم القيامة (١) "، نعم يرد أن اللام في الملائكة يحتمل العهد وتعميم هؤلاء المعهودين الذين منهم إبليس كما قال طائفة إنهم غير الكروبيين فمع هذا الاحتمال لا يصبح مفسرًا، أو عدم قرينة العهد مع أنه الأصل عند الأصولين ممنوع والقول بأن الكل يمنع التبعيض وأجمعوا التفرق نقل ثقة فلا مدخل في حكايته والقول بأن آية السجود ونصح نظيرًا للأربع مبنى على عدم المباينة بينهما ومدار تركيب المفسر على الكشف كتفسرة الطيب والسفر والسفير، فالتفسير الكشف بلا شبهة، وقيل: السفر للظاهر والمفسر للباطن فالتفسير كشف المعاني بلا شبهة فمعنى من فسر القرآن قضي بتأويله على أنه مرادًا لله تعالى فنصب نفسه صاحب وحي فلا يكون كل مجتهد مصيب إلا في جواز عمله باجتهاده وفي مقدمات سعيه، وفي تقلد القضاء تعريضًا بالقاضي الغير المجتهد أو للثواب وهذا قول أبي منصور وقبل معنى برأيه من غير استنباط عن قواعد العربية إذ معه عرف مشهور، وقيل إن يفتري على الرواة والأول هو هو لاستفادته من
стр. 99
اشتقاق اللفظ، وأما المحكم فهو: ما ازداد قوة على المفسر بأن أحكم مراده عن احتمال النسخ من أحكام البناء وقبل ما ازداد وضوحًا عليه وعليك بالأول لأن منع النسخ لا يفيد الوضوح وهو محكم لعينه إن انقطع احتمال نسخه في ذاته عقلًا كالآيات الدالة على صفات الصانع ومحكم لغيره إن انقطع بقضي زمان الوحي، وأما الخفي فكل ما اشتبه مراده بعارض غير الصيغة كالسارق في الطرار والنباش لاختصاصهما باسميهما والخفاء من العارض أدنى مراتبه عكس الظهور، وقيل: يعارض في الصيغة ففي الصيغة ظرف الخفاء لا سببه أو المراد صيغة الطراز والنباش مثلًا من اختفى أي استتر عارضه كفى مكان مظلم لا بتبديل هيئة. وأما المشكل: فما اشتبه مراده بحيث لا يدرك إلا بالتأمل، سمي به لدخوله في إشكاله وأمثاله كأحرم وأشاء وهو قسمان:
١ - لغموض في المعنى نحو ﴿أنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٣] أي كيف للحرث و ﴿خير مِنْ أَلْفِ شَهْر﴾ [القدر: من الآية ٣] أي: ليس فيها ذلة القدر ويكن قرأ القرآن عشر مرات أي بدون يس وبدون ما فضلت عليها من السورة والآيات، وإلا لزم تفضيل الشيء على نفسه، و ﴿فَاطْهَّرُوا﴾ [المائدة: من الآية ٦] أي: جميع البدن للمبالغة فيشمل الفم والأنف بخلاف فاغسلوا وامسحوا.
٢ - لاستعارة بديعة نحو ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فضَّة﴾ [الإنسان: من الآية ١٦] و ﴿لِبَاسَ الْجُوع وَالْخَوْف﴾ [النحل: من الآية ١١٢] وَ ﴿سَوْطَ عَذَاب﴾ [الفجر: من الآية ١٣] ويسمى المشكل غريبًا كمن اغترب فاختلط بإشكاله.
وأما المجمل: فما اشتبه مراده بحيث لا يدرك إلا باستفسار وله أنواع ثلاثة:
١ - لا يفهم معناه لغةً وسببه غرابة اللفظ كالهلوع.
٢ - المفهوم لغةً ليس بمراد وسببه إبهام المتكلم كالربا والصلاة والزكاة.
٣ - معناه متعدد ولا ترجيح كما في المشترك وسببه تعدد الوضع أو الغفلة وبيانه قسمان:
١ - شاف فيكون مفسرًا كالصلاة والزكاة.
٢ - غير شاف فيحتاج إلى التأمل بعد الطلب فيكون متكملا وبعد التأمل مأولا كالربا فإنه محلى بلام الاستغراق وقد بين في الأشياء الستة من غير حصر لا لإجماع فبقي مشكلا والإجمال الإبهام كمن اغترب بحيث انقطع أثره.
وأما المتشابه: فما لا طريق لدركه للأمة أما النبي ﵇ فربما يعلمه بإعلام الله
стр. 100
تعالى وهو نوعان:
١ - أن لا يفهم شيء ويسمى متشابه اللفظ كمقطعات أوائل السور ويسمى حروفا باعتبار مدلولاتها، وإن قيل: إنها ليست من المتشابه بل تلكم بالرمز لتأويل بعض السلف إياها من غير إنكار من الباقين والأكثر على الأول.
٢ - المفهوم منه يستحيل إرادته كالاستواء واليد والوجه وكيفية الرؤيا فلم يؤوله السلف وحكموا بأن السوال عنه بدعة لأنه معلوم بأصله متشابه بوصفه ولن يجوز إبطال الأصل للعجز عن إدراج الوصف كما ضلت المعتزلة ولذا صاروا أيضًا معطلة الصفات لله تعالى لجهلهم بكيفية ثبوتها وإنما أوّله الخلف اضطرارًا لا لزام أهل البدع المتمسكين به فلذا قيل طريقة السلف أسلم والخلف أحكم والتشابه ينبيء عن كمال الخفاء لكون الاشتباه من الأطراف.
وأما الحقيقة: فاللفظ المستعمل ملاحظة وضع من حيث هو أول فاللفظ جنس وتنبيه على أنها حقيقة فيه وإطلاقها على الإطلاق أو الاستعمال أو الإرادة أو المعنى مجازي أن لوحظ العلاقة وإلا فخطأ العوام.
والمستعمل أي استعمالا صحيحًا جاريًا على قانون الوضع لما تقدم في مورد القسمة احتراز عن المهمل وعما قيل الاستعمال لما يجيء والباقي عن الغلط والمتحرف والطبيعي، وعن المجازات الأربعة لأن الملاحظ في كل مجاز وضع ثان شخصي أو لوجب نقل أفراده ونوعي إن كفى العلاقة ملحوظ فيه الوضع الأول فيودي معنى قيد اصطلاح التخاطب، وسقط الاعتراض بأن المراد الوضع الشامل للنوعي بدليل كون الدوال بالهيئة حقيقة وفي المجاز ذلك ويمكن الجواب أيضًا أن الكلام في وضع اللفظ نوعيا كان أو شخصيًا والوضع في المجاز للعلاقة لا للفظ على ما هو مختارهم، ولئن سلم المطلق من وضع اللفظ ما لا يستند فهم المعنى إلا إليه لا كما وإلى القرائن قبل لو قيل بأنه اللفظ المستعمل في الموضوع له، وأريد من حيث أنه موضوع له لأن قيد الحيثية يراد في مثله ولأنه مرتب على المشتق لا غنى عن القيد ولو لم يقيد بالأولية لأن استعمال المجاز من حيث إنه مرتب على وضع آخر، وفيه بحث مبني على أن القيد إنما يخرج ما ينافيه لا ما يغايره، فإن كون المجاز مرتبًا على وضع آخر لا ينافي كونه مستعملًا في الموضوع له من حيث إنه موضوع له وضعًا نوعيًا، نعم لو قيد بالأولية أصح ولكن إشعار العبارة أولى ومرادنا بالأولية أن لا يكون استعماله مرتبًا على وضع آخر فيتناول الأعلام المنقولة
стр. 101
والألفاظ الموضوعة ثانيًا ولو لواضع الأول وغير المستعمل في المعنى الأول أصلًا وربما يقال الثاني بالفرض كاف ويقال الأعلام المنقولة ليست بحقيقة ولا مجاز إذ ليس فيها شيء من الأوضاع الأربعة والمراد شيء منها وهي في اللغة بمعنى الثابتة اللازمة من حق مقابل بطل ومنه حقيقة الشيء لمفهومه والحق للعقد باعتبار كونه مطقًا للواقع بفتح الباء ثم للقول كذلك لدلالة عليه ففي معناها الاصطلاحي مجازٌ لغوي، قيل: في المرتبة الثالثة لأخذه من الحق بمعنى اللفظ المطابق والحق أنه في المرتبة الثانية من الحقيقة المفهوم أو في الأولى، وقد يقال في اللغة بمعنى المثبتة من حققته والتاء لنقل اللفظ إلى الاسمية كالأكيلة فإن المنقولية فرعية كالتأنيث لا للتأنيث كما في الأول لأن الفعيل بمعنى المفعول مشترك، وقيل: للنقل مطلقًا لأن الموصوف مذكر وتقدر صفة مؤنث غير مجراة على الموصوف، والحق ما في الأساس أنه أطلق على ما ثبته غيره يكون من حقق بالضم كما قال سيبويه في الفقير والشديد.
وأما المجاز: فهو اللفظ المستعمل لا ملاحظة وضع من حيث هو أول على وجه يصح (١) والقيد الأخير احتراز عن التغلط وعن الانتقال المخل، وأولى من قيد لعلاقته لتناوله المذهبين وعموم العلاقة المعتبرة وغيرها إلا بالعناية ويتناول العقلي الحكمي على المذاهب الأربعة تمثيلية أو تبعية أو مكنية كالتبعية أو هيئة جملة مستعملة في غير ملابسة وضعت لها وضعًا نوعيًا فليس مشتركًا بين المعنيين كما وهم. والمجاز لغة: الانتقال أو موضعه من الجواز بمعنى العبور لا بمعنى الإمكان نقل منهما إلى الجائز كالمولى للوالي ثم إلى اللفظ المذكور فهو مجازٌ في المرتبة الثانية والحق أنه مأخوذ من الموضع في الأولى وإما التصريح فباعتبار استعماله ظهر المراد به في نفسه كالحقيقة الغير المهجورة، والمجاز الغالب فخرج منه أقسام الظهور من وجوه البيان لأنها باعتبار الدلالة ومن الكناية بالبيان والصراحة كالفصاحة الخلوص ومنه الصرح لارتفاعه، وأما الكناية فما باعتبار استعماله استتر المراد به في نفسه لا كما الذهول عن القرينة في المجاز الطلب كالحقيقة المهجورة، والمجاز غير الغالب والضمائر مطلقًا موضوعة لاستعمالها كناية
стр. 102
فلذا كانت كنايات في نفسها وإن تعينت معانيها بالقرائن الحالية أو التالية وعند أئمة العربية لفظ يقصد بمعناها ما هو مردوف له كنومة الضحى في المرفهة فمعها قرينة لا مانعة عن إرادة الموضوع له بخلاف المجاز والانتقال فيها من اللازم وفيه من الملزوم فهي عندهم واسطة وعندنا لا بل كتابتهم مجاز والضمائر عندهم حقائق إما كنايات الطلاق فليست بكنايات عنه إلا مجازًا بالاتفاق خلافًا للشافعي فعندنا لعدم استتار المراد والإبهام في متعلقاته أن البينونة أعم إذًا وعندهم: لعدم الانتقال وإلا كانت رجعية كما عنده لا كما ظن أنها عندهم كنايات حقيقة إرادة للمعنيين وإيقاعا للطلاق بصفة البينونة، وذلك لأن إرادة الموضوع له عندهم للانتقال لا لكونه مقصودًا ومرجعًا للصدق والكذب، وإلا لم يصح طويل النجاد إلا لمن له نجاد ولأنه حينئذ لا يكون قصدًا بمعناه إلى معنى آخر بل التحقيق مذهبنا أنه لا واسطة لأن الحقيقة حقيقة بالإرادة ما لم يصرف صارف وإلا ارتفع الوثوق عن اللغات ففي الكناية إن لم يكن قرينة أو كانت غير مانعة لا يراد إلا الحقيقة غير أن القرينة ربما نافت في الخارج وربما نافت في النية والتردد للتردد في القرينة كما يقع مثله في المجاز ثم جواز إرادة الموضوع له أن أريد للانتقال ففي المجاز كذلك وإن أريد على أنه المقصود فممنوع لأنه متعين حينئذ وإلا فلا وثوق ولا انتقال من اللازم ما لم بجعل ملزوما فلما كانت بواين كانت حقائق إلا في اعتدى واستبرئي رحمك لأن عد غير الاقراء وطلب البراءة لا لتزوج زوجًا آخر للوطيء وإن كان محتملًا لكن عند نيتهما يكونان كنايتين من كوني طالقًا حقيقة لأنهما من روادفه في الجملة وإن لم يردفاه في غير المدخول بها كما يتسنى بنوم الضحى عن الترفه وإن لم يكن نوم وبكثرة الرماد عن الضيافية وإن لم يكفي رماد كما في الضياف بالشرى فلذا يتبع الرجعي مويدًا بل السنة لا للانتقال عن المسبب له ليرد أنه غير مقصود، وقيل: هما في المدخول بها حقيقتان لهما شبه المجاور ووقوع الرجعي للاقتضاء وفي غيرها مجازان محضان لسببهما وجاز إما لأن المراد بالسبب العلة أو لأن اختصاص المسبب كاف في صحة استعارته للسبب ولا يلزم كونه مقصودا كالخمر في العنب، والموت على المرض المهلك وهما مختصان بالطلاق من حيث الأصل لا يوجد أن في غيره إلا من حيث الشبه والتبع كالموت وإعتاق أم الولد وحدوث حرمة المصاهرة وارتد إذ الزوج وغيرها وإما أنت واحدة فإنما يتبع رجعيا أيضًا لأنه وإن احتمل مدخلها ينتقل بالمنية إلى أنت طالق واحدة إذ فيه غنية عن تقدير البينونة، وقال الشافعي: لا يقع به شيء لأنها صفة المرأة قلنا ويحتمل صفة التطليق فيكون عند نيتها كقوله أنت
стр. 103
تطليقة واحدة والكناية منها كثبوت عكس جبيت من الجباوة وهي في اللغة أيضًا التكلم بشيء وإرادة غيره كقوله، وأني لا كنو عن قذور بغيرها، واعرف أحيانًا بها فا صارح.
بقي أقسام الاستثمار ولتقدم لتحقيقها على سوقنا مقدمات وسيجيء سوق الشافعية في المفاسد إن شاء الله تعالى:
١ - أن المفهوم من اللفظ إما عين الموضوع له أو جزؤه أو لازمه واللازم أما متأخر كالمعلول أو متقدم كالعلة والشرط ومع كأحد معلولي العلة الموجبة لهما للآخر على ما هو المشهور ومنه المتضايفان.
٢ - أن اللازم المتأخر لا يتوقف عليه صحة الحكم المطلوب وإلا لم يكن متأخرا إما المتقدم فقد يتوقف عليه صحته كالأهل لصحة تعلق السؤال في واسأل القرية والحكم لصحة تعلق الرفع في "رفع عن أمتي الخطأ" والتمليك لصحة وقوع الإعتاق عن الأمر في أعتق عبدك عني بألف، وقد يتوقف عليه صحة طلاق بعض المفردات على معناه كالبنيان لصحة الطلاق القرية والإرسال إلينا لصحة إطلاق الأمة والمملوكية لصحة إطلاق القيد.
٣ - أن اللازم المتأخر للحكم قد لا يكون بواسطة مناطة ولقسمة ذاتيا وقد يكون بها فمناطه إما مفهوم لغةً، أي: موقوف فهمه على مقدمة شرعية أولًا بل موقوف عليها كالثابت بالقياس.
٤ - المحتاج إليه لصحة الحكم المطلوب إما لصحته عقلًا كالمنال الأول أو شرعًا كالثالث أو لصحة صدقه كالثاني فالشرعي مقتضى بالاتفاق وكذا الآخران عند جمهور المتقدمين وعند بعض المتأخرين يسميان محذوفا أو مضمرًا ولذا قالوا بعمومهما إلا أبا اليسر.
٥ - أن المفهوم إما مقصود أصلى إما مقصود كالتفرقة في ﴿أحل الله البيع﴾ الآية وهو مسوق له من كل وجه أو غير أصلي كإحلال البيع فيها وهو مسوق له من وجه لأنه مقصود للتوسل أو ليس لمقصود أصلا كانعقاد ببيع الكلب من قوله ﵇ "إن من السحت ثمن الكلب" إذا تقررت فنقول إما ما يستدل بعبارته فالدال على تمام الموضوع له أو جزئه أو لازمه مسوقًا له أي مقصودا في الجملة فيعم الأولين ولا يجب كونه مقصودًا أصليًا كما في النص وإلا لم يندرج الظاهر في العبارة فهو ثلاثة أقسام:
١ - نحو ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: من الآية ٨] في إنجاب سهم من الغنيمة.
٢ - نحو كل امرأة لي طالق جواب إرضاء لقولها نكحت على امرأة فطلقها فإنه في
стр. 104
طلاق تلك المرأة عبارة وهي جزء مدلول كل امرأة وإن طلقت كلهن قضاء.
٣ - نحو ﴿وَأَحَل الله الْبيعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: من الآية ٢٧٥] في التفرقة اللازمة المسوق لها والعبارة تفسير الرؤيا والتغيير والتكلم سميت بها الألفاظ الدالة لكونها مفسرة وإما يستدل بإشارته فالدال على اللازم الذاتي الغير المسوق له أصلًا ولا المحتاج إليه لصحة الحكم سواء كان متقدمًا محتاجًا إليه لكن لصحة إطلاق بعض المفردات لا لصحة الحكم نحر للفقراء المهاجرين في زوال ملكهم عما خلفوا في دار الحرب لأن الظفر به لا يبعد إليه أو متأخرًا نحوه وعلى المولود له في أن النسب إلى الآباء ليعتبر في الإمامة الكبرى والكفاءة وغيرهما، وقيل: قد يدل بالإشارة على الموضوع له وجزؤه كآية التفرقة في الإحلال والتحريم، وفي حل بيع الحيوان وحرمة بيع النقدين وكدلالة المسألة المذكورة على طلاق الكل وطلاق المرأة القائلة كل ذلك لعدم السوق له وهو يوهم بخلاف ما صرح السلف به ناش من عدم الفرق بين المسوق له في النص وبينه هنا فالقيد الأول لإخراج الدلالة والقياس والثاني لإخراج العبارة والثالث لإخراج الاقتضاء والإشارة منها ظاهرة كما مر ومنها غامضة كقوله تعالى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاُثونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: من الآية ١٥] عبارة في منه الوالدة على الولد إشارة في أن أقل مدة الحمل ستة أشهر (١) لأنها الباقية بعد رفع مدة الرضاع وهي حولان وهذا أولى من جعل المدة لكل منهما كأجل الدينين إما رواية فلانة تخريج ابن عباس وعلى وإما دراية فلان المضروب لهما المدة متتاليان نحو ذهابي وإيابي شهر أن بخلاف الدينين ولا منافاة بين بيان الضرورة والإشارة ونزلت فيمن وضعته أمه بستة أشهر فلذا لم يذكر التسعة الغالب وإن كانت أنسب لمقام الامتنان وللإشارة خفاء بالنسبة إلى العبارة.
وإما ما يستدل بدلالته فالدال على اللازم بواسطة مناط حكمه المفهوم لغة وبه يخرج الثابت بالقياس ويسمى فحوى الخطاب ومفهوم الموافقة والقول بأن قياس جلي فاسد لأن المنصوص قد يكون جزءًا نحو لا تعطه ذرة خلاف القياس ولأنه كان ثابتًا قبل شرع القياس فبينهما وجهًا فرق:
١ - أن مناطه مفهوم لغة أي لا يتوقف فهمه على مقدمة شرعية لا أن ينساق إليه ذهن كل لغوي كما ظن فاعترض بتعذية الكفارة من الوقاع إلى الأكل والقياس يتوقف عليها وقريب منه ما يقال النظر في المناط شرط العلم بالتناول اللغوي هنا وسبب ثبوت
стр. 105
الحكم في القياس.
٢ - أن الملحق فيه مساو للملحق به أو أعلى وفي القياس أدنى ولهذين الوجهين عدت دلالته قطعية وعمل عمل النص في إثبات العقوبات وهو الثمرة من الخلاف في قياسته والحق أن القائل بقياسيته من الشافعية يجوز إثباتها بهذا القياس فالنزاع لفظي إما الأعلى فكالضرب والشتم الملحقين بالتأفيف في الحرمة بمعنى الأذى للعلم بأن المقصود من الحكم المنصوص كف الأذى بخلاف قول الأمر بقتل عدوه لا تقل له أف واقتله فدار الأمر العلم بمقصود المنصوص وفهمه في الضرب والشتم أقوى حتى لا يجنب من ضرب بعد الموت في لا يضر به ولا يبر في ليضربنه ويحنث بمد الشعر والخنق في العض من خلف لا بضربه كما في لا يؤدي وإنما لا يحرم التأفيف لهما على من لا يعرف معناه أو يظنه إكراما مع أن العبرة في محل النص للمنصوص ولذا لا يجوز نصف صاع تمر قيمته كالبر لأن ذلك في المعنى الثابت اجتهادًا إما الثابت قطعًا فيدور الحكم عليه ولذا سؤر الهرة الوحشية نجس لعدم الطوف مع قيام النص.
وأما المساوي فكالوطء ناسيًا الملحق بالأكل بمعنى كون النسيان مدفوعًا إليه طبعًا من جانب صاحب الحق وسيجيء تحقيق مساواته قبل مقصود المنصوص الذي هو مدار الأمر إن كان معلومًا قطعًا فالدلالة قطعية كآية التأفيف وإلا فظنية كإيجاب الكفارة على المفطر بالكل، وفيه بحث لأن عدم القطعية يخرجها إلى القياس ويحوجها إلى الاجتهاد وينافيه إثبات كفارة الفطر الغالب فيها معنى العقوبة ولكون معنى النص مرشدًا يسمى الإشعار بسببه دلالة أي إرشادًا.
وأما يستدل باقتضائه فالدال على اللازم نحتاج إليه لصحة الحكم المطلوب أو صدقه مطلقًا أو شرعيًا على المذهبين فلا بد أن يكون متقدمًا لكونه شرطًا نحو فتحرير رقبة أي مملوكة والاقتضاء الطلب.
الكلام في أحكامها اللغوية التي يبحث عنها من حيث هي مباديء كوقوعها وشرط وقوعها وأمارته ووضعها وتعيين واضعها إما من حيث دلالتها على الأحكام الشرعية فقاصد العلم فلنتعرض منها لما له مثل هذه الأحكام وللبحث عن كونها أصلًا أو خلافه جهتان اخترنا ذكره ها هنا بجهة لغويته لكونه إلى الضبط أقرب
ففي المشترك مباحث .
الأول: أنه واقع في اللغة ويتضمن جواز وقوعه وقيل: يجب وقيل: يمتنع لنا أن القرء مشترك وواقع فالصغرى لأنه موضوع يستعمل للطهر والحيض معًا على البدل من غير
стр. 106
ترجيح وهذا بإطباق أهل اللغة وكل ما كان كذلك مشترك لأنه المبحث المحرر فأخرج لمعنيين المنفرد معناه ومعنًا أي يستعمل لكل على تقدير استعماله للآخر المنفرد المشكوك في تعين ما وضع له من المعنيين كافعل في الوجوب والندب ولا يخرج بنفي الترجيح لأنه بعد تعين الموضوع له فالمعية في الاستعمال لا في زمانه وعلى البدل شيئين.
١ - المتواطيء والمشكك فإن الرجل يستعمل في القدر المشترك إما من حيث هو أو من حيث حصوله في فرد معين عهدًا أو في جميع الأفراد التي كل منها معنى عهدي لكن على الاجتماع.
٢ - الموضوع المعنيين كالإمكان الخاص لسلبي الضرورة من الطرفين فإنه ليس مشتركًا بالنسبة إلى أحدهما بل بالنسبة إليه وإلى سلب ضرورة أحد الطرفين ومن غير مرجح الحقيقة والمجاز وارد يمنع كون القرء حقيقة فيهما لجواز مجازيه أحدهما وجفاء موضع الحقيقة وأجيب بأن المجاز أن استغنى عن القرينة التحق بالحقيقة وحصل الاشتراك وإلا فلا تساوي إما كونه مجازا فيهما فيدفعه عدم احتياجه إلى القرينة المانعة عن الحقيقة وإن احتاج إلى القرينة المعنية والغرض من هذه الإشارة إلى الحقيقة المختارة للمشترك وإلا فالاستدلال بأن القرء حقيقة في كل منهما لعدم احتياجه إلى القرينة المانعة كاف للموجب وجهان الأول منهما يستدعي مقدمات.
١ - أن المسميات غير متناهية أولًا يرى أن بعضها وهو الأعداد غير متناهية.
٢ - أن الألفاظ متناهية لتركبها من الحروف المتناهية بالانضمامات المتناهية إذ الألفاظ الموضوعة لا ترتقي عن السباعي مع أن بعض تقاليبها مهمل.
٣ - أن ما عدا أي قدر متناه من غير المتناهي يكون أكثر فنقول لو لم يجب لجاز أن لا يقع ويمتنع لأنه لو كانت المسميات غير متناهية والألفاظ متناهية فلو لم يقع الاشتراك لخلت أكثر المسميات أي ما عدا أي قدر متناه منها عن الاسم والمقدم بجزئية حق والملازمة لامتناع وفاء المتناهي بغير المتناهي فرادى وبطلان التالي لأن قصور الألفاظ يخل بغرض الوضع الذي هو تفهيم المعاني وربما يوجه بأن توزيع المتناهي على غير المتناهي يوجب الاشتراك وإنما يتم لو بين عدم قصور الألفاظ عن المسميات والجمل التي يوضع المشترك بإزائها أنفسها متناهية وأفرادها غير متناهية وجوابه من وجوه أربعة:
١ - منع عدم تناهي المعاني إن أريد بها المختلفة والمتضادة وتسليمه مع منع عدم وفاء الألفاظ بها إن أريد المتماثلة المتحدة في الحقيقة أو المطلقة فإن الوضع للحقيقة
стр. 107
المشتركة كاف في التفهيم.
٢ - على تقدير تسليم عدم تناهي كل منها فمنع عدم تناهي ما يحتاج إلى التعبير والتفهيم وذلك ما يدخل لخت تعقلنا وتوجهنا ولوكان الواضع هو الله تعالى فلما كان وضعه لتفاهم العباد جاز أن يعتبر حالهم في التناهي.
٣ - منع تناهي الألفاظ لتركبها من المتناهي كأسماء العدد الغير المتناهية مع تركبها من اثنى عشر وإنما يتوجه لو أريد مطلق الألفاظ بناء على يكون مرات الانضمام غير متناهية والوضع نوعيا شاملا لها أما لو أريد الألفاظ المفردة الموضوعة بالفعل فقد مر إنها متناهية.
٤ - منع بطلان التالي وإنما يختل غرض الوضع لو لم يعبر عن الباقي بالمجازات أو بالاضافة والوصف وغيرهما كأنواع الروائح وكثير من الصفات كحمرة الورد والحمرة الشديدة بخلاف الفطوسة وربما يستدل على تناهي المعاني ببرهان التطيق بغرض سلسلة واحدة من مبدأ وتطيق الباقي بعد إفراز جملة متناهية منها على الكل وجوابه أن المراد بالتطيق إما توافي الحدين فيختار عدمه وذا لفرض زيادة في مبدأ أحديهما فلا يلزم وإما أن يوجد في أحديهما ما يقابل كلا من الآخرة فيختار وجوده وذلك لعدم تناهيهما فلا يلزم تساوي السلسلتين للثاني أنه لو لم يقع لكان الموجود في القديم والحادث متواطئاً أو
مشككاً وهو باطل فالملازمة لأنه حقيقة فيهما وإلا لصح نفيه عن أحدهما فلو لم يكن لخصوصهما لكان لمشترك بينهما تفاوت في أفراده أم لا والمشترك المعنوى حقيقة في الأفراد إذا اعتبر حصصها التي كل منها لقام حقيقته ومن ثمه امتنع سلبه عنها وبطلان اللازم لأنه واجب في القديم ممكن في الحادث فالشيء الواحد بالحقيقة يكون واجباً ثبوته لذاته وممكناً وأنه مح أو لأن الوجود عين الموجود كما هو مذهب الأشعري وأبي الحسين فلا يكون مشتركاً بينهما قلنا على الأول لا نم إن الواحد بالحقيقة لا يكون واجب الثبوت لذات الثبوت لأخر إذا كان مشككاً كالعلم والكلام في القديم والحادث وإنما لا يكون لو كان الاختلاف من نفسه لا مما صدق عليه وهذا ما يقال المتواطئ لا يكون له مقتضيات مختلفة بخلاف المشكك والتحقيق أن المشكك من حيث هو مشترك كذلك والاختلاف مما صدق عليه كالنور للشمس يقتضي إبصار الأعشى دون نور السراج لكن في الاستناد
بنحو العلم والكلام كلام هو أن صفات الله تعالى عند مشايخ الأشاعرة مغايرة بالحقيقة لصفات الممكنات مغايرة الذات ولا إلزام بالمختلف فيه ما لم يقم عليه برهان ومن اقتصر على المتواطئ أراد المشترك المعنوي التناول للمشكك أو اكتفى بذكره عن المشكك
стр. 108
لاتحاد التوجيه أو لا يرى التشكيك بأن ما به التفاوت إن كان في الماهية فلا اشتراك وإلا فلا تفاوت وليس بشيء لأن التفاوت من ماهية ما صدق عليه كان يكون وجود الصانع مخالفاً بالحقيقة لوجود المصنوع والوجود المشترك زائداً عليهما كالماهية والشخص وغيرهما وعن هذا أن كل مشكك زائد على ما يقال عليه وعلى الثاني منع أن وجود كل موجود عينه وتقول بعد الجوابين هو دليل الوقوع لا وجوبه للمخيل إن وضعه يخل بغرض الوضع إذ لا يحصل معه فهم المعاني على التفصيل لخفاء القرائن فيكون مفسدة وهذا أولى مما يقال إن نفسه يخل بغرض المتكلم لتساوي نسبته إلى المعاني ففهم السامع واحدا منها ترجيح بلا مرجح لأنه ينفي استعماله لا وقوعه وإمكانه مع أن القرينة مرجحة قبل هذا مظنه عدم الوقوع ولا اعتبار بالمظنة مع تحقق المئنة فأجابوا بأن ما يظن مشتركاً فأما متواطئا ومجاز خفى الحقيقة لخفاء القرينة كالعين من حيث هو مستدير أو شفيف وقلنا لا نم إن اللهم الفصلي لا يحصل مع القرائن المعتبرة للتفصيل وإن المقصود التفاهم التفضلى دائماً بل والإجمالي طوراً كما في أسماء الأجناس وإن بما يقدم منع المقدمة الخيرة لقربها في الذهن أو قوتها في الاهتمام أو قلة احتياجها إلى تطويل السند.
المبحث الثاني
أنه واقع في القرآن أسماء نحو ﴿ثَلاثَةَ قُرُوء﴾ (البقرة: من الآية ٢٢٨) وفعلاً نحو ﴿وَاللْيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (التكوير:١٧) فقد ذكر الجوهري أنه موضوع لأقبل وأدبر (١) وقيل: لا للزوم ما لا حاجة إليه أو ما لا يفيد وكلاهما نقص لأن وقوعه مبينا تطويل بلا طائل وغير مبين وغير مفيد قلنا لا نم أن البيان بعد الإجمال لا طائل فيه فعلم المعاني متكفل لفوائده ولا ثم عدم الفائدة في وقوعه غير مبين فربما يفيد فائدة إجمالية كما مر أو فائدة الابتلاء باستنباط مقصوده أو بالعزم على الامتثال من الثواب أو العقاب.
المبحث الثالث
أنه خلاف الأصل وإلا لساوى المنفرد في الدائر بينهما فاحتاج كل لفظ إلى الاستفسار ولم يفد التمسك بالنصوص ظناً فضلاً عن العلم وفيه بحث وإلا وضح أنه لعروض الاشتراك ولأنه أقل بالاستقراء فيكون مرجوحاً قيل الأفعال مشتركة فالماضي بين الخبر والإنشاء والمضارع بين الحال والاستقبال والأمر بين الوجوب والندب وكذا
стр. 109
ّالحروف بشهادة النحاة فإذا أضيف بعض الأسماء إليها كان المشترك غلب وجوابه منعه في الماضي إلا في قلائل وفي المضارع والأمر لخلاف فيهما بل لإجماع غير الواقفية على خلافه في الأمر وهم شرذمة قليلون وفي الحروف بشهادة النحاة على أن أحد المعاني أصل وبعد هذا فغالب الألفاظ الأسماء والاشتراك فيها نادر.
٣ - أن فيه مفسدة للسامع لاحتمال أن لا يفهم ويهاب الاستفسار أو يستنكف أو يظن أنه فهم فيقع الجهل وللمتكلم لا مكان فهم السامع خلافاً لمراده ضاراً له.
وفي الترادف مباحث:
الأول: أنه توالى الألفاظ المفردة على موضوع له واحد بالاستقلال فتوالي الألفاظ جنس والمراد ما فوق الواحد واحترز بالمفردة عن الحد والمحدود وإن ذهب البعض إلى ترادفهما فإن الحق أنهما مختلفان إجمالاً وتفصيلاً كما مر ولأن دلالة الحد بأوضاع متعددة وعن التواكيد المركبة وبه موضوع واحد عن المهملات والمتباينة تفاضلت أو تواصلت كالإنسان والناطق والحقيقة والمجاز وبالباقي عن التوابع الباقية.
الثاني: أن سببه إما تعدد الواضع أو تكثير وسائل التعبير المسمى عند علماء البيان بالاقتنان فان تكثير الذرايع أفضى إلى المقصود أو تيسير مجال النظم والنثر وأنواع البديع أما النظم فقد يصلح أحدهما للقافية أو الوزن دون الآخر نحو ذاهبة بخلاف صاحب العطة وأما النثر فقد يصلح أحدهما للسجع أو وزن الترصيع نحو حمدت آلاؤه وشكرت نعماؤه بخلاف نعمه وأما أنواع البديع فكالتجنس كما مر وكإبهام التقابل المراد به المطابقة وكالمشاكلة الرماد بها مراعاة النظير نحو حسناً خيرا من خياركم في جواب حسناً خير من حسنكم والترادف باعتبار أحد المعنين كاف في التمثيل وإن كان حصول الفائدة باعتبار معنى آخر وبهذا يندفع ما قال المانعون لوقوعه أنه لو وقع لعرى الوضع عن الفائدة لكفاية أحدهما واللازم بطلان الواضع أو الملهم حكيم وقالوا لزم التعريف بالثاني للمعرف بالأول وأنه لخصيل الحاصل قلنا نصب علامة أخرى للمعرفة بهما بدلا وإذا قيل لهم لا نفيد المظنة مع المئنة قالوا ما يظن منه من اختلاف الذات والصفة كالإنسان والبشر باعتبار ظهوره أو الصفات كالخمر لتغطية العقل والعقار لعقره أو لمعاقرته البدن وملازمته أو الصفة وصفه الصفة كالعقار والحندريس لعدم معاقرته أو اختلاف الذكر والأنثى كالأسد والليث أو الحالة السابقة كالقعود من القيام والجلوس من الاضطجاع والكل مم حتى يثبت بالعقل الصحيح لا سيما في الكل.
стр. 110
الثالث: أنه خلاف الأصل لتوقف استعماله على حفظ المتخاطبين جميع المترادفة وإلا جازان يعبر أحدهما بغير اللفظ المعلوم لصاحبه فلا يفهم مراده وفيه مشقة والأصل عدمها.
الرابع: في صحة وقوع كل من المترادفين موقع الآخر وربما يقال في وجوب صحته والمراد واحد لأن الإمكان إذا جعل جزعًا من المحمول كانت النسبة ضرورية وإلا صح صحته إذ لا مانع في المعنى لوجدته والتركيب لعدم الحجر فيه عند صحته بالنقل المتواتر قالوا لصح خذاي أكبر مكان الله أكبر واللازم منتف قلنا ملتزم صحته ولئن سلم فاختلط اللغتين فارق لأن كل لغة مهمل بالنسبة إلى الأخرى إلا عند اعتبار النقل والإقامة كما فعلنا بدلالة التعريب، وفي التأكيد المناسب للترادف بحث واحد أنه تقوية مدلول المذكور بلفظ آخر أي مغاير شخصاً أو نوعاً سواء كان مقدما كان على الجملة المؤكدة أو مؤخراً فإما بنفسه ويجري في الألفاظ كلها ويسمى باللفظي وإما بغيره ويسمى المعنوي كالألفاظ المحفوظة ومنه المقدم كان وأنكره الملاحدة طعناً في القرآن متمسكين بأن الأصل التأسيس لأن الإفادة خير من الإعادة قلنا إنه لا يمنع الجواز لفائدة دفع توهم التجوز أو السهو أو عدم الشمول أو رفع التردد أو ورد الإنكار أو التنبيه على الاهتمام بشأن الكلام أو المخاطب أو إظهار التحسر والتحزن أو غير ذلك وكلها إما صريحًا وجزيا على مقتضى الظاهر أو كناية وجريًا على خلافه كما فضل في مقاه ومع ذلك فالمظنة لا تعارض المئنة الثابتة باستقراء اللغات.
وفي الحقيقة والمجاز مباحث
والأول: في أماراتهما يعرفان نار ضرورة أي بدون الانتقالين وكنص أهل اللغة باسمها أو حدهما أو خاصتهما وليس في الأخيرين إلا الانتقال ليتنافى مع أنهما كالبيان للتصور لا للتصديق بالحقيقة أو المجازية وأخرى نظراً أي بالانتقالين من وجوه:
أ- عدم صحة النفي في نفس الأمر وإن صح لغة إذ لصحة لغة لا يقتضي الصدق للحقيقة وصحته قيد للمجاز لا يقال المستعمل في الجزء أو اللازم المحمولين مجاز مع عدم صحة نفيه عنهما حيث يصح الحمل بينهما لأنا نقول يصح نفي مفهومه المطابقي عن المراد منهما وهو مفهوما هما وهو المراد واعتراض على الأول بأن العلم بعدم صحة النفي موقوف على العلم بكونه حقيقة إذ المجاز يصح نفيه فإثبات كونه حقيقة به دور ظاهر وعلى الثاني بأن المراد صحة نفي كل معنى حقيقي وإلا لانتقض بالمشترك فالعلم بها