← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 98083

فصول البدائع في أصول الشرائع

الفناري

Полный текст (856 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

عمران: ١٨٧] الآية أوعد كل واحد بترك البيان لأن الاستغراق بمعنى كل فرد فيكون بيانه حجة. ومنه إثبات وصف القياس بعد ما منع كإثبات أن إيداع الصبي تسليط على الاستهلاك. والثاني وهو الانتقال في الحكم فقط حين قال السائل بموجبه ونازع في أمر آخر فإن إثبات حكم آخر بتلك العلة آية كمال الفقه وصحة وصفه كقولنا الكتابة عقد يقال بالتراضي ويفسخ بالتعجيز فلا يمنع الصرف إلى الكفارة كإجارة العبد وبيعه بالخيار. فإذا قيل بالموجب مسلم أنه لا يمنع بل تمكن النقصان في رقه هو المانع كعتق أم الولد والتدبير. قلنا لما قبل الفسخ لم يوجب نقصانًا مانعًا من الصرف إليها لأن كل ما أوجب نقصانًا لا يقبل الفسخ اعتبارًا لبعض الحرية بكلها فكذا عكس نقيضه. فإذا قيل بالموجب نعم لكن يتضمن معنى يمنع الصرف وهو صيرورته إما كالزائل عن ملك المولى ولذا يلزمه الإرش لو جنى عليه ويضمن قيمته لو أتلفه وعقر مكاتبته لو وطئها وإما كغائب المنفعة لأن منافعه ومكاسبه صارت لنفسه. قلنا لما احتمل الفسخ وجب أن لا يتضمنه كالبيع بالخيار وقد زال به عن ملكه من وجه وهو بالنظر إلى السبب وكالإجارة المفوتة للمنافع عن ملكه. والثالث الانتقال فيهما ولا بد من كون الثاني مما يحتاج إليه الأول وإلا كان حشوا كما إذا انتقل إلى حكم بعدما قال السائل بموجب ونازع في حكم آخر لم يتمكن المعلل من إثباته بالعلة الأولى فأثبته بعلة أخرى نحو قوله المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه وحين قيل بالموجب لكن بلا تكرار قال فرض فيه فيسن تكراره وفيه ضرب غفلة حيث لم يعلم المعلل موضع النزاع في أول تعليله. والرابع: وهو الانتقال فيها فقط لإثباته يعد انقطاعا لأنه لم يقدر على الوفاء بما التزمه من التعليل بخلاف الأقسام السابقة فإن أثر التعليل قد تم فيها أو سلم للقول بموجبه ولأنه يفضي إلى طول المناظرة لأنه كلما رد تعلق بآخر ولم يحصل مقصود المجلس والشىء يفوت بفوت مقصوده. وإنما قلنا يعد لأنه عرف مخصوص للنظار صيانة لمجلس الأبرار عن الإكثار وإلا فطلب ظهور الثواب يجوزه طال أو قصر جواز الانتقال في البينات لإثبات الحقوق والفرق بينهما أن تعدد المجلس متعارف في إثباث الحقوق لا المناظرة وأن البينة لا تصحب المدعى غالبًا بخلاف العلة.

стр. 772

وقيل صحيح لانتقال الخليل ﵇ في محاجة اللعين فالانقطاع هو الانتقال إلى غير ما به يتم المط تلبيسًا ودفعًا لظهور إفهامه. قلنا تعليله الأول كان لازمًا لأن المراد حقيقة الإحياء والإماتة فلا يدفع معارضة اللعين بمجازهما وهو إطلاق مسبحون وقتل آخر فإن القتل غير الأمانة أو نصب معزول وعزل عامل لكنه انتقل لدفع الاشتباه على القوم فإنهم كانوا ظاهرين لا يتأملوا في حقائق المعاني ومثله لا كلام في حسنه على أن فيه أقوالًا تفيد أن الثانية مبينة للأولى. ١ - إن معنى قول اللعين أنك إن ادعيت الإحياء والإماتة بلا واسطة من الأوضاع الفلكية وغيرها فممنوع أو بها فأنا أفعلها كبالجماع وسقي السم فأجاب ﵇ بأنا ولئن سلمنا الواسطة فلا بد أن ينتهى إلى الواجب كما يظهر ذلك من تلك الأوضاع في طلوع الشمس من المشرق. ٢ - أن مراد إبراهيم ﵇ ربي الذي يوجد الممكنات ويعدمها بإقامة مثالهما وهو الإحياء والإماتة مقامهما فلما اعترض جاء بمثال أجلي فالانتقال في المثال. ٣ - أنه تأكيد للأول بالتعريض فكأنه قال الإحياء أعادة الروح فهان تقدر عليه أعد الشمس التي هو روح العالم من جانب الغرب إليه. ٤ - ما قاله مولانا الرومي أنه ﵇ قال إن كنت قادرا على الإحياء الصوري فأت بشمس الإنسان من مغرب القبر إلى مشرق الرحم الذي خلقه الله تعالى وإن كنت قادرًا على الإحياء المعنوى فأت بشمس العرفان من مغربها الذي هو الاستغراق في المعاصى وقد أتى الله بها من مشرق المجاهدات فبهت الذي كفر إذ لا يقدر عليهما إلا خالق القدر. تتمتان: ١ - الظاهر أن الأول يرد على الممانعة والثاني والثالث على القول بالموجب والرابع يعم فساد الوضع وغيره. ٢ - قال شمس الأئمة الانقطاع أربعة أظهرها السكوت كاللعين ثم إنكار الضرورى لأنه آية بينة للعجز ثم المنع بعد التسليم ومنه منع المبرهن من غير تعرض لبرهانه ثم العجز عن تصحيح علته الأولى وهو قريب من ابتداء العجز عن إثبات مدعاه وهذا انقطاع للمعلل لا للمعارض فله المعارضات المتتابعة كذا في الميزان. الفصل السادس: في بيان أسباب الشرائع المنوط بها الواجبات وجواز الجائزات في كل الاعتقادات والعبادات والمعاملات

стр. 773

والمزاجر وفي حكم تلك الأحكام فإن قياس الأمر بالأمر يبتنى على معرفتهما. ففيه قسمان في كل منهما مباحث أربعة: الأول في الأسباب ولها تذكيرات: ١ - أن موجب الأحكام الشرعية هو الله تعالى في الحقيقة ولا يسأل عما يفعل لكنه ناطها بأسباب ودلائل وربطها بأمارات ومخائل تيسرًا عليها فهم الحكم الغائب تفضلا بذلك على المكلف الطالب. ٢ - أن المنوط بالأسباب في الواجبات نفس الوجوب الجبري المبني على السبب والأهلية لا القدرة فإن الخطاب لطلب أداء ما وجب بها اختيارًا ففيه يشترط القدرة بمعنى صحة الأسباب والآلات بل بمعنى توهمها كما فيمن تأهل في الجزء الأخير أو بإقامة أسباب الخلف مقام أسباب الأصل وكلاهما لا يجاب الخلف احتياطًا في الامتثال بقدر الإمكان فنحو وجوب قضاء الصلاة على من جن أو أغمي عليه دون يوم وليلة أو نام في جميع الوقت وقضاء الصوم وإن استغرق النوم والإغماء الشهر دون الجنون بفرق الندرة لتحقق نفس الوجوب إن بني وجوب القضاء عليه وليس فيها وجوب الأداء ولتوهم قدرة فهم الخطاب بتوهم الزوال والانتباه إن بنى بنى على وجوب الأداء وقد مر دليل القولين وكذا وجوب العشر والفطرة على الصبى إجماعًا والزكاة عند الشافعي ﵁ إما باعتبار نفس الوجوب وإما باعتبار الخطاب لأوليائه. ٣ - أن السببية تعرف بالإضافة ودخول لام التعليل وباء السببية والاختلاف باختلاف صفة السبب والتكرار بتكرره وبطلان التقديم عليه كما مر تحقيقها. المبحث الأول: في الاعتقادات وهي الإيمان بتفاصيله . قالوا سببه حدوث العالم بيانه أن الإيمان واجب نقلا للأوامر في الآيات والأحاديث ولكونه مقدمة لكل واجب مطلق وعقلا لأن حدوث العالم الذي تفصيله آيات الآفاق والأنفس يقتضيه كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] أي يعلم أنه المَوجود لذاته لدلالة الحدوث على محدث واجب لذاته لئلا يتسلسل والدور يستلزمه والتسلسل مح لأنه لو تسلسل علل الحادث إلى غير النهاية توقف حدوثه على انقضاء ما لا نهاية له وهو مح والموقوف على المحال محال. ولذا سمى عالمًا فلوجوبه الذاتي يتصف بجميع الكمالات ويتنزه عن جميع النقائض والحدوث الزماني دليل المختار وهو الحق والحدوث الذاتي دليل الموجب ولأن نفس

стр. 774

المكلف عالم وهو أبين الأدلة عنده كان وجوبه ملازما لكل من هو أهله فصح إيمان الصبي المميز لوجود سببه وركنه ولا حجر فيما لا يحتمل عدم المشروعية وإن لم يكلف به كتعجيل المؤجل وكما إذا أكره مريد للإيمان على السكوت لا يكلف بأدائه. فإن قلت ليس المقتضي للإيمان نفس الحدوث بل العلم به لأن دليل الشيء ما يلزم من العلم به ذلك ولئن سلم لا يقتضي وجوبه والكلام فيه أيضا العلم بصحة النقل موقوف على الإيمان فلو فهم من النقل دار. قلنا عن الأول العلم بالحدوث لكونه بديهيًا لا ينفك عنه عند العاقل فجعل الحدوث والعلم به شيئًا واححًا لذلك فإنما يجعل دليلا وسببًا بالاعتبارين ثم العلم به يوجب الإيمان الذى هو العلوم المخصوصة. وعن الثاني أن الموقوف وجوبه والموقوف عليه نفسه. فإن قلت ما المخلص في مكلف معاند يقول لا أو من ما لم أعرف وجوبه. قلت بأن يعرف عليه المعجزات الآخر فيؤمن بضرورة فيعرف الوجوب من النقل. واعلم أن الإيمان أقدم مباني الإسلام لأن كمال الإنسان بالعلم أولا ثم العمل كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] الأية ومقصود العلم هو التوحيد ولذا عهد إليه المحافظة بقوله ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وركز في عقله أدلته ووعد له إظهاره وتوفيقه لإخراجه بقوله ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ [فصلت: ٥٣] الأية لكن مجرد التوحيد أعني ذاتًا وصفة وفعلا يؤدى إلى الجبر المحض وَلا يتم أمر التكليف والكمال إلا بالجمع بين الجبر والقدر إذ به يظهر صفات جماله وجلاله كما قال: "فخلقت الخلق لأعرف" فقرن بالتوحيد قوله محمد رسول الله تنبيها على أنه كان كنزا مخفيًا في عماء وبظهور الوجود الإضافي في المظهر المحمدي ظهر جميع أسمائه وصفاته فالإيمان التصديق بجميع ما جاء به الرسول وهو مبنى الإسلام وإن وجد غيره معتبر بدونه كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] ومحل الإيمان القلب ومحل الإسلام الغير المعتبر البدن ومحل الحقيقي المعتبر الجملة فبينهما عموم من وجه في الظاهر ومطلقًا في الاعتبار نعم إذا رسخ علم التوحيد استلزم جميع الفضائل فكان بينهما مساواة في الوجود. المبحث الثاني في العبادات فسببها إجمالا ما علق به من وقت وغيره وتفصيلا. فالصلاة سببها الوقت وتأثيره عقلا غير ملتزم لأنه ليس بعلة عقلية وإن ذكر في بيانه

стр. 775

أن كون العبد محفوفًا بنعم لا تحصى كما في الآية اقتضى استغراقه في العبادة التي هى الذكر بلا نسيان والطاعة بلا عصيان والشكر بلا كفران فأقام الله تعالى الأوقات التي شرفها مقامه. ثم الزكاة سببها ملك النصاب النامي حقيقة أو تقديرًا بالحولان للإضافة والتضاعف بتضاعفه ومنه تكررها بتكرر الحول لأن تجدد النماء تجدد المال الناس وسبب الفطرة رأس مال يمونه أي يتحمل نفقته بخلاف الابن الصغير الغني إلا عند محمَّد ﵀ ويلى عليه أي ينفذ عليه قوله ساء أوابي كما في التزويج والاجارة وغيرهما. قال أبو اليسر وعند الشافعي رأس يمونه فقط فعلى الزوج صدقة الزوجة وعلى الأب صدقة الابن الزمن البالغ خلافًا لنا وقيل سببها الوقت عنده للإضافة. قلنا الصدقة مؤنة شرعية أصلية فيتعلق بكونه مالك رأسه ووليه لأن الأصل في باب وجوب المؤن رأس بلى عليه كما في العبيد والبهائم وذلك لأنه يعمل من خبرى عن فإن عن الانتزاعية هنا داخلة إما على السبب أو على محل يكون الوجوب عليه ثم سرى عنه إلى الولي والمولى سراية الدية من القاتل إلى العاقلة. والثاني مح لأن العبد لا مال له لتجب عليه. والكافر ليس أهلا للقربة والفقير إذ ليس على الخراب خراج فتعين الأول والوقت شرط أضيف إليه مجازًا بأدنى ملابسة أي بلا سببية كحجة الإِسلام وصلاة السفر وتضاعفه بتضاعف الرأس حقيقي وبتضاعف الوقت مجازى لا بالعكس لوصف المونة فإنها سبب بقاء الرأس لا الوقت وهذا أولى من التوجيه بأن تضاعفه بتضاعف الرأس ليس بإلحاق غير السبب بالسبب فيه لأنه غير وارد بخلاف الإضافة إلى غيره وتكررها لتكرر الرأس يمنع شرطيته وعند تكرر الوقت لتكرر المؤنة. وللعشر الأرض النامية حقيقة للإضافة وكونه حقًا ماليًا كالزكاة غير أنه مقدر بجزء من الحادث خروجه فلا يكفي النماء التقديرى بخلاف الزكاة والخراج فإن سببه الأرض النامية ولو تقديرًا ولتعلقه بعين الخارج لم يجز تعجيله بخلافهما. وصاركونهما مؤتة أنه سبب بقاء الأملاك في يد الملاك ففى العشر باستنزال النصر بدعاء الضعفاء والاستمطار في السنة الشهباء وفي الخراج بمقاتلة المقاتلة الذابين الحامين للدار عن الأعداء وهما وإن اشتركا أصلًا في المونة اختلفا وصفا ففى العشر معنى عبادة لأن الواجب جزء قليل من النماء ويصرف إلى الفقراء كالزكاة وفي الخراج معنى عقوبة من حيث الإقبال إلى تعمير الأرض المذموم والإعراض عن الجهاد الممدوح فيتنافيان للوصفين

стр. 776

فلا يجتمعان خلافًا للشافعى لوجوب العشر من الأراضى الخراجية عنده لا بالعكس لأن السبب عنده للخراج الأرض وللعشر الخارج منها. ثم الصوم سببه شهود الشهر لنحوها فعند أبي زيد والشيخين ومن تبعهما كل يوم لصومه. وقال شمس الأئمة مطلقه لظاهر النص والإضافة وقال مالك ﵀ أول جزء من ليلته الأولى لهم صحة النية في الليالي ووجوبه على من أفاق من الجنون في جزء منها. قلنا لما ثبت المعيارية فكمالها باختصاص الأيام أولى ولذا وجب على من بلغ أو أسلم في جزء منه ما بقي لا ما مضى والفضيلة لتبعية الأيام كصحة النية أو للقيام وقضاء مفيق جزء لليلة لمكان أهلية الصوم فسقوطه بالاستغراق للحرج الموجب للفرج. ثم الحج سببه الميت للإضافة لا الوقت فإنه شرط الأداء فقط إذ التوقف على شيء مع عدم التكرار بتكرره آية الشرطية كالمكان ولا الاستطاعة لصحة الأداء بدونها لكن لا وجوب بدونها كما لا جواز بدون الوقت. والجهاد سببه كما مر كفر المحارب إعلاء لكلمة الله تعالى أو ما ألحق به لم يبق هو لكنه خلاف الخبر. تنبيه: أسباب وجوب شرائط العبادات وجوب المشروطات الواردة صحتها وأسباب أركانها إرادة تحققها فإن الطهارة لما توقف على وجودها وجود الصلاة صار وجوبها أو إرادتها سببًا لوجوب الطهارة ولأن الموقوف عليه وجود الشرط والمسبب وجوبه لم يلزم من تقدم الطهارة على وجوب الصلاة بدخول الوقت أو إرادتها تقدم المسبب على السبب وليس سببها الحدث لأنه لو كان سبب وجوبها المفضي إليها كان سببًا لها ورافع الشىء لا يكون سببه. المبحث الثالث في المعاملات أعني الأمور الشرعية التي يتوقف عليها نظام العالم بالنفع المنير العام يستوي فيها المؤمن والكافر سببها تعلق البقاء النوعي أو الشخصي المقدر إلى قيام الساعة بتعاطيها كالنكاح والبيع وغيرهما وهي قسمان: أحدهما: ما للغير مدخل في انعقاده كما مر. وثانيهما: في وجوده كالقضاء والشهادة والطلاق وغيرها وقد مرا أنها مناكحات ومبايعات ومخاصمات وأمانات وشركات.

стр. 777

المبحث الرابع في المزاجر كالقصاص والحدود وسائر العقوبات كجزئية الرأس والكفارات والضمانات النفسية أو المالية فسببها ما أضيف إليها من القتل العمد العدوان ومن الشرب والزنا ومن السرقتين الصغرى والكبرى والقذف ومن الذمة ومن أمر دائر بين الحظر والإباحة لكونها دائرة بين العبادة والعقوبة كقتل الخطأ تقصيرًا وقصدًا لأمر آخر وقتل الصيد ارتكابًا لمحظور الإحرام واصطادًا واليمين المنعقدة هتكًا وتأكيد للبر بخلاف العمد والغموس واليمين سبب مجازي قبل الحنث وحقيقي بعده وإن كان العلة الحقيقية هو الحنث كما قيل وقد سلف وهو أيضًا دائر بين حرمة الهتك وإباحة الأصل والظهار والفطر ومن التعديات الموحبة للدية نفسًا أو عضوًا في الضمان بالدية والغصب والإتلاف والبيع الفاسد والقبض على سوم الشراء في الضمان بالمثل أو القيمة والبيع قبل القبض في الضمان بالثمن والرهن في الضمان بقدر الدين ولا يجرى في المنافع عندنا إلا في الوقف وملك اليتيم والمعد للاستغلال بأجر مثله خلافًا للشافعى ﵁. وكذا لمالك وأحمد في رواية عنهما فيما يمكن العقد عليه بخلاف الشتم واللكز والوكز ونحوها فالضمانات خمسة. القسم الثاني في حكم الأحكام أي مصالحها المشروعة هى لها . ولها تذكيرات: ١ - أن المصلحة المسماة بالحكمة باعثة على شرع الحكم فهي سبب غائى لشرعه لا نفسه والسبب المسمى مظنة وعلة سبب فاعلي بوضع الشرع يقتضي نفس الحكم مثلا المصلحة في القصاص حفظ النفس والسبب القتل، العدوان وكذا حفظ النسب ونفس الزنا لحده. أما ما يقال في رخص السفر أن السبب السفر والحكمة المشقة وأمثاله فكلام مجازى والمراد أن الحكمة الباعثة دفع مشقة السفر. ٢ - أن إظهار السبب تعليل يلتزم اطراده مطلقًا أو إلا لمانع لا انعكاسه وإظهار المصلحة بيان المناسبة لأن المناسبة وجودها ولا يلتزم اطراده لأن تخلفها كسر لا يعتبر. ٣ - أن المصلحة إما حقيقية إن كانت الملائمة موجودة عقلا وإقناعية إن كانت متحققة وهما كالملائمة بين النجاسة ومنع البيع والحقيقية إما ضرورية لا بد من حفظها في كل دين وهي خمسة وإما مكملة إن كانت عائدة إليها بنوع إفضاء وإما حاجية إن احتيج إليها ولم يؤد فواتها إلى ذوات شيء من الضروريات غالبًا وإما مكملة للحاجية إن كانت

стр. 778

مفضية إليها وإما تحسينية وهي المرجحة لوجود الحكم من غير ضرورة أن حاجة كأن لا يفوض المناصب الشريفة إلى العباد وإن كانوا دينين عادلين حطا لرتبتهم. ٤ - إن المصلحة في غالب الحالات حفظ الدين في الاعتقادات والعبادات وحفظ باقى الضروريات في المزاجر المحضة وكلاهما في المركبة من العبادة والعقوبة والحاجية في أصول المعاملات وتكميلها في أكثر تفصيلاتها والتحسينية في بعضها والإقناعية تشمل الكل. المبحث الأول: في الاعتقادات حكمتها أولًا: تحصيل السعادتين في النشئتين ففى الأول لقوله ﵇: "فاإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم وفي الأخرى لقوله ﵇ "لن يدخل النار من يقول لا إله إلا الله" أي النار المعدة لتعذيب الكفار لا لتهذيب العصاة بالإجماع كيف ومن كفر بالله سبعين سنة وارتكب أنواع المعاصي فقالها بالإخلاص مرة لا يبقى من ذنوبه ذرة فلأن لا يبقى من ذنوب المؤمن إذا قالها مخلصًا أولى وعليه حديث "وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر فيهما ولقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٣، ٦٤] إذ بالشهادتين يحصل علم التوحيد الجامع بين الجبر والقدر المستلزم عند رسوخه للكمال التام الإنساني. المبحث الثاني: في العبادات فحكمتها إجمالا ما مر وهو تعظيم الله شكرًا لنعمه وتحصيلا للثواب الأخروى استجلابًا بالمزيد كرمه وتفصيلا فللصلاة تعظيمه بالإقبال عليه بشراشره والإعراض عن جميع ما سواه قولا وفعلا ظاهرًا وباطنًا وهو سرها الذي ينبغى أن لا ينفك المصلي عنه. ولذلك لأنها لكونها معراج المؤمن روعى فيها أحسن أحواله ليليق به فلذلك شرط أولًا نظافة جميع أعضائه لكن مع أن المحدث عند خروج الحدث من موضع كل البدن فسراية الحدث أوجبت تنظيفها كلها كما كان كفي الأمم السالفة وإنما اقتصر على الأعضاء الأربعة في الأحداث الصغرى لأن ما فيه الحرج ففيه الفرج كرامة لهذه الأمة ببركة نبيهم فاقتصر على ما هى ظاهرة مباشرة ومظان إصابة للنجاسة الصورية والمعنوية التي هى الذنوب ولذا اكتفى أيضًا بمسح الرأس والخفين وفي التيمم بالعضوين الظاهرين لأن إثمهما أكثر وقوعًا غير أنه شرط النية فيه لكونه طهارة حكمية فالنية تلحق الحكمى بالحقيقي. وثانيًا: ستر ما لا يستحسن كشفه في العورة قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] إلا عند الضرورة بحسبها.

стр. 779

وثالثًا: استقبال القبلة لأن المعبود لما كان منزهًا عن الجهة وكانت العادة الإنسانية في الخدمة التوجه إلى المخدوم وجعل توجه الصورة إلى الكعبة على التفاصيل المعلومة أمارة توجه السر إلى جناب الله تعالى على ما يشير إليه حديث "الإحسان من مقامي المشاهدة ثم المراقبة. ورابعًا: أوقاتها إقامة للشريعة منها مقام الاستغراق كما مر. وخامسًا: النية وهي التزام الشروط والأركان لأن الإخلاص روح العبادة وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم ولأنها عبادة القلب الذي هو سلطان الأعضاء ثم في أوضاعهم اعتبر رفع اليدين أمارة للإعراض عما سوى الله تعالى قلبًا مثله قالبًا والإقبال على الله بالكلية متضرعًا مستجيبًا من هفواته بإلزام النظر إلى الأرض ذكرًا كمالات قدسه وأيد ذلك قولًا بالاستعاذة ثم البسملة لأن التخلية قبل الثحلية والنفي قبل الإثبات ثم القيام واضعًا يده تحت السرة على عادة الخدام أو على نحوه مستشفعًا بإيمانه ثم القراءة إشارة إلى تمسكه بالكتاب الكريم وبالعمل بما فيه وإلى أنه متكلم مع الله تعالى في معراجه بسيد الأذكار ثم الركوع حطًا لنفسه في حضيض الحيوانية مشيرًا بقيامه منه إلى رفع الله تعالى إياه منه إلى أحسن تقويم الإنسانية شاكرًا متواضعًا ثم السجود تكميلا لتواضعه حطًا له في أدنى مراتب الوجود من النباتية والجمادية الترابية بوضع أشرف أعضائه على محل النعال مشيرا بقيامه عنه إلى رفع الله تعالى عنه كما مر مسبحا في كل حط تنزيها لله تعالى عن معية في ذلك المفهومة من قوله تعالى: ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أينما كنتم ومكبرا في كل رفع تبعيدا لنفسه أن يتكبر لما ارتفع وهذا سر ما يروى أن النبي ﵇ وأصحابه إذا علوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا سبحوا فوضعت الصلاة على ذلك ولأن التواضع بالسجود يتم ثم به الصلاة فلا يحنب من حلف لا يصلي إلا به أما تعدده فقيل الأول اقتراب، والثاني تواضع وقيل الأول إقرار بخلقه من التراب ورفع رأسه يرفعه إلى أحسن تقويم والطمأنينة بأن الله تعالى قرره فيه والثاني بأن رد الأمانة إلى التراب والرفع منه بالحشر بعد الموت كما ذكر في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] الآية. وقيل الأول أمارة أنه ولد على الفطرة والثاني إنه ممن يموت على الفطرة لأن من استكمل الفطرتين سجد يوم الميثاق سجدتين وعلى ذلك الأقسام الثلاثة الباقية فمعناهما أنك هديتنا فتوفنا بفضلك مسلمين. وقيل لما سجدت الملائكة لأدم ﵇ ورأى إسرافيل استكبار إبليس سجد ثانية وتابعه الملائكة فأمرنا بهما اهتداء بهديهم والركعة الثانية تدل على وظيفة الخدمة فإن

стр. 780

ما تكرر تقرر والقعدة التي هى جامعة للرأى كما علم في مخيرة قامت فقعدت فهي على الخيار بخلاف العكس حال الشهود وعرض الحاجات بعد تمام المناجاة ولذا يقرأ التشهد الذي به تتم مناجاة نبينا ﷺ في معراجه فالختم بالشهادتين لتقبل الخدمة كما يقتضيه قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] الآية وإتمامه بالسلام لأنه غاب سره حين تم سفره الروحانى وحين قدم منه سلم على حاضريه. ونقول بلسان التحقيق لما تقرر في موضعه تأكد العلاقة بين الروح والبدن وتأثير كل منهما في الآخر علم أن هذه العبادة الجامعة لهيئات الإعراض عما سوى الله تعالى والتوجه إليه بمراتب الخضوع وقلبًا وقالبًا يوجب عروج القلب إلى الحضرة القدسية وحصول السعادة القلبية المستخدمة للسعادة البدنية النفسية التي لخدمها السعادة المالية وإلى السعادات الثلاث أشار أمير المؤمنين على ﵁ بقوله الأوان من النعم سعة المال وأفضل من سعة المال صحة البدن وأفضل من صحة البدن تقوى القلب فعلى المسلم أن يجعل الصلاة وسيلة لتحصيل جميع الثلاث فالأول بالإعراض عن خوادم البدن من الأشياء الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] الآية وذا في أول التحريم لها والثانى بالإعراض عن القوى البدنية النفسَانية الفاسقة المكدرة التي مداخلها إلى النفس ومخارج النفس إليها الحواس الخمس ومنها منشأ الشهوة والغضب فوضحت الفرائض خمس مكتوبات وجمعة ووترا ملحقين بها. والثالث: بتأكيدها في الركعة الثانية المتدرجة المقامات إلى حال التشهد فعنيت أوقاتها المحبوبة عند الله تعالى لينقطع إمداد الظلمة وينفتح باب عالم النور بكمال الحضور فيستمد منه إلى كسح تلك الهيئات المكدرة لوجهه أي لوجوده الإضافي ما لم يترسخ كما قال ﵇ "الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما من الصغائر إذا اجتنبت الكبائر". أول صلاة الظهر لأن الحاجة إلى الصلاة عند ميل شمس الروح نحو احتجاب نوره بالغاسق والإفحال الاستواء والاستيلاء على الهيولى كما كان آدم ﵇ في الجنة قبل الهبوط فهو في مقام المشاهدة وحفظ الميثاق فلا يكلف بهذه المشاق أربع ركعات بإزاء أول أركان وجوده في النشأة العنصرية إشارة إلى وجوب تسليمها أو شكر الإنعام بها بالجنان واللسان والاركان. ثم صلاة العصر أربعًا بإزاء الأخلاط التي تليها إذ كلما قرب البدن إلى الروح بالاعتدال بعد الروح من جناب الحق بالانجذاب إليها فلهذا صار وقتها إلى الغروب. ثم المغرب ثلاثًا بإزاء القوى الطبيعية والحيوانية والنفسانية إذ حدوثها بأفول الروح في

стр. 781

أفق الجسد. ثم العشاء أربعًا بإزاء الأعضاء الرئيسية الأربعة لأنها محال قوى بها بقاء حياة الإنسان نوعًا وشخصًا واستقرار سلطته ولذا خص بحصول الوقت ووقت النوم فإن كمال الأعضاء يوجب استتامة الروح إليه. ثم إذا انتهى زمان سلطة القوى البدنية وفرغ الروح من عبارته أقبل إلى عالمه فظهر نور تجرده وانتبه من نومه فظهر القلب أو حدث عند استخراج الكليات من الجزئيات على المذهبين فطلع الصبح المعنوى بظهور نور شمس الروح وجاء وقت صلاة الصبح ركعتين بإزاء الروح والبدن، أما أوضاعها: فالقيام إشارة إلى تسليم الفطرة الإنسانية والركوع إلى تسليم النفس الحيوانية التي معها والاعتدال إلى أن لها بصحبة الناطقة هيئات اعتدالية كمالية. والسجود إلى تسليم النفس النباتية والرفع إلى حصول الامتياز لها عن سائر أنواع النبات بتغيرها بالانقلاع عن الأرض والتصرف في توليد الأخلاط الأربعة بتركه صحبة الناطقة وتكراره إلى ثباتها على حالها في عدم الإدراك والإرادة بخلاف الحيوانية المدركة الكاسبة للملكات الفاضلة والقيام إلى الركعة الثانية إلى انخراطه في سلك الجبروت بكمال التجرد والتعقل بالفعل. وركوعها صورة الانخراط في سلك الملكوت السماوية بالتنزه عن ملابس الشهوة والغضب وبالتأثير في الجهة السفلية والرفع عنه زيادة في مرتبتها باستعداد الولاية وسجودها إلى تسليم النفوس الشريفة الكوكبية والرفع عنه كما مر من الزيادة والسجود الثاني هو كون التأثير في العالم الجسماني والإقبال إليه مع حصول الشرف النفساني باقيا والتشهد بلوغ الروح بهذه العبادة الحقيقية إلى مقام المشاهدة مستقرًا متمكنًا في وصله معاينًا لما اعتقده من حقيقة الشهادتين محققًا لمعنى الإِسلام وهو القبض النازل من عند الله تعالى الواصل من عالم القدس إلى هذه النفوس المكمل إياها بتجريدها عن صفات النقص وآفات النفس وتكميلها بالكمالات الخلقية والوصفية الإلهية وبالجملة اتصافها بما أمكن لك منها وأما الأذكار فإن التواضع الذي هو صورة الفناء في القدرة في الركوع المشار به إلى تسليم القوة الحيوانية في الأولى والفلكية الملكية في الثانية إقرار بعظمته فيليق به التعظيم والتذلل في السجود عند تسليم القوة النباتية أو الكوكبية في الثانية والتسفل منه يناسب علوه والإقرار به والتكبير في الانتقالات يشير إلى أن هذه الصفات الدالة على الفناء المخصوص فيها وضغا وذكرًا ألا يؤدى حق عبادته.

стр. 782

ولا يوجب حق معرفته فهو أكبر من ذلك فيجب الانتقال من كل مقام إلى آخر دائمًا إذ العبد لا يخلو عن التقييد. والله أكبر أن يقيده الحجى ... بتعين فيكون أول آخر هو أول هوآخر هو ظاهر ... هو باطن كل ولم يتكاثر وللزكاة التطهير من الآثام صدقة تطهرهم والقربة من القدوس العلام إلا أنها قربة وفيها بركة المال في ضمن الإيفاء لما وعد الله تعالى من ارزاق الفقراء لأن الأغنياء خزانه والفقراء محالون عليهم فإذا لم يخونوا في الأمانات ظهرت البركات والوصول إلى الدرجات وإلا فالكى بها في الدركات قاله الله تعالى والفقير نائب عنه بالحديث فلذا يجب النية لله تعالى ويحرم المن على الفقير وفيها قيد النعم الموجودة وصيد المنعم المفقودة ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] "اللهم عجل لمنفق خلفًا ولممسك تلفًا". واسترقاق أحرار الخلان فإن الإنسان عبيد الإحسان وتخلية القلب عن رذائل كالبخل والحساسية وحب الدنيا وما يتبعه من المثالب وذلك يوجب تحليته بفضائل كالجود والكرامة وحب المولى وما يلزمه من المناقب والبخيل سيىء الظن بالله تعالى وفيه الخطر والجواد بخلافه قال علم الهدى ﵀ على الولد أن يعود ولده الجود بالموجود عنده كما يعلمه الإيمان بالمعبود كيف وبه يحصل ثناء العاجل وثواب الآجل ولسان صدق في الآخرين مع ما في إيجاب القليل من الكثير ومن نمائه وعلى بعض إغشائه من الفرج عن الحرج. ولأن السعادة المالية خادمة للبدنية الخادمة للقلبية تقارنتا في جميع القرآن لاشتراكهما في الخدمة فإنما يحتاج إليها لقوام البدن فيجب أن يقتصر على ذلك القدر ولا يصرف الفكر إلى تثميرها وحفظها بالشح وإلا لزم الإدبار عن الجهة القدسية والبعد عن الحق بالكلية فلا جرم أوجب نقضها بالزكاة عندما زاد على الحاجة وأوعد عن الكنز بالنيران وإذا كانت مخدومتها التي هى البدنية منجوسة متقصرًا فيها من اللذات والراحات على قدر الحاجة فهذه الجاذبة إلى عالم الرجس أولى بالتجرد عنها بالإيثار على أهل الاستحقاق فهان فنا مع الدنيا مشتركة وما كان نفعه أكثر وجب أن يكون الإيثار فيه أوفر. ولذا أوجب في الأقوات العشر وفي النقود ربع العشر وكذا في بعض الأنعام أكثر لأنها في الاحتياج إليها بين بين ثم في وجوب العشر معنى الزكاة من شكر نعمة المزروعات وحفظ مؤنة الفقراء.

стр. 783

وفي الخراج والجزية إظهار صغار الكفار عقوبة عليهم وفداء عن فتلهم وخلفًا عن نصرتهم المؤمنين في الجهاد وهما مؤنة لكل من يسعى في حفظ الدين من الكفر والفسق والبدعة كالمقاتلة وقاضي المسلمين ومفتيهم وأمرائهم. ولأن الجزية جهة الصغار غالبة تسقط بالإِسلام بخلاف الخراج أو لأنها خلف القتل وقد عصموا بالإِسلام والخراج صار مؤنة الأرض وأجرة الحماية بقاء ولذا لو اشتراها مسلم تبقى خراجية. وللصوم قهر النفس الأمارة وتصفية الباطن ليصلح مهبطًا لنزول الحكم وليتخلق إذا آثر بطعام النهار بأخلاق الصمدى الذي يطعم ولا يطعم ولم يفرض جميع عمره ولا في الليالى تيسيرًا عليه وفيه ليلة القدر والتي إحياؤها خير من إحياء ألف شهر في الأمم السالفة. ولأنه عبادة بدنية تقتضى فناء النفس والروح لا كالصلاة المقتضية فناء النفس وبقاء الروح كان أشرف منها ولذا قال "الصوم في وأنا أجزى به" (١) وإذ لا يطلع عليه أحد فهو مبرأ عن شائبة الرياء والنفاق واستجلاء نظر الخلق إليه بخلاف الصلاة والزكاة ثم إذا تحقق مقصوده وهو فناء غير الله تعالى كان هو جزاء كما يروى: "من أحبنى فأنا قتلته ومن قتلته فعلى ديته ومن على ديته فأنا ديته" (٢). فحقيقته تحصل مقام الولاية بقدر موهبة الاستعداد وسابقة العناية فإن الفطر الإنسانية مرايا الحق وكل واحد يقتضي بهويته ولاية خاصة بحسب الاستعدادات المتفننة وهواياتها منها ذاتية مستفادة من الله بلا واسطة ومنها قمرية مستفادة من القطب ومنها بالفناء في بعض الأسماء ومنها به في البعض الآخر فلذا عم وجوب الصوم دون الحج مع اشتراكهما في إثبات الولاية بعد السعادة لأن السعادة تقتضى الوجود والولاية العدم. فالفرق أن ولاية الصوم قمرية قابلة للاختلافات حسب الاستعدادات وللحج ذاتية مثمسية غير قابلة لها فالبصوم يتم إسلام كل أحد سوى القطب المحبوب ﵇ وبالحج يتم إسلام صاحب الاستعداد الكامل وللحج أنه رهبانية هذه الأمة كما ورد في الحديث وكذا الجهاد بهما يظهر عزة الإِسلام وعلوه. وفيه قهر عدو الله النفس أو الكفار اللذين هما من جنود إبليس ثم الحج أنموذج الحشر الأكبر حفاة عراة شعثًا غبرًا في غاية المسكنة بالسنة مختلفة وأحوال شتى وأيضًا فيه إماتة

стр. 784

النفس اختيارًا بمفارقة الأهل والمأنس ودخول البادية مع خوف القطاع كدخول البرزخ وأهواله وثواب الإحرام كالكفن ففيه لخرم عن جميع لذات الشهوات المكدرة للروح واستلام الحجر تجديد عهد يوم الميثاق لأنه يمين الله تعالى والعرفات كالعرصات فيه يتمثل قوله "موتوا قبل أن تموتوا" وبهذه الموتة الاختيارية حصول الحياة الطيبة ولذا كان ماشيًا أفضل إلا إذا ساء خلقه مع المشى لأن مقصود المجاهدات لخسين الخلق. ولتفاصيل وظائفه أسرار يقصد عن استقصائها أمام المقام. وأنوار يحصر عن إحصائها لسان ما يقتضيه الحال من الاهتمام. فليطلب في موضعه اللائق من علوم الحقائق. وللجهاد حفظ بيضة الإِسلام وتحقيق ما بعث له الأنبياء ﵈ وهو دعوة العباد والسعى في إخلاء العالم عن الفساد وتخليصهم عن الكفر الموجب للشقاوة الأبدية ورد كيد جند إبليس في السعى للغواية السرمدية وفيه تعذيب أعداء الله وتهذيب صدور أوليائه قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] الآية إن قلت فيه مفسدة تعذيب العباد وتخريب البلاد وملعون من هدم بنيان الرب حتى قيل يحاكم عصفور قتل عبثًا إذا الوحوش حشرت. قلنا لكن تضمن مصلحة راجحة بالوجوه السالفة كخرق الخضر سفينة المساكين إذ الأمور بعواقبها كما في القصد وشرب الدواء المر كيف وهو تسليم المبيع الفاني بإبطال الحياة الزائلة المحاطة بالنقم لتحصيل الثمن الباقي والحياة السرمدية المحفوفة بالنعم. فالغازى محظوظ يإحدى الحسنين إما الغنيمة والثواب وإما الشهادة التي تغبط بها أولو الألباب قال علي ﵁ (لا بد من الموت ففى سبيله أحق وأولى). جون جان سيردنيست بهر حالتي كه هست ... دركوى عشق خوشتر وبرأستان دوست المبحث الثالث: في المعاملات الخمسة حكمها إجمالا حصول البقاء النوعي أو الشخصي لأن التصرفات المشروعة شب للاختصاصات الشرعية كملك الرقبة والمنعة والمنفعة وإباحتها المصححة للانتفاع الذي به البقاء ولا منافاة بين سببية تعلق البقاء بها وغرضية نفس البقاء منها بل شأن كل ماله علة غائبة أن يكون تعلقها به سبب وجوده وإقدام الفاعل عليه ومقصوده نفسها وتفصيلا. فالمناكحات وهي أفضلها بقاء العالم ببقاء النوع الإنساني وكثير من المصالح الدينية والدنياوية كغض البصر وتخصين الفرج وتحقيق مباهاته ﵇ وانتظام مقاصد

стр. 785

الزوجين الداخلية والخارجية ولذا اشتمل النكاح على معنى العبادة أيضًا وفضلناه على التخلى للنوافل حتى هى سنة مؤكدة. وقيل فرض كفاية يدل عليه من الله تعالى علينا بالنسب والصهر الحاصلين به في الآية والنصوص النادبة والمرغبة بألفاظ الأوامر لا سيما المقرونة بالوعيد وأنه لولاه لزم التهالك حسب التغالب في اقتضاء الشهوات المركوزة في الطباع وفيه للعالم خلل والفراش فساد والنسل ضياع كيف وأنه ستة أصلية ورثناه من آدم ﵇ حتى روى أن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم الأيسر فزوجها منه وأشهد الملائكة في خطبته المأثورة. ثم الطلاق وهو الإطلاق عن رق النكاح إنما يرخص إذا لم يترتب مقاصد النكاح من التناسل والسكن والتحصين وإلا فمنهى لقوله ﵇ "أبغض المباحات عند الله الطلاق" ولأنه ترك سنة المؤكدة أو فرض الكفاية وفيه إيحاش المستأنس فيكره إلا عند الضرورة ولذا أبقى مكثه التدارك فشرع متعددًا ثلاثًا لأنه الحدد الموضوع لإبلاء الأعذار وفوض إليه لأنه المالك بالمهر أو المتعة ولأنها ناقصة العقل مسرعة إلى التفريق بأدنى ضجر وأعقب بالعدة بثلاثة في الحرة لتروى النظر في أمر الرجعة وتعرف براءة الرحم كيلا يختل الإنساب وتنتين في الأمة لأنها النصف المكمل واكتفى بحيضة في الاستبراء لعدم تعلق النسب بها بل بالدعوى. ثم العتاق مثله في المعالق الكثيرة فيه تقوية الضعيف بإثبات القوى الشرعية من الولايات والاستبداد في التصرفات بعد ما كان ملحقًا بالجمادات وعرضة للابتذال مسخرًا لمثله من البشر كالحيوانات جزاء لكفره ابتداء وإن جعل أمرًا حكميًا في البقاء ابتلاء كما فيمن ولد مسلمًا فإن بقاء الحكم يستغنى عن بقاء السبب كالحيض في النساء كأن تبعه لحواء لأجل أكل الشجرة فبقى في بنائها ولأن الرق أثر الكفر المسبب للموت كان الإعتاق إحياء كالإيلاد وجزاء له في الحديث وإعتاق رقبة مؤمنة كفارة قتل المؤمن خطأ ليعوض الناس من منافعه العائدة إليهم في الولايات والقتال وغيرها. وللمبايعات اتساق أمور المعاش والمعاد والتجار عمال الله يوصلون أرزاقه إلى العباد فبالكسب عمارة البلاد وفيه ابتغاء فضل الله الممدوح في الآيات إذ به يتهيأ المروات ويحسن المعاشرات وهو سنة الأنبياء ﵈ كان آدم ﵇ زراعًا وشيث ﵇ نساجًا وإدريس ﵇ خياطا وإبراهيم ﵇ بزازًا وإسماعيل ﵇ مصطادًا وروى عن جبريل ﵇ قوله لو احتجت إلى الكسب لكنت سقاء وفي شرعها أيضًا إطفاء نائرة المنازعة ورفع النهب والحيل المكروهة والسرقة والطمع

стр. 786

والخيانة وفيها الغناء ففي رافعها البقاء وحين يفوت الشىء يفوت مقصوده لم يشرع ما يفض إلى النزاع كما لو جهل المبيع أو الثمن في البياع وكأنواع الربا ومع هذا ففيها ترك العدل والإحسان فيحرم وإن رضي به العاقدان كالزنا بخلاف أخذ مال الغير بغير إذنه لاحتماله الإباحة برضاه فحرمته لحقه لا لوضعه عقلا أو شرعًا فالربا أقبح من الغصب والسرقة وفيه المعارضة لله تعالى في عدله بعدوله فلذا قال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] والحق الريبة بالربا. ثم مما يتضمن معناها الصلح وفيه أنه خبر بالنص وبأنه ضد المنازعة أما على الإقرار ففيه المروة من المدعى بالبذل والإمهال وإما على الإنكار ففيه ترك كلفة المرافعات وليس كل شاهد يعدل ولا كل قاض يعدل وفي فداء اليمين تعظيم لها وصيانة العرض حتى لا يقال لبلية مقدرة أصابته بشوم خلقه ودفع زيادة ضغينة المدعى عليه قال ﵇ "ردوا الخصوم كى يصطلحوا" (١) قال علم الهدى من لم يجوز الصلح على الإنكار فهو شر من إبليس لأنه يزيد بقاء الفتنة وتولد الأحقاد. ثم في الإجارات دفع الحاجة مع الفاقة بقليل من الطاقة وتحصيل السرورين فالموجز بنيل المال بلا زوال ملك العين والمستأجر بحصول المقصود ولولاها لاحتاج الغني إلى شاق الأعمال والفقير إلى التنكدى والتذلل والحيل والحكمة يقتضى وضع كل شيء موضعه. ومما يناسبها المزارعات والمساقاة لأن الله تعالى يخلق حياتنا بالأقوات وليس كل أحد يملك الأرض والبستان أو يهتدى إلى إصلاحهما ومنه يحلم الحاجة إلى الشركات بين من يهتدى لطرق التجارة ولا مال له أو يقل ماله وبين عكسه وللتعاون فقد يفعل المركب والمجموع ما لا يفعله المفردات. ومن فنون الكسب الاصطياد فيه خلو الحاصل عن خبث الاختلاط بأموال الناس صافيًا عن كدر المنة والظلم ففيه نقاء البقاء وإنما حرم كل ذى ناب ومخلب لأن الظلم والإيذاء اللذن في طبعهما نجاسة معنوية تسرى إلى طبع الأكل قال ﵇ "لا ترضعوا أولادكم بلبن الحمقاء فإن اللبن يؤثر" (٢) ولذا يحكم بأن الأعمال تفسد بفساد

стр. 787

اللقمة الحرام والخبيث فقد قيل اللقمة نطفة العمل إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر فلا يحصل من الحرام إلا المعصية ومن الشبهة إلا الغفلة ومن الحلال إلا الخير كذا جرت سنة الله تعالى كما من البازى الكبر والإيذاء ومن الخنزير نهاية الحرص والخساسة وقلة الخير ومن الحمار الأهلي البلادة وسوء الأدب وفي الذبح مع ذكر الله فيه إزالة الحياة بأقل سعى وطهارة الأجزاء عن الدماء النجسة وفي ذكر الله تعالى مخالفة الكفار الذاكرين آلهتهم وظهور البركة تبارك اسمه وتعالى جده وفي التضحية ضيافة الله تعالى فلأنه لا بد من الإراقة ليطيب فيصلح لها نقل القربة إليها تسهيلا وكرامة لهذه الأمة فندب بالثلث التصدق وبالثلث الهبة وبالثلث الإمساك لنفسه وفي الأمم السالفة كانت لخرج عن ملكه ولأن الضحايا مطايا على الصراط بالحديث إذا الوحوش حشرف فعليه أن يخلص النية ويتحرى فيها التقوى وفي قسمة الشرب نظام العالم بظهور العدل كما في قصة صالح ﵇ لأن الماء مباح فلو لم يقسم بالأنهار أو الأيام والكوى أفضى إلى النزاع. وللمخاصمات تخليص الظالم من سخط الله ودفع طول التشاجر والتحاقد مع أن الترك والتحليل أولى رعاية لحق الأخوة وصيانة العرض والمروة ومندوب بالآية والحديث إلا إذا علم المدعى له يخلصه من إثم المطل وحرام الأكل من غير زيادة خصومة كان الدعوى مستحبة. وفي القضاء إقامة حقوق الشرع فليزع السلطان أكثر مما يزع القرآن لغلبة الهوى على العقل والشرع فلا بد من زاجر حسي لبيقى النظام فالدين أس والسلطان حارس فما لا أس له مهدوم وما لا حارس له ضائع والدعوى عند الحكام أنموذج منبهة على أمر القيام بين يدي العلام يوم ينادى لا ظلم اليوم والشهادة أمانة عند الشاهد من الله تعالى للمدعى فلا يجوز أن يخون فيها مأمور بأدائها في الآية وجعل نصابها اثنين ليظهر الصدق فإن الواحد يعارضه برائة الذمة أو اليد وأربعًا في الزنا احتياطًا في ستر الفواحش فلإملاء الناس ولما مر من مفاسده وإذا قامت الشهادة وزكى الشهود وجب على القاضي الحكم إظهار الحق تقلد أمانة القضاء وللأمانات فللوكالة والكفالله رفع الحاجة الماسة إذ ليس كل أحد يرضى أن يباشر الأعمال أو يهتدى إليها ولا كل مديون يعتمد عليه ففى شرعهما ترفيه لأصحاب

стр. 788

المروات وتعليم لسنة التواضع بقبولهما وإظهار الشفقة ومراعاة حق الأخوة لا سيما في الكفالة ببذل الذمة في قبول الدين والمطالبة وتسكين قلب الطالب كما يتحقق الكل الشركة التي يتضمنها. وفي الحوالة تفريغ ذمة أخيك وتخليصه عن تحمل مذلة التقاضي قال ﵇ "من فرج عن أخيه المسلم كربة" (١) الحديث وقال ﵇ "إن من موجبات المغفرة إدخال السرور في قبل المرء" (٢) وفي الرواية "أول ما يلقاه العبد إذا بعث من قبره السرور الذي أدخله في قلب أخيه المسلم متمثلا بصورة ذى وجه حسن يبشره الخير" (٣) ثم في الهبة والإعادة إظهار المروة وإحسان بغير ضمان وخير الناس من ينفع الناس والتخلق بأخلاق الجواد الكريم وفي جود الأبرار استرقاق الأحرار فإن الإنسان عبد الإحسان. قال ﵇ "تهادوا فإن الهدية تذهب بالضغائن" ومن جمع المال ولم ينفق أثر ذلك في توطين القلب عليه فيهلك بحبه إذ حب الدنيا رأس كل خطيئة ولو أنفق أخلف ففيه صلاح دينه ودنياه عند التوسط بين الإفراط والتفريط لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أنفَقُوا﴾ [لفرقان: ١٦٧] الآية وعليه سنة الله في قسمة أرزاق الخلق بقدر حالاتهم كما يقتضيه حكمته البالغة وكذا قبول الودائع وحفظ الأمانة من المروة والأمين محبوب عند الله تعالى وعند عباده. قال ﵇ "الأمانة تجر الغناء والخيانة تجر الفقر" (٤) ويقال كان ابتلاء الحلاج بالصلب لعدم حفظ أمانة سر الله. ثم في الوصية بالمال والإيصاء إلى آخر تلافي التفريطات فإن الإنسان مغرور بأمره مقصر في عمله بحيث إذا خاف من عرض له المرض طي حياته وارد تلافى ما فرط فوصى فلو مات تحقق مقصده الأخروي ولو صح فله الرجوع وصرفه إلى أهم مقاصده وفيها ازدياد حياته والتمرين بمكارم الأخلاق وقت وفاته، لقوله ﵇: "إذا مات

стр. 789

ابن آدم" (١) الحديث وربما يروى عنه ﵇ أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن ليلة إلا ووصيته تحت وسادته" (٢). وأما الإيصاء فشفقة على نفسه وذريته الضعفاء بإقامة أمين كاف مقام نفسه وقبول الوصي أيضًا شفقة على أخيه الميت ووفاء حسن العهد والله يحب المحسنين والوصية من سنن الأنبياء والمرسلين قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآية فمنها فريضة كبقضاء ديونه والكفارات ونحوها ونافلة كبوجَوب القرب وحث الأولاد والأحبة على الثبات على الحق وهي سنة النبوة وببناء الرباطات ومواضع الخير وبالدفن في موضع مبارك وختم القرآن عليه والتصدق على زواره ونحوها. المبحث الرابع: في المزاجر ففى القصاص حياة أي في شرعه واستيفائه وقد علم وإنما قتل الشريف للخسيس لأن الكل في العبودية سواسية وإذ لا نجد نفسين إلا وبينهما تفاوت وصفًا فلو اعتبر تعذر القصاص وتبقى الفتنة وإنما شرع لتسكين الفتنة الثائرة بالقتل ظلمًا وكون المقتول ميتًا بأجله لا ينافي كون القاتل متعديًا عن طوره ومقتصًا منه بأجله لأن تقدر الأسباب مع مسبباتها لا ينافي السببية. وفي حد الشرب زجر عن الخمر المحرمة لسلبها العقل بعد ما كانت في الأمم السالفة مكروهة كراهة التنزيه فأولا لأن معجزة نبينا ﵇ عقلية وهي القرآن فحرم ما يستر العقل ليبقى مجال الفكر ويقينهم بحقية الدين دائما وثانيا لأن القرآن كنز الأسرار والأحكام ولم يزل علماء الأمة يستنبطونها منه فكانوا أحوج إلى العقل من سائر الأمم وصح أنه ما شربها نبي قط فهذا زيادة كرامة لهذه الأمة وإنما لم يحرم في ابتداء الإِسلام ليعاينوا شرها ويعرفها المنة في تحريمها ولأن في تحريم ما تعودوا عليه دفعة مظنة عدم الانقياد كما في قوم موسى ﵇ لما أنزل التوراة عليهم دفعة لم ينقادوا إلى أن لخوفوا بالهلاك برفع الطور وغيره وفي تدريج تحريمه الذي ثم في الرابعة تعويد لمكان شره

стр. 790

وإن الحكمة في منعه والحكمة في حد الزنا والسرقتين الصغرى والكبرى حفظ النسب والمال وهذه الأربعة أعني النفس والعقل والنسب والمال مع الدين الذي شرع الجهاد وقتل الردة لحفظه تسمى الخمسة الضرورية لحفظها في كل دين وإنما لم يعد حفظ العرض الذي شرع له حد القذف منها إدراجا له في حفظ النسب لأن ضرره عائد إليه وعلماؤنا عدوا الجهاد في العبادات وعبروا عن المزاجر الخمسة بمزجرة قتل النفس وسلب العقل وهتك الستر وأخذ المال وخلع البيضة كالقتل مع الردة فجعلوا هتك الستر شاملا للزنا والقذف. وفي الكفارات الجمع بين الثواب الساتر والعقاب الزاجر حفظا للنفس أو الدين. وفي الضمانات صيانة عصمتهم نفسا وما لا ليتفرغوا لإقامة التكاليف فإن المسلم له عصمة مؤتمة بالإِسلام ومقومة بداره وهذا لماله بالحديث وإذ لا يقصد المال إلا لبقاء النفس فالنفس أولى أن لا يهدر فإن أمكن القصاص فيها لأنه المثل صورة ومعنى والأوجب الدية والأرض لأن الوارث كان ينتفع بمورثه وهذا المال خلفه في تقضية حاجاته به وليس من الحكمة القصاص في الخطأ أما كفارته بالإعتاق فإحياء نفس مؤمنة مقام إفنائها تكفيرا لظلمة على حق الله تعالى وإذا عجز عنه فبإماتة نفس هي عدوة لله تعالى بالصيامات المتتابعة في فداء نفس مؤمنة هي حبيب الله تعالى ولذا لا يجري إلا طعام فيها لشدة قبح الجناية بخلاف الكفارات الأُخر تغليظا عليه. الفصل السابع: في غير الأدلة الأربعة مما يتمسك به منها صحيحة لعودها إليها ومنها فاسدة ففيه قسمان الأول في الصحيحة . وفيه مباحث: الأول: في شرع من قبلنا . قيل لا يلزمنا إلا بدليل فأولا لقوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ [المائدة: ٤٨]، فيكون كل أمة مختصة بشرع جاء به نبيهم. وثانيا: لأن الأصل خصوص الشريعة زمانًا إلا الدليل إذ لا حاجة إلى بيان المبين كما هو الأصل مكانًا إلا لدليل كما في رسولين بعثا في زمان واحد في مكانين لم يثبت تبعية أحدهما للآخر كشعيب ﵇ لأهل مدين وموسى ﵇ لبنى إسرائيل بخلاف لوط لإبراهيم ﵇ لقوله تعالى: ﴿فآَمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وهارون لموسى ﵇ بل كل الأنبياء قبل نبينا ﵇ بعثوا إلى قوم مخصوصين وهو

стр. 791

المبعوث خاصة إلى الناس كافة لحديث أعطيت خمسًا. وثالثًا: للإجماع على أن شريعته ناسخة كل الشرائع وذا يمنع تعبده بها. قلنا عن الكل ما سيأتى من أدلة الموافقة غيرت الأصل إليها ولئن سلم فالخصوص بتبديل حكم ما حصل أما النسخ فمقرر لأنه مبين لمدة ما انتهت مدته لا رافع فظاهره الموافقة في سائر الأحكام أو المنسوخ خارج عن الأصل بالدليل فيبقى الباقي على الأصل. وقيل يلزمنا مطلقًا ما لم يثبت انتساخه فأولا للنصوص كقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] والهدى اسم الإيمان والشرائع جميعًا لقوله تعالى: ﴿أُولَئكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بعد وصف المتقين بالكل وكقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] الآية ونبينا ﵇ من جملتهم وكقوَله تعالىَ: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، و ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] والملةَ والدين اسم الكل. لا يقال هذه العمومات مخصوص عنها لثبوت نسخ البعض قطعًا فيخص بالعقائد جمعا بينها وبين الأدلة السالفة. لأنا نقول على أن النسخ مقرر كما مر لا يقتضي الأدلة السابقة المخصوصة بالعقائد بل مطلقة ويكفى فيه تبديل حكم ما. وثانيًا: لأن الشرع ما ثبت حقيقته دينًا لله ودين الله تعالى مرضى عنده والمرضى عنده مرضى عند كل الأنبياء لقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، و ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧] فصار الأصل الموافقةَ. وثالثًا: لأن الشرع ما أنزل الله فمن واجب الإيمان أن لا يحكم إلا به ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. وقيل يلزمنا ذلك لكن على أنه شريعتنا خص أو لا علم نقل أهل الكتاب أو برواية المسلمين عن كتابهم أو ثبت بالقرآن أو السنة. فأولا لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ [فاطر: ٣٢] اوالموروث عين ما كان قبل. وثانيًا: لخبر التهوك ولولا أن شريعة موسى ﵇ شريعة لنا لما كان موسى متبعًا لنبينا ﵇ وبدل عليه نصه ﵇ بقوله ﵇ "أنا أحق بإحياء

стр. 792

سنة أماتوها" (١) على وجوب الرجم على اليهود بين الزانيين غير أنه زيد في شرائط الإحصان. وثالثًا: لأن النبي ﵇ أصل في الشرائع وسائر الأنبياء كالأمة له لأية أخذ الميثاق عليهم وفي ذلك شرف عظيم له وفي تقليده لشريعتهم عكسه ولذا كان ﵇ يعمل بما وجده صحيحًا منها إن لم ينزل وحى كرجم اليهودين والصحيح عندنا أنه يلزمنا على أنه شريعتنا لكن لا مطلقًا بل إن قص الله تعالى أو رسوله بلا إنكار وذم فيعود إلى الكتاب والسنة لأنه حرفوا كتبهم وأظهروا عداوتهم فلا يعتبر نقلهم ولا نقل من أسلم منهم كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار لأنه عن كتبهم فإن التحريف دخل فيها من زمن داود وعيسى لقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨] الآية وليس احتمال الكذب في أخبار الأحادَ مثله لأن قواعد قبولها مضبوطة وبهذا النوع من العمل أول قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥] ومن الدليل على أن الأصل الموافقة في الشرَائع أيضًا أنه ﵇ قال: "من نام عن صلاة ونسيها" (٢) الحديث ثم تلا قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وهي مقولة لموسى ﵇ وسياقه الاستدلال وعلى أنه المذهَب عند مشايخنا احتجاج محمَّد ﵀ على جواز قسمة الماء بطريق المهايأة بقوله تعالى ﴿لَهَا شِرْبٌ﴾ [الشعراء: ١٥٥] الآية و ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨]، وهو إخبار عن صالح ﵇ وأبي يوسف ﵀ علىَ جرى القود بين الذكر والأنثى بآية ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٤٥] والكرخي على جريه بين الحر والعبد والمسلم والذمي بتلك الآية الواردة في بني إسرائيل. المبحث الثاني: في تقليد صحبه ﵇ لا نزاع أن لا يجب على صحابي آخر أو تابعي زاحمهم في الفتوى أما على غيرهما فقال أبو سعيد البردعي يجب فيما لا يقاس ويقاس ويقدم على القياس وهو قول مالك واحد قولي الشافعي وأحمد ﵃ واختاره المتأخرون من أصحابنا والآخر لهما أنه ليس بحجة (٣).

стр. 793

فأولا لاحتمال السماع والتوقيف لأن الظاهر أن لا يجعل فتواهم وهم مضاجعوهم ليلًا ونهارًا منقطعة عن السماع إلا بدليل. وثانيًا: أن الغالب إصابتهم في الرأى لمشاهدتهم طريقه ﵇ وأحوال نزول النصوص ومحال تغير الأحكام ولمزيد بذل جهدهم في طلب الحق وضبط الأدلة والتأمل فمها ولفضل درجة لهم ليس لغيرهم بالأحاديث فيعود إما إلى النص أو القياس. وقال الكرخي وجماعة من أصحابنا وعليه أبو زيد ﵁ يجب تقليد كل منهم لكن فيما لا يدرك بالقياس ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] فاستحقاق التابعين المدح إنما هو على اتباعهم والخبر أصَحابي كالنجوم لا فيما يدرك به لأن الظاهر في ذلك حكمهم بالرأى وهم في احتمال الخطأ كسائر المجتهدين للخلاف بينهم ورجوعهم عن الفتوى وتجويزهم بالخطأ لأنفسهم. أما فيما لا يقاس فلا بد من حجة تقليد بها التمسك بالحقيقة. قيل لو صح لزم الصحابي العمل به ولوجب تقليد التابعين على من بعدهم وهكذا بعين هذا. قلنا لا نعلم اللزوم الأول لاحتمال سماع النص الراجح والناسخ له ولا الثاني لعدم احتمال السماع فيهم ومبناه عليه ذلك ولئن سلم فملتزم فيمن زاحمهم فتواه. ومن العلماء من قلد الخلفاء الراشدين وأمثالهم كابن مسعود وابن عباس ومعاذ بن جبل ﵃ لقوله ﵇: "عليكم بسنتي وبسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (١) ومدحه ﵇ أمثالهم ومنهم من قلد الشيخين فقط لقوله ﵇: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر". قيل على الدليلين المراد المقلدون لأن الخطاب للصحابة وليس قول بعضهم حجة على بعض بالإجماع. قلنا المعهود في خطاب العام إرادة جميع الأمة وهو الظاهر من بعثه إلى الكافة كما في وما آتاكم الرسول فخذوه وعليكم بسنتى واقتداء الكل إنما يتحقق باقتداء المجتهدين أولًا والمقلدين بواسطهم وإنما لم يجز التقليد فيما بينهم لأنهم بصدد تقليد النبي ﵇

стр. 794

المقدم على تقليدهم ومعنى الأمر تقليدهم بعد تقليده للشافعي وأحمد في أنه ليس بحجة أولًا أنه لم يذكر في كتاب عمر رض الله عنه إلى شريح قبل قوله ثم برأيك ثم بقولي. قلنا لاندراجه في العمل بالسنة لأنه في حكمها لأن حجيته باحتمال السماع. وثانيا: أن حجيته لو ثبتت لكان لأنهم أعلم وأفضل فيكون قول الأعلم والأفضل حجة مطلقا. قلنا بل اعتبار خصوصيتهم السالفة بوجوه واحتمال السماع. وثالثا: لو كان حجة لزم تناقض الحجج لاختلافهم في المسائل الكثيرة. قلنا: يدفعه إمكان الترجيح والتخيير والاختيار بشهادة القلب ولا أقل من الوقف إن لم يمكن شيء منها. ورابعا: لزم أن يكون المجتهد مقلدا. قلنا إذا كان حجة صار أحد مآخذ الحكم بل السنة الحكمية واتفق عمل سلفنا به فيما لا يقاس كما في أقل الحيض وأكثره بقول أنس وعثمان بن أبي العاص وعمر وعلى وابن مسعود كذا في المبسوط ولو روى بصورة الأثر لا الخبر وهذا في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن بقول عائشة ﵂ في قصة زيد بن أرقم واختلف في غيره وخالف الصاحبان ابن عمر في عدم اشتراط إعلام رأس المال إذا كان مشارا والإمام شرطه أخذا بقوله. وأيضًا وافقا عليا ﵁ في ضمان الأجير المشترك إذا هلك لا بصنعه وبسبب يمكن الاحتراز عنه كالسرقة لا كالحرق الغالب والغارة العامة والإمام ﵁ عمل بالرأي وقال إنه أمين فلا يضمن كأجير الواحد والمودع. وأيضًا خالف الشيخان جابر وابن مسعود رض الله عنهما في تطليق الحامل ثلثا للسنة قياسا على الصغيرة والآيسة لعدم رجاء الحيض إلى أوان الوضع ووافقهما محمَّد ﵀ في قوله لا تطلق للسنة إلا واحدة. لا يقال هذا الخلاف فيما يقاس ولم ينقل من غير قائله رد ولا تسليم صريحا أو دلالة بأن كانت الحادثة مما لا يعم بها البلوى فلم يشتهر عادة وإلا كان خلافًا بينهم فالحق لا يعدوه أو إجماعًا سكوتيًا وهذه الأمثلة مما فيه الخلاف بينهم. لأنا نقول إن لم يثبت الخلاف بينهم فيها فذاك وإلا فالتمثيل باعتبار ترجيح أحد أقوالهم أو العمل به بشهادة القلب فإن الطريق في مثله ذلك وعند تعذره يعمل بأبي أقوالهم شاء بشهادة القلب كتعارض وجوه القياس.

стр. 795

وأما التابعى فيقلد في رواية النوادر إن ظهر فتواه في زمنهم كشريح ومسروق والنخعى والحسن البصري لتسليمهم مزاحمته إياهم إياهم فيكون كأحدهم كما خاصم علي ﵁ شريحًا فخالفه في رد شهادة الحسن ﵁ له بالبنوة لا يقلد في ظاهر الرواية إذ هم رجال ونحن رجال بخلاف صحبه ﵇ لاحتمال السماع والإصابة ببركة صحبته والقرن المشهود له بالخيرية المطلقة وإن لم يظهر فلا. وقال السرخسي لا خلاف في أن لا يترك القياس بقوله بل في أن لا يتم إجماع الصحابة مع خلافه عندنا ويتم عند الشافعي ﵀. وههنا يعرف أن العمل بالسنة بجميع وجوهها وشبهها مقدم على القياس عندنا. أما أولًا: فلعلمنا بالمراسيل ورواية المجهول وقول الصحابي وما قدمنا القياس على خبر الواحد. وأما ثانيًا: فلأنا لم نعمل من وجوه القياس إلا بأقواها وهو المعنى الصحيح المثبت أثره شرعًا فاحتياط الشافعي ﵀ في ترك هذه الوجوه والميل إلى نحو قياس السنة والاستصحاب كمن نفى القياس رأسا وعمل بالاستصحاب مدرجه له إلى العمل بلا دليل فالطريق المتناهي في تمهيد قواعد الشريعة الغراء وتكميل محامد الملة الحنيفية البيضاء لأصحابنا رضوان الله عليهم أجمعين. المبحث الثالث: في الاستدلال الذي عده بعضهم كابن الحاجب دليلا خامسًا وقد مر معنا لغة وعرفًا في المبادي لكنهم فسروه ها هنا هنا ليس بنص ولا إجماع ولا قياس وهذا تعريف بالأجلي لسبق المعرفة بتلك الأنواع فيندرج تحته شرع من قبلنا والأثر والاستحسان وقد مر أن هذه الثلاثة غير خارجة من الأربعة وكذا الاستصحاب والمصالح المرسلة ونفى المدارك وسيجىء فسادها. بقي تحته التلازم الكلي إذ الجزئي لا ينتج وحاصله أنا أسلفنا في المبادى أن النسبة بين المفهومين إما التساوي وهو مادة استلزام الثبوت للثبوت والسلب للسلب من الطرفين كالجسم والتأليف. وإما المباينة الكلية وهي إن كانت طردًا وعكسًا كالحدوث ووجوب البقاء فمادة استلزام المثبوت للسلب والسلب للثبوت من الطرفين وإن كانت طردًا فقط أي إثباتًا كالتأليف والقدم فمادة استلزام الثبوت للسلب منهما وإن كانت عكسًا فقط أي: نفيًا كالأساس والخلل فمادة استلزام السلب للثبوت من الطرفين وأما العموم والخصوص مطلقًا

стр. 796

وهو مادة استلزام الثبوت للثبوت من الخاص والسلب للسلب من العام كالجسم والحدوث وأما هما من وجه وليس فيه تلازم كلي. ولجريانه في عرف الفقهاء صورتان: الأولى: أنهم يقولون وجد السبب فيوجد الحكم أو لم يوجد الشرط فلا يوجد أو وجد المانع فلا يوجد أو لم يوجد المانع المنحصر بعد تحقق المقتضي فيوجد والحق عندهم أنه ليس استدلالا لأن دعوى وجود الدليل لا يكون دليلًا ما لم يعين لأن المطلوب الشرعي معين فدليله ما يناسبه وبذا يسقط ما يقال الدليل هو الذي يلزم من العلم به العلم بالمدلول وهذا كذلك. الثانية: نحو كل ما كان فرضًا وجب الامتثال بفعله أو لم يجز تركه وكل ما لا يكون جائزًا وجب تركه أو لا يكون فرضًا ويقال في المسائل في لزوم الثبوت للثبوت من صح طلاقه صح ظهاره أي بالطرد ويقوى بالعكس أو لأنهما أثران المؤثر واحد في المسلم فكذا في الذمي لاستلزام أحد أثرى الشىء للآخر بواسطة ملازمة المؤثر للطرفين. هذا إذا لم يعين المؤئر أما لو عين فقيل كفارة الظهار وتحريم الطلاق أثران للأهلية فقد عاد إلى صريح القياس وفي لزوم النفي للنفي لو صح الوضوء بلا نية لصح التيمم إذ هو في معنى لما لم يصح هذا لم يصح ذاك فإما أن يثبت بالطرد ويقوي بالعكس أو يقال الصحة والنية أثران المؤثر واحد في التيمم فكذا في الوضوء لأن انتفاء أحدهما لازم لانتفاء الآخر بواسطة ملازمة انتفاء المؤثر للطرفين فإن عين المؤثر ككونه عبادة فقد عاد إلى صريح القياس. فنقول الحق أنه ليس دليلًا خامسًا. أما أولًا: فلأنه تمسك بمعقول مفهوم من النص أو الإجماع أو القياس فهو بالحقيقة تمسك بها إذ ثبوت هذه الملازمات الشرعية المستفادة من الأحكام الوضعية بدون ورود النص أو الإجماع محال بالإجماع. وثانيًا: أنهم اعترفوا بأن التلازم بين الحكمين إن عين علته كان قياسًا فقد عاد إلى ما أشار إليه مشايخنا إنه قياس استغنى فيه عن ذكر بعض أركانه لظهوره إذ لو لم يكن له علة في الشرع كان تشهيًا واعتبارًا لما لم يعتبره الشرع فيكون فاسدًا فساد المصالح المرسلة لذلك. تنبيه: الأسئلة الواردة عليه كما تكون عامة من السوالف تكون خاصة كمنع اللزوم ووضع الملزوم كما يقال لا نسلم أن الأثرين لمؤثر واحد في الأصل لم لا يجوز أن يكونا

стр. 797

لموثرين فيه فلا يوجد أحدهما في الفرع ولو سلم فمن الجائز أن يكون علة أحدهما الثالث في الفروع مختصة به لا بعلة الأصل وغير مقتضية للأمر الآخر. لا يقال الأصل عدم علة أخرى مع أن في الحكم الواحد وحدة العلة أولى من تعددها لانعكاسها ح والمنعكسة أولى للاتفاق على عليتها. لأنا نقول يعارضه أن الأصل عدم علة الأصل في الفرع. ولا يقال الترجيح معنا لأن المتعدية أولى لكثرتها والاتفاق عليها. لأنا نقول المتحقق ها هنا احتمال التعدية لا نفسها ولا ترجيح به لأن تحقق التعدية فرع تعين العلة ولا تعين هنا وإلا لا استدلال. القسم الثاني: في الأدلة الفاسدة: وهي الطرق الغير المقبولة في فهم معالق النصوص كمفهومات المخالفة والتعليلات الفاسدة وهي الأقيسة التي عللها غير مقبولة كالمنقوضة والنفي والآن أوان بيان فساد الأدلة الفاسدة التي هى غير الأربعة. ففيه مباحث الأول في استصحاب الحال وهو جعل الأمر الثابت في الماضي باقيًا إلى الحال لعدم العلم بالمغير ففيه جعله مصاحبًا للمحال أو بالعكس وهو حجة عند أكثر الشافعية كالمزني والصيرفي والغزالي في كل حكم ثبت بدليل ثم شك في زواله. وعندنا دافع لاستحقاق الغير لا مثبت لحكم شرعي إما للنفى الأولى فلا بحث فيه ولذا قلنا يجوز الصلح عن الإنكار ولم يجعل أصالة براءة ذمة المنكر حجة على المدعى ومبطلا لدعواه كما بعد اليمين. وقال الشافعي أخذه بالصلح رشوة على الكف عن الدعوى وأوجبنا البينة لوجوب الشفعة للشريك إذا أنكر المشترى ملك ما في يده ولم نجعل ظاهر يده ملزمًا وجعلنا القول لمن قال لعبده إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فمضى ولم يدر أدخل الدار أم لا لإنكاره الشرط لأن عدم الدخول عدم أصلي لا يصلح حجة له لاستحقاق العتق على المولى. لنا جواز انفكاك الثبوت عن البقاء كالإيجاد لا يوجب الإبقاء حتى صح الإفناء ولذا جاز النسخ في حياته ﵇ إذ لا مقتضى لتأييدهاكما بعد وفاته فإن كونه خاتم النبيين إجماعًا. وقوله ﵇: "الحلال ما جرى على لساني والحرام ما جرى على لساني إلى

стр. 798

يوم القيامة" (١) موبد. ولا يستدل بأنه لو ظنه به بالبقاء لكان بينة النفي أولى لتأيده به إذ لا ظن بها أصلًا لقرب غلطها يظن الموجود معدومًا لعدم العلم به بخلاف بينة الإثبات. ولأن للعلم بالوجود طرقًا قطعية لا ألتقى ولأن إنكار الحق أكثر من دعوى الباطل فتعارض الغلبة أصالته فلا يورث الظن. وله أن الظاهر عند عدم المعارض القطعي أو الظني بقاء الثابت بالضرورة ولولاه لما شاع به أقل مراسلة من فارقه ولا الشغل المقتضي لمدة كالحراثة والتجارة والقارض وإرسال الوديعة والهدية إلى بعيد والظاهر متبع شرعًا وإن بقاء الشرائع ولو إلى وقت النسخ وبه وكذا عدم زوال استيفاء النكاح مع الشك في الطلاق والعكس والوضوء مع الشك في الحدث وبالعكس. ولذا حكم ﵇ باستدامة الوضوء حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ووجبت الشفعة إذا أقر المشتري بأن ما به الشفعة كان للشفيع أو شراه من مالكه وقبل الشهادة بأنه كان ملكا للمدعي. قلنا البقاء لكونه غير الوجود الأول يحتاج إلى مبق فإن علم أو ظن وجود المبقي فبذاك لا بالاستصحاب كما لني الصور المذكورة فإن ورود الشرع يقتضى شريعة موجبة إلى نزول الناسخ. ونحو البيع والنكاح والوضوء يوجب حكمًا ممتدا إلى ظهور المناقض والعادة في الأفعال المذكورة المبنية على البقاء العادي مبقية إذ لولا أن العادة دليل معتبر لم يوثر خرق العادة بالمعجزة في وجوب الاعتقاد والاتباع فالتبعية فيها بدليلها وهو مراد من قال أنه دليل لا بقاء ما كان على حاله لا لإثبات ما لم يكن ولا للإلزام والنزاع فيما يبقى بلا مبق كما في الأمثلة السالفة. ومن فروعنا: أن اللقيط في دار الإِسلام حر ظاهرا فلو زنى وأنكر حريته لا يرجم بظاهر حريته ومن قال له يا زاني لا يحد إذا أنكر القاذف حريته لأن الظاهر لم يصلح ملزما وأن المفقود لا يرث ممن مات قبل الحكم بفقده ولا يورث فجعل حياته المستصحبة دافعة لا ملزمة لأن الإرث من الإثبات وعدم الإيراث من الدفع بخلاف الغائب قبل الفقد لأن كونه بمسمع من طالبه دليل أنه لو مات لسمع عادة فلبقائه مبق ومع اختلاف الأصلين الخد الحكم بنفاذ شراء مقر حرية عبد عليه.

стр. 799

فعندنا لأن زعم كل حجة في حقه لا في حق غيره فنيفذ البيع ويجب الثمن لئلا يكون زعم المشتري حجة على البائع ويعتق بولاء موقوف إن زعم تحرير البائع لزعمه فهو تخليص في حقه وعنده لأن زعم البائع لاستناده إلى الاستصحاب حجة على المشتري فبذا ينفذ البيع ولا دليل لزعم المشتري فيجب عليه الثمن ثم يعتق لزعمه. الثاني: الاستدلال بعدم المدارك ويسمى الاحتجاج بلا دليل لا يصح إلا من صاحب الشرع كما قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقد قيل في غيره حجة للنفي وطريقتهم في الاحتجاج به قولهم لا دليل على ثبوته فيجب نفيه وبينوا الأولى إما بنقل أدلة المثبتين وإبطالها وإما بحصر وجوه الأدلة ونفيها بعدم وجدانهم لها ويكون الأصل عدمها وبينوا الثانية إما عقلا فبانه لو جاز ثبوت ما لا دليل له لزم القدح في الضروريات لجواز وجود الممكنات الكثيرة المستبعدة بحضرتنا ولا نجسها وفي النظريات لجواز الغلط في كل دليل يقام عليها وإما نقلا فبالآيتين المذكورتين. وقال بعض الشافعية استصحاب فيصح دافعا وملزما. قلنا أولًا الإجماع على طلب الدليل في نفي الشريك ونفي الحدوث عن الله تعالى أبطل الإيجاب الكلي وبطل المذهبان لعدم القائل بالفصل. وثانيا: على الأول إن أريد النفي الأصلي فلا كلام فيه بل حاصله عدم الثبوت لا ثبوت العدم ولذا لا يصير المدعي العاجز عن البينة مقضيا عليه وإن حلف الخصم المنكر وإن أريد النفي الشرعي فلا ثم لأنه يصلح دليلًا عليه لاحتمال عدم اطلاعه عليه مع وجوده كيف وإن فوق كل ذي علم عليما اللهم من الشارع الإحاطة علمًا بجميع الأدلة يويده طلب البرهان بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] إلى قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، فإن طلب الدليل على الحصر يقتضي طلب الدليل على النفي الذي هو جزؤه. ومنه يعلم معنى إبطاله بأن نفي الشيء لا يكون إياه فنفي الدليل ليس دليلًا فلا يرد أنه غير تام لجواز أن يكون المنفي دليل الإثبات ونفيه دليل النفي لأن المراد ها هنا نفي مطلق الدليل أما نفي المعين من دليل الإثبات فهو التعليل بالنفي الذي مر. فحاصل الجواب أن عدم الدليل في نفس الأمر ممنوع وعند المستدل لا يفيد وإلا كان الأجهل بالدلائل أكثر علمًا. وعلى الثاني لو صح للنفي والإثبات يلزم من عدم دليل النقيضين الجزم بهما ولا يلزم

стр. 800

قول محمَّد ﵀ في العنبر لا خمس فيه لأنه لم يرد فيه الأثر لأن معناه أن وجوب الخمس على خلاف القياس فيقتصر على ما فيه الأثر. وقيل لأنه لم يكتف به بل ذكر حاكيًا عن أبي حنيفة ﵁ أنه كالسمك وهو كالماء ولا خمس فيه ومعناه ما مر أن الخمس إنما يجب بالتسليط على ما في يد العدو وقهر الماء بمنع قهر العدو. ثم قال علماؤنا التمسك بالاستصحاب أربعة أوجه: ١ - عند القطع بعدم المغير لحس أو عقل أو نقل ويصح إجماعًا كما نطقت به الآية. ٢ - عند العلم بعدم المغير بالاجتهاد ويصح لإيلاء العذر ولا حجة على الغير إلا عند الشافعي وبعض مشايخنا منهم علم الهدى ﵀ لأنه غاية وسع المجتهد. ٣ - قبل التأمل في طلب المغير وهو بط بالإجماع لأنه جهل محض كعدم علم من أسلم في دارنا بالشرائع وصلاة من اشتبهت عليه القبلة بلا سؤال وتحر. ٤ - لإثبات حكم مبتدأ وهو خطأ محض لأن معناه اللغوى إبقاء ما كان ففيه تغيير حقيقته واعتبره بعض الشافعية حتى قالوا بإيراث المفقود من مورثه لذلك وأخطأوا في التخريج لأنه بواسطة الحياة الباقية حكمًا وليس بإثبات ابتدائي. قال فخر الإِسلام ﵀ ومن شرع في العمل بلا دليل اضطر إلى التقليد الذي هو باطل إذ عند انتفاء الضرورة والنظر بتعين التقليد أو التشهى ولما لم يحتمل التشهى الصحة أصلًا عين التقليد أو معناه اضطر إلى جواز التقليد الباطل لأنه من أقسام العمل بالدليل. الثالث: التقليد: وهو اتباع الغير على اعتقاد أنه محق من غير دليل على وجوب اتباعه لأنه لما تبرع بالتزام قوله كأنه جعله قلادة عنقه وذلك كاتباع الكفرة آباءهم المذموم في الآيات والمبتدعة مقتداهم المذموم في الأحاديث إذ لو صح لكان جميع الأديان الباطلة حقا ولزم اجتماع النقيضين لتناقض الأديان وفيما قلد اثنان لاثنين في النقيضين ولأنه معارض بالمثل ولأن مقلد الكافر كافر ومقلد المؤمن عاص بترك الاستدلال ولا شيء من سالك طريق الحق يعصي بسلوكه وهذا بخلاف اتباع الأمة قول النبي لأنه بالكتاب والإجماع أو الإجماع لأنه عن دليل مر فيه حجيته واتباع الأمة قول المفتي أو القاضي قول الشهود لأنهما عن نص نحو ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] أو إجماع فهذه الأقسام. قيل ليست تقليدا إلا أن يصطلح عليه. وقيل ليست تقليدا باطلا.

стр. 801

وما قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وعامة الفقهاء وأهل الحديث من أن إيمان المقلد صحيح فليس لصحة التقليد بل لوجود حقيقة الإيمان وهو التصديق بجميع ما علم مجيء النبي ﵇ به بالضرورة ولذا قلنا بصحة ارتداد الصبي العاقل واستحقاقه العقاب السرمدي بذلك ألا يرى أنه عاص بترك الاستدلال فهو مثاب ومعاقب من جهتين إما في فروع الشريعة فقال صاحب الميزان يحل التقليد للعوام من لم يبلغ درجة الاجتهاد للضرورة ولكن عليهم أن يقلدوا من اشتهر عندهم بأنه أعلم وأورع ولا يقلد المجتهد إلا للصحابي في المختار وإن روى عن أبي حنيفة ﵁ جواز تقليده لمن هو أعلم منه وسيجيء بيان هذه المسائل. الرابع: الإلهام وهو الإلقاء في الشروع بطريق الفيض أي خلق الله تعالى في قلب الغافل علمًا ضروريا نظريا كان أو عمليا وقد يطلق على ذلك العلم كضرب الأمير وهو للنبي ﵇ حجة عليه وعلى غيره لا لغيره إلا للولي على نفسه لأنه في حقه ملحق بوحي نبيه كرامة له ببركة متابعته. وقالت الصوفية الإلهام حجة مثل النظر العقلي. لنا أولًا أنه معارض بالمثل. وثانيا: أنه ملتبس بالهواجس والوساوس فلا يتيع إلا إذا كان على وفق الحجج الشرعية كيف وإذا وجب رد الحديث المخالف لكتاب الله فرد غيره أولى. وثالثا: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ونحوه. ورابعا: دلالة الإجماع على عدم جوازَ قول الرسول ﵇ إلا بعد إظهار المعجزة وإلا لاشتبه النبي بالمتنبي وقبول قول المتنبي كفر. لهم أولًا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] حيث أول بالإلهام وكذا قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. قلنا مسلم أنه ثبت كونه من الله أو من الملك بإذنه كما بالمعجزة للنبي في حق الكل وبالكرامة في حق نفسه. وثانيا: قوله ﵇ لوابصة استفت قلبك ولو أفتوك وقوله ﵇ "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" (١).

стр. 802

والفراسة ما يظهر لبعض الصالحين من كشوف حقانية. قلنا معناه الأمر بأن يعمل مثله بفتوى قلبه لا بدعوة الناس إليه ولا نزاع فيه. وثالثًا: أمر الله تعالى موسى ﵇ وهو من أفاضل أولى العزم أن يتبع الخضر في إلهاماته وكان الحق للخضر ﵇ في المسائل الثلاث. قلنا: للعمل بحقه ذلك بأمر الله تعالى ولا كلام في مثله ولا في حسن الاعتقاد لمن يدعى الإلهام بدليل يدل على صدقه من الكرامات النقاضات للعادات والاتقاء عن فراسات الأولياء في إضمار الخاطر السوء في حقهم واجب بل كلا منافى وجوب الاتباع في الأمور الدينية بلا دليل شرعي. ورابعًا أن الترجيح بين القياسين المتعارضين بشهادة القلب وكذلك أنواع التحرى في القبلة واختلاط الحرام بالحلال والنجس بالطاهر. قلنا التحرى ليس من الإلهام المخصوص بالعدل التقى بل هو دليل ضروري لا يعمل به إلا بعد العجز عن أسباب العلم مشروع في حق الصالح والطالح. وأما ما قالوا من أنه يجب على المريد اتباع قول شيخه في وارداته ومناماته ولا يطلب عليه الدليل وإلا كان محجوزًا ومردودًا فمسلم لا فيما يخالفه الشرع لقوله ﵇ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (١) بل فيما يوافقه كترجيح أحد الجائزين وذلك إذا عرف صلاح شيخه بسداد سيرته ورؤية كراماته لا لمجرد الدعوى والطامات. الخامس: بالمجمل المجهول كقول الجدليين جائز قياسًا على صورة متفق على جوازها لمصلحته أو غير ثابت دفعًا لمفسدته وقد قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرر في الإسلام (٢) قلنا يمكن لأحد أن يقلبه فلا يصلح حجة شرعية لاستحالة التناقض على حجج الشارع ولأن مثله لعب بالتشريع وترويج لهوى النفس ففيه خطر زوال الإيمان

стр. 803

عياذًا بالله تعالى. المقصد الثاني: فيه ركنان للتعارض والترجيح . أما الأول ففيه مباحث الأول في تفسيره هو لغة المقابلة على سبيل الممانعة أعني المدافعة ومنه سمى الموانع عوارض وشريعة تقابل المتساوين قوة حقيقية أو حكمًا مع اتحاد النسبة أي تقابل الدليلين أعني كون أحدهما مثبتًا لما ينفيه الآخر أو بالعكس المتساوين قوة والزائد أحدهما بوصف هو تابع مع اتحاد النسبة المستلزم كما مر لاتحاد المحل والزمان وغيرهما من الوحدات الثمانية المشهورة والملحقة بها ولذا قد يسمى التعادل. وبه تحقيقات: ١ - أن تقابل الدليلين إن تساويا في القوة تعارض لا يجري فيه الترجيح وهو متحقق على ما هو الصحيح خلافًا للكرخي وأحمد إلا في نفس المجتهد لهما لزوم اجتماع النقيضين إن عمل بهما وارتفاعهما إن تركا والتحكم إن عمل بأحدهما معينًا أما التخير كما. قال به القاضي والجبائيان فبين أمارتي التحريم والإباحة عمل بأمارة الإباحة وهو تحكم وهو نصب للشرع بالتشهى وبين أمارتي الوجوب والحرمة ترك لهما لا يقال إباحة في حال الأخذ بأمارتها تحريم في حال الأخذ بأمارته كركعتي المسافر فرض حال الإلتمام غيره حال القضاء وأيضًا يجوز قياسًا على التعارض الذهني لأنا نقول الأمارتان تناولتا فعلا واحدًا في كل حال ولا واسطة بين الحجر ورفعه أما التعارض الذهني لقصورنا وعجزنا فلا يقاس. ولا واسطة بين الحجر ورفعه أما التعارض الذهني فلقصورنا وعجزنا فلا يقاس عليه قلنا لا مانع من جوازه عقلا كعدلين بخبر أحدهما عن وجود شيء والآخر عن عدمه وعند جعلهما بمنزلة العدم كما قلنا والتوقف أو التخيير كما قيل لا يلزم اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما ولا التحكم كما عند عدمهما حقيقة. لكن لا يتحقق بين القطعين ثبوتًا ودلالة كما بين محكمي الآيتين أو السنتين المتواترتين أو المشهورتين أو الإجماعين كذلك أو المختلفين منها ولا بين العقليين إلا إذا جوزنا التقليد فيها كل ذلك لامتناع وقوع اليقينين المتنافين فحين لا يجري التناقض بينهما لا يجري التعارض أيضًا فلا يجري الترجيح ولأنه فرع التفاوت في احتمال النقيض فلا يكونان إلا بين الطين ولا في الواقع لتعالى الشارع عن العجز والكذب بل لجهلنا

стр. 804

بالناسخ منهما وهذا هو المذكور حكمه في هذا الركن. قال الإِمام الرازى ومن تبعه كالأرموى الحق أن التعارض في الحكمين في فعل واحد غير واقع لما مر من لزوم أحد المحذورات الثلاث وفي الفعلين والحكم واحد واقع فإن من ملك مئتين من الإبل غير بين إخراج حضر بنات لبون لقوله ﵇ في كل أربعين بنت لبون وبين إخراج أربع حقاق لقوله ﵇ في كل خمسين حقة والحكم الوجوب. ومثله تحير المصلي داخل الكعبة والولي إذا وجد لبنًا يسد به رمق أحد الطفلين بحيث لو أقسم ماتا وهذا هو التعارض الذي يقول الشافعي فيه بالتخيير. قلنا الثابت بمثله هو الوجوب المخير ولا تعارض في حقه ألا يرى أنه لا منع من الترك في كل من الأمرين وإلا كان التخير إسقاطًا للأمارتين لا عملا بهما وإن لم يتساويا فإن زاد أحدهما بما هو لينزلة التابع تعارض فيه ترجيح وهو الذي نذكر حكمه في ركن الترجيح ولا بد من ظنيتهما ثبوئا أو دلالة سواء كانا منقولين كالنص والإجماع أو معقولين كالقياسين أو مختلفين كما مر أن القياس يخصص العام المخصوص والتخصيص بطريق التعارض وإن زاد أحدهما لا بما هو تابع فلا تعارض إذ لا تساوي لا حقيقة كما في الأول ولا حكمًا كما في الثاني كما بين القطعي والظني بين منقولين أو مختلفين. ٢ - أن اتحاد النسبة يحقق التناقض المستلزم للتعارض ولذا يدفع التعارض كثيرًا بمنع وحدة المحل أو الزمان أو غيرهما. ٣ - إن الدليلين الغير المتقابلين والغير المتساويين أصلًا كالقسم الثالث وما ليس بينهما اتحاد النسبة كما في اختلاف المحل من مقتضى حل المنكوحة وحرمة أمها أو حلها لزوجها وحرمتها لغيره أو مع اختلاف الزمان كحرمة الوطئ حالة الحيض وحله في غيرها لا تعارض بينهما. الثاني: في حكمه فإما بين نصين آيتين أو قراءتين أو سنتين قولين أو فعلين أو مختلفين أو آية وسنة في قوتها كالمشهور والمتواتر أو غيرهما فحين لا علم بالمتأخر الناسخ ولا جمع بوجه آخر مما سيأتى كالمسمى بالعمل بالشبهتين فالتخيير عند القاض والجبائيين كما مر ومر فساده وعند غيرهم أن يترك العمل بهما ويصار إن أمكن من الكتاب إلى السنة ومنها إلى قول الصحابة ﵃ إن قدم مطلقًا كما قال فخر الإسلام أو فيما لم يدرك بالقياس كما قال الكرخي ومنه إلى القياس وإن لم يقدم كما ذكر السرخسي ﵀ فهو في رتبة القياس فيعمل يما يؤيده شهادة القلب منهما وإن لم يمكن فيعمل

стр. 805

بالحال ويقرر الحكم على ما كان عليه قبل ورود الدليل إذ العمل به في الإبقاء أولى من العمل بما يحتمل أنه ليس بحجة أصلا وهو المنسوخ فلم يعمل فيه بأحدهما العمل بالمنسوخ ولأن العمل بالنص لكونه نصًا منقولا لا أمرًا معقولا لا اعتبار لشهادة القلب معه. وإما بين قياسين حين لا ترجيح ولا جمع فإنه يعمل المجتهد بأيهما شاء لأنه لما أجر على العمل به ولم يجز النسخ بينهما وجب التخيير لاعتقاد حقية كل في حق العمل لكن لا بهما كما قال الشافعي ﵁ قياسًا على خصال التكفير لأن الحق واحد فالعمل بهما جمع بين الحق والباطل بل بأحدهما بشهادة قبله طلبًا للحق حقيقة إذ ليس بعده دليل شرعي يرجع إليه وهي دليل عند الضرورةكما في القبلة ولاختصاص قلب المؤمن بنور الفراسة بالحديث. فلأن يعمل بها أولى من العمل بلا دليل وهو الحال ولأن العمل بالحال في تعارض النصين بناء على عدم الدليل للجهل بالناسخ إذ لا يفيد بالجهل حكمًا شرعيًا وهو الاختيار ولا جهل بالدليل في تعارض القياسين لأن كلا دليل وضعه الشرع في حق العمل فيفيد الاختيار إما مطلقًا كما قال وإما بضم شهادة القلب رعاية لوحدة الحق كما قلنا وكذا تعارض قولي الصحابة لأنهما عن قياسين بخلاف خصال التكفير حيث لم يحتج فيها إلى شهادة القلب لأن التخيير فيها ثابت بدليل واحد حق وهنا بقياسين أحدهما هو الصواب. الأمثلة: فللمصير أن السنة العمل بقوله ﵇ من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة وهو قوله ﵇ وإذا قرأ فأنصتوا بعد تعارض قوله فاقرءوا ما تيسر من القرآن الوارد أن الصلاة باتفاق المفسرين وبالسياق والسياق وإذ لا وجوب للقراءة إلا فيها وقد دل على وجوبها على المقتدي وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. الوارد فيها عند عامة المفسرين وقد جل على نفيه إذ لا إنصات معها وقوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب لكونه محتملا لنفى الفضيلة لا يعارض الحديثين. وللمصير إلى القياس هو اعتبار وصلاة الكسوف بسائر الصلاة بعد ما تعارض ما روى نعمان بن بشير أنه ﵇ صلى صلاة الكسوف كما تصلون بركعة وسجدتين وما روت عائشة ﵂ أنه صلاها ركعتين بأربع ركوعات وأربع سجدات. وللمصير إلى تقرير الأصول أعني العمل باستصحاب الحال في الإبقاء فكما يقال في

стр. 806

سؤر الحمار تعارض الأخبار والآثار وامتناع الأقيسة. أما الأخبار في روى أنس ﵁ أنه ﵇ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وما روى أنه ﵇ قال "كل من سمين مالك" لمن قال لم يبق من مالي إلا هذه الحميرات والاشتباه في اللحم يورثه في السؤر لمخالطة اللعاب المتولد منه. لا يقال أدلة الإباحة لا تساوي أدله الحرمة حتى أن حرمته مما يكاد يجمع عليه لأنا نقول هذا لتغليب المحرم على المبيح كما في الضبع فسيجىء الجواب في حق السؤر بوجهين وقد روى فيه أيضًا عن جابر ﵁ أنه ﵇ سئل أنتوضأ بما أفضلت الحمر قال نعم وبما أفضلت السباع، وأما الآثار فقول ابن عمر ﵁ أن سؤر الحمار نجس (١) وابن عباس ﵁ أنه طاهر. وأما امتناع الأقيسة فإذ لا يمكن إلحاقه بالهرة لأنه ليس مثلها في الطوف ولا بالكلب للضرورة في سؤره ولا إلحاق لعابه بلحمه أو لبنه في أصح الروايتين وإن روى عن محمَّد ﵀ أنه طاهر ولا يؤكل لأن فيه ضرورة لاختلاطه ولا يعرفه الطاهر في ظاهر الرواية لأن الضرورة فيه أكثر فقيل الشك في طهارته إذ لو كان طاهرًا لكان طهورًا ما لم يغلب على الماء. وقيل في طهوريته إذ لا يجب بعد استعماله غسل الرأس إذا وجد الماء فالعمل بالأصل على التقديرين واحد وهو أن يحكم بأن لا ينجس الماء الطاهر ولا يزول الحدث الحاضر بالشك ولم يحكم شقاء الطهورية الحاصلة لاستلزامه الحكم بزوال الحدث وإهدار دليل النجاسة بالكلية بخلافه إفا جعل طاهرًا غير طهور وضم التيمم إليه. لا يقال في الشك بوجهين: ١ - أنه مثل ما أخبر واحد بطهارة الماء وآخر بنجاسته يجعل طاهرًا وطهورًا. ٢ - أنه يجب تغليب المحرم على المبيح إذا تعارضا لأنا نقول فتعارض الجهتين أورث الإشكال على أن الأول يقتضي التيقن بطهارته فقط وهو ملتزم في الأصح والثاني معارض بضرورة الاختلاط والطوف في حق السؤر وإن لم يبلغ حد ضرورة الهرة إليه أشير في المبسوط وإنما سمي مشكلا لتعارض الأدلة أو لضم التيمم حيث صار داخلا في أشكاله لأنه مشمول كل دليل ويشبه الماء المقيد والمطلق حيث تيمم ولم يكتف بالتيمم وليس

стр. 807

المراد به مجهول الحكم إذ لا يثبت بأدلة الشرع الجهل أو الشكَّ بل معلومه الحكم وهو ضم التيمم إلى الوضوء به وكذا في الخنثى المشكل وجب تقرير الأصول عملا بما هو الأحوط من جعله ذكرًا وأنثى كما عرف في كتاب الخنثى وكذا في المفقود كما مر. النظائر من المسائل مسافر معه إنآن أحدهما نجس والآخر طاهر اشتبه عليه بتحرى لا للوضوء خلافًا للشافعى ﵁ بل يتيمم بناء على أنه طهارة مطلقة حين العجز فلم يقع الضرورة المجوزة بشهادة القلب كما في تعارض النصين بل للشرب إذ لا بدل للماء في حقه كما في اشتباه ثوبين طاهر ونجس أو جهة القبلة إذ لضرورة عدم اتحلف فيهما يعمل بالتحرى لا بالحال كما في تعارض القياسين. ولا ينقض التحرى باليقين بعده لحدوثه بعد إمضاء حكم الاجتهاد كنص نزل بعد العمل بالقياس كما في اقتداء أسارى بدر أو إجماع انعقد بعده بخلاف نص موجود ظهر بعده لأن اتحطأ فيه للتقصرِ في الطلب. ثم لو خالفه التحرى الثاني في المستقبل يعمل به حتى في خلال الصلاة إن قبل المشروع الانتقال كأمر القبلة حيث انتقل إلى الكعبة ثم إلى جهتها للبعد وكذا سائر المجتهدات كما في تكبيرات العيد يعمل المجتهد برأيه الثاني لأن تبدله بمنزلة النسخ يعمل في المستقبل لا في الماضي وإن لم يقبله لا يعمل كما في الثوبين لأن النجاسة المتعينة بالرأى الأول لا يقبل الانتقال ما لم يتيقين بطهارته فالأول كالطلاق في محل مبهم لبقاء ملك التعيين وخياره والثاني كطلاق معين من المرأتين نسىء إذ لا خيار له بالجهل لأنه يؤدى إلى صرف الحرمة عن محلها المتعين. الثالث: في المخلص عنه لا بالترجيح أي دفعه وبيان أنه غير واقع ولأن التعارض للتناقض الذي يتضمنه يندفع بما يندفع به من بيان أنه غير واقع ولأن التعارض للتناقض الذي يتضمنه يندفع بما يندفع به من بيان تعدد النسبة وهذا غير دفعه من جهة الدليل وترجيح أحدهما ببيان أنه أفوى فلا يعبتر الآخر كالمحكم مع المجمل حتى لا يعارض قوله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ومع المتشابه فلا تعارض قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وكالمشهور وخبر الواحد فلا يعارض السنة المشهورة حديث القضاء بالشاهد واليمين ونحو ذلك كما إذا كان أحد النصي محتملا للمخصوص فيخصص بالآخر الغير

стр. 808

المحتمل كما خصص قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] بقوله تعالى في المستأمن: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التربة: ٦] وقوله ﵇ "من نام عن صلاة" (١) الحديث بحديث النهى عن الصلاة في الساعات الثلاث. والمتعارف فيما نحن فيه وجوه: ١ - من جهة الحكم وهذا نوعان: الأول: بالتوزيع بإضافة ثبوت بعض أفراد الحكم إلى دليل ونفيه إلى آخر كقسمة المدعى بين المدعين المبرهنين. والثاني: بيان مغايرة حكمى الدليلين كأن يكون أحدهما دنيويًا والآخر عقبويًا كآيتى اليمين في البقرة ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [٢٢٥] وفي ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [٨٩]، فالأولى تقتضى المؤاخذة بالغموس لأنها مكسوبة أي مقصودة والثانية تنفيها لأنها لم تصادف محل عقد اليمين وهو الخبر الذي فيه رجاء الصدق فيدفع بأن المواخذة التي في المائدة دنيوية لتفسيرها بالكفارة والتي في البقرة مطلقها فينصرف لإطلاقها في الأخروية ولأن المنوط بالعزيمة هو العقاب لا وجوب الكفارة فإن اليمين مما هزله جد واللغو الذي قوبل بالمكسوبة أعني الغموس والمعقودة بحسب الآيتين فأريد به الخالي عن الكسب والعقد لا مؤاخذة فيه أصلًا لوقوع الفعل في سياق النفي لا كما فعل الشافعي ﵁ من حمل العقد على القصد كما في قوله: عقدت على قلبي بأن أترك الهوى ... فصاح ونادى أنني غير فاعل وحمل المطلق في المقيد لما بين كلا منهما خلاف الأصل. قبل كسب القلب مفسر والعقد مجمل فيحمل عليه. قلنا العقد في القصد مجاز لإفضاء العزم إلى الربط فليس مجملا ولئن سلم فمطلقة لا عقد اليمين على أنا نقول فيه عدول على الحقيقة العرفية العامة لا الشرعية كما ظن بلا ضرورة أعني في عقد اليمين فلا يرد أنه بمعنى ربط القلب أشهر في اللغة من مصطلح الفقه. وأيضًا اعتبار القصد لغو في وجوب الكفارات كما في القتل والظهار فكذا هنا فلا يرد أنه غير مسلم في حقوق الله تعالى لا سيما التي فيها معنى العبادة. ٢ - من جهة الحال بأن يحمل كل على حال حمل آية ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]،

стр. 809

مشددًا ومخففًا على انقطاع ما دون العشرة لإيجاب الاغتسال حقيقة أو حكمًا بلزوم شيء من أحكام الطاهرات لتأكيد وعلى انقطاع تمامها لعدمه إذ لا يجوز تأخير حق الزوج بعد القطع بانقطاعه إلى أوان الاغتسال وكذا حمل ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] على معنى طهرن ح ليتوافقا ولم يعكس إذ لا قطع بانقطاَعه في الأول فهو المحتاج إلى تأكيده وكمل آية ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، خفض ونصبا على لبس الخف والعرى عنه. وفيه بحث لأن كونه مغيا إلى الكعبين ينافيه فإن المسح لم يضرب له غاية في الشريعة. والحق أن المراد غسل الرجل والجر للمجاورة كما في قول زهير: لعب الرياح بها وغيرها ... بعدي سوا في المور والقطر لا أنه ممسوح والنصب للعطف على موضع المجرور كما في قوله يذهن في نج وغورًا غابرا لو أطلق المسح المقدر الذي يقوم حرف العطف مقامه مجازا وإنما عطف على الممسوح تحذيرًا عن الإسراف المكروه لأن الرجل مظنته كأنه قال إلا خفيفًا شبيهًا بالمسح. وذلك أولًا لحديث الغاية. وثانيًا: لموافقة الجماعة فإن النبي ﵇ وأصحابه كانوا يغسلونه. وثالثًا: لتحصيل الطهارة فإنه بالإسالة. ورابعًا: للخروج عن العهدة بيقين فإن الإسالة فيها الإصابة والزيادة. وخامسًا: لأن المسح عند المحققين ثابت بالسنة ولذا قال أبو حنيفة ﵁ ما قلت بالمسح على الخفين حتى جاءني فيه مثل فلق الصبح ويشعر بعدمه في الكتاب. ٣ - من جهة الزمان حقيقة فالمتأخر ناسخِ كآيتى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية قال ابن مسعود ﵁ من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد الطولى محتجًا به على علي ﵁ في قوله بأن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين أو دلالة كما يجعل الحاظر مؤخرًا عن المبيح نقلا بالحديث وعقلا بأنه لو قدم لتكرر التغيير والأصل في كل حادث عدمه ولا غبار عليه سواءكان رفع الإباحة الأصلية نسخا بأن ثبت تقدم دليل دال على إباحة جميع الأشياء نحو ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، على نصوص التحريم أو لم يكن وهو المراد بتكرر النسخ هنا وذلك لأصالة الإباحة في زمان الفترة قبل شريعتنا لا في أصل وضع الخلقة فإنا لا نقول بها إذ

стр. 810

الناس لم يتركوا سدى في زمان فإن أبا البشر ﵇ كان صاحب الشرع ولم يخل قرن بعده عن دليل سمعى لقوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، لكن إباحة الفترة هى بمعنى عدم العقاب على الفعلً قبل أن حَرمه الشرع أو على الترك قبل أن أوجبه لا بمعنى الإباحة الشرعية وهي ثابتة بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] يدل على إباحة جميع الأشياء شرعًا فيخص من عمومها ما ليس بمباح وذلك لأنه إن كان متأخرًا عن نصوص التحريم كان ناسخًا لها فلا تحريم وأنه خلاف الإجماع وإن كان متقدمًا ما فقد ثبت الإباحة الشرعية في الكل وتكرر النسخ حقيقة فإن كان مقارنًا يخص كما قلنا ويبقى الباقي على الإباحة الشرعية. لا يقال معنى الآية خلق الكل للكل لا كل واحد لكل واحد كما ذكر في تفسير البيضاوي. لأنا نقول خلاف الظاهر فإن استغراق مثل هذا الجمع بمعنى كل فرد لا بمعنى مجموع الأفراد وكذا استغراق من وما كما مر فلذلك يحرم الضب والضبع والسلحفاة والثعلب والقنفذ والحمار لتعارض المبيح والمحرم ولا يقتض حرمة لحم الحمار نجاسة سؤره كما في الهرة فلا ينافيه طهارة سؤره. أصل مختلف فيه: رجح الكرخي المثبت وهو الذي يبقى العارض وبنفي الأصل لأنه أقرب إلى الصدق لاعتماد الحقيقة كما في الشهادة، وقال عيسى بن أبان يتعارضان لاستوائهما شروطًا فيطلب الترجيح من جهة آخر. واختلف عمل أصحابنا في تعارضهما فعملوا في خبر زينب بنت النبي ﵇ أنه ردها إلى زوجها أبي العاص بنكاح جديد أو بالأول وخبر بريرة ﵂ أنها أعتقت وزوجها حرًا وعبد وفي الجرح والتعديل بالمثبت للعارض حتى أثبتوا الفرقة بتباين الدارين خلافًا للشافعى ﵀. وأما في خبر ميمونة ﵂ أنه تزوجها وهو حلال بسرف أو محرم واتفقت الروايات أن النكاح لم يكن في الحل الأولى إذ رواية أنه ﵇ بالمدينة قبل أن يحرم غير ثابتة حتى لم يقبل بها أحد الفريقين فلم يعتبرها وكذا في مسائل كتاب الاستحسان من الخبر بالطهارة والحل وغيرهما فبالنافي للعارض أي خبر الإحرام والطهارة والحل. والحرف الكلي فيه أن النفي إن كان مما يعرف بدليله أو اشتبه حاله وعرف اعتماد
следующие страницы →