سؤر الحمار تعارض الأخبار والآثار وامتناع الأقيسة.
أما الأخبار في روى أنس ﵁ أنه ﵇ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وما روى أنه ﵇ قال "كل من سمين مالك" لمن قال لم يبق من مالي إلا هذه الحميرات والاشتباه في اللحم يورثه في السؤر لمخالطة اللعاب المتولد منه.
لا يقال أدلة الإباحة لا تساوي أدله الحرمة حتى أن حرمته مما يكاد يجمع عليه لأنا نقول هذا لتغليب المحرم على المبيح كما في الضبع فسيجىء الجواب في حق السؤر بوجهين وقد روى فيه أيضًا عن جابر ﵁ أنه ﵇ سئل أنتوضأ بما أفضلت الحمر قال نعم وبما أفضلت السباع، وأما الآثار فقول ابن عمر ﵁ أن سؤر الحمار نجس (١) وابن عباس ﵁ أنه طاهر.
وأما امتناع الأقيسة فإذ لا يمكن إلحاقه بالهرة لأنه ليس مثلها في الطوف ولا بالكلب للضرورة في سؤره ولا إلحاق لعابه بلحمه أو لبنه في أصح الروايتين وإن روى عن محمَّد ﵀ أنه طاهر ولا يؤكل لأن فيه ضرورة لاختلاطه ولا يعرفه الطاهر في ظاهر الرواية لأن الضرورة فيه أكثر فقيل الشك في طهارته إذ لو كان طاهرًا لكان طهورًا ما لم يغلب على الماء.
وقيل في طهوريته إذ لا يجب بعد استعماله غسل الرأس إذا وجد الماء فالعمل بالأصل على التقديرين واحد وهو أن يحكم بأن لا ينجس الماء الطاهر ولا يزول الحدث الحاضر بالشك ولم يحكم شقاء الطهورية الحاصلة لاستلزامه الحكم بزوال الحدث وإهدار دليل النجاسة بالكلية بخلافه إفا جعل طاهرًا غير طهور وضم التيمم إليه.
لا يقال في الشك بوجهين:
١ - أنه مثل ما أخبر واحد بطهارة الماء وآخر بنجاسته يجعل طاهرًا وطهورًا.
٢ - أنه يجب تغليب المحرم على المبيح إذا تعارضا لأنا نقول فتعارض الجهتين أورث الإشكال على أن الأول يقتضي التيقن بطهارته فقط وهو ملتزم في الأصح والثاني معارض بضرورة الاختلاط والطوف في حق السؤر وإن لم يبلغ حد ضرورة الهرة إليه أشير في المبسوط وإنما سمي مشكلا لتعارض الأدلة أو لضم التيمم حيث صار داخلا في أشكاله لأنه مشمول كل دليل ويشبه الماء المقيد والمطلق حيث تيمم ولم يكتف بالتيمم وليس
стр. 807
المراد به مجهول الحكم إذ لا يثبت بأدلة الشرع الجهل أو الشكَّ بل معلومه الحكم وهو ضم التيمم إلى الوضوء به وكذا في الخنثى المشكل وجب تقرير الأصول عملا بما هو الأحوط من جعله ذكرًا وأنثى كما عرف في كتاب الخنثى وكذا في المفقود كما مر.
النظائر من المسائل مسافر معه إنآن أحدهما نجس والآخر طاهر اشتبه عليه بتحرى لا للوضوء خلافًا للشافعى ﵁ بل يتيمم بناء على أنه طهارة مطلقة حين العجز فلم يقع الضرورة المجوزة بشهادة القلب كما في تعارض النصين بل للشرب إذ لا بدل للماء في حقه كما في اشتباه ثوبين طاهر ونجس أو جهة القبلة إذ لضرورة عدم اتحلف فيهما يعمل بالتحرى لا بالحال كما في تعارض القياسين.
ولا ينقض التحرى باليقين بعده لحدوثه بعد إمضاء حكم الاجتهاد كنص نزل بعد العمل بالقياس كما في اقتداء أسارى بدر أو إجماع انعقد بعده بخلاف نص موجود ظهر بعده لأن اتحطأ فيه للتقصرِ في الطلب.
ثم لو خالفه التحرى الثاني في المستقبل يعمل به حتى في خلال الصلاة إن قبل المشروع الانتقال كأمر القبلة حيث انتقل إلى الكعبة ثم إلى جهتها للبعد وكذا سائر المجتهدات كما في تكبيرات العيد يعمل المجتهد برأيه الثاني لأن تبدله بمنزلة النسخ يعمل في المستقبل لا في الماضي وإن لم يقبله لا يعمل كما في الثوبين لأن النجاسة المتعينة بالرأى الأول لا يقبل الانتقال ما لم يتيقين بطهارته فالأول كالطلاق في محل مبهم لبقاء ملك التعيين وخياره والثاني كطلاق معين من المرأتين نسىء إذ لا خيار له بالجهل لأنه يؤدى إلى صرف الحرمة عن محلها المتعين.
الثالث: في المخلص عنه لا بالترجيح أي دفعه وبيان أنه غير واقع ولأن التعارض للتناقض الذي يتضمنه يندفع بما يندفع به من بيان أنه غير واقع ولأن التعارض للتناقض الذي يتضمنه يندفع بما يندفع به من بيان تعدد النسبة وهذا غير دفعه من جهة الدليل وترجيح أحدهما ببيان أنه أفوى فلا يعبتر الآخر كالمحكم مع المجمل حتى لا يعارض قوله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ومع المتشابه فلا تعارض قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
وكالمشهور وخبر الواحد فلا يعارض السنة المشهورة حديث القضاء بالشاهد واليمين ونحو ذلك كما إذا كان أحد النصي محتملا للمخصوص فيخصص بالآخر الغير
стр. 808
المحتمل كما خصص قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] بقوله تعالى في المستأمن: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التربة: ٦] وقوله ﵇ "من نام عن صلاة" (١) الحديث بحديث النهى عن الصلاة في الساعات الثلاث.
والمتعارف فيما نحن فيه وجوه:
١ - من جهة الحكم وهذا نوعان:
الأول: بالتوزيع بإضافة ثبوت بعض أفراد الحكم إلى دليل ونفيه إلى آخر كقسمة المدعى بين المدعين المبرهنين.
والثاني: بيان مغايرة حكمى الدليلين كأن يكون أحدهما دنيويًا والآخر عقبويًا كآيتى اليمين في البقرة ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [٢٢٥] وفي ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [٨٩]، فالأولى تقتضى المؤاخذة بالغموس لأنها مكسوبة أي مقصودة والثانية تنفيها لأنها لم تصادف محل عقد اليمين وهو الخبر الذي فيه رجاء الصدق فيدفع بأن المواخذة التي في المائدة دنيوية لتفسيرها بالكفارة والتي في البقرة مطلقها فينصرف لإطلاقها في الأخروية ولأن المنوط بالعزيمة هو العقاب لا وجوب الكفارة فإن اليمين مما هزله جد واللغو الذي قوبل بالمكسوبة أعني الغموس والمعقودة بحسب الآيتين فأريد به الخالي عن الكسب والعقد لا مؤاخذة فيه أصلًا لوقوع الفعل في سياق النفي لا كما فعل الشافعي ﵁ من حمل العقد على القصد كما في قوله:
عقدت على قلبي بأن أترك الهوى ... فصاح ونادى أنني غير فاعل
وحمل المطلق في المقيد لما بين كلا منهما خلاف الأصل. قبل كسب القلب مفسر والعقد مجمل فيحمل عليه.
قلنا العقد في القصد مجاز لإفضاء العزم إلى الربط فليس مجملا ولئن سلم فمطلقة لا عقد اليمين على أنا نقول فيه عدول على الحقيقة العرفية العامة لا الشرعية كما ظن بلا ضرورة أعني في عقد اليمين فلا يرد أنه بمعنى ربط القلب أشهر في اللغة من مصطلح الفقه.
وأيضًا اعتبار القصد لغو في وجوب الكفارات كما في القتل والظهار فكذا هنا فلا يرد أنه غير مسلم في حقوق الله تعالى لا سيما التي فيها معنى العبادة.
٢ - من جهة الحال بأن يحمل كل على حال حمل آية ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]،
стр. 809
مشددًا ومخففًا على انقطاع ما دون العشرة لإيجاب الاغتسال حقيقة أو حكمًا بلزوم شيء من أحكام الطاهرات لتأكيد وعلى انقطاع تمامها لعدمه إذ لا يجوز تأخير حق الزوج بعد القطع بانقطاعه إلى أوان الاغتسال وكذا حمل ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] على معنى طهرن ح ليتوافقا ولم يعكس إذ لا قطع بانقطاَعه في الأول فهو المحتاج إلى تأكيده وكمل آية ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، خفض ونصبا على لبس الخف والعرى عنه.
وفيه بحث لأن كونه مغيا إلى الكعبين ينافيه فإن المسح لم يضرب له غاية في الشريعة.
والحق أن المراد غسل الرجل والجر للمجاورة كما في قول زهير:
لعب الرياح بها وغيرها ... بعدي سوا في المور والقطر
لا أنه ممسوح والنصب للعطف على موضع المجرور كما في قوله
يذهن في نج وغورًا غابرا
لو أطلق المسح المقدر الذي يقوم حرف العطف مقامه مجازا وإنما عطف على الممسوح تحذيرًا عن الإسراف المكروه لأن الرجل مظنته كأنه قال إلا خفيفًا شبيهًا بالمسح.
وذلك أولًا لحديث الغاية.
وثانيًا: لموافقة الجماعة فإن النبي ﵇ وأصحابه كانوا يغسلونه.
وثالثًا: لتحصيل الطهارة فإنه بالإسالة.
ورابعًا: للخروج عن العهدة بيقين فإن الإسالة فيها الإصابة والزيادة.
وخامسًا: لأن المسح عند المحققين ثابت بالسنة ولذا قال أبو حنيفة ﵁ ما
قلت بالمسح على الخفين حتى جاءني فيه مثل فلق الصبح ويشعر بعدمه في الكتاب.
٣ - من جهة الزمان حقيقة فالمتأخر ناسخِ كآيتى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية قال ابن مسعود ﵁ من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد الطولى محتجًا به على علي ﵁ في قوله بأن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين أو دلالة كما يجعل الحاظر مؤخرًا عن المبيح نقلا بالحديث وعقلا بأنه لو قدم لتكرر التغيير والأصل في كل حادث عدمه ولا غبار عليه سواءكان رفع الإباحة الأصلية نسخا بأن ثبت تقدم دليل دال على إباحة جميع الأشياء نحو ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، على نصوص التحريم أو لم يكن وهو المراد بتكرر النسخ هنا وذلك لأصالة الإباحة في زمان الفترة قبل شريعتنا لا في أصل وضع الخلقة فإنا لا نقول بها إذ
стр. 810
الناس لم يتركوا سدى في زمان فإن أبا البشر ﵇ كان صاحب الشرع ولم يخل قرن بعده عن دليل سمعى لقوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، لكن إباحة الفترة هى بمعنى عدم العقاب على الفعلً قبل أن حَرمه الشرع أو على الترك قبل أن أوجبه لا بمعنى الإباحة الشرعية وهي ثابتة بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] يدل على إباحة جميع الأشياء شرعًا فيخص من عمومها ما ليس بمباح وذلك لأنه إن كان متأخرًا عن نصوص التحريم كان ناسخًا لها فلا تحريم وأنه خلاف الإجماع وإن كان متقدمًا ما فقد ثبت الإباحة الشرعية في الكل وتكرر النسخ حقيقة فإن كان مقارنًا يخص كما قلنا ويبقى الباقي على الإباحة الشرعية.
لا يقال معنى الآية خلق الكل للكل لا كل واحد لكل واحد كما ذكر في تفسير البيضاوي.
لأنا نقول خلاف الظاهر فإن استغراق مثل هذا الجمع بمعنى كل فرد لا بمعنى مجموع الأفراد وكذا استغراق من وما كما مر فلذلك يحرم الضب والضبع والسلحفاة والثعلب والقنفذ والحمار لتعارض المبيح والمحرم ولا يقتض حرمة لحم الحمار نجاسة سؤره كما في الهرة فلا ينافيه طهارة سؤره.
أصل مختلف فيه:
رجح الكرخي المثبت وهو الذي يبقى العارض وبنفي الأصل لأنه أقرب إلى الصدق لاعتماد الحقيقة كما في الشهادة، وقال عيسى بن أبان يتعارضان لاستوائهما شروطًا فيطلب الترجيح من جهة آخر.
واختلف عمل أصحابنا في تعارضهما فعملوا في خبر زينب بنت النبي ﵇ أنه ردها إلى زوجها أبي العاص بنكاح جديد أو بالأول وخبر بريرة ﵂ أنها أعتقت وزوجها حرًا وعبد وفي الجرح والتعديل بالمثبت للعارض حتى أثبتوا الفرقة بتباين الدارين خلافًا للشافعى ﵀.
وأما في خبر ميمونة ﵂ أنه تزوجها وهو حلال بسرف أو محرم واتفقت الروايات أن النكاح لم يكن في الحل الأولى إذ رواية أنه ﵇ بالمدينة قبل أن يحرم غير ثابتة حتى لم يقبل بها أحد الفريقين فلم يعتبرها وكذا في مسائل كتاب الاستحسان من الخبر بالطهارة والحل وغيرهما فبالنافي للعارض أي خبر الإحرام والطهارة والحل.
والحرف الكلي فيه أن النفي إن كان مما يعرف بدليله أو اشتبه حاله وعرف اعتماد
стр. 811
الراوي على دليل المعرفة كان النفي مثل الإثبات وإلا فلا.
ولذا قال محمَّد ﵀ في السير الكبير فيمن ادعت على زوجها أنه قال المسيح ابن الله فقال قلت هو قول النصارى أو قالت النصارى كذا وهي لم تسمعه فالقول له مع يمينه فلا تبين لإنكاره.
وكذا لو شهد الشاهدان إنا سمعنا ذلك منه ولم نسمع ما زاده ولا ندرى أقاله أم لا لم تقبل أيضًا وكان القول قوله أما لو قالا لم يقل غيره قبلت ووقعت الحرمة لصدور نفيهم عن دليل إذ ما لا يسمع دندنة وليس بكلام وأما نفى السماع فبناه على عدم العلم بالإثبات وعلى الاستصحاب والقاضى مثلهم فيه فوجوده كالعدم وكذا إذا ادعى الاستثناء في الطلاق في الصور الثلاث.
وأما النفي المحتمل لأن يعرف بدليله وأن يعتمد مخبره على ظاهر الحال كالمخبر على طهارة الماء المعين فيجب السؤال والتأمل في حال المخبر فإن علم اعتماده على أصالة الطهارة لا يعارض الإثبات وإن علم اعتماده على الدليل الموجب للعلم به كاخذه من البحر وحفظه إلى الآن يعارضه فيترجح بالاستصحاب لأنه مما يصلح مرجحًا في موضعه وعلى هذا الحرف يدور صحة الشهادة على النفي وعدمها إذا تقرر.
فالنفي في خبر زينب وبريرة ﵄ وفي التعديل مما لا يعرف بالدليل بل بظاهر الحال المستصحبة أن زينب كانت منكوحة وزوج بريرة كان عبدًا وإن المزكي يبني على عدم علمه بما يجرح العدالة فرجح الإثبات لابتنائه على دليل العلم وفي خبر ميمونة وسائل الاستحسان مما يعرف بدليله كهيئة المحرم وأخذ الماء والطعام من معدنهما الشرعي فتعارضا فرجح النفي فيه برواية ابن عباس ﵁ أنه ﵇ تزوج ميمونة بنت الحارث وهو محرم إلى آخر القصة عن رواية زيد بن الأصم أنه تزوجها وهو حلال لفضل الأول في ضبطه وإتقانه ورواية القصة على وجهها ولأن عمر ﵁ كان يقدمه على كبار من الصحابة وفيها بأصالة الطهارة والحل.
تتمة: إذا زاد أحد الخبرين على الآخر يؤخذ بالمثبت للزيادة إن دخد راوى الأصل كخبري المخالف المروين عن ابن مسعود ﵁ فلا يجري التخالف إلا عند قيام السلعة.
وقال محمَّد والشافعى يعمل بهما لإمكانه.
قلنا لما الخد راوى الأصل لم يثبت كونهما خبرين بالاحتمال لأن الظاهر ح أن حذف الزيادة لقلة ضبط الراوي وغفلته وإن تعدد الراوي يعمل بهما كالمطلق والمقيد في الحكمين كما روى أنه ﵇ نهى عن بيع الطعام قبل القبض وقال العتاب بن أسيد
стр. 812
أنهم نهوا عن أربعة عن بيع ما لم يقبضوا ولم يحمل المطلق على المقيد حتى لا يجوز بيع سائر العروض قبل القبض أي فيما يتصور القبض.
الركن الثاني في الترجيح: وفيه فصول
الأول في تفسيره هو لغة إثبات الفضل في أحد جانبى المعادلة وصفًا أي بما لا يقصد المماثلة فيه ابتداء (١) كالحبة في العشرة بخلاف الدرهم فيها ومنه قوله ﵇: "زن وارجح نحن معاشر الأنبياء هكذا نزن" (٢) أي زد عليه فضلا قليلًا يكون تابعًا بمنزلة الجودة لا قدرًا يقصد بالوزن للزوم الربا ويؤيده أنه ضد التطفيف وهو نقصان في القدر بما لا ينعدم به المعارضة.
وشريعة إثبات فضل أحد الدليلين المتماثلين وصفًا وفسر بإيضاح قوة لأحد الدليلين المتعارضين لو انفردت لا تصلح للتعارض إذ لا تصلح علة فلا ترجح حيث لا تعارض وقد يطلق على اعتقاد الرجحان مجازًا (٣).
ومثله ما يفسر باقتران الأمارة بما تقوى به على معارضها لأنه سبب الترجيح ويفيد أن لا يتصور فيما الدلالة له فيه على الحكم وفيما دلالته قطعية إذ لا تعارض بين قطعين ولا بين قطعي وظني لكن لا يفيد شرط التبعية واللغة تساعد الأول.
الفصل الثاني في حكمه
هو العمل بالأقوى.
وقيل لا يجوز التمسك به بل عند التعارض يجب التخير أو الوقف.
لنا أولًا تقديم الصحابة ﵃ فيما تواتر القدر المشترك تقديمهم خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين على ما روى الماء من الماء وخبر من روى أنه ﵇ كان يصبح جنبًا على خبر أبي هريرة ﵁ من أصبح جنبًا فلا صوم
стр. 813
وكان على ﵁ يرجح خبر أبي بكر ﵁ ولا يحلفه ويحلف غيره وأبو بكر ﵁ رجح خبر المغيرة في ميراث الجدة لموافقته محمَّد بن سلمة ﵁ وقوى عمر ﵁ خبر أبي موسى ﵁ في الاستيذان لموافقة أبي سعيد الخدرى.
وثانيًا: ترجيح الراجح متعين عرفًا فكذا شرعًا للحديث.
وثالثًا: ترك العمل بالراجح يجوز العمل بالمرجوح وأنه ممتنع عقلا.
لهم تساوي الظاهر مع الأظهر والقياس على البينات وإن قوله فاعتبروا ونحن نحكم بالظاهر يلغي زيادة الظن.
قلنا هذه ظنية لا تعارض القطعيات.
الفصل الثالث في تقسيمه
إما صحيح أو فاسد بحسب قبول ما يقع به وعدمه وأيا كان في بين منقولين كنصين أو إجماعين ظنيين كالسكوتى والمنقول آحادًا أو بين معقولين أصناف أربعة بحسب السند أي الإخبار عن طريق المتن وبحسب المتن أي ما تضمنه النص من عام أو خاص وغيرهما من الأقسام العشرين وبحسب الحكم المدلول كالخطر والإباحة وبحسب الخارج من الثلاثة كالتعرض لعلة الحكم وما بين المعقولين أربعة أصناف بحسب أصله وعلته وحكمه والخارج عنها وما بين المنقول والمعقول صورة يجوز فيها العمل بالقياس في مقابلة النص الظني الثبوت أو الدلالة أو كليهما بحسب ما يقع للناظر من قوة الظن.
تمهيد: جرت عادة أصحابنا أن لا يذكروا هنا من وجوهه إلا ما للقياس ولا مطلقًا بل ما بحسب العلة ولا جميعه بل ما باعتبار التأثير واكتفوا في غيره على فهم من يستحق الخطاب من المباحث السالفة في كل باب فلا علينا أن تقدم ذلك على نوع ذكروه ثم نستوفى ما بسطه الشافعية من الوجوه.
الفصل الرابع: في وجوه ترجيح القياس بحسب التأثير
وهي أربعة:
الأول بقوة الأثر الذي هو معنى الحجة كما مر في الاستحسان مع القياس ويشبه ترجيح الحديث المشهور بقوة الاتصال على الغريب أعني ما لم يبلغ حد الشهرة وإن كثر رواته لأن حجية القياس بالتأثير فيتفاوت حسب تفاوته لا الشاهد بقوة العدالة لأنها لا تختلف بالشدة والضعف فإن التقوى عن ارتكاب ما يعتقد حرمته ليس لها حدود يظهر لبعضها قوة.
стр. 814
فروع:
١ - قولنا طول الحرة أي القدرة على زوجها لا يمنع الحر عن نكاح الأمة لأن العبد إذا أذن له مولاه مطلقًا قائلا تزوج من شئت دافعًا مهرًا صالحًا للحره بملكه فكذا الحر كسائر الأنكحة أقوى تأثيرًا من قولهم أنه إرقاق مائة ابتداء من غنيته عنه وهو حرام على كل حر كالذي تحته حرة لأنه إهلاك معنى على ما عرف واستذلال للجزء لا لضرورة خوف الوقوع في الزنا المذكور في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] والإباحة للضرورة ترتفع لعدمها كما في الميتة أما البقاء على الرق والامتناع عن تحصيل الحرية فلا يحرم حتى يبقى الرق مع الإِسلام فلذا يبقى نكاح الأمة عند تزوج الحرة عليها وجاز للعبد تزوج الأمة مع طول الحرة وذلك لأن توسع النعم بالحرية لا بالرق كما زعم ويظهر بالنظر في حال البشر أن الحل يزداد حسب ازدياد الكرامة كما في النبي ﵇.
فإن قيل سلمنا تأثير الحرية في الإطلاق لكن ما لم يفض إلى الإرقاق وتأنيس الخسيس وإلا فالكرامة في المنع كحرمة المجوسية على المسلم دون الكافر.
قلنا لو صح لما جاز نكاح الأمة لمن ملك سرية أو أم ولد يستغنى بها عنه غير أن المذكور في تهذيبهم عدم جوازه لمن ملكها أو قدر على شرائها فيكون رد المختلف إلى المختلف فالأصح منع أنه إرقاق كيف والماء لا يوسف بالحرية ما دام ماء بل امتناع عن تحصيل حريته ولئن سلم فلا نعلم حرمته كيف وتضييع الماء بالعزل بإذن الحرة وبنكاح الصبية والعجوز والعقيم وإنه إتلاف حقيقة جائزة فالإرقاق الذي هو إتلاف حكمى ويرجى زواله بالعتق أولى.
٢ - قولنا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لأن دينها دين يصح معه نكاح حرتها كدين الإِسلام فهذا إما قياس للأمة الكتابية على الحرة الكتابية ووجهه ما سيجىء أن أثر الرق في التنصيف لا في التجريم وإما قياس لدينها على دين الإِسلام لأنه ملحق به في حل النكاح أو قولنا لأن العبد المسلم يملكه فيملكه الحر المسلم كسائر الأنكحة وهذا أيضًا يحتمل قياسين ووجهها أن مقتضى الحرية اتساع الحل لا تضييعه أولى من قولهم كل من الرق والكفر مما يمنع النكاح في الجملة حتى لم يجز نكاح الأمة على الحرة أو الحربية للمسلم فباجتماعهما صارا كالكفر الغليظ من المجوسية والارتداد أو ضرورة نكاح الأمة قد انقضت بإحلال الأمة المسلمة التي هى أظهر كالمضطر إذا وجد ذبيحة المسلم الغائب كان أولى من الميتة وذلك لأن سبب التحريم ليس دينها لحل حرتها ولا رقها لأن أثر الرق
стр. 815
في تنصيف ما يقبله من الطلاق والعدة والقسم والحدود بخلاف حد السرقة والطلقة الواحدة والحيضة الواحدة والعبادات ونكاح المرأة نعمة تقبله بحسب أحواله المنسوبة إلى نكاح أخرى من المتقدم والتأخر والمعية بتحرير نكاحها متقدمًا على الحرة لا متأخرًا أما عدمه مقارنًا فلتغليب الحرمة لما لم يمكن تنصيف النكاح الواحد فرق الأمة يؤثر لا في تحريمه بل في تنصيفه كرق العبد فجعله رقها مؤثرًا في التحريم ورقه في سعة الحل والحرية في نقصانه حيث جوز للعبد المسلم نكاح الأمة المسلمة عند الطول والأمة الكتابية عند عدم الطول لا الحر عكس المعقول ونقض الأصول أما حل الوطئ بملك اليمين المترتب على الرق فلا يفيد زيادة الكرامة لأن الحل لملك اليمين بطريق العقوبة لا الكرامة لا يقال لا حاجة إلى كلفة تغليب الحرمة فإن لها حالتين الانفراد عن الحرة وفيه الجواز والانضمام معها وفيه عدمه كيف وفي أن للأمة طبقتين تغليب الحل على الحرمة لأنا نجيب عن الأول بأن التعبير عن الحالتين الأخيرتين بلفظ لا يجعلهما واحدة وعن الثاني بأنه لضرورة أن يزول يقينًا الحل الثابت بالواحدة لضم الثانية لا لتغليب الحل والجواب عما قال أن الكفر والرق لما اختلف أثرهما حيث منع الأول النكاح تحبث الاعتقاد والثاني لنقصان الحل لم يمكن أن يتحدا علة ليتغلظ بل بمنزلة اجتماع العلتين بلا هيئة اجتماعية كأحد ابني عم هو زوج ولا نعلم ضرورية نكاحها وإلا لما بقي بعد ما زالت الضرورة فيما تزوج حرة على الأمة لمحما لو قدر المضطر على الحلال في خلال أكل الميتة لا يقال إنما بقي هنا لأن القدرة على الأصل بعد تمام المقصود وهو العقد لأن النكاح عقد العمر فتمام مقصوده بفناء العمر نعم لها أثر في سلب استحبابه في المسألتين.
٣ - فولنا الفرقة فيما أسلم أحد الزوجين بعد الدخول وأبى الآخر ليست بالإِسلام لأنه سبب عصمة الحقوق بالحديث بدليل توقيفها على العرض على الآخر حتى لو أسلم الثاني بقي النكاح إجماعًا ولا كفر الآخر لصحة النكاح معه ابتداء وبقاء فيضاف إلى فوت غرضه لإباء الآخر عنه لأن مقاصد النكاح ممتنعة معه شرعًا ففات الإمساك بالمعروف فينوب القاضى منابه في التسريح بالإحسان كما في اللعان والإيلاء والجب والعنة أقوى من قولهم هى بالإِسلام.
لكن في المدخول بها عند انقضاء العدة كالردة على أن الردة أيضًا لا توجب الفرقة بنفسها إذ هى غير موضوعة لإبطال النكاح كالطلاق لوجودها بدونه في مرتد لا امرأة له بل بطريق المنافاة لأنه لما أبطل عصمة الشخص أبطلت عصمة أملاكه كمنافاة طرو الرضاء والمصاهرة لتسببهما للجزية فوجب أن يتعجل الفرقة بها مثلهما.
стр. 816
وكذا قياس ارتدادهما كما قال زفر ﵀ إلا أنا تركناه بإجماع الصحابة ﵃ في عهد أبي بكر ﵁ حين ارتدت العرب فلم يأمرهم بتجديد الأنكحة ولم ينكر عليه أو لأن ارتدادهما أدى من ارتداد أحدهما لانقطاع العصمة فيما بينهما أيضًا أي للكافر في حق المسلم حتى جاز نكاح مجوسيين ولو أسلم أحدهما لم يجز فلا يلحق به في بطلان النكاح فبان ضعف من جعل الإِسلام والردة متساوين في سببية الفرقة بل في نفس سببيتهما من كل وجه في الأول ومضافة إلى انقضاء العدة في الثاني.
٤ - قولنا مسح فلا يسن تكراره أقوى من قولهم ركن فيسن تكراره لعدم تأثير الركنية في التكرار بل في الوجود مع عدم اختصاص التكرار به بدليل المضمضة والاستنشاق وعكسه في بعض أركان الصلاة والحج بخلاف تأثير المسح في التخفيف حقيقة ومحلا وغرضًا ووجودًا.
الثاني بقوة ثبات الوصف على الحكم أي بفضل التأثير بأن يكون ألزم له من الوصف المعارض لحكمه لثبوت تأثيره ح بالأدلة المتعددة من النص والإجماع.
فروع:
١ - قولنا مسح أدل على التخفيف من قولهم ركن على التكرار لشمول الركن موارد من قضيته إكماله فيها لا تكراره كما في أركان الصلاة والسلام في التكرار بطريق السنية إكمالا فلا يرد السجدة الثانية وأما التخفيف فلازم للمسح في كل ما لا يعقل تظهيرًا كالتيمم ومسح اتحف وغيرهما بخلاف الاستنجاء
٢ - قولنا صوم رمضان متعين فلا يشترط تعيينه كصوم النفل أولى من قولهم فرض فيشترط تعيينه كصوم القضاء لأن تأثير الفرضية في الامتثال لا التعين ولذا جاز الحج بمطلق النية وبنية النفل عنده وتأدى الزكاة عند هبة جميع المال من الفقير أو نصدقه ولأن التعليل بالفرضية في إيجاب التعين يختص بالصوم لأن الئعين في غيره لمعان أخر وبالتعين في عدم إيجابه لازم لكل متعين يتعدى من صوم النفل إلى الفرائض كما ذكرنا في الحج لتعين حجة الإِسلام بدلالة الحال والزكاة لتعين المحل وإلى الودائع والغصب ورد المبيع الفاسد حيث لا يشترط في ردها أنه من تلك الجهات بل بأى طريق وجد يقع من الجهة المستحقة بخلاف أداء الدين وإلى عقد الإيمان بكسر الهمزة لا يشترط فيه تعيين أنه فرض مع أنه أقوى الفروض لتعينه وعدم تنوعه إلى فرض ونفل أو بفتحها فإنه إذا حلف على فعل عين كصوم يوم الجمعة أو ترك عين ففعل لا على قصد البر يقع عنه للتعين وإذا وجد فعل الحنث يثبت وإن وجد نسيائا أو كرهًا أو خطأ لتعين وإلى غير ذلك كما إذا باع
стр. 817
السيف المحلى فأخذ بعض الثمن في المجلس يقع عن الحلية لتعين لفنها للقبض.
٣ - قولنا في المنافع لا تضمن بالإتلاف حفظًا لشرط ضمان العدوان وهو التماثل احترازًا عن فضل الأعيان على الأعراض أولى من قولهم ما يضمن بالعقد يضمن بالإتلاف كالأعيان تحقيقًا لجبر حق المظلوم لأن المنفعة مال كالعين والتفاوت المذكور مجبور بكثرة أجزاء المنفعة كمنفعة شهر في مقابلة درهم واحد كالتفاوت في الحنطة المضمونة بمثلها من حيث الحبات واللون ونحوهما فإثبات المثل في الضمانات تقريبي لا تحقيقي كما في إيجاب القيمة عند تعذر المثل وأنها بالحرز ولأنا بين إيجاب فضل على المتعدى وإهدار أصل على المظلوم والأول أولى سد الباب العدوان وذلك للتنصيص في الآية على المثل في كل باب من الضمانات بدنيا كان أو ماليًا فكان أثبت مما ذكروا ووضع الضمان أي إسقاطه في المال المعصوم ما يسوغ في الشرع في الجملة كالباغي والحربي يتلف مال العادل والمسلم فيجوز لعجزنا عن الدرك كبالمثل عند تعذره إلى القيمة أما إيجاب الفضل على من تعدى لا فيه فجور لا يجوز أن يضاف إلى الشرع والحكم له لأن نسبة الجور إليه بط إلا بواسطة جور العبد المنسوب إليه من حيث الإرادة والمشبه دون الرضاء والأمر وتأخير الأصل وهو حق المغصوب منه إلى دار الجزاء أهون من إهدار الوصف وهو دينية مال الغصب لأن تأخير الحق بالعذر مشروع لقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
أما ضمان العقد فخاص ثبت فيه بخلاف القياس للحاجة وغيره ليس في معناه.
الثالث: بكثرة الأصول التي يوجد فيها جنس الوصف أو نوعه كما في مسح الرأس إذ يشهد لتأثير المسح في عدم التكرار أصول ولا يشهد لتأثير الركن في التكرار إلا الغيل خلافًا لبعض أصحابنا وأصحاب الشافعي لأن كرة الأصول ككثرة الرواة في الخبر ولأنه ترجيح بكثرة العلة.
قلنا العلة هو الوصف لا الأصل وكثرة الأصول تفيد قوته ولزومه فهي كالشهرة أو التواتر أو موافقة رواية الفقيه الأعلم الحاصلة بكثرة الرواة لا كهي نعم هذا قريب من القسم الثاني بل والأول.
قال شمس الأئمة الأقسام الثلاثة راجعة إلى الترجيح بقوة تأثير الوصف والجهات مختلفة فالمنظور في قوة الأثر نفس الوصف وفي ثباته الحكم وفي كثرة الأصول.
الأصل الرابع بالعكس وهو عدم الحكم عند عدم الوصف وهذا أضعف وجوهه لأن العدم ليس بشىء لكن الدوران وجودًا وعدمًا مما يقوى الظن الحاصل بغيره كما مر.
стр. 818
فروع:
١ - قولنا مسح لا يعقل تطهيرًا فلا يتكرر ينعكس في نحو غسل الجنب والحائض وما يعقل تطهيرًا كالاستنجاء وقوله ركن فيكرر لا ينعكس كما في المضمضة والاستنشاق.
٢ - قولنا الأخوة قرابة محرمة للنكاح الذي هو اسئدلال فيوجب العتق إذ ملكه كالولاد ينعكس في بني العم وقوله يجوز وضع زكاة أحدهما في الآخر فلا يوجبه كبني العم لا ينعكس كما في الكافر.
٣ - قولنا في بيع الطعام به مبيع عين فلا يشترط قبضه كالثوب به ينعكس في بدل الصرف ورأس مال السلم وقولهما لان لو قوبل كل منهما بجنسه حرم ربا الفضل فيشترط كالذهب والفضة لا ينعكس فيما أسلم ثوبًا في حنطة.
الفصل الخامس: في وجوهه بين المنقولين
وفيه أصناف:
الأول ما بحسب السند ولها أربعة موارد
الأول الراوي ورجحانه إما في نفسه وفيه وجوه.
١ - الفقه لاطلاعه بالبحث على ما يزيل الإشكال.
وقيل ذلك فيما يروى بالمعنى والأصح إطلاقه.
٢ - علم العربية وقيل يعتمد على لسانه فلا يبالغ في حفظه والأول أولى لتحفظه عن مواضع الغلط.
٣ - زيادة فقهية أو عربية.
٤ - ظهور عدالته.
٥ - معرفة عدالته بالخبرة لا بالخبر.
٦ - أشهرية ضبطه أو عقله أو ورعه.
٧ - حسن اعتقاده بخلاف المبتدع.
٨ - اعتماده على الحفظ وتذكر السماع لا على الخط والنسخة قال الأرموى ﵀ وفيه احتمال.
٩ - زيادة الضبط.
١٠ - قلة النسيان فيعارض الأشد ضبطًا الأقل نسيانًا.
١١ - جزمه فيما يرويه.
١٢ - سلامة عقله دائمًا.
стр. 819
١٣ - كثرة ملازمة أهل الحديث.
١٤ - عمله برواية نفسه.
١٥ - مباشرته بمورد الحديث.
١٦ - مشافهته.
١٧ - قربه عند السماع.
١٨ - نقله من أكاابر الصحابة.
١٩ - كونه غير مدلس.
٢٠ - كونه غير ذى اسمين.
٢١ - كونه غير ذى رجال تلتبس بالضعفاء في الأسماء.
٢٢ - كونه مشهور النسب.
٢٣ - كونه غير راو في الصبا.
٢٤ - كونه غير محتمل فيه.
٢٥ - معلومية أنه لا يروى إلا عن عدل.
٢٦ - كونه صاحب الواقعة.
قال ابن الحاجب ﵀ وكونه متقدم الإِسلام والبيضاوى وتأخر إسلامه فوافق بأن الأول فيما علم اتحاد زمان روايتهما لثبات قدم الأقدم في الإِسلام والثاني فيما علم موت المتقدم قبل إسلام المتأخر أو أن أكثر روايته قبل إسلام المتأخر والغالب كالمتحقق أو أن روايته هذه قبل رواية المتأخر وذلك لنسخها بها كما تقدم من المتقاربين في الإِسلام من يعلم أن سماعه بعد الإِسلام فهذه أكثر من ثلاثين وإما في تزكيته وجهان:
١ - عدلية مزكى أحدهما أو أوثقيته أو بحثيته عن أحوال الناس لا أكثريته ويتضمن وجوهًا:
٢ - التزكية بتفصيل أسباب العدالة ثم بالإجمال بصريح المقال ثم بالحكم بشهادته ثم بالحمل بروايته لأن الاحتياط في الشهادة أكثر فيتضمن وجوهًا.
المورد الثاني: الرواية وفيه وجوه
١ - الاتفاق في رفعه.
٢ - نسبته قولًا لا اجتهادًا كما يقال وقع عنده فلم ينكر.
٣ - ذكره سبب النزول.
٤ - روايته بلفظه.
стр. 820
٥ - علو إسناده أي قلة رواته.
٦ - كونه معنعنا لا مسندًا إلى كتاب معروف ولا ثابتًا بطريق الشهرة بلا كتاب.
٧ - كونه مسندًا إلى كتاب لا مشهورًا.
٨ - كونه مسندًا إلى كتاب عرف بالصحة كالصحيحين لا إلى ما لم يعرف كسنن أبي داود.
٩ - قرب الإرسال فإن مرسل الصحابي أولى لقبوله اتفاقًا ثم مرسل التابعى من مرسل من بعده أما الإرسال فأولى من الإسناد عندنا وعند الشافعية بالعكس وعند عبد الجبار يستويان.
لنا أولًا أن الثقة لا يقول: قال النبي ﵇ إلا إذا قطع بقوله.
وثانيًا قول الحسن ﵁ إذا حدثني أربعة نفر من أصحاب رسول الله قلت قال رسول الله ﷺ أجاب الأرموي عنهما بأن ظاهره الجزم ولا جزم هنا فيحمل على ظنه أنه قال ففيه مجرد ظنه وفي المسند يحصل الظن في جميع الرواة وفرق في الإرسال بين قال رسول الله وبين عن رسول الله لأنه في معنى روي وليس شيء بشىء أما الأول فلأن المراد بالجزم القدر من الظن المصحح للنسبة ولا ثم حصوله عند التصريح بالإسناد المجمل للعهدة وأيضًا فيه ظنون جميع الرواة بوجه ضمني أقوى.
وأما الثاني فلأن عدم التصريح بمن يتحمل العهدة تحمل لها ولا فرق في ذلك بين العبارتبن وأجيب أيضًا باحتمال أن يكون قطعة عن اجتهاد خطأ في عدالة الراوي ولا تقليد للمجتهد فلا بد من ذكر الرواة ليجتهد في عدالتهم وقد لا يعلم المرسل جرح الراوي ويعلم هو.
قلنا على أن الاحتمالات البعيدة لا تدفع الظهور وإلا لم يعتبر ظن صدق شيخه عند الإسناد أيضًا لا يفيد الأولوية بل يقتضي أن لا يصح قبوله إلا بعد الاجتهاد في راو وراو لم يكن للعلم بأن الشيخ لا يروى إلا عن عدل أثر وليس كذلك لأن الاتباع لغلبة ظن الصديق لا سيما من المجتهد لا يسمى تقليدًا كما مر مرة وأما قراءته على الشيخ فأولى من العكس عندنا خلافًا للشافعية وقد مر وأما قولهم المتواتر أولى من المسند فليس من باب الترجيح إذ المراد إما المتواتر القطعي الدلالة فلا يعارضه شيء أو الظني الدلالة فلا نعلم أولويته بل ربما يرجح المسند كما يخصص العام المخصوص من الكتاب بالخبر والقياس والتخصيص بطريق التعارض.
стр. 821
المورد الثالث المروى: وفيه وجوه
١ - أنه مسموع فقوله سمعته أولى من قال النبي ﵇.
٢ - أنه جرى عند الرسول وسكت لا أنه سمع وسكت.
٣ - أنه صيغة واردة منه ﵇ لا أن الراوي فهمه وأداه بعبارته.
٤ - غرابته فيما لا يعم به البلوى عليها فيما يعم به إن قبل للاختلاف في قبول الثاني.
٥ - فصاحة لفظ الخبر لا مزيد فصاحة في الأصح.
المورد الرابع المروى عنه
كما بما لم يثبت لرواية الأصول إنكار له أو ما لم يقع للناس إنكار لرواته وأكثر النقول يساعد الأول.
الصنف الثاني: ما بحسب المتن منها ما يقدم من رجحان المنفرد على المشترك والعام الغير المخصوص على ما خص منه وغير المأمول عليه لا الخاص على العام بل يتعادلان خلافًا للشافعية وكذا المطلق والمقيد ومن المحكم ثم المفسر ثم النص ثم الظاهر على الخفى ثم المشكل ثم المجمل على المتشابه ومن الحقيقة على المجاز بحسب كل قسم حتى الحقيقة المستعملة على المجاز المتعارف لا بالعكس خلافًا للإمامين والمجاز المتعارف على الحقيقة المتعذرة أو المهجورة والمجاز على المشترك.
وقيل بالعكس ومن الصريح على الكناية ومن العبارة ثم الإشارة ثم الدلالة على الاقتضاء والواضحة من الإشارة والدلالة على الغامضة والمستغنى عن الإضمار ثم المحذوف على المتقضى لأنه كالمنطوق فهذه أكثر من عشرين.
ومنها وجوه أخر:
١ - النهى على الأمر لأن دفع المفسدة أهم.
٢ - الأمر على الإباحة في الصح للاحيتاط.
وقيل بالعكس لوحدة معناها وكثرة معاني الأمر ويسرها واشتمالها على مقصود الفعل والترك ولا شك في أولوية الأول فيما أصله الاحتياط.
٣ - النهى المحتمل كالمتحقق على الإباحة وعليه الكرخي وعند عيسى بن أبان وأبى هاشم سيان.
لنا قوله ﵇ "ما اجتمع الحرام والحلال إلا وقد غلب الحرام على الحلاله.
وقوله ﵇: "دع ما يريبك" الحديث وإن عثمان رجح التحريم في الأختين المملوكتين ولأن تطليق إحدى النساء وإعتاق إحدى الإماء عند النسيان يحرم الكل ولأنه
стр. 822
أحوط فإن ترك المباح أولى من فعل الحرام.
لهم ما مر من فوائد الإباحة ولا ريب في عدم انتهاضها.
٤ - أحد المجازين يقربه ثم الحقيقة وشهرة علاقته وقوتها كمن السبب إلى المسبب على عكسه للاستلزام وقرب قوتها من الاعتبار باجتماع القوة الجنسية والنوعية كمن السبب الغائى فإن صحة الانتقال فيه من الطرفين اتفاقية كما مر ويرجحان أمارة مجازيته متفاوتة قبولا وردًا وظهورًا وخفاء ما مر والأشهر مطلقًا أي لغة وعرفًا وشرعًا ثم المستعمل شرعًا في معناه اللغوى ثم الشرعي على غيره ثم العرفي على اللغوى فيتضمن تسعة عشر وجهًا في المجاز.
٥ - معدد جهات الدلالة على الأقل بعد ترجيح ما مع المطابقة ثم التضمن على الالتزام.
٦ - الاقتضاء لضرورة الصدق لأنه أقرب إلى العبارة.
٧ - الإيماء لانتفاء العبث والحشو في كلام الشارع لكونه إشارة واضحة راجح عليه لترتيب حكم على وصف.
٨ - المؤكد على غيره كان بالتكرار وغيره.
٩ - التأسيس على التأكيد.
١٠ - الدال على المقصود بلا واسطة.
١١ - المذكور معارضه معه كأحاديث كنت نهيتكم فهذه ثلاثون ومجالها أوسع منها.
الصنف الثالث: ما بحسب المدلول وفيه وجوه
١ - الحظر على الإباحة في الأصح.
وقيل بالعكس لئلا يفوت مصلحة اعتقدها المكلف في الفعل والترك وإذ لو قدم الإباحة لكان إيضاح واضح هو الجواز الأوصلي وليس شىء بشىء لأن اعتقاده ربما يكون خطأ فالمصلحة الصحيحة فيما عينه الشرع من الترك في النهى والفعل في الوجوب ولأنه لو عمل بالإباحة لزم كمرة النسخ والتغيير على أن المحرم يعادل الموجب الراجح على المبيح.
٢ - الحظر على الندب كالوجوب عليه وعلى الكراهة الكل للاحتياط.
٣ - مر بحث النفي والإثبات.
٤ - درء الحد على إيجابه للحديث ولأنه ضرر خلافًا للمتكلمين
٥ - قال الكرخي الإطلاق والعتق على عدمها لأن الأصل عدم القيد.
стр. 823
وقيل بالعكس لأن هذا النزاع فيما بعد ثبوت الزوجية والرق فالأصل هما لأن دليل صحتهما مرجح على نافيها وهو الأصل وهذا يوافقه والأصح الأول لأن الموجب محرم للتصرف والنافى مبيح والحظر أولى من الإباحة ولأن دليل الطلاق والعتق فيما بعد ثبوت الزوجية والرق هو المثبت فيرجح على النافي لأن النفي هنا مما لا يعرف بدليله لاستبداد المالك بهما بخلاف النزاع في صحة الزوجية والرق فإن المثبت ثمة دليل صحتهما ولذا قلنا يرجحان بينة الحرية الأصلية بعد ثبوت الرق لا قبله وقيل مطلقًا لأن حر الأصل ذو يد لنفسه والحرية الأصلية بعد ثبوت الرق لا قبله وقيل مطلقًا لأن حر الأصل ذو يد لنفسه والحرية الأصلية سبب غير متكرر كالنتاج.
٦ - التكليفى على الوضعى لأنه المقصود والمحصل للثواب.
وقيل الوضعى لأنه لا يتوقف على فهم وقدرة.
٧ - الأخف على الأثقل لنفى الحرج وقيل بالعكس لكثرة الثواب.
٨ - المقرون بالتهديد فهذه أكثر من عشرة.
الصنف الرابع ما يحسب الخارج وفيه وجوه:
١ - موافقة عمل السلف أو أكثرهم أو الخلفاء الأربعة أو أهل المدينة أو عمل الأعلم فهذه خمسة.
٢ - أحد المؤولين لرجحان تأويله.
٣ - التعرض لعلة الحكم حتى قيل في ترجيح العمومات المفهوم من صريح شرط لا كالمتبدأ المتضمن لمعناه راجح على النكرة في سياق النفي والجمع المستغرق المحلى والمضاف لدلالته على التعليل ثم الجمع المحلى والموصول على المفرد المحلى لكثرة الاستغراق ثمة والعهد هنا.
٤ - أحد العامين في مورده والآخر في غير ذلك المورد للخلاف في تناول الأول إياه.
٥ - مثله عام المشافهة فيمن شوفهوا به مع العام الآخر.
٦ - عام لم يعمل به أصلا على ما عمل لئلا يلغو.
وقيل بالعكس لقوته باتصال العمل.
٧ - العام الأقرب بالمقصود.
٨ - الخبر الذي فسره راويه قولًا أو فعلا.
٩ - النص الذي معه قرينة التأخر لدلالتها على الناسخية كتأخر إسلام راويه كما هو وتضيق تاريخه نحو ذى العقدة من سنة كذا بخلاف سنة كذا والتشديد فيه فإن
стр. 824
التشديدات جاءت حين ظهر شوكة الإِسلام وكذا كل ما يشعر بشوكته ويتضمن أكثر من عشرين.
الفصل السادس في وجوهه بين المعقولين
وفيه أربعة أصناف:
الأول ما بحسب أصله وفيه وجوه:
١ - قطعية حكم أصله وذكرناها مع أن القطعي لا يعارضه الظني حتى يرجح لأن الترجيح إنما هو بين القياسين ولا يكون القياس بقطعية حكم أصله قطعيًا والمراد بالقطعى هنا قطعى المتن والسند وبالظنى الأقسام الثلاثة الباقية.
٢ - بحسب قوة ظن دلائله الظية فيتضمن جميع ما مر في ترجيح النصوص.
٣ - قال في المنهاج يرجح على الإجماع لأنه فرعه والحق عكسه لأن النص يقبل التخصيص والتأويل دون الإجماع لأنه فرعه والحق عكسه لأن النص يقبل التخصيص والتأويل دون الإجماع وليس الإجماع فرعًا لكل نص.
٤ - بالاتفاق على عدم نسخه.
٥ - بالاتفاق على جريه على سنن القياس
٦ - بالاتفاق على كونه معلولا للحال.
٧ - بالاتفاق على كونه شرعيًا لا كالعدم الأولى.
الصنف الثاني: ما بحسب العلة وفيه وجوه:
١ - قطعيتها كالمنصوصة والمجمع عليها.
٢ - بقوة ملكها كالنص الظاهر حسسب مراتبه السالفة والإجماع الظني الثبوت على غيرهما من المسالك وقيل الإجماع أولى من النص كما مر.
٣ - تنقيح المناط أولى من تخريجه كانا ملكًا تامًا أو بعضًا منه.
٤ - تنقيحه بالقاطع أولى مما بالظنى.
٥ - بقوة ظن الدليل المنقح.
٦ - ما اتفق على صحة عليته فالمتحدة من المتعددة والوصف الحقيقي من الإقناعى الاعتبارى والحكمة المجردة وإن كان بواسطها والثبوتى من العدمى والباعث من مجرد الإمارة إن جوز والمنضبطة من المضطربة والظاهرة من الخفية والمتعدية من القاصرة إن جوزت والمطردة من المنقوضة ولو لمانع حتى المطردة الغير المنعكسة من المنعكسة الغير المطردة وما سلف أن المطردة بالانعكاس أولى منها لا به والجامعة المانعة للحكمة
стр. 825
والمناسبة على الشبهية إن جوزت والمؤثرة على الكل إن جوز غيرها وكذا نظائرها ويتضمن أكثر من خمسة عشر.
٧ - المتعدية إلى فروع أكثر.
٨ - المنقوضة التي دليل التخلف فيها أقوى.
٩ - العلة التي لا معارض لها في الأصل.
١٠ - التي هى أقوى من معارضها مما ليست أقوى من المعارض.
١١ - الضروريات من أصل الحاجية.
١٢ - الحاجية من التحسينية.
١٣ - مكملة الضرورية من أصل الحاجية.
١٤ - في الضروريات الدينية من الدنيوية للاهتمام.
وقيل بالعكس لحاجتنا ثم النفسية ثم النسبية ثم العقلية ثم المالية فهذه خمسة.
١٥ - الإيماء أولى من الاستنباط وفي المنهاج الدوران والسير والشبه أولى من الإيماء لاحتياجه إلى أحدها وفي شرح المختصر الإيماء يقدم على الاستنباط بلا إيماء وهو الحق لأنه من المنطوق بخلافها وفي التنقيح الإيماء أولى من المناسبة.
وفيه بحث لأنه يفتقر إليها إلا أن يريد مجردة أولى من مجردها لأنه منطوق أما إذا اجتمعا فمسلك واحد.
١٦ - السير أولى من الشبه إن اعتبر.
١٧ - في المؤثرات يرجح الأقرب فالأقرب فاعتبار نوع الوصف في نوع الحكم بالنص أو الإجماع أولى منه بترتب الحكم على وفقه والنوع في النوع في كل من النص والإجماع أولى من الثلاثة الباقية ثم جنس الوصف في نوع الحكم فيهما من عكسه كذا في التنقيح لأن الحكم أصل المقصود وعكسه ابن الحاجب قيل وهو الحق لأن العلة هى العمدة في التعدية فكلماكان التشابه فيها أكثركان أقوى.
قلنا تأثير العلة استلزامها واستلزام جنسها لنوع الحكم يقتضي استلزام عينها إذ لا يلزم منه استلزام جنسها وكذا لزوم الجنس لزوم لازم المقصود ولا يلزم من لزوم اللازم لزوم الملزوم فلا يتم التقريب.
فإن قلت فلا يصح التعليل بنوع الوصف بجنس الحكم.
قلنا نعم لولا ترتب الحكم على وفقه في الجملة ومن هذا يعلم أن الترتيب بين النوعين
стр. 826
شرط قبول العلة في مذهبنا كما قلنا لا كما في التنقيح ثم عكسه فيهما أولى من الجنس في الجنس وما بين الأجناس فيهما بحسب ترتبها قربا وبعدًا وسلف حكم المركب منها فيتضمن مفرداتها ستة عشر ومركباتها الثنائية بعد ترجيح ما فيه النوع في النوع على غيره ثم ما فيه الجنس في النوع ثم ما فيه عكسه يبلغ مائة وعشرين ترجيحًا أما الثلاثية والرباعية وما فوقهما فأضعاف ذلك.
تنبيه: ما ذكره أصحابنا من الترجيح بقوة الأثر أو ثبات الوصف أو كثرة الأصول مجمل تفصيله هذه الأقسام لأن قوة الأثر اعتبار الشارع إياه كالنوع في النوع وثباته اعتباره متعددًا كبالنص والإجماع وكثرة الأصول تعدد مواضع اعتباره ولو بدليل واحد.
الصنف الثالث: ما بحسب حكم الفرع:
١ - مشاركته للأصل في نوع الحكم والعلة ثم في نوع العلة ثم في نوع الحكم ثم في الأجناس الأقرب فالأقرب ويتضمن سبعة عشر.
٢ - نحو ما مر في النص بحسب الحكم من تقدم للحظر والوجوب على الندب والإباحة والكراهة وللإلْبات على النفي وللطلاق والعتاق على عدمها ولدرء الحد عليه وللأخف على الأثقل وللحكم الزائد على غيره كالندب على الإباحة وغيرها ويتضمن أكثر من اثنى عشر.
٣ - ثبوته قبل القياس إجمالا والقياس لفضله من ثبوته ابتداء لاختلاف في الثاني.
٤ - بقطع وجود العلة فيه.
٥ - بقوة ظن وجود العلة.
الصنف الرابع: بحسب الخارج:
ويجرى ما مر في النص من الوجوه ومنه عدم لزوم المحذور منه من تخصيص عام وترك ظاهر وترجيح مجاز وغير ذلك.
الفصل السابع في بيان المخلص
عند تعارض وجوهه إذا تعارض وجهًا ترجيح ذاتي قائم بنفسه أو ببعض أجزائه وحالي عارضي يتوقف على الأول أو يحصل بقياسه إلى غيره فالذاتي أولى لوجهين:
١ - سبق الذات كاجتهاد أمضى حكمه.
قال شمس الأئمة إذا حكم بشهادة مستورين بالنسب أو النكاح لرجل لم يتغير يشهادة عدلين لأخر.
٢ - قيام الحال به فلو اعتبرت لزم نسخ الأصل بالتبع.
стр. 827
فروع:
١ - ابن ابن آخر لأبوين أو لأب أحق بالتعصيب من العم لأن الترجيح بالأخوة ترجيح للأخ بذات القرابة لأنها مجاورة في صلبه أو لعمومه في صلب أبيه وترجيح العم بقرب القرابة الذي هو خالها لوحدة الواسطة بخلاف ترجيح ابن الأخ لأب في التعصيب من ابن ابنه بالقرب للاستواء في الأخوة.
٢ - العمة لأم أحق بالثلثين من الخال لأبوين لأن الإدلاء بالأب أرجح من حيث نفس القرابة ورجحان الخال من حيث قوتها.
٣ - صنع الغاصب بالصناعة ونحوها يقطع حق المالك لقيامه ذاتًا من كل وجه وهلاك العين من حيث تبدل الاسم فيرجح الأول بالوجود.
وقال الشافعي ﵁ الصنعة باقية بالمصنوع متابعة له.
قلنا هذا ترجيح بالبقاء الذي هو حال الوجود وبنسبته إلى الزمان ثم التبعية لا تبطل حق صاحبه فإن حقه في التبع كهو في الأصل محترم بخلاف هلاك الشىء ولو من وجه.
٤ - جواز النية قبل نصف النهار في صوم عين كما مر أن ترجيحنا بالكثرة التي هى صفة الأجزاء التي بها الوجود أولى من ترجيح الخصم بوصف العبادة الحاصل بشرع الله تعالى.
٥ - قال أبو حنيفة ﵁ فيمن له خمس من إبل سائمة مضى من حولها شهور فملك ألف درهم فتم الحول فزكاها فباعها بألف لا إليه لئلا يلزم التنافي بعض الحول بل يستأنف الحول فإن وهب ألفًا آخر يضمه إلى الألف الأول لقرب تمام حوله أما ربح لكن السائمة فيضم إلى أصله وذلك لأن كونه نماء عن الإبل ترجحه ذاتًا فلا مكانه لا يرجح بقرب الحول الذي هو الحال بخلاف الأول.
الفصل الثامن
في التراجيح الفاسدة التي يقول بها الشافعية
١ - لغلبة الأشباه إن جوز توارد العلل المؤثرة فترجيح القياس به معنى لأن ركنه الوصف بخلافه بكثرة الأصول وإلا فشبه واحد مؤثر أقوى من ألف شبه غير مؤثرة كقولهم أخ يشبه الولد محرمية وابن العم وجوهًا كجواز وضع الزكاة وحل حليلة كل للآخر وقبول الشهادة ووجوب جريان القصاص من الطرفين.
٢ - بعموم العلة إذ يكثر أحكام الشرع بكثرة الفروع كقولهم الطعم أحق بعلية الربا من الكيل لشموله القليل.
стр. 828
قلنا الوصف فرع النص ومستنبط منه والعام كالخاص فيه عندنا وعنده يقصى الخاص عليه فكيف يعكس هنا وفرقوا بأن إسقاط الدليل خلاف الأصل فالأصل تقليله وذلك في النصين بترجيح الخاص لأن لا يسقط العمل بالعام بالكلية أما كل من العلتين فيسقط الآخر في يقل فائدته بالإسقاط أحرى. وفيه بحث لأن عموم العلة مجاز عن إطلاقها فتناولها تناول احتمال والأصل المحقق فيه عدم الشمول.
٣ - بقلة الأوصاف فذات وصف كالطعم أولى من ذات وصفين كالقدر والجنس لكونه أقر إلى الضبط وأبعد من الغلط والخلاف قلنا العلة فرع النص الذي موجزه ومطوله سواء مع أن التفرد والتعدد صورة إنما الترجيح باعتبار المعنى المؤثر وفيه شيء لأن الخروج عن عهدة التكليف باليقين أمر مرغوب فيه إجماعًا وفي الاحتراز عما فيه الخلاف ذلك فالأولى أن يحمل كلام المشايخ هنا على أن الترجيح بالتفرد باعتبار صورة العلة وترجيحنا المتعدد فيما نقول به باعتبار التأثير الثاتجا بالنص كما فهمنا القدر والجنس من إشارة المماثلة المذكورة فيه فأين هذا من ذاك.
٤ - بكثرة الأدلة لأن الظن بها أقوى وأبعد عن الغلط إذ كل يفيد قدرًا من الظن ولأن ترك الأقل أسهل والحق فساده وهو مذهب الإِمام أبي حنيفة وأبى يوسف ﵀.
فأولا لما مر من معنى الترجيح لغة.
وثانيًا: لأن استقلال كل بإفادة المقصود جعل الغير في حقها كأن لم يكن لأنه تحصيل الحاصل ولئن سلم فلا شيء يفيده المجموع من حيث هو لعدم الهيئة الوحدانية فإن المبحث شيء مع شيء لا شيء لشىء مع شيء فالحرف الكلي الفارق بين اعتبار الكثرة وعدم اعتبارها أن الكثرة التي نيط الحكم بها من حيث تعتبر الهيئة الوحدانية فيها وهو المعنى بقولنا من حيث هو مجموع معتبرة كالشاهدين لا الثلاثة والأربعة إلا في الزنا لأن القاعدة المضبوطة شرعا في الشهادة هى هيئتها الواحدانية المعتبرة لا جزئيات الظون ولذا كان المتعدد أقوى من الواحد وإن كان صديقا وككثرة الأصول في حق حصول قوة التأثير وكالأكثر المقام مقام الكل في الصوم الغير المبيت وغيره وككثرة الرواة المحصلة للشهرة أو التواتر لأن الشرع أثبتهما هيئة مضبوطة مانعة للتوافق على الكذب فهي كالكثرة المنوط بها جر الأثقال وأمر الحروب في الحسيات والتي نيط بها الحكم من حيث هى فرادى لا تعتبر ككثرة الأدلة والرواة التي لم يجاوز حد الآحاد فهي ككثرة المصارعين المعارضين لواحد وبهذا يندفع دليلهم.
стр. 829
وثالثًا: لأن تعارض الأدلة للجهل بالناسخ والتعدد ليس دليل الناسخية لجواز انتساخ الكل بواحد وكذا العلل لجواز سقوطها بواحد أقوى.
فإن قلت مخالفة الدليل محذور والزائد لا معارض له فلا يجوز مخالفته.
قلنا لولا أن الواحد يعارض الكل لكان التعدد دليل النسخ.
فإن قلت لا شك في ازدياد الطمأنينة به.
قلنا إن أريد بها في اليقينية اليقين وفي الطية القدر المقصود ففيه تحصيل الحاصل ومنه أن الإيمان لا يزيد وإن أريد الزائد عليه فممنوع إلا أن يبلغ حد الشهرة أو التواتر ولئن سلم لحين لم يعتبر الهيئة الوحدانية لم يكن المطلوب بالأدلة واححًا والمبحث ذلك نعم إن أريد انشراح الصدر بإعداد الثاني ليفيد المقصود على تقدير ظهور فساد الدليل الأول فمسلم لكن قوة الحصول غير نفسه ولذا فسرها في الكشاف بانضمام الضرورة إلى الاستدلال الذي فائدته انقياد الوهم للعقل وعدم معارضته لا إثبات الأمر الزائد وهو الحكمة في ضرب الأمثال وكل إلحاق معقول لمحسوس.
ورابعًا لقياسها أعلى الفتوى والشهادة لأن قوله ﵇ "نحن نحكم بالظاهر" (١) يومئ إلى إلغاء الزائد وإن العبرة بالقاعدة الشرعية لا باليقين ولا بجزئيات الطون قبل الاندراج تحتها وبهذا يندفع جوابهم بمنع حكم الأصل عند المالكية فيهما وعند الشافعية في الفتوى وفرقهم بأن عدم الترجيح بالكثرة في الشهادة لضرورة قطع الخصومة وعدم تطويلها ولا ضرورة في الفتوى والأدلة والرواية فإن ما ذكرنا لا يفرق بينها.
فروع:
لا نرجح عندنا بكثرة الرواة وإن كان بها أقرب من الشهرة والتواتر وأبعد من الغلط والكذب والنسيان لما مر ولا النص بمثله ولا القياس بقياس مغاير العلة أما كمغاير الأصل دون العلة فنعم ولا هو بنص خلافًا لشرذمة ولا عكسه إذ لا عبرة بالقياس معه ولا ذو جراحات على ذى جراحة فينصف الدية بينهما بل جاز الرقبة على قاطع اليد لقوة أثره ولا أحد الشفيعين بشقصين متفاوتين باتفاق الشافعي ﵀ حيث لا يجعل الكل لمستحق الأئر لكنه يجعل الشفعة من مرافق الملك كالثمر والولد فيقسم بقدره وغلط في أن جعل حكم العلة الفاعلية متولدًا منها ومنقسمًا على إجزائها فإن الثابت عندنا أن عمل الموثر ليس بطريق التوليد بل بإجراء العادة على خلق الأثر بعد تمام إجزائه فلا أثر فيه
стр. 830
لبعضها فجعل جزء العلة علة الجزء نصب الشرع بالرأى وأما الملك للمرافق فعلة مادية لحصولها منه لا به ولا تعصيب أحد ابني عم بالزوجية اتفاقا ولا بالأخوة لام إلا عند ابن مسعود ﵁ قاس على أخوين لأب أحدهما لأم.
قلنا: ترجيح العلة بزيادة من جنسها غير مستقلة والأخوة لأم من الأخوة لأب كذلك للتبعية بالجنسية واتحاد حيز القرابة المحصلين للهيئة الاجتماعية بخلاف الأولين مع دعم استقلالها في استحقاق التعصيب بخلاف أخوين لأم أحدهما لأب.
٥ - ترجيح الرواة بالذكررة والحرية كما قال البعض بهما لأن خبر الحرين أولى من خبر العبدين والحرتين في مسائل الاستحسان أولوية خبر المتعدد فيها ذكره محمَّد ﵀.
قلنا: الصحابة يرجحوا في مباحثهم بهما ففيه خرق إجماعهم وذا الاحتمال أن يكون ما يرويه العبد أو الأنثى ناسخًا أما مسائل الاستحسان ففيهما معنى الشهادة في حقوق العباد لأنه عن معايشة وللصفات المذكورة مدخل فيها وما نحن فيه خبر محض محتص والله أعلم.
أما
الخاتمة ففى الاجتهاد وما يتبعه من مسائل الفتوى .
وفيها فصول:
الفصل الأول في تفسير الاجتهاد وشرطه
هو لغة قيل تحمل الجهد بالفتح أي المشقة وقيل استفراغ الجهد بالضم أي الطاقة (١).
وشريعة استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي فرعى وهو المراد ببذل المجهود لنيل المقصود خرج استفراغ الوسع من غير الفقيه ومنه لا في معرفة حكم شرعي ظنيًا كان أو قطعيًا وفيها قطعيًا ولا فرعيًا بل كلاميًا أو أصوليًا.
وقيل بذل الوسع لتحصيل حكم شرعي فرعى ممن اتصف بشرطه (٢) وهذا أعم من وجهين:
١ - أن الاستفراغ بذل تمام الطاقة بحيث يبيح من نفسه العجز عن المزيد.
٢ - أن تحصيل الحكم أعم من علمه وظنه وعلم بذلك ركنا الاجتهاد وهما المجتهد والمجتهد فيه وهو حكم شرعي فرعي ظني عليه دليل فالأول فضل عن العقلي والحسي
стр. 831
والثاني عن الكلامي والأصولي والثالث عن ضروريات الدين كالعبادات الخمس والرابع يفيد أن ثبوت لا أدرى لا ينافي الاجتهاد.
وشرطه أن يحوي علومًا ثلاثة:
١ - أن يعرف آيات القرآن المتعلقة يمعرفة الأحكام لغة أي إفرادًا وتركيبًا فيفتقر إلى ما يعلم في اللغة والصرف والنحو والمعاني والبيان سليقة أو تعلمًا وشريعة أي مناطات الأحكام وأقسامه من أن هذا خاص أو عام أو مجمل أو مبين أو ناسخ أو منسوخ أو غيرهما وضابطه أن يتمكن من العلم بالقدر الواجب منها عند الرجوع.
٢ - معرفة السنة المتعلقة بها منها أي لفظها لغة وشريعة كما ذكرنا وسندها أي طريق وصولها الينا من تواز وغيره ويتضمن معرفة حال الرواة والجرح والتعديل والتصحيح والتسقيم وغيرها وطريقه في زماننا الاكنفاء بتعديل الأئمة الموثوق بهم لتعذر حقيقة حال الرواة اليوم.
٣ - معرفة القياس بشرائطه وأركانه وأقسامه المقبولة والمردودة ويستلزم معرفة المسائل المجمع عليها لئلا يخرق به لا الكلام لإمكانه بالإِسلام تقليدًا والأولى أن يعلم قدرًا به يتم نسبة الأحكام إلى الله تعالى من وجوده وقدمه وحياته وقدرته وكلامه وجواز تكليفه وبعثة النبي ﵇ ومعرفة معجزته وشرعه وإن لم يتحر في أداتها التفصيلية ولا الفقه لأنه ثمرة الاجتهاد وان كان ممارسته طريقًا إلى تخصيله في زماننا هذا.
ثم هذا عند عدم التجزية وعند من يجوز الاجتهاد في بعض المسائل فقط فشرطه معرفة ما يتعلق بذلك وهذا في المجتهد المطلق أما المقيد فلا بد له من الإطلاق على أصول مقلده لأن استنباطه على حسبها فللحكم الجديد اجتهاد في الحكم وللدليل الجديد للحكم المروى تخريج.
الفصل الثاني في حكمه
أثره الثابت به غلبة الظن بالحكم على احتمال الخطأ فلا يجري في القطعيات أصولا وفروعًا وبناؤه على أن مصيب المحتهدين واحد عندنا لأن في كل من الحوادث حكمًا معينًا لله تعالى خلافًا للمعتزلة.
وتوفية الكلام في هذا المقام أن المسألة الاجتهادية إما أصلية أو فرعية.
وح وإما أن لا يكون لله تعالى فيها حكم قبل الاجتهاد بل يكون الحكم هو ما أدى هو إليه فإما أن يستوي الكل في الحقيقة أو كان بعضها أحق واما أن يكون وح إما أن لا يدل عليه أو يدل إما بدليل قطعي فيستحق المخطئ العقاب ونقض حكمه أو بديل ظني
стр. 832
فلم يستحق سواء كان المخطئ نحطئًا ابتداء وانتهاء أو انتهاء فقط فلنذكر لبيانها أربعة مباحث.
الأول أجمع المليون على وحدة المصيب في العقليات وأن النافي لملة الإِسلام كلها أو بعضها كافر لكن في أنه آثم خلاف الجاحظ في المجتهد دون العائد مع أن يجري عليه في الدنيا أحكام الكفار اتفاقًا وفي أنه مخطئ خلاف العنبرى.
قال في البديع وأول نفى الإثم بالاجتهاد في مسائل الكلام كنفى الرؤية لا في صريح الكفر.
والأصح أن خلافهما في مطلق الكافر كان من أهل القبلة أو لم يكن إذ القول بأن اليهودى غير مخطئ في نفيه نبوة نبينا ﵇ ليس بأبعد من القول بأن المجتهد من أهل القبلة غير مخطئ في أن الله تعالى جسم وفي جهة وزاد العنبرى أن كل مجتهد في العقليات مصيب فإن أراد وقوع معتقده لزم التناقض كوقوع قدم العالم وحدوثه وإن أراد عدم الإمْ محتمل.
لنا إجماع المسلمين قبل ظهور المخالف على قتلهم وقتالهم وأنهم من أهل النار ومعاندين ومجتهدين أما التمسمك بظواهر النصوص فلا يفيد قطعًا لجواز التخصيص يعبتر المجتهد.
لهم أن مكلفيهم باعتقاد نقيض اجتهادهم تكليف دمًا لا يطاق لأن المقدور الاجتهاد الذي هو الفعل لا الاعتقاد الذي هو لازمه لأنه صفة.
قلنا لا نعلم أن اعتقاد النقيض غير مقدور فقدلنا المجتهد منعقد لمجتهده بالضرورة ضرورة بشرط المحمول أي ما دام معتقد فامتناع اعتقاد نقيضه أيضًا كذلك والذي لا يكلف به هو الممتنع العادى كحمل الحبل وأما كونه صفة فغيرِ قادح كجميع العلوم الكسبية.
المبحث الثاني
قال جمهور المتكلمين منا كالأشعرى والقاضى ومن المعتزلة كابى الهذيل والجبائيين واتباعهم ما ظنه كل مجتهد في مسألة لا قاطع فيها هو حكم الله تعالى في حقه وحق مقلديه ولا حكم له قبل الاجتهاد والحق مذهبنا أن الله تعالى فيه حكمًا قبله والمصيب واحد وأبو حنيفة والشافعى ومالك وأحمد نقل عن أربعتهم تصويب كل مجتهد والقول بوحدة الحق وتخطئة البعض (١).
стр. 833
لنا الكتاب والسنة والأثر ودلالة الإجماع والمعقول.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] أي الحكومة وكان حكم داود بتبادل الملكين بالاجتهاد دون الوحي كفداء العبد الجاني وإلا لما جاز لسليمان خلافه ولا لداود الرجوع عنه فلوكان كل منهما حقًا لم يكن لتخصيص سليمان جهة قبل جهته ترك إلا حق.
قلنا فلم يحل لسليمان الاعتراض لأن الافتيات على رأى من هو أكبر لا يصح فكيف على الأب النبي ويشير إليه ذكر ففهمناها دون فزدنا فهمه إياها فالتقييد بأن معناه ففهمناه الحكومة التي هى أدق خلاف الظاهر.
والقول بجواز الاعتراض لتركه الأولى فإنه في الأنبياء بمنزلة الخطأ في غيرهم مع بعده يما ذكرنا تخطئة في المال وهو المطلوب.
وقول سليمان غير هذا أرفق للفريقين مع أنه خير واحد لا يقتضي جواز الحكمين فلعل الأرفقية موجبة للتعيين وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] يحتمل إيتاء الحكمة ومناسبة الأحكام والعلم بطريق الاجتهاد وهو الظاهر المراد هنا للقرائن السابقة.
وأما السنة والأثر فالأخبار والآثار الدالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ وتخطئة بعضهم بعضًا بحيث تواتر القدر المشترك وما فعلها من حمل التخطئة على صورة وجود القاطع أو ترك استقصاء المجتهد فيقول ابن مسعود ﵁ أن يكون صوابًا أي إن استقصيت وإن يكن خطأ أي إن قصرت فبعيد لا سيما بين الصحابة.
وأما دلالة الإجماع فهي أن القياس مظهر لا مثبت فالثابت ثابت به النص حقيقة والحق في الثابت به واحد لا غير وهذا ينهض على من يعترف أن القياس مظهر وعلى بعض المدعى لأن الاجتهادى ريما يثبت بغير القياس من الأدلة الظنية ولا إجماع على اتحاد الحق إلا فيما لا خلاف فيه.
وأما المعقول فمن وجوه:
١ - من حيث الحكم وهو أن كون الفعل محظورًا وغيره وواجبًا وغيره اتصاف الشىء بالنقيضين والممتنع لا يكون حكمًا شرعيًا.
قيل يجوز بالنسبة إلى شخصين كالميتة للمضطر وغيره والمنكوحة للزوج وغيره كفي
стр. 834
زمانين تخلل بينهما نسخ ولا يجاب عنه بأن نبينا ﵇ لما بعث إلى كافة الأنام كان المشروع الواحد مشروعًا في حق الكل كالمنصوص لا يتغير إلا بتغير الشرع لا بتغير الفهم والقياس لإظهار المنصوص وتعديته فيكون حكمه حكمه لأنه مسلم من حيث وجوب العمل بما أدى إليه اجتهاده لا من حيث تعينه ألا يرى إلى جواز العمل بأى قياسين متعارضين بشهادة القلب لا بأى نصين متعارضين بل بإلزام جمع المتنافيين بالنسبة إلى واحد كعامي لم يلتزم تقليد مذهب استفتى حنفيًا وشافعيًا في إباحة النبيذ يكون في حقه مباحًا وغير مباح.
٢ - من حيث السبب وهو أن شرط القياس الذي وضع لتعدية حكم النص أن لا يغيره فكما أن حكم النص لا يحتمل التعدد لا يتعدد بالتعليل وفيهما شيء فإن ما أدى إليه رأى كل مجتهد مقرر لحكم أصله لا مغير فان الكل من أصول متعددة لا من أصل واحد.
وجوابه أن هذا الإبطال بعض المدعى فيبطل الباقي لعدم القائل بالفصل وهو ما إذا اجتمعت الاجتهادات على أصل واحد كما في حديث الربا فيلزم اجتماع الحل والحرمة في نحو الحفنة بالحفنتين والجص والنورة من حيث الحكم ولم يلزم تعدد الحكم المستنبط منه مع وحدته من حيث السبب.
٣ - من حيث الحكم والسبب وهو لو كان الكل حقًا فإذا تغير الاجتهادان بقي الأول حقًا لزم اجتماع المتنافين وإن لم يبق صار الاجتهاد ناسخًا وكذا المقلد إذا صار مجتهدًا.
٤ - لو كان أكل حقًا لزم اجتماع القطع وعدمه في الحكم المستنبط بيانه أن المجتهد إذا ظن حكمًا أوجب ظنه القطع به في حقه وقطعه به مشروط ببقاء ظنه للإجماع على أنه لو ظن غيره وجب عليه الرجوع عنه.
لا يقال لا نعلم أن قطعه به مشروط ببقاء ظنه لم لا يجوز أن يستمر الظن ريثما يحصل القطع فاذ حصل لا يبقى الظن ضرورة التضاد بينهما وليس هذا زوالا له بالظن بغيره بل بإيجاب القطع به.
لأنا نقول أولًا عدم زوال الظن في المجتهدات إلى الجزم بها أمر متحقق وإنكاره بهت.
وثانيًا: ليس الظن بالشىء يوجب الجزم به ليزول نفسه بالتضاد وإلا لامتنع ظن النقيض مع تذكر هذا الظن بوجوب دوام العلم بدوام ملاحظة موجبه بخلاف مانعه الظن إذ ليس موجبًا كالغنم بالرطب للمطر.
لا يقال لزوم النقيضين وارد على المذهبين فلزم أن يبطلا أو يفسد الدليل لأن الإجماع
стр. 835
منعقد على وجوب اتباع الظن قطعًا كما مر في صدر الكتاب اتحد المتعلق أو تعدد لأن نقول يختلف متعلقا الظن والقطع على مذهبنا لأن الظن بالحكم المطلوب والقطع بتحريم مخالفته أو وجوب العمل به أو الظن به في نفس الأمر والقطع به في حق المجتهد ومقلديه فلا يلزمنا امتناع ظن النقيض مع تذكر موجب القطع لأن موجبه يوجب القطع بغير ما هو المطون فلا ينافيه عدم القطع بما هو المظنون.
ولئن سلم إن ظن المظنون لما كان هو الموجب للقطع المقطوع كان زواله عند ظن النقيض موثرًا في زوال القطع لكن ليس موجبًا له مطلقًا بل ما دام مظنونًا فعند زوال الظن يبقى شرط الموجبية فلا يمتنع ظن النقيض.
فإن قيل يجري بعينه في دليلكم فإن الظن متعلق يكون الدليل دليلا والعلم بثبوت مدلوله ما دام دليلا.
لإيجاب بأن كونه دليلًا أيضًا حكم شرعي فإذا ظنه فقد قطع بأنه الذي يجب العمل به وإلا جاز أن يكون غيره ويكون مخطئًا في أنه هو فلا يكون كل مجتهد مصيبًا وذلك لأن الشاع جعل مناط وجوب العمل ظن الدليل لا نفس الدليل ولا القطع به فيجوز أن يوجب ظن الدليل وجوب العمل وإن لم يوجب الجزم بكونه دليلًا ثم تجويزكون غيره دليلًا لا يوجب العمل ما لم يتعلق الظن بكونه دليلًا ثم المراد يكون كل مجتهد مصيبًا إصابته في الأحكام التكليفية لا في كل حكم.
بل يجاب بأن الظن الذي هو المبحث هو المستفاد من الدليل المتعلق بثبوت المدلول ووجود الظن الآخر المتعلق يكون الدليل دليلًا لا يرفع المحذور الحاصل من الظن الأول.
نعم إذا أخذت القضية القابلة بأن مظنون المجتهد مقطوع به عملا مشروطة لا يلزم امتناع ظن النقيض المصوبة كما لم يلزمنا لكن بقاء الظن بالمجتهدات من حيث أنها مجتهدات وإن كانت مقطوعا بها من حيث إيجاب الشرع العمل بها لا يمكن إنكاره.
قال الأبهرى هذا الدليل مغلطة لأن القطع إنما هو بوجوب العمل وعدم القطع من حيث هو أثر الاجتهاد لا يناقضه لاختلاف الجهتين وإلا فيرد على مذهبنا للاتفاق على القطع بوجوب العمل.
وفيه بحث لأنه إنما لا يرد على مذهبنا لعدم قولنا بثبوت حكمه في نفس الأمر وأما على ما قالوا به كان القطع وعدمه من المجتهد بثبوت الحكم في نفس الأمر لا أن الظن به والقطع بوجوب العمل أو الظن به في نفس الأمر والقطع به في حقه وحق مقلديه على التوجيهين.
стр. 836
أما الاستدلال لمذهبنا بأن أحد دليليهما إن ترجح تعين وإن تساويا تساقطا فالوقف أو التخيير أو بأن لا فائدة لمناظرة على تقدير تصويب الكل أو أن المجتهد طالب فلا بد له من مطلوب إن وجده أصاب وإلا أخطأ ففاسد.
أما الأول فلاحتمال أن يترجح كل عند مجتهد بأمارته.
وأما الثاني فلأن فيها فائدة ترجيح إحدى الأمارتين في نظرهما ليرجعا إليها لو أن يتساويا فيتساقط فيرجعا إلى آخر أو فائدة التمرين وتحصيل ملكة الوقوف على المآخذ ورد الشبه وفي الجملة إنما يحصل الحكم بالاجتهاد فلا بد منه ليحصل وإن جوزنا الأخذ بالكل أو بأيهما أو لم تجوز.
وأما الثالث فلأن المطلوب ما يغلب على ظنه عنده وبالجملة الاجتهاد عندنا لمطلب أي وعندهم لمطلب هل. وما يقال من أن تصويب الكل يستلزم فيما إذا كان الزوج مجتهدًا مقيدًا شافعيًا والزوجة مجتهدة حنفية فقال لها أنت بائن ثم قال راجعتك حلها وحرمتها.
وفيما نكح مجتهد امرأة بغير ولى ومجتهد آخر يرى بطلان الأول حلها لهما وكلاهما محال مشترك الإلزام إذ لا خلاف في لزوم اتباع الظن والحل أن يرجع إلى حاكم أو حكم فيتبعانه لوجوب اتباع حكم الموافق والمخالف.
لا يقال حكم الحاكم لرفع نزاع المنازعين لا نرفع تعلق الحل والحرمة بشىء واحد لأنا نقول بل يرفع تعلقهما به لأن ظن المجتهد إنما يفيد تعلق الحكم به إذا لم يعارضه معارض أقوى وهو حكم الحاكم هنا لأن الشرع أوجب العلم به.
ضابطة شاملة:
الحادثة إن كانت نازلة بجتهد فإن اختصت به عمل على ما يؤديه اجتهاده فإن استوت الإمارات تخير على شرط شهادة القلب عندنا أو يعاود النظر ليترجح أحدها وإن تعلقت بغيره فعند إمكان الصلح اصطلحا أو رجعا إلى حاكم وإن وجد وإلا فإلى حكم وعند عدم إمكانه رجعا إلى أحدهما حتى لو كان حاكمًا ينصب من يفصل بينهما وإن كانت نازلة بمقلد فإن اختصت به عمل بموجب الفتوى فإن تعددت عمل بفتوى الأعلم الأورع وإن استوت لخير بينهما عند الشافعية ويعرض على مفت ثالث عندنا وإن كان في بلد آخر وإن تعلقت بغيره فكالمجتهد صلحًا أو رجوغا إلى الحاكم أو الحكم.
تنبيه: ومما يدل أن مذهب مشايخنا التخطئة قول أبي حنيفة ﵁ في تكفيل الوارث أي أخذ الكفيل منه هو جور احتاط به بعض القضاة وقول محمَّد ﵀ في
стр. 837
تفريق الملاعنين ثلاثًا ثلاثًا لو حكم به القاض نفذ عندنا وقد أخطأ السنة.
لا يقال ينبغى أن لا ينفذ كما قال به زفر والشافعى لمخالفته الكتاب والسنة كما لو حكم بشهادة ثلاثة في الزنا.
لأنا نقول هذا مجتهد فيه فينفذ كما لو حكم بشهادة المحدود في القذف لأن تكراره للتغليظ وهو يحصل بالجمع وأدناه كاعلاه في المواضع الكثيرة ولا نعلم مخالفته للنص لأن الاجتهاد في محل الفرقة وهو غير مذكور في النص.
قال فخر الإِسلام وإنما ذهب المعتزلة إلى تعدد الحقوق وتصويب كل مجتهد لإيجابهم الأصلح وإلحاقهم الولى بالنبي الأصلح للعباد على الله تعالى تصويب الكل لينالوا الثواب وكذا ما قالوا إن إنعام الله تعالى في حق غير النبي كهو في حقه لكنه يبطله بشوم اختباره يقتض إصابة كل مجتهد لأنه ولي كإصابة كل نبي.
قيل فيه بحث لأنه مبني للتصويب لو كان ذلك لم يقل به من لا يقول بهما وليس كذلك فإن كثيرًا من أهل السنة قائلون بالتصويب دونهما وليس بشىء إذ لا مزاحمة بين الأصول لجواز أن يكون أمر واحد لازمًا لأمور فكون مبناه عندهم إياهما لا ينافي أن يكون عند غيرهم غيرهما.
فللمصوبة وجوه:
١ - أن التخطئة تسلتزم أحد المحذورين لأن القائل يما هو الخطأ من النقيضين إن وجب عليه الآخر وجب عليه النقيضان وإن لم يجب وجب الخطأ وحرم الصواب.
قلنا: إذا وجب على المجتهد ما أدى إليه رأيه مع مخالفة نص لم يطلع عليه أبدا مع أنه مخطئ ثمة بالاتفاق فهنا مع الاختلاف أولى.
٢ - أن العمل بغير حكم الله ضلال ليس باهتداء فلو كان بعض الصحابة المجتهدين مخطئًا لم يكن متابعته اهتداء وقد قال ﵇ "بأيهم اقتديتم اهتديته وبعبارة أخرى كل ما أدى إليه رأى المجتهد مأمورية وكل مأمور به حق فالكل حق.
قلنا اهتداء وحق من حيث فعل ما يجب عليه لإيصاله البغية وهي الثواب وإن لم يكن كذلك من حيث تعيين الحكم والصدق ببعض الاعتبارات كاف في أصل الصدق كما فكرنا فيما يخالف النص ولم يطلع عليه أبدًا.
٣ - إن المجتهدين مكلفون بنيل الحق فلو كان واحدًا لكان مأمورًا بإصابته بعينه وليس في وسعه لغموض طريقه فكان تكليفًا بالمحال.
قلنا بل مكلفون يما أدى إليه مبلغ وسهم وغاية سعيهم.
стр. 838
٤ - إن الاجتهاد في الحكم كهو في القبلة والحق فيه متعدد وإلا لما تأدى فرض من أخطاء لكن لا يومر بالإعادة.
قلنا لما فسدت صلاة من علم حال إمامه لأنه مخطئ للقبلة عنده لا كالمصلين في جوف الكعبة علم أنه يخطئ ويصيب كالمجتهد في الحكم وإنما لم يجب إعادة الصلاة لأنه لم يكلف حالتئذ إصابته عين الكعبة بل طلبه على رجاء الإصابة لكونها غير مقصودة بعينها حتى لو سجد لها يكفر ولذا جرى فيه الاتساع بالانتقال من عينها إلى جهتها إما بجعل جهات التوجه أربعًا شرقيا وغربيا وجنوبيا وشماليا وإما بجعل الكعبة بحيث يدخل بين نحو ضلعي المثلث الخارجين من عيني المصلي المحيطين بالسطح الواقع عليه نورهما الذاهبين على الاستقامة إلى منتهى العالم كذا قيل ثم منها إلى جهة التحري وإلى أي جهة كانت للراكب في النوافل وإنما المقصود وجه الله تعالى وهو حاصل هذا على أصلنا وعند الشافعي كلف المتحرى إصابة حقيقة الكعبة حتى إذا أخطأ يقينًا باستدبارها أعاد.
٥ - من رسول الله ﵇ في قصة بدر برأى أبي بكر ﵁ لوكان خطأ لما أقره عليه. قلناكان رأيه رخصة والمعنى لولا كتاب من الله تعالى سبق بالرخصة لمسكم العذاب بترك العزيمة وهو قتلهم كما هو رأى عمر ﵁.
المبحث الثالث
في أن بعض المصوبة سووا بين الأداء في الثواب لأن دليل التصويب لا يفرق ومعناه يقتضى التسوية لأن الثواب من حيث بذل ما في وسعه والعمل بموجب رأيه وفيه تسوية وبعضهم رجح البعض في الثواب وهو معنى الأحقية ويسمى القول بالأشبه إذ لو تساوت لبطلت مراتب الفقهاء وساوى الباذل كل جهده في الطلب مع المبلي عذره بأدنى طلب كذا في التقويم.
المبحث الرابع
في أن للحق في نفس الأمر دليلا وظنيًا قيل لا إنما العثور عليه كالعثور على دفين فلمن أصاب الأجران ولمن أخطأ أجر الكد وإليه ذهب كمير من الفقهاء والمتكلمين وهو الإنسب لاستحقاق من أخطأ الثواب.
وقال بشر بن غياث المريسى وأبو بكر الأصم عليه دليل قطعى من أخطأ أصم عند المريسى ويستحق حكمه النقض أيضًا عند الأصم كمخالف النص وذلك لما في الآية من استحقاق العذاب الأليم لولا الكتاب السابق وكما في أصول الدين ولما نقل عن الصحابة
стр. 839
والمجتهدين من التشنيئات كقول ابن عباس ﵁ ألا يتق الله زيد بن ثابت وقول ابن مسعود ﵁ من شاء باهلته وقول عائشة ﵂ أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله إن لم يتب وقول أبي حنيفة ﵀ جور وقول الشافعي ﵀ من استحسن فقد شرع.
قلنا لا يعبأ بخلافهما لأنه بعد انقعاد الإجماع فإن الصحابة ﵃ اختلفوا في الاجتهاديات وشاع ولم ينقل نكير ولا تأثيم لشخص معين ولا مبهم ككل من أخطأ وسيجىء الجواب عن شبههم.
وقال جمهور الفقهاء له دليل ظني يكون مخطئه معذورًا ومصيبه مأجورًا وعليه الأستاذ وابن فورك ثم اختلفوا هل المخطئ مخطئ ابتداء وانتهاء وهو اختيار الشيخ أبي منصور ﵀ أي في نفس الاجتهاد وفيما هو الحق كالمأمور بدخول بلد سلك طريقًا لا يوصل إليه وإنما ألزم العمل به على تقدير أنه صواب كما أنه ألزم العمل بالنص على أنه ثابت وبالقياس على أنه غير مخالف للنص فمتى ظهر الانتساخ والمخالفة بطل من الأصل ولو قصر في طلبه أثم أيضًا.
وكذا من حضرته الصلاة ومعه ثوب أو ماء شك في طهارتهما يستعملهما بحكم الاستصحاب وإذا تبين نجاستهما فسد العمل من الأصل فعندهم يؤمر من صلى بتحري جهة الكعبة بالإعادة إذا تبين خطؤه في نحن فيه أيضًا إذا تبين خطؤه لا يستحق لا ثواب الاجتهاد ولا ثواب إصابة الحق في روى من تصويب المجتهدين جميعًا يحمل عندهم على ما لم يتبين وجه الخطأ كذا في الكشف وعند الجمهور منهم أبو حنيفة والشافعى ﵀ مخطئ انتهاء فقط حتى كان الدليل صحيح والخطأ في مطلوبه لرجحان معارضه فيستحق الثواب على اجتهاده والإصابة في حق العمل لوجود امتثال الأمر وأداء ما كلف به وإن لم يستحقه على إصابة الحق حقيقة كمن قاتل الكفار على تحرى النصرة قَتَل أو قُتِل استوجب الأجر لامتثاله أمر الله تعالى في إعلاء كلمته فهو كرمى الغرض على تحرى الإصابة لا خطًا في تحريها بطريقه وإن لم يحصل الإصابة.
ولا يذهبن الوهم أن الخطأ في تقصيره في طريق الطلب حيث أعطاه الله تعالى من الرأى ما لو بذل مجهوده كل البذل لأصاب وذلك لأن الله تعالى كما لم يكلف ما ليس في الوسع لم يكلف ما فيه الحرج بالأية فلذا لم يبن هذا الخطاب إلا على المعتاد من الاستعمال وذا لا يوصل إلى حقيقة العلم بلا خلاف بخلاف أصول الدين لأن المطلوب فيها علم اليقين.
стр. 840
لنا أولًا قوله ﵇ لعمرو بن العاص احكم على أنك إن أصبت ذلك عشر حسنات وإن أخطأت ذلك حسنة والثواب لا يترتب على الخطأ.
ومن اعترض بأن هذه الحسنة رما يكون للمشقة الاجتهادية لا للإصابة في الدليل غفل عن أن الدليل إذا لم يكن دليلًا شرعًا فالأخذ به إن لم يؤد إلى العقاب كما قيل ودل عليه آية بدر فلا أقل من أن لا يودى إلى الثواب.
وثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَكُلا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] فظاهره إنباؤهما في هذه القضية وإلا فالجزم بثبوتهما في الجملة حَصل بثبوتهما فالثناء عليه والامتنان به مع كونه خطأ لما مر دليل الإصابة ابتداء.
وثالثًا: قول ابن مسعود ﵁ لمسروق وأسود لما سبقا في المغرب بركعتين فقضى مسروق بركعة وجلوس وركعة وأسود بركعتين وجلوس كلاكما أصابا وصنيع مسروق أحب إلى.
لا يقال هذا يدل على تعدد الحقوق المرجح بعضها فهو القول بالأشبه.
لأنا نقول لما أقيم الدليل على وحدتها وأنه هو مذهب ابن مسعود ﵁ علم أن مراده بالاصابة هى ابتداءه في حق العمل.
لهم أولًا إطلاق الخطأ في قوله ﵇ إن أخطات أن ينصرف إلى الكامل.
وثانيًا: قوله تعالى: ﴿لَوْلا كتَابٌ مِنَ اللهِ﴾ [الأنفال: ٦٨] الآية لمسكم في اتباع الاجتهاد الخطأ الذي هو أخذَ الفدية فلو أصاب لم يترتب العقاب فضلا عن ترتب الثواب.
قيل على الأول أن اقتضاء المطلق الكمال لا يعتد به في الأصول وعلى الثاني أن معنى الآية أن انتفاء العذاب على الاجتهاد الخطأ لوجود الكتاب السابق بإباحة الفداء فمقتضاه استحقاق العذاب على الخطأ فيما لم يسبق كتاب فهي عليهم لا لهم لاقتضائه كونه خطأ من كل وجه وليسا بشىء.
أما الأول فلأنه طريق عرفي يتبع فيما مقصوده العمل وهو الاجتهاد هنا.
وأما الثاني فلأنا لا نعلم أن استحقاق العذاب على تقدير عدم سبق الكتاب على الاجتهاد الخطأ بل على ترك العزيمة كما مر فمعناه انتفى العذاب بترك العزيمة لسبق الكتاب بالرخصة بل الصحيح من الرد على الأول أن الكمال الذي يقتضيه المطلق الكمال في الحقيقة لا بتعدد المحل من الدليل والمطلوب.
ولئن سلم فالظاهر من الأخطاء ما في المطلوب.
стр. 841
ولئن سلم فقد تخلف لمانع وهو ترتب الحسنة وليس ترتبها لمجرد المشقة كما ظن لما مر وعلى الثاني أن العذاب إن كان على ترك العزدمة لم يناف إصابة المخطئ في الاجتهاد ابتداء لأنه علم أن هذا الخطأ في الاجتهاد وقع في مقابلة إيجاب الله تعالى العزيمة فلم يشتمل على شرائطه والمبحث هو المشتمل عليها.
تذييل:
المخطئ في الاجتهاد لا يعاتب ولا ينسب إلى الضلال بل يكون معذورًا أو مأجورًا لبذل الوسع إلا أن يكون دليل الصواب بينا فأخطأ لتقصير منه.
وما نقل من طعن بعض السلف بعضًا في الاجتهاديات محمول على كون طريق الصواب بينا ولو في زعم الطاعن بخلاف المخطئ في العقائد فإنه يضلل أو يكفر والمخطئ ابتداء وانتهاء لأن المطلوب فيها اليقين.
وما نقل عن بعض السلف من تصويب كل مجتهد في المسائل الكلامية كخلق القرآن ونفى الرؤية وخلق الأفعال فمعناه نفى الإثم والمعذورية لأحقية القولين والمأجورية.
فائدة:
قال نجم الأئمة البخاري رأى المفتي جواب فتوى ودى زعمه أنه خطأ لأن المنصوص من الرواية عنده بخلافه يعذر في ترك رد ذلك الجواب إن كان مجتهدًا فيه وإن كان منصوصًا لا يعذر إذا علم أنه يعمل به.
وقال كمال الساعى لا يعذران علم بأنه خطأ وإنه يعمل به.
الفصل الثالث في مسائل متعلقة الاجتهاد
الأول قيل يجوز الاجئهاد لمن حصل له مناطه في مسألة فقط وتعرف بتحرى الاجتهاد.
وقيل لا بد أن يكون عنده ما يحتاج إليه في جميع المسائل.
للمثبت أولًا لو لزم العلم بجميع المآخذ لزم العلم بالأحكام لأنه لازمه لكن قد ثبت من المجتهد كمالك ﵀.
قلنا لا نعلم أنه لازمه لجواز أن يعترض ما دمنع من الترتيب كنعارض الأدلة وعدم المجال للقدر الواجب من الفكر لتشوشه واستدعائه زمانا.
وثانيًا: أن أمارات غيرها كالعدم في حقها.
قلنا لا نعلم لجواز تعلقها بما لم يعلمه تعلقًا لا يظن بالحكم إلا بعلمه ففي المحيط بالبعض يقوى احتمال الموانع فلا يحصل له الظن بالحكم وفي المحيط بالكل يضعف أو ينعدم فيحصل.
стр. 842
لا يقال احتمال بعيد فلا يقدح في ظن الحكم لأنا لا نعلم بعده.
قلنا في كل مما لا يعلمه يحتمل كونه مانعًا فلا يحصل ظن عدم المانع.
قلنا المفروض حصول جميع ما يتعلق به في ظنه نفيًا وإثباتًا بأخذه من المجتهد أو جمع أماراتها التي قررها الأئمة فيحصل.
لا يقال إن كفى حصول الجميع في ظنه فقد ثبت التجزى وبطل جواب دليله الثاني وإن لم يكف بطل هذا الجواب وبعبارة أخرى احتمال المانعية في المسائل الآخر إن كان بعيئا غير قادح ثبت التجزى وبطل ذلك الجواب وإن كان قريبًا قادحًا في ظن الحكم بطل هذا.
لأنا نقول الكلام في الكفاية وعدمها أو في البعد وعدمه فللتردد بينهما توقف ابن الحاجب ﵀ كذا قيل.
والحق عدم التجزى وهو المنقول عن أبي حنيفة ﵁ لما مر في حد الفقه أن الفقيه هو المتهيىء للكل أعني الذي له ملكة الاستنباط في الكل وإن المقلد يجوز علمه ببعض الأحكام عن الأدلة ولأن ابن الحاجب قائل بكفاية حصول الجميع في ظنه وبعد احتمال المانع وذلك لأنه غير ناشئ عن الدليل.
الثانية: أن النبي ﵇ متعبد به فيما لا نص فيه كذا عن أبي يوسف والشافعى رحمهما الله ومنعه الجبائيان وجوز بعضهم في الآراء والحروب دون أحكام الدين.
لنا بعد تناول أدلة شرعية القياس إياه وكون وراثة العلماء من الأنبياء الاجتهاد:
أولًا قوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ولا عقاب فيما علم بالوحى.
وثانئا: قوله ﵇ "لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدي" (١) أي لو علمت أولًا ما علمت آخرًا ومثله لا يستقيم إلا فيما عمل بالرأى. وثالثا: ما استدل به أبو يوسف من قوله تعالى: ﴿لِتَحْكمَ بَيْنَ النَّاسِ بمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ [النساء: ١٠٥] فقرره الفارسي بقوله ليست الرؤية للإبصار لاستحالته في الحكم ولا للعلم لعدم المفعول الثالث مع وجود المفعول الثاني ليعود إلى الموصول فهي للرأى أي بما جعله الله رأيًا لك.
لا يقال يحتمل ما المصدر به وحذف المفعولين.
لأنا نقول الموصول أكثر والظاهر من الفعل معناه لا معنى المصدر.
стр. 843
ورابعًا: أن فضل الاجتهاد وكثرة ثوابه أولى لأن منصبه أعلى.
قيل قد يسقط فضله لدرجة أعلى سقوط ثواب الشهادة عن الحاكم وثواب القضاء عن الإِمام وثواب التقليد عن المجتهد.
قلنا ذلك عندما ينافيه الدرجة العالية ولا كذلك ما نحن فيه.
لهم أولًا قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
قلنا: يختص بما بلغه لأنه لرد قولهم في القرآن إنه افترى.
ولئن سلم فالحكم بالاجتهاد المتعبد بالوحى قول بالوحى.
وثانيًا: أنه لا يجوز مخالفته بل يكفر بها لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] الآية وجوازها من لوازم الاجتهاد.
قلنا من لوازمه ما لا يقارنه القاطع كاجتهاد عند إجماع فمنه كونه اجتهاد المقرر.
وثالثًا: أنه ﵇ كان يتأخر في جواب السؤال كما في حكم الظهار واللعان ولا يجتهد.
قلنا لانتظار الوحي الذي عدمه شرط في الاجتهاد أو لانتظار فراغ يصلح له.
ورابعًا: كان قادرًا على اليقين هو الوحي ولا اجتهاد للقادر عليه.
قلنا إنزال الوحي غير مقدور ولذا كان يحكم بالشهادة مع أنها لا تفيد إلا الظن.
تنبيه: الأصل هو الوحي فالاجتهاد لضرورة العجز عنه إما بمضى مدة الانتظار وهي ما يرجى فيها نزول الوحي أو خوف فوت حكم الحادثة.
الثالثة: إذا جاز له الاجتهاد يجوز عليه الخطأ لكن لا يقرر عليه بل ينبه أما عدم القرار فبالإجماع وأما جواز الخطأ قلنا فيه عقلا أن لا مانع منه من حيث بشريته وليس علو رتبته وكمال عقله وقوة حدسه مانعًا لأن السهو والخطأ للغفلة من لوازم الطبيعة البشرية فإذا جاز سهوه حالة المناجاة كما ثبت أنه سهى فسجد فالخطأ في غيرها بالأولى ونقلا قوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهمْ﴾ [التوبة: ٤٣] دل على أن إذنهم كان خطأ وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية حتى قال ﵇ "لو نزل بنا عذاب ما نجا إلا عمر" (١) لأنه أشار إلى القتل وغيره إلى الفداء فهو خطأ وقوله ﵇ "إنكم تختصمون إلي ولعل أحدكم ألحن بحجته" الحديث وقوله ﵇: "أنا أحكم بالظاهر" فدل أنه قد يخفى عليه الحق الباطن.
стр. 844
لا يقال ذلك في فصل الخصومات والكلام في الأحكام لأن فصلها يستلزم الأحكام الشرعية بالحل لشخص والحرمة لأخر فيقتضى جواز خطاه فيها.
فإن قلت ربما يكون الخطأ في اندراجه تحت عموم مثل هذا حرام للحل لاعتقاده خمرًا وليس مثله خطأ في الاجتهاد لأن الحكم بالاندراج عقلي.
قلنا لا نعلم بطلانه كما أمر العوام باتباع المجتهد ولو كان خطأ فالحل أن للحكم الخطأ جهتين عدم مطابقته للواقع وكونه مجتهدًا فيه والأمرانه للثانية فكما وجب العمل به على بعد ولو خطأ يجب على متبعيه أيضًا لذلك على أن اتباعه يجب فيما قرر عليه ولا خطأ فإن قلت لا متابعة في المقلد لأخها إيقاع الفعل على وجه أوقعه ولا يتبع المقلد المجتهد في اجتهاده.
وأيضًا من أمر باتباع الرسول قادر على الإصابة كالمجتهد بخلاف منع المجتهد كالمقلد.
وأيضًا العامى مأمور بالتقليد لا بالخطأ إنما يقع الخطأ في طريقه.
قلنا الوجه المأخوذ في المتابعة كيفية للفعل والاجتهاد كيفية للمجتهد لا له وأيضًا المأمور بمتابعة الرسول جميع الأمة لا المجتهد فقد علم أنا لا نعلم أن المجتهد قادر على الإصابة إنما مقدوره الظن بالحكم.
وأيضًا لا فرق في أن المأمور به في البابين الاتباع والخطأ واقع في الطريق ولو منع جهة عدم مطابقة الواقع ثمة منع ها هنا إذ لا فارق.
وثانيًا: لما عصم الإجماع عن الخطأ لكون أهله أمة الرسول ﵇ فنفسه أولى بهذا الشرف.
قلنا رتبة النبوة التي هى أعلى مراتب الخلق فضيلة جابرة للنقائص الآخر ومحصلة
للأولوية المطلقة على أن العصمة في الإجماع بعد القرار وههنا أيضًا مسلم بعده.
وثالثًا: تجويز الخطأ يورث الشك فيقدح في مقصود البعثة.
قلنا لا يورثه بعد ثبوت الرسالة بتصديق المعجزة لوجوب اتباعه ولو خطأ ولا سيما إذا علم أنه لا يقرر عليه بالاجماع.
الرابعة: يجوز اجتهاد غيره في عصره ﵇ غيبة لحديث معاذ وحضورًا في الأصح وواقع عند الأكثرين ومنع الجبائيان وقوعه شرعًا وجوزه بعضهم بشرط الإذن والأكثرون توقفوا فيه.
لنا أولًا ما روى البخاري عن أبي قتادة ﵁ أنه حين قتل رجلًا من
стр. 845
المشركين في حنين وطالب سلبه شخصا فقال صدق يا رسول الله وسلبه عندي فارضه عني فقال أبو بكر ﵁ لاها الله إذ لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطك سلبه فقال رسول الله ﷺ : "صدق أبو بكر" (١) ﵁ في الحكم فصوبه والظاهر أنه عن الرأى دون الوحي والصحيح رواية إذًا فإنه جزاء لإقراره لصحته سببًا لأن لا يعمد إلى إعطاء ما هو حقه غيره.
وقيل ذا فللخليل لا للأمر ذا وللأخفش ذا قسمين ولأبى زيد ذا زائدة وفي ها الله ثلاث لغات.
وثانيًا: ما صح أنه ﵇ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم بقتلهم وسبق ذراريهم فقال ﵇ لقد حكمت بحكم من فوق سبع أرقعة أي بحكم الله تعالى والرقع السماء.
لهم أولًا أن القدرة على العلم بالرجوع إليه كمنع الاجتهاد الذي غايته الظن.
قلنا لا نعلم لجواز التخيير وهو الظاهر من الدليل السالف.
ولو سلم فالحاضر بظن أن لوكان وحي لبلغه والغائب لا يقدر.
وثانيًا: أن رجوعهم إليه في الوقائع دليل منع الاجتهاد.
قلنا لا نعلم لجواز أن يكون الرجوع فيما عجزوا فيه عن الاجتهاد أو ليقع الاجتهاد فيما لا يفيد الرجوع أو لجواز الأمرين.
الخامسة لا يجوز أن يكون يجتهد قولان متناقضان في مسألة في وقت واحد وبالنسبة إلى شخص واحد لأن دليليهما أن تعادلا توقفا وإن رجح أحدهما تعين وفي وقتين يجوز لجواز تغير الاجتهاد وبالنسبة إلى الشخصين يجوز على القول بأن تعادل الأمارتين يوجب التخيير لا على أن يوجب الوقف فالظاهر في قولين مرتبين يجتهد في مسألة أن الأخير رجوع لتغير الاجتهاد وهذا في مسألتين متناظرتين إن لم يظهر بينهما فرق وإن ظهر لا كما إذا قال في طعامين أحدهما نجس بتحرى وفي ثوبين لا بتحرى يحمل على الرجوع إذ لا فارق أما في ماء وبول لا بتحرى للفارق وهو كون البول نجس الأصل فلا يحمل عليه ويقال التحري فيما أصله الطهارة.
تنبيه: فإذا نقل عن مجتهد قولان متناقضان كما عن الشافعي في سبع عشرة مثله يحمل على وجوه: