ولئن سلم فقد تخلف لمانع وهو ترتب الحسنة وليس ترتبها لمجرد المشقة كما ظن لما مر وعلى الثاني أن العذاب إن كان على ترك العزدمة لم يناف إصابة المخطئ في الاجتهاد ابتداء لأنه علم أن هذا الخطأ في الاجتهاد وقع في مقابلة إيجاب الله تعالى العزيمة فلم يشتمل على شرائطه والمبحث هو المشتمل عليها.
تذييل:
المخطئ في الاجتهاد لا يعاتب ولا ينسب إلى الضلال بل يكون معذورًا أو مأجورًا لبذل الوسع إلا أن يكون دليل الصواب بينا فأخطأ لتقصير منه.
وما نقل من طعن بعض السلف بعضًا في الاجتهاديات محمول على كون طريق الصواب بينا ولو في زعم الطاعن بخلاف المخطئ في العقائد فإنه يضلل أو يكفر والمخطئ ابتداء وانتهاء لأن المطلوب فيها اليقين.
وما نقل عن بعض السلف من تصويب كل مجتهد في المسائل الكلامية كخلق القرآن ونفى الرؤية وخلق الأفعال فمعناه نفى الإثم والمعذورية لأحقية القولين والمأجورية.
فائدة:
قال نجم الأئمة البخاري رأى المفتي جواب فتوى ودى زعمه أنه خطأ لأن المنصوص من الرواية عنده بخلافه يعذر في ترك رد ذلك الجواب إن كان مجتهدًا فيه وإن كان منصوصًا لا يعذر إذا علم أنه يعمل به.
وقال كمال الساعى لا يعذران علم بأنه خطأ وإنه يعمل به.
الفصل الثالث في مسائل متعلقة الاجتهاد
الأول قيل يجوز الاجئهاد لمن حصل له مناطه في مسألة فقط وتعرف بتحرى الاجتهاد.
وقيل لا بد أن يكون عنده ما يحتاج إليه في جميع المسائل.
للمثبت أولًا لو لزم العلم بجميع المآخذ لزم العلم بالأحكام لأنه لازمه لكن قد ثبت من المجتهد كمالك ﵀.
قلنا لا نعلم أنه لازمه لجواز أن يعترض ما دمنع من الترتيب كنعارض الأدلة وعدم المجال للقدر الواجب من الفكر لتشوشه واستدعائه زمانا.
وثانيًا: أن أمارات غيرها كالعدم في حقها.
قلنا لا نعلم لجواز تعلقها بما لم يعلمه تعلقًا لا يظن بالحكم إلا بعلمه ففي المحيط بالبعض يقوى احتمال الموانع فلا يحصل له الظن بالحكم وفي المحيط بالكل يضعف أو ينعدم فيحصل.
стр. 842
لا يقال احتمال بعيد فلا يقدح في ظن الحكم لأنا لا نعلم بعده.
قلنا في كل مما لا يعلمه يحتمل كونه مانعًا فلا يحصل ظن عدم المانع.
قلنا المفروض حصول جميع ما يتعلق به في ظنه نفيًا وإثباتًا بأخذه من المجتهد أو جمع أماراتها التي قررها الأئمة فيحصل.
لا يقال إن كفى حصول الجميع في ظنه فقد ثبت التجزى وبطل جواب دليله الثاني وإن لم يكف بطل هذا الجواب وبعبارة أخرى احتمال المانعية في المسائل الآخر إن كان بعيئا غير قادح ثبت التجزى وبطل ذلك الجواب وإن كان قريبًا قادحًا في ظن الحكم بطل هذا.
لأنا نقول الكلام في الكفاية وعدمها أو في البعد وعدمه فللتردد بينهما توقف ابن الحاجب ﵀ كذا قيل.
والحق عدم التجزى وهو المنقول عن أبي حنيفة ﵁ لما مر في حد الفقه أن الفقيه هو المتهيىء للكل أعني الذي له ملكة الاستنباط في الكل وإن المقلد يجوز علمه ببعض الأحكام عن الأدلة ولأن ابن الحاجب قائل بكفاية حصول الجميع في ظنه وبعد احتمال المانع وذلك لأنه غير ناشئ عن الدليل.
الثانية: أن النبي ﵇ متعبد به فيما لا نص فيه كذا عن أبي يوسف والشافعى رحمهما الله ومنعه الجبائيان وجوز بعضهم في الآراء والحروب دون أحكام الدين.
لنا بعد تناول أدلة شرعية القياس إياه وكون وراثة العلماء من الأنبياء الاجتهاد:
أولًا قوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ولا عقاب فيما علم بالوحى.
وثانئا: قوله ﵇ "لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدي" (١) أي لو علمت أولًا ما علمت آخرًا ومثله لا يستقيم إلا فيما عمل بالرأى. وثالثا: ما استدل به أبو يوسف من قوله تعالى: ﴿لِتَحْكمَ بَيْنَ النَّاسِ بمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ [النساء: ١٠٥] فقرره الفارسي بقوله ليست الرؤية للإبصار لاستحالته في الحكم ولا للعلم لعدم المفعول الثالث مع وجود المفعول الثاني ليعود إلى الموصول فهي للرأى أي بما جعله الله رأيًا لك.
لا يقال يحتمل ما المصدر به وحذف المفعولين.
لأنا نقول الموصول أكثر والظاهر من الفعل معناه لا معنى المصدر.
стр. 843
ورابعًا: أن فضل الاجتهاد وكثرة ثوابه أولى لأن منصبه أعلى.
قيل قد يسقط فضله لدرجة أعلى سقوط ثواب الشهادة عن الحاكم وثواب القضاء عن الإِمام وثواب التقليد عن المجتهد.
قلنا ذلك عندما ينافيه الدرجة العالية ولا كذلك ما نحن فيه.
لهم أولًا قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
قلنا: يختص بما بلغه لأنه لرد قولهم في القرآن إنه افترى.
ولئن سلم فالحكم بالاجتهاد المتعبد بالوحى قول بالوحى.
وثانيًا: أنه لا يجوز مخالفته بل يكفر بها لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] الآية وجوازها من لوازم الاجتهاد.
قلنا من لوازمه ما لا يقارنه القاطع كاجتهاد عند إجماع فمنه كونه اجتهاد المقرر.
وثالثًا: أنه ﵇ كان يتأخر في جواب السؤال كما في حكم الظهار واللعان ولا يجتهد.
قلنا لانتظار الوحي الذي عدمه شرط في الاجتهاد أو لانتظار فراغ يصلح له.
ورابعًا: كان قادرًا على اليقين هو الوحي ولا اجتهاد للقادر عليه.
قلنا إنزال الوحي غير مقدور ولذا كان يحكم بالشهادة مع أنها لا تفيد إلا الظن.
تنبيه: الأصل هو الوحي فالاجتهاد لضرورة العجز عنه إما بمضى مدة الانتظار وهي ما يرجى فيها نزول الوحي أو خوف فوت حكم الحادثة.
الثالثة: إذا جاز له الاجتهاد يجوز عليه الخطأ لكن لا يقرر عليه بل ينبه أما عدم القرار فبالإجماع وأما جواز الخطأ قلنا فيه عقلا أن لا مانع منه من حيث بشريته وليس علو رتبته وكمال عقله وقوة حدسه مانعًا لأن السهو والخطأ للغفلة من لوازم الطبيعة البشرية فإذا جاز سهوه حالة المناجاة كما ثبت أنه سهى فسجد فالخطأ في غيرها بالأولى ونقلا قوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهمْ﴾ [التوبة: ٤٣] دل على أن إذنهم كان خطأ وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية حتى قال ﵇ "لو نزل بنا عذاب ما نجا إلا عمر" (١) لأنه أشار إلى القتل وغيره إلى الفداء فهو خطأ وقوله ﵇ "إنكم تختصمون إلي ولعل أحدكم ألحن بحجته" الحديث وقوله ﵇: "أنا أحكم بالظاهر" فدل أنه قد يخفى عليه الحق الباطن.
стр. 844
لا يقال ذلك في فصل الخصومات والكلام في الأحكام لأن فصلها يستلزم الأحكام الشرعية بالحل لشخص والحرمة لأخر فيقتضى جواز خطاه فيها.
فإن قلت ربما يكون الخطأ في اندراجه تحت عموم مثل هذا حرام للحل لاعتقاده خمرًا وليس مثله خطأ في الاجتهاد لأن الحكم بالاندراج عقلي.
قلنا لا نعلم بطلانه كما أمر العوام باتباع المجتهد ولو كان خطأ فالحل أن للحكم الخطأ جهتين عدم مطابقته للواقع وكونه مجتهدًا فيه والأمرانه للثانية فكما وجب العمل به على بعد ولو خطأ يجب على متبعيه أيضًا لذلك على أن اتباعه يجب فيما قرر عليه ولا خطأ فإن قلت لا متابعة في المقلد لأخها إيقاع الفعل على وجه أوقعه ولا يتبع المقلد المجتهد في اجتهاده.
وأيضًا من أمر باتباع الرسول قادر على الإصابة كالمجتهد بخلاف منع المجتهد كالمقلد.
وأيضًا العامى مأمور بالتقليد لا بالخطأ إنما يقع الخطأ في طريقه.
قلنا الوجه المأخوذ في المتابعة كيفية للفعل والاجتهاد كيفية للمجتهد لا له وأيضًا المأمور بمتابعة الرسول جميع الأمة لا المجتهد فقد علم أنا لا نعلم أن المجتهد قادر على الإصابة إنما مقدوره الظن بالحكم.
وأيضًا لا فرق في أن المأمور به في البابين الاتباع والخطأ واقع في الطريق ولو منع جهة عدم مطابقة الواقع ثمة منع ها هنا إذ لا فارق.
وثانيًا: لما عصم الإجماع عن الخطأ لكون أهله أمة الرسول ﵇ فنفسه أولى بهذا الشرف.
قلنا رتبة النبوة التي هى أعلى مراتب الخلق فضيلة جابرة للنقائص الآخر ومحصلة
للأولوية المطلقة على أن العصمة في الإجماع بعد القرار وههنا أيضًا مسلم بعده.
وثالثًا: تجويز الخطأ يورث الشك فيقدح في مقصود البعثة.
قلنا لا يورثه بعد ثبوت الرسالة بتصديق المعجزة لوجوب اتباعه ولو خطأ ولا سيما إذا علم أنه لا يقرر عليه بالاجماع.
الرابعة: يجوز اجتهاد غيره في عصره ﵇ غيبة لحديث معاذ وحضورًا في الأصح وواقع عند الأكثرين ومنع الجبائيان وقوعه شرعًا وجوزه بعضهم بشرط الإذن والأكثرون توقفوا فيه.
لنا أولًا ما روى البخاري عن أبي قتادة ﵁ أنه حين قتل رجلًا من
стр. 845
المشركين في حنين وطالب سلبه شخصا فقال صدق يا رسول الله وسلبه عندي فارضه عني فقال أبو بكر ﵁ لاها الله إذ لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطك سلبه فقال رسول الله ﷺ : "صدق أبو بكر" (١) ﵁ في الحكم فصوبه والظاهر أنه عن الرأى دون الوحي والصحيح رواية إذًا فإنه جزاء لإقراره لصحته سببًا لأن لا يعمد إلى إعطاء ما هو حقه غيره.
وقيل ذا فللخليل لا للأمر ذا وللأخفش ذا قسمين ولأبى زيد ذا زائدة وفي ها الله ثلاث لغات.
وثانيًا: ما صح أنه ﵇ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم بقتلهم وسبق ذراريهم فقال ﵇ لقد حكمت بحكم من فوق سبع أرقعة أي بحكم الله تعالى والرقع السماء.
لهم أولًا أن القدرة على العلم بالرجوع إليه كمنع الاجتهاد الذي غايته الظن.
قلنا لا نعلم لجواز التخيير وهو الظاهر من الدليل السالف.
ولو سلم فالحاضر بظن أن لوكان وحي لبلغه والغائب لا يقدر.
وثانيًا: أن رجوعهم إليه في الوقائع دليل منع الاجتهاد.
قلنا لا نعلم لجواز أن يكون الرجوع فيما عجزوا فيه عن الاجتهاد أو ليقع الاجتهاد فيما لا يفيد الرجوع أو لجواز الأمرين.
الخامسة لا يجوز أن يكون يجتهد قولان متناقضان في مسألة في وقت واحد وبالنسبة إلى شخص واحد لأن دليليهما أن تعادلا توقفا وإن رجح أحدهما تعين وفي وقتين يجوز لجواز تغير الاجتهاد وبالنسبة إلى الشخصين يجوز على القول بأن تعادل الأمارتين يوجب التخيير لا على أن يوجب الوقف فالظاهر في قولين مرتبين يجتهد في مسألة أن الأخير رجوع لتغير الاجتهاد وهذا في مسألتين متناظرتين إن لم يظهر بينهما فرق وإن ظهر لا كما إذا قال في طعامين أحدهما نجس بتحرى وفي ثوبين لا بتحرى يحمل على الرجوع إذ لا فارق أما في ماء وبول لا بتحرى للفارق وهو كون البول نجس الأصل فلا يحمل عليه ويقال التحري فيما أصله الطهارة.
تنبيه: فإذا نقل عن مجتهد قولان متناقضان كما عن الشافعي في سبع عشرة مثله يحمل على وجوه:
стр. 846
١ - أنه يحكى قول العلماء.
٢ - يحتمل أن يكون فيها للعلماء قولان لتعادل الأمارتين.
٣ - في فيها قولان بالنسبة إلى شخصين على القول بالتخيير بلا رجوع.
٤ - تقدم في قولان بالنسبة إلى واحد والأخير رجوع.
السادسة لا يجوز للمجتهد نقض ما حكم به نفسه لتغير اجتهاده أو غيره لمخالفة اجتهاده اتفاقا لأن يتسلسل بنقض نقضه من الآخرين ويفوت مصلحة نصب الحاكم من فصل الخصومة اللهم إلا إذا خالف قطعي الثبوت والدلالة من الكتاب والسنة والإجماع لا خبر الواحد إلا عند البعض.
قال القاضي عبد الجبار مفت بأن له الخطأ في جوابه يجب عليه الإعلام إن ظهر خطاه بيقين وإن تحول رأيه إلى آخر في المجتهد فيه فلا.
السابعة لو حكم مجتهد بخلاف اجتهاده بطل وإن قلد مجتهدًا آخر إجماعًا.
أما قبل أن يجتهد فقيل فممنوع عن التقليد مطلقًا أي سواء كان الغير صحابيًا أو لا وأعلم منه أو لا وتقليده فيما لا يخصه مما يفتى به أو يخصه مما يعمل به وكان مما يخصه مما يفوت وقته باشتغاله بالاجتهاد أو لم يكن كذلك وهو المشهور الجديد عن مذهب الشافعي.
وقيل ممنوع إلا فيما يخصه.
وقيل إلا فيما يخصه ويفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد وهو قول ابن سريج.
وقيل ممنوع مطلقا إلا أن يكون الغير أعلم وينسب إلى محمَّد ﵀.
وقيل مطلقًا إلا أن يكون الغير صحابيًا وهو مذهب الجبائى والقديم من الشافعى ﵁، وقيل غير ممنوع مطلقًا وهو مذهب أحمد وإسحاق بن راهويه وسفيان وعن أبي حنيفة ﵁ روايتان.
والمختار أن لا يقلد المجتهد إلا الصحابي وإن روى عنه ﵁ جواز تقليده لمن هو أعلم منه وتحقيقه التفصيل السابق في تقليد الصحابي والتابعى.
لنا في المنع أولًا أنه متمكن من الأصل فلا يصير إلى البدل كغيره ومتضمن وجهين:
١ - كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ١٢] يعمه ترك العمل به في العامي لعجزه.
٢ - القياس على التقليد في الأصول بجامع القدرة على الاحتراز عن الضرر المحتمل ولا يفرق بأن المطلوب هنا الظن وأنه يحصل بالتقليد لأن المطلوب الظن الأقوى وهو
стр. 847
متمكن منه ولا ينقض بقضاء القاضي حيث لا يجوز خلافه لأن ذلك عمل بالدليل الدال على أنه لا ينقض إلا بالتقليد وثانيًا قوله تعالى: ﴿فَاسْاَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] أي إن كنتم غير أهل العلم أو لا تعلمون شيئًا أي عاميًا إما لأنه نكرة في سياق النفي وإما لأنه مطلق فالمقيد بالشرط عدم عند عدمه وربما يستدل بأن جواز التقليد حكم شرعي ولا دليل عليه ولا تعارض لأن الانتفاء يكفي فيه عدم دليل الثبوت.
وفيه بحث لأن الانتفاء هنا التحريم الشرعي فلا يصلح نفى الدليل دليلًا له.
وثالثًا: أن التقليد قبل الاجتهاد كهو بعده ولما منع كونه مجتهدًا هذا منع ذاك.
لا يقال المانع هنا ظن الحكم باجتهاده لا كونه مجتهحًا لأن الظن الحاصل بالاجتهاد أقوى منه بالتقليد.
لأنا نقول ظن المقلد لا عبرة به كما مر ولا يعارض ظن المجتهد ليعتبر ترجيحه.
ولو سلم فالقدرة على الظن الأقوى كهو ولذا يبطل القياس في مقابلة خبر الواحد.
للمجوز أولًا أنه قبل الاجتهاد لا يعلم والآخر من أهل الذكر فيسأله للعمل به بالأية.
قلنا معناه إن كنتم غير أهل العلم أو لا تعلمون شيئًا ولذا لا يجوز بعد الاجتهاد وإن كان غير عالم بل ظانًا فلا يوجد إلا في العامي.
وثانيًا: قوله ﵇ بأيهم اقتديتم اهتديتم.
قلنا الخطاب للعلة كما مر ولئن سلم فيختص بالأصحاب لبركة الصحبة واحتمال السماع كما قلنا.
وثالثًا: أن المطلوب الظن وهو حاصل بفتوى الغير.
قلنا: مع القدرة على الأقوى وهو الحاصل باجتهاده لا يعمل بالأدنى على أن ما ذكر من دليل السمع منع العمل به.
ورابعًا قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا الله﴾ [آل عمران: ٣٢] الآية والعلماء أولو الأمر لنفاذ أمرهم على الولاة.
قلنا لا يعم كل طاعة ولذا لا يجب الطاعة في الحكم فيحمل على الطاعة في الأقضية.
وخامسا قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية قلنا: لا يعم كل إنذار فيحمل على الرواية.
وسادسًا: قول عبد الرحمن بن عوف لعثمان ﵃ بمشهد الصحابة أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين ولم ينكر أحد قلنا المراد طريقهما في العدل
стр. 848
وإلانصاف.
الثامنة مسألة التفويض إذا فوض الله بقوله احكم بما شئت بروية فلا خلاف في جوازه وبقوله احكم دمًا تشتهيه كيف اتفق فإنك لا تحكم إلا بالحق فقطع موسى بن عمران بجوازه ووقوعه في حق نبينا ﵇ والمعتزلة بمتناعه والمختار الجواز وعدم الوقوع.
لنا في جوازه عدم امتناعه لذاته ولا غيره يمنعه وفي عدم وقوعه أولًا أنه ﵇ لو أمر بذلك لما نهى عن اتباع هواه إذ لا معنى له إلا حكمه كيفما يريد.
لا يقال لما كان بالأمر لم يكن اتباع للهوى لأنا نقول فماذا ينهى بنهي اتباع الهوى.
وثانيا: لما قيل له مثلا لما أذنت للمانع أن التفويض مع جهل العبد بالمصالح يقضي إلى تفويتها قلنا لا تفويت فإن اللازم من الجهل جواز التفويت لا نفسه والمحذور وهو نفسه لازم الوقوع وهو ممنوع كيف ومن الجائز أن لا يفوض إلا لمن يعلم أنه يختار ما فيه المصلحة.
للقائل بالوقوع أولا قوله تعالى: ﴿إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] ولا يتصور إلا بتفويض التحريم إليه وإلا كان المحرم هو الله تعالى قلنا بل قد يحرم على نفسه بدليل ظني، وثانيًا: قوله ﵇ في مكة لا يحتلى خلاها ولا يعضد شجرها فقال العباس إلا الإذخر فقال النبي ﵇ إلا الإذخر دل على التفويض إلى رأيه حيث أطلق المنع ثم استثنى بالتماسه.
قلنا إما أن الإذخر ليس من الخلاء والاستثناء منقطع بمعنى لكن أو لم يرد العموم ابتداء ففهمه السائل فقرر ما فهمه والاستئناء منقطع يمعنى لكن أو لم يرد العموم ابتداء ففهمه السائل فقرر ما فهمه والاستثناء منقطع يمعنى لكن أو لم يرد العموم ابتداء ففهمه السائل فقرر ما فهمه والاستثناء من المقدر والمكرر أو نسخ التعميم الأول بوحى سريع كلمح البصر والاستثناء من المقدر المكرر.
وثالئًا: أحاديث "لولا أن أشق" "وكنت نهيتكم" ونحو قوله ﵇ في الحج "لو قلت نعم لوجب" وقوله ﵇ "عسيت أن أنهى أمتي أن يسموا نافعًا وأفلح وبركة" وقوله ﵇ لما قيل له إن ماعزًا رجم "لو تركتموه حتى انظر في أمره" وقوله ﵇ حين أنشدت ابنة نضر بن الحارث في أبيها حين قتل:
أمحمد ولانت نجدٍ نجيبه ... في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
стр. 849
"لو سمعته ما قتلته".
قلنا بجواز أن يكون في هذه الأمور مخيرًا أو يكون قد تقدم وحي شرطي إن كان كذا فاحكم كذا أو كان ذلك بالاجتهاد.
التاسعة: لا يجب تكرار الاجتهاد عند تكرر الواقعة وتذكر طريق الاجتهاد.
لنا حصول ماكان يطلبه والأصل عدم ما يغيره.
لهم احتمال تغير اجتهاده فلا بد من تجديد النظر ليعلم استمرار ظنه قلنا فيجب أبدًا ولم يتوقف بوقت تكرر الواقعة لدوام الاحتمال وفيه بحث والأولى أن الطريق ما دام مظنونًا فاحتمال خلافه مرجوح وإلا لم يعمل به أول مرة فلا معتبر به وإن لم يذكر طريق اجتهاده أو شك في قوته استأنف.
العاشرة: يجوز خلو الزمان عن مجتهد يرجع إليه خلافًا للحنابلة.
لنا أولًا ليس ممتنعًا لذاته.
وثانيًا: حديث اتخاذ الناس رؤساء جهالا فإنه ظاهر في الجواز والوقوع لأن الأصل في إذا تحقق وقوع مدخوله.
لهم أولًا قوله ﵇: "لا يزال طائفة من أمتي" (١) الحديثين فلا يخص إلى القيامة وأشراطها.
قلنا غايته عدم الخلو ولا يلزم منه عدم جواز الخلو لأن المطلقة أعم من الضرورية ولو سلم فدليلنا أظهر لأن نفي العالم يستلزم نفي المجتهد أما إثبات ظهور الحق فيحتمل أن يكون بلزوم سيرة النبي ﵇ والاجتناب عن البغي لا بالعلم والاجتهاد ولا سلم فيتعارض السنتان ويبقى عدم المانع.
وثانيًا: أن الاجتهاد فرض كفاية مطلقًا فجواز الخلو يقتضي اتفاق المسلمين على الباطل وبطلانه علم في الإجماع.
قلنا لا نعلم أنه فرض كفاية مطلقًا بل إذاكان ممكنًا مقدورًا وعند خلو الزمان عن المجتهد لا يكون كذلك ولئن سلم فالاتفاق على تركه إنما يلزم لو لم يجز تقليد المجتهد الميت السابق لكنه جائز كما سيجىء.
стр. 850
الفصل الرابع في مسائل الفتاوى
وفيه أقسام:
الأول في المفتي
وفيه مسائل الأولى يجوز الإفتاء للمجتهد اتفاقا ولحاكي قول مجتهد حي سمعه منه مشافهة لأن عليًا ﵁ أخذ بقول المقداد عن النبي ﵇ في المذي ولذا يجوز للمرأة أن تعمل في حيضها بنقل زوجها عن المفتى أما لحاكى قول ميت فمنعه الأكثرون إذ لا قول للميت لانعقاد الإجماع مع خلافه وإنما صنفت كتب الفقه لاستفادة طرق الاجتهاد من تصرفهم ومعرفة المتفق عليه والمختلف فيه قال في المحصول والأصح عند المتأخرين جوازه لوجهين الأول انعقاد الإجماع على جواز العمل بهذا النوع من الفتوى إذ ليس في الزمان مجنهد وله معنيان.
١ - إن أحكام الشريعة المحمدية باقية إلى آخر الزمان لكونه خاتم النبيين ولقوله ﵇ الحلال ما جرى على لساني إلى يوم القيامة الحديث وكل من المجتهدين يثبت الحكم على أنه كذلك فهم وإن اختلفوا في تعيين الحكم مجمعون ضمنًا على بقائه وجواز تقليد من بعدهم.
٢ - أن المجتهدين السابقين المختلفين أجمعوا صريخا على أن من بعدهم إذا اضطروا إلى تقليد الميت لعدم الاجتهاد جاز لهم ذلك فإن قلت فمقتضى هذا أن يعتبر قول الميت ولا يفوت بموت صاحبه إذ لولا ذلك لم يكن للإجماع السابق حكم ولو اعتبر لم ينعقد الإجماع اللاحق على أحد القولين في السابق.
قلنا نعم أولًا الإجماع في السابق مشروط بعدم معارضه القاطع ومنه الإجماع اللاحق وبهذين يسقط ما يقال إذا خلا عصر عن المجتهد الميت ثقة عالمًا والحاكى عنه ثقة فاهمًا معنى كلامه حصل عند العامي ظن أن حكم الله تعالى ما حكاه والظن حجة حتى لو رجع إلى كتاب موثوق به جاز أيضًا كذا في التحصيل.
قال في فتاوى العصر في أصول الفقه لأبي بكر الرازى ﵀ فأما ما يوجد من
كلام رجل ومذهبه في كتاب معروف به قد تداولته النسخ يجوز لمن نظر فيه أن يقول
قال فلان كذا وإلا لم يسمعه من أحد نحو كتب محمَّد بن الحسن وموطآت مالك لأن
وجودها على هذا الوصف بمنزلة خبر المتواتر والاستفاضة لا يحتاج مثله إلى إسناد وتوفية
الكلام فيه أن لغير المحتهد أن يفتي بمذهب أن أهلا للنظر والاستنباط مطلعا على المآخذ
في أقوال إمامة أي مجتهد في ذلك المذهب ومعنى الإفتاء الاستنباط بمقتضى قواعده لا الحكاية.
стр. 851
وقيل عند عدم المجتهد.
وقيل يجوز مطلقا ومعنى الإفتاء أعم من الاستنباط والحكاية وهو المنقول عن المحصول آنفا.
وقال أبو الحسين لا يجوز مطلقا. لنا تكرر إفتاء العلماء الغير المجتهدين في جميع الأعصار من غير إنكار. للمجوز أنه ناقل فلا فرق فيه بين العالم وغيره كالأحاديث.
قلنا جواز النقل متفق عليه والنزاع فيما هو المعتاد من تخريجه على أنه مذهب أبي حنيفة أو الشافعي ﵀ كذا في المختصر والمفهوم من غيره أن في الحاكي عن الميت خلافا. للمانع لو جاز جدز للعامي لأنهما في النفل سواء قلنا الدليل هو الإجماع وقد جوز للعالم دون العامي والفارق علم المآخذ وأهلية النظر ثم عن أصحابنا في ذلك روايات ذكر في التجنيس سئل محمَّد بن الحسن ﵀ متى كان للرجل أن يفتى قال إذا كان صوابه أكثر من خطاه.
وقال ظهير الدين التمرتاشى ﵀ لا يجوز للمفتي أن يفتي حتى يعلم من أين فقلنا هل يحتاج إلى هذا في زماننا أم يكفيه الحفظ قال يكفي الحفظ نقلا عن الكتب المصححة.
وقال نجم الأئمة البخاري ﵀ الحفظ لا يكفي ولا بد من ذلك الشرط وفي عيون الفتاوى. قال عصام بن يوسف ﵀ كنت في مأتم قد اجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة زفر وأبو يوسف وعافية وقاسم بن معين فأجمعوا على أنه لا يحل لأحد أن يفتى بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا.
الثانية: يستفتي من يعلم علمه وعدالته اتفاقا وذا بالخبرة أو الشهرة بذلك والانتصاب له بين الناس لا من يظن عدمهما أو عدم أحدهما أما من يجهل علمه فقط فالمختار امتناع استفتائه ومن يجهل عدالته فقط المختار جواز استفتائه.
لنا في الأول أن العلم شرط والأصل عدمه فيلحق بالجاهل كالراوي المجهول العدالة. لهم القياس بالعالم المجهول العدالة فقط لأن العلم في الاشتراط كالعدالة.
قلنا يلتزم ثمة أيضًا الامتناع.
ولو سلم على ما هو المختار فالفرق أن الغالب في المجتهدين العدالة وليس الغالب في العلماء الاجتهاد بل هو أقل القليل فيلحق الفرد بالأغلب.
стр. 852
الثالثة: تقليد الأفضل فيما تعدد المجتهد ليس بواجب وعن أحمد وابن شريح خلافه وعن الأصحاب الحنفية روايتان. لنا اشتهار إفتاء المفضولين من الصحابة والتابعين من غير إنكار وقوله ﵇ بأيهم اقتديتم اهتديتم لما خرج العوام لأنهم مقيدون بقي معمولا به في المجتهدين من غير فصل بفضل ولا يستدل بأن تكليف العامي بالترجيح تكليف بالمحال لقصوره عن معرفة المراتب لأن الترجيح ربما يظهر للعامي بالتسامع وبرجوع العلماء إليه بدون العكس وكثرة المستفتين واعتراف العلماء بفضله. لهم أن أقوال المجتهدين عند المقلد كالأدلة عند المجتهد فيدفع تعارضها بالترجيح وليس إلا يكون قائله أفضل وبعبارة أخرى أن الظن بقول الأعلم أقوى والأقوى هو المأخوذ عند التعارض.
قلنا قياس لا يقاوم لما مر من الإجماع على أن بينهما فرقا هو أن ترجيح المجتهدين للأدلة سهل وترجيح العوام للمجتهدين وإن أمكن عسر.
قال في التحصيل فإن إفتاء اثنان بشيء واحد تعين عليه وإلا قبل مجتهد في أعلمهم وأورعهم.
وقيل لا إذ علماء الأمصار لم ينكروا على العوام تركه ثم إذا اجتهد فإن ظن الرجحان مطلقا تعين وإن ظن الاستواء مطلقا يخير أو الاستواء في الدين دون العلم وجب تقليد الأعلم.
وقيل يخير أو العكس وجب تقليد الأدين أو ظن أحدهما أدين والآخر أعلم وجب تقليد الأعلم لأن مفيد الحكم علمه.
قال علاء الدين الزاهد استفتى مفتيين حنفيين فافتيا بالضدين كالحل والحرمة والصحة والفساد يأخذ العامي بفتوى الفساد في الفسادات والصحة في المعاملات.
وقال ظهير الدين المرغيناني: إن كان المستفتي مجتهدا يأخذ بقول من ترجح عنده بدليل والعامي بقول من هو أفقه منهما عنده وإن استويا عنده يستفتى غيرهما ولو لم يوجد إلا في بلد آخر كذا يفعله الصحابة والتابعون.
وأقول يفهم منهما أن عن أصحابنا في ترجيح إحدى الفتويين قولين الترجيح من حيث حال الحكم ومن حيث حال المفتي وعند الاستواء لا يخير كما هو قول الشافعية بل يتبع قول الثالث ثم هذا في مفتيين أما لو سئل متفقها ففعل ثم مفتيا فأجاب بعكسه قضى صلوات صلاها بقول المتفقه إن أفتاه المفتي بالقضاء قاله شرف الأئمة ﵀.
стр. 853
القسم الثاني: في المستفتي
وفيه مسائل:
الأولى: يجوز للعامي تقليد المجتهد في فروع الشريعة خلافا للمعتزلة في بغداد وفرق الجبائي بين الاجتهاديات وغيرها لنا.
أولًا: أن علماء الأمصار لا ينكرون على العوام الاقتصار على أقاويلهم فحصل الإجماع قبل حدوث المخالف.
وثانيا: إن عاميا وقع له واقعة مأمور بشماء فيها اجماعا وليس التمسك بالبراءة الأصلية إجماعا ولا الاستدلال بأدلة سمعية إذ الصحابة لم يلزموهم تخصينها ولأنه يمنعهم عن الاشتغال بمعاشهم فهو التقليد ولا ينقضان بمعرفة أدلة العقليات لما مر أن المعرفة الإجمالية المحصلة للطمأنينة كافية في ذلك أما هنا فيحتاج إلى تفصيل كثير وبحث عزيز.
فإن قلت المانعون من التقليد يمنعون الإجماع وخبر الواحد والقياس والتمسك بالظواهر بل يقولون حكم العقل في المنافع الإباحة يؤيده قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا في الأرْضِ جَميعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وفي المضار الحرمة يؤيده ﴿ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَج: ٧٨]، وإنما يترك هذا الأصل لنص قطعي الثبوت والدلالة والعامي إن كان ذكيًا عرف حكم العقل وإن لم يكن ذكيًا أو وجد في الواقعة نص قطعي الثبوت والدلالة يخالف حكمه حكم العقل نبهه المفتي عليه.
قلنا لم يكلف العامي بذلك لأنه يمنعه عن المعاش ولذا كان الاجتهاد فرض كفاية لهم وجوهًا:
١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩].
قلنا يختص بالعقليات جمعًا بينه وبين أدلة اتباع الظن.
٢ - ذم التقليد بقوله إنا وجدنا آبائنا على أمة.
قلنا التقليد الباطل على خلاف الدليل الواضح أو في العقليات.
٣ - طلب العلم فريضة على كل مسلم.
قلنا فيما يمكن علمه لا علم كل شيء لكل مسلم بالإجماع وإلا كان الاجتهاد فرض عين.
٤ - جواز التقليد يفيض إلى عدمه لأنه يقتضى جواز التقليد في المنع منه.
قلنا أحدهما يمنع الآخر عادة.
٥ - قوله ﵇ اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له والمستفتى لا يأمن من جهل
стр. 854
المفتى فيقع في المفسدة.
قلنا لا يعتبر لرجحان المصلحة.
ولنا على الجبائى أن الفرق يقتضي أن يحصل للعامي درجة الاجتهاد ثم يقلد إذ لا يميز بينهما سوى المجتهد وهو بط.
له أن الحق في غير المحتهد فيه واحد فالتقليد فيه يوقعه في غير الحق.
قلنا بل وفي المجتهد فيه ولأنه لا يأمن أن يقصر المفتى في الاجتهاد أو يفتى نفسه بخلاف اجتهاده.
الثانية أن العالم بطرف صالح من علوم الاجتهاد يلزمه التقليد.
وقيل بشرط أن يتبين له صحة اجتهاد المجتهد بدليله والجبائى ما لم يكن كالعبادات الخمس من ضروريات الدين.
لنا أولًا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فإن علة الأمر بالسؤال هو الجهل والأمر المقيد بالعلة يتكرر بتكررها وهذا غير عالم بهذه المسألة.
وثانيًا: العلماء لم يزالوا يستفتون فيفتون ويتبعون من غير إبداء المستند حتى شاع ولم ينكر فكان إجماعًا.
وثالثا: أن بيجاب الاطلاع على المستفتي يؤدى إلى إبطال المعاش والصنائع بخلاف مآخذ معرفة الله تعالى ليسرها.
لهم أن يودى إلى وجوب اتباع الخطأ لجوازه.
قلنا مشترك الالزام لجوازه حين أبدى المستند وكذلك يجب على المفتى اتباع رأيه مع جواز الخطأ والحل أن الواجب اتباع الظن من حيث هو ظن لا من حيث هو خطأ والمحدود هذا.
الثالثة: لا يرجع العامي العامل بقول مجتهد في مسألة إلى غيره اتفاقا أما في الأخرى فالمختار جواز تقليد الغير للقطع بوقوعه شايعا مشتهرا من غير نكير في زمن الصحابة ﵃ من غير إلزام سؤال مفت بعينه أما إذا التزم مذهبا معينا كأبي حنيفة ﵁ فقيل يلزم وقيل لا يلزم في وافعة وقعت فقلده فيها فليس له الرجوع وفي غيرها يتبع من شاء قال القاضي عبد الجبار الحنفي استفتى الشافعية فوافقه جوابهم لا يسعه أن يختاره وللرجل والمرأة أن ينتقل من مذهب الشافعى إلى مذهب أبي حنيفة وبالعكس ولكن بالكلية أما في مسألة واحدة فلا يمكن من ذلك وقال ظهير الدين المرغيناني من انتقل إلى مذهب الشافعي ﵁ لتزوج له أخاف أن يموت مسلوب الإيمان
стр. 855
لإهانته بالدين لجيفة قذرة.
وقال أيضًا عامي حنفي افتصد ولم يعد الطهارة اقتداء بالشافعى ﵁ في حق هذا الحكم لا يسوغ له ذلك.
وقال علاء الدين الزاهد ﵀ ويصفع لو فعل ذلك.
وقال أبو الفضل الكرماني ﵀ ابتلى بالجرب والقروح بحيث يشق عليه الوضوء لكل مكتوبة ليس له أن يأخذ ليذهب الشافعي ﵁ ولكن إن كان يضره الماء يتيمم ويصلي وليعلم أن عبد السيد الخطيبي سئل عمن علق الثلاث بتزوجها فقيل له لا يحنث على قول الشافعي ﵁ مجتهد يعتد به فهل يسعه المقام معها فقال على قول مشايخنا العراقين نعم وعلى قول الخراسانيين لا، قال مسجد الأئمة الترجماني ﵀ لا بأس بأن يوخذ في هذا ليذهب الشافعي لأن كثير من الصحابة في جانبه قال فقلت الشبهة وصح القول بالحل إذا اتصل به حكم الحاكم بفسخ التعليق وفيه رخصة عظيمة.
القسم الثالث فيما فيه الاستفتاء
لا تقليد في العقليات كوجود البارى وما يجوز ويجب ويمتنع من الصفات وإنما قال أبو حنيفة ﵁ بأن إيمان المقلد معتبر لمطابقته الواقع لا لجواز التقليد فإنه بالتقليد آثم.
وقال العنبرى بجوازه وطائفة بوجوبه وإن البحث والنظر فيه حرامان.
لنا أن معرفة الله تعالى واحبة إجماعًا ويمتنع بالتقليد لوجوه ثلاثة:
١ - جواز الكذب على المخبر.
٢ - اجتماع النقيضين في الحقية إذا قلد اثنان لاثنين في النقيضين.
ولم نقل إذا قلنا واحد لاثنين لئلا يردان تقليدًا أحدهما مانع من تقليد الآخر عادة كما يمتنع تواتر أحد النقيضين من تواتر الآخر.
لا يقال إنما يلزم حقيتها لو كان كل مقلد حقا.
لأنا نقول مقدم الشرطية إفادة التقليد اليقين فإذا جاز عدم إفادته فإنما يعلم إفادته بالنظر فيه لا بمجرد التقليد.
٣ - أنه إنما يفيد اليقين لو تيقن بجميع مقدماته ومن جملتها صدق المخبر فالعلم به
إن كان ضروريا لم يحتج إلى تقليده وإن كان نظريا فالمفيد لليقين ليس مجرد التقليد بل
هو مع الاستدلال.
للمجوز أولًا لو وجب النظر لما نهى عنه وقد نهى الصحابة ﵃ عن
стр. 856
الكلام في القدر في قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادلُ فِي آَيَاتِ اللهِ﴾ [غافر: ٤] قلنا المنهي عنه الجدال بالباطل لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وقد مر.
وثانيًا لوجب على الصحابة ﵃ ولنقل نظرهم كما نقل في الفروع.
قلنا نظروا وإلا لزمهم الجهل باللهِ تعالى وبصفاته وأنه باطل إجماعًا ولكن لم ينقل لوضوح الأمر عندهم بمشاهدة الوحي وصفاء الأذهان بخلاف الاجتهاديات التي لخفائها يتعارض فيها الإمارات.
وثالثًا: لألزم الصحابة ﵃ العوام به وليس فإن الأعرابي الجلف والأمة الخرساء يحكم بإسلامهما بمجرد الكلمتين.
قلنا ليس المراد تحرير الأدلة والجواب عن الشبهة بل الدليل الجملي الذي يحصل بأيسر نظر ويوجب الطمأنينة كاف وكان ذلك فيهم كما قال الأعرابى البعرة تدل على البعير وآثار القدم تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا يدلان على السميع الخبير.
لموجبه أن النظر مظنة الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف القرائح والأنظار بخلاف التقليد فيجب احتياطًا.
قلنا بعد النقض بدليله فإنه نظر في أمر عقلي يحرم النظر بذلك على المقلد أيضًا فإن نظر ارتكب الحرام وإن قلد لزم التسلسل إن أمكن محض التقليد ولا يمكن لوجوب النظر في صدق كل مخبر وبهذا يندفع منع لزومه باحتمال انتهائه إلى صاحب الوحي المؤيد من عند الله .
والحمد لوليه والصلاة والسلام على نبيه والسلام على الدوام.