← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98084

بصائر في الفتن

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (138 стр.). Показаны 106–138 · переход к 111.

стр. 106

فلما لم يدع أحدًا، قال له أبي: بِمَ تأمر إذن؟ قال: "لا أرى خير الناس اليوم: إلَّا عصابة ملبدة؛ خماص البطون من أموال الناس، خفاف الظهور من دمائهم" (١). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "وقلَّ مَنْ خرج على إمام ذي سلطان إلَّا كان ما تولَّد على فعله من الشر أعظم مما تولَّد من الخير" (٢). وقال -أيضًا-: " ... ولهذا استقرَّ أمر أهل السُّنَّة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبيِّ ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم" (٣) اهـ.

стр. 107

فصل (١) وكثر ما تتأكد العزلة في الفتن لأحد صنفين: أحدهما: من خشي على دينه أن يُفتن فيه، ويحول عنه. الثاني: من كان ذا بأس وشدة، يُخْشَى على الناس منه ومن بأسه، ومثله صاحب الرأي والمشورة والدهاء، الذي يُخشى على الناس من رأيه، ولذا ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال- لما ذُكرت عنده الفتن، وسُئل: أي أهل ذلك الزمان شر؟ - قال: "كل خطيب مِسقع، وكل راكب مُوضِع" (٢)؛ وذلك لأن الأول محرِّض على الفتنة بلسانه، والآخر بسنانه، فاجتمع الشران: شر القول، وشر العمل. فائدة العزلة وقت الفتن: - صيانة الدين عن المساس، والنفس عن التلف، والعِرض عن الضيم والانتهاك، والمالِ عن الضياع، وقلَّ من شارك في فتنة، وسلمت له هذه كلها. - سلامة الصدر على المسلمين، ولذلك أمر سعد ﵁ أهله ألا يُخبروه بشيء من أخبار الناس لما وقعت الفتنة حتى يجتمعوا على إمام.

стр. 108

- إطفاء الفتنة وإخماد نارها؛ لأن الناس كلما اعتزلوا الفتن؛ قلَّ أهلها، فَقَلَّ شرها، وكلما تشرَّفوا لها وقاموا وقعدوا فيها، كثَّروا سواد أهلها، فزاد شرها، وعظم خطبها. ولذلك بَوَّب البخاريّ في "صحيحه" في كتاب الفتن، فقال: باب من كره أن يُكَثِّر سواد أهل الفتن والظلم، وذكر فيه حديث أبي الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعثٌ فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة فأخبرته، فنهاني أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس ﵄: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يُكثِّرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ فيأتي السهم يصيب أحدهم فيقتله، أو يضر به فيقتله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]. تنبيهات الأول: اعلم -رحمك الله تعالى- أن العزلةَ لا تشرع مطلقًا، لكن لها حالات استثنائية تشرع فيها، وما ورد من النصوص في مدح العزلة مطلقًا يُحْمَل على أنه خاص بأفراد معينين تضر المخالطة بدينهم ودنياهم، أو أنه خاص بزمان الفتن التي أمر النبي ﷺ باعتزالها. الثاني: اعلم أن العزلة في إلفتن على وجهين بحسب الحاجة والمصلحة، وبحسب القدرة والاستطاعة: أحدهما: العزلة التامة في مكان بعيد عن الناس. والآخر: العزلة النسبية أو الجزئية؛ بحيث يعتزل الفتن وأهلها، ولا يشارك فيها، وإن كان مقيمًا بين ظهراني الناس.

стр. 109

الثالث: إذا خرج بُغَاة على الإِمام الشرعيّ، فالصواب مناصرته عليهم وعدم خِذْلانه بزعم مشروعية العزلة في مثل ذلك، قال الإِمام الطبري - رحمه الله تعالى-: "والصواب أن يُقال: إن الفتنةَ أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على كل مَنْ قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومَنْ أعان المخطئ أخطأ، وإن أُشكل الأمرُ فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها" (١) اهـ. الرابع: أما ما وقع بين الصحابة ﵁ من الاقتتال: "فلا يجوز أن يُنسب إلى أحد منهم خطأ مقطوع به؛ إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله وهم كلهم لنا أئمة، وقد تُعُبِّدنا بالكفِّ عَمَّا شجر بينهم، وألَّا نذكرهم إلَّا بأحسن الذكر؛ لحرمة الصحبة، ولنهي النبي ﷺ عن سَبّهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم" (٢). ومما يُنَجِّي من الفتنة لُزومُ الجماعة: من لطف الله تعالى بهذه الأمة المرحومة أنه- لا يجمعها على ضلالة أبدًا، بل الحق فيها دائم ما دامت الأمة، فقد ضمن ﵎ بقاء طائفة من الأمة ثابتة على الحق مستمسكة به حتى يأتيها أمر الله، وهي على ذلك.

стр. 110

عن أبي مسعود ﵁ قال: "اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بَرٌّ، أو يُستراحَ من فاجر، وعليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمَّد- ﷺ على ضلالة" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ إلى النار" (٢). وفي حديث عمر ﵁ مرفوعًا: " ... فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، ومن الاثنين أبعد، فمن سَرَّته حسنته، وساءته سيئته فهو مؤمن" (٣). وعن ابن مسعود ﵁ قال: "يا أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفُرْقَة" (٤).

стр. 111

وفي حديث حذيفة ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قال له: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كُلَّها، ولو أن تَعَضَّ على أصل شجرةٍ حتى يدركك الموتُ وأنت على ذلك" (١). وقال مطرف: قلت لعمران بن حصين: "أنا أفقر إلى الجماعة من عجوز أرملة؛ لأنها إذا كانت جماعة عرفتُ قبلتي ووجهي، وإذا كانت الفرقة التبس عليَّ أمري" قال له: "إن الله سيكفيك من ذلك ما تُحاذِر" (٢). وعن النعمان بن بشير ﵄ قال رسول الله ﷺ : "الجماعة رحمة، والفُرْقَة عذاب" (٣). ولما أتم ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ الصلاة بمنى أربع ركعات -خلافًا لما كان عليه رسول الله- ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، عجب الصحابة من صنيعه ذلك، حتى إن ابن مسعود ﵁ استرجع، وقال: "صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر ﵁ بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بمنى ركعتين،

стр. 112

فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان" (١)، وفي رواية أنه: "صلَّى أربعًا، فقيل له: عِبْتَ على عثمان ثم صليت أربعًا، قال: الخلاف شر" (٢). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "سبب الاجتماع والأُلفة جمع الدين، والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمر به باطنًا وظاهرًا. وسبب الفرقة: ترك حظ مما أُمر العبد به، والبغي بينهم. ونتيجة الجماعة: رحمة الله ورضوانه، وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة، وبياض الوجوه. ونتيجة الفرقة: عذاب الله ولعنته، وسواد الوجوه، وبراءة الرسول منهم" (٣) اهـ. ومن أهم المظاهر التي تشد المسلمين شدَّا إلى حبل الله وصراطه المستقيم المواظبة على حضور صلاة الجماعة حتى في أحلك أوقات الفتن، باعتبار ذلك من مظاهر التعاون على البرِّ والتقوى، وهي -إن لم تستأصل الفتنة- فإنها تُحَجِّم أضرارها، وتذكر المسلمين بأخوة الإيمان، ووحدة العقيدة، واستصحاب أصل الائتلاف والتلاحم. عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّان ﵁ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: "إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى،

стр. 113

وَيُصَلّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنتَحَرَّجُ، فَقَالَ: "الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ" (١). قال أبو مُحَمَّد بن حَزْم: "وكان ابنُ عمر يصلي خلف الحجَّاجِ ونجدةَ، أحدهما: خارجي (٢)، والثاني: أفسق البرية (٣)، وكان ابنُ عمر يقول: "الصلاةُ حَسَنَة ما أبالي مَن شَرَكَنِي فيها". وعن القاسم بن عبد الرحمن: أنهم قالوا لابن عمر في الفتنة الأولى: ألا تخرج فتقاتل؟ فقال: "قد قاتلتُ والأنصابُ بين الركن والباب، حتى نفاها الله من أرض العرب؛ فأنا أكره أن أقاتل من يقول: لا إله إلا الله"، قالوا: "والله ما رأيك ذلك، ولكنك أردت أن يُفْنِيَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ بعضُهم بعضًا حتى إذا لم يبقَ غيرُك، قيل: بايِعوا لعبد الله بن عمر بإمارة المؤمنين"، قال: "واللهَ ما ذلك فِيَّ، ولكن إذا قلتم: حَيَّ على الصلاة، أجبتكم، حَيَّ على الفلاح، أجبتكم، وإذا افترقتم لم أجامعكم، وإذا اجتمعتم لم أفارقكم" (٤).

стр. 114

وعن نافع، قال: قيل: لابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - زمنَ ابنِ الزبير، والخوارج، والخشبية: أتصلي مع هؤلاء، ومع هؤلاء، وبعضهم يقتل بعضا؟ قال: "من قال: حَيَّ على الصلاة، أجبته، ومن قال: حَيَّ على الفلاح، أجبته، ومَنْ قال: حَيَّ على قتل أخيك المسلم، وأَخْذِ ماله، قلت: لا" (١). وقال مسلم: كنا مع عبد الله بن الزبير والحجاج محاصره، وكان ابن عمر يصلي مع ابن الزبير، فإذا فاتته الصلاة معه وسمع مؤذن الحجاج، انطلق فصلى معه، فقيل: لِمَ تصلي مع ابن الزبير ومع الحجاج؟ فقال: "إذا دعونا إلى الله أجبناهم، وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم"، وكان ينهى ابنَ الزبير عن طلب الخلافة والتعرض لها (٢). وعن ابن جريج: قلتُ لعطاء: أرأيت إمامًا يؤخر الصلاة حتى يصليها مفرِّطًا فيها، قال: "أصلي مع الجماعة أحبُّ إليَّ". وعن أبي الأشعث قال: ظهرت الخوارج علينا، فسألتُ يحيي بنَ أبي كثير، فقلت: يا أبا نصر، كيف ترى في الصلاة خلف هؤلاء؟ قال: "القرآنُ إمامُك، صَلِّ معهم ما صَلَّوْها". وعن الحسن قال: "لا تضر المؤمنَ صلاتُه خلف المنافق، ولا تنفع المنافقَ صلاتُه خلف المؤمن".

стр. 115

قال علي (١): ما نعلم أحدًا من الصحابة ﵁ امتنع من الصلاة خلف المختار، وعبيد الله بن زياد، والحجاج، ولا فاسق أفسق من هؤلاء، وقد قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (٢).

стр. 116

مواجهة الفتنة بالعمل الصالح في مواطن الفتن والنوازل ينشغل كثيرٌ من الناس بتتبع الأخبار، ويولعون بذلك، ومِن ثَمَّ يغلب على أحاديث المجالس: "سمعت، ورأيت، وأتوقع، ولو كان كذا كان أولى، ولو قُدّم هذا أو أُخِّر ذاك لكان أحرى"، مما يصرف هممهم عن النوافل المستحبة، وربما فرَّطوا في الواجبات، أو أخرجوا الصلاة عن وقتها بسبب السهر في السمر والجدل مثلًا، بجانب الإخلال بواجبات المعاش، وحقوق الأهل والأولاد. كل ذلك بسبب السهر في قيل وقال، والإغراق في تصفح الجرائد والمجلات، ومتابعة القنوات، بل الشغف بذلك إلى حد إدمانها والوقوع في أسرها (١). وهذا كله انحراف عن الهدي النبوي في التعامل مع الفتنة، وقد قال- ﷺ : "خير الهدي هديُ محمَّد ﷺ " (٢)، فكيف كان هديه- ﷺ في ذلك؟ عن أبي هريرة ﵁ "قال رسول الله ﷺ :

стр. 117

"بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مومنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" (١). وكان الحسن البصريّ -رحمه الله تعالى- يقول في هذا الحديث: "يصبح الرجل مُحَرِّمًا لدم أخيه وعِرضه وماله، ويمسي مستحلًّا له، ويُمسي مُحَرِّمًا لدم أخيه وعرضه وماله، ويصج مستحلًّا له" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم" (٣). وعن أم سلمة ﵂ قالت: استيقظ رسول الله ﷺ ليلةً فَزِعًا يقول: "سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل (٤) من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يصلين (٥)؟ ربَّ كاسيةٍ في الدنيا عارية في الآخرة" (٦).

стр. 118

فالعمل الصالح وسيلة للثبات على الحق، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]. وإن النفس وقت الفتن إن لم يبادر المؤمن بإشغالها بالحق، شغلته بالباطل ولا بد. قال الحسن البصريّ -رحمه الله تعالى-:"نفسك إن لم تشغلها بالحق؛ شغلتك بالباطل". وصاحب الأعمال الصالحة لا يخزيه الله أبدًا: ففي حديث بدء الوحي قالت خديجة ﵂ للنبي- صلى الله عليه سلم-: "كلا والله! لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتَقْرِي الضيفَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتُعين على نوائب الحق" (١). ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء" (٢). وُيروى أن الفتنة لما وقعت، قال طلق بن حبيب: "اتقوها بالتقوى". وعن معقل بن يسار ﵁ قال رسول الله ﷺ : "العبادة في الهَرْج كهجرة إليَّ" (٣). قال الأُبِّيُّ المالكي -رحمه الله تعالى-: "الهَرْجُ: الفنتة والاختلاط، ووجه التشبيه: أن المهاجر فَرَّ بدينه ممن يصده عنه إلى الاعتصام برسول الله ﷺ وكذلك هذا

стр. 119

المنقطع للعبادة في الفتنة فَرَّ عن الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه ، فهو مهاجر إلى الله " (١). وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠] لأن الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا فعلوا ذلك في وقت خوف وقلة، بخلاف من فعل ذلك بعد الفتح، فإنهم- وإن كانوا موعودين بالحسنى- إلا أنهم أنفقوا وقاتلوا بعد عزة الإِسلام وقوة أهله (٢). وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وذلك لأن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر. وقال- جلَّ وعلا- مخاطبًا خليله محمدًا- ﷺ : ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]. فأمره- ﷺ بأن يفزع إلى الصلاة والذكر إذا ضاق صدره بما يقوله أعداء الدين، فإن في ذلك شرحًا للصدر، وتفريجًا للكربة، وهكذا كان هديه ﷺ ؛ فقد كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، قال حذيفة ﵁: "رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان رسول الله ﷺ إذا حَزَبه أَمْرٌ صَلى" (٣).

стр. 120

وعن أمير المؤمنين عليٍّ ﵁ قال: "لقد رأيتنا ليلة بدر، وما فينا إنسان إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ فإنه كان يصلي إلى شجرة، ويدعو حتى أصبح" (١). ويُروى أن ثابتًا قال: (كان النبي ﷺ إذا أصابته خصاصة نادى بأهله: "صلوا، صلوا". قال ثابت: "وكان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة") (٢). ورُوي عن أبي الدرداء ﵁ قال: "كان النبي، ﷺ إذا كان ليلة ريح شديدة، كان مفزعه إلى المسجد حتى تسكن الريح، وإذا حدث في السماء حدث من خسوف شمس أوقمر كان مفزعه إلى الصلاة حتى ينجلي" (٣). وهكذا كان شأن الصحابة الأبرار ﵃، فقد رُوِيَ عن النضر أنه قال: (كانت ظلمة على عهد أنس، فأتيته، فقلت: "يا أبا حمزة، هل كان هذا يصيبكم على عهد رسول الله ﷺ ؟ " فقال: "معاذ الله! إن كانت الريح لتشتد فنبادر إلى المسجد مخافة أن تكون القيامة") (٤).

стр. 121

هكذا كان شأن الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان في كل جيل مع الصلاة شأن الجندي مع سيفه، وشأن الغني مع ثروته، وشأن الطفل الصغير مع بكائه وصراخه، واستعطافه للأم الحنون، بل كانوا أكثر إدلالًا وثقة بصلاتهم، وأقوى اعتمادًا عليها من كل ذلك، وأصبح ذلك طبيعة لهم لا تفارقهم، فإذا أفزعوا أو أثيروا، وإذا دهمهم عدو، أو تأخر عليهم فتح، أو التبس عليهم أمر، التجئوا إلى الصلاة، وفزعوا إليها. وفي أعقاب معركة اليرموك، وقف ملك الروم يسائل فلول جيشه المهزوم: "ويلكم، أخبروني عن هؤلاء الذين يقاتلونكم، أليسوا بشرًا مثلكم؟! " قالوا: "بلى أيها الملك"، قال: "فأنتم أكثر أم هم؟! " قالوا: "بل نحن أكثر منهم في كل موطن"، قال: "فما بالكم إذن تنهزمون؟! " فأجابه شيخ من عظمائهم: "إنهم يهزموننا؛ لأنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويتناصفون بينهم" (١). فللصلاة خصوصية في دفع الفتن ورفعها: عن عبيد الله بن عدي بن خيارأنه دخل على عثمان بن عفان ﵁ وهو محصور، فقال: لا إنك إمام عامة (٢)، ونزل بك ما نرى (٣)،

стр. 122

ويصلي لنا (١) إمام فتنة (٢)، ونتحرج"، فقال: "الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم (٣)، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم" (٤). قال الحافظ ابن حجر- ﵁: "وفي هذا الأثر الحض على شهود الجماعة، ولا سيما في زمن الفتنة؛ لئلا يزداد تفرق الكلمة، وفيه أن الصلاة خلف من تُكره الصلاةُ خلفَه أولى من تعطيل الجماعة" (٥).

стр. 123

الدعاء والتضرع في الفتن الضراعة إلى الله تعالى من أسباب كشف الغمة وتفريج الكربة؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٢، ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)﴾ [الأعراف: ٩٤]. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بقوم مبتلَيْنَ، فقال: "أما كان هؤلاء يسألون العافية؟! " (١). وكان الحسن البصريّ يقول: "إن الحجاج عذابُ الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦]. وعند الفتن تطيش العقول، وتحتار النفوس فلا تدري ماذا تعمل؟ وفي هذا الموقف يغفل كثير من الناس عن سلاح عظيم كان عُدَّةً للأنبياء والصالحين على مر الزمان، ألا وهو الدعاء، قال تعالى عن نبيه نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾ [القمر: ١٠، ١١] وقال عن نبيه ذي النون: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧].

стр. 124

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]، وقال- ﷺ : "الدعاء هو العبادة". (١) وقال- ﷺ : "أعجز الناس من عجز عن الدعاء" (٢). ومن شأن الفتن أن تشتبه فيها الأمور، ويغمض وجه الحق ويلتبس على الجمهور، إلا من عصم الله ورحم، فمن أعظم أسباب النجاة منها الاعتصام بالله تعالى والاستغاثة به، ودعاؤه، فإنه القائل في الحديث القدسي: "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم" الحديث (٣). وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين ﵂: بأي شيء كان نبي الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: "كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه

стр. 125

يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (١). فالهداية إلى الحق والاستبصار به وقت الفتن منحة ربانية، وهبة إلهية، قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وكان إبراهيم التيمي - رحمه الله تعالى- يقول: "اللهم اعصمني بدينك وسنة نبيك من الاختلاف في الحق، ومن اتباع الهوى، ومن سبل الضلال، ومن شبهات الأمور، ومن الزيغ والخصومات". وعن أبي هريرة ﵁ قال: "تكون فتنة لا ينجي منها إلا دعاءٌ كدعاء الغريق" (٢). وعن حذيفة ﵁ قال: "ليأتين على الناس زمان، لا ينجو فيه إلا من دعا كدعاء الغريق" (٣). وعن يحيى بن سعيد قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يصلي من الليل حين نشب الناس في الفتنة، ثم نام، فأُرِيَ في المنام، فقيل له: "قم فسل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالحَ عبادهِ"، فقام يصلي، ثم اشتكى، فما خرج إلا جنازة (٤).

стр. 126

وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: لما نشب الناس في الطعن علي عثمان رضي الله تعالى عنه، قام أبي يصلي من الليل، وقال: "اللهم، قني من الفتنة، بما وقيت به الصالحين من عبادك"؛ قال: فما خرج إلا جنازة. (١) وعن عون بن عبد الله بن عتبة قال: بينا رجل بمصر في بستان -زمن فتنة آل الزبير- جالسًا، كئيبًا، حزينًا، يبكي، ينكث (٢) الأرض بشيء معه؛ فرفع رأسه، فإذا صاحب مسحاة (٣)، قد مُثِّل له، فقال: "ما لي أراك مهمومًا حزينًا؟ " فكأنه ازدراه، فقال: لا شيء؛ فقال: "أبالدنيا؟ فإن الدنيا عَرَضٌ (٤) حاضر، يأكل منها البر والفاجر، أم بالآخرة؟ فإن الآخرة أجل صادق، يُفصَل فيه بين الحق والباطل؛ قال: حتى ذكر أن لها مفاصلَ كمفاصل اللحم، من أخطأ منها شيئًا أخطأ الحق" قال: فكأنه أعجبه بذلك من كلامه؛ قال: اهتمامي بما فيه المسلمون؛ فقال: "إن الله سينجيك بشفقتك على المسلمين، وسل، مَن ذا الذي سأل اللهَ فلم يعطه، أو دعا الله فلم يجبه، أو توكل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم ينجه؟ " قال: فعلقت الدعاء، فقلت: "اللهم سلمني، وسلم مني"؛ قال: فتجلت الفتنة ولم تصب منه شيئًا. (٥)

стр. 127

التعوذ بالله تعالى من الفتن أمر النبي ﷺ أصحابه ﵁ بالتعوذ بالله من الفتن، فقال- ﷺ : "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها ومن بطن". (١) وصح عنه ﷺ التعوذُ بالله من كثير من الفتن: - مثل قوله ﷺ : "وأعوذ بك من فتنة الدنيا" (٢). - وقوله ﷺ : "وأعوذ بك من فتنة الغنى" (٣). - وقوله ﷺ : "وأعوذ بك من شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال" (٤). - وقوله ﷺ : "وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" (٥). وقال الإِمام البخاريّ -رحمه الله تعالى-: "بَاب التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ"، ثم روى حديث أنس ﵁ قَالَ: سَأَلُوا النَّبيَّ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالمَسْأَلَةِ، وفيه: "أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا باللهِ رَبًّا،

стр. 128

وبالإِسْلامِ دِينًا، وَبمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ باللهِ مِنْ سُوءِ الفِتَنِ ... " وقال أنس- لمَّا حَدَّثَ بالحديث- "عَائِذًا بالله مِنْ شَرِّ الفِتَنِ" (١). وقال البخاريّ في "صحيحه": وقال ابنُ أبي مُليكة: "اللهمَّ، إنا نعوذ بك أن نرجعَ على أعقابنا، أو نُفْتَنَ" (٢). ولما رأى النبي ﷺ عمار بن ياسر ﵁ وهو يحمل لَبِنتين لبنتين أثناء بناء المسجد؛ أخذ ينفض التراب عنه، ويقول؛ "ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار" قال عمار ﵁: "أعوذ بالله من الفتن" (٣). قال الحافظ ابن حجر- ﵁: "فيهِ دليلٌ عَلَى استحبابِ الاستعاذة من الفتن، ولو علم المرءُ أنه متمسكٌ فيها بالحق؛ لأنها قد تفضي إلى وقوع ما لا يرى وقوعه، قال ابنُ بطال: وفيه ردٌّ للحديث الشائع: "لا تستعيذوا بالله من الفتن؛ فإن فيها حصادَ المنافقين". قلتُ: وقد سُئل ابن وهب قديمًا عنه فقال: إنه باطلٌ" (٤). إذا اعتصم المخلوقُ مِن فتنِ الهوى ... بخالِقِهِ نجَّاه منهن خالِقُهْ

стр. 129

حكم تمني الموتِ في الفتنة عن أبي بكرةَ ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله أيُّ الناس خير؟ فقال النبي ﷺ : "من طال عُمُره، وحَسُنَ عملُه"، قالوا: يا رسول الله، وأي الناس شر؟ قال: "مَنْ طال عُمره، وساء عمله" (١). وعن عبد الله بن شداد قال: جاء ثلاثة وهط من بني عُذْرة إلى النبي- ﷺ فأسلموا، قال: فقال النبي ﷺ : "من يكفيني هؤلاء؟ " قال: فقال طلحة: أنا، قال: فكانوا عندي، قال: فضُرب على الناس بعث، قال: فخرج أحدهم فاستُشهِد، ثم ضُرِب بعث فخرج الثاني فيه فاستشهد، قال: وبقى الثالث حتى مات مريضًا على فراشه، قال طلحة: فرأيت في النوم كأني أُدِخلتُ الجنةَ فرأيتهم، أعرفهم بأسمائهم وسيماهم، قال: فإذا الذي مات على فراشه دخل أولهم، وإذا الثاني من المستشهدين على أثره، وإذا أولهم آخرهم، قال: فدخلني من ذلك، قال: فأتيت النبي ﷺ : فذكرت ذلك له، فقال النبي ﷺ : "ليس أحدٌ عند الله أفضلَ من مُعَمَّرٍ يُعَمَّرُ في الإِسلام لتهليله وتكبيره وتسبيحه وتحميده" (٢).

стр. 130

وعن طلحة بن عبيد الله؛ أن رجلين من بَلِيٍّ قدما على رسول الله ﷺ ، وكان إسلامهما جميعًا، فكان أحدهما أشدَّ اجتهادًا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم تُوُفي، قال طلحة: فرأيت في المنام: بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة، فأذِن للذي توفي الآخِرَ منهما، ثم خرج، فأذن للذي استُشهد، ثم رجع إليَّ فقال: "ارجع، فإنك لم يأنِ لك بعدُ"، فأصبح طلحة يحدّث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، وحدَّثوه الحديث، فقال: "مِنْ أَيِّ ذلِكَ تَعْجَبُونَ؟ " فقالوا: يا رسول الله! هذا كان أشد الرجلين اجتهادًا، ثم استُشهد، ودخل هذا الآخر الجنةَ قبله، فقال رسول الله ﷺ : "أَلَيْسَ قدْ مَكَثَ هذا بَعْدهُ سنة؟ " قالوا: بلى. قال: "أَدرَكَ رمضان، فصام، وصلَّى كذا وكذا من سجدةٍ في السُّنَّةِ؟ " قالوا: بلى، قال رسول الله ﷺ : "فما بَيْنَهُمَا أبعد ممَّا بين السَّمَاء والأرض" (١). وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنَّينَّ أحدُكم الموتَ لِضُرٍّ نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا فليقل: اللهمَّ أحيني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي" (٢).

стр. 131

وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنَّينَّ أحدُكم الموتَ، ولا يَدْع به مِن قبل أن يأتيَه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عملُه، وإنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرًا" (١). وعند البخاريّ: "لا يتمنَّينَّ أحدُكم الموتَ: إما محسنًا فلعله أن يزدادَ خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يَسْتَعْتِبَ (٢) " (٣). فإن قيل: كيف- مع هذا- تمنى يوسف ﵇ الموتَ في قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وكذا قالت مريم- ﵍: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]؟ أجاب القرطبي -رحمه الله تعالى- في "تفسيره" إذ قال: "فكيف يقال: إن يوسف تمنى الموت والخروج من الدنيا وقطع العمل؟ هذا بعيد! إلا أن يقال: إن ذلك كان جائزًا في شرعه، وإما أنه يجوز تمني الموت والدعاء به عند ظهور الفتن وغلبتها، وخوف ذهاب الدين" (٤). وقال- في "التذكرة": (قال الله تعالى مخبرًا عن يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]

стр. 132

قال قتادة: "لم يتمنَّ الموت أحدٌ نبيٌّ ولا غيره إلا يوسف، حين تكاملت عليه النعم، وجُمع له الشملُ، اشتاق إلى لقاء ربه ، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي﴾ [يوسف: ١٠١]. فاشتاق إلى لقاء ربه . وقيل: إن يوسف ﵇ لم يتمنَّ الموت، وإنما تمنى الوفاة على الإِسلام؛ أىِ: إذا جاء أجلي توفني مسلمًا، وهذا هو القول المختار في تأويل الآيهَ عند أهل التأويل). اهـ (١). أما مريم- ﵍ فقال القرطبىِ - رحمه الله تعالى- في "التذكرة": و"أما مريم- ﵍ فإنما تمنت الموت لوجهين (٢): أحدهما: أنها خافت أن يُظن بها الشرُّ في دينها وتُعَيَّر، فيفتنَها ذلك. الثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والزور، والنسبة إلى الزنى، وذلك مهلك لهم، وقد قال الله في حق من افترى على عائشة ﵂: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]، وقال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] " (٣).

стр. 133

ذكر أدلة السُّنَّة على جواز تمني الموت إذا خاف على دينه من الفتن عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسولَ الله ﷺ أخبر عن الله أنه قال: "سل" قلت: "اللهم، إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحُبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردتَ فِتنةً في قومٍ فتوفني غيرَ مفتونٍ، وأسألك حُبَّك، وحُبَّ من يُحبك، وحبَّ عملٍ يقرب إلى حبك" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "ويل للعرب من شر قد اقترب، موتوا إن استطعتم". (٢) قال القرطبي - رحمه الله تعالى-: "وهذا غاية في التحذير من الفتن والخوض فيها حين جعل الموتَ خيرًا من مباشرتها" (٣). اهـ. وعن محمود بن لَبيد ﵁ مرفوعًا: "اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموتُ خيرٌ للمومن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلةُ المالِ أقلُّ؟ للحساب" (٤).

стр. 134

وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يَمُرَّ الرجلُ بقبر الرجلِ، فيقول: يا ليتني مكانَهَ (١)، [ما به حُبُّ لقاءِ اللهِ (٢)] ". ويشهد لهذه الزيادة ما رواه أبو حازم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: "يا ليتني كنتُ مكانَ صاحبِ هذا القبرِ، وليس به الدينُ، إلا البلاء" (٣). قال القرطبي -رحمه الله تعالى-: "وكأن هذا إشارة إلى أن كثرة الفتن وشدة المحن والمشقات والأنكاد اللاحقة للإنسان في نفسه وماله وولده قد أذهبت الدينَ منه ومِن أكثر الناس، أو قللت الاعتناء به من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن، ولذلك عظم قدر العبادة في حالة الفتن، حتى قال النبي ﷺ : "العبادة في الهَرْجِ كهجرةٍ إليَّ (٤) ". اهـ (٥). وقال أيضًا- ﵁: "وأما الحديث: فإنما هو خبر أن ذلك يكون لشدة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين، وضعفه، وخوفِ ذَهابه، لا لضُر ينزل بالمرء في جسمه أو غير ذلك من ذهاب ماله

стр. 135

مما يحط به عنه خطاياه، ومما يوضح هذا المعنى ويبينه قوله ﷺ : (اللهم، إني أسألك فعلَ الخيرات، وترك المنكرات، وحُبَّ المساكين، وإذا أردت -ويُروى: أدرت- في الناس فتنة؛ فاقبضني إليك غير مفتون) رواه مالك (١)، ومثل هذا قول عمر ﵁: (اللهم، قد ضعفت قوتي، وكبرت سنين، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيِّع ولا مُقصِّر)، فما جاوز ذلك الشهرَ حتى قُبِض ﵁ رواه مالك (٢) -أيضًا". اهـ (٣). وقال الألباني -رحمه الله تعالى-: "ومعنى الحديث أنه لا يتمنى الموت تديُّنًا وتقربًا إلى الله وحبًّا في لقائه، وإنما لِما نزل به من البلاء والمحن في أمور دنياه، ففيه إشارة إلى جواز تمني الموت تدينًا، ولا ينافيه قوله- ﷺ : "لا يتمنينَّ أحدُكم الموتَ لضر نزل به .. "؛ لأنه خاص بما إذا كان التمني لأمر دنيوي كما هو ظاهر، قال الحافظ: "ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من

стр. 136

السلف، قال النووي: لا كراهة في ذلك، بل فَعَلَه خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب ﵁ ... " (١). اهـ. وفي كتاب "الفتن" من رواية عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁ قال: "يوشك أن تمر الجنازة في السوق على الجماعة فيراها الرجل، فيهز رأسه، فيقول: ياليتني مكان هذا"، قلت: يا أبا ذر! إن ذلك لَمِن أمرٍ عظيم، قال: أجل (٢). قال ابن وهب: وحدَّثني مالك قال: كان أبو هريرة ﵁ يلقى الرجل فيقول له: "مت إن استطعت"، فيقول له: لِمَ؟ قال: "تموت وأنت تدري على ما تموت، خير لك من أن تموت وأنت لا تدري على ما تموت عليه" (٣). وأخرج الحاكم من طريق أبي سلمة قال: عدت أبا هريرة، فقلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: "اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمانٌ الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، وليأتين أحدُهم قبر أخيه، فيقول: ياليتني مكانه" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "إذا رأيتم ستًّا فإن كانت نفسُ أحدِكم في يده، فليرسلها؛ فلذلك أتمنى الموتَ، أخافُ أن تدركَني:

стр. 137

إذا أُمِّرتِ السفهاء، وبيع الحُكْمُ، وتُهُوِّنَ بالدم، وقُطعت الأرحام، وكَثُرت الجلاوزة (١)، ونشأ نشء يتخذون القرآن مزامير" (٢). ورُوي عن ابن مسعود ﵁ قال: "سيأتي عليكم زمانٌ، لو وجد أحدُكم الموتَ يُباعُ، لاشتراه". وقد قيل: وهذا العيشُ ما لا خير فيه ... ألا موتٌ يُباع فأشتريه وعن عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، وسُئل عن الرجل يتمنى الموت؛ قال: "ما أرى بذلك بأسًا: إذ يتمنى الموتَ الرجلُ، مخافة الفتنة على دينه؛ ولكن: لا يتمنى الموت من ضربة أوفاقة، أو شيء مثل هذا"؛ ثم قال عبد الرحمن: "تمنى الموتَ أبو بكر وعمر ومَن دونهما"؛ وسمعته ونحن مقبلون من جنازة عبد الوهاب؛ فقال: "إني لأشم ريح فتنة، إني لأدعو الله أن يسبقني بها"؛ وسمعته يقول: "كان لي إخوان، فماتوا ودُفِعَ عنهم شَرُّ ما نرى، وبقينا بعدهم؛ وما بقي لي أخ، إلا هذا الرجل يحيي بن سعيد؛ وما يُغْبَطُ اليوم: إلا مؤمن في قبره" (٣).

стр. 138

وهذا آخر ما قصدت جمعه في هذا الكتاب، بمعونة الملكِ الوهاب، سائلًا الله أن يجنبنا مُضِلَّاتِ الفتن، وأن يعصِمنا من المِحَن، وأن يغفر لنا ذنوبنا التي جنيناها في السر والعلن، والحمد لله رب العالمين.