← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98084

بصائر في الفتن

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (138 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال إبراهيم بن أدهم: "إذا اغتممت بالسكوت، فتذكر سلامتك من زلل اللسان" (١). وعن مروان بن محمَّد، قال: قيل لإبراهيم بن أدهم: "إن فلانًا يتعلم النحو"، فقال: "هو إلى أن يتعلمَ الصمتَ أحوجُ" (٢). وعن المُعَلَّى، قال: قال مورِّق: "أمْرٌ أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة، لم أقدر عليه، ولستُ بتاركٍ طلبَه أبدًا"، قالوا: "وما هو يا أبا المعتمر؟ "، قال: "الكفُّ عما لا يعنيني" (٣). وقال رياح القيسي: قال لي عتبة الغلام: "يا رياح، إن كنتُ كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمتُ، فبئس الناظرُ لها أنا، يا رياح، إن لي موقفًا يُغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول" (٤). وقال طاوس:"لساني سَبُع، إن أرسلتُه أكلني" (٥). وعن شيخ من قريش قال: قيل لبعض العلماء: "إنك تُطيل الصمتَ"، فقال: "إني رأيتُ لساني سَبُعًا عَقورًا، أخافُ أن أخَلِّيَ عنه فَيَعْقِرني" (٦).

стр. 72

وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "والكلام أسيرك، فإذا خرج من فِيكَ صِرْتَ أنت أسيرَه، واللهُ عندَ لسانِ كلِّ قائلٍ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨] " (١). وقال بعضهم: "رأيت مالكًا صامتًا لا يتكلم، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، إلَّا أن يكلمه إنسان فيسمع منه، ثم يجيبه بشيء يسير، فقيل له في ذلك، فقال: وهل يَكُبُّ الناسَ في جهنم إلَّا هذا؟ وأشار إلى لسانه" (٢). وعن أبي بكر بن عياش قال: "أدنى نفعِ السكوتِ السلامةُ،- وكفى به عافية، وأدنى ضررِ المنطقِ الشهرةُ، وكفى بها بلية" (٣). ما إن ندمت على سكوتي مرّة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا وعن إبراهيم، قال: "كانوا يجلسون، فأطولهم سكوتَا أفضلُهم في أنفسهم" (٤). وعن محارب، قال: "صحبنا القاسم بن عبد الرحمن فغلبنا بثلاث: بكثرة الصلاة، وطولِ الصمت، وسخاء النفس" (٥). وحضر ابن المبارك يومًا عند الثوري، فلم يتكلم بحرف حتى قام، فلما قام قال الثوري لأصحابه: "وددت أني أقدر أن أكون مثلَه" (٦).

стр. 73

وقال عبد الله بن أبي زكريا: "عالجتُ الصمتَ ثنتي عشرةَ سنةً، فما بلغتُ منه ما كنت أرجو" (١). وعن مالك، عن سعيد بن أبي هند، قال: "وجدت الصمت أشدَّ من الكلام" (٢). وعن أرطاة بن المنذر قال: "تعلَّم رجل الصمتَ أربعين سنة، بحَصَاةٍ يضعها في فيه، لا ينزِعُها إلَّا عند طعام، أو شراب، أو نوم" (٣). قال الإِمام مُوَرِّقٌ العِجْلِيُّ: "تعلمت الصمت في عشر سنين، وما قلتُ شيئًا قَطُّ إذا غضبت، أندم عليه إذا زال غضبي" (٤). الموازنة بين الصمت والكلام: فليكن الأصل هو الصمت؛ إذ يكفي في فضل الصمت كونه أقوى وسيلة وقائية من الغِيبة وأخواتها من آفات اللسان، والسلامة لا يعدلها شيء إلَّا مَن تيقن مِن حصول الغنيمة بالكلام. روُيَ عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، قالت: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ كلام ابن آدمَ عليه، لا له، إلَّا أمرٌ بمعروف، أو نهيٌ عن منكر، أو ذِكرٌ لله" (٥).

стр. 74

وقال الإِمام النووي -رحمه الله تعالى-: "اعلم أنه ينبغي لكل مكلَّف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلَّا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلامُ وتركُه في المصلحة، فالسُّنَّة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجرُّ الكلامُ المباح إلى حرام أو مَكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة (١) لا يعدلها شيء. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، قال: (مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) متفق عليه (٢)، وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي ألَّا يتكلم إلا إذا كان الكلامُ خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحتُه، ومتى شكَّ في ظهور المصلحة فلا يتكلم" (٣) اهـ. وقد قال الإِمام الشافعي ﵀: "إذا أراد الكلامَ فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر" (٤) اهـ.

стр. 75

وقال رجل لسلمان الفارسي ﵁: "أوصني"، فقال: "لا تتكلم! " قال: "ما يستطيع من عاش في الناس ألَّا يتكلم"، قال: "فإن تكلمتَ فتكلم بحق، أو اسكت" (١). قال الشافعي ﵀: وجدتُ سكوتي متجرًا فَلَزِمتُه ... إذا لم أَجِدْ ربحًا فلستُ بخاسرِ وقال -أيضًا-: قالوا سكتَّ وقد خوصمتَ قلتُ لهم ... إن الجوابَ لبابِ الشرِّ مفتاحُ وقال مرةً رجل: "ما أشدَّ البرد اليوم! " فالتفت إليه المعافى بن عمران، وقال: "استدفأت الآن؟! لو سكتَّ؛ لكان خيرًا لك" (٢). وقال أبو بكر بن محمَّد بن القاسم: كان شيخنا أبو إسحاق الشيرازي إذا أخطأ أحد بين يديه، قال: "أيُّ سكتةٍ فاتتك؟ " (٣).

стр. 76

حفظ اللسان في الفتن قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]، فمن سُنَّة الجهاد البُداءَة بالعدو الأقرب فالأقرب، والنفس الأمَّارة بالسوء بين جنبي الإنسان هي أقرب أعدائه إليه، فليبدأ بمجاهدتها وقمعها، خصوصًا وأنها التي تأمر اللسان بالغِيبة، والنميمة، والجدل، والمراء، والكذب، والخوض في الفتن. عن فضالة بن عبيد ﵁، قال رسول الله ﷺ : "المجاهد من جاهد نفسه في الله " (١). وعن أبي ذر ﵁، قال رسول الله ﷺ : "أفضل الجهاد: أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله " (٢). وقال أبو حازم ﵀: "قاتِل هواك أشدَ مما تقاتل عدوك" (٣). ويتأكد وجوب حفظ اللسان وقت الفتن لما لِلِّسان من أثر في إشعالها، وقد يحسب المغرور أنه إذا كفَّ يده فقد اعتزل الفتن، ولا يدري أنه لا ينجو منها حتى يكف لسانه أيضًا، وكم من خائضٍ في الفتن متلوثٍ بها بلسانه، وهو يظن أنه ناجٍ منها، وهو من أنشط الساعين فيها،

стр. 77

المُضْرِمين نارَها، ومِن ثَمَّ قال وهيب بن الورد ﵀: "وجدتُ العزلة في اللسان" (١). وعن عبد الله بن المبارك قال: قال بعضهم في تفسير العزلة: "هو أن يكون مع القوم، فإن خاضوا في ذكر الله فخُض معهم، وإن خاضوا في غير ذلك فأسكت" (٢). وعن حذيفة ﵁، قال: "إن الفتنة وُكِّلَتْ بثلاث: بالحادِّ النِّحْرِيرِ الذي لا يرتفع له شيء إلَّا قمعه بالسيف (٣)، وبالخطيب الذي يدعو إليها (٤)، وبالسيد (٥)، فأما هذان فتبطحهما لوجوههما، وأما السيد فتبحثه، حتى تبلو ما عنده" (٦). وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال لما ذُكِرت عنده الفتن، وسُئل: أي أهل ذلك الزمان شر؟ قال: "كل خطيب مِسْقَعٍ (٧)، وكل راكب مُوضِع" (٨).

стр. 78

والنصوص التالية تجسِّد لنا خطورة وَقْعِ اللسان في الفتن: عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "تكون فتنة تَسْتَنْظِفُ (١) العرب، قتلاها في النار (٢)، اللسانُ فيها أشدُّ (٣) من وقع السيف" (٤).

стр. 79

ورُوي عن أبي هريرة ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قال: "ستكون فتنة صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ (١) من أشرف لها اسْتَشْرَفَتْ له، وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف" (٢). ورُوي عن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : "إياكم والفتن، فإن اللسان فيها مثل وقع السيف" (٣). وعن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: بينما نحن حول رسول الله ﷺ إذ ذكروا الفتنة، أو ذُكِرتْ عنده، قال: "إذا رأيتم الناسَ قد مَرِجَتْ عهودُهم، وخَفَّت أماناتُهم، وكانوا هكذا" -وشَبَّك بين أصابعه- قال: فقمتُ إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: "الزم بيتك، واملكْ عليك لسانك، وخُذْ بما تَعْرِفُ، ودَعْ ما تُنكِر، وعليك بأمر خاصةِ نفسك، ودَع عنك أمرَ العامة" (٤).

стр. 80

ولما كان "الدفع أسهل من الرفع" و"الوقاية خيرًا من العلاج"، أثنى النبي ﷺ على من يلزم بيته اتقاءً لآفات اللسان واحترازًا من الغيبة، والنميمة، والجدل، والسعاية وغير ذلك مما يكون وقودًا لإضرام نار الفتن. عن معاذ بن جبل ﵁، قال رسول الله ﷺ : " ... ومن جلس في بيته لم يغتب إنسانا كان ضامنًا على الله" (١). وهذا يدل على فضيلة من اعتزل مجالس الناس، ولزم بيته بنية كف شر لسانه عن إخوانه المؤمنين، كما قال- ﷺ في أفضل الأعمال بعد الجهاد: "مؤمن في شِعْبٍ من الشِّعاب يعبد الله، ويَدَعُ الناسَ مِنْ شَرِّه" (٢). وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله - صلى الله عليه وسم- خرج عليهم وهم جُلُوس في مجلسٍ، فقال: "ألا أخبركم بخير

стр. 81

الناس منزلًا؟ "، فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: "رجل آخِذٌ برأس فرسه في سبيل الله حتى عُقرت أو يُقتل، فأخبركم بالذي يليه؟ "، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "امرؤ معتزل في شِعْب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس" (١). الحديث. وقال شقيق البلخي: "اصحب الناس كما تصحب النار، خذ منفعتها، واحذر أن تُحرِقَك" (٢). وقال عبد الله بن داود: "من أمكن الناسَ من كل ما يريدون، أضروا بدينه ودنياه" (٣). وعن زياد بن حدير، قال: "لوددتُ أني في حَيِّزٍ من حديد، ومعي ما يُصلحني، لا أُكَلِّم الناسَ، ولا يكلموني حتى ألقى الله تبارك تعالى" (٤).

стр. 82

تورع السلف عن آفات اللسان في الفتن قال إياس بن معاوية بن قُرَّة -رحمه الله تعالى-: "كان أفضلهم عندهم -أي عند الصحابة ﵃ أسلمهم صدورًا، وأقلهم غِيبة" (١). وعن طارق بن شهاب، قال: كان بين خالدٍ وسعدٍ كلام، فذهب رجل يقع في خالدٍ عند سعد، فقال: "مه! إن ما بيننا لم يبلغ ديننا" (٢). وسمع عمار بن ياسر ﵁ رجلًا ينال من أم المؤمنين عائشة- ﵂، فقال له: "اسكُتْ مقبوحًا منبوحًا، فأشهد أنها زوجة رسول الله ﷺ في الجنة"، وفي رواية: "اغرب مقبوحًا أتؤذي محبوبة رسول الله ﷺ ؟! " (٣). وقال ثابتٌ البُنانِيُّ: "إن مُطَرِّفَ بن عبد الله قال: لبثتُ في فتنة ابن الزبير تسعًا أوسبعًا ما أُخْبِرتُ فيها بخبر، ولا استخبرت فيها عن خبر". وعن شقيق، قال: قال لي شريح: "ما أخبرت ولا استخبرت منذ كانت الفتنة"، قلت: "لو كنتُ مثلك، لسرني أن أكون قد مت"، قال:

стр. 83

"فكيف بما في صدري، تلتقي الفئتان: إحداهما أحبُّ إليَّ من الأخرى؟ " (١). وقال الإِمام الزهري -رحمه الله تعالى-: (حدَّثني عروةُ أن المِسورَ بن مَخْرَمة أخبره أنه وفد على معاويةَ، فقضى حاجتَه، ثم خلا به، فقال: "يا مسورُ، ما فعل طعنُك على الأئمة؟ "، قال: "دعنا من هذا وأحسِن"، قال: "لا والله! لتكلِّمنِّي بذاتِ نفسِك بالذي تعيبُ عليَّ" قال مسور: "فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلَّا بيَّنتُ له" قال: "لا أبرأ من الذنب، فهل تعُدُّ لنا يا مسورُ ما نلي من الإصلاح في أمر العامَّة، فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعدُّ الذنوبَ وتتركُ المحاسنَ؟ " قال: "ما تُذكَر إلَّا الذنوب"، قال معاوية: "فإنَّا نعترف لله بكل ذنبٍ أذنبناه، فهل لك يامسورُ ذنوبٌ في خاصتك تخشى بأن تهلك إن لم تُغفر؟ "، قال: "نعم"، قال: "فما يجعلك اللهُ برجاء المغفرةِ أحقَّ مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مِما تلي، ولكن واللهِ لا أُخيَّر بين أمرين، بين الله وبين غيره، إلَّا اخترتُ اللهَ على ما سواه، وإنِّي على دينٍ يُقبل فيه العمل، ويُجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلَّا أن يعفوَ الله عنها"، قال: "فَخَصَمَني" قال عروة: "فلم أسمع المسورَ ذكر معاويةَ إلَّا صلَّى عليه") (٢). عن أبي راشد، قال: (جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد الله بن عمر، فقال: إني رسولُ إخوانك من أهل البصرة إليك، فإنهم يُقرءونك

стр. 84

السلام، ويسألونك عن أمر هذين الرجلين: علي وعثمان، وما قولك فيهما؟ فقال: "هل غير؟ " قال: "لا"، قال: "جَهّزوا الرجل"، فلما فُرغ من جَهازه قال: "اقرأ ﵈، وأخبرهم أن قولي فيهم: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤] (١). وعن شريك قال: سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية، فبكى، فندمت على سؤالي إياه، فرفع رأسه، فقال: "إنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره" (٢). وقال الشافعي: قيل لعمر بن عبد العزيز: "ما تقول في أهل صِفِّين؟ " قال: "تلك دماء طَهَّر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب لساني بها" (٣). وقال الرياشي -رحمه الله تعالى-: لَعمرُكَ إن في ذنبي لَشُغُلًا ... لنفسي عن ذنوب بني أمَيَّهْ على ربي حسابُهمُ إليه ... تناهى عِلمُ ذلك لا إليَّهْ وليس بضائري ما قد أَتَوْه ... إذا ما الله أصلحَ ما لديَّهْ (٤) وعن الهيثم بن عبيد الصيدلاني، قال: سمع ابن سيرين رجلًا يَسُبُّ الحجاج، فقال: "مه أيها الرجل! إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب

стр. 85

عمِلتَه قَطُّ أعظمَ عليك من أعظم ذنبٍ عمله الحجاجُ، واعلم أن الله حَكَمٌ عدلٌ، إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه شيئًا فشيئًا، أخذ للحجاج مِمَّن ظلمه، فلا تشغلنَّ نفسَك بسبِّ أحدٍ" (١). وكان عبد الله بن الخيار يقول في مجلسه: "اللهمَّ سلّمنا، وسلّم المؤمنين مِنَّا" (٢).

стр. 86

رُبَّ قولٍ يسِيل مِنه دَمٌ لا ينحصر شؤم إطلاق اللسان في الفتن في ولائم السوء التي يسودها الجدل والمراء والغيبة والنميمة، لكنه يتعداها إلى آثار خطيرة في واقع الأمة، فالشر مبدؤه شرارة، "ومعظم النار مِن مُستصغَر الشرر". - وكثير من الفتن تُبْذَر بذرتها في مجالس الغيبة والوقيعة، ولا يتوقع أصحابها أن تبلغ ما بلغت، ثم تُلَقَّحُ بالنجوى، وتُنْتَجُ بالشكوى، وإذا بها تشتعل وتضطرم رويدًا رويدًا حتى يستعصي إطفاؤها حتى على الذين أوقدوا شرارتها، فهؤلاء الغيابون أكلة لحوم البشر هم من الذين وصفهم رسول الله ﷺ ، فقال: "إن من الناس مفاتيحَ للخير مغاليقَ للشر، وإن من الناس مفاتيحَ للشر، مغاليقَ للخير، فطوبى لمن جعل اللهُ مفاتيحَ الخيرِ على يديه، وويل لمن جعل اللهُ مفاتيحَ الشر على يديه" (١). خَلِّ جنبيك لرامِ ... وامض عنه بسلامِ مُتْ بداءِ الصمتِ ... خيرٌ لك من داء الكلامِ رُبَّما استُفْتِحَ بالقو ... لِ مغاليقُ الحِمامِ رُبَّ قولٍ ساقَ ... آجالَ فِئامٍ وفئامِ إنما السالمُ مَنْ ... ألجَمَ فاهُ بِلِجامِ

стр. 87

- وهاك هذه الشواهدَ التاريخيةَ التي تدل على أنه "رُبَّ قولٍ يسيلُ منه دمٌ" (١). قال أبو معبد عبد الله بن عَكيم الجهني -تابعي جليل- في خطبة له: "لا أُعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان"، فقال رجل متعجبًا: "يا أبا معبد، أَوَأَعنتَ على دمه؟ "، فقال أبو معبد: "إني لأرى ذكر مساوئ الرجل عونًا على دمه (٢) " (٣). ولقد قال رسول الله ﷺ : "إن العبدَ ليتكلمُ بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم" (٤). فهؤلاء الساعون بالوشاية والنميمة، أحْصَوا اجتهادات أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وصوَّروها بحسب ما تتخيل عقولهم الضعيفة، وقلوبهم المريضة، فاتخذوا ذلك سُلََّمًا إلى الفتنة (٥). حين علم حذيفة ﵁ بمقتل عثمان بن عفان ﵁ قال: "اللهمَّ العن قَتَلَتَهُ وشُتَّامَه، اللهمَّ إنَّا كنا نعاتبه ويعاتبنا، فاتخذوا ذلك سُلَّمًا إلى الفتنة، اللهمَّ لا تُمِتْهم إلَّا بالسيوف" (٦).

стр. 88

قال عبد الواحد بن زيد للحسن البصريّ- وكلاهما من التابعين-: "يا أبا سعيد، أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب بن أبي صفرة (١) إلَّا أنه عاون بلسانه، ورضي بقلبه"، فقال الحسن: "يابن أخي كم يد عقرت الناقة؟ "، قلت: "يد واحدة" قال: "أليس قد هلك القوم جميعًا برضاهم وتماليهم؟ " (٢). ولعل النزعة الخارجية التي تُطل برأسها من وقت إلى آخر لتبعث الحياة في فِكْر الخوارج الأولين وسلوكهم هي المسئولة عن كثير من التعديات على الحرمات، فقد قال- ﷺ في شأن الخوارج: "يقتلون أهل الإِسلام، ويَدَعون أهل الأوثان" (٣)، وهذه العلامة هي التي جعلت أحد العلماء، وقد وقع مرة في يد بعض الخوارج، فسألوه عن هُويته، فقال: "مشرك مستجير، يريد أن يسمع كلام الله"، وهنا قالوا له: "حقٌّ علينا أن نجيرك، ونُبْلِغَكَ مأمنك"، وتلوا قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، بهذه الكلمات نجا "مشرك مستجير"، ولو قال لهم: "مسلم" لقطعوا رأسه (٤).

стр. 89

وتكفير المسلم مفتاح استباحة دمه: - فقد اتُّهمَ القاضي عياض - رحمه الله تعالى- بأنه "يهودي"؛ لأنه كان يلزم بيته للتأليف نهار السبت. - وهذا الشيخ علاء الدين العطار تلميذ الإمام النووي -رحمهما الله- مع أنه كان شيخ زمانه- كان يمشي متأبطًا وثيقة من أحد القضاة بصحة إيمانه، وبراءته من كل ما يكفره، مخافةَ أن يصادفه أفَّاك في مجلس. - وفي القصة التالية معتبر ومزدجر وتذكرة بأن "من الغيبة ما قتل": عن رشيد الخبَّاز قال: خرجت مع مولاي إلى مكة، فجاورنا، فلما كان ذات يوم، جاء إنسان فقال لسفيان: "يا أبا عبد الله، قَدِم اليوم حسنٌ وعليٌ ابنا صالح"، قال: "وأين هما؟ " قال: "في الطواف"، قال: "إذا مَرَّا، فأرنيهما"، فمرَّ أحدهما، فقلت: "هذا عليٌّ"، ومرَّ الآخر، فقلت: "هذا حَسَنٌ"، فقال: "أما الأول فصاحِب آخِرة، وأما الآخَرُ فصاحب سيف، لا يملأ جوفَه شيء"، قال: فيقوم إليه رجل ممن كان معنا، فأخبر عليًّا، ثم مضى مولاي إلى علي يسلم عليه، وجاء سفيان يُسلم عليه، فقال له علي: "يا أبا عبد الله، ما حملك على أن ذكرتَ أخي أمسِ بما ذكرته؟ ما يُؤمنك أن تبلغ هذه الكلمة ابن أبي جعفر، فيبعث إليه، فيقتله؟ " قال: فنظرت إلى سفيان، وهو يقول: "أستغفر الله" وجادتا عيناه (١).

стр. 90

- وعن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: كنا مع رجاء بن حَيْوَة فتذاكرنا شكر النعم، فقال: "ما أحدٌ يقوم بشكر نِعمة"؛ وخَلْفَنا رجلٌ على رأسه كِساء، فقال: "ولا أميرُ المؤمنين؟ "، فقلنا: "وما ذِكْرُ أمير المؤمنين هنا؟! وانما هو رجلٌ مِن الناس"، قال: فغفلنا عنه، فالتفتَ رجاءٌ فلم يره، فقال: "أُتيتم من صاحب الكساء، فإن دُعيتم، فاستُحْلِفتم، فاحلفوا"؛ قال: فما علمنا إلَّا بحَرَسِي قد أقبل عليه (١)، قال: "هِيه يا رجاء، يُذكَر أمير المؤمنين، فلا تحتج له؟! "، قال: فقلت: "وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "ذكرتم شكر النعم، فقلتم: ما أحد يقوم بشكر نعمة، قيل لكم: ولا أمير المؤمنين؟، فقلتَ: أمير المؤمنين رجل من الناس! "، فقلت: "لم يكن ذلك"؛ قال: "آلله؟ "، قلت: "آلله"، قال: فأمر بذلك الرجل الساعي، فضُرب سبعين سوطًا، فخرجت وهو متلوِّث بدمه، فقال: "هذا وأنت رجاءُ بنُ حَيْوة؟ "، قلت: "سبعين سوطًا في ظهرك خير من دم مؤمن"، قال ابن جابر: فكان رجاء بن حيوة بعد ذلك إذا جلس في مجلس يقول، ويتلفَّت: "احذروا صاحب الكساء" (٢). قال الشاعر: يموت الفتى من عثرةٍ بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرِّجلِ فعثرته بلسانه تُذْهب رأسه ... وعثرته برجله تبرا على مهل آخر: وجُرح السيف تُدْمِلُه فيبرا ... وجرحُ الدهر ما جَرَحَ اللسانُ ِ

стр. 91

جراحاتُ الطِّعان لها التئامٌ ... ولا يلتامُ ما جَرَح اللسانُ (١) وآخر: السيف يأسوه المُداوي ... وجرحُ القولِ طولَ الدهرِ دامي (٢)

стр. 92

ومن أسباب النجاة من الفتن: اعتزالها والفِرار منها فقد حثَّ الشرع الشريف على اجتناب المشاركة في الفتن، وكفِّ اليد عنها، والفِرار منها. عن بلال بن سعد في قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، قال: عند وقوع الفتنة: أرضي واسعة، ففروا إليها (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ- ﷺ قال: "ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقتربَ، أفلحَ مَنْ كَفَّ يَدَه" (٢). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "كيف بكم وبزمانٍ يوشك أن يأتي، يُغَربَلُ الناسُ فيه غربلةً، وتبقى حُثالةٌ من الناس قد مرِجَت عهودُهم وأماناتُهم، فاختلفوا، وكانوا هكذا؟ " -وشبَّك بين أصابعه- قالوا: كيف بنا يا رسولَ الله! إذا كان ذلك؟ قال: "تأخذون بما تعرفون، وتَدَعون ما تُنكرون، وتُقْبِلون على خاصَّتكم، وتذرون أمرَ عوامِّكم" (٣).

стр. 93

وعن خالد بيت الوليد ﵁ قال: كتب إليَّ أمير المؤمنين حين ألقى الشامُ بَوانِيَهُ (١) بَثْنِيَّةً (٢) وعَسَلًا، فأمرني أن أسير إلى الهند، والهند في أنفسنا يومئذٍ البصرة، قال: وأنا لذلك كاره، قال: فقام رجل فقال لي: يا أبا سليمان، اتق الله، فإن الفتن قد ظهرت، قال: فقال: "وابن الخطاب حي؟! إنما تكون بعده، والناس بذي بِلِيَّان (٣)، أو بذي بليان بمكان كذا وكذا، فينظر الرجل فيتفكر: هل يجد مكانًا لم ينزل به مثلُ ما نزل بمكانه الذي هو فيه من الفتنة والشر؟ فلا يجده"، قال: "وتلك الأيام التي ذكر رسول الله ﷺ : "بين يدي الساعة الهَرْج"، فنعوذ بالله أن تدركنا وإياكم تلك الأيام" (٤). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ" (٥).

стр. 94

وقَالَ عُثْمَانُ الشَّحَّامُ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَفَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ في أَرْضِهِ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا: هَلْ سَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدّثُ في الْفِتَنِ حَدِيثًا؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يُحَدّثُ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﷺ : "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِن السَّاعِيِ إِلَيْهَا، أَلَا فإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ فَمَنْ كانَ لَهُ إبلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإبلِهِ، وَمَنْ كانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ" قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إبلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: "يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ ليَنْجُ إِنْ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ" قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَيْنِ أَوْ إِحْدَى الْفِئَتينِِ فَضَرَبَنِي رَجُل بِسَيْفِهِ أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُني؟ قَالَ: "يَبُوءُ بِإثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّار" (١). وعَن الْحَسَنِ، عَن الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُريدُ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يا أَحْنَف؟ قالَ: قُلْتُ: أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ -يَعْني عَليًّا- قَالَ: فقَالَ لِي: يَا أحْنَفُ، ارْجِع! فَإِنِّي سَمعتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقول: "إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فالقَاتِلُ والمقْتُولُ في النَّارِ" قالَ: فَقُلْتُ -أو قِيلَ-: يا رَسُولَ الله هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُول؟ قَالَ: "إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ" (٢).

стр. 95

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قال: "ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، مَن تشرَّفَ لها تستشرِفْه (١)، فمن وَجَدَ ملجأً أو مَعاذًا فليعُذْ به" (٢). وقال حذيفة ﵁ "إياكم والفتن، لا يشخصْ إليها أحد، فوالله ما شخص فيها أحد إلَّا نسفته، كما ينسف السيلُ الدِّمَنَ" (٣). وعن أبي بُردة، قَال: دخلت على محمَّد بن سلمة فقال: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إنها ستكون فِتْنَةٌ وَفُرْقَةٌ واختلافٌ، فَإِذَا كَانَ كذلك؛ فَأْتِ بسيفك أُحُدًا فاضربه حَتَّى ينقطعَ، ثُمَّ اجلس في بيتك حَتى تَأْييَكَ يَدٌ خَاطِئَةٌ أَو مَنِيَّة قَاضِيَةٌ". فقد وَقَعَتْ وفعلتُ مَا قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ (٤). وعن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتَ يا أبا ذرٍّ! وموتًا يصيبُ الناسَ حتى يُقَوَّم البيتُ

стр. 96

بالوصيف؟ " (يعني القبر) قنت: ما خَارَ الله لي ورسوله (أو قال: الله ورسوله أعلم) قال: "تصبَّر"، قال: "كيف أنت وجوعًا يصيب الناس حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك، ولا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟ " قال، قلت: الله ورسوله أعلم (أو: ما خار الله لي ورسوله" قال: "عَليكَ بالعِفَّة"، ثم قال: "كيف أنت وقَتْلًا يصيبُ الناسَ حتى تُغْرَق حجارةُ الزَّيت بالدَّم؟ " قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: "الْحَقْ بمن أنت منه" قال: قلت: يا رسول الله، أفلا آخذ بسيفي فأضرب به من فعل ذلك؟ قال: "شاركتَ القومَ إذن، ولكن ادخل بيتك" قلت: يا رسول الله، فإن دُخِل بيتي؟ قال: "إن خشيتَ أن يَبْهَرَك شعاعُ السيفِ فألقِ طَرَفَ رِدائك على وجهك، فيبوء بإثمِهِ وإثمِك، فيكون من أصحاب النار" (١). ورُوي أن رجلًا قال لحذيفة ﵁: إذ اقتتل المسلمون فما تأمرني؟ قال: "انظر أقصى بيتٍ في دارِكَ فلِجْ فيه، فإن دُخِل عليك، فقل: ها بُو بذنبي وذنبك" (٢). وعن عمران بن حصين ﵁ قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَمِع بالدَّجال فَلْيَنْأَ عنه، فواللهِ إن الرجلَ ليأتيه وهو يحسب أنه مومن، فيتَّبعه، مما يُبْعَثُ به من الشبهات، أو: لما يُبعَث به من الشبهات" (٣).

стр. 97

وعن ابن مسعود ﵁ قال: "إذا وقع الناس في الفتنة، فقالوا: اخرج، لك بالناس أسوة، فقل: لا أسوة لي بالشر" (١). ومن مظاهر التطبيق العملي لمبدأ كف اليد عن المشاركة في الفتن واعتزالها: أن مروانَ بن الحكم لما دعا أيمن بن خريم إلى الخروج في قتال فتنة أجابه: إن أبي وعمي شهدا بدرًا، وإنهما عَهِدا إليَّ ألَّا أقاتل أحدًا يقول: "لا إله إلَّا الله"، فإن أنت جئتني ببراءة من النار؛ قاتلتُ معك! ثم يقول: ولستُ بقاتلٍ رجلًا يصلي ... على سلطانِ آخرَ من قريشِ له سلطانُه وعليَّ إثمي ... معاذ الله من جهلٍ وطيشِ أأقتل مسلمًا في غير جُرْمٍ ... فليس بنافعي ما عِشتُ عيشي (٢) وعن عُدَيْسَة بنت أُهْبانَ، قالت: جاء علي بن أبي طالب ﵁ إلى أبي، فدعاه إلى الخروج معه، فقال له أبي: "إن خليلي وابنَ عمك عَهِد إليَّ إذا اختلف الناس أن أتخذَ سيفًا من خشب، فقد اتخذتُه! فإن شئتَ خرجتُ به معك" قالت: فتركه (٣). وعن أيوب السختياني، قال: اجتمع سعد بن أبي وقاص، وابن

стр. 98

مسعود، وابن عمر، وعمار بن ياسر ﵃ فذكروا الفتنة، فقال سعد: "أما أنا، فأجلس في بيتي، ولا أدخل فيها" (١). وعن عامر بن سعد أن أباه سعدًا ﵁ كان في غنمٍ له، فجاء ابنُه عمر، فلما رآه قال: "أعوذ بالله من شرِّ هذا الراكب"، فلما انتهى إليه، قال: يا أبة! أرضيتَ أن تكون أعرابيًّا في غنمك، والناس يتنازعون في المُلك بالمدينة؟ فضرب صدرَ عمر، وقال: اسكت، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب العبد التقيَّ الغنيَّ الخفيَّ" (٢). وعن ابنِ سيرين، قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: "ألا تقاتل، فإنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟ " فقال: "لا أقاتل حتى تأتوني بسيفٍ له عينان ولسان وشفتان، يعرف المؤمن من الكافر، إن ضربتُ به مسلمًا نبا عنه (٣)، وإن ضربتُ به كافرًا قتله، فقد جاهدتُ وأنا أعرف الجهاد"، وضَرَب لهم مثَلًا، فَقَالَ: "مثلُنا ومَثلكم كمثلِ قوم كانوا عَلى محجةٍ بيضاء، فبينا هم كذلك يسيرون هاجتْ ريحٌ عَجَّاجة (٤) فَضَلُّوا الطريقَ، والتبس عليهم، فقال بعضهم: (الطريق ذات اليمين)، فأخذوا فيها، فتاهوا، وضلوا، وقال آخرون: (الطريق ذات الشمال)،

стр. 99

فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا، وقال آخرون: كنا في الطريق حيثُ هاجت الريح فنُنِيخ فأناخوا (١)، فأصبحوا، فذهب الريح، وتبيَّن الطريق، فهؤلاء هم الجماعة، قالوا: "نلزم ما فارقنا عليه رسول الله ﷺ حتى نلقاه، ولا ندخل في شيء من الفتن" (٢). وعن الحسن قال: لما كان من أمر الناس ما كان من أمر الفتنة، أتوا عبد الله بن عمر، فقالوا: أنت سيد الناس، وابن سيدهم، والناس بك راضون: اخرج نبايعك، فقال: لا والله، لا يهراق فيَّ محجمة من دم، ولا في سببي، ما كان فيَّ الروح، قال: ثم أُتِيَ، فخُوِّفَ، فقيل له: لتخرجنَّ أو لتقتلنَّ على فراشك، فقال مثل قوله الأول؛ قال الحسن: فوالله، ما استقلوا منه شيئًا، حتى لحق بالله تعالى (٣). - وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَتَاهُ رَجُلان (٤) في فِتنةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالا: إِنَّ النَّاسَ قد ضُيِّعُوا، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ- صلى

стр. 100

الله عليه وسلم - فَمَا يمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟! فَقَالَ: يَمْنَعُني أَنَّ اللهَ حرَّمَ دَمَ أَخِي، فَقَالا: أَلَمْ يَقُل اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]؟ فَقَالَ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلهِ، وأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، ويَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ الله (١). وعَنْ نَافِعٍ أيضًا أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا وَتَتْرُكَ الْجِهَادَ في سَبِيلِ اللهِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللهُ فِيهِ؟ قَالَ: يَابْنَ أَخِي، بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: إِيمَانٍ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، والصلواتِ الْخَمْسِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ الله في كِتَابِهِ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] قَالَ: فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ- في دِينِهِ إِمَّا قَتَلُوهُ وَأَمَّا يُعَذِّبُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ في عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ؟ قَالَ: أَمَّا عُثْمَانُ فكان اللهُ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ- ﷺ ، وَخَتَنُهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقَالَ: هَذَا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ (٢). قال عمرو بن العاص ﵁ لابنه عبد الله ﵁، وهو ممن اعتزل الفتنة يوم صفين-: "يا بني! انظر أين ترى عليًّا؟

стр. 101

قال: أراه في تلك الكتيبة القتماء ذات الرماح، عليه عمامة بيضاء، قال: لله دَرُّ ابن عمر وابن مالك (١)! لئن كان تخلفهم عن هذا الأمر خيرًا؛ كان خيرًا مبرورًا، ولئن كان ذنبًا؛ كان ذنبًا مغفورًا" (٢). وكذلك علي بن أبي طالب ﵁ كان يقول: "لله درُّ مقامٍ قامه سعدُ بن مالك وعبدُ الله بن عمر: إن كان بِرًّا إن أجره لعظيم، وإن كان إثمًا إن خطأه ليسير" (٣). وعن أبي العالية، قال: لما كان قتال عليٍّ ومعاوية كنت رجلًا شابَّا، فتهيأتُ، ولبستُ سلاحي، ثم أتيت القوم، فإذا صفان لا يُرى طرفاهما، قال: فتلوت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]. قال: فرجعت وتركتهم (٤). وعن ثابتٍ البُناني، عن مُطَرِّف، قال: "لأن يسألني ربي يومَ القيامة، فيقول: يا مُطَرِّف ألا فعلتَ! أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ يقولَ لِمَ فَعلتَ؟ " (٥).

стр. 102

قال مُطَرِّف: "إن الفتنة لا تجيء حين تجيء لتهديَ الناس، ولكن لتقارعَ المؤمنَ عن دينه، ولَأن يقول اللهُ: لِمَ لا قتلتَ فلانًا؟ أحبُّ إليَّ مِنْ أنُ يقولَ: لِمَ قتلتَ فُلانًا؟ " (١). وقال مُطَرِّف -أيضًا-: "لَأَنْ أُعافَى فأشكر، أحبُّ إليَّ من أن أُبتلى فأصبر، نظرتُ في العافية فوجدتُ فيها خيرَ الدنيا والآخرة" (٢). وقال أيضًا ﵀: "لأن آخذَ بالثقة في القعود أَحبُّ إليَّ من أن ألتمسَ -أو قال؛ أطلبَ- فضلَ الجهادِ بالتغرير" (٣).

стр. 103

فصل قال الإِمام أحمد: حدَّثنا إسماعيل، قال: حدَّثنا أيوب عن محمَّد بن سيرين، قال: "هاجت الفتنة وأصحابُ رسول الله ﷺ عشرة آلاف فما خفَّ فيها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين" (١). لما حدث الخلاف بين الصحابة ﵃ أجمعين- وجرَّ إلى القتال، دخل كعب بن سور ﵀ في بيت، وطَيَّن عليه، وجعل فيه كُوَّة يُناوَلُ منها طعامَه، وشرابَه، اعتزالًا للفتنة (٢). عن ابن طاووس عن أبيه، قال: لما وقعت فتنة عثمان، قال رجل (٣) لأهله: "أَوْثقوني بالحديد، فإني مجنون"، فلما قُتل عثمان، قال: "خَلُّوا عني، الحمد لله الذي شفاني من الجنون، وعافاني من قتل عثمان" (٤). وعن مرحوم بن عبد العزيز، قال: سمعت أبي يقول: لما كانت فتنة يزيد بن المهلب، انطلقت أنا ورجل إلى ابن سيرين، فقلنا: ما ترى؟ فقال: "انظروا إلى أسعدِ الناس حين قُتِلَ عثمان، فاقتدوا به"، قلنا: هذا ابن عمر كف يده (٥).

стр. 104

وقال بشيرُ بنُ عقبة: قلتُ ليزيد بن عبد الله بن الشخير: ما كان مُطَرِّف يصنع إذا هاج في الناس هيج؟ قال: "يلزم قَعْرَ بيته، ولا يقرب لهم جمعة ولا جماعة حتى تنجلي لهم عما انجلت" (١). وقال قتادةُ: كان مُطَرِّف إذا كانت الفتنةُ نَهَى عنها وَهَرَب، وَكانَ الحسن البصريّ ينهى عنها، ولا يَبْرح، فَقَالَ مُطَرِّف: "ما أشبِّهُ الحسنَ إلَّا برجل يُحَذِّرُ النَّاسَ السيلَ ويقوم بسَنَنهِ" (٢). وعن مالك بن دينار، قال: لما وقعت الفتنة، أتيت الحسن أسأله: يا أبا سعيد، ما تأمرني؟ فلا يجيبني، فقلت: "يا أبا سعيد، أتيتك ثلاثة أيام أسألك، وأنت معلمي فلا تجيبني، والله، لقد هممت أن آخذ الأرض بقدمي، وأشرب من أفواه الأنهار، وآكل من بقل البَرِّيَّةِ، حتى يحكم الله بين عباده"، قال: فأرسل الحسن عينيه باكيًا، ثم قال: "يا مالك، ومن يطيق ما تطيق؟ لكنا والله ما نطيق هذا" (٣). وعن أبي الحارث الصائغ، قال: سألت أبا عبد الله -يعني الإِمام أحمد- في أمر كان حدث في بغداد، وهمَّ قوم بالخروج، فقلت: "يا أبا عبد الله! ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم؟ " فأنكر ذلك عليهم، وجعل يقول: "سبحان الله! الدماء، الدماء، لا أرى ذلك، ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يُسفك فيها الدماء، ويُستباح فيها الأموال، وينتهك فيها

стр. 105

المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه -يعني أيام الفتنة-؟ " قلت: والناس اليوم أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؟ قال: "وإن كان، فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عَمَّت الفتنة، وانقطعت السبل، الصبر على هذا ويسلم لك دينك خير لك"، ورأيته ينكر الخروج على الأئمة، وقال: "الدماء، لا أرى ذلك، ولا آمر به" (١). وعن أبي المنهال، قال: لما كان زمن أُخْرِجَ ابنُ زياد: وثب مروان بالشام، وابنُ الزبير بمكة، ووثب الذين كانوا يُدعَوْنَ القُرَّاءَ بالبصرة؛ غُمَّ أبي غَمُّا شديدًا، وكان يثني على أبيه خيرًا- قال: قال لي: انطلق إلى هذا الرجل الذي من أصحاب رسول الله ﷺ ، إلى أبي برزة الأسلمي، فانطلقت معه، حتى دخلنا عليه في داره، وإذا هو في ظل علو له من قصب، في يوم شديد الحر، فجلست إليه، قال: فأنشأ أبي يستطعمه الحديث، وقال: يا أبا برزة ألا ترى؟ قال: فكان أول شيء تكلم به، أن قال: إني أحتسب عند الله أني أصبحتُ ساخطًا على أحياء قريش، وأنكم -معشرَ العرب- كنتم على الحال الذي قد علمتم من جهالتكم، والقلة، والذلة، والضلالة، وأن الله نَعَّشَكم بالإِسلام، وبمحمد- ﷺ خير الأنام، حتى بلغ بكم ما ترون، وإن هذه الدنيا هي التي أفسدت بينكم، وإن ذاك الذي بالشام والله! إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن الذي حولكم الذين تدعونهم قراءكم: والله! لن يقاتلوا إلا على الدنيا"؛ قال:

стр. 106

فلما لم يدع أحدًا، قال له أبي: بِمَ تأمر إذن؟ قال: "لا أرى خير الناس اليوم: إلَّا عصابة ملبدة؛ خماص البطون من أموال الناس، خفاف الظهور من دمائهم" (١). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "وقلَّ مَنْ خرج على إمام ذي سلطان إلَّا كان ما تولَّد على فعله من الشر أعظم مما تولَّد من الخير" (٢). وقال -أيضًا-: " ... ولهذا استقرَّ أمر أهل السُّنَّة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبيِّ ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم" (٣) اهـ.

стр. 107

فصل (١) وكثر ما تتأكد العزلة في الفتن لأحد صنفين: أحدهما: من خشي على دينه أن يُفتن فيه، ويحول عنه. الثاني: من كان ذا بأس وشدة، يُخْشَى على الناس منه ومن بأسه، ومثله صاحب الرأي والمشورة والدهاء، الذي يُخشى على الناس من رأيه، ولذا ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال- لما ذُكرت عنده الفتن، وسُئل: أي أهل ذلك الزمان شر؟ - قال: "كل خطيب مِسقع، وكل راكب مُوضِع" (٢)؛ وذلك لأن الأول محرِّض على الفتنة بلسانه، والآخر بسنانه، فاجتمع الشران: شر القول، وشر العمل. فائدة العزلة وقت الفتن: - صيانة الدين عن المساس، والنفس عن التلف، والعِرض عن الضيم والانتهاك، والمالِ عن الضياع، وقلَّ من شارك في فتنة، وسلمت له هذه كلها. - سلامة الصدر على المسلمين، ولذلك أمر سعد ﵁ أهله ألا يُخبروه بشيء من أخبار الناس لما وقعت الفتنة حتى يجتمعوا على إمام.

стр. 108

- إطفاء الفتنة وإخماد نارها؛ لأن الناس كلما اعتزلوا الفتن؛ قلَّ أهلها، فَقَلَّ شرها، وكلما تشرَّفوا لها وقاموا وقعدوا فيها، كثَّروا سواد أهلها، فزاد شرها، وعظم خطبها. ولذلك بَوَّب البخاريّ في "صحيحه" في كتاب الفتن، فقال: باب من كره أن يُكَثِّر سواد أهل الفتن والظلم، وذكر فيه حديث أبي الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعثٌ فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة فأخبرته، فنهاني أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس ﵄: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يُكثِّرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ فيأتي السهم يصيب أحدهم فيقتله، أو يضر به فيقتله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]. تنبيهات الأول: اعلم -رحمك الله تعالى- أن العزلةَ لا تشرع مطلقًا، لكن لها حالات استثنائية تشرع فيها، وما ورد من النصوص في مدح العزلة مطلقًا يُحْمَل على أنه خاص بأفراد معينين تضر المخالطة بدينهم ودنياهم، أو أنه خاص بزمان الفتن التي أمر النبي ﷺ باعتزالها. الثاني: اعلم أن العزلة في إلفتن على وجهين بحسب الحاجة والمصلحة، وبحسب القدرة والاستطاعة: أحدهما: العزلة التامة في مكان بعيد عن الناس. والآخر: العزلة النسبية أو الجزئية؛ بحيث يعتزل الفتن وأهلها، ولا يشارك فيها، وإن كان مقيمًا بين ظهراني الناس.

стр. 109

الثالث: إذا خرج بُغَاة على الإِمام الشرعيّ، فالصواب مناصرته عليهم وعدم خِذْلانه بزعم مشروعية العزلة في مثل ذلك، قال الإِمام الطبري - رحمه الله تعالى-: "والصواب أن يُقال: إن الفتنةَ أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على كل مَنْ قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومَنْ أعان المخطئ أخطأ، وإن أُشكل الأمرُ فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها" (١) اهـ. الرابع: أما ما وقع بين الصحابة ﵁ من الاقتتال: "فلا يجوز أن يُنسب إلى أحد منهم خطأ مقطوع به؛ إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله وهم كلهم لنا أئمة، وقد تُعُبِّدنا بالكفِّ عَمَّا شجر بينهم، وألَّا نذكرهم إلَّا بأحسن الذكر؛ لحرمة الصحبة، ولنهي النبي ﷺ عن سَبّهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم" (٢). ومما يُنَجِّي من الفتنة لُزومُ الجماعة: من لطف الله تعالى بهذه الأمة المرحومة أنه- لا يجمعها على ضلالة أبدًا، بل الحق فيها دائم ما دامت الأمة، فقد ضمن ﵎ بقاء طائفة من الأمة ثابتة على الحق مستمسكة به حتى يأتيها أمر الله، وهي على ذلك.

стр. 110

عن أبي مسعود ﵁ قال: "اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بَرٌّ، أو يُستراحَ من فاجر، وعليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمَّد- ﷺ على ضلالة" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ إلى النار" (٢). وفي حديث عمر ﵁ مرفوعًا: " ... فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، ومن الاثنين أبعد، فمن سَرَّته حسنته، وساءته سيئته فهو مؤمن" (٣). وعن ابن مسعود ﵁ قال: "يا أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفُرْقَة" (٤).
следующие страницы →