← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98084

بصائر في الفتن

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (138 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بصائر في الفتن تأليف محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم عفا الله عنه الدار العالمية للنشر والتوزيع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

بصائر في الفتن

стр. 4

بصائر في الفتن كل الحقوق محفوظة الدار العالمية للنشر والتوزيع الطبعة الثانية ١٤٢٩ هـ -٢٠٠٨ م رقم الإيداع: ٢٣٨٣٤/ ٢٠٠٧ الدار العالمية للنشر والتوزيع ٣١ ش الصالحي - محطة مصر - الإسكندرية محمول ٢٠١٠٥٤٠٦٤٠٣ + /ت: ٢٠٣٤٩٧٠٣٧٠ + /تلفاكس ٢٠٣٣٩٠٧٣٠٥ + E-mail: alamina_misr@hotmail.com

стр. 5

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد الله نحمدُه على النعمِ الغامرة، حمدًا يُعيد قِفارَ القلوبِ عامرة، ونقرُّ له بالتوحيد على عقيدة ظاهرة، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمدٍ صلاةً تجلب لنا صلاةً إلى صلاةٍ إلى عاشرة، وعلى آله أولي المناقب الفاخرة، وصحبه ذوي الفضائل المتكاثرة. أما بعد: فما أحوجنا في هذا الزمان المملوء بالفتن والأكدار إلى أن نستبصر بطبائع الفتن، وكيفية النجاة منها، من خلال هدي القرآن الكريم والسنة الشريفة، وكذا هدي الصحابة الكرام ﵃ أجمعين-. فإن الفتن تترى كالسحب المتراكمة، وتتواتر عمياء صماء مطبقة، كقطع الليل المظلم، أو كالأمواج الملاطمة، تطيش فيها العقول، وتموت فيها القلوب، إلا من عصم الله . ومن هدي رسول الله ﷺ الذي هو خير الهدى: الاستعداد للفتن قبل نزولها، بالتسلح بالعلم والبصيرة، مع العمل والاجتهاد، والاستعداد ليوم المعاد، عسى أن ننتبه عن الذنوب، وتلين منا القلوب، ونستيقظ من الغفلة، ونغتنم المهلة قبل المباغتة والوَهْلَة. ومن هنا جاءت هذه "البصائر" (١) تذكرة لمن كان له قلب، أو ألقى

стр. 6

السمع وهو شهيد، والله سبحانه أسأل أن يُخلص نيتي، ويحْسِنَ طَوِيَّتي، فإنما الأعمالُ بالنيات، وإن الحسناتِ يُذهبن السيئاتِ، وإنما لكل امرئ ما نوى. محمَّد بن أحمد بن إسماعيل المقدم ثغر الإسكندرية في الخميس ٢٧ جادى الآخرة ١٤٢٨ هـ. الموافق ١٢ يوليو ٢٠٠٧ م.

стр. 7

تحذير النبي ﷺ أمَّتَه من الفتن أَوْلَى الشرع الشريف الفتن (١) قدرًا عظيمًا من الاهتمام، وحفلت دواوين السنة بالنصوص التي تحذر منها، وقلَّ أن يخلو ديوان منها من كتابِ أو بابِ الفتن. قال البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه: "كتاب الفتن، باب ما

стр. 8

جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وما كان النبي ﷺ يُحَذِّرَُ من الفتن" (١). اهـ. وعن أسامة بن زيد ﵁ قال: أشرف النبي ﷺ على أُطُمٍ من آطام المدينة، ثم قال: "هل ترون ما أري؟ إني أري مواقع الفتن خلالَ بيوتكم كمواقع القَطْر" (٢). قال النووي - رحمه الله تعالى-: "والتشبيه بمواقع القطر في الكثرة والعموم، أي أنها كثيرة، وتعم الناس، لا تختص بها طائفة، وهذا إشارة إلى الحروب الجارية بينهم؟ كوقعة الجمل، وصفين، والحَرَّة، ومقتل عثمان، ومقتل الحسن ﵄، وغير ذلك، وفيه معجزة ظاهرة له ﷺ " (٣). اهـ.

стр. 9

الفتن واقعة لا محالة والفتن واقعة في أمة محمدٍ ﷺ كونًا وقدرًا، ولا بد من أن يقع ما أخبر به رسول الله ﷺ كما أخبر، ومِن ثَمَّ فلا بد من التبصر بها، والاستعداد لها، والحذر منها، بل يجب مضاعفة الحذر منها في عصرنا؛ لأننا صِرنا أقربَ إلى أشراط الساعة مما كان عليه المسلمون منذ أربعة عشر قرنًا. عن المقداد بن الأسود ﵁ قال رسول الله- ﷺ : "إن السعيد لَمَن جُنِّبَ الفتن، ولَمَن ابتُلي فصبر" (١). وعن أمير المؤمنين معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لم يبقَ من الدنيا إلا بلاءٌ وفتنة" (٢). وعن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: انتهيت إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو جالس في ظلِّ الكعبة، والناس مجتمعون عليه، فسمعته يقول: بينا نحن مع رسول الله- ﷺ في سفر إذ نزل منزلاً، فمنا من يضرب خباءه، ومنا من ينتضل (٣)، ومنا من هو في جَشَرِه (٤)، إذ نادى مناديه: "الصلاة جامعةً"، فاجتمعنا، فقام

стр. 10

رسول الله- ﷺ فخطبنا، فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرًا لهم، وينذرهم ما يعلمه شرًّا لهم، وإن أمتكم هذه، جُعِلَتْ عافيتُها في أولها، وإن آخِرهم يصيبهم بلاء، وأمورٌ تنكرونها، ثم تجيء فتن يُرَقِّقُ بعضُها بعضًا، فيقول المؤمن: هذه مُهلِكَتي، ثم تنكشف، ثم تجيء فتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، فمن سَرَّه أن يُزَحْزَحَ عن النار ويُدْخَلَ الجنة، فَلْتُدْرِكهُ موتتُه وهو يؤمن باللهِ واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يأتوا إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صَفْقَةَ يمينه، وثمرةَ قلبه، فليُطعْه ما استطاع، فإن جاء آخرُ ينازعه، فاضربوا عنق الآخر". قال: فأدخلت رأسي من بين الناس، فقلت: أنشدك الله! أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: فأشار بيده إلى أذنيه، فقال: سمعتْه أذناي، ووعاه قلبي (١). وعن أبي موسى ﵁ قال رسول الله- ﷺ : "أمتي أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة (٢)، عذابها في الدنيا (٣): الفتن، والزلازل، والقتل" (٤).

стр. 11

وفي بعض طرقه: أن أبا بردة قال: بينما أنا واقف في إمارة زياد، إذ ضربت بإحدى يدي على الأخرى تعجبًا، فقال رجل من الأنصار- قد كانت لوالده صحبة مع رسول الله ﷺ : مما تعجب يا أبا بردة؟ قلت: أعجب من قوم دينهم واحد، ونبيهم واحد، ودعوتهم واحدة، وحجهم واحد، وغزوهم واحد، يستحل بعضُهم قتل بعض، قال: فلا تعجب، فإني سمعت والدي أخبرني أنه سمع رسول الله- ﷺ يقول: "أمتي أمة مرحومة" (١) فذكر الحديث. وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: وأخرج أبو يعلى -أيضًا- بسند صحيح من رواية أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: "إن هذه الأمة أمة مرحومة، لا عذاب عليها إلا ما عذبت به أنفسها، قلت: وكيف تعذب أنفسها؟ قال: أما كان يوم النهر عذاب؟! أما كان يوم الجمل عذاب؟! أما كان يوم صفين عذاب؟! " (٢).

стр. 12

الحذر من الشر باب من أبواب الخير إن التحذير من الشر باب من أبواب الخير، قال حذيفة ﵁: "كان الناس يسألون رسول الله- ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني" الحديث (١). فالدفع أسهل من الرفع، والتخلية مقدمة على التحلية، والوقاية خير من العلاج، وأحيانًا تكون العلاجَ الوحيد، والخبرة بالظلام تميزه عن النور، وتعصم من التورط فيه، فالضِّدُّ يُظِهر حُسْنَه الضدُّ، وبضدها تتميز الأشياء، قال أمير المؤمنين عمر ﵁: "يوشك أن يَهْدِمَ الإِسلامَ حَجَرًا حَجَرًا مَن جهل عاداتِ الجاهلية". عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ ... لكنْ لتوقِّيه ومن لا يعرف الشرَّ ... من الخير يقعْ فيه قال الأستاذ محمَّد أحمد الراشد -حفظه الله تعالى-: "كان حذيفة ﵁ لا يقنع أن يشارك إخوته من الصحابة ﵁ سؤالَهم رسولَ الله ﷺ عن مكملات الخير الذي هم فيه، وما أن يشاركهم فرحهم بالخير حتى تلذع ابتسامةَ قلبِه تخوفاتٌ من احتمالات شَرِّ مبهم يراه مُقبِلًا، يجهل صفته وعلامته، فيظل قلقًا وجلًا، حتى ينعته له رسول الله- ﷺ ويذكر له بوادره ومقدماته التي ستنبهه يومًا ما إلى الاحتياط ورفع صوته بأذان التحذير.

стр. 13

كان يريد علمًا يكمِّل علم الخير، فصار يحرص على أن يخلو برسول الله ﷺ يسأله. يقول حذيفة ﵁: "كان الناس يسألون رسول الله- ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني". فأتقن علم الشر بهذا الحرص، وأحاط خُبرًا بما سيكون من فتن وسوء ونفاق، حتى احتاج إلى علمه كبارُ الصحابة، وطفِق مثلُ عمرَ ﵁ يسأله، ويستشيره. والمغزى الأكبر هنا يكمن في استجابة رسول الله- ﷺ لحذيفة، وجوابه له، وقبولِهِ تعليمه علمَ الشر. لم يقل له: "إننا في خير، ونسير من نصر إلى نصر، فاصرف عنك الهواجس"؛ بل أجابه، وأعلمه. وإنما نستمد نحن مُسَوِّغاتِ تطرقِ بحوثِ فقهِ الدعوة لعلم الفتن والقواصم، وما ينجي منها من النور والعواصم، من مواطأة النبي ﷺ لحذيفة، وتزويده له بما أراد. نتعلم علم الشر كي نراه ونميزه قبل أن يغزونا" (١).

стр. 14

من طبائع الفتن هذا، وإن للفتن طبائعَ وخصائصَ يُعين الاستبصار بها على تَوَقِّيها والنجاةِ منها، وما أكثر الفتن التي وقعت بسبب غياب البصيرة بهذه الطبائع. * فمن طبائع الفتن: أنها تتزين للناس في مباديها، حتى تُغْرِيهم بملابستها والتورط فيها. قال ابن عيينة عن خَلَف بن حوشب: كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن: قال امرؤ القيس: الحرب أول ما تكونُ فَتيّةً ... تَسْعى بزينتها لكلِّ جهُولِ حتى إذا اشتعلت وشَبَّ ضِرامُها ... ولَّتْ عجوزًا غيرَ ذاتِ حَليلِ شمطاءَ يُنكَرُ لونُها وتغيَّرت ... مكروهةً للشمِّ والتقبيلِ وكان خلف يقول: "ينبغي للناس أن يتعلموا هذه الأبيات في الفتنة" (١). وقال الإِمام ابن حزم (٢) -رحمه الله تعالى-: "نُوَّارُ الفتنةِ لا يَعْقِدُ" (٣).

стр. 15

والنُّوَّار: الزهر؛ ويقال: عَقَد الزهرُ: إذا تضامَّتْ أجزاؤه فصار ثمرًا. ومعنى كلام ابن حزم أن للفتنة مظهرًا خادعًا في مبدئه، حتى يستحسن الناسُ صورتَها، ويعقدوا الآمال عليها، ولكن سُرعان ما تموت وتتلاشى، مثل الزهرة التي تموت قبل أن تتفتح، وتُعطيَ ثمرتها. * والفتن، تذهب بعقول الرجال، وتستخفهم ببُداءاتها: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "أخاف عليكم فتنًا كأنها الدخان، يموت فيها قلبُ الرجل، كما يموت بدنه" (١). وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال رسول الله ﷺ : "تكون فتنة تعرجُ فيها عقولُ الرجال، حتى ما تكاد ترى رجلًا عاقلًا" (٢). وعنه ﵁ قال: "ما الخمر صِرفًا بأذهب بعقول الرجال من الفتنة" (٣). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن بين يدي الساعة الهَرْجَ" قالوا: وما الهرجُ؟ قال: "القتل، إنه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتلُ بعضِكم بعضًا، حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتلَ عمَّه، ويقتلَ ابنَ عمه" قالوا: ومعنا

стр. 16

عقولُنا يومئذٍ؟ قال: "إنه لَتُنزَع عقولُ أهلِ ذلك الزمان، ويَخْلُفُ له هباءٌ (١) من الناس، يحسب كثرهم أنهم على شيء، وليسوا على شيء"، قال أبو موسى: "والذي نفسي بيده ما أجد لي ولكم منها مخرجًا إن أدركتني وإياكم - إلا أن نخرج منها كما دخلنا فيها، ولم نصب منها دمًا ولا مالًا" (٢). وقد حدد حذيفة ﵁ مِحَكًّا يقيس به الإنسان مدى تأثره بالفتنة، فقال ﵁: "إن الفتنة تُعرضُ على القلوب، فأيُّ قلبٍ أُشرِبها: نُكِتت فيه نكتة سوداءُ، فإن أنكرها: نكِتت فيه نكتة بيضاءُ؛ فمن أحب منكم أن يعلم: أصابته الفتنةُ أم لا؟ فلينظر: فإن كان يرى حرامًا ما كان يراه حلالًا، أو يرى حلالًا ما كان يراه حرامًا، فقد أصابته الفتنة" (٣). * والفتنة- إذا جُففت منابعُها، وسُدت ذرائعها، وحُسِمت مادةُ أوائلها، وأُخِذَ علي أيدي سفهائها، ولم يُلتفت لقولهم: "ما أردنا إلا الخير" - سَلِمت الأمةُ من غوائلها، وكُفي الناسُ شرَّها. عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل القائم. على حدود الله والواقع (وفي رواية: والراتع) فيها، [والمدهِن فيها]؛ كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ [في البحر]

стр. 17

فأصاب بعضُهم أعلاها، و [أصاب] بعضُهم أسفلَها [وأوعرَها]، فكان الذي (وفي رواية: الذين) في أسفلها إذا استقوا من الماء فمروا على من فوقهم، [فتأذوا به] (وفي رواية: فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء، فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتوذوننا). فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا [فاستقينا منه] ولم نؤذِ مَن فوقنا (وفي رواية: ولم نمرَّ على أصحابنا فنؤذيهم)، [فأخذ (١) فأسًا، فجعل يَنْقُرُ أسفلَ السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتم بي، ولا بُدَّ لي من الماء]، فإن تركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم؛ نجوا، وأنجوا جميعًا" (٢). وكان النعمان بن بشير ﵄ إذا سرد هذه الحديث يقول قبله: "يا أيها الناس، خذوا على أيدي سفهائكم"، فإذا سرده عاد فقال: "خذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا" (٣). "ولقد صدق الصادق المصدوق ﷺ وصدق النعمان ﵁ فكم من مخلصٍ جاهل يسلك سبيل صاحب الفأس هذا في سفينة الدعوة؟ ذاك حمل فأسًا، وصاحبنا يحمل اللسان.

стр. 18

إنه يهدم، ويشكك، ويثبط، ويفرِّق، ويعصى، كل ذلك بدعاوى حسن النية، والنقد الذاتي، إنه يجهل أن القانون على السفينة إنما هو قانون العاقبة دون غيرها، فالحكم لا يكون على العمل بعد وقوعه، بل على الشروع فيه، بل على توجيه النية إليه، فلا حرية هنا في عملٍ يُفسد السفينة ما دامت ملجَّجة في بحرها، سائرة إلى غايتها. إن كلمة (الخرق) لا تحمل في السفينة معناها الأرضي، بل معناها البحري، فهناك لفظة (أصغر خرق) ليس لها إلا معنى (أوسع قبر) .. في قاع المحيط المظلم، لو تُرك هذا الخرق الصغير وشأنه. وكذا حسن النية، إنه لا يحمل عندنا في علاقاتنا معناه الأخروي الذي يحاسب الله بموجبه عباده، فالإفساد واحد حتى وإن كان بنية حسنة. أفما رأيت حالة هذه الطائفة التي في (الأسفل) تعمل لرحمة من هم في (الأعلى)؟ إنها قصة القواعد الساذَجة مع القيادات العاملة: عواطف ملتهبة .. لكنها بادرة. ومشاعر صادقة .. لكنها كاذبة. ورحمة خالصة .. لكنها مهلكة، إنهم المصلحون إصلاحًا مخروقًا" (١).

стр. 19

* ومن طبائع الفتن: أنها متى ما وقعت فإنها سَرعان ما تتطور، وتخرج عن حدود السيطرة، حتى إنها لتستعصي على من أشعلوها إن حاولوا إطفاءها. قال بعض أشياخ الشام: "مَن أعطى مِن نفسه أسبابَ الفتنةِ أولًا، لم ينجُ آخِرًا، ولو كان جاهدًا". وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى-: "والفتنة إذا وقعت عجز العقلاءُ فيها عن دفع السفهاء ... وهذا شأن الفتن كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله (١).

стр. 20

نور الفطنة ييدد ظلمات الفتنة ويتفاوت الناس في مدى استبصارهم بحقيقة الفتنة، واستجلاء عواقبها، تَبَعًا لما أوتوه من التقوى، والفقه. "فالقلب كالعين في إبصارها، فتجد عينًا لا تبصر البعيد، وأخرى لا تبصر بمجرد وجود ضباب طفيف، أو غبار خفيف، فضلًا عن أن تكون في ظلام، فإبصار القلب تابع لقوة الفقه، ونور الإيمان، ومقدارهما" (١). وقد شَبَّه النبي ﷺ الفتنة بقطع الليل المظلم، أي: الذي لا قمر فيه ولا ضياء، فالساري فيه على شفا هلكة إن لم يكن معه نور يبصر به مواقع قدمه، وهو في حال الفتن نور العلم الذي يكشف أهلَها، ويبين حالها. قال حذيفة ﵁: "لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل". وقد سمَّى الله تعالى كتابه العزيز نورًا؛ فقال -عز من قائل-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤]، وقال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨]، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].

стр. 21

وسماه "بصائر" فقال : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤]، وقال سبحانه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ [الجاثية: ٢٠]. وقد صحَّ عن عبد الرحمن بن أبزى قال: قلتُ لأُبي بن كعب لما وقع الناس في أمر عثمان: أبا المنذر ما المخرج؟ قال: "كتابُ الله، ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكِلْه إلى عالمه" (١). وقال أبو مسعود لحذيفة ﵁: "إن الفتنة وقعت، فحدثني ما سمعته" قال: "أَوَلم يأتكم اليقين؟ كتابُ الله " (٢).

стр. 22

العلماء سفينة نوح قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] وقال : ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. قال العلَّامة السعدي ﵁: "وفي هذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يُولَّى مَن هو أهلٌ لذلك، ويُجعلَ إلى أهله، ولا يُتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب، وأحرى للسلامة من الخطأ" (١). إن ذهاب العلم مقترن برواج الفتن، وإن الالتحام بالعلماء عصمة للأمة من الضلال، والعلماء سفينة نوح، من تخلَّف عنها -لا سيما في زمان الفتن- كان من المغرقين. عن ابن مسعود وأبي موسى ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل، ويُرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهَرْجُ؛ والهرج القتل" (٢). وعن أنسِ ﵁ قال رسول الله- ﷺ : "من أشراط الساعة أن يقل العلمُ، وبظهرَ الجهل" (٣).

стр. 23

وسبب قلة العلم موت حَمَلَتِهِ، كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمرٍو ﵄ قال رسول الله- ﷺ : "إن الله لا يقبض العلمَ انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جُهَّالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضَلُّوا، وأضَلُّوا" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: "أتدرون ما ذَهاب العلم؟ " قلنا: لا، قال: "ذهاب العلماء" (٢). وعنه ﵁ قال: "لا يزال عالم يموت، وأثر للحق يَدْرُس، حتى يكثر أهل الجهل، وقد ذهب أهلُ العلم، فيعملون بالجهل، ويدينون بغير الحق، ويضلون عن سواء السبيل" (٣). وعن هلال بن خباب قال: سالت سعيد بن جبير، قلت: يا أبا عبد الله! ما علامة هلاك الناس؟ قال: "إذا هلك علماؤهم" (٤). وعن زياد بن لبيد ﵁ قال: ذكر النبي ﷺ شيئًا، فقال: "ذاك أوانُ ذَهاب العلم"، قلت: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونُقرئه أبناءنا، وُيقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: "ثكلتك أمك يا زياد إن كنتُ لأراك من

стр. 24

أفقه رجل بالمدينة، أَوَليس اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما؟ " (١). وعن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: "خذوا العلم قبل أن يذهب"، قالوا: وكيف يذهب العلم يا نبي الله، وفينا كتاب الله؟ قال: فغضب -لا يُغضبه الله-. ثم قال: "ثكلتكم أمهاتكم، أَوَلم تكن التوراة والإنجيل في بني إسرائيل فلم يغنيا عنهم شيئًا؟! إن ذَهاب العلم: أنْ يذهب حَمَلَتُه" (٢).

стр. 25

الدنيا كلها ظلمة، إلا مجالس العلماء (١) قال الإِمام أبو بكر الآجري -رحمه الله تعالى-: "فما ظنكم -رحمكم الله- بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيها ضياء وإلا تحيَّروا، فقيَّض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس، لا بد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح، فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداءُ الفرائض، ولا كيف اجتنابُ المحارم، ولا كيف يُعْبد الله في جميع ما يَعبده به خلقُه إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحيَّر الناس، ودَرَس العلم بموتهم، وظهر الجهل" (٢). إن مهمة المبصرين هي التبصير، ولا سيما في أوقات الفتن؛ حيث يكون العلماء الفاقهون وحدهم هم المستشرفين لنتائجها في لحظات إقبالها على حَدّ قول الحماسي: تبين أعقابُ الأمور إذا مضت ... وتُقبل أشباهًا عليك صدورُها وقول الآخر: لو أن صدور الأمر يبدون للفتى ... كأعقابه لم تلفه يتندَّم

стр. 26

وقول الآخر يمدح ذا البصيرة النافذة: بصيرٌ بأعقاب الأمور برأيه ... كأنَّ له في اليوم عينًا على غدِ ولهذا قال الحسن البصريّ -رحمه الله تعالى-: "الفتنة إذا أقبلت عرفها (١) كل عالم (٢)، وإذا أدبرت عرفها (٣) كل جاهل". قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. فأهل العلم هم أهل البصيرة الذين نوَّر الله قلوبهم فميزوا الحق من الباطل: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: حدَّثنا رسول الله- ﷺ حديثًا طويلًا عن الدجال، فكان فيما يحدثنا أنه قال: يأتي الدجال -وهو محرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة- فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذٍ رجل هو خير الناس، أو من خيار الناس، فيقول: "أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه"، فيقول الدجال: "أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ "، فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه،

стр. 27

فيقول: "والله ما كنت فيك أشدَّ بصيرةً مني اليوم"، فيريد الدجال أن يقتله، فلا يُسلَّط عليه (١). إن الالتحام بالعلماء والصدور عن توجيههم من أهم سبل الوقاية من الفتن، والعصمة من الزيغ والضلال. فقد أعزَّ الله دينه بالصِّدِّيق الأكب ﵁ يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة. وبابن تيمية يوم الغزو التتاري الوحشي حين حرَّض الأمراءَ والعامةَ على التصدي للتتار، وارتاب الناس في حكم قتالهم، حتى قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: "لو رأيتموني في صف التتر مواليًا لهم، وعلى رأسي مصحف، فاقتلوني"، فتشجع الناس في قتال التتر، وقويت قلوبهم. وتأمل: كيف كشف السَّنوسي زيف دعوى المهدي السوداني؟! (٢) وكيف كشف الألباني وابن باز ببصيرة نافذة زيف دعوى المهدي القحطاني؟ (٣) وكيف وفَّرت البيئة الجاهلة المناخ المناسب لاحتضان ونُصرة مهدي المغاربة ابن تومرت (٤)، وغيرهم.

стр. 28

والجاهلون لأهل العلم أعداء ومما يجسد عداوة الجاهلين المبتدعين لأهل العلم والبصيرة: - موقف فرقة "الحشاشين" وهي الفرقة الإسماعيلية الباطنية النزارية، فقد كانوا فرقة إرهابية تعمل على اغتيال خصوم دعوتهم الإسماعيلية الباطنية من حُكَّام الأقاليم الإسلامية ووزرائهم، وتغتال العلماء والفقهاء المناوئين لهم (١). - موقف الجونبوري مدعي المهدية في "الهند" من العلم والعلماء: فقد كان يحظر على أتباعه طلب العلم بدعوى أن طلب العلم يضرهم، وكان يلزمهم بالاقتصار على صحبة مشائخ "المهدوية" مدعيًا أنهم المقصودون بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وبعد وفاة المهدي الجونبوري أخذ دعاته وأتباعه ينشرون مبادئ فرقتهم في أرجاء الهند، وقد وجدت هذه الحركة آذانًا صاغية في مناطق كثيرة من الهند، وفي إقليم "كجرات" أقبل كثير من العوام والجهلة والجنود وبعض العلماء على هذه الفرقة، وتكونت منهم قوة كبيرة، ووصل الأمر إلى أنه من ينكر الدعوة "المهدوية" يكفَّر، وإذا كان المُنكِر من أصحاب العلم والمعرفة، ومن وجهاء البلد؛ يُقتل (٢).

стр. 29

وهذا الشيخ "علي المتقي الهندي" من كبار علماء الحديث في القرن العاشر الهجري يتحير في شأن "الجونبوري"، ويميل إليه، بل قيل: إنه اعتنق المهدوية، ولما وصل إلى مكة المكرمة بحث مع علمائها مسألة "خروج المهدي"، فتبين له الحق، فنذر نفسه للرد على هذه الفرقة. وهو -رحمه الله تعالى- القائل في كتابه "البرهان في علامات مهدي آخر الزمان": "وكفى دليلًا على بطلان اعتقاد هذه الطائفة قتلهم العلماء، فإن خصلتهم هذه تدل على عدم الدليل على اعتقادهم، وعجزهم عن إثبات معتقدهم، فهذه الخصلة وحدها تكفي على البطلان" (١). ولما وزع داعية المهدوي الجونبوري "سيد عيسى" في عام (١٢٨٢ هـ) ثلاثة كتب في الانتصار لعقيدة المهدوية في أرجاء الهند، وبعد سَنَةٍ رَفَعَ التماسًا في محكمة "حيدر أباد" قال فيه: "إن هذه الكتب وزعت على علماء البلاد، وانتظرتُ سنة كاملة فلم يرد عليها أحد، والآن أرفعها إلى حضرتكم للنظر فيها، فإذا كان فيها ما يخالف العقيدة الإِسلامية فنحن نتوب عنها ونرجع إلى الحق، وإذا كان ما فيها صحيحًا فالرجاء منكم الاعتراف بهذا المذهب، والتصديق به، والمساعدة على نشرها، فبعث القاضي هذه الكتب إلى الشيخ "محمَّد زمان خان الشاهجهان بوري"، فحملته الغيرة الدينية على الردِّ على هذه الكتب، وألف كتابه المشهور "هدية مهدوية"، وبعد نشر هذا الكتاب أعلن داعية المهدوي "سيد

стр. 30

عيسى" في أتباعه أن من يقتل الشيخ "محمَّد زمان خان" فله قصران في الجنة، وأربع نخلات، فاندفع شاب مهدوي لتنفيذ اغتياله، وأخذ يتحين الفرص، وفي يوم من الأيام وجد الشيخ وحيدًا في المسجد بين المغرب والعشاء يقرأ القرآن الكريم، فجاء من خلفه، وضربه بالسيف، وهرب، وفاضت روح الشيخ فورًا، ﵀ رحمة واسعة، وتقبله في الشهداء البررة (١). وفي العصر المتأخر اغتالت يدُ الغدر والجهل العالِمَ السلفيَّ المجاهدَ "إحسان إلهي ظهير" الذي وقف حياته على الذبِّ عن الإِسلام والسُّنَّة، وكان سيفًا سَليطًا على أعدائهما، وببركة جهاده بلسانه وقلمه انحسرت كثير من الفرق الضَّالة، وخمد نشاطها، وقد سجن مرات عديدة بسبب نشاطه في قمع البدع، وما زال يذب عن حوزة الإِسلام، وينصر السّنَّة حتى اغتاله المبتدعون المارقون أثناء إلقائه محاضرة في (٢٣ رجب ١٤٠٧ هـ) في جمعية أهل الحديث بلاهور بباكستان بحضور ألفي شخص، حيث زرعت قنبلة بجوار المنصة التي كان يحاضر عليها، وقتل عشرة من العلماء وعدد من الحضور، ونقل إلى الرياض لعلاجه، ولكن وافته المنية بعد أيام، وصلى عليه الإِمام المجدد عبد العزيز بن باز - رحمه الله تعالى- ودفن في مقبرة البقيع مع خير أولياء الله بعد الأنبياء ممن كان يدافع عنهم، ويذب عن أعراضهم من صحابة رسول الله ﷺ ، وآل

стр. 31

بيته الطاهرين، وأمهات المؤمنين ﵃ أجمعين -، فنعم الجوار، ونعم الجار (١). نسأل الله تعالى أن يكرم نزله، وأن يتقبل عمله، وأن يرزقه الفردوس الأعلى من الجنة في روح وريحان، وجنة نعيم. ولولا خشية الإطالة لذكرنا صورًا كثيرة لحقد المبتدعة الجهال وإراقتهم دماء العلماء (٢).

стр. 32

الصبر زمن الفتن قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]. وقال : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. فالله- يجزي المؤمن على صبره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ [المؤمنون: ١٠٩ - ١١١]،فأخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]. أي: أتصبرون على البلاء، فقد عرفتم ما وجد الصابرون، فقرن الله -سبحانه- الفتنة بالصبر ها هنا، وفي قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ [النحل: ١١٠]. عن أُسيد بن حُضَير ﵁ أن رجلًا أتى النبيَّ- ﷺ فقال: يا رسول الله! استعملتَ فلانًا ولم تستعملني، فقال

стр. 33

النبي ﷺ : "إنكم سترون بعدي أُثْرة -وفي لفظ: ستلقون بعدي أثرة- فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" (١) وعن أمير المؤمنين معاوية ﵁ قال: سمعتُ النبي- ﷺ يقول: "لم يبقَ من الدنيا إلا بلاء وفتنة" (٢). وقد جعل النبي ﷺ الصبر أوسع العطاء، فقال كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "وما أُعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" (٣)، وذلك أن الصبر لا يعقبه إلا السعة واليسر، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥، ٦]؛ ولذا قال عمر ﵁: "أدركنا خير عيشنا بالصبر". أَمَا والذي لا خُلْدَ إلا لوجهه ... ومن ليس في العز النيع له كفو لئن كان بدء ابصبر مُرًّا مذاقُهُ ... لقد يُجتني من غِبِّه الثمرُ الحلو وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: ايْمُ الله، لقد سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "إن السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لَمَنْ جُنِّبَ الفتن، ولَمَنْ ابتُلِيَ فَصبر، فَوَاهًا" (٤).

стр. 34

وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر" قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك -فذكر الحديث- قال فيه: "كيف أنت إذا أصاب الناسَ موتٌ يكون البيتُ فيه بالوصيف؟ " - يعني: القبر- قلت: الله ورسوله أعلمُ، أو قال: ما خار الله لي ورسوله (١)، قال: "عليك بالصبر" أو قال: "تصبر ... " الحديث (٢). وفي رواية أن أبا ذر قال: ركب رسول الله ﷺ حمارًا، وأردفني خلفه وقال: "يا أبا ذر: أرأيت إن أصاب الناسَ جوعٌ شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "تعفف" قال: "يا أبا ذر: أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد -يعني: القبر- كيف تصنع؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "اصبر ... " الحديث (٣).

стр. 35

والمراد بالبيت المذكور في الروايتين: القبر، كما هو مصرَّح به في الحديث، وكما ذكره جمع من أهل العلم؛ كالخطابي (١)، وابن الأثير (٢) وغيرهما. وأما الوصيف: فهو العبد أو الخادم، والوصيفة: الأمة، يُريد أن الناس يُشغلون عن دفن موتاهم، وهذا يدل على أن الفتن تكثر، فتكثر القتلى، حتى إنه ليشتري موضع قبر يدفن فيه الميت بعبدٍ، من ضيق المكان عليهم، مبالغةً في كثرة وقوع الفتن، أو لاشتغال بعضهم ببعض، وبما حدث من الفتن لا يوجد من يحفر قبر ميت ويدفنه، إلا أن يعطى وصيفًا أو قيمته (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان، الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر" (٤). قال الطيبي: "المعنى: كما لا يقدر القابض على الجمر أن يصبر لإحراق يده، كذلك المتدين يومئذٍ لا يقدر على ثباته على دينه لغلبة العصاة والمعاصي وانتشار الفسق وضعف الإيمان" (٥).

стр. 36

وقال القاري: "الظاهر أن معنى الحديث: كما لا يمكن القبض على الجمرة إلا بصبر شديد وتحمُّل غلبة المشقة كذلك في ذلك الزمان، لا يتصور حفظ دينه ونور إيمانه إلاَّ بصبر عظيم". انتهى (١).

стр. 37

مقارنة الحِلْم والرفق، ومفارقة العجلة والطيش عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ" (١). وعنها ﵂ قالت: اسْتَأذَنَ رَهْطٌ مِن الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُم السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحب الرِّفْقَ في الْأَمْرِ كلِّهِ"، قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: "قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ" (٢). وعن جرير ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيرَ كُلَّهُ" (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ (٤) وَالْأَنَاةُ" (٥). وعن خباب بن الأرتِّ ﵁ قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فقلنا: أَلَا

стр. 38

تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لنا؟ فَقَالَ: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُوْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الْأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "التَّأَنِّي مِنَ الله، وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيطَان، وَمَا أَحَدٌ أَكْثَر مَعَاذيرَ مِنَ الله، وَمَا مِنْ شَيءٍ أَحَبُّ إِلى الله مِنَ الحِلْمِ" (٢). والعَجَلة: فعل الشيء قبل وقته اللائق به، وكانت العرب تَكْني العجلة أمَّ الندامات (٣). وقال عطاء بن أبي رباح -رحمه الله تعالى-: "ما أوى شيءٌ إلى شيءٍ أزين من حِلمٍ إلى علمٍ" (٤). وقال وهب بن منبه - رحمه الله تعالى-: "الرفق ثِنْيُ الحِلم" (٥).

стр. 39

وقال حكيمُ العرب "أكثم بن صيفي" (١): "دِعامة العقل الحِلم، وجِمَاع الأمر الصبر" (٢). وقال أمير المؤمنين عليٌّ ﵁: "إن أولَ ما عَوَّضَ الحليمَ مِن حِلمه أن الناسَ كلَّهم أعوانُه على الجاهل" (٣). وقال أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵄: "لا يبلغُ العبدُ مبلغَ الرأي حتى يغلبَ حِلْمُه جهلَه، وصبرُه شهوتَه، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم" (٤). وسأل ﵁ عمرَو بنَ الأهتم: أيُّ الرجال أشجع؟ قال: "من رَدَّ جهلَه بحِلْمِه"، قال: فأي الرجال أسخى؟ قال: "من بذل دنياه لصالح دينه" (٥). وقال معاوية ﵁ لرجلٍ شَهِدَ عنده بشهادةٍ: "كذبتَ"، فقال الأعرابي: "إن الكاذب لَلْمُتَزَمّلُ في ثيابك"، فقال معاوية ﵁: "هذا جزاء من يَعْجَل" (٦). وقال الأوزاعي: "كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلًا حبسه ثلاثًا، ثم عاقبه؛ كراهيةَ أن يعجل في أول غضبه" (٧).

стр. 40

وقال مُطَرِّف: "أتى على الناسِ زمانٌ خيرُهم في دينهم المتسارع، وسيأتي على الناس زمان خيرهم في دينهم المتأنِّي". قال علي بن عَثَّام في تفسيره: "كانوا مع رسول الله ﷺ وأصحابه إذا أُمروا بالشيء تسارعوا إليه، وأمَّا اليومَ فينبغي للمؤمن أن يتبين، فلا يُقدم إلا على ما يعرف" (١). وقال محمَّد بن بشير: قدِّر لرِجالك قبل الخطوِ موضعَها ... فمن علا زَلَقًا عن غِرَّةٍ زَلجَاَ (٢) أي: لا تأتِ أمرًا حتى تفكر في مغبته وعاقبته: فإن كان لك أقبلت عليه، وإن كان عليك كففتَ عنه. وعن حفص بن غياث، قال: قلت لسفيانَ الثوريِّ: "يا أبا عبد الله، إن الناسَ قد أكثروا في المهدي، فما تقول فيه؟ قال: إن مَرَّ على بابك؛ فلا تكن منه في شيء، حتى يجتمع الناس عليه" (٣). وقال عبد الله: "إنها ستكون هَنَاتٌ، وأمورٌ مشبهات، فعليك بالتؤدة، فتكون تابعًا في الخيرِ خيرٌ من أن تكون رأسًا في الشر" (٤). وعن حذيفة ﵁ قال: "إياكم والفتنَ لا يشخص إليها أحد؛ فوالله، ما شخص فيها أحد، إلا نسفته، كما ينسف السيلُ
следующие страницы →