← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98084

بصائر في الفتن

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (138 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال القاري: "الظاهر أن معنى الحديث: كما لا يمكن القبض على الجمرة إلا بصبر شديد وتحمُّل غلبة المشقة كذلك في ذلك الزمان، لا يتصور حفظ دينه ونور إيمانه إلاَّ بصبر عظيم". انتهى (١).

стр. 37

مقارنة الحِلْم والرفق، ومفارقة العجلة والطيش عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ" (١). وعنها ﵂ قالت: اسْتَأذَنَ رَهْطٌ مِن الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُم السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحب الرِّفْقَ في الْأَمْرِ كلِّهِ"، قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: "قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ" (٢). وعن جرير ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيرَ كُلَّهُ" (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ (٤) وَالْأَنَاةُ" (٥). وعن خباب بن الأرتِّ ﵁ قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فقلنا: أَلَا

стр. 38

تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لنا؟ فَقَالَ: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُوْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الْأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "التَّأَنِّي مِنَ الله، وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيطَان، وَمَا أَحَدٌ أَكْثَر مَعَاذيرَ مِنَ الله، وَمَا مِنْ شَيءٍ أَحَبُّ إِلى الله مِنَ الحِلْمِ" (٢). والعَجَلة: فعل الشيء قبل وقته اللائق به، وكانت العرب تَكْني العجلة أمَّ الندامات (٣). وقال عطاء بن أبي رباح -رحمه الله تعالى-: "ما أوى شيءٌ إلى شيءٍ أزين من حِلمٍ إلى علمٍ" (٤). وقال وهب بن منبه - رحمه الله تعالى-: "الرفق ثِنْيُ الحِلم" (٥).

стр. 39

وقال حكيمُ العرب "أكثم بن صيفي" (١): "دِعامة العقل الحِلم، وجِمَاع الأمر الصبر" (٢). وقال أمير المؤمنين عليٌّ ﵁: "إن أولَ ما عَوَّضَ الحليمَ مِن حِلمه أن الناسَ كلَّهم أعوانُه على الجاهل" (٣). وقال أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵄: "لا يبلغُ العبدُ مبلغَ الرأي حتى يغلبَ حِلْمُه جهلَه، وصبرُه شهوتَه، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم" (٤). وسأل ﵁ عمرَو بنَ الأهتم: أيُّ الرجال أشجع؟ قال: "من رَدَّ جهلَه بحِلْمِه"، قال: فأي الرجال أسخى؟ قال: "من بذل دنياه لصالح دينه" (٥). وقال معاوية ﵁ لرجلٍ شَهِدَ عنده بشهادةٍ: "كذبتَ"، فقال الأعرابي: "إن الكاذب لَلْمُتَزَمّلُ في ثيابك"، فقال معاوية ﵁: "هذا جزاء من يَعْجَل" (٦). وقال الأوزاعي: "كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلًا حبسه ثلاثًا، ثم عاقبه؛ كراهيةَ أن يعجل في أول غضبه" (٧).

стр. 40

وقال مُطَرِّف: "أتى على الناسِ زمانٌ خيرُهم في دينهم المتسارع، وسيأتي على الناس زمان خيرهم في دينهم المتأنِّي". قال علي بن عَثَّام في تفسيره: "كانوا مع رسول الله ﷺ وأصحابه إذا أُمروا بالشيء تسارعوا إليه، وأمَّا اليومَ فينبغي للمؤمن أن يتبين، فلا يُقدم إلا على ما يعرف" (١). وقال محمَّد بن بشير: قدِّر لرِجالك قبل الخطوِ موضعَها ... فمن علا زَلَقًا عن غِرَّةٍ زَلجَاَ (٢) أي: لا تأتِ أمرًا حتى تفكر في مغبته وعاقبته: فإن كان لك أقبلت عليه، وإن كان عليك كففتَ عنه. وعن حفص بن غياث، قال: قلت لسفيانَ الثوريِّ: "يا أبا عبد الله، إن الناسَ قد أكثروا في المهدي، فما تقول فيه؟ قال: إن مَرَّ على بابك؛ فلا تكن منه في شيء، حتى يجتمع الناس عليه" (٣). وقال عبد الله: "إنها ستكون هَنَاتٌ، وأمورٌ مشبهات، فعليك بالتؤدة، فتكون تابعًا في الخيرِ خيرٌ من أن تكون رأسًا في الشر" (٤). وعن حذيفة ﵁ قال: "إياكم والفتنَ لا يشخص إليها أحد؛ فوالله، ما شخص فيها أحد، إلا نسفته، كما ينسف السيلُ

стр. 41

الدّمَن؛ إنها مُشَبَّهَةٌ مقبلةً، حتى يقولَ الجاهلُ: هذه تُشَبَّه؛ وتبيَّنُ مدبرةً؛ فإذا رأيتموها: فاجثموا في بيوتكم، وكسِّروا سيوفكم، وقطعوا أوتاركم" (١). وعنه ﵁ أنه ذكر فتنة، فقال: "تُشَبَّهُ مُقْبِلَةً، وتُبَيَّنُ مُدْبِرةً" (٢). قال شمر: "معناه: أن الفتنة إذا أقبلت شَبَّهَت على القوم، وأرتهم أنهم على الحق؛ حتى يدخلوا فيها، ويركبوا منها ما لا يحل؛ فإذا أدبرت وانقضت بَانَ أمرها، فَعَلِمَ من دخل فيها أنه كان على الخطأ" (٣). فلا تُخْدَعْ بأولِ ما تراه ... فأولُ طالعٍ فجرٌ كذوبُ وفي مثل هذا المعنى قال شبيب بن البرصاء: تَبَينُّ أعجازُ (٤) الأمورِ مَواضيًا ... وتُقْبِلُ أَشْباهًا عليكَ صُدُورُها (٥) ومثله قول الشاعر: تشابَهُ أعناقُ (٦) الأمورِ بواديًا ... وتظهرُ في أعقابها حين تُدْبِرُ ومثله قول قتيبة بن عمروٍ الأسدي: يشكُّ عليك الأمرُ ما دام مقبلا ... وتعرفُ ما فيه إذا هو أَدْبَرا

стр. 42

وقال الشاعر يذم قومًا: ولا يتقونَ الشرَّ حتى يصيبَهم ... ولا يعرفونَ الأمرَ إلا تدبرا قال أبو حاتم محمَّد بن حبان البستي -رحمه الله تعالى-: "إن العاجل لا يَكاد يلحق؛ كما أن الرافق لا يكاد يُسْبَق، والساكت لا يكاد يندم، ومن نطق لا يكاد يسلم، وإن العَجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يُجَرِّبَ، ويذم بعد ما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم، والعَجِلُ تصحبهُ الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تَكْني العجلَةَ أمَّ الندامات" (١). لا تَعْجَلَنَّ فَرُبَّمَا ... عَجِلَ الْفَتَى فِيمَا يَضُرُّهْ وَلَرُبَّمَا كَرِهَ الْفَتَى ... أَمْرًا عَوَاقِبُهُ تََسُرُّهْ (٢) وفي المثل: "إذا لم تستعجل؛ تَصِلْ". وقال القُطامي: قَدْ يُدْرِكُ المتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمستَعْجِلِ الزَّلَلُ وربما فات بعض القومِ أمرهمُ ... مع التأني وكان الرأيُ لو عَجِلُوا (٣) وقال عمرو بن العاص لابنه عبد الله ﵄: "الخَرَقُ معاداةُ إمامِك، ومناوأةُ مَن يَقْدِرُ على ضررك" (٤).

стр. 43

وقال الحسن البصريّ -رحمه الله تعالى-: "إنما يُكَلَّمُ مؤمنٌ يُرجَى، أو جاهلٌ يُعَلَّم، فأما من وضع سيفه أو سوطه؛ وقال لك: اتقني اتقني! فما لك وله؟! " (١) وعن الشعبي قال: أغلظ رجلٌ لمعاوية، فقال: "أنهاك عن السلطان، فإن غَضبَه غضبُ الصبي، وأخذَهُ أخذُ الأسد" (٢). فَائدَةٌ مَعْنَى قَوْلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ في الرُّومِ: "إِنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ": قال المستورِدُ القرشي عند عمرو بن العاص ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ- ﷺ يَقُولُ: "تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أكثَرُ النَّاسِ" فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ؛ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا-: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِين وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الملُوكِ" (٣).

стр. 44

والشاهد قوله ﵁: "إِنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ"؛ "يعني: إذا ظهر تغير الحال، وظهرت الفتن؛ فإنهم يحلُمون، ولا يعجلون، ولا يغضبون؛ لِيقُوا أصحابهم النصارى القتلَ، ويقوهم الفتنَ؛ لأنهم يعلمون- أن الفتنة إذا ظهرت؛ فإنها ستأتي عليهم؛ فلأجل تلك الخصلة فيهم، بقوا أكثر الناس إلى قيام الساعة؛ ولهذا فإننا نعجب أن لا نأخذ بهذه الخصلة التي حمد بها عمرو بن العاص ﵁ الروم، وكانت فيهم تلك الخصلة الحميدة، ونحن أولى بكلِّ خَيْرٍ عند مَن هم سوانا" (١).

стр. 45

الإِمام ابن القيم يحذِّر من استفزاز البُداءات فقد ندد - رحمه الله تعالى- بمن تستخفه البُداءات وعوارضُ الشبهات، فقال فيمن هذا شأنه: " ... هذا دليلُ ضعفِ عقله ومعرفتِه؛ إذ تؤثر فيه البُداءات، ويُستفز بأوائل الأمور، بخلاف الثابت التام العاقل، فإنه لا تستفزه البُداءات، ولا تزعجه وتقلقه، فإن الباطل له دهشةٌ وروعة في أوله، فإذا ثبت له القلبُ؛ رُدَّ على عقبيه، والله يحب مَن عنده العلم والأناة، فلا يعجل، بل يثبت حتى يعلم، ويستيقنَ ما ورد عليه، ولا يعجل بأمرٍ مِن قبلِ استحكامه، فالعجلة والطيش من الشيطان، فمن ثبت عند صدمة البُداءات؛ استقبل أمره بعلم وحَزْم، ومن لم يثبت لها؛ استقبله بعجلةٍ وطيش، وعاقِبتُه الندامةُ، وعاقبةُ الأولِ حَمْدُ أمرِه، ولكن للأول آفة متى قُرِنت بالحزم والعزم نجا منها؛ وهي: الفَوْتُ، فإنه لا يُخاف من التثبت إلا الفَوْتُ، فإذا اقترن به العزم والحزم؛ تم أمره، ولهذا في الدعاء الذي رواه الإِمام أحمد والنسائي عن النبي ﷺ : "اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، والعَزِيْمَةَ عَلَى الرُّشْدِ" (١).

стр. 46

وهاتان الكلمتان هما جماع الفلاح، وما أُتي العبدُ إلا من تضييعهما أو تضييع أحدهما، فما أُتي أحد إلا من باب العجلة والطيش، واستفزاز البداءات له، أو من باب التهاون والتماوت، وتضييع الفرصة بعد مُواتَاتها (١)، فإذا حصل الثبات أولًا، والعزيمة ثانيًا أفلح كل الفلاح، والله ولي التوفيق" (٢). اهـ. والواقعة التالية تجسِّد لك سلوكَ الذي تستخفه بُداءاتُ الأمور، وتستفزه أوائلها، وسلوكَ الحليم الواثق الذي يصدر عن علم وبصيرة، وحزم وعزم: فقد قال يُسَيْرُ بن جابر: "هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هِجِّيرَى (٣) إلا: يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة، قال: فقعد، وكان متكئًا، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يُقْسَمَ ميراثٌ، ولا يُفْرَحَ بغنيمة، ثم قال بيده هكذا (ونحاها نحو الشام) فقال: عدوٌ يجمعون لأهل الإِسلام، ويجمع لهم أهلُ الإِسلام" الحديث (٤)

стр. 47

من مواقف التثبت في الفتن عن عمر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁، أنه جاءه ابنه عامر، فقال: أي بُنَيَّ! أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسًا؟ لا والله، حتى أُعْطى سيفًا، إنْ ضربتُ به مسلمًا، نبا عنه، وإن ضربت كافرًا، قتله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب الغني الخفي المتقي" (١). - وعن محمَّد قال: نُبِّئْتُ أن سعدًا ﵁ قال: "ما أزعم أني بقميصي هذا أحقُّ مني بالخلافة، جاهدتُ وأنا أَعْرَفُ بالجهاد، ولا أبخَعُ نفسي إن كان رجلًا خيرًا مني، لا أقاتل حتى يأتوني بسيفٍ له عينان ولسانٌ، فيقول: هذا مؤمن، وهذا كافر" (٢). - وعن عامرِ الشعبيِّ قال: لما قاتلَ مروانُ الضحاكَ بنَ قيس أرسلَ إلى أيمن بن خُريم الأسدي، فقال: "إنَّا نحبُ أن تقاتلَ معنا" فقال: "إن أبي وعَمِّي شَهِدا بدرًا، فعهِدا إليَّ أنْ لا أقاتلَ أحدًا يشهدُ أنْ لا إله إلا الله، فإن جئتني ببراءةٍ من النَّار قاتلتُ مَعَكَ! " فقال: "اذهب"، ووَقَعَ فيه، وسَبَّهُ، فأنشأ أيمن يقول:

стр. 48

ولستُ مقاتلًا رجلًا يصلي ... عَلَى سلطانِ آخرَ مِنْ قريشِ له سلطانه وعليَّ إثمي ... معاذ الله مِن جهل وطيشِ أأقاتل مسلمًا في غير شيء؟ ... فليس بنافعي ما عشتُ عيشي (١) - قال حميدُ بن هلال: أتى مُطَرِّفَ بنَ عبدِ الله زمانَ ابنِ الأشعثِ ناسٌ يدعونه إلى قتال الحجاج، فلمَّا أكثروا عليه، قال: "أرأيتم هذا الذي تدعونني إليه: هل يزيد على أن يكون جهادًا في سبيل الله؟ " قالوا: لا، قال: "فإني لا أخاطر بين هلكةٍ أقع فيها، وبين فضلٍ أصيبه" (٢). - وقال حميد بن هلال -أيضًا-: أتى مُطَرفَ بنَ عبدِ الله الحروريةُ يدعونه إلى رأيهم، فقال: "يا هؤلاء، إنه لو كان لي نفسان بايعتكم بإحداهما، وأمسكت الأخرى، فإن كان الذي تقولون هدًى أتبعتُها الأخرى، وأن كان ضلالةً هلكت نفسٌ، وبقيتْ لي نفسٌ، ولكن هي نفسٌ واحدةٌ، فلا أغرر بها" (٣). - وقال مُطَرِّف بن عبد الله ﵁ -أيضًا: "لأن آخذ بالثقة في القعود أحبُّ إليَّ من أن ألتمس -أو قال: أطلب- فضل الجهاد بالتغرير" (٤).

стр. 49

وقال أيضًا ﵁: "إن الفتنة ليست تأتي تهدي الناس، ولكن إنما تأتي تقارع المؤمنَ عن دينه؛ ولأن يقول الله: "لم لا قتلتَ فلانًا؟ " أحبُّ إليَّ من أن يقول: "لم قتلتَ فلانًا؟ " (١). وعن عُقبةَ بن إسحاق قال: كان منصور بن المعتمر يأتي زُبيد بن الحارث، فكان يذكُر له أهل البيت، ويَعْصِرُ عينيه، يريده على الخروج أيام زيد بن علي، فقال زبيدٌ: "ما أنا بخارج إلا مع نبيٍّ، وما أنا بواجده" (٢).

стр. 50

العَجلَة أمُّ الندامات قال قتادة بن دعامة -رحمه الله تعالى-: "قد رأينا والله أقوامًا يُسرعون إلى الفتن، وينزعون فيها، وأمسك أقوام عن ذلك هيبةً لله، ومخافة منه، فلما انكشفت، إذا الذين أمسكوا أطيب نفسًا، وأثلج صدورًا، وأخف ظهورًا من الذين أسرعوا إليها، وينزعون فيها، وصارت أعمال أولئك حزازاتٍ على قلوبهم كلما ذكروها، وَايمُ اللهِ! لو أن الناس يعرفون من الفتنة إذا أقبلت كما يعرفون منها إذا أدبرت، لعقل فيها جيل من الناس كثير (١). وقال محمَّد بن طلحة: رآني زُبيد مع العلاء بن عبد الكريم، ونحن نضحك، فقال: "لو شهدتَ الجماجم (٢) ما ضحِكتَ، ولوددتُ أنَّ يدي -أو قال: يميني- قُطِعت من العضُد وأني لم أكن شهدتُ" (٣). وعن إسماعيل بن أبي خالد قال مرة: "شهدت فتح القادسية، في ثلاثة آلاف من قومي؛ فما منهم من أحد: إلا خف في الفتنة غيري، وما منهم أحد: إلا غبطني" (٤).

стр. 51

وقال الشعبي- لما أُدخل على الحجاج، وكان قد شارك في الفتنة-: "قد اكتحلنا بعدك السهرَ، وتَحَلَّسْنا الخوفَ، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء" (١). ولما أُتي بفيروز بن الحصين إلى الحجاج، قال له: "أبا عثمان! ما أخرجك مع هؤلاء؟ فقال: أيها الأمير! فتنة عَمَّت، فأمر به الحجاج، فضُرِبت عنقه" (٢). وقال حماد بن زيد: ذكر أيوبُ السختياني القراء الذين خرجوا مع ابن الأشعث، فقال: "لا أعلم أحدًا منهم قُتِل إلا قد رُغِب عن مصرعه، ولا نجا أحد منهم إلا حَمِد الله الذي سلَّمه، وندِم على ما كان منه" (٣). وقال مالكُ بنُ دينار: لقيتُ معبدًا الجهني بمكة بعد ابن الأشعث وهو جريح، وقد قاتل الحجاج في المواطن كلها، فقال: "لقيتُ الفقهاءَ والناسَ، لم أرَ مثل الحسن، يا ليتنا أطعناه"، كأنه نادم على قتال الحجاج (٤). وعن أبي قِلابة قال: لما انجلت فتنة ابن الأشعث، كنا في مجلس، ومعنا مسلم بن يسار، فقال مسلم: "الحمد لله الذي أنجاني من هذه الفتنة، فوالله ما رميتُ فيها بسهم، ولا طعنتُ فيها برمحٍ، ولا ضربتُ

стр. 52

فيها بسيف" (١)، قال أبوقلابة: فقلت له: "فما ظنك يا مسلم بجاهلٍ نظر إليك، فقال: والله ما قام مسلم بن يسار سيدُ القراء هذا المقامَ إلا وهو يراه عليه حقًّا، فقاتل حتى قُتِل؟ "، قال: "فبكى والذي نفسي بيده، حتى تمنيت أني لم أكن قلتُ شيئًا" (٢). وعن عبد الله بن عون قال: "كان مسلم بن يسار لا يُفَضَّلُ عليه أحدٌ في ذلك الزمان حتى فعل تلك الفَعْلَة، فلقيه أبو قِلابة فقال: والله لا أعود أبدًا، فقال أبو قلابة: إن شاء الله، فتلا أبو قلابة ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، فأرسلَ مسلم عينيه" (٣).

стр. 53

ومن أسباب النجاة من الفتن: التثبت من الأخبار إن التثبت من الأخبار قبل تصديقها، فضلًا عن إذاعتها، منهج قرآني أصيل، يُستراحُ به من القال والقيل، ويوفر من طاقة الأمة المهدرة في الفتن ما يفيد في البناء. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤] عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا من بني سليم مرَّ على نفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ومعه غنم له، فسلَّم عليهم، فقالوا: "ما سلَّم عليكم إلاَّ ليتعوذ منكم"، فقاموا إليه، وقتلوه، وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية (١) "والفتن إنما تظهر بالإشاعات والبواطيل، وتنتشر بالقال والقيل، مع خفة عقلٍ في نَقَلَتِها، ورِقَّةِ دين، تمنعهم من امتثال أمر الله تعالى بالتثبت وترك الاستعجال.

стр. 54

ولتجدنَّ أشدَّ الناس حِدَّة في الطبع، وإعجابًا بالنفس، وتعصبًا للرأي؛ هم أولئك الذين لا يتثبتون ولا يتبيَّنون، فيغلب عليهم الصَّلَف والكِبْر، وعدمُ مراعاة الناس، والجميع عندهم جَهلة لا يعلمون، وهم العارفون العالمون. إن حملَ المسلمين على العدالة هو الأصل الذي لا ينبغي العدول عنه إلاَّ بمثله من اليقين، أما بمجرد قُوْلٍ قيل لا يُدرى من أي رأس خرج ولا على أي أرض درج؛ فجريمة يُسأل صاحبها عنها، مفضية إلى الندامة في الدنيا قبل الآخرة. وعليه؛ فإن من أعظم ما تُدفع به الفتن: التثبت والتبيُّن في الأخبار، لا سيما إذا كان الخبر متعلقًا بعموم الأمة، أوبرأس من رءوسها، وليعلم أن مجرد الثقة في الناقل لا تكفي بمفردها؛ وذلك لما يعتري النفوسَ من الهوى والشهوة ونفث الشيطان. ثم لو فرض صحة الخبر يقينًا، فإنه يبقى بعد ذلك النظر في مصلحة نشره من عدمها، فإنه ليس كل ما يعلم يقال، وإن من الأخبار ما لا يُلقى إلاَّ إلى الخاصة الذين يُصلحون في الأرض ولا يفسدون. وليعلم -أيضًا- أن هتكَ الأستار، ليس من الإصلاح في شيء؛ إذ إن الله تعالى أمر بالستر والنصح، وأَمْرُه سبحانه هو الصلاح والإصلاح بعينه، فما خالفه فليس من الإصلاح في شيء كما قلنا. إن المنهج الحق: هو التناصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع شفقة على المنصوح وحزن عليه يقتضي تمام السعي في

стр. 55

إصلاحه وإن كان جبارًا عنيدًا، وقد جعل النبي ﷺ المقتول بسبب كلمة الحق من أعظم الشهداء عند الله، لكنه لم يجعل لهاتك الأستار إلاَّ الفضيحة في الدنيا؛ إذ يوشك الله تعالى أن يفضحه ولو في جوف داره (١)، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من سوء الحال والمآل". اهـ (٢). روُي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجلٍ شيئًا، فقال له عمر: "إن شئت نظرنا في أمرك: فإن كنتَ كاذبًا، فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]، وإن كنت صادقًا، فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١١]، وإن شئت عفونا عنك؟ "، فقال: "العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا" (٣). إن اتقاء الغَواية في الرواية، والتحريَ والتثبت من الأخبار التي تتداولها الألسن وقت الفتن والحروب أَوْكَد من غيره من الأوقات؛ لأنها سلاح فتَّاك قد يضر أكثر مما تضر الأسلحة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]. قال الحافظ ابن كثير ﵁ في تفسيرها: "وقوله:

стр. 56

﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها، وقد لا يكون لها صحة. وقد قال مسلم في مقدمة "صحيحه" ... عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كفى بالمرءكذبًا أن يحدِّث بكل ما سمع" (١). وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة: أن رسولَ الله ﷺ "نهى عن قيل وقال ... " (٢). أي: الذي يُكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبين، وفي الصحيح: "مَنْ حدَّث عني بحديثٍ يُرى أنه كذب؛ فهو أحد الكاذِبِين" (٣). ولنذكر ها هنا حديث عمر بن الخطاب ﵁ المتفق على صحته حين بلغه أن رسول الله ﷺ طلَّق نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد، فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على النبيِّ ﷺ ، فاستفهمه: أطلَّقتَ نساءك؟ فقال: "لا"، فقلت: الله أكبر ... وذكر الحديث بطوله. وعند مسلم: فقلت: أطلقتهنَّ؟ فقال: "لا"، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يُطَلِّق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ

стр. 57

مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فكنت أنا استنبط ذلك الأمر (١). ومعنى يستنبطونه؛ أي: يستخرجونه من معادنه؛ يُقال استنبط الرجلُ العينَ، إذا حفرها واستخرجها من قعورها ... " (٢) اهـ. ثم قال تعالى في عَجُزِ الآية: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيها المؤمنون ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ في قَبول تلك الإشاعات المغرضة والإذاعات المُثَبِّطَة ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منكم من ذوي الآراء الصائبة والحصافة العقلية؛ إذ مثلهم لا تُثيرهم الدعاوى، ولا تغيرهم الأراجيف، ككبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين (٣). قال صاحب "الظلال"- عفا الله عنه -: "والصورة التي يرسمها هذا النص، هي صورة جماعة في المعسكر الإِسلامي، لم تألف نفوسهم النظام، ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة المعسكر، وفي النتائج التي تترتب عليها، وقد تكون قاصمة؛ لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث؛ ولم يدركوا جدية الموقف، وأن كلمة عابرة وفلتة لسان، قد تجرُّ من العواقب على الشخص ذاته، وعلى جماعته كلها ما لا يخطِرُ له ببال، وما لا يُتدارك بعد وقوعه بحال! أو -ربما- لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر، وهكذا لا يعنيهم ما يقع له من جرَّاء أخذ كل شائعة والجري بها هنا وهناك، وإذاعتها حين يتلقاها لسان عن لسان، سواء كانت إشاعة أمن أو إشاعة خوف ... فكلتاهما قد

стр. 58

يكون لإشاعتها خطورة مدمِّرة! فإن إشاعة أمر الأمن مثلًا في معسكر متأهب مستيقظ متوقع لحركة من العدو .. إشاعة أمر الأمن في مثل هذا المعسكر تُحدِثُ نوعًا من التراخي، مهما تكن الأوامر باليقَظة؛ لأن اليقَظة النابعة من التحفز للخطر غير اليقَظة النابعة من مجرد الأوامر، وفي ذلك التراخي قد تكون القاضية! كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوته، ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة، وقد تُحدث إشاعة أمر الخوف فيه خلخلة وارتباكًا، وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف .. وقد تكون كذلك القاضية! وعلى آية حال؛ فهي سمة المعسكر الذي لم يكتمل نظامه، أو لم يكتمل ولاؤه لقيادته، أو هما معًا ... ويبدو أن هذه السمة وتلك كانتا واقعتين في المجمتع المسلم حينذاك باحتوائه على طوائف مختلفة المستويات في الإيمان، ومختلفة المستويات في الإدراك، ومختلفة المستويات في الولاء ... وهذه الخلخلة هي التي كان يعالجها القرآن بمنهجه الرَّباني. والقرآن يدل الجماعة المسلمة على الطريق الصحيح: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، أي: لو أنهم ردُّوا ما يبلغهم من أنباء الأمن أو الخوف إلى الرسول ﷺ إن كان معهم، أو إلى أمرائهم المؤمنين، لَعَلِمَ حقيقته القادرون على استنباط هذه الحقيقة واستخراجها من ثنايا الأنباء المتناقضة، والملابسات المتراكمة.

стр. 59

فمهمة الجندي الطيب في الجيش المسلم، الذي يقوده أمير مؤمن -بشرط الإيمان ذاك وحده- حين يبلغ إلى أذنيه خبر، أن يسارع فيُخبر به نبيه أو أميره، لا أن ينقله أو يذيعه بين زملائه؛ أو بين من لا شأن له به؛ لأن قيادته المؤمنة هي التي تملك استنباط الحقيقة، كما تملك تقدير المصلحة في إذاعة الخبر -حتى بعد ثبوته- أو عدم إذاعته ... " (١). ليس كل ما يُعلم يُقال: قال أمير المؤمنين عليٌّ ﵁: "حَدِّثوا الناسَ بما يعرفون، أتحبون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولهُ؟! " (٢). وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغُه عقولُهم، إلَّا كان لبعضهم فتنة" (٣). وقد ترجم البخاريّ -رحمه الله تعالى- في كتاب العلم: "باب: من خصَّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا" (٤)، "باب: من ترك بعض الاختيار مخافة أن يَقْصُر فهمُ بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدَّ منه" (٥). قال حماد بنُ زيد: سئل أيوبُ السَّخْتِياني عن مسألةٍ، فسكت، فقالَ الرجلُ: يا أبا بكر لم تفهم، أعيدُ عليكَ؟ قال: فقال أيوب: "قد فهمتُ، ولكني أفكرُ كيف أجيبك" (٦)

стр. 60

ورَوَى الحَاكِمُ في تَاريِخِهِ بإِسْنَادِهِ عَنْ أَبي قُدَامَةَ عَن النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ قَالَ: سُئِلَ الخَلِيلُ عَنْ مَسأَلَةٍ فَأَبْطَأَ بالْجَوَابِ فِيهَا، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا في هَذِه الْمَسْألَةِ كُلُّ هَذَا النَّظَر، قَالَ: "فَرَغْتُ مِن الْمَسْأَلَةِ وَجَوَابهَا، وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجيبَك جَوَابًا يَكُونُ أَسْرَعَ إلَى فَهْمِكَ"، قَالَ أَبُو قُدَامَةَ: فَحَدَّثتُ بهِ أَبَا عُبَيْدٍ فَسُرَّ به (١). ومن هذا الباب قولُ أبي هريرة ﵁: "حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين: فأمَّا أحدهما فبثثتُهُ، وأما الآخر فلو بثثتُه قُطع هذا البُلْعُوم" (٢). والبُلْعُوم:- بضم الموحدة- مجرى الطعام، وقد كنَّى بذلك عن القتل. وفي رواية: "لَقُطِعَ هذا" يعني: رأسه. وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثَّه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يَكْنِي عن بعضه، ولا يُصرِّح به خوفًا على نفسه منهم؛ كقوله: "أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان"، يُشير إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، وكان يقول ﵁: "اللهمَّ لا تدركني سنة ستين، ولا إمارة الصبيان" (٣)، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة (٤).

стр. 61

فأبو هريرة ﵁ كتم الأحاديث التي فيها الفتن، والأحاديث التي في بني أمية، ونحو ذلك من الأحاديث، ككتمه لأسماء الأُغَيْلمة السُّفهاء الذين يكون هلاك الأمة على أيديهم؛ فقد قال ﵁ سمحت الصادق المصدوق يقول: "هلكةُ أُمتي على يدَي غِلْمَةٍ من قريش" ... ثم قال أبو هريرة: "لو شئت أن أقول بني فلان، بني فلان لفعلت" (١). وفي رواية: "إن شئْت أن أُسَمِّيَهُمْ، وبني فلان، وبني فلان" (٢). "فأبو هريرة ﵁ كتم الوعاء الآخر الذي حفظه من رسول الله ﷺ ، ولم يبثه، بل حفظ لسانه وكفه من إشاعته؛ درءًا للمفسدة وخشية الفتنة، علمًا بأنه قال هذا الكلام في زمن معاوية ﵁، ومعاوية قد اجتمع الناس عليه بعد فرقة وقتال، معلوم في التاريخ ما حصل فيه، فأبو هريرة كتم الوعاء الآخر، ولم يبثه في ذلك الزمن، وكتم - أيضًا- بعض الأحاديث الأخرى التي ليست من الأحكام الشرعية؛ كل ذلك لأجل ألَّا تكون فتنة بين الناس، فهو ﵁ لم يقل: إن رواية الحديث وقوله حق، ولا يجوز كتمان العلم، لم يقل ذلك؛ لأن كتم العلم في مثل ذلك الوقت -وقت الفتن- الذي تكلم فيه أبو هريرة لا بُدَّ منه؛ جلبًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة، لكيلا يتفرق الناس شذَر مذَر بعد أن اجتمعوا في عام الجماعة على معاوية بن أبي سفيان ﵁. وصنيع أبي هريرة هذا يدل على حكمته وحصافته وفطنته ﵁؛ حيث حفظ لسانه زمن الفتنة بُغية اجتماع الأمة وعدم افتراقها" (٣).

стр. 62

وجوب حفظ اللسان يجب على كل مُكلَّف أن يكفَّ لسانه ويحفظه عن كل باطل، وفي جميع الأوقات والأحوال، بيد أنه يتأكد ذلك الحفظ إبَّان الفتنة، وحلول المحنة؛ ففيها تكثر الأقاويل، وتزداد شهوة الإشاعات والمبالغات والأباطيل، وعندها تكون الآذان مستعدة لاستقبال كل ما يُقال، وفي هذا تكمن الخطورة، فربَّ كلمة أشدُّ من وقع السيف أيام الفتنة. فلذا؛ يجب على المسلمين قاطبة أن يكفُّوا ألسنتهم عن كل كلمة تزيد من وَهَج الفتنة. وليُعلم أن اللسان من أخطر ما خلق الله في جسم الإنسان، لذا يقول تعالى منبهًا المؤمنين: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]. قال الإِمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-: "ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنى، والسرقة، وشُرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى تَرى الرجل يُشار إليه

стр. 63

بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورِّع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري (١) في أعراض الأحياء والأموات، ولا يُبالي ما يقول! " (٢) اهـ. وقد كان السلف الصالح ﵏ يحاسب أحدهم نفسه في قوله: يوم حار، ويوم بارد. ولقد رُؤيَ بعض الأكابر من أهل العلم في النوم فسُئل عن حاله؟ فقال: أنا موقوف على كلمةٍ قلتُها؛ قلتُ: ما أحوجَ الناسَ إلى غيث!، فقيل لي: وما يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي (٣). وليُعلم أن أيسر حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضرها على العبد. وما أكثر الأحاديث والآثار الواردة في التحذير من آفات هذه الآلة الخطيرة، في كل الأوقات عمومًا، وفي زمن الفتن والمحن خصوصًا. فمما ورد في التحذير من آفات اللسان عمومًا: سؤال معاذٍ النبيَّ ﷺ عن العملِ الذي يدخله الجنة ويباعده من النار، فأخبره برأسه وعموده وذروة سنامه، ثم قال: "ألا أخبرك بمِلاك (٤) ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: "كُفَّ عليك هذا"،

стр. 64

فقال: وإنَّا لمُؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أُمك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ على وجوههم -أو مناخيرهم- إلَّا حصائدُ ألسنتهم" (١). وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- معلقًا على قول النبي ﷺ لمعاذ ﵁: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ "، قلت: بلى. فأخذ بلسانه، فقال: "تكف عليك هذا" ... الحديث: "هذا يدل على أن كفَّ اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله، وأن مَنَ مَلَك لسانه، فقد ملك أمره، وأحكمه وضبطه" (٢) اهـ. وقد سُئل النبي ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناسَ النارَ؟ فقال: "الأجوفان: الفم، والفرج" (٣). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال رسول الله ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ... " الحديث (٤).

стр. 65

وعن علقمة بن وقاص؛ قال: مَرَّ به رجل له شرف، فقال له علقمة: إن لك رحمًا، وإن لك حقًّا، وإني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء، وتتكلم عندهم بما شاء الله أن تتكلم به، وإني سمعت بلال بن الحارث المزنيِّ، صاحبَ رسول الله ﷺ ، يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن أحدكُم ليتكلَّمُ بالكلمة من رضوان الله، ما يظُنُّ أن تبلُغَ ما بلغت، فيكتبُ الله لهُ بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يَظُنُّ أن تبلُغَ ما بَلَغَتْ، فيكتب الله عليه بها سُخْطَةُ إلى يوم يلقاهُ". قال علقمة: فانظر، ويحك! ماذا تقول، وماذا تكلَّمُ به، فَرُبَّ كلامٍ، قد منعني أن أتكلم به، ما سمعت من بلال بن الحارث (١). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبيَّ- ﷺ قال: " ... وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في نار جهنم" (٢). وفي لفظ: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب" (٣). وعن شَكَل بن حميد ﵁ قال: أتيت النبيَّ ﷺ ، فقلت: يا رسول الله؛ عَلِّمْني تعوذًا أتعوذ به، قال: فأخذ

стр. 66

بكفِّي، فقال: قل: "اللهمَّ إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي" (١). وعن سفيان بن عبد الله الثقفي، قال: قلت: يا رسول الله! ما أخوفُ ما تخافُ عليَّ؟ فأخذ بلسَانِ نفسه، ثم قال: "هذا" (٢). ورُوِيَ أُم حبيبة زوج النبي ﷺ ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "كلُّ كلامِ ابنِ آدمَ عليه لا لَهُ، إلاَّ أمرٌ بمعروف، أو نهيٌ عن منكر، أو ذِكرٌ لله " (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبيَّ- ﷺ قال: "إذا أصبحَ ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاء كلَّها تُكَفِّرُ اللسانَ (٤) فتقول: اتقِ الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا" (٥). هذا وقد اطَّلع عمر بن الخطاب على أبي بكر ﵄ وهو يمُدُّ لسانه، فقال: ما تصنعُ يا خليفة رسول الله؟ فقال: إن هذا أوردني

стр. 67

المواردَ، إنَّ رسول الله ﷺ قال: "ليسَ شيءٌ من الجسدِ إلَّا وهو يشكُو ذَرَبَ (١) اللسانِ" (٢). وعن شقيق قال؛ لبَّى عبد الله ﵁ على الصفا، ثم قال: "يا لسان! قُلْ خيرًا تغنم، اسكت تسلم، من قبل أن تندم"، قالوا: "يا أبا عبد الرحمن، هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ " قال: "لا، بل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أكثرُ خطايا ابنِ آدمَ في لسانه" (٣).

стр. 68

في الصمت السلامة عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَمَتَ نجا" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (٢). وعن معاذ بن جبل ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إنك لم تَزَلْ سالمًا ما سَكَتَّ، فإذا تكلَّمْت كُتِبَ لك أو عليك" (٣). وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: "مَنْ كثُر كلامُه كثر سَقَطُه (٤)، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثُرت ذنوبه كانت النار أولى به" (٥).

стр. 69

وكان رسول الله ﷺ طويلَ الصمت، قليلَ الضحك (١). ووصف هندُ بنُ أبي هالة ﵁ منطِقَ رسول الله ﷺ للحسن بن علي ﵄ فقال: " ... كان طويلَ السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلامَ ويختمه باسم الله تعالى، ويتكلم بجوامع الكلم، كلامه فَصْل، لا فضولَ ولا تقصير" (٢). وسأل الحسين بن علي ﵄ أباه عن مخرجه ﷺ ، كيف كان يصنع فيه؟ فقال ﵁: "كان رسول الله ﷺ يَخْزِن (٣) لسانه إلَّا فيما يعنيه ... " (٤). وقال -أيضًا-: "كان- ﷺ لا يذم أحدًا، ولا يَعيبه، ولا يطلب عورته (٥)، ولا يتكلم إلَّا فيما رجا ثوابه" (٦). قال عبد الله ﵁: "والذي لا إله إلَّا هو، ما على وجه الأرض أحوج إلى طولِ سَجْنٍ مِن لسان (٧).

стр. 70

وعن يزيد بن أبي حبيب، قال: "إن المتكلم لينتظر الفتنة، وإن المُنْصِتَ لينتظر الرحمة" (١). وقد قيل: "ما نَدِمَ حليمٌ ولا ساكت". وقال الفضيل: "خصلتان تُقَسِّيان القلب: كثرةُ الكلام، وكثرةُ الأكل" (٢). وعن سفيان، قال: "طول الصمت مِفتاحُ العبادة". وعن محمَّد بن النضر الحارثي، قال: كان يقال: "كثرة الكلام تُذْهِبُ الوقَار" (٣). وعن أبي الذيَّال، قال: "تعلم الصمتَ كما تتعلمُ الكلامَ، فإن يكن الكلامُ يهديك؛ فإن الصمت يقيك، ولك في الصمت خَصلتان: تأخذ به عِلْمَ مَن هو أعلمُ منك، وتدفع به عنك مَن هو أجدلُ منك" (٤). وقال إبراهيم بن الأشعث: "سمعت الفضيل يقول: مَن استوحش مِن الوَحْدة، واستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء، ولا حجَّ ولا جهادَ أشدُّ من حبس اللسان، وليس أحدٌ أشدَّ غَمًّا ممن سجن لسانه" (٥).

стр. 71

وقال إبراهيم بن أدهم: "إذا اغتممت بالسكوت، فتذكر سلامتك من زلل اللسان" (١). وعن مروان بن محمَّد، قال: قيل لإبراهيم بن أدهم: "إن فلانًا يتعلم النحو"، فقال: "هو إلى أن يتعلمَ الصمتَ أحوجُ" (٢). وعن المُعَلَّى، قال: قال مورِّق: "أمْرٌ أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة، لم أقدر عليه، ولستُ بتاركٍ طلبَه أبدًا"، قالوا: "وما هو يا أبا المعتمر؟ "، قال: "الكفُّ عما لا يعنيني" (٣). وقال رياح القيسي: قال لي عتبة الغلام: "يا رياح، إن كنتُ كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمتُ، فبئس الناظرُ لها أنا، يا رياح، إن لي موقفًا يُغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول" (٤). وقال طاوس:"لساني سَبُع، إن أرسلتُه أكلني" (٥). وعن شيخ من قريش قال: قيل لبعض العلماء: "إنك تُطيل الصمتَ"، فقال: "إني رأيتُ لساني سَبُعًا عَقورًا، أخافُ أن أخَلِّيَ عنه فَيَعْقِرني" (٦).

стр. 72

وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "والكلام أسيرك، فإذا خرج من فِيكَ صِرْتَ أنت أسيرَه، واللهُ عندَ لسانِ كلِّ قائلٍ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨] " (١). وقال بعضهم: "رأيت مالكًا صامتًا لا يتكلم، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، إلَّا أن يكلمه إنسان فيسمع منه، ثم يجيبه بشيء يسير، فقيل له في ذلك، فقال: وهل يَكُبُّ الناسَ في جهنم إلَّا هذا؟ وأشار إلى لسانه" (٢). وعن أبي بكر بن عياش قال: "أدنى نفعِ السكوتِ السلامةُ،- وكفى به عافية، وأدنى ضررِ المنطقِ الشهرةُ، وكفى بها بلية" (٣). ما إن ندمت على سكوتي مرّة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا وعن إبراهيم، قال: "كانوا يجلسون، فأطولهم سكوتَا أفضلُهم في أنفسهم" (٤). وعن محارب، قال: "صحبنا القاسم بن عبد الرحمن فغلبنا بثلاث: بكثرة الصلاة، وطولِ الصمت، وسخاء النفس" (٥). وحضر ابن المبارك يومًا عند الثوري، فلم يتكلم بحرف حتى قام، فلما قام قال الثوري لأصحابه: "وددت أني أقدر أن أكون مثلَه" (٦).

стр. 73

وقال عبد الله بن أبي زكريا: "عالجتُ الصمتَ ثنتي عشرةَ سنةً، فما بلغتُ منه ما كنت أرجو" (١). وعن مالك، عن سعيد بن أبي هند، قال: "وجدت الصمت أشدَّ من الكلام" (٢). وعن أرطاة بن المنذر قال: "تعلَّم رجل الصمتَ أربعين سنة، بحَصَاةٍ يضعها في فيه، لا ينزِعُها إلَّا عند طعام، أو شراب، أو نوم" (٣). قال الإِمام مُوَرِّقٌ العِجْلِيُّ: "تعلمت الصمت في عشر سنين، وما قلتُ شيئًا قَطُّ إذا غضبت، أندم عليه إذا زال غضبي" (٤). الموازنة بين الصمت والكلام: فليكن الأصل هو الصمت؛ إذ يكفي في فضل الصمت كونه أقوى وسيلة وقائية من الغِيبة وأخواتها من آفات اللسان، والسلامة لا يعدلها شيء إلَّا مَن تيقن مِن حصول الغنيمة بالكلام. روُيَ عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، قالت: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ كلام ابن آدمَ عليه، لا له، إلَّا أمرٌ بمعروف، أو نهيٌ عن منكر، أو ذِكرٌ لله" (٥).

стр. 74

وقال الإِمام النووي -رحمه الله تعالى-: "اعلم أنه ينبغي لكل مكلَّف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلَّا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلامُ وتركُه في المصلحة، فالسُّنَّة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجرُّ الكلامُ المباح إلى حرام أو مَكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة (١) لا يعدلها شيء. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، قال: (مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) متفق عليه (٢)، وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي ألَّا يتكلم إلا إذا كان الكلامُ خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحتُه، ومتى شكَّ في ظهور المصلحة فلا يتكلم" (٣) اهـ. وقد قال الإِمام الشافعي ﵀: "إذا أراد الكلامَ فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر" (٤) اهـ.

стр. 75

وقال رجل لسلمان الفارسي ﵁: "أوصني"، فقال: "لا تتكلم! " قال: "ما يستطيع من عاش في الناس ألَّا يتكلم"، قال: "فإن تكلمتَ فتكلم بحق، أو اسكت" (١). قال الشافعي ﵀: وجدتُ سكوتي متجرًا فَلَزِمتُه ... إذا لم أَجِدْ ربحًا فلستُ بخاسرِ وقال -أيضًا-: قالوا سكتَّ وقد خوصمتَ قلتُ لهم ... إن الجوابَ لبابِ الشرِّ مفتاحُ وقال مرةً رجل: "ما أشدَّ البرد اليوم! " فالتفت إليه المعافى بن عمران، وقال: "استدفأت الآن؟! لو سكتَّ؛ لكان خيرًا لك" (٢). وقال أبو بكر بن محمَّد بن القاسم: كان شيخنا أبو إسحاق الشيرازي إذا أخطأ أحد بين يديه، قال: "أيُّ سكتةٍ فاتتك؟ " (٣).
следующие страницы →