← Фикх общий

Фикх общий · id 98086

الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز

عبد العظيم بدوي

Полный текст (480 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز طبعة جديدة ومنقحة ومزيدة تأليف الدكتور عبد العظيم بَدَوِيّ قدم له فضيلة الشيخ / محمد صفوت نور الدين فضيلة الشيخ / محمد صفوت الشوادفي فضيلة الشيخ / محمد إبراهيم شقرة دار بن رجب

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار ابن رجب المنصورة - مصر، ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًَا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخله على الكومبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. الطبعة الثالثة ١٤٢١هـ - ٢٠٠١م الناشر دار ابن رجب للنشر والتوزيع فارسكور ت: ٤٤١٥٥٠/ ٥٧. المنصورة ت: ٣١٢٠٦٨/ ٠٥٠

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم * ولدنا العزيز الشيخ عبد العظيم -حفظه الله- وهداه إلى كل خير. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد. فاسأل الله -سبحانه- أن يديم عليك نعمته، ويتولاك بتوفيقه ويجعل لك من أمرك يسراً. هذا .. وقد سعدت باستلام مؤلفك العزيز "الوجيز"، ونظرت فيه فوجدت مادته طيبة مباركة، فجزاك الله من العلم وطلابه ومريديه خيراً. وإنى مرسل إليك بمقدمة: * ضمنتها ما أحسبه حقًا وصوابًا من كتابك، جعله الله نوراً وبصيرة، وذخراً نافعك يوم القيامة. * ولدنا البار العزيز عبد العظيم ........ وقاه الله وسدَّد خطاه. لما وردنى كتابك "الوجيز" هذا، يسعى في ظهيرة يوم، في عزة حياء، وخفر ثناء، وذكرى ولاء، بتقدمة منه لي، أكرهها في نفسي لو كانت من غيرك -لكنها منك- إنما هى من ابن بار -أعلم منه نقاء السريرة- وصادق المودة، وحسن الصحبة، لذا: فإنها ستظل مرقومة في صفحة قلبي إلى أن تبلغ التراقي. * رضي الله عليك يا ولدنا عبد العظيم - لقد استنصحتنى يوماً وما استنصحت إلا من يمحض إخوانه وأبناءه نصحه، ومحب لهم الخير، ويعين في الشدة، ويصبر على نائبة، ولا يقعد عن نصرة ولا يهن في بلاء، ولا يجد في

стр. 4

صدره إلا على الشيطان وأغويائه، ولا يضمر إلا ما يزوره من أسباب مودة لإخوانه، أو كزوزة ألم على من يريد بهم شرًا، أو فرح يغمر جوانحه لخير يدركهم، ثم هو من بعد هذا ومن قبله لا يجد في إساءة أحدهم، إلا ما يجد الوالد في نفسه من إساءة، لا تعز على عفوه عمن أساءه في أبنائه. * لقد أنالك الله بحسن إصغائك واستجابتك للنصح ما حسدك عليه الخصوم والأعداء، وغبطك عليه المحبون والأصدقاء، ووهبك من نعمائه ما أنت له أهل، وجعل منك سبيلا باذلًا للمعروف لمن هو له أهل ولمن ليس له أهل، فإن أصبت أهله فهو أهله وإن لم تصب أهله فأنت أهله وكفى!! وليس لك من الأمر شيء. وهذا هو شعارى يا ولدنا منذ كنت، ما بخلت على من ظننت فيه خيرًا يومًا بمعروف ولا كنت ضنينًا على من أجهل حاله ساعة بإحسان، ولا تحريت عن حال من يأتينى سائلًا غويًا. * ولا أحسب إلا أن الله -سبحانه- قد منَّ عليك بقلم سطرت به علمًا في كتابك هذا النفيس الوجيز، وبلسان أبليت فيه أعوامًا بالدعوة إلى الكتاب العزيز، وُبخُلق رفيع لم يدع عذرًا لعائذ بإيهام أو بتعجيز، وهذا هو جماع أمر الداعية إلى الله على بصيرة إن أخطأه القلم أوفى منه إلى بيان اللسان، وإلا فإن له من خلقه، ما يدعو الناس على بينة بأسوة، يراه الناس بها في أنفسهم حلت منها منزلة. لا تكون إلا لمن كان على مثل ما هو عليه، ولعمر الحق، إن هذا في الدعاة اليوم لعزيز. وإذا كنت يا عبد العظيم واحدًا من أولئك النفر القليل - الذين أوفوا على الأمر الشديد فصبروا عليه وأماطوا الأذى عن الطريق حتي أناخهم الصبر عليه وقعدوا عن الشر فأدميت أعقابهم عليه - فإن "وجيزك" كان عزاء لمثلى في شدة، وبسمة وضيئة في كربة وومضة رجاء في ظلمة، إذ وجدت ممن كان منه لي

стр. 5

وفاء -وقد عزَّ في الناس- الوفاء - قد ذلق قلمه بحبات من نور الكتاب والسنة فرشها علي قراطس نقية، صيَّرها مسائل فقهية نفيسة، تتحلى بها أجياد القلوب، وتترنم بوقعها الآخاذ حفيَّات العقول، وتسترشد بالعمل بها صفيات النفوس. أعظم الله قدرك يا عبد العظيم - فقد عرفت قدرك فلزمت حدَّك، وقدرك عظيم عندي وعند كل من يعرفك، فقد أسلفت لما عاهدت، وانتفيت مما أوجف فيه القاعدون جهودهم الضالة، أصابوا بها ضلَّة، وأخطأوا رشدة، وأخلدوا من بعدها إلى رقدة. أما أنت فمضيت إلى غاية استهديت إليها بمشورة من تحب ومن يحبك، فما بخل بها عليك كما لم يبخل بها على من تعرف فمن كان يومًا يُستشر، وما فرحت لشيء من بعد سفرك، فرحى للأخبار المضمخة بعطر الدعوة، وشذى الوحي، وروح العلم، التي ينطلق بها لسانك المدرة في المساجد، وقاعات الدرس، وعرصات القرى، ألَّفت بها بين القلوب، وجمعت عليها عصيَّات النفوس، ونقيت فيها مريبات النفوس، حتى إذا ما انتهيت إلى قناعة أن الناس في حاجة إلى كتاب يجمع بين دفتيه مسائل الفقه، تؤلفها في أبواب وفصول، يغنيهم عن المطَّولات، وضعته لهم في هذا "الوجيز" المبارك. ولقد نظرت في أبوابه وفصوله نظرة عُجلى، فوقفت منها على ما ملأنى إعجابًا، ووجدت صدق ما قال فيه أخونا الفاضل الشيخ/ محمَّد صفوت نور الدين: "قد حوي من أقصر طريق تحقيق الاقتداء بالرسول الكريم في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الفقه"، وصدق ما قال فيه أخونا الفاضل فضيلة الشيخ/ صفوت الشوادفي: "هذا الكتاب الذي بين يدي القراء. قد وفق الله مؤلفه، وأجري على يديه الخير الكثير، والنفع الجزيل، وذلك من خلال منهج واضح يتميز بالسهولة والشمول مع الإفصاح والإيضاح" فجزاهما الله خيرًا على

стр. 6

ما كان فهمًا في ثناء على هذا الكتاب ومؤلفه. * وحسبى من الثناء ثناؤهما -أما سائر ما قلت في الكتاب ومؤلَّفه، فهو فيض نفس أرضخها ألم - وأثقلها همَّ وأجاءها إلى حزن لميم سقم، فهو أشبه ما يكون برسالة - أبعث بها إلى واحد من أعز الأبناء على قلبى لعلي- وأرجو- أن أجد فيه شيئًا أتعزى به- وإنى إن شاء الله لواجده- وأنفى به عن نفسى بعض ما أصابها من سُقياى من قعب الجحود، بأيدي أولئك القاطعين حبل الوفاء بشفرة النسيان. "فجزاك الله يا ولدنا علي ما قدمت، وبارك عليك وعلى أهل بيتك، ورزقنا وإياكم ومن نحب جميعًا ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة وحشرنا في زمرة المصطفى ﷺ ، فنشرب من يده الشريفة شربة من ماء حوضه - لا نظمأ بعدها أبدًا. والحمد لله أولًا وآخرًا، والصلاة والسلام على نبى الرحمة والهدى المبعوث إلى الناس كافة، وعلى آله وصحابته والتابعين بإحسان. عمان العشرين من جمادى الآخرة/ ١٤١٦ هـ. الثالث عشر من تشرين الثاني / ١٩٩٥ م كتبه/ محمد إبراهيم شقرة

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله -تعالى- بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل عليه الكتاب والحكمة (وهي السنة) وأمره باتباع ما أنزل عليه، والإعراض عن غيره فقال ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] وأمر أتباعه أيضًا بما أمره به فقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] ونهاهم عن مخالفة التنزيل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] فقال ابن عباس ﵁: "لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة" [ابن كثير: ٤١٢٠٥]. وقد جعل الله الناس قسمين: عالمِين، وعامُّيين وأمر الآخرين أن يسألوا الأولين فقال ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. فإذا عرض العامى نازلته على المفتى فهو قائل له: "أخرجنى عن هواى ودلنى على اتباع الحق"، فلا يمكن -والحال هذه- أن يقول له:"في مسألتك قولان، فاختر لشهوتك أيهما شئت؟! فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع" [الموافقات للشاطبى: ١٤٣/ ٤] والعامى إنما سأله ليدله على حكم الشرع فكان الواجب عليه أن يذكر له الراجح من القولين بدليله، لا أن يقول له: في مسألتك قولان.

стр. 8

ولقد ضاق العامّيون ذرعًا بقول المفتى: فيها قولان، حتى نكّتوا على ذلك. وتعاونًا مني مع العامة والخاصة وضعت هذا الكتاب: "الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز" مقتصرًا فيه على القول الراجح الذي يرجحه الدليل من الكتاب والسنة، راجيًا الله أن يكون ما ظهر لي رجحانه هو الراجح، فما كان كذلك فمن الله فضلًا، وما لم يكن كذلك فأستغفر الله منه وأسأل الله سبحانه أن يمن عليّ فيه بالراجح كما منّ عليّ به في غيره. ويسعدنى أن تصدر هذه الطبعة الثانية مزدانة بتقديم من والدنا الكريم سماحة الشيخ الأستاذ/ محمَّد إبراهيم شقرة -حفظه الله- ونفع المسلمين بعلمه. وأسأل الله -سبحانه- أن يضع لهذه الطبعة القبول وأن ينفعِ بها المسلمين، وأن يدخر لي ثوابها ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وكتبه عبد العظيم بن بدوى الخلفى (لقبًا) بمنزلى الكائن بقرية الشين/ مركز قطور محافظة الغربية/ جمهورية مصر العربية ضحى الخميس غرة رمضان ١٤٢٠ هـ - ٩/ ١٢/ ١٩٩٩ م.

стр. 9

تقديم بقلم فضيلة الشيخ/ محمد صفوت نور الدين الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول لله ﷺ . فلقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن معاوية بن أبى سفيان ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١). وأخرجا أيضًا عن أبي موسى الأشعرى ﵁ قال: قال النبي ﷺ : مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضًا، فكان منها نقيةٌ قبلت الماء، فانبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هى قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (٢). وبعد: أيها القارئ إن رسول الله ﷺ كما وصفته عائشة ﵂: "كان خلقه القرآن" (٣). أي كان تنفيذًا عمليًا للوحى وتطبيقًا له. من أجل ذلك كان ﷺ يقول للناس "صلوا كما رأيتمونى أصلي" (٤) ويقول في الحج "خذوا عني مناسككم" (٥) ويقول في الوضوء "من توضأ نحو وضوئى هذا ... " (٦) ويقول في غير هذا

стр. 10

"أو مالك فيّ اسوه" (١) ولقد قال رب العزة سبحانه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. لذلك أصبح لزامًا على كل مسلم أن يتعلم ما كان يفعله رسول الله ﷺ في عبادته أو معاملته حتى يمتثل لذلك لأنه هو دين الإِسلام. وهذا الوجيز بين يديك قد حوى من أقصر طريق تحقيق الاقتداء بالرسول الكريم ﷺ في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الفقه وحتى تطمئن نفس القارئ للعمل زين القول بالدليل وحرص الشيخ أكرمه الله ونفع به على أن يكون الدليل مما تلقاه أهل الحديث بالقبول فجاء بالصحيح وما قاربه وأعرض عما اشتدت به العلة لأن في دين الله ما يغنى عن المردود من الآثار. والشيخ عبد العظيم بن بدوى نفع الله بعلمه جمع فيه بين القلة في الكلام وبين الأدلة التي تطمئن السالكين فكان هذا الكتاب -على صغر حجمه بين الدواوين- جامعا لكتابين معًا الأول كتاب فقه يأخذ بيد القارئ ماذا يفعل والثانى كتاب حديث يصور فيه قول الرسول الكريم ﷺ وفعله والجمع بينهما خير كبير فالكتاب يكفى السالك إلى الله رب العالمين ويرضى طلبه العلم المجتهدين. لذا فالكتاب يحتاجه الناس وآمل أن يكون القارئ له متدبرًا يقرأ مقدمته ولا ينسى خاتمته ويعمل بما بينهما. ولقد قرأت الكتاب من أوله حتى آخر الحج فالفيته سهلًا ميسورًا خلا من ذكر الخلاف تيسيرا على كل من أراد النجاة بالعمل الصالح والتعرف على العلم النافع فالله نسأل أن يوفق الشيخ الكريم إلى المزيد من هذا النتاج الطيب وأن ينفع بعلمه وأن يكلله بالنجاح وأن يوفق كل من قرأ الكتاب للعمل وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل والإخلاص في السر والعلن والله من وراء القصد. وكتبه فقير عفو ربه ورضاه محمد صفوت نور الدين

стр. 11

بقلم فضيلة الشيخ/ صفوت الشوادفى رئيس تحرير مجلة التوحيد الحمد لله .. والصلاة والسلام على عبده ومصطفاه؛ محمَّد رسول الله، واله وصحبه ومن والاه ... وبعد: فإن علم الفقه- كما يقول ابن نجيم ﵀ من أشرف العلوم قدرًا وأعظمها أجرًا، وأتمها عائدة، وأعمها فائدة، وأعلاها مرتبة، وأسناها منقبة، يملأ العيون نورًا، والقلوب سرورًا، والصدور انشراحًا ويفيد الأمور اتساعًا وانفتاحًا؛ هذا لأن ما بالخاص والعام من الاستقرار على سنن النظام، والاستمرار على وتيرة الاجتماع والالتئام، إنما هو بمعرفة الحلال من الحرام، والتمييز بين الجائز والفاسد في وجوه الأحكام، بحوره زاخرة، ورياضه ناضرة، ونجومه زاهرة، وأصوله ثابتة، وفروعه نابتة، لا يفنى بكثرة الإنفاق كنزه ولا يبلى على طول الزمان عزّه. أهله قِوام الدين، وقُوََّامه، وبهم ائتلافه وانتظامه، وإليهم المفزع في الدنيا وأمور الآخرة، والمرجع في التدريس والفتوى. وهذا الفن لا يدرك بالتمنى، ولا ينال بسوف ولعلّ ولو أنىّ!! ولا يناله إلا من كشف عن ساعد الجد، وشمرَّ، واعتزل أهله، وشد المئزر وخاض البحار، وخالط العجاج، يدأب في التكرار والمطالعة بكرة وأصيلا، ينصب نفسه للتأليف والتحرير بياتاٌ ومقيلا، ليس له همّة إلا معضلة يحلها؛ أو مستصعبة عزت على القاصرين إلا ويرتقى إليها ويحلها؛ على أن ذلك ليس من كسب العبد، وإنما هو من فضل الله يؤتيه من يشاء. أهـ كلامه. وقد كان السلف الصالح ﵃ يتفقهون في الدين بالمعنىِ الكامل الشامل الذي نبه عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا

стр. 12

كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. فلم يكن فقه القوم يقف عند معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والمعاملات؛ وإنما كان يمتد ليشمل كل علوم الشريعة قاطبة!! فكلانوا يتفقهون في التوحيد والسيرة والرقائق كما يتفقهون في التفسير والحديث وغيرهما! فهم -كما قال الله يتفقهون في الدين. فكانت ثمرة هذا الفقه: إنذار قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون! وهذا الكتاب الذي بين يدي القراء قد وفق الله مؤلفه، وأجرى على يديه الخير الكثير، والنفع الجزيل. وذلك من خلال منهج واضح يتميز بالسهولة والشمول مع الإفصاح والإيضاح. ويقوم على استخراج الأحكام من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة بطريقة سهلة تعين القارئ على سرعة اللهم، ووفرة التحصيل. وهو يقدم النصوص على الأقوال، ويجعل النص الشرعى إمامًا له في كل مسألة من مسائل الفقه. وهو بهذا يقارب أو يطابق مذهب إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀؛ فقد كان في فقهه يدور مع النص أينما دار. ومن المفيد لطالب العلم أن يبدأ بقراءة هذا الكتاب قبل أن يخوض في المطولات حتى لا تتفرق به السبل، وتضلّ القدم! وإنى سائل كل قارئ لهذا الكتاب أن يدعو لمؤلفه بالتوفيق والسداد، ولكل من أعان على نشره أو ساهم في طبعه بالخير والبركة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمَّد وآله وصحبه. وكتبه صفوت الشوادفى رئيس تحرير مجلة التوحيد - أنصار السنة المحمدية

стр. 13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد ﷺ وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكلل ضلالة في النار (٤). ثم إن علم الفقه من أفضل العلوم وأشرفها، إذ به تصح العبادة التي هي الغاية من خلق الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٥). وإذا كان أصل النجاة لا يحصل للعبد إلا بصحة التوحيد وسلامته عن شوائب الشرك، فإن تمام النجاة لا يحصل إلا بصحة العبادة وسلامتها من شوائب البدعة

стр. 14

ولقد جعل النبي ﷺ فقه العبد عنوان إرادة الله به الخير، فقال ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" (١). "وعظمة هذا العلم وشرفه قبل عن الوصف والإحاطة، ذلك أنها أحكام تساير المسلم وتلازمه في عموم مسالك حياته فيما بينه وبين ربه. وفيما بينه وبين عباده: فبها يشد حبل الاتصال بعبادة ربه في علانيته وسره، من طهارة، وصلاة، وزكاة، وصيام، وحج ونسائك. وبها ينشر راية الإِسلام، ويرفع منار القرآن، وذلك في فقه الجهاد والمغازي، والسّيَر، والأمان والعهد، ونحو ذلك. وبها يتطلب الرزق المباح، ويبتعد عن مواطن الإثم والجناح، وذلك في فقه المعاملات من بيع وشراء، وخيار، وربا، وصرف، وما جرى مجرى ذلك مما يرتبط بمعاملات الخلق المالية لبعضهم مع بعض، وبها تجرى الأمو الذي وظائفها الشرعية من وقف ووصية ونحوهما من أحكام التصرفات المالية. وبها يقف على فقه الفرائض المحكمة فيسعد بنصف العلم، وتستقر الأموال في يد أربابها على أعدل قسمة وأتم نظام. وبفقهها ينعم بالحياة الزوجية الشرعية، وما يلحق بها من الأحكام. ويحيط بمدى محافظة الإِسلام على ضروريات الحياة المشمولة باسم: الجنايات، والديات، والحدود والتعزيرات، فيعيش في أمن وأمان، وراحة بال واستقرار. وهكذا في أحكام الأطعمة والنحائر، والنذور والأيمان، وفي مباحث التقاضي وقواعده وطرقه وأحكامه: موطن تحقق العدالة وفصل الخصام، فتقر الحقوق في أنصبائها، وتعاد الظلامات إلى أهلها" (٢). لهذا كله وغيره قال القائل:

стр. 15

إذا ما اعتز ذو علم بعلم ... فأهل الفقه أولى باعتزاز فكم طيب يفوح ولا كمسك ... وكم طير يطيرولا كباز ولما كانت "الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك، ولا يصلح فيها غير ذلك، والدليل عليه أمور: أحدها: أدلة القرآن. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١) فنفي أن يقع فيه الاختلاف ألبتة، ولو كان فيه ما يقتضي قولين مخلتفين لم يصدق عليه هذا الكلام على حال. وفي القرآن ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية (٢). وهذه الآية صريحة في رفع التنازع والاختلاف، فإنه رد المتنازعين إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيء واحد، إذ لو كان فيه ما يقتضى الاختلاف لم يكن فيِ الرِجوع إليه رفِع تنازع، وهذا باطل. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٣). والبينات هي الشريعة، فلولا أنها لا تقتضي الاختلاف ولا تقبله ألبتة لما قيل لهم: من بعد كذا، ولكان لهم فيها أبلغ العذر، وهذا غير صحيح. فالشريعة لا اختلاف فيها. والآيات في ذم الاختلاف والأمر بالرجوع إلِى الشريعة كثيرة، كله قاطع في أنها لا اختلاف فيها، وإنما هي على مأخذ واحد وقول واحد. قال المزنىُّ صاحب الشافعي: ذمّ الله الاختلاف وأمر عنده بالرجوع إلى الكتاب والسنة. والثاني: أن عامة أهل الشريعة أثبتوا في القرآن والسنة الناسخ والمنسوخ على الجملة، وحذّروا من الجهل به والخطأ فيه، ومعلوم أن الناسخ والمنسوخ إنما هو

стр. 16

فيما بين دليلين يتعارضان بحيث لا يصح اجتماعهما بحال، وإلا لما كان أحدهما ناسخا والآخر منسوخا، والفرض خلافه، فلو كان الاختلاف من الدين لما كان لاثبات الناسخ والمنسوخ -من غير نص قاطع فيه- فائدة، ولكان الكلام في ذلك كلامًا فيما لا يجنى ثِمرة، إذ كان يصح العمل بكل واحد منهما ابتداء ودواما، استنادا إلى أن الاختلاف أصل من أصول الدين، لكن هذا كله باطل لإجماع، فدل على أن الاختلاف لا أصل له في الشريعة وهكذا القول في كل دليل مع معارضه، كالعموم والخصوص، والاطلاق والتقييد، وما أشبه ذلك، فكانت تنخرم هذه الأصول كلها، وذالك فاسد، فما أدى إليه مثله. والثالث: أنه لو كان في الشريعة مساغ للخلاف لأدى إلى تكليف مالًا يطاق، لأن الدليلين إذا فرضنا تعارضهما، وفرضناهما مقصودين معًا للشارع: فإما أن يقال إن المكلف مطلوب بمقتضاهما، أوْلا، أو مطلوب بأحدهما دون الآخر، والجميع غير صحيح. فالأول يقتضي "افعل"، "لا تفعل" لمكلف واحد من وجه واحد، وهو عين التكليف بما لا يطاق. والثاني باطل، لأنه خلاف الفرض، وكذلك الثالث، إذ كان الفرض توجه الطلب بهما، فلم يبق إلا الأول، فيلزم منه ما تقدم. والرابع: أن الأصوليين اتفقوا على إثبات الترجيح بين الأدلة المتعارضة إذا لم يمكنْ الجمع وأنه لا يصح إعمال أحد الدليلين المتعارضين جزافًا من غير نظر في ترجيحه جملى الآخبر. والقول بثبوت الخلاف في الشريعة يرفع باب الترجيح جملة، إذ لا فائدة فيه ولا حاجة إليه على فرض ثبوت الخلاف أصلًا شرعيًا لصحة وقوع التعارض في الشريعة، لكن ذلك فاسد، فما أدى إليه مثله" (١). أقول: لما كانت الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك، أحببت أن أكتب كتابًا في الفقه، مقتصرًا

стр. 17

فيه على القول الواحد الراجح بما رجحه الدليل الصحيح الثابت سالكًا في ذلك سبيل أهل الاجتهاد والتحقيق، والنظر العميق، الذين حرروا الوقائع، وبينوا النوازل، وساقوا لها صنوف الأدلة من مشكاة النبوة، سائرين مع السنن حيث سارت ركائبها، متجهين معها حيث كانت مضاربها، فأخرجوا بذلك للناس علمًا جما، وفكرا خصبا جاريا على أسعد القواعد وأرشدها. وهذا النوع من الفقه هو أصلًا حظ أصحاب النبي ﷺ لقوه إلى التابعين لهم بإحسان، وهكذا تلقفه من تبعهم بالحسنى، فدّونوه على هذا النمط الكريم، والمنهج السليم (١). وقد سمّيت كتابي هذا: الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز وقد رتّبتُه على هذا النحو: كتاب الطهارة. كتاب الصلاة. كتاب الصيام. كتاب الزكاة. كتاب الحج. كتاب النكاح. كتاب البيوع. كتاب الأيْمان. كتاب الأطعمة. كتاب الوصايا. كتاب الفرائض. كتاب الحدود. كتاب الجنايات. كتاب القضاء. كتاب الجهاد. كتاب العتق. وسرّ هذا الترتيب: أن الله تعالى خلق الخلق ليعبدوه، وبالإلهية يفردوه، ولما كانت الصلاة أصل العبادات وعمود الدين فقد بدأت بها، وإنما قدمت عليها كتاب الطهارة لأن الطهارة شرط من شروط صحتها، والشرط مقدم على المشروط. ولما كان الصيام لله تعالى وهو يجزى به -كما في الحديث- فقد ألحقته بالصلاة، وقدمته على الزكاة تقديما للعبادات البدنية على العبادات المالية فقط وهي

стр. 18

الزكاة، والبدنية المالية وهي الحج. ولما كان النكاح سبب وجود العابدين فقد جعلته أول كتاب بعد كتب العبادات، ثم أتبعته بالبيوع لأن الناس الموجودين من النكاح لا يزالون يبيعون ويشترون. وقد جرت العادة بكثرة الأيْمان في البيوع ولذلك ألحقت كتاب البيوع بكتاب الأيْمان لبيان ما يصح منها وما لا يصح. ثم أتبعت ذلك بكتاب الأطعمة والوصايا والفرائض، ثم الحدود والجنايات، ولما كان القضاء -غالبا- هو الذي يفصل في الفرائض، و- دائما- في الحدود والجنايات، إذ لا يؤذن في إقامة الحدود لأحد إلا للحاكم أو نائبه، فقد أتبعت ذلك بكتاب القضاء. ولما كان المسلمون مكلفُين بعد إقامة دين الله في أنفسهم بالسعى لإقامة دين الله في أرض الله ودعوة الناس إلى عبادة الله، وجرت العادة في كل زمان ومكان بوجود من يصدْ عن سبيل الله، ويمنع الدعاة من تبليغ دين الله، فقد تكلمت عن الجهاد وأحكامه، ولما كان من نتائج الجهاد وجود الرقيق -أحيانا- وهم أسرى الحرب من الكفار والمشركين، فقد جعلت كتاب العتق بعد الجهاد لبيان ترغيب الإِسلام في العتق، والأنعام على أسرى الحرب الحرية. والحكمة في جعل كتاب العتق آخر كتاب في كتاب الوجيز هى الطمع في أن يجعل الله هذا العمل سبب عتقى من النار إنه سبحانه هو العزيز الغفار. والله العظيم أسأل أن أكون وفقت فيه للصواب وأن يثيبني عليه، وأن يغفر لي ما كان فيه من خطأ. وأن ينفع به المسلمين. والحمد لله رب العالمين. كتبه عبد العظيم بن بدوي الخلفي (لقبا) بمنزلي الكائن في قريتي الشين/ مركز قطور/ غربية ساعة أذان الظهر يوم الخميس ٢١/ ٧/ ١٤١٣هـ ١٤/ ١/ ١٩٩٣ م

стр. 19

الرموز المستخدمه في التخريج خ .... صحيح البخاري (فتح البارى). م .... صحيح الإِمام مسلم. ت ... سنن الترمذي. نس .... سنن النسائي. جه .... سنن ابن ماجه. د .... سنن أبى داود (عون المعبود). ما .... موطأ الإِمام مالك. فع .... الشافعي (الأم). أ ..... أحمد (الفتح الربانى). هق ....... البيهقي. قط .......... الدراقطني. حب .... صحيح ابن حبان. خز .... صحيح ابن خزيمة. كم .... مستدرك الحاكم. مى .... سنن الدارمي. طب .... الطبراني في الكبير. ش .... مصنف ابن أبي شيبة. بز .... مسند البزار. طس ... الطبراني في الأوسط طع .. الطبراني في الصغير مختصر خ .... مختصر صحيح البخاري. مختصر م .... مختصر صحيح مسلم. ص. ت .... صحيح سنن الترمذي. ص. نس .... صحيح سنن النسائي. ص. جه .... صحيح سنن ابن ماجه. ص. د .... صحيح سنن أبى داود. ص. ج .... صحيح الجامع الصغير. الإرواء ... إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل. الجنائز ... أحكام الجنائز. الزفاف ... آداب الزفاف صفة الصلاة ... صفة صلاة النبي ﷺ . تمام المنة ... تمام المنة في التعليق على فقه السنة. * * *

стр. 20

كتاب الطهارة

стр. 21

الطهارة: لغة: النظافة والنزاهة من الأحداث. واصطلاحًا: رفع الحدث أو إزالة النجس (*). ١ - باب المياه: كلّ ماء نزل من السماء أو خرج من الأرض فهو طهور: لقول الله تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١). ولقول النبيّ ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" (٢). ولقوله ﷺ في البئر: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (٣). وهو باق على طهوريته وإن خالطه شيء طاهر مالم يخرج عن إطلاقه. لقوله ﷺ للنسوة اللاتي قمن بتجهيز ابنته: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئًا من كافور" (٤). ولا يحكم بنجاسة الماء وإن وقعت فيه نجاسة إلا إذا تغير بها: لحديث أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بُضاعة؟ وهي بئر يُلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال ﷺ : " الماء طهور لا ينجسه شيء" (٥). ٢ - باب النجاسات: النجاسات جمع نجاسة، وهي كل شيء يستقذره أهل الطبائع السليمة

стр. 22

ويتحفظون عنه ويغسلون الثياب إذا أصابهم كالعذرة والبول (١). والأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، فمن زعم نجاسة عينٍ ما فعليه بالدليل فإن نهض به فذلك، وإن عجز عنه أو جاء بما لا تقوم به الحجة فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة (٢)، لأن الحكم بالنجاسة حكم تكليفي تعم به البلوى، فلا يحل إلا بعد قيام الحجة (٣). ومما قام الدليل على نجاسته: ١، ٢ - بول الآدمي وغائطه: أما الغائط فلحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور" (٤). والأذى: كل ما تأذيت به من النجاسة والقذر والحجر والشوك وغير ذلك (٥). والمراد به في الحديث ... النجاسة كما هو واضح. وأما البول فلحديث أنس: أن أعرابيا بال في المسجد فقام إليه بعض القوم، فقال رسول الله ﷺ "دعوه ولا تزرموه" (*). قال: فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه" (٦). ٣، ٤ - المذي والودى: أما المذى: فهو ماء أبيض رقيق لزج، يخرج عند شهوة، لا بشهوة ولا دفق ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ويكون ذلك للرجل والمرأة (٧). وهو نجس، ولهذا أمر النبي ﷺ بغسل الذكر منه. عن عليّ قال: كنت رجلًا مذاء، وكنت أستحيى أن أسال النبي ﷺ لمكان

стр. 23

ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: "يغسل ذكره ويتوضا" (١). وأما الودي: فهو ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول (٢). وهو نجس. عن ابن عباس قال: "المنى والودي والمذي، أما المنى فهو الذي منه الغسل وأما الودي والمذي فقال: اغسل ذكرك أو مذاكيرك وتوضأ وضوءك للصلاة" (٣). ٥ - روث ما لا يؤكل لحمه: عن عبد الله قال: أراد النبي ﷺ أن يتبرز، فقال: "إئتني بثلاثة أحجار" فوجدت له حجرين وروثة حمار، فأمسك الحجرين وطرح الروثة، وقال: "هى رجس" (٤). ٦ - دم الحيض: عن أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع؟ فقال: تحته ثم تقرصه (*) بالماء ثم تنضحه، ثم تصلى فيه (٥). ٧ - لعاب الكلب: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" (٦). ٨ - الميتة: وهي ما مات حتف أنفه من غير ذكاة شرعية. لقوله ﷺ : "إذا دبغ

стр. 24

الإهاب فقد طهر" (١) والأهاب جلد الميتة ويستثنى من ذلك: ١ - ميتة السمك والجراد، لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال" (٢). ٢ - ميتة ما لا دم له سائل، كالذباب والنمل والنحل ونحو ذلك. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء" (٣). ٣ - عظم الميتة وقرنها وظفرها وشعرها وريشها، كل ذلك طاهر، وقوفًا على الأصل وهو الطهارة، ولما رواه البخاري تعليقا (٤) قال: وقال الزهرى في عظام الموتى- نحو الفيل وغيره-: أدركت ناسيًا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها، لا يرون به بأسا. وقال حماد: لا بأس بريش الميتة. كيفية تطهير النجاسة: اعلم أن الشارع الذي عرّفنا كون هذه العين نجسة أو متنجسة عرّفنا أيضًا كيفية تطهيرها، والواجب علينا اتباع قوله وامتثال أمره، فما ورد فيه الغسل حتى لا يبقى منه لون ولا ريح ولا طعم كان ذلك هو تطهيره، وما ورد فيه الصب أو الرشّ أو الحت أو المسح على الأرض أو مجرد المشي في أرضٍ طاهرةٍ كان ذلك هو تطهيره واعلم أن الماء هو الأصل في تطهير النجاسات، لوصف الشارع له

стр. 25

بقوله:"خلق الله الماء طهورا" (١). فلا يعدل إلى غيره إلا إذا ثبت ذلك عن الشارع، وإلا فلا؛ لأنه عدول عن المعلوم كونه طهورا إلى ما لم يعلم كونه طهورا، وذلك خروج عما تقتضيه المسالك الشرعية (٢). إذا علمت هذا فإليك ما جاء به الشرع في صفة تطهير الأعيان النجسة أو المتنجسة: ١ - تطهير جلد الميتة بالدباغ: عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما إهاب دُبغ فقد طهر" (٣). ٢ - تطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" (٤). ٣ - تطهير الثوب إذا أصابه دم الحيض: عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع؟ فقال: "تحته ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه ثم تصلي فيه" (٥). وإن بقى بعد ذلك أثره فلا بأس: عن أبي هريرة ﵁: أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه؟ قال فهذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلى فيه "قالت يا رسول الله: إن لم يخرج أْثره؟ قال: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره" (٦).

стр. 26

٤ - تطهير ذيل ثوب المرأة: عن أم ولدٍ لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أمَّ سلمة زوجَ النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر؟ فقالت أم سلمة: قال النبي ﷺ : "يطهره ما بعده" (١). ٥ - تطهير الثوب من بول الصبي الرضيع: عن أبي السمح خادم النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "يُغسل من بول الجارية، ويُرش من بول الغلام" (٢). ٦ - تطهير الثوب من المذي: عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدّة وعناء، وكنت أكثر منه الاغتسال فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إنما يجزيك من ذلك الوضوء" فقلت: يا رسول الله: كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: "يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء فتنضح به ثوبك، حيث ترى أنه قد أصاب منه" (٣). ٧ - تطهير أسفل النعل: عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما، فإن رأي خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما" (٤). ٨ - تطهير الأرض: عن أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابي فب الذي المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ دعوه، وهَريقوا على بوله سَجْلًا (*) من ماء -أو ذنوبا من ماء- فإنما بعثتم مُيسَرَّين ولم تبعثوا مُعَسرَّين (٥).

стр. 27

وإنما أمر النبي ﷺ بذلك استعجالا لطهارة الأرض، فلو تركت حتى جفت وذهب أثر النجاسة طهرت لحديث ابن عمر ﵄ قال: كانت الكلاب تبول في المسجد وتقبل وتدبر زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئًا" (١). سنن الفطرة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس من الفطرة: الاستحداد (٢) و الختان ، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار" (٣). وعن زكري ابن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "عشرٌ من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم (٤)، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء -يعني الاستنجاء- قال زكريا قال مصعب ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة" (٥). الختان: والختان واجب في حق الرجال والنساء؛ لأنه من شعائر الإِسلام، وقد قال النبي ﷺ لرجل أسلم: "ألْقِ عنك شعرَ الكفر واختتن" (٦). وهو من ملة إبراهيم: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة" (٧) وقد قال الله لنبيه محمَّد ﷺ :

стр. 28

﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (١). ويستحب أن يكون الختان في اليوم السابع للمولود: لحديث حابر: أن رسول ﷺ عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام (٢). وعن ابن عباس قال: سبعة من السنة في الصبى يوم السابع: يسمى ويختن (٣) الحديث. والحديثان وإن كان في كل منهما ضعف لكن أحد الحديثين يقوى الآخر، إذ مخرجهما مختلف وليس فيهما متهم (٤). إعفاء اللحية: إعفاء اللحية واجب، وحلقها حرام، لأنه تغيير لخلق الله، وهو من عمل الشيطان القائل ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٥). وفي حلقها تشبه بالنساء، وقد "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء" (٦). وقد أمر النبي ﷺ بإعفائها، والأمر للوجوب كما هو معلوم. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جُزُّوا الشوارب، وأرخوا اللحي، خالفوا المجوس" (٧). وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب" (٨).

стр. 29

السواك: السواك مستحب في كل حال، ويتأكد استحبابه: ١ - عند الوضوء: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء" (١). ٢ - عند الصلاة: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٢). ٣ - عند قراءة القرآن: عن علي ﵁ قال: أمَرنا بالسواك وقال: "إن العبد إذا قام يصلي أتاه ملك فقام خلفه يستمع القرآن ويدنو، فلا يزال يستمع ويدنو حتى يضع فاه على فيه، فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف الملك" (٣). ٤ - عند دخول البيت: عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: سألت عائشة قلت: بأى شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (٤). ٥ - عند القيام من الليل: عن حذيفة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام ليتهجد يشوص (*) فاه بالسواك (٥).

стр. 30

كراهة نتف الشيب: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبة في الإِسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة" (١). تغيير الشيب بالحناء والكتم (*) ونحوهما وتحريم السواد: عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود والنصاري لا يصبغون فخالفوهم" (٣). وعن جابر ﵁ قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا، فقال رسول الله ﷺ "غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد" (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة" (٥). آداب الخلاء ١ - يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، وذلك لحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ستر ما بين الجنَّ وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول بسم الله" (٦).

стр. 31

ولحديث أنس ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (١). ٢ - ويستحب إذا خرج أن يقول: غفرانك، لحديث عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ -إذا خرج من الخلاء قال غفرانك" (٢). ٣ - ويستحب أن يقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج، وذلك لكون التيامن فيما هو شريف، والتياسر فيما هو غير شريف، وقد ورد ما يدل عليه في الجملة (٣). ٤ - وإذا كان في الفضاء استحب له الإبعاد حتي لا يُرى: عن جابر ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، وكان رسول الله ﷺ لا يأتي البراز (*) حتى يتغيب فلا يُرى" (٤). ٥ - ويستحب أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض: عن ابن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجةَ لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض" (٥). ٦ - ولا يجور استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء ولا في البنيان: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها, ولكن شرقوا أوغربوا" (٦).

стр. 32

قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله تعالى (١). ٧ - ويحرم التخلى في طريق الناس وفي ظلّهم: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال "اتقوا اللاعنَيْن، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلي في طريق الناس أوفي ظلهم" (٢). ٨ - ويكره أن يبول في مستحمه: عن حميد الحميري قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله" (٣). ٩ - ويحرم البول في الماء الراكد: عن جابر عن النبي ﷺ "أنه نهى أن يبال الذي الماء الراكد" (٤). ١٠ - ويجوز البول قائما والقعود أفضل: عن حذيفة ﵁ "أن النبي ﷺ انتهى إلى سباطة قوم فبال قائما، فتنحيت فقال ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ ومسح على خفيه" (٥) إنما قلنا القعود أفضل لأنه الغالب من فعله ﷺ حتى قالت عائشة رضي الله عنها: "من حدثكم أن رسول الله ﷺ بال قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالسًا (٦). وقولها هذا لا ينفي ما جاء عن حذيفة؛ لأنها أخبرت عما رأت، وأخبر

стр. 33

حذيفة عما رأى، ومعلوم أن المثبت مقدم على النافي لأن معه زيادة علم. ١١ - ويجب الاستنزاه من البول: فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مرّ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة" (١). ١٢ - ولا يمسك ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يستنجى بها: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يستنج بيمينه" (٢). ١٣ - وبجوز الاستنجاء بالماء أو بالأحجار وما في معناها والماء أفضل: عن أنس ﵁ قال: كان. رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فاحمل أنا وغلام نحوى إداوة (*) من ماء وعنزة (**)، فيستنجى بالماء" (٣). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : قال "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فَلْيَستطِبْ بها فإنها تَجزِيء عنه" (٤). ١٤ - ولا يجور الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار: عن سلمان الفارسي ﵁ أنه قيل له: "قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة! فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجى باليمين،

стр. 34

أو أن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجى برجيع (*) أو بعظم" (١). ١٥ - ولا يجوز الاستجمار بالعظم والروث: عن جابر ﵁ قال: إنهى النبي ﷺ أن يتمسح بعظم أو ببعر" (٢) باب الآنية ويجوز استعمال الأواني كلها إلا آنية الذهب والفضة، فإنه يحرم الأكل والشرب فيهما خاصة، دون سائر الاستعمال. عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تلبسوا الحرير والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (٣). وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله قال: "الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر (**) في بطنه نار جهنم" رواه البخاري ومسلم (٤). ولمسلم: "إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب ... ". قال مسلم: "وليس في حديث أحد منهم ذكر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مسهر. أهـ. قال الألباني: فهذه الزيادة شاذة من جهة الرواية، وإن كانت صحيحة في المعنى من حيث الدراية، لأن الأكل والذهب أعظم وأخطر من الشرب والفضة كما هو ظاهر. أهـ (٥).

стр. 35

الطهارة للصلاة عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تقبل صلاة بغير طهور" (١). والطهارة نوعان: طهارة بالماء، وطهارة بالصعيد. أولًا: الطهارة بالماء: الوضوء والغسل. الوضوء صفته: عن حُمران مولى عثمان أن عثمان بن عفان ﵁ دعا بوضوء فتوضأ: فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئى هذا ثم قال رسول الله ﷺ "من توضأ نحو وضوئى هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفرله ما تقدم من ذنبه". قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة (٢). شروط صحته: أ- النية: لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٣) ولا يشرع التلفظ بها لعدم ثبوته عن النبي ﷺ .

стр. 36

٢ - التسمية: لقوله ﷺ : "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" (١). ٣ - الموالاة: لحديث خالد بن معدان: أن النبي ﷺ رأى رجلاًَ يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة" (٢). فرائضه: ١ - ٢ - غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق. ٣ - غسل اليدين إلى المرفقين (٣). ٤ - ٥ - مسح الرأس كله، والأذنان من الرأس. ٦ - غسل الرجلين إلى الكعبين. لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ....... ﴾ (٤). أما كون المضمضة والاستنشاق من الوجه فتجبان فلأن الله سبحانه قد أمر في كتابه العزيز بغسل الوجه، وقد ثبت مداومة النبي ﷺ على ذلك في كل وضوء، ورواه جميع من روى وضوءه ﷺ وبين صفته، فافاد ذلك أن غسل الوجه المأمور به في القرآن هو مع المضمضة والاستنشاق (٥).

стр. 37

وقد ورد الأمر بهما في قوله ﷺ : "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر" (١). وقوله ﷺ : وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" (٢). وقوله ﷺ : "إذا توضأت فمضمض" (٣). وأما وجوب استيعاب الرأس بالمسح فلأن الأمر بالمسح في القرآن مجمل، فيرجع في بيانه إلى السنة، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ استوعب مسح رأسه وفي هذا دليل على وجوب تكميل مسح الرأس. فإن قيل: قد ثبت من حديث المغيرة أن النبي ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة؟ فالجواب: إنما اقتصر على مسح الناصية لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، ونحن نقول بذلك، وليس فيه دليل على جواز الاقتصار على مسح الناصية أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة (٤). فالحاصل أنه يجب استيعاب الرأس بالمسح، والماسح إن شاء مسح على الرأس فقط، أو على العمامة فقط، أو على الرأس والعمامة، فالكل صحيح ثابت. وأما كون الأذنين من الرأس فيجب مسحهما، فلقوله ﷺ "الأذنان من الرأس" (٥). ٧ - تخليل اللحية: لحديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: "هكذا أمرني ربى " (٦). ٨ - تخليل أصابع اليدين والرجلين:

стр. 38

لقوله ﷺ : "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، ويالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" (١). سننهُ: ١ - السواك: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء" (٢). ٢ - غسل الكفين ثلاثًا في أوّل الوضوء، لما ثبت عن عثمان ﵁ في حكايته لوضوء النبي ﷺ أنه غسل كفيه ثلاثًا (٣). ٣ - الجمع بين المضمضة والاستنشاق ثلاثًا بغرفة، لما في حديث عبد الله بن زيد ﵁ بني تعليمه لوضوء رسول الله ﷺ أنه تمضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثًا (٤). ٤ - المبالغة فيهما لغير الصائم: لقوله ﷺ وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" (٥). ٥ - تقديم اليمنى على اليسرى: لحديث عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يحب التيامن في تنعله (*) وترجله (**) وطهوره وفي شأنه كله" (٦). ولما في حديث عثمان في حكايته لوضوء النبي ﷺ أنه غسل اليمنى ثم اليسرى. ٦ - الدلك: لحديث عبد الله بن زيد: أن النبي ﷺ أتى بثلثى مُدّ فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه" (٧).

стр. 39

٧ - تثليث الغسل: لحديث عثمان أن النبي ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا. وقد صح أنه ﷺ توضأ مرة مرة ومرتين مرتين (١). ويستحب تكرار مسح الرأس أحيانًا: "لما صح عن عثمان أنه توضأ فمسح رأسه ثلاثًا وقال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا" (٢). ٨ - الترتيب: لأنه الغالب في وضوء رسول الله ﷺ كما حكاه من حكى وضوءه ﷺ ، لكنه قد صح عن المقدام بن معد يكرب "أنه أتى رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعمِه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثًا، ثم مسح برأسه وأذنيه ... الحديث (٣). ٩ - الدعاء بعده: لقوله ﷺ ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" (٤) زاد الترمذي (٥): "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين". وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ : "من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رقّ (*)، ثم طبع بطابع فلا يكسر إلى يوم القيامة" (٦). ١٠ - صلاة ركعتين بعده: لقول عثمان بعد أن علمهم صفة وضوء رسول الله

стр. 40

- ﷺ : رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، وقال النبي ﷺ : "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه" (١). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الصبح: "يا بلال أخبرني بأرجي عمل عملته في الإِسلام فإني سمعت دفّ نعليك (*) بين يديّ في الجنة؟ قال: ما عملت عملًا أرجى عندي: أني لم أطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار الأصليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلى" (٢). نواقضه: ١ - ما خرج من السبيلين "القبل والدبر" من بول أو غائط أو ريح: لقول الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٣) وهوكناية عن قضاء الحاجة. ولقول النبي ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، فقال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط (٤). كما ينقضه خروج المذي والودى: عن ابن عباس ﵄ قال: المني والودي والمذي، أما المنى فهو الذي منه الغسل، وأما الودي والمذي فقال: اغسل ذكرك أو مذاكيرك وتوضأ وضوءك للصلاة (٥).
следующие страницы →