← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98087

مختصر منهاج القاصدين

المقدسي، نجم الدين

Полный текст (408 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عكسه، وهو الكفر وبعض ذلك تصفه بالكراهة، وبعضه بالحظر. ومن ذلك أن الله تعالى خلق لك يدين، جعل إحداهما أقوى من الأخرى، فاستحقت بمزيد القوة رجحاناً وشرفاً على الأخرى، وقد أحوجك من أعطاك اليدين إلى أعمال، بعضها شريفة، كأخذ المصحف، وبعضها خسيسة، كإزالة النجاسة، فإذا أخذت المصحف باليسار، وأزلت النجاسة باليمين، فقد عكست المقصود، وخصصت الشريف بما هو خسيس، فظلمته. وكذلك في الرجلين، إذا ابتدأت باليسرى في لبس الخف، فقد ظلمت اليمنى، لأن الخف وقاية الرجل، وقس على ذلك. وكذلك نقول: من كسر غصناً من شجرة لغير حاجة مهمة وغرض صحيح، فقد خالف الحكمة في خلق الأشجار، لأنها خلقت للمنفعة بها، فإن كان كسره لغرض صحيح، فلا بأس، وإن فعل ذلك في ملك غيره، فهو ظالم، وإن كان محتاجاً، إلا أن يأذن صاحبه. ٧ ـ فصل في بيان النعم وحقيقتها وأقسامها اعلم: أن كل مطلوب يسمى نعمة، ولكن النعمة في الحقيقة هي السعادة الأخروية، وتسمية ما عداها نعمة تجوز، والأمور كلها بالإضافة إلينا تنقسم أربعة أقسام: أحدهما: ما هو نافع في الدنيا والآخرة جميعاً، كالعلم، وحسن الخلق، وهو النعمة الحقيقية. الثاني: ما هو ضار فيهما جميعاً، وهو البلاء حقيقة. القسم الثالث: ما ينفع في الحال، ويضر في المآل، كالتلذذ، واتباع الشهوات، فهو بلاء عند ذوى الأبصار، والجاهل يظنه نعمة. ومثاله: الجائع إذا وجد عسلاً فيه سم، فأنه يعده نعمة إن كان جاهلاً، فإذا علم ذلك عدة بلاًء. القسم الربع: الضار فىالحال، النافع في المآل، وهو نعمة عند ذوى الألباب، بلاء عند الجهال. ومثاله: الدواء الشنيع مذاقه في الحال، الشافي في المآل من الأسقام، فالصبى

стр. 282

الجاهل، إذا كلف شربه ظنه بلاء، والعاقل يعده نعمه، وكذلك إذا احتاج الصبي إلى الحجامة، فإن الأب يدعوه إليها ويأمره بها، لما يلحظ في عاقبتها من الشفاء، والأم تمنعه من ذلك لفرط حبها وشفقتها، لكونها جاهلة بالمصلحة في ذلك، فالصبي يتقلد من أمه بجهله، ويأنس إليها دون أبيه، ويقدر أباه عدواً، ولو عقل لعلم أن الأم هي العدو الباطن في صورة صديق، لأن من منعها إياه من الحجامة يسوقه إلى أمراض أشد من ألم الحجامة، فالصديق الجاهل شر من العدو العاقل، وكل إنسان صديق نفسه، ولكن النفس صديق جاهل، فلذلك تعمل بما لا يعمل العدو. ٨ ـ فصل في بيان كثرة نعم الله تعالى وتسلسلها وخروجها عن الحصر والإحصاء اعلم: أن النعم تنقسم إلى ما هو غاية مطلوبة لذاتها، وإلى ما هو مطلوب لأجل الغاية. أما الغاية فهي سعادة الآخرة، ويرجع حاصلها إلى أربعة أمور: بقاء لا فناء له، وسرور لا غم فيه، وعلم لاجهل معه، وغنى لا فقر بعده، وهى السعادة الحقيقية. وأما القسم الثاني: فهو الوسائل إلى السعادة المذكورة، وهى أربعة أقسام: أعلاها: فضائل النفس، كالإيمان، وحسن الخلق. الثاني: فضائل البدن، من القوة والصحة ونحوهما. الثالث: النعم المطيفة للبدن، من المال والجاه والأهل. الرابع: الأسباب التي جمع بينها وبين ما يناسب الفضائل، من الهداية والإرشاد، والتسديد، والتأييد، وكل هذه نعم عظيمة. فإن قيل: ما وجه الحاجة لطريق الآخرة إلى النعم الخارجة في المال والجاه ونحوهما؟ قلنا: هذه الأشياء جارية مجرى الجناح المباح، والآلة المستعملة للمقصود. أما المال، فإن طالب العلم إذا لم تكن معه كفاية، كان كساع إلى الهيجاء بغير سلاح، ولأنه يبقى مستغرق الأوقات في طلب القوت، فيشغله عن تحصيل العلم، وعن الذكر، والفكر، ونحو ذلك.

стр. 283

وأما الجاه فيه يدفع عن نفسه الذل والضيم، ولا ينفك عن عدو يؤذيه، وظالم يهوش عليه، فيشغل قلبه، وقلبه رأس ماله، وإنما تدفع هذه الشواغل بالعز والجاه. وأما الصحة والقوة وطول العمر ونحوها، فهي نعم، إذ لا يتم علم ولا عمل إلا بذلك. وقد قال النبي ﵌: "نعمتان مغبون فيهما كثر من الناس: الصحة، والفراغ". ولما سئل: من خير الناس؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله". وأما المال والجاه، وإن كانا نعمتين، فقد ذكرنا ما فيهما من الآفات فيما تقدم، وأنهما ليسا بمذمومين على الإطلاق. وأما الهداية والرشد والتسديد والتأييد، فلا خفاء في كونهما من أعظم النعم، فلا يستغني أحد عن الحاجة إلى التوفيق، ولذلك قيل: إذا لم يكن عون الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده ٩ ـ فصل [من نعم الله الأسباب التي يتم بها الأكل] واعلم: أنا قد ذكرنا جملة من النعم، وجعلنا صحة البدن نعمة واحدة من النعم الواقعة في الرتبة الثانية، فلو أردنا أن نستقصي الأسباب التي بها تمت هذه النعمة، لم نقدر عليها، ولكن الأكل أحد أسباب الصحة، فلنذكر شيئاً من جملة الأسباب التي يتم بها الأكل على سبيل التلويح، لا على سبيل الاستقصاء، فنقول: من جملة نعم الله عليك أن خلق لك آلة الإحساس، وآلة الحركة في طلب الغذاء، فانظر إلى ترتيب حكمة الله تعالى في الحواس الخمس، التي هي آلة للإدراك. فأولهما: حاسة اللمس، وهو أول حس يخلق للحيوان، وأنقص درجات الحس أن يحس بما يلاصقه، فإن الإحساس بما يبعد منه أتم لا محالة، فافتقرت إلى حس تدرك به ما بعد عنك، فخلق لك الشم تدرك الرائحة من بعيد، ولكن لا تدرى من أي ناحية جاءت الرائحة، فتحتاج أن تطوف كثيراً حتى تعثر على الذي شممت رائحته،

стр. 284

وربما لم تعثر، فخلق لك البصر لتدرك به ما بعد عنك، وتدرك جهته فتقصدها بعينها، إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصاً، إذ لا تدرك بذلك ما وراء الجدار والحجاب، فربما قصدك عدو بينك وبينه حجاب، وقرب منك قبل أن يكشف الحجاب، فتعجز عن الهرب، فخلق لك السمع حتى تدرك به الأصوات من وراء الحجرات عند جريان الحركات، ولا يكفى ذلك، لو لم يكن لك حسن الذوق، إذ به تعلم ما يوافقك وما يضرك، بخلاف الشجرة، فإنه يصب في أصلها كل مائع، ولا ذوق له فتجذبه، وربما يكون ذلك سبب جفافها، ثم أكرمك الله تعالى بصفة أخرى، هي أشرف من الكل، وهو العقل، فبه تدرك الأطعمة ومنفعتها، وما يضر في المآل، وبه تدرك طبخ الأطعمة وتأليفها وإعداد أسبابها، فتنتفع به في الأكل الذي هو سبب صحتك، وهو أدنى فوائد العقل، والحكمة الكبرى فيه معرفة الله تعالى، وما ذكرنا من الحواس الخمس الظاهرة فهي بعض الحركات، ولا تظن أننا استوفينا شيئاً من ذلك، فإن البصر واحد من الحواس، والعين آلة له، وقد ركبت العين من عشر طبقات مختلفة، بعضها رطوبات، وبعضها أغشية مختلفة، لكل واحد من الطبقات العشر صفة، وصورة، وشكل، وهيئة، وتدبير، وتركيب، لو اختلت طبقة واحدة أو صفة واحدة لاختل البصر، وعجز عنه الأطباء كلهم، فهذا في حس واحد، وقس حاسة السمع وسائر الحواس، ولا يمكن أن يستوفى ذلك في مجلدات، فكيف ظنك بجميع البدن؟! ثم انظر بعد ذلك في خلق الإرادة والقدرة، وآلات الحركة في أصناف النعم، وذلك أنه لو خلق لك البصر حتى تدرك به الطعام، ولم يخلق لك في الطبع شوق إليه وشهوة تستحثك على الحركة، كان البصر معطلاً، فكم من مريض يرى الطعام وهو أنفع الأشياء له، ولا يقدر على تناوله لسقوط شهوته، فخلق الله لك شهوة الطعام وسلطها عليك، كالمتقاضى الذي يضطرك إلى تناول الغذاء. ثم إن الشهوة لو لم تسكن عند أخذ مقدار الحاجة من الطعام، لأسرفت وأهلكت نفسك، فخلق لك الكراهة عند الشبع لتترك الأكل بها، وكذلك القول في شهوة الوقاع لحكمة بقاء النسل. ثم خلق لك الأعضاء التي هي آلات الحركة في تناول الغذاء وغيره، منها اليدان،

стр. 285

وهما مشتملتان على مفاصل كثيرة لتتحرك في الجهات وتمتد وتنثني، ولا تكون كخشبة منصوبة. ثم جعل رأس اليد عريضاً، وهو الكلف، وقسمه خمسة أقسام، وهى الأصابع وجعلها مختلفة في الطول والقصر، ووضعها في صفين، بحيث يكون الإبهام في جانب، ويدور على الأصابع البواقى، ولو كانت مجتمعة متراكمة، لم يحصل تمام الغرض، ثم خلق لها أظافر، وأسند إليها رؤوس الأصابع، لتقوى بها، ولتلتقط بها بعض الأشياء الدقيقة التي لا تحويها الأصابع، ثم هب أنك أخذت الطعام باليد، فلا يكفيك حتى يصل إلى باطنك، فجعل لك الفم واللحيين، خلقهما من عظمين، وركب فيهما الأسنان، وقسمها بحسب ما يحتاج إليه الطعام، فبعضها قواطع كالرباعيات، وبعضها يصلح للكسر كالأنياب، وبعضها طواحن كالأضراس، وجعل اللحى الأسفل متحركاً حركة دورية، واللحى الأعلى ثابتاً لا يتحرك، فانظر إلى عجيب صنع الله تعالى، وإن كل رحى صنعها الخلق يثبت منها الحجر الأسفل ويدور الأعلى، إلا هذه الرحى التي هي من صنع الله ، فإنه يدور منها الأسفل على الأعلى، إذ لو دار الأعلى خوطر بالأعضاء، الشريفة التي يحتوى عليها. ثم انظر كيف أنعم الله عليك بخلق اللسان، فإنه يطوف في جوانب الفم، ويرد الطعام من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة، كالمجرفة التي ترد الطعام إلى الرحى، هذا مع ما فيه من عجائب قوة النطق. ثم هب أنك قطعت الطعام وعجنته وهو يابس، فلا تقدر على الابتلاع إلا بأن ينزلق إلى الحلق بنوع رطوبة. انظر كيف خلق الله تعالى تحت اللسان عيناً يفيض منها اللعاب، وينصب بقدر الحاجة حتى ينعجن به الطعام. ثم هذا الطعام المطحون المعجون من يوصله إلى المعدة وهو في الفم، فإنه لا يمكن إيصاله باليد، فهيأ الله تعالى المريء (١) والحنجرة، وجعل رأسها طبقات ينفتح لأخذ الطعام، ثم ينطبق وينضغط حتى يقلب الطعام، فيهوى في دهليز المريء إلى المعدة، فإذا ورد الطعام إلى المعدة وهو خبز وفاكهة مقطعة، فلا يصلح أن يصير لحماً

стр. 286

وعظماً ودماً على هذه الهيئة حتى يطبخ طبخاً تاماً، فجعل الله المعدة على هيئة قدر يقع فيه الطعام، فتحتوى عليه وتغلق عليه الأبواب، وينضج بالحرارة التي تتعدى إليها من الأعضاء الأربعة، وهى الكبد من جانبها الأيمن، والطحال من جانبها الأيسر، والثرب (١) من أمامها، ولحم الصلب من خلفها، فينضج الطعام ويصير مائعاً متشابهاً يصلح للنفوذ في تجاويف العروق، ثم ينصب الطعام من العروق إلى الكبد، فيستقر فيها ريثما يصلح له نضج آخر. ثم يتفرق في الأعضاء ويبقى منه ثقل ثم يندفع. ولو استوفينا الكلام في ذلك لطال. وفى الآدمي من العضلات والعروق ما لا يحصى، مختلف بالصغر والكبر والدقة والغلظ، ولا شئ منها إلا وفيه حكمة، وكل ذلك من الله سبحانه، ولو سكن من جملتها عرق متحرك أو تحرك عرق ساكن، لهلكت يا مسكين. فانظر إلى نعم الله تعالى عليك، لتقوى على الشكر، فإنك لا تعرف من نعمة الله تعالى إلا نعمة الأكل، وهى أخسها، ثم لا تعرف منها إلا أنك تجوع وتأكل، والبهيمة أيضاً تعرف أنها تجوع وتأكل، وتتعب فتنام، وتشتهى فتجامع، وإذ لم تعرف أنت من نفسك إلا ما يعرف الحمار، فكيف تقوم بشكر الله؟! وهذا الذي رمزنا إليه على الإيجاز قطرة من بحر نعم الله تعالى، فقس على ذلك. وجملة ما عرفنا وعرفه الخلق كلهم من نعم الله تعالى بالإضافة إلى ما لم يعرفوه، أقل من قطرة في بحر. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤ والنحل: ١٧]. ١٠ ـ فصل [في عجائب الأغذية والأدوية] واعلم: أن الأطعمة كثيرة مختلفة، والله تعالى في خلقها عجائب لا تحصى، وهى تنقسم إلى أغذية وأدوية وفواكه وغيرها: فنتكلم عن بعض الأغذية، فنقول: إذا كان عندك شئ من الحنطة، فلو أكلتها

стр. 287

لفنيت وبقيت جائعاً، فما أحوجك إلى عمل ينمى به حب الحنطة ويتضاعف حتى يفي بتمام حاجتك، وهو زرعها، وهو أن تجعلها في أرض فيها ماء يمتزج ماؤها بالأرض فيصير طيناً، ثم لا يكفى الماء والتراب، إذ لو تركت في الأرض ندية صلبة، لم تنبت لفقد الهواء، فيحتاج إلى تركها إلى أرض متخلخلة يتغلغل الهواء فيها، ثم الهواء لا يتحرك إليه بنفسه، فيحتاج إلى ريح تحرك الهواء، وتصرفه بقهر على الأرض، حتى ينفذ فيها، ثم كل ذلك لا يغنى، فيحتاج إلى حرارة الربيع والصيف، فإنه لو كان في البرد المفرط لم ينبت. ثم انظر إلى الماء الذي يحتاج إليها هذه الزراعة كيف خلقه الله تعالى؟ فجر العيون وأجرى منها الأنهار، ولما كان بعض الأرض مرتفعاً لا يناله الماء، أرسل إليها الغيوم، وسلط عليها الرياح لتسوقها بإذنه إلى أقطار العالم، وهى سحب ثقال، ثم يرسله على الأرض مدراراً في وقت الحاجة. وانظر كيف خلق الله الجبال حافظة للماء، تنفجر منها العيون تدريجاً، فلو خرجت دفعة واحدة لغرقت البلاد وهلك الزرع وغيره. وانظر كيف سخر الشمس وخلقها، مع بعدها عن الأرض، مسخنة لها في وقت دون وقت، ليحصل البرد عند الحاجة إليه، والحر عند الحاجة إليه. وخلق القمر وجعل من خاصيته الترطيب، كما جعل من خاصية الشمس التسخين فهو ينضج الفواكه بتقدير الحكيم الخبير، وكل كوكب خلق في السماء، فهو مسخر لنوع فائدة، كما سخرت الشمس والقمر، ولا يخلو كل واحد منها عن حكم كثيرة لا تفي قوة البشر بإحصائها، وكذلك الشمس والقمر، فيهما حكم آخر غير ما ذكرنا لا تحصى. ولما كانت كل الأطعمة لا توجد في كل مكان، سخر الله تعالى التجار، وسلط عليهم الحرص على جمع المال، مع أنه لا يغنيهم في غالب الأمر شئ، بل يجمعون الأموال، فإما أن تغرق بها السفن أو تنهبها قطاع الطرق، أو يموتون في بعض البلاد، فتأخذها السلاطين، وأحسن أحوالها أن يأخذها ورثتهم، وهم أشد أعدائهم لو عرفوا، فانظر كيف سلط الله عليهم الأمل والغفلة، حتى يقاسوا الشدائد في طلب الريح في ركوب البحار، وركوب الأخطار، فيحملون الأطعمة وأنواع الحوائج من أقصى

стр. 288

الشرق والغرب إليك. واعلم: أن الخلق لم يقصروا عن شكر النعمة إلا للجهل والغفلة، فإنهم منعوا بذلك عن معرفة النعم، ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها، ثم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول أحدهم بلسانه: الحمد لله، والشكر لله، ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن تستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها، وهى طاعة الله تعالى. أما الغفلة عن النعم فلها أسباب: أحدها: أن الناس لجهلهم لا يعدون ما يعم الخلق في جميع أحوالهم نعمة، فلذلك لا يشكرون على جملة ما ذكرناه، من النعم، لأنها عامة للخلق، فلا يعده نعمة، فلا تراهم يشكرون الله على روح الهواء، ولو أخذ بمخنقهم لحظة حتى انقطع الهواء عنهم ماتوا، ولو حبسوا في حمام أو بئر ماتوا غماً، فإن ابتلى أحدهم بشيء من ذلك ثم نجا، قدر ذلك نعمة يشكر الله عليها، وهذا غاية الجهل، إذ صار شكرهم موقوفاً على أن تسلب عنهم النعمة، ثم ترد إليهم في بعض الأحوال، فالنعم في جميع الأحوال أولى بالشكر، فلا ترى البصير يشكر صحة البصر إلا أن يعمى، فإذا أعيد بصره أحس بالنعمة وشكرها حينئذ وعدها نعمة، وهو مثل عبد السوء يضرب دائماً، فإذا ترك ضربه ساعة، شكر وتقلد ذلك منة، وإن ترك ضربه أصلا، غلبه البطر وترك الشكر، فصار الناس لا يشكرون إلا على المآل الذي يتطرق الاختصاص إليه م حيث الكثرة والقلة، وينسون جميع نعم الله تعالى عليهم. كما روى أن بعضهم شكا فقره إلى بعض أرباب البصيرة، وأظهر شدة اغتمامه بذلك، فقال له: أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم؟ قال لا، قال: أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفاً؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف؟ قال: لا، قال: أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفاً. وحكى عن بعض الفقراء أنه اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعاً، فرأى في المنام كأن قائلاً يقول له: أتود أن أنسيناك سورة الأنعام ولك ألف دينار؟ قال: لا، قال: فسورة هود؟ قال: لا، قال: فسورة يوسف؟ قال: لا، قال فمعك قيمة مائة ألف دينار وأنت تشكو؟ فأصبح وقد سرى عنه.

стр. 289

ودخل ابن السماك على الرشيد في عظة. فبكى ثم دعا بماء في قدح فقال: يا أمبر المؤمنين، لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفديها بها، قال: نعم، قال فاشرب رياً، بارك الله فيك. فلما شرب، قال له: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفتدى ذلك؟ قال: نعم قال فما تصنع بشيء شربة ماء خير منه! وهذا يبين أن نعمة الله على العبد في شربة ماء عند العطش أعظم من ملك الأرض كلها، ثم تسهيل خروج الحدث من أعظم النعم، وهذه إشارة وجيزة إلى النعم الخاصة. اعلم: أن ما من عبد إلا إذا أمعن النظر رأى من نعم الله نعماً كثيرة لا يشاركه فيها عموم الناس، بل قد يشاركه في ذلك كثير منهم، من ذلك العقل، فما من عبد إلا وهو راضٍ عن الله سبحانه في عقله، يعتقد أنه أعقل الناس، وقلما يسأل الله العقل، وإذا كان ذلك اعتقاده، فيجب عليه أن يشكر الله تعالى على ذلك. ومن ذلك الخلق، فإنه ما من عبد إلا ويرى من غيره عيوباً يكرهها، وأخلاقاً يذمها، ويرى نفسه بريئاً منها، فينبغي أن يشكر الله تعالى على ذلك، حيث أحسن خلقه وابتلى غيره. ومن ذلك أن ما من أحد إلا وهو يعرف من بواطن أمور نفسه وخفايا أركانها ما هو منفرد به، ولو كشف الغطاء عنه حتى أطلع عليه أحد من الخلق لافتضح، فكيف لو اطلع الناس كافة؟ فلم لا يشكر الله بستره الجميل على مساويه، حيث أظهر الجميل وستر القبيح. ولننزل إلى طبقة أعم من هذا القبيل، فنقول: ما من عبد إلا وقد رزقه الله تعالى في صورته، أو أخلاقه أو صفاته، أو أهله، أو ولده، أو مسكنه أو بلده، أو رفيقه أو أقاربه، أو جاهه، أو سائر محابه، أموراً، لو سلب ذلك وأعطى ما خصص به من ذلك غيره، لكان لا يرضى به، وذلك مثل أن جعله مؤمناً لا كافراً، وحياً لا جماداً، وإنساناً لا بهيمة، وذكراً لا أنثى، وصحيحاً لا مريضاً، وسليماً لا معيباً، فإن كل هذه خصائص. فإن كان لا يرى أن يبدل حاله بحال غيره، مثل أن يعرف شخصاً يرتضى لنفسه حاله بدلاً عن حال نفسه، إما على الجملة، أو في أمر خاص، فإن الله عليه نعماً ليست

стр. 290

له على أحد من عباده سواه، وإن كان يرى انه يبدل حال نفسه بحال بعضهم دون بعض، فلينظر إلى عدد المغبوطين عنده، فإنه يراه عنده لا محالة أقل من غيرهم، فيكون من دونه في الحال أكثر بكثير ممن فوقه، فما باله ينظر فوقه ولا ينظر إلى من دونه؟! وفى "الصحيحين" عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه". وقد رواه الترمذي بلفظ آخر: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر أن تزدروا نعمة الله عليكم" (١). فإن من اعتبر حال نفسه، وفتش على ما خص به، وجد لله تعالى نعماً كثيرة، لا سيما من خص الإيمان، والقرآن، والعلم، والسنة، ثم الفراغ، والصحة والأمن وغير ذلك. وقد روى في بعض الأحاديث "من قرأ القرآن فهو غني". وفي لفظ: "القرآن غنى لا فقر بعده، ولا غنى دونه" (٢). وفى حديث آخر: "من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها". وقال بعضهم: إذا ما القوت يأتي لـ ... كَ والصحة والأمن وأصبحت أخا حزن ... فلا فارقك الحزن فإن قيل: فما علاج القلوب الغافلة عن شكر نعم الله تعالى؟ فالجواب: أما القلوب المبصرة، فتتأمل ما رمز إليه من أصناف نعم الله ، وأما القلوب البليدة التي لا تعد النعمة نعمة إلا إذا نزل بها البلاء، فسبيل صاحبها أن

стр. 291

ينظر أبداً إلى من دونه، ويفعل ما كان يفعله بعض القدماء، فإنه كان يحضر دار المرضى ليشاهد أنواع البلاء عليهم، ثم يتأمل صحته وسلامته، ويشاهد الجناة الذين يقتلون وتقطع أيديهم وأرجلهم ويعذبون، فيشكر الله على سلامته من تلك العقوبات، ويحضر المقابر، فيعلم أن أحب الأشياء إلى الموتى أن يردوا إلى الدنيا، ليتدارك من عصا عصيانه، وليزيد في الطاعة من أطاع، فإن يوم القيامة يوم التغابن، فإذا شاهد المقابر، وعلم أحب الأشياء إليهم، فليصرف بقية عمره في طاعة الله تعالى وشكره في الإمهال، بأن يصرف العمر إلى ما خلق لأجله، وهو التزود للآخرة. ومما ينبغي أن تعالج به القلوب البعيدة عن الشكر أن يعرف أن النعمة إذا لم تشكر زالت. كان الفضيل رحمه الله تعالى يقول: عليكم بمداومة الشكر على النعم، فقل نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم. ١١ ـ فصل في بيان اجتماع الصبر والشكر على وجه واحد لعلك تقول: قد ذكرت أن لله تعالى في كل موجود نعمة، وهذا يشير إلى أن البلاء لا وجود له أصلاً، فما معنى الصبر، وإن كان البلاء موجوداً، فما معنى الشكر على البلاء؟ وكيف يجتمع الصبر والشكر؟! فإن الصبر يستدعى ألماً والشكر يستدعى فرحاً، وهما متضادان. فاعلم أن البلاء موجود، كما أن النعمة موجودة، وأنه ليس كل بلاء يأمر بالصبر عليه، مثل الكفر، فإنه بلاء، ولا معنى للصبر عليه، وكذا المعاصي، إلا أن الكافر لا يعلم أن كفره بلاء، فيكون كمن به علة، وهو لا يتألم بها، بسبب غشيته، والعاصي يعرف عصيانه، فعليه ترك المعصية، وكل بلاء يقدر الإنسان على دفعه لا يأمن الصبر عليه، فلو ترك شرب الماء مع العطش حتى عظم ألمه، لم يأمر بالصبر على ذلك، بل يأمر بإزالة الألم، وإنما يكون الصبر على ألم ليس إلى العبد إزالته، فإذن يرجع الصبر في الدنيا إلى ما ليس ببلاء مطلق، بل يجوز أن يكون نعمة من وجهه، فلذلك يتصور أن يجتمع عليه وظيفة الشكر ووظيفة الصبر، فإن الغنى مثلاً يجوز أن يصير سبب هلاك الإنسان، حتى يقصد قتله بسبب ماله، والصحة أيضاً كذلك، فما من نعمة من نعم الدنيا إلا ويجوز أن تصير بلاء وقد يكون على العبد في بعض الأمور

стр. 292

بلاء وفيه نعمة. مثال ذلك. جهل الإنسان بأجله، فإنه نعمة عليه، إذ لو عرفه تنغص عليه العيش، وطال بذلك غمه، وكذلك جهله بما يضمره بعض الناس له، إذ لو اطلع عليه لطال ألمه وحقده وحسده واشتغاله بالانتقام، وكذلك جهله بالصفات المذمومة من غيره، إذ لو عرف منه ذلك، أبغضه وآذاه، فكان ذلك وبالاً عليه. ومن ذلك إبهام القيامة، وليلة القدر، وساعة الجمعة، وكل ذلك نعمة، لأن الجهل يوفر الدواعي على الطلب والاجتهاد، فهذه وجوه نعم الله تعالى في الجهل، فكيف في العلم؟! وقد قلنا: إن لله سبحانه في كل موجود نعمة، حتى إن الآلام قد تكون نعمة في حق المتألم، وقد تكون نعمة في حق غيره، كألم الكفار في النار في الآخرة، فإنه نعمة في حق أهل الجنة، إذ لو لم يعذب قوم، ما عرف المتنعمون قدر نعيمهم، وإنما يتضاعف فرح أهل الجنة إذا ذكروا ألم أهل النار، ألا ترى أن أهل الدنيا لا يشتد فرحهم بنور الشمس، مع شدة حاجتهم إليها مع أنها عامة ومبذولة، ولا بالنظر إلى زينة السماء، وهى أحسن من كل نبت، لأنها عامة، فلذلك لم يشعروا بها، ولم يفرحوا بسببها، فإذا صح قولنا: إن الله تعالى لم يخلق شيئاً إلا وفيه حكمة ونعمة، إما على جميع العباد، أو على بعضهم، ففى خلق الله تعالى البلاء نعمة أيضاً، إما على المبتلى، أو على غيره، فيجتمع على العبد وظيفة الشكر والصبر في كل حالة لا توصف بأنها بلاء مطلق، ولا نعمة مطلقة، فإن الإنسان قد يفرح بالشيء الواحد من وجه، ويغتم به من وجه آخر، فيكون الصبر من حيث الاغتمام، والشكر من حيث الفرح. واعلم: أن في كل فقر، ومرض، وخوف، وبلاء في الدنيا، خمسة أشياء ينبغي أن يفرح العاقل بها، ويشكر عليها: أحدها: أن كل مصيبة ومرض يتصور أن يكون عليها أكثر منها، لأن مقدورات الله تعالى لا تتناهى، فلو أضعفها الله على العبد، فما كان يمنعه؟ فليشكر إذ لم يكن أعظم. الثاني: أن المصيبة لم تكن في الدين. قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى علىّ فيه أربع

стр. 293

نعم، إذ لم يكن في ديني، وإذ لم يكن أعظم، وإذ لم أحرم الرضا به، وإذ أرجو الثواب عليه. قال رجل لسهل بن عبد الله: دخل اللص بيتي وأخذ متاعي، فقال: اشكر الله تعالى، لو دخل الشيطان قلبك فأفسد إيمانك، ماذا كنت تصنع؟ ومن استحق أن يضربك مائة سوط، فاقتصر على عشرة فهو مسحق للشكر. الثالث: أن ما من عقوبة إلا كان يتصور أن تؤخره إلى الآخرة، ومصائب الدنيا يتسلى عنها فتخفف، ومصيبة الآخرة دائمة، وإن لم تدم، فلا سبيل إلى تخفيفها، ومن عجلت عقوبته في الدنيا لم يعاقب ثانياً، كذا ورد في الحديث عن النبي ﵌. وفى "صحيح مسلم": "إن كل ما يصاب به المسلم يكون كفارة له، حتى النكبة ينكبها، والشوكة يشاكها". الرابع: أن هذه المصيبة كانت مكتوبة عليه في أم الكتاب، ولم يكن بد من وصولها إليه، فقد وصلت واستراح منها، فهي نعمة. الخامس: أن ثوابها أكثر منها، فإن مصائب الدنيا طرق إلى الآخرة، كما يكون المنع من أسباب اللعب نعمة في حق الصبى، فإنه لو خلى واللعب، لكان يمنعه، ذلك من العلم والأدب، فكان يخسر طول عمره، وكذلك المال والأهل والأقارب والأعضاء، قد تكون سبباً لهلاكه، فالملحدون غداً يتمنون أن لو كانوا مجانين وصبياناً، ولم يتصرفوا بعقولهم في دين الله تعالى، فما من شئ من هذه الأسباب يوجد من العبد، إلا ويتصور أن يكون له في ذلك خبرة دينية، فعليه أن يحسن الظن بالله ، ويقدر الخيرة فيما أصابه، ويشكر الله تعالى عليه، فإن حكمة الله تعالى واسعة، وهو أعلم بمصالح العباد منهم، وغداً يشكره العباد على البلاء إذا رأوا ثوابه، كما يشكر الصبي بعد البلوغ أستاذه وأباه على ضربه وتأديبه، إذ رأى ثمرة ما استفاد من التأديب. والبلاء تأديب من الله تعالى، ولطفه بعباده أتم وأوفى من عناية الآباء بالأولاد .. وفى الحديث: "لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له". وأيضاً، فاعلم أن رأس الخطايا المهلكة حب الدنيا، ورأس أسباب النجاة التجافي بالقلب عنها، ومواتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء ومصيبة تورث

стр. 294

طمأنينة القلب إلى الدنيا والأنس بها، فإذا كثرت المصائب انزعج القلب عن الدنيا ولم يسكن إليها، فصارت سجناً له، فكانت نجاته منها غاية المراد كخلاص المسجون من السجن. وأما التألم فهو ضروري وذلك يضاهى فرحك بمن يحجمك أو يسقيك دواء نافعاً بلا أجر فإنك تتألم وتفرح، فتصبر على الألم، وتشكر على سبب الفرح، فمن عرف هذا تصور منه أن يشكر على البلاء، ومن لا يؤمن أن ثواب المصيبة أكثر منها لم يتصور منه الشكر على المصيبة. وقد روى أن أعرابياً عزى ابن عباس رضى الله عنه بأبيه فقال: اصبر نكن بك صابرين فإنما ... صبر الرعية عند صبر الرأس خير من العباس صبرك بعده ... والله خير منك للعباس فقال ابن عباس رضى الله عنهما: ما عزاني أحد أحسن من تعزيته. وقد سبق ذكر أنواع البلاء، وثواب الصبر عليها. فإن قال قائل: الأخبار الواردة في فضل الصبر تدل على أن البلاء في الدنيا خير من النعيم، فهل لنا أن نسأل الله البلاء؟ فالجواب: أنه لا وجه لذلك، فإن في الحديث من رواية أنس، أن رسول الله ﵌ عاد رجلاً من المسلمين صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﵌: "هل كنت تدعو بشيء أو تسأله؟ " قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجله لى في الدنيا، فقال رسول الله ﵌: "سبحان الله لا تطيقه ولا تستطيعه، فهلا قلت: اللهم آتتا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". ومن حديث أنس رضى الله عنه أيضاً، أن رجلاً قال: يا نبى الله: أي الدعاء أفضل؟ قال: "سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة" ثم أتاه الغد، فقال يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: "سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة" ثم أتاه اليوم الثالث، فقال: "سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، فإن أعطيت العفو والعافية في الدنيا والآخرة فقد أفلحت". وفى "الصحيحين" انه ﵌ قال: "تعوذوا بالله من جهد

стр. 295

البلاء، ودرك الشفاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء". وقال مطرف: لأن أعافى فأشكر، أحب إليَّ من أن ابتلى فأصبر. ١٢ ـ فصل في بيان أيهما أفضل الصبر أم الشكر واختلف الناس: هل الصبر أفضل من الشكر، أو بالعكس؟ وفى ذلك كلام طويل، ذكره المصنف ﵀، وتلخيص القول فيه: أن لكل واحد من الصبر والشكر درجات. فأقل درجات الصبر، ترك الشكوى مع الكراهة، ووراءها المرضى، وهو مقام وراء الصبر، ووراء ذلك الشكر على البلاء وهو وراء الرضى. ودرجات الشكر كثيرة، فإن حياء العبد مع تتابع نعم الله عليه شكر، ومعرفته بالصبر عن الشكر شكر، والمعرفة بعظيم حلم الله وستره شكر، والاعتراف بأن النعم ابتداء من الله بغير استحقاق شكر، والعلم بأن الشكر نعمة من نعم الله شكر، وحسن التواضع في النعم والتذلل فيها شكر، وشكر الوسائط شكر، لقوله ﵌: " لا يشكر الله من لا يشكر الناس" وقلة الاعتراض وحسن الأدب بين يدي المنعم شكر، وتلقى النعم بحسن القبول واستعظام صغيرها شكر، فما يندرج من الأعمال والأقوال تحت اسم الشكر والصبر لا ينحصر، وهى درجات مختلفة، فكيف يمكن إجمال القول بتفضيل أحدهما على الآخر؟ لكن نقول: إذا أضيف إلى الشكر الذي هو صرف المال إلى الطاعة، فالشكر أفضل، لأنه تضمن الصبر أيضاً، وفيه فرح بنعمة الله ، وفيه احتمال ألم في صرفه إلى الفقراء، وترك صرفه إلى التنعيم المباح، فهو أفضل من الصبر بهذا الاعتبار. وأما إذا كان شكر المال ألا يستعين به على معصية، بل يصرفه إلى التنعيم المباح، فالصبر هنا أفضل من الشكر، والفقير الصابر أفضل من الممسك ماله الصارف له في المباحات، لأن الفقير قد جاهد نفسه وأحسن الصبر على بلاء الله تعالى، وجميع ما ورد من تفضيل أجزاء الصبر على الشكر، إنما أريد به هذه الرتبة على الخصوص، لأن

стр. 296

السابق إلى إفهام الناس، من نعمة الأموال، والغنى بها، والسابق من الإفهام من الشكر أن يقول الإنسان: الحمد لله، فإذن الصبر الذي يعتمده العامة أفضل من هذا الشكر الذي يفهمونه، ومتى لحظت المعنى الذي ذكرناه، علمت بأن لكل واحد من القولين وجهاً في بعض الأحوال، فرب فقير صابر أفضل من غنى شاكر كما ذكر، ورب غنى شاكر أفضل من فقير صابر، وذلك هو الغنى الذي يرى نفسه مثل الفقير الذي لا يمسك لنفسه من المال إلا قدر الضرورة، ويصرف الباقي في الخيرات، أو يمسكه على اعتقاده أنه خازن للمحتاجين، وإنما ينتظر حاجة تسنح حتى يصرف إليها، وإذا صرفه لم يصرفه لطلب جاه ولا تقليد منه، فهذا أفضل من الفقير الصابر، والله أعلم. ***

стр. 297

كتاب الرجاء والخوف اعلم: أن الرجاء والخوف جناحان، بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع طريق الآخرة كل عقبة كؤود، ولابد من بيان حقيقتهما وفضيلتهما وسببهما، وما يتعلق بذلك، ونحن نذكرهما في شطرين: الأول: في الرجاء. والثاني: في الخوف. الشطر الأول: الرجاء . واعلم: أن الرجاء من جملة مقامات السالكين وأحوال الطالبين، وإنما يسمى الوصف مقاماً إذا ثبت وأقام، فإن كان عارضاً سريع الزوال سمى حالاً، كما أن الصفرة تنقسم إلى ثابتة، كصفرة الذهب، وإلى سريعة، كصفرة الوجل، وإلى ما بينهما كصفرة المرض، وكذلك صفات القلب تنقسم إلى هذه الأقسام، وإنما سمى غير الثابت حالاً، لأنه يحول عن القلب. واعلم: أن كل ما يلاقيك من محبوب أو مكروه ينقسم إلى موجود في الحال وإلى موجود فيما مضى. فالأول: يسمى وجداً وذوقاً وإدراكاً. والثانى: يسمى ذكراً وإن كان قد خطر ببالك شئ في الاستقبال، وغلب على قلبك، سمى انتظاراً وتوقعاً، فإن كان المنتظر محبوباً، سمى رجاء، وإن كان مكروهاً، سمى خوفاً. فالرجاء: هو ارتياح لانتظار ما هو محبوب عنده، ولكن ذلك المتوقع لابد له من سبب حاصل، فإن لم يكن السبب معلوم الوجود ولا معلوم الانتفاء، سمى تمنياً، لأنه انتظار من غير سبب، ولا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما يتردد فيه، فأما ما يقطع به فلا، إذ لا يقال: أرجو طلوع الشمس وأخاف غروبها، لأن ذلك مقطوع به عند طلوعها وغروبها، ولكن يقال: أرجو نزول المطر وأخاف انقطاعه. وقد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة، والقلب كالأرض، والإيمان كالبذر فيه، والطاعات جارية مجرى تنقية الأرض وتطهيرها، ومجرى حفر الأنهار ومساقى الماء إليها. وإن القلب المستغرق بالدنيا، كالأرض السبخة التي لا ينمو فيها البذر. ويوم القيامة هو يوم الحصاد، ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا ينمو زرع إلا من بذر

стр. 298

الإيمان، وقل أن ينفع مع خبث القلب وسوء أخلاقه، كما لا ينمو البذر في الأرض السبخة. فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع، فكل من طلب أرضاً طيبة، وألقى فيها بذراً جيداً غير مسوس ولا عفن، ثم ساق إليها الماء في أوقات الحاجة، ونقَّى الأرض من الشوك والحشيش وما يفسد الزرع، ثم جلس ينتظر من فضل الله تعالى دفع الصواعق والآفات المفسدة، إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته، فهذا يسمى انتظاره رجاء. فأما إن بذر في أرض سبخة صلبة مرتفعة لا يصل إليها الماء ولم يتعاهدها أصلاً، ثم انتظر الحصاد، فهذا يسمى انتظاره حمقاً وغروراً، لا رجاء. وإن بث البذر في أرض طيبة، ولكن لا ماء لها، وأخذ ينتظر مياه الأمطار، سمى انتظاره تمنياً لا رجاء. فإذن اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس إلى اختياره، وهو فضل الله سبحانه، بصرف الموانع المفسدات، فالعبد إذا بث بذر الإيمان، وسقاه ماء الطاعات، وطهر القلب من شوك الأخلاق الرديئة، وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره لذلك رجاءً محموداً باعثاً على المواظبة على الطاعات والقيام بمقتضى الإيمان إلى الموت، وإن قطع بذر الإيمان عن تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحوناً برذائل الأخلاق، وانهمك في طلب لذات الدنيا، ثم انتظر المغفرة، كان ذك حمقاً وغروراً. قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩] وذم القائل: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]. وروى شداد بن أوس، قال: قال رسول الله ﵌: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" (١). وقال معروف الكرخى ﵀: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق. ولذلك

стр. 299

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]. المعنى: أولئك الذين يستحقون أن يرجوا، ولم يرد به تخصيص وجود الرجاء، لأن غيرهم أيضاً قد يرجو ذلك. واعلم: أن الرجاء محمود، لأنه باعث على العمل، واليأس مذموم، لأنه صارف عن العمل، إذ من عرف أن الأرض سبخة، وأن الماء مغور، وأن البذر لا ينبت، ترك تفقد الأرض، ولم يتعب في تعاهدها. وأما الخوف، فليس بضد الرجاء، بل رفيق له، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وحال الرجاء يورث طريق المجاهدة بالأعمال، والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال، ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله ، والتنعم بمناجاته، والتلطف في التملق له، فإن هذه الأحوال لابد أن تظهر على كل من يرجو ملكاً من الملوك، أو شخصاً من الأشخاص، فكيف لا يظهر ذلك في حق الله سبحانه وتعال؟ فمتى لم يظهر، استدل به على حرمان مقام الرجاء، فمن رجا أن يكون مراداً بالخير من غير هذه العلامات، فهو مغرور. ١ ـ فصل في فضيلة الرجاء روى في "الصحيحين" من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبي ﵌ أنه قال: "قال الله : أنا عند ظن عبدى بي" وفى رواية أخرى "فليظن بى ما شاء". وفى حديث آخر من رواية مسلم: أن النبي ﵌ قال: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله". وأوحى الله تعالى إلى داود ﵇: أحبنى، وأحب من يحبنى، وحببنى إلى خلقي. قال: يارب: كيف أحببك إلى خلقك؟ قال: اذكرني بالحسن الجميل، واذكر آلائي وإحساني. وعن مجاهد ﵀ قال: يؤمر بالعبد يوم القيامة إلى النار، فيقول: ما كان هذا ظني فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تغفر لى، فيقول: خلو سبيله.

стр. 300

٢ ـ فصل في دواء الرجاء والسبب الذي يحصل به اعلم: أن دواء الرجاء يحتاج إليه رجلان: إما رجل قد غلب عليه اليأس حتى ترك العبادة. وإما رجل غلب عليه الخوف حتى أضر بنفسه وأهله. فأما العاصي المغرور المتمني على الله مع الإعراض عن العبادة، فلا ينبغي أن يستعمل في حقه إلا أدوية الخوف، فإن أدوية الرجاء تقلب في حقه سموماً، كما أن العسل شفاء لمن غلبت عليه البرودة، مضر لمن غلبت عليه الحرارة. ولهذا يجب أن يكون واعظ الناس متلطفاً، ناظراً إلى مواضع العلل، معالجاً كل علة بما يليق بها، وهذا الزمان لا ينبغي أن يستعمل فيه مع الخلق أسباب الرجاء، بل المبالغة في التخويف، وإنما يذكر الواعظ فضيلة أسباب الرجاء إذا كان مقصوده استمالة القلوب إليه، لإصلاح المرضى. وقد قال على رضى الله عنه: إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم مكر الله. إذا عرفت هذا، فاعلم أن من أسباب الرجاء، ما هو من طريق الاعتبار، ومنها ما هو من طريق الأخبار. أما الاعتبار، فهو أن يتأمل جميع ما ذكرناه من أصناف النعم في كتاب الشكر، فإذا علم لطائف الله تعالى بعباده في الدنيا، وعجائب حكمته التي راعاها في فطرة الإنسان، وأن لطفه الإلهي لم يقصر عن عباده في دقائق مصالحهم في الدنيا، ولم يرض أن تفوتهم الزيادات في الرتبة، فكيف يرضى سياقتهم إلى الهلاك المؤبد؟! فإن من لطف في الدنيا يلطف في الآخرة، لأن مدبر الدارين واحد. وأما استقراء الآيات والأخبار، فمن ذلك قوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٤]. وأخبر تعالى أنه أعد النار لأعدائه، وإنما خوف بها أولياءه، فقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]. وقال:

стр. 301

﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]. ومن الأخبار ما روى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "إن إبليس قال لربه : بعزتك وجلالك، لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت الأروح فيهم. فقال الله : فبعزتي وجلالى، لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني" (١). وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون فيغفر لهم" رواه مسلم. وفى "الصحيحين" من حديث عائشة رضى الله عنها، أن النبي ﵌ قال: "سدودا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل أحداً الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله منه برحمته". وفى "الصحيحين" من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، عن النبي ﵌ قال: "يقول الله عزل وجل يوم القيامة: يا آدم: قم فابعث بعث النار فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك. يارب: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ يشيب المولود، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]. فشق ذلك على الناس، حتى تغيرت وجوههم، وقالوا: يارسول الله! وأينا ذلك الواحد؟ فقال ﵌: "من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد" فقال الناس: الله أكبر. فقال النبي ﵌: " والله إنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة. والله إنى لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، والله إنى لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة. فكبر الناس، فقال: "ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض". فانظر كيف جاء بالتخويف، فلما أزعج جاء باللطف، ومتى اطمأنت القلوب إلى

стр. 302

الهوى، فينبغي أن تزعج فإذا اشتد قلقها، ينبغي أن تسكن ليعتدل الأمر. وقال ابن مسعود رضى الله عنه: ليغفر الله يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر. وروى أن مجوسياً استضاف إبراهيم الخليل ﵇ فلم يضفه وقال: إن أسلمت، أضفتك، فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم منذ تسعين سنة أطعمه على كفره فسعى إبراهيم ﵇ خلفه، فرده وأخبره في الحال، فتعجب من لطف الله تعالى. فأسلم. فهذه الأسباب التي تجتلب بها روح الرجاء إلى قلوب الخائفين واليائسين. فأما الحمقى المغرورون، فلا ينبغي أن يسمعوا شيئاً من ذلك، بل يسمعون ما سنورده في أسباب الخوف، فإن أكثر الناس لا يصلحون إلا على ذلك، كعبد السوء الذي لا يستقيم إلا بالعصا. الشطر الثاني من الكتاب في ٣ـ الخوف وحقيقته وبيان درجاته وغير ذلك اعلم: أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال. مثال ذلك، من جنى على ملك جناية، ثم وقع في يده، فهو يخاف القتل، ويجوز العفو، ولكن يكون تألم قلبه بحسب قوة علمه بالأسباب المفضية إلى قتله، وتفاحش جنايته، وتأثيرها عند الملك، وبحسب ضعف الأسباب يضعف الخوف. وقد يكون الخوف لا عن سبب جناية، بل عن صفة المخوف وعظمته وجلاله، إذ قد علم أن الله سبحانه، لو أهلك العالمين لم يبال، ولم يمنعه مانع، فبحسب معرفة الإنسان بعيوب نفسه، وبجلال الله تعالى واستغنائه، وأنه لا يسأل عمل يفعل، يكون خوفه. وأخوف الناس أعرفهم بنفسه وبربه، ولذلك قال النبي ﵌: "أنا أعرفكم بالله، وأشدكم له خشية" (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ

стр. 303

الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وإذا كملت المعرفة، أثرت الخوف، ففاض أثرت الخوف، ففاض أثره على القلب، ثم ظهر على الجوارح والصفات بالنحول والاصفرار والبكاء والغشى، وقد يفضي إلى الموت، وقد يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل. وأما ظهور أثره على الجوارح، فبكفها عن المعاصي، وإلزامها الطاعات، تلافياً لما فرط، واستعداداً للمستقبل. قال بعضهم: من خاف أدلج. وقال آخر: ليس الخائف من بكى، إنما الخائف من ترك ما يقدر عليه. ومن ثمرات الخوف، أنه يقمع الشهوات، ويكدر اللذات، فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة، كما يصير العسل مكروهاً عند من يشتهيه إذ علم أن فيه سماً، فتحترق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح، ويذل القلب ويستكين، ويفارقه الكبر والحقد والحسد، ويصير مستوعب الهم لخوفه، والنظر في خطر عاقبته، فلا يتفرغ لغيره، ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة، والمجاهدة، والضنة بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس في الخطرات والخطوات والكلمات، ويكون حاله كحال من وقع في مخالب سبع ضار لا يدرى أيغفل عنه فيفلت، أو يهجم عليه فيهلكه، ولا شغل له إلا ما وقع فيه، فقوة المراقبة والمحاسبة بحسب قوة الخوف، وقوة الخوف بحسب قوة المعرفة بجلال الله تعالى، وصفاته، وبعيوب النفس، وما بين يديها من الأخطار والأهوال. وأقل درجات الخوف مما يظهر أثره في الأعمال، أن يمنع المحظورات، فإن منع ما يتطرق إليه إمكان التحريم، سمى ورعاً، وإن انضم إليه التجرد والاشتغال بذلك عن فضول العيش، فهو الصدق. ٤ ـ فصل [الخوف سوط الله تعالى] اعلم: أن الخوف سوط الله تعالى يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل، لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى. والخوف، له إفراط، وله اعتدال، وله قصور. والمحمود من ذلك الاعتدال، وهو بمنزلة السوط للبهيمة فإن الأصلح للبهيمة أن لا تخلو عن سوط، وليس المبالغة في الضرب محمودة ولا التقاصر عن الخوف أيضاً محمود، وهو كالذي يخطر بالبال عند سماع آية، أو سبب هائل، فيورث البكاء، فإذا

стр. 304

غاب ذلك السبب عن الحس، رجع القلب إلى الغفلة، فهو خوف قاصر قليل الجدوى، ضعيف النفع، وهو كالقضيب الضعيف الذي يضرب به دابة قوية فلا يؤلمها ألماً مبرحاً، فلا يسوقها إلى المقصد، ولا يصلح لرياضتها، وهذا هو الغالب على الناس كلهم، إلا العارفين والعلماء، أعنى العلماء بالله وبآياته، وقد عز وجودهم. وأما المرتسمون برسوم العلم، فإنهم أبعد الناس عن الخوف. وأما القسم الأول، وهو الخوف المفرط، فهو كالذي يقوى ويجاوز حد الاعتدال حتى يخرج إلى اليأس والقنوط، فهو أيضاً مذموم، لأنه يمنع من العمل، وقد يخرج المرض والوله والموت، وليس ذلك محموداً، وكل ما يراد لأمر، فالمحمود منه ما يفضي إلى المراد المقصود منه، وما يقصر عنه أو يجاوزه، فهو مذموم، وفائدة الخوف الحذر، والورع، والتقوى، والمجاهدة والفكر، والذكر، والتعبد وسائر الأسباب التي توصل إلى الله تعالى، وكل ذلك يستدعى الحياة، مع صحة البدن وسلامة العقل، فإذا قدح في ذلك شىء، كان مذموماً. فإن قيل: فما تقول فيمن مات من الخوف؟ فالجواب: أنه ينال لموته على تلك الحال مرتبة لا ينالها لو مات من غير خوف، إلا أنه لو عاش وترقى إلى درجات المعارف والمعاملة، كان أفضل، فإن أفضل السعادة طول العمر في طاعة الله تعالى، فكل ما أبطل العمر والعقل والصحة فهو نقصان وخسران. ٥ ـ بيان أقسام الخوف اعلم: أن مقامات الخائفين تختلف، فمنهم من يغلب على قلبه خوف الموت قبل التوبة، ومنهم من يغلب عليه خوف الاستدراج بالنعم، أو خوف الميل عن الاستقامة، ومنهم من يغلب عليه خوف سوء الخاتمة. وأعلى من هذا خوف السابقة، لأن الخاتمة فرع السابقة، والله تعالى يرفع من يشاء من غير وسيلة، ويضع من يشاء من غير وسيلة، لا يسأل عما يفعل. وقد قال: "هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي". ومن أقسام الخائفين، من يخاف سكرات الموت وشدته، أو سؤال منكر ونكير، أو عذاب القبر. ومنهم من يخاف هيبة الوقوف بين يدي الله تعالى، والخوف من المناقشة والعبور على الصراط، والخوف من النار وأهوالها، أو حرمان الجنة، أو الحجاب عن الله سبحانه

стр. 305

وتعالى، وكل هذه الأسباب مكروهة في أنفسها، مخوفة. فأعلاها رتبة خوف الحجاب عن الله تعالى، وهو خوف العارفين، وما قبل ذلك خوف الزاهدين والعابدين. ٦ ـ فصل في فضيلة الخوف والرجاء وما ينبغي أن يكون الغالب منهما فضيلة كل شىء بقدر إعانته على طلب السعادة، وهى لقاء الله تعالى، والقرب منه، فكل ما أعان على ذلك فهو فضيلة. قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]. وفى الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: "إذا اقشعر جلد العبد من مخافة الله تحاتت عنه ذنوبه، كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها" (١). وفى حديث آخر: "لن يغضب الله على من كان فيه مخافة" (٢) وقال النبي ﵌: قال الله : "وعزتي وجلالى، لا أجمع على عبدى خوفين، ولا أجمع له أمنين، إن أمنني في الدنيا، أخفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا، أمنته يوم القيامة" (٣). وعن ابن عباس رضى الله عنه عن النبي ﵌ أنه قال: "عينان لا تمسهما النار أبداً: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله". واعلم: أن قول القائل: أيما أفضل الخوف، أو الرجاء؟ كقوله: أيما أفضل الخبز أو الماء؟ وجوابه: أن يقال الخبز للجائع أفضل، والماء للعطشان أفضل، فإن اجتمعا، نظر إلى الأغلب، فإن استويا، فهما متساويان، والخوف والرجاء دواء أن يداوى بهما القلوب، ففضلهما بحسب الداء الموجود، فإن كان الغالب على القلب الأمن من مكر الله، فالخوف أفضل، وكذلك إن كان الغالب على العبد المعصية، وإن كان الغالب

стр. 306

عليه اليأس والقنوط، فالرجاء أفضل. ويجوز أن يقال مطلقاً: الخوف أفضل، كما يقال: الخبز أفضل من السكنجبين لأن الخبز يعالج به مرض الجوع، والسكنجبين يعالج به مرض الصفراء، ومرض الجوع أغلب وأكثر، فالحاجة إلى الخبز أكثر، فهو أفضل بهذا الاعتبار، لأن المعاصي والاغترار من الخلق أغلب. وإن نظرنا إلى موضع الخوف والرجاء فالرجاء أفضل لأن الرجاء يستقي من بحر الرحمة، والخوف يستقي من بحر الغضب. وإما المتقي، فالأفضل عنده اعتدال الخوف والرجاء، ولذلك قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه، لاعتدلا. قال بعض السلف: لو نودي: ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلاً واحداً، لخشيت أن أكون أنا ذلك الرجل. ولو نودي: ليدخل النار كل الناس إلا رجلاً واحداً، لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل. وهذا ينبغي أن يكون مختصاً بالمؤمن المتقى. فإن قيل: كيف اعتدال الخوف والرجاء في قلب المؤمن، وهو على قدم التقوى؟ فينبغي أن يكون رجاؤه أقوى. فالجواب: أن المؤمن غير متيقن صحة عملهن فمثله مثل من بذر بذراً ولم يجرب جنسه في أرض غريبة، والبذر الإيمان، وشروط صحته دقيقة، والأرض القلب، وخفايا خبثه وصفائه من النفاق، وخبايا الأخلاق غامضة، والصواعق أهوال سكرات الموت، وهناك تضطرب العقائد، وكل هذا يوجب الخوف عليه، وكيف لا يخاف المؤمن؟ وهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه يسأل حذيفة رضى الله عنه: هل أنا من المنافقين؟ وإنما خاف أن تلتبس حاله عليه، ويستتر عيبه عنه، فالخوف المحمود هو الذي يبعث على العمل، ويزعج القلب عن الركون إلى الدنيا. وأما عند نزول الموت، فالأصلح للإنسان الرجاء، لأن الخوف كالسوط الباعث على العمل، وليس ثمة عمل، فلا يستفيد الخائف حيئنذ إلا تقطيع نياط (١) قلبه، والرجاء في هذه الحال يقوى قلبه، ويحبب إليه ربه، فلا ينبغي لأحد أن يفارق الدنيا

стр. 307

إلا محباً لله تعالى، محباً، للقائه، حسن الظن به. وقد قال سليمان التيمي عند الموت لمن حضره: حدثني بالرخص، لعلى ألقى الله وأنا أحسن الظن به. ٧ ـ فصل في بيان الدواء الذي يستجلب به الخوف وذلك يحصل بطريقين: أحدهما أعلى من الآخر. مثاله أن الصبي إذا كان في بيت، فدخل عليه سبع، أو حية، ربما لم يخف منه، وربما مد يده إلى الحية ليأخذها يلعب بها، ولكن إذا كان معه أبوه فهرب منها وخافها، هرب الصبي، وخاف موافقة لأبيه، فخوف الأب عن معرفة، وخوف الولد من غير معرفة، بل هو تقليد لأبيه. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن الخوف من الله تعالى على مقامين: أحدهما: الخوف من عذابه، وهذا خوف عامة الخلق، وهو حاصل بالإيمان بالجنة والنار، وكونها جزاءين على الطاعة والمعصية، ويضعف هذا الخوف بسبب ضعف الإيمان، أو قوة الغفلة. وزوال الغفلة يحصل بالتذكر، والتفكر في عذاب الآخرة، ويزيد بالنظر إلى الخائفين ومجالستهم، أو سماع أخبارهم. المقام الثاني: الخوف من الله تعالى، وهو خوف العلماء العارفين. قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣]. وصفاته سبحانه تقتضي الهيبة والخوف، فهم يخافون البعد والحجاب. قال ذو النون: خوف النار عند خوف الفراق، كقطرة في بحر، ولعامة الناس حظ من هذا الخوف، ولكن بمجرد التقليد، فهو يضاهى خوف الصبي من الحية، تقليداً لأبيه، فلذلك يضعف، فإن العقائد التقليدية ضعيفة في الغالب، إلا إذا قويت بمشاهدة أسبابها المولدة لها على الدوام، وبالمواظبة على مقتضاها في تكثير الطاعات، واجتناب المعاصي، فإذا ارتقى العبد إلى معرفة اله تعالى، خافه بالضرورة، ولا يحتاج إلى علاج يجلب الخوف إلى قلبه، بل يخاف بالضرورة.

стр. 308

من قصر، فسبيله أن يعالج نفسه بسماع الأخبار والآثار، فيطالع أحوال الخائفين وأقوالهم، ويسبب عقولهم ومناصبهم إلى مناصب الراجين المغرورين، فلا يتمارى في أن الاقتداء لهم أولى، لأنهم الأنبياء والعلماء والأولياء. وفى "صحيح مسلم" من حديث عائشة رضى الله عنها، قالت: دعي رسول الله ﵌ إلى جنازة غلام من الأنصار. فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يدرك الشر ولم يعمله، قال: "أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم". ومن أعجب ما ظاهره الرجاء وهو شديد التخويف، قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] فإنه علق المغفرة على أربعة شروط، يبعد تصحيحها. ومن المخوفات قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ١، ٢] ثم ذكر بعدها أربعة شروط، بها يقع الخلاص من الخسران. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ومعلوم أنه لو كان الأمر مستأنفاً لامتدت الأطماع في التحيل، فأما ما حق في القدم، فلا يمكن تداركه فليس إلا التسليم، لولا أن الله تعالى لطف بعارفيه، وروح قلوبهم بالرجاء، لاحترقت من نار الخوف. وقال أبو الدراء رضى الله عنه: ما أحد أمن على إيمانه أن يسلبه عند الموت إلا سلبه. ولما حضرت سفيان الثوري الوفاة، جعل يبكى، فقال له رجل: يا أبا عبد الله: أراك كثير الذنوب، فرفع شيئاً من الأرض وقال: والله لذنوبي أهون عندي من هذا، ولكن أخاف أن أسلب الإيمان قبل الموت. وكان سهل رحمه الله تعالى يقول: المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر.

стр. 309

ويروى أن نبياً من الأنبياء، شكا إلى الله تعالى الجوع والعرى، فأوحى الله إليه: عبدى، أما رضيت أن عصمت قلبك أن يكفرني حتى تسألني الدنيا؟! فأخذ التراب فوضعه على رأسه وقال: بلى قد رضيت، فاعصمني من الكفر. فإذا كان هذا خوف العارفين من سوء الخاتمة مع رسوخ أقدامهم، فكيف لا يخاف ذلك الضعفاء؟! ولسوء الخاتمة أسباب تتقدم على الموت، مثل البدعة، والنفاق، والكبر، ونحو ذلك من الصفات المذمومة، ولذلك اشتد خوف السلف من النفاق. قال بعضهم: لو أعلم أنى برى من النفاق، كان أحب إلى مما طلعت عليه الشمس، ولم يريدوا بذلك نفاق العقائد، إنما أرادوا نفاق الأعمال، كما ورد في الحديث الصحيح: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان". وسوء الخاتمة على رتبتين: إحداهما أعظم، وهو أن يغلب على القلب والعياذ بالله شك، أو جحود عند سكرات الموت وأهواله، فيقتضي ذلك العذاب الدائم. والثانية دونها، وهى أن يسخط الأقدار، ويتكلم بالاعتراض، أو يجوز في وصيته، أو يموت مصراً على ذنب من الذنوب. وقد روى أن الشيطان لا يكون في حال أشد على ابن آدم من حال الموت، يقول لأعوانه: دونكم هذا، فإنه إن فاتكم اليوم لم تلحقوه. وقد روى عن النبي ﵌، أنه كان يدعو: "اللهم إنى أعوذ بك أن يتخبطنى الشيطان عند الموت" (١). قال الخطابي: وذلك أن يستولي على الإنسان حينئذ، فيضله ويحول بينه وبين التوبة أو يمنعه الخروج من مظلمة، أو يؤيسه من رحمة الله ويكره إليه الموت، فلا

стр. 310

يرضى بقضاء الله . والأسباب التي تفضي إلى سوء الخاتمة لا يمكن انحصارها على التفصيل، لكن يمكن الإشارة إلى مجامع ذلك. أما الختم على الشك والجحود، فسببه البدعة، ومعناها أن يعتقد في ذات الله تعالى، أو صفاته، أو أفعاله خلاف الحق، إما تقليداً، أو برأيه الفاسد، فإذا انكشف الغطاء عند الموت، بان له بطلان ما اعتقده، فيظن أن جميع ما اعتقده هكذا لا أصل له. ومن اعتقد في الله سبحانه وصفاته اعتقاداً مجملاً على طريق السلف من غير بحث ولا تنقر، فهو بمعزل عن هذا الخطر إن شاء الله تعالى. وأما الختم على المعاصي، فسببه ضعف الإيمان في الأصل، وذلك يورث الانهماك في المعاصى، والمعاصى مطفئة لنور الإيمان، وإذا ضعف الإيمان ضعف حب الله تعالى، فإذا جاءت سكرات الموت، ازداد ذلك ضعفا، لاستشعاره فراق الدنيا، فإن السبب الذي يفضي إلى مثل هذا الخاتمة، وهو حب الدنيا، والركون إليها، مع ضعف الإيمان الموجب لضعف حب الله، فمن وجد في قلبه حب الله تعالى، أغلب من حب الدنيا، فهو أبعد من هذا الخطر، وكل من مات على محبة الله تعالى، قدم به قدوم العبد المحسن المشتاق إلى مولاه، فلا يخفى ما يلقاه من الفرح والسرور بمجرد القدوم، فضلاً عما يستحقه من الإكرام. ومن فارقه الروح في حال، خطر بباله فيها لإنكار على الله سبحانه في فعله، أو كان مصراً على مخالفته، قدم على الله قدوم من قدم به قهراً، فلا يخفى ما يستحقه من النكال. فمن أراد طريق السلامة، تزحزح عن أسباب الهلاك، على أن العلم بتقليب القلوب وتغيير الأحوال، يقلقل قلوب الخائفين. وقد ورد في "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد، أن رسول الله ﵌ قال: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، وإنه لمن أهل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنه وإنه من أهل النار". وروى: "إن العبد إذا عرج بروحه إلى السماء، قالت الملائكة: سبحان الله! نجا هذا العبد من الشيطان: يا ويحه! كيف نجا"؟!

стр. 311

وإذا عرفت معنى سوء الخاتمة، فاحذر أسبابها، وأعد ما يصلح لها، وإياك والتسويف بالاستعداد، فان العمر قصير، كل نفس من أنفاسك بمنزلة خاتمتك، لأنه يمكن أن تخطف فيه روحك، والإنسان يموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه. واعلم: أنه لا يتيسر لك الاستعداد بما يصلح، إلا أن تقنع بما يقيمك، وترفض طلب الفضول، وسنورد عليك من أخبار الخائفين ما نرجو أن يزيل بعض القساوة من قلبك، فانك متحقق أن الأنبياء والأولياء كانوا أعقل منك، فتفكر في اشتداد خوفهم، لعلك تستعد لنفسك. ٨ ـ ذكر خوف الملائكة ﵈ قال الله تعالى في صفتهم: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]. وقد روينا عن النبي ﵌ أنه قال: "إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته" (١). وذكر تمام الحديث. وبلغنا أن من حملة العرش من تسيل عينيه مثل الأنهار، فإذا رفع رأسه قال: سبحانك ما تخشى حق خشيتك، فيقول الله: لكن الذين يحلفون باسمي كاذبين لا يعلمون ذلك. وعن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: "لما كان ليلة أسرى بى، رأيت جبريل ﵇ كالشن (٢) البالي من خشية الله تعالى". وبلغنا أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﵌ وهو يبكى فقال: له: "ما يبكيك، قال: ما جفت لى عين منذ خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه، فليقيني فيها". وعن يزيد الرقاشي قال: إن لله تعالى ملائكة حول العرش تجرى أعينهم مثل الأنهار إلى يوم القيامة، يميدون كأنما تنفضهم الريح من خشية الله تعالى، فيقول لهم

стр. 312

الرب : يا ملائكتي ما الذي يخيفكم وأنتم عندى؟ فيقولون: يارب! لو أن أهل الأرض اطلعوا من عزتك وعظمتك على ما اطلعنا عليه، ما أساغوا طعاماً ولا شراباً، ولا انبسطوا في فرشهم، ولخرجوا إلى الصحارى يخورون كما تخور البقر. وقال محمد بن المنكدر: لما خلقت النار، طارت أفئدة الملائكة من أماكنها، فلما خلق آدم عادت. وروي أنه لما ظهر من إبليس ما ظهر، طفق جبريل وميكائيل يبكيان، فأوحى الله تعالى إليهما: "ما هذا البكاء؟ قالا: يارب! ما نأمن من مكرك. فقال تعالى: هكذا فكونا". ٩ ـ ذكر خوف الأنبياء ﵈ قال وهب: بكى آدم ﵇ على الجنة ثلاثمائة عام، وما رفع رأسه إلى السماء بعد ما أصاب الخطيئة. وقال وهيب بن الورد: لما عاتب الله تعالى نوحاً ﵇ في ابنه فقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] بكى ثلاثمائة عام حتى صار تحت عينيه أمثال الجداول من البكاء. وقال أبو الدرداء رضى الله عنه: كان يسمع لصدر إبراهيم ﵇ إذا قام إلى الصلاة أزيز من بعد خوفاً من الله . وقال مجاهد: لما أصاب داود ﵇ الخطيئة، خر لله ساجداً أربعين يوماً حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه، ثم نادى يارب: قرح الجبين، وجمدت العين، وداود لم يرجع إليه في خطيئته شىء، فنودي: أجائع أنت فتطعم؟ أم مريض فشفى؟ أم مظلوم فتنصر، فنحب نحيباً هاج كل شىء نبت، فعند ذلك غفر له. وقيل: كان داود ﵇ يعود الناس يظنون أنه مريض، وما به إلا شدة الفرق من الله . وكان عيسى ﵇ إذا ذكر الموت يقطر جلده دماً.

стр. 313

وبكى يحيى بن زكريا ﵉ حتى بدت أضراسه، فاتخذت أمه قطعين من لبود فألصقتها بخدية. ١٠ ـ ذكر خوف نبينا ﵌ عن عائشة رضى الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﵌ قط مستجمعاً ضاحكاً، حتى أرى لهواته (١) إنما كان يبتسم، وكان إذا رأى غيماَ وريحاً عرف ذلك في جهه، فقلت: يارسول الله: الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت الكراهه في وجهك! فقال: "يا عائشة: مايؤمننى أن يكون فيه عذاب؟ قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا" أخرجاه في "الصحيحين". وكان ﵌ يصلى ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء. ١١ ـ ذكر خوف أصحابه رضى الله عنهم روينا عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه كان يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. وقال: ياليتنى كنت شجرة تعضد ثم تؤكل. وكذلك قال طلحة وأبو الدرداء وأبو ذر رضى الله عنهم. وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يسمع آية فيمرض فيعاد أياماً. وأخذ يوما تبنة من الأرض فقال: باليتني كنت هذه التبنة، ياليتنى لم أك شيئاً مذكوراً، ياليت أمي لم تلدني. وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء. وقال عثمان رضى الله عنه: وددت أني إذا مت لا أبعث. وقال أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه: وددت أنى كنت كبشاً فذبحني أهلي، فأكلوا لحمى، وحسوا مرقي. وقال عمران بن حصين: ياليتنى كنت رماداً تذروه الرياح.

стр. 314

وقال حذيفة رضى الله عنه: وددت أن لى إنساناً يكون في مالي، ثم أغلق علىَّ بابى، فلا يدخل على أحد حتى ألحق بالله . وكان مجرى الدمع في خد ابن عباس رضى الله عنه كالشراك البالي. وقالت عائشة رضى الله عنها: ياليتنى كنت نسياً منسياً. وقال على رضى الله عنه: والله لقد رأيت أصحاب محمد ﵌ فما أرى اليوم شيئاً يشبههم. لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله تعالى، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله ، مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين. ١٢ ـ ذكر خوف التابعين ومن بعدهم قال هرم بن حيان: وددت والله أنى شجرة أكلتني ناقة، ثم قذفتني بعراً، ولم أكابد الحساب يوم القيامة، إنى أخاف الداهية الكبرى. وكان على بن الحسين إذا توضأ اصفَّر وتغير، فيقال: ما لك؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟ وكان محمد بن واسع يبكى عامة الليل لا يكاد يفتر. وكان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكى حتى تجرى دموعه على لحيته. وبكى ليلة فبكى أهل الدار، فلما تجلب عنهم العبرة قالت فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ قال: ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله تعال، فريق في الجنة، وفريق في السعير. ثم صرخ وغشى عليه. ولما أراد المنصور بيت المقدس، نزل براهب كان ينزل به عمر بن عبد العزيز فقال له: أخبرني بأعجب ما رأيت من عمر. فقال: بات ليلة على سطح غرفتي هذه وهو من رخام، فإذا أنا بماء يقطر من الميزاب، فصعدت فإذا هو ساجد، وإذا دموع عينه تنحدر من الميزاب. وقد روينا عن عمر بن العزيز وفتح الموصلي أنهما بكيا الدم.

стр. 315

وقال إبراهيم بن عيسى اليشكرى: دخلت على رجل بالبحرين قد اعتزال الناس، وتفرغ لنفسه، فذاكرته شيئاً من أمر الآخر، وذكر الموت. قال: فجعل يشهق حتى خرجت نفسه. وقال مسمع: شهدت عبد الواحد بن زيد وهو يعظ، فمات يومئذ في ذلك المجلس أربعة أنفس. وكان يزيد بن مرشد يبكى كثيراً ويقول: والله لو تواعدني ربى أن يسجنني في الحمام، لكان حقي أن لا أفتر من البكاء، فكيف وقد تواعدني أن يسجنني في النار إن عصيته؟! وقال السري السقطي: إنى لأنظر كل يوم إلى أنفى مخافة أن يكون قد اسود وجهي. فهذه مخاوف الملائكة والأنبياء والعلماء والأولياء، ونحن أجدر بالخوف منهم، ولكن ليس الخوف بكثرة الذنوب ولكن بصفاء القلوب وكمال المعرفة، وإنما أمنا لغلبة جهلنا وقوة قساوتنا، فالقلب الصافي تحركه أدنى مخافة، والقلب الجامد تنبو عنه كل المواعظ. قال بعض السلف: قلت لراهب: أوصني، فقال: إن استطعت أن تكون بمنزلة رجل قد احتوشته السباع والهوام، فهو خائف حذر يخاف أن يغفل فيفترسنه، أو يسهو فينهشنه، فهو مذعور فافعل. قلت: زدني. فقال: الظمآن يجزيه من الماء أيسره. وما ذكره هذا الراهب من تقدير شخص احتوشته السباع والهوام، فهو حقيقة في حق المؤمن، فان من نظر إلى باطنه بنور بصيرته، رآه مشحوناً بالسباع والهوام، كالغضب، والحقد، والحسد، والكبر، والعجب، والرياء، وغير ذلك، وكلهن ينهشه ويفترسنه إن سها عنهن، إلا أنه محجوب عن مشاهدتها، فإذا انكشف الغطاء ووضع في القبر، عاينها متمثلة حيات وعقارب يلدغنه، وإنما هي صفاته الحاضرة الآن، فمن أراد أن يقهرها قبل الموت ويقتلها فليفعل، وإلا فليوطن نفسه على لدغها لصميم قلبه، فضلاً عن ظاهر بشرته والسلام. أخر كتاب الخوف. ***

стр. 316

كتاب الزهد والفقر اعلم: أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وبعضها أسباب كل طاعة، وقد سبق ذم الدنيا في ربع المهلكات، ونحن نذكر الآن فضل البغض لها والزهد فيها، فإنه رأس المنجيات. ومقاطعتها إما أن تكون بانزوائها عن العبد ويسمى ذلك فقراً، وإما بانزواء العبد عنها، ويسمى ذلك زهداً، ولكل واحد منهما درجة في نيل السعادات، وحظ في الإعانة على الفوز والنجاة. ونحن نذكر الفقر، والزهد، ودرجاتهما، وأقسامهما، وما يتعلق بهما في شطرين: الشطر الأول من الكتاب في الفقر: اعلم: أن الفقير إلى الشيء هو المحتاج إليه، وكل موجود سوى الله تعالى فهو فقير، لأنه محتاج إلى دوام الموجود، وذلك مستفاد من فضل الله تعالى. وأما فقر العبد بالإضافة إلى أصناف حاجاته فلا يحصر، ومن جملة حاجاته ما يتوصل إليه بالمال، ثم يتصور أن يكون له خمسة أحوال عند فقرة: الأولى: أن يكون بحيث لو أتاه المال لكرهه وتأذى به، وهرب من أخذه بغضها له واحترازاً من شره وشغله، وصاحب هذه الحالة يسمى زاهداً. الحالة الثانية: أن يكون بحيث لا يرغب فيه رغبة يفرح بحصوله، ولا يكرهه كراهه يتأذى بها، وصاحب هذه الحالة يسمى راضياً. الثالثة: أن يكون وجود المال أحب إليه من عدمه لرغبة له فيه، ولكن لم يبلغ من رغبته أن ينهض لطلبه، بل إن أتاه عفواً أو صفواً أخذه وفرح به، وإن افتقر إلى تعب في طلبه لم يشتغل به. وصاحب هذه الحالة يسمى قانعاً. الرابعة: أن يكون تركه للطلب لعجزه، وإلا فهو راغب فيه، لو وجد سبيلاً إلى طلبه بالتعب لطلبه، وصاحب هذه الحالة يسمى الحريص. الخامسة: أن يكون مضطراً إلى ما قصده من المال، كالجائع، والعاري الفاقد للمأكول والملبوس. ويسمى صاحب هذه الحالة مضطراً، كيفما كانت رغبته في الطلب ضعيفة أو قوية.

стр. 317

وأعلى هذه الخامسة: الحالة الأولى، وهى: الزهد، ووراءها حالة أخرى أعلى منها، وهى أن يستوي عنده وجود المال وعدمه، فإن وجده لم يفرح به، ولم يتأذ إن فقده، كما روينا عن عائشة رضى الله عنها أنها جاءها مال في غرارتين (١)،ففرقته في يومها، فقالت لها جاريتها: أما استطعت أن تشترى لنا مما قسمت لحماً بدرهم نقطر عليه؟ فقالت: لو ذكريني لفعلت. فمن هذه حاله لو كانت الدنيا بحذافيرها في يده لم تضره، إذ هو يرى الأموال في خزانة الله تعالى، لا في يد نفسه. وينبغى أن يسمى صاحب هذه الحالة المستغنى، لأنه غنى عن عند فقد المال وجوده جميعاً، ومتى كان الزاهد في الدنيا لا يرغب في وجودها، ولاعدمها، فهو في غاية الكمال. قال أحمد بن أبى الحواري لأبى سليمان الدارانى: قال مالك بن دينار للمغيرة: اذهب إلى البيت فخذ الزكاة التي أهديتها لى، فإن الشيطان يوسوس لى أن اللص قد أخذها، فقال أبو سليمان: هذا من ضعف الزهد، هو قد زهد في الدنيا ما عليه من أخذها. فالهرب من المال والزهد فيه في حق الضعفاء كمال، فآما في حق الأنبياء والأقوياء، فسواء عليهم وجوده وعدمه. وقد يظهر القوى النفار من المال ليقتدي به الضعفاء في الترك، والله أعلم. ١ ـ فصل في فضيلة الفقر وتفضيل الفقر على الغنى أما الآيات فقد قال الله تعالى في معرض المدح في حق الفقراء: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]. وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾. . . الآية [الحشر: ٨]. وأما الأخبار فكثيرة، منها: قول ﵌: " قمت على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها الفقراء، إلا أن أصحاب الجد محبوسون " وذكر تمام الحديث. وهو في "الصحيحين".

стр. 318

وفيهما من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي ﵌ قال: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً". وفيهما من حديث عائشة رضى الله عنها قالت: ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعاً حتى قبض. وفي أفراد مسلم من حديث عمر ﵁ قال: لقد رأيت رسول الله ﵌ يظل اليوم يتلوي ما يجد دقلا (١) يملأ بطنه. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﵌ أنه قال: "يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام" وقال الترمذي: حديث صحيح. وقال ﵌ لعائشة ﵂: "إياك ومجالسة الأغنياء" (٢). وقال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيعتذر الله إليه كما يعتذر الرجل إلى الرجل في الدنيا، فيقول: وعزتي وجلالى ما زويت الدنيا عنك لهوانك على، ولكن لما أعددت لك من الكرامة. اخرج يا عبدى إلى هذه الصفوف، فمن أطعمك أو كساك يريد بذلك وجهي، فخذ بيده فهو لك" (٣). وقيل لموسى ﵇: إذا رأيت الفقر مقبلاً، فقل: مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلاً فقل: ذنب عجلت عقوبته. وقال أبو الدرداء: حساب ذي الدرهمين أشد حساباً من ذي الدرهم. وكان الفقراء يتقدمون في مجلس الثوري على الأغنياء. وجاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم فلم يقبلها، وقال: تريد أن تمحو اسمي من ديوان الفقراء!؟ لا أفعل.

стр. 319

وقال النبي ﵌: "طوبى لمن هدى إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً، وقنع بما آتاه ". وقد ذكرنا في القناعة وذم الحرص والطمع في كتاب ذم المال ما يغنى عن الإعادة، ولا يقدر على ذلك إلا بعد القوة الصبر. وأما التفضيل بين الغنى والفقير، فظاهر النقل يدل على تفضيل الفقير، ولكن لابد من تفصيل، فنقول: إنما يتصور الشك والخلاف في فقير صابر ليس بحريص بالإضافة إلى غنى شاكر ينفق ماله في الخيرات، أو فقير حريص مع غنى حريص، إذ لا يخفى أن الفقير القانع الحريص، فإن كان متمتعاً بالمال في المباحات، فالفقير القنوع أفضل منه. وكشف الغطاء في هذا أن ما يراد لغيره، ولا يرد لعينه، ينبغي أن يضاف إلى مقصوده، إذ به يظهر فضله، والدنيا ليست محذورة لعينها، بل لكونها عائقة عن الوصول إلى الله تعالى، والفقر ليس مطلوباً لعينه، ولكن لأن فيه فقد العائق عن الله تعالى، وعدم التشاغل عنه. وكم من غنى لا يشغله عن الله تعالى، كسليمان ﵇، وكذلك عثمان [بن عفان] وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما. وكم من فقير شغله فقره عن المقصود، وصرفه عن حب الله تعالى والأنس به، وإنما الشاغل له حب الدنيا، وإذا لا يجتمع معه حب الله تعالى، فإن المحب للشيء مشغول به، سواء كان في فراقه، أو في وصاله، بل قد يكون شغله في الفراق أكثر. والدنيا معشوقة الغافلين، فالمحرم منها مشغول بطلبها، والقادر عليها مشغول بحفظها والتمتع بها. وإن أخذت الأمر باعتبار الأكثر، فالفقير عن الخطر أبعد، لأن فتنة السراء أشد من فتنة الضراء، ومن العصمة أن لا تجد، ولما كان ذلك طبع الآدميين إلا القليل منهم، جاء الشرع بذم الغنى وفضل الفقر. وقد تقدم ما يدل على فضله. ومن ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﵌: "التقى مؤمنان على باب الجنة: مؤمن غنى، ومؤمن فقير، كانا في الدنيا، فأدخل الفقير الجنة، وحبس الغنى ما شاء الله تعالى أن يحبس، ثم أدخل

стр. 320

الجنة، فلقيه الفقير، فقال: أي أخي: ماذا حبسك؟ والله لقد احتبست حتى خفت عليك، فقال:: أي أخي حبست بعدك محبسا قطيعاً كريهاً، وما وصلت إليك حتى سال منى العرق ما لو ورده ألف بعير كلها آكلة حمض، لصدرت عنه رواءً" (١). واعلم: أن فراق المحبوب شديد، فإذا أحببت الدنيا، كرهت لقاء الله تعالى، فيكون قدومك بالموت على ما تكرهه، وفراقك لما تحبه، وكل من فارق محبوباً كان أذاه في فراقه بقدر حبه له وأنسه به، فينبغي أن تحب من لا يفارقك، وهو الله تعالى، ولا تحب الدنيا التي تفارقك. ٢ ـ فصل في آداب الفقير في فقره ينبغي له أن لا يكون كارهاً لما ابتلاه الله به من الفقر. وأرفع من هذا أن يكون راضياً فرحاً، ويكون متوكلاً على الله سبحانه، واثقاً به ومتى عكس الحال، وكان يشكو إلى الخلق، ولا يشكو إلى الله تعالى، كان الفقر عقوبة في حقه، فلا ينبغي له إظهار الشكوى، بل يظهر التعفف والتجمل. قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وينبغى للفقير أن لا يتواضع لغنى لأجل غناه، ولا يرغب في مجالسته. وينبغى له أيضاً أن لا يفتر عن العبادة بسبب فقره، ولا يمنع بذلك ما فضل عنه، فإن ذلك جهد المقل. روى أبو ذر رضى الله عنه قال: قلت: يارسول الله: أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد من مقل إلى فقير في السر" (٢). ٣ ـ بيان آدابه في قبول العطاء إذا جاءه بغير سؤال ينبغي أن يلاحظ فيما جاءه ثلاثة أمور: نفس المال، وغرض المعطى، وغرضه في الأخذ. الأول: أما في نفس المال، فينبغي أن يكون خالياً عن الشبهات كلها، فان كان
следующие страницы →