← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98087

مختصر منهاج القاصدين

المقدسي، نجم الدين

Полный текст (408 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

كتاب الزهد والفقر اعلم: أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وبعضها أسباب كل طاعة، وقد سبق ذم الدنيا في ربع المهلكات، ونحن نذكر الآن فضل البغض لها والزهد فيها، فإنه رأس المنجيات. ومقاطعتها إما أن تكون بانزوائها عن العبد ويسمى ذلك فقراً، وإما بانزواء العبد عنها، ويسمى ذلك زهداً، ولكل واحد منهما درجة في نيل السعادات، وحظ في الإعانة على الفوز والنجاة. ونحن نذكر الفقر، والزهد، ودرجاتهما، وأقسامهما، وما يتعلق بهما في شطرين: الشطر الأول من الكتاب في الفقر: اعلم: أن الفقير إلى الشيء هو المحتاج إليه، وكل موجود سوى الله تعالى فهو فقير، لأنه محتاج إلى دوام الموجود، وذلك مستفاد من فضل الله تعالى. وأما فقر العبد بالإضافة إلى أصناف حاجاته فلا يحصر، ومن جملة حاجاته ما يتوصل إليه بالمال، ثم يتصور أن يكون له خمسة أحوال عند فقرة: الأولى: أن يكون بحيث لو أتاه المال لكرهه وتأذى به، وهرب من أخذه بغضها له واحترازاً من شره وشغله، وصاحب هذه الحالة يسمى زاهداً. الحالة الثانية: أن يكون بحيث لا يرغب فيه رغبة يفرح بحصوله، ولا يكرهه كراهه يتأذى بها، وصاحب هذه الحالة يسمى راضياً. الثالثة: أن يكون وجود المال أحب إليه من عدمه لرغبة له فيه، ولكن لم يبلغ من رغبته أن ينهض لطلبه، بل إن أتاه عفواً أو صفواً أخذه وفرح به، وإن افتقر إلى تعب في طلبه لم يشتغل به. وصاحب هذه الحالة يسمى قانعاً. الرابعة: أن يكون تركه للطلب لعجزه، وإلا فهو راغب فيه، لو وجد سبيلاً إلى طلبه بالتعب لطلبه، وصاحب هذه الحالة يسمى الحريص. الخامسة: أن يكون مضطراً إلى ما قصده من المال، كالجائع، والعاري الفاقد للمأكول والملبوس. ويسمى صاحب هذه الحالة مضطراً، كيفما كانت رغبته في الطلب ضعيفة أو قوية.

стр. 317

وأعلى هذه الخامسة: الحالة الأولى، وهى: الزهد، ووراءها حالة أخرى أعلى منها، وهى أن يستوي عنده وجود المال وعدمه، فإن وجده لم يفرح به، ولم يتأذ إن فقده، كما روينا عن عائشة رضى الله عنها أنها جاءها مال في غرارتين (١)،ففرقته في يومها، فقالت لها جاريتها: أما استطعت أن تشترى لنا مما قسمت لحماً بدرهم نقطر عليه؟ فقالت: لو ذكريني لفعلت. فمن هذه حاله لو كانت الدنيا بحذافيرها في يده لم تضره، إذ هو يرى الأموال في خزانة الله تعالى، لا في يد نفسه. وينبغى أن يسمى صاحب هذه الحالة المستغنى، لأنه غنى عن عند فقد المال وجوده جميعاً، ومتى كان الزاهد في الدنيا لا يرغب في وجودها، ولاعدمها، فهو في غاية الكمال. قال أحمد بن أبى الحواري لأبى سليمان الدارانى: قال مالك بن دينار للمغيرة: اذهب إلى البيت فخذ الزكاة التي أهديتها لى، فإن الشيطان يوسوس لى أن اللص قد أخذها، فقال أبو سليمان: هذا من ضعف الزهد، هو قد زهد في الدنيا ما عليه من أخذها. فالهرب من المال والزهد فيه في حق الضعفاء كمال، فآما في حق الأنبياء والأقوياء، فسواء عليهم وجوده وعدمه. وقد يظهر القوى النفار من المال ليقتدي به الضعفاء في الترك، والله أعلم. ١ ـ فصل في فضيلة الفقر وتفضيل الفقر على الغنى أما الآيات فقد قال الله تعالى في معرض المدح في حق الفقراء: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]. وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾. . . الآية [الحشر: ٨]. وأما الأخبار فكثيرة، منها: قول ﵌: " قمت على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها الفقراء، إلا أن أصحاب الجد محبوسون " وذكر تمام الحديث. وهو في "الصحيحين".

стр. 318

وفيهما من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي ﵌ قال: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً". وفيهما من حديث عائشة رضى الله عنها قالت: ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعاً حتى قبض. وفي أفراد مسلم من حديث عمر ﵁ قال: لقد رأيت رسول الله ﵌ يظل اليوم يتلوي ما يجد دقلا (١) يملأ بطنه. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﵌ أنه قال: "يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام" وقال الترمذي: حديث صحيح. وقال ﵌ لعائشة ﵂: "إياك ومجالسة الأغنياء" (٢). وقال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيعتذر الله إليه كما يعتذر الرجل إلى الرجل في الدنيا، فيقول: وعزتي وجلالى ما زويت الدنيا عنك لهوانك على، ولكن لما أعددت لك من الكرامة. اخرج يا عبدى إلى هذه الصفوف، فمن أطعمك أو كساك يريد بذلك وجهي، فخذ بيده فهو لك" (٣). وقيل لموسى ﵇: إذا رأيت الفقر مقبلاً، فقل: مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلاً فقل: ذنب عجلت عقوبته. وقال أبو الدرداء: حساب ذي الدرهمين أشد حساباً من ذي الدرهم. وكان الفقراء يتقدمون في مجلس الثوري على الأغنياء. وجاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم فلم يقبلها، وقال: تريد أن تمحو اسمي من ديوان الفقراء!؟ لا أفعل.

стр. 319

وقال النبي ﵌: "طوبى لمن هدى إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً، وقنع بما آتاه ". وقد ذكرنا في القناعة وذم الحرص والطمع في كتاب ذم المال ما يغنى عن الإعادة، ولا يقدر على ذلك إلا بعد القوة الصبر. وأما التفضيل بين الغنى والفقير، فظاهر النقل يدل على تفضيل الفقير، ولكن لابد من تفصيل، فنقول: إنما يتصور الشك والخلاف في فقير صابر ليس بحريص بالإضافة إلى غنى شاكر ينفق ماله في الخيرات، أو فقير حريص مع غنى حريص، إذ لا يخفى أن الفقير القانع الحريص، فإن كان متمتعاً بالمال في المباحات، فالفقير القنوع أفضل منه. وكشف الغطاء في هذا أن ما يراد لغيره، ولا يرد لعينه، ينبغي أن يضاف إلى مقصوده، إذ به يظهر فضله، والدنيا ليست محذورة لعينها، بل لكونها عائقة عن الوصول إلى الله تعالى، والفقر ليس مطلوباً لعينه، ولكن لأن فيه فقد العائق عن الله تعالى، وعدم التشاغل عنه. وكم من غنى لا يشغله عن الله تعالى، كسليمان ﵇، وكذلك عثمان [بن عفان] وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما. وكم من فقير شغله فقره عن المقصود، وصرفه عن حب الله تعالى والأنس به، وإنما الشاغل له حب الدنيا، وإذا لا يجتمع معه حب الله تعالى، فإن المحب للشيء مشغول به، سواء كان في فراقه، أو في وصاله، بل قد يكون شغله في الفراق أكثر. والدنيا معشوقة الغافلين، فالمحرم منها مشغول بطلبها، والقادر عليها مشغول بحفظها والتمتع بها. وإن أخذت الأمر باعتبار الأكثر، فالفقير عن الخطر أبعد، لأن فتنة السراء أشد من فتنة الضراء، ومن العصمة أن لا تجد، ولما كان ذلك طبع الآدميين إلا القليل منهم، جاء الشرع بذم الغنى وفضل الفقر. وقد تقدم ما يدل على فضله. ومن ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﵌: "التقى مؤمنان على باب الجنة: مؤمن غنى، ومؤمن فقير، كانا في الدنيا، فأدخل الفقير الجنة، وحبس الغنى ما شاء الله تعالى أن يحبس، ثم أدخل

стр. 320

الجنة، فلقيه الفقير، فقال: أي أخي: ماذا حبسك؟ والله لقد احتبست حتى خفت عليك، فقال:: أي أخي حبست بعدك محبسا قطيعاً كريهاً، وما وصلت إليك حتى سال منى العرق ما لو ورده ألف بعير كلها آكلة حمض، لصدرت عنه رواءً" (١). واعلم: أن فراق المحبوب شديد، فإذا أحببت الدنيا، كرهت لقاء الله تعالى، فيكون قدومك بالموت على ما تكرهه، وفراقك لما تحبه، وكل من فارق محبوباً كان أذاه في فراقه بقدر حبه له وأنسه به، فينبغي أن تحب من لا يفارقك، وهو الله تعالى، ولا تحب الدنيا التي تفارقك. ٢ ـ فصل في آداب الفقير في فقره ينبغي له أن لا يكون كارهاً لما ابتلاه الله به من الفقر. وأرفع من هذا أن يكون راضياً فرحاً، ويكون متوكلاً على الله سبحانه، واثقاً به ومتى عكس الحال، وكان يشكو إلى الخلق، ولا يشكو إلى الله تعالى، كان الفقر عقوبة في حقه، فلا ينبغي له إظهار الشكوى، بل يظهر التعفف والتجمل. قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وينبغى للفقير أن لا يتواضع لغنى لأجل غناه، ولا يرغب في مجالسته. وينبغى له أيضاً أن لا يفتر عن العبادة بسبب فقره، ولا يمنع بذلك ما فضل عنه، فإن ذلك جهد المقل. روى أبو ذر رضى الله عنه قال: قلت: يارسول الله: أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد من مقل إلى فقير في السر" (٢). ٣ ـ بيان آدابه في قبول العطاء إذا جاءه بغير سؤال ينبغي أن يلاحظ فيما جاءه ثلاثة أمور: نفس المال، وغرض المعطى، وغرضه في الأخذ. الأول: أما في نفس المال، فينبغي أن يكون خالياً عن الشبهات كلها، فان كان

стр. 321

فيه شبهة فليحترز عن أخذه. وقد تقدم في كتاب الحلال والحرام درجات الشبهة، وما يجب اجتنابه، وما يستحب. وأما غرض المعطى، فلا يخلو، إما أن يكون طلباً للمحبة، وهو الهدية، فلا بأس بقبولها إذا لم تكن رشوة ولم يكن فيها منة. الثاني: أن يكون غرض المعطى الثواب، وهو الزكاة والصدقة، فعليه أن ينظر في صفات نفسه، هل هو مستحق أم لا؟ فان اشتبه عليه فهو محل شبهة، وإن كان صدقة، فكان المعطى إنما يعطيه لدينه، فلينظر إلى باطنه، فإن كان مقارناً لمعصية في السر، يعلم أن المعطى لو علم بذلك، لنفر طبعه ولما تقرب إلى الله بالصدقة عليه، لم يأخذه كما لو أعطاه لظنه أنه عالم لم يكن. الثالث: أن يكون غرض المعطى الشهرة والرياء والسمعة، فينبغي أن يرد عليه قصده الفاسد، ولا يأخذه، لأنه إذا قبله يكون معينا له على قصده الفاسد. وأما غرضه في الأخذ، فلينظر أهو محتاج إليه أو مستغن عنه؟ فان كان مستغنياً لم يأخذه، وإن كان محتاجاً إليه، وقد سلم من الشبة والآفات التي ذكرناها، فالأفضل له الأخذ، لما روى عن عمر رضى الله عنه، أن النبي ﵌ قال: "ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك" أخرجاه في "الصحيحين". وفى حديث آخر: "من جاءه من أخيه معروف من غير إسراف ولا مسألة، فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه". ٤ ـ فصل في بيان تحريم السؤال من غير ضرورة وآداب الفقير المضطر في السؤال اعلم: أنه قد ورد في السؤال أحاديث في النهى عنه، وفى الترخيص فيه. أما الترخيص: فكقوله ﵌: "للسائل حق وإن جاء على

стр. 322

فرس" (١): وفى بعض الأحاديث: "ردوا السائل ولو بظلف محرق". ولو كان السؤال حراماً، لما جاز إعانة المعتدى على عدوانه، والإعطاء إعانة. وأما أحاديث النهى عن السؤال: فروى ابن عمر رضى الله عنهما: قال: قال رسول الله ﵌: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم" أخرجاه في "الصحيحين". وفيهما أيضاً: أنه ﵌ ذكر التعفف عن المسألة فقال: "اليد العليا خير من اليد السفلي". واليد العليا المعطية، والسفلي السائلة. وفى حديث ابن مسعود رضى الله عنه: أنه ﵌ قال:" من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو كدوحاً في وجهه" إلى آخره. وهو حديث حسن، وفى المعنى أحاديث كثيرة. وكشف الغطاء في هذا أن نقول: السؤال في الأصل حرام، لأنه لا ينفك عن ثلاثة أمور: أحدها: الشكوى. والثاني: إذلال نفسه، وما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه. والثالث: إيذاء المسؤول غالباً. وإنما يباح السؤال في حال الضرورة والحاجة المهمة القريبة من الضرورة، أما المضطر، فهو كسؤال الجائع عند خوفه على نفسه موتاً أو مرضاً، وكسؤال العاري الذي ليس له ما يواريه. وأما المحتاج حاجة مهمة فهو كمن له جبة ولا قميص تحتها في الشتاء، فهو يتأذى بالبرد تأذيا لا ينتهي إلى حد الضرورة، فكذلك من يقدر على المشي لكن بمشقة، يجوز له أن يسأل أجرة يكترى بها للركوب، وتركه أولى، ومن وجد الخبز وهو محتاج إلى الأدم، فله أن يسأل مع الكراهة، وكذلك إذا سأل المحمل من هو قادر على الراحلة. وينبغى في مثل هذه المسألة أن يظهر الشكر لله تعالى، ولا يسأل سؤال محتاج،

стр. 323

بل يقول: أنا مستغن بما أملكه، وإنما النفس تطالبني، فيخرج بهذا عن حد الشكوى لله تعالى. وينبغى أن يسأل أباه أو قريبه أو صديقه الذي لا ينقص بذلك في عينه، أو السخي الذي أعد ماله للمكارم، فيخرج بذلك من الذل. وإن أخذ ممن يعلم أنه إنما أعطاه حياءً، لم يجز له الأخذ، ويجب رده إلى صاحبه. ولا يجوز للفقير أن يسأل إلا مقدار ما يحتاج إليه، من بيت يكنه، وثوب يستره، وطعام يقيمه. ويراعى في هذه الأشياء ما يدفع الزمان من غير تنوق (١) في شئ من ذلك، فإن كان يعلم أنه يجد من يسأله كل يوم، لم يجز أن يسأل أكثر من قوت يومه وليلته، وإن خاف أن لا يجد من يعطيه، أو خاف أن يعجز عن السؤال، أبيح له السؤال أكثر من ذلك. ولا يجوز له في الجملة أن يسأل فوق ما يكفيه لسنته، وعلى هذا يتنزل الحديث المروى في تقدير الغنى بخمسين درهماً، فإنها تكفى المنفرد المقتصد لسنة، فأما ذو العائلة فلا. ٥ ـ بيان أحوال السائلين كان بشر الحافي يقول: الفقراء ثلاثة: فقير لا يسأل، وإن أعطى لا يأخذ، فهذا من الروحانيين. وفقير لا يسأل، إن أعطى أخذ، فذاك من أهل حظيرة القدس. وفقير إذا احتاج سأل، فكفارة مسألته صدقه في السؤال. قال الشيخ جمال الدين ﵀: قلت: وفصل الخطاب أنه متى قدر الفقير على دفع الزمان من غير سؤال، لم يجز له أن يسأل، فإن كان يندفع على مضض، نظرت، فإن كان مثله لا يحتمل، ولا يخاف منه التلف، فالسؤال مباح وتركه فضيلة، وإن كان

стр. 324

مثله لا يحتمل، وجب عليه أن يسأل. قال سفيان الثوري ﵀: من جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار. ... الشطر الثاني من الكتاب: ٦ـ وفيه بيان حقيقة الزهد وفضيلته وذكر درجاته وأقسامه ونحو ذلك اعلم: أن الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين، والزهد عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، وشرط المرغوب عنه أن يكون مرغوبا فيه بوجه من الوجوه، فمن رغب عن شئ ليس مرغوباً فيه ولا مطلوباً في نفسه، لم يسم زاهداً، كمن ترك التراب لا يسمى زاهداً. وقد جرت العادة بتخصيص اسم الزاهد بمن ترك الدنيا، ومن زهد في كل شئ سوى الله تعالى، فهو الزاهد الكامل، ومن زهد في الدنيا مع رغبته في الجنة ونعيمها، فهو أيضاً زاهد، ولكنه دون الأول. واعلم: أنه ليس من الزهد ترك المال، وبذله على سبيل السخاء والقوة، واستمالة القلوب، وإنما الزهد أن يترك الدنيا للعلم بحقارتها بالنسبة إلى نفاسة الآخرة. ومن عرف أن الدنيا كالثلج يذوب، والآخرة كالدر يبقى، قويت رغبته في بيع هذه بهذه. وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧] وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٦٩]. ومن فضيلة الزهد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١]. وقال النبي ﵌: "من أصبح وهمه الدنيا، شتت الله عليه أمره، وفرق عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له،

стр. 325

ومن أصبح وهمه الآخرة، جمع الله له همه، وحفظ عليه ضيعته، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهو راغمة". وقال الحسن: يحشر الناس عراة ما خلا أهل الزهد، وقال: إن أقواما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينوها، فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها. وقال الفضيل: جعل الشر كله في بيت، وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا. وكان بعض السلف يقول: الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، والرغبة فيها تكثر الهم والحزن. ٧ ـ فصل في درجات الزهد وأقسامه من الناس من يزهد في الدنيا وهو لها مشتهٍ، لكنه يجاهد نفسه، وهذا يسمى: المتزهد، وهو مبدأ الزهد. الدرجة الثانية: أن يزهد فيها طوعا لا يكلف نفسه ذلك، لكنه يرى زهده ويلتفت إليه، فيكاد يعجب بنفسه، ويرى أنه قد ترك شيئاً له قدر لما هو أعظم قدراً منه، كما يترك درهما لأخذ درهمين، وهذا أيضاً نقصان. الدرجة الثالثة: وهى العليا أن يزهد طوعاً، ويزهد في زهده، فلا يرى أنه ترك شيئاً، لأنه عرف أن الدنيا ليست بشئ، فيكون كمن ترك خرقة، وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة، فإن الدنيا بالإضافة إلى نعيم الآخرة، أحسن من خرقة بالإضافة إلى جوهرة، فهذا هو الكمال في الزهد. واعلم: أن مثل من ترك الدنيا، مثل من منعه عن باب الملك كلب على بابه، فألقى إليه لقمة من خبز فشغله بذلك ودخل، فقرب من الملك، أفتراه يرى لنفسه يداً عند الملك بلقمة ألقاها إلى كلبه في مقابلة ما قد ناله؟ فالشيطان كلب في باب الله ، ويمنع الناس من الدخول، مع أن الباب مفتوح، والحجاب مرفوع، والدنيا كلقمة، فمن تركها لينال عز الملك، فكيف يلتفت إليها؟ ثم إن نسبتها، أعنى ما سلم لكل شخص منها ولو عمر ألف سنة بالإضافة

стр. 326

إلى نعيم الآخرة، أقل من لقمة بالإضافة إلي ملك الدنيا، لأن الفاني لا نسبة له إلى الباقي، كيف ومدة العمر قصيرة ولذات الدنيا مكدرة؟ وأما أقسام الزهد بالإضافة إلى المرغوب فيه، فعلى ثلاث درجات: أحدها: الزهد للنجاة من العذاب، والحساب، والأهوال التي بين يدي الآدمي، وهذا زهد الخائفين. الدرجة الثانية: الزهد للرغبة في الثواب، والنعيم الموعود به، وهذا زاهد الراجين فإن هؤلاء تركوا نعيماً لنعيم. الدرجة الثالثة: وهى العليا. وه أن لا يزهد في الدنيا للتخلص نم الآلام، ولا للرغبة في نيل اللذات، بل لطلب لقاء الله تعالى وهذا زهد المحسنين العارفين، فإن لذة النظر إلى الله بالإضافة إلى لذات الجنة، كلذة ملك الدنيا، والاستيلاء عليها، بالإضافة إلى لذة الاستيلاء على عصفور واللعب به. ٨ ـ فصل في بيان تفصيل فيما هو من ضروريات الحياة والضروريات المهمات سبعة أشياء: المطعم، والملبس، والمسكن، وأثاثه، والمنكح، والمال، والجاه. فأما الأول: -وهو المطعم- فاعلم أن همة الزاهد منه ما يدفع به الجوع مما يوافق بدنه من غير قصد الالتذاذ. وفى الحديث: "إن عباد الله ليسوا بالمتنعمين". وقالت عائشة رضى الله عنها لعروة: كان يمر بنا هلال، وهلال، ما يوقد في بيت رسول الله ﵌ نار. قال: قلت: يا خالة: فعلى أي شئ كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين: الماء والتمر. والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة. وقد كان كثير من الزهاد يخشنون المطعم، وكان فيهم من لا يطيق ذلك، فكان الثوري حسن المطعم، وربما حمل في سفرته اللحم المشوي والفالوذج.

стр. 327

وفى الجملة فالزاهد يقصد ما يصلح به بدنه، ولا يزيد في التنعم، إلا أن الأبدان تختلف، فمنها ما لا يحمل التخشن. وقد يدخر بعض الناس الزاد الحلال بتقوته، فلا يخرجه ذلك من الزهد، فقد كان السبتي يعمل من السبت إلى السبت ويتقوته. وورث داود الطائى عشرين ديناراً، فأنفقها في عشرين سنة. الثاني: الملبس، فالزاهد يقتصر فيه على ما يدفع الحر والبرد، ويستر العورة، ولا بأس أن يكون فيه نوع تجمل، لئلا يخرجه التقشف إلى الشهرة. وكان أكثر لباس السلف خشناً، فصار لبس الخشن شهرة. وقد روى عن أبى بردة قال: أخرجت إلينا عائشة رضى الله عنها كساء ملبداً، وإزاراً غليظاً، وقالت: قبض رسول الله ﵌ في هذين. أخرجاه في "الصحيحين". وعن الحسن قال: خطب عمر رضى الله عنه وهو خليفة، وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة. الثالث: المسكن، فللزاهد فيه ثلاث درجات. أعلاها: أن لا يطلب موضعاً خاصاً لنفسه، بل يقنع بزوايا المساجد، كأصحاب الصفة. وأوسطها: أن يطلب موضعاً خاصاً لنفسه، مثل كوخ في سعف، أو خص وما أشبه ذلك. وأدناها: أن يطلب حجرة مبنية. ومتى طلب السعة وعلو السقف، فقد جاوز حد الزهد في المسكن. وقد توفى رسول الله ﵌ ولم يضع لبنة على لبنة. قال الحسن: كنت إذا دخلت بيوت رسول الله ﵌، نلت السقف. وفى الحديث: "إن المسلم ليؤجر في كل شئ ينفقه إلا في شئ يجعله في هذا التراب".

стр. 328

وقال إبراهيم النخعى ﵀: إذا كان البنيان كفافاً، فلا أجر ولا وزر. وفى الجملة: إن كل ما يراد للضرورة فلا ينبغي أن يجاوز حد الزهد. الرابع: أثاث البيت، فينبغي للزاهد أن يقتصر فيه على الخزف، ويستعمل الإناء الواحد في مقاصده، فيأكل في القصعة، ويشرب فيها، ومن خرج إلى كثرة العدد في الآلة، أو في نفاسة الجنس، خرج عن الزهد. ولينظر إلى سيرة رسول الله ﵌. ففى "صحيح مسلم" من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: دخلت على رسول الله ﵌ وهو مضطجع على حصير، وإذا الحصير قد أثر على جنبه، فنظرت في خزانة رسول الله ﵌، فإذا أنا بقبضة من شعير، نحو الصاع. وفى رواية البخاري: فوالله ما رأيت شيئاً يرد البصر. والحديث مشهور في "صحيح مسلم" (١). وقال على رضى الله عنه: تزوجت فاطمة وما لى ولها فراش إلا جلد كبش، كنا ننام عليه بالليل، ونعلف عليه الناضح بالنهار، ومالي خادم غيرها، ولقد كانت تعجن، وإن قصتها (٢) لتضرب حرف الجفنة من الجهد الذي بها. ودخل رجل على أبى ذر رضى الله عنه، فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر? ما أرى في بيتك متاعاً، ولا أثاثا. فقال: إن لنا بيتاً نوجه إليه صالح متاعنا. فقال: إنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا، فقال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه. الخامس: المنكح، لا معنى للزهد في أصل النكاح، ولا في كثرته. قال سهل بن عبد الله: حبب إلى رسول الله ﵌ النساء. وكان على رضى الله عنه من أزهد الصحابة، وكان له أربعة نسوة، وبضع عشرة سرية. وكان أبو سليمان الدارانى يقول: كل ما شغلك عن الله، من أهل، ومال، وولد، فهو مشؤوم. وكشف الغطاء عن ذلك أن نقول: من غلبت عليه شهوته وخاف على نفسه، تعين عليه النكاح، فأما من لا يخاف، فهل النكاح في حقه أفضل أو التعبد؟ فيه اختلاف بين

стр. 329

العلماء. والناس مختلفون فيه منهم من يقصد النكاح لطلب النسل ويمكنه الكسب الحلال للعائلة، فلا يقدح ذلك في دينه، ولا يتشتت قلبه، بل يجمع النكاح همه، ويكف بصره، ويرد فكره، فهذا غاية في الفضيلة، وعليه يحمل حال رسول الله ﵌، وحال على رضى الله عنه، ومن جرى مجراهما، ولا التفات إلى قول من يرى الزهد بترك الالتذاذ بالنكاح، فإن ذلك يقع ضمناً وتبعاً للمقصود. وقد كان بعض السلف يختار المرأة الدون على الجميلة، وذلك محمول على أن تلك تكون إلى الدين أميل، والنفقة عليها أقل، والاهتمام بأمرها يسير، بخلاف المستحسنة، فإنها تشتت القلب، وتشغله، وتريد زيادة في النفقة، وربما لم يكن. وقد قال مالك بن دينار، يعمد أحدهم فيتزوج ديباجة الحي فتقول: أريد مرطاً (١) فتمرط دينه. السادس: المال: وهو ضروري في المعيشة، فالزاهد يقتصر منه على ما يدفع به الوقت، وكان في الصالحين من يتشاغل بالتجارة ويقصد بها العفاف. وكان حماد بن سلمة إذا فتح حانوته وكسب حبتين، قام. وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت، وخلف أربعمائة دينار، وقال: إنما تركتها لأصون بها عرضي وديني. السابع: الجاه، ولابد للإنسان من جاه حتى في قلب خادمه، واشتغال الزاهد بالزهد يمهد له الجاه في القلب، فينبغي أن يتحرز من شر ذلك. وفى الجملة فإن الحوائج الضرورية ليست من الدنيا، وكان كثير من السلف يعرض لهم بالمال الحلال، فيقولون: لا نأخذه، نخاف أن يفسد علينا ديننا. ٩ ـ فصل في بيان علامات الزهد وقد تظن أن تارك المال زاهد، وليس كذلك، فإن ترك المال، وإظهار التخشن، سهل على من أحب المدح بالزهد، فكم من راهب قد لازم الدير، وقلل المطعم،

стр. 330

وقواه على ذلك حسب المحمدة، كما سبق ذكره في كتاب الرياء. ولابد من الزهد في فضول الأموال والجاه جميعاً، حتى يكمل الزهد في حظوظ النفس، فأول معرفة الزهد مشكل. وقد قال ابن المبارك: أفضل الزهد إخفاء الزهد، وينبغى أن يعول في هذا على ثلاث علامات. الأولى: أن لا يفرح بموجود، ولا يحزن بمفقود، كما قال تعالى ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] وهذا علامة الزهد في المال. الثاني: أن يستوي عنده ذامه ومادحه، وهذه علامة الزهد في الجاه. الثالث: أن يكون أنسه بالله، والغالب على قلبه حلاوة الطاعة. فأما محبة الدنيا ومحبة الله تعالى، فهما في القلب كالماء والهواء في القدح، إذا دخل الماء خرج الهواء، فلا يجتمعان. قيل لبعضهم: إلام أفضى بهم الزهد؟ قال: إلى الأنس بالله. قال يحيى بن معاذ: الدنيا كالعروس، ومن يطلبها ماشطتها (١)، والزاهد يسخم (٢) وجهها، وينتف شعرها، ويخرق ثوبها، والعارف مشتغل بالله تعالى عنها. فهذا الإمام أردنا ذكره من حقيقة الزهد وحكامه. وإذا كان الزهد لا يتم إلا بالتوكل فلنشرع في بيانه إن شاء الله تعالى. ...

стр. 331

كتاب التوحيد والتوكل بيان فضيلة التوكل قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وفى الحديث: أن النبي ﵌ ذكر أنه يدخل الجنة من أمته سبعون ألفاً لا حساب عليهم، ثم قال: "هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". أخرجاه في "الصحيحين". وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﵌ الله عليه وسلم يقول: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً". وكان من دعاء النبي ﵌: "اللهم إني أسألك التوفيق لمحابك من الأعمال، وصدق التوكل عليك، وحسن الظن بك" (١). والتوكل يبتنى على التوحيد، والتوحيد طبقات: منها أن يصدق القلب بالوحدانية المترجم عنها قولك، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، فيصدق بهذا اللفظ، لكن من غير معرفة دليل، فهو اعتقاد العامة. الثانية: أن يرى الأشياء المختلفة، فيراها صادرة عن الواحد، وهذا مقام المقربين. الثالثة: أن يرى الإنسان إذا انكشف عن بصيرته أن لا فاعل سوى الله، لم ينظر إلى غيره، بل يكون منه الخوف وله الرجاء وبه الثقة وعليه التوكل، لأنه في الحقيقة هو الفاعل وحده، فسبحانه والكل مسخرون له، فلا يعتمد على المطر في خروج الزرع، ولا على الغيم في نزول المطر، ولا على الريح في سير السفينة، فإن الاعتماد على ذلك جهل بحقائق الأمور. ومن انكشفت له الحقائق، علم أن الريح لا تتحرك

стр. 332

بنفسها، ولا بد لها من محرك. فالتفات العبد في النجاة إلى الريح يضاهى التفات من أخذ لتضرب عنقه، فوقع له الملك بالعفو عنه، فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغد والقلم الذي كتب به التوقيع، ويقول: لولا هذا القلم ما تخلصت، فيرى نجاته من القلم لا من محرك القلم، وهذا غاية الجهل. ومن علم أن القلم لا حكم له في نفسه، شكر الكاتب دون القلم، وكل المخلوقات في قهر تسخير الخالق أبلغ من القلم في يد الكاتب، فسبحان مسبب الأسباب الفعال لما يريد. ١ ـ فصل في بيان أحوال التوكل وأعماله وحده ونحو ذلك اعلم: أن التوكل مأخوذ من الوكالة، يقال: وكل فلان أمره إلى فلان، أي فوض أمره إليه، واعتمد فيه عليه. فالتوكل عبارة عن اعتماد القلب على الموكل، ولا يتوكل الإنسان على غيره إلا إذا اعتقد فيه أشياء: الشفقة، والقوة، والهداية. فإذا عرفت هذا، فقس عليه التوكل على الله سبحانه، وإذا ثبت في نفسك أنك لا فاعل سواه واعتقدت مع ذلك أنه تام العلم والقدرة والرحمة، وأنه ليس وراء قدرته قدرة، ولا وراء علمه علم، ولا وراء رحمته رحمة، اتكل قلبك عليه وحده لا محالة، ولم يلتفت إلى غيره بوجه، فإن كنت لا تجد هذه الحالة من نفسك فسببه أحد أمرين: إما ضعف اليقين بأحد هذه الخصال. وإما ضعف القلب باستيلاء الجبن عليه، وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة علية، فإن القلب قد ينزعج ببقاء الوهم وطاعته له من غير نقصان في اليقين، فإنه من كان يتناول عسلاً، فشبه بين يديه بالعذرة، ربما نفر طبعه منه، وتعذر عليه تناوله. ولو كلف العاقل أن يبيت مع الميت في قبر أو فراش أو بيت، نفر طبعه من ذلك، وإن كان متيقنا كونه ميتاً جماداً في الحال، ولا ينفر طبعه عن سائر الجمادات، وذلك جبن في القلب، وهو نوع ضعف قلما يخلو الإنسان منه، وقد يقوى ذلك حتى يصير مرضاً، حتى يخاف أن يبيت في البيت وحده مع غلق الباب وإحكامه. فإذا لا يتم التوكل إلا بقوة القلب، وقوى اليقين جميعاً، فإذا انكشف لك معنى

стр. 333

التوكل، وعلمت الحالة التي تسمى توكلاً، فاعلم أن تلك الحالة لها في القوة والضعف ثلاث درجات: الأولى: ما ذكرناه، وهو أن يكون حاله في حق الله تعالى الثقة بكفالته وعنايته، كحاله في الثقة بالوكيل. الدرجة الثانية: وهى أقوى، أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل مع أمه فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى سواها، ولا يعتمد إلا إياها، وإن نابه أمر كان أول خاطر يخطر على قلبه، وأول سابق إلى لسانه: يا أماه. فمن كان تألهه إلى الله، ونظره إليه، واعتماده عليه، كلف به كما يكلف الصبي بأمه، فيكون متوكلاً حقاً. والفرق بين هذا وبين الأول، أن هذا متوكل قد فني في توكله عن توكله، إذا لا يلتفت إلى غير المتوكل عليه، ولا مجال في قلبه لغيره. وأما الأول، فهو متوكل بالتكليف والكسب، وليس فانيا عن توكله، بل له التفات إليه، وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده. الدرجة الثالثة: وهى أعلى منهما، أن يكون بين يدي الله تعالى مثل الميت بين يدي الغاسل، لا يفارقه إلا أنه لا يرى نفسه ميتاً، وهذا يفارق حال الصبي مع أمه فإنه يفزع إلى أمه، ويصيح ويتعلق بذيلها. وهذه الأحوال توجد في الخلق، إلا أن الدوام يبعد، ولاسيما المقام الثالث. ٢ ـ فصل في بيان أعمال المتوكلين قد يظن بعض الناس أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة، وكلحم على وضم (١)،وهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع. والشرع قد أثنى على المتوكلين، وإنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه إلى مقاصده، وسعى العبد إما أن يكون لجلب نفع مفقود كالكسب، أو حفظ موجود

стр. 334

كالادخار، وإما لدفع ضرر لم ينزل، كدفع الصائل، أو لإزالة ضرر قد نزل، كالتداوى من المرض، فحركات العبد لا تعدو هذه الفنون الأربعة. الفن الأول: في جلب المنافع، فنقول: الأسباب التي بها تجلب المنافع على ثلاث درجات. أحدها: سبب مقطوع به كالأسباب التي ارتبطت بها المسببات بتقدير الله تعالى ومشيئته ارتباطاً مطرداً لا يختلف، مثاله، أن يكون الطعام بين يديك وأنت جائع، فلا تمد يدك إليه وتقول: أنا متوكل، وشرط التوكل ترك السعي، ومد اليد إلى الطعام سعى، وكذلك مضغه وابتلاعه، فهذا جنون محض، وليس من التوكل في شئ، فإنك إذا انتظرت أن يخلق الله فيك شبعاً دون أكل الطعام، أو يخلق في الطعام حركة إليك، أو يسخر ملكاً ليمضغه ويوصله إلى معدتك، فقد جهلت سنة الله. وكذلك لو لم تزرع، وطمعت أن يخلق الله تعالى نباتاً من غير بذر، أو تلد الزوجة من غير وقاع، فكل ذلك جنون، وليس التوكل في هذا المقام ترك العمل، بل التوكل فيه بالعلم والحال. أما العلم: فهو أن تعلم أن الله تعالى خلق الطعام، واليد، والأسباب، وقوة الحركة، وأنه الذي يطعمك ويسقيك. وأما الحال، فهو أن يكون قلبك واعتمادك على فضل الله تعالى، لا على اليد والطعام، لأنه ربما جفت يدك، وبطلت حركتك، وربما سلط الله عليك من يغلبك على الطعام، فمد اليد إلى الطعام لا ينافى التوكل. الدرجة الثانية: الأسباب التي ليست متيقنة، لكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها. مثاله من يفارق الأمصار، ويخرج مسافرا إلى البوادي التي لا يطرقها الناس إلا نادراً، ولا يستصحب معه شيئاً من الزاد، فهذا كالمجرب على الله تعالى، وفعله منهي عنه، وحمله للزاد مأمور به، فإن رسول الله ﵌ لما سافر تزود واستأجر دليلاً إلى المدينة. الدرجة الثالثة: ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة، كالذي يستقصي في التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه، فمتى كان قصده صحيحاً وفعله لا يخرج عن الشرع، لم يخرج عن التوكل، لكنه ربما دخل

стр. 335

في أهل الحرص إذا طلب فضول العيش. وترك التكسب ليس من التوكل في شئ، إنما هو من فعل البطالين الذين آثروا الراحة، وتعللوا بالتوكل. قال عمر رضى الله عنه: المتوكل الذي يلقى حبه في الأرض ويتوكل على الله. الفن الثاني: في التعرض للأسباب بالادخار، ومن وجد قوتاً حلالاً يشغله كسب مثله عن جمع همه، فادخاره إياه لا يخرجه عن التوكل، خصوصاً إذا كان له عائلة. وفى "الصحيحين" من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أن النبي ﵌ كان يبيع نخل بنى النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم. فإن قيل: فقد نهى رسول الله ﵌ بلالاً أن يدخر، فالجواب: أن الفقراء كانوا عنده كالضيف، فما كان ينبغي أن يدخر فيجوعون، بل الجواب: أن حال بلال وأمثاله من أهل الصفة كان مقتضاها عدم الادخار، فإن خالفوا كان التوبيخ على الكذب في دعوى الحال لا على الادخار الحلال. الفن الثالث: مباشرة الأسباب الدافعة للضرر. ليس من شرط التوكل ترك الأسباب الدافعة للضرر، فلا يجوز النوم في الأرض المسبعة (١)، أو مجرى السيل، أو تحت الجدار الخراب، فكل ذلك منهي عنه. وكذلك لا ينقض التوكل لبس الدرع، وإغلاق الباب، وشد البعير بالعقال. وقال الله تعالى ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. وجاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: يارسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل". ويتوكل في ذلك كله على المسبب لا على السبب، ويكون راضيا بكل ما يقضى الله عليه ومتى عرض له إذا سرق متاعه أنه لو احترز لم يسرق، أو أخذ يشكو ما جرى عليه، فقد بان بعده عن التوكل. وليعلم أن القدر له كالطبيب، فإن قدم إليه الطعام فرح، وقال: لولا أنه علم أن

стр. 336

الغذاء ينفعني ما قدمه، وإن منعه فرح، وقال: لولا أنه علم أن الغذاء يؤذيني لما منعني. واعلم: أن كل من لا يعتقد في لطف الله تعالى ما يعتقده المريض في الطبيب الحاذق الشفيق، لم يصح توكله، فإن سرق متاعه رضى بالقضاء، وأحل الآخذ، شفقة على المسلمين. فقد شكا بعض الناس إلى بعض العلماء أنه قطع عليه الطريق، وأخذ ماله، فقال: إن لم يكن غمك كيف صار في المسلمين من يفعل هذا أكثر من غمك بمالك، فما نصحت المسلمين. الفن الرابع: السعي في إزالة الضرر، كمداواة المريض ونحو ذلك. اعلم: أن الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى مقطوع به، كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع، فهذا القسم ليس تركه من التوكل في شئ. القسم الثاني: أن يكون مظنوناً، كالفصد، والحجامة، وشرب المسهل، ونحو ذلك. فهذا لا يناقض التوكل، فإن رسول الله ﵌ قد تداوى وأمر بالتداوى. وقد تداوى خلق كثير من المسلمين، وامتنع عنه أقوام توكلاً، كما روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قيل له: ألا ندعو لك طبيباً؟ فقال: رآني الطبيب. قيل: فما قال لك؟ قال: إنى فعال لما أريد. قال المصنف ﵀: والذي ننصره أن التداوي أفضل، وتحمل حال أبى بكر رضى الله عنه أنه قد تداوى ثم أمسك بعد انتفاعه بالدواء، أو يكون قد علم قرب أجله بأمارات. واعلم: أن الأدوية أسباب مسخرة بإذن الله تعالى. القسم الثالث: أن يكون السبب موهوماً، كالكى، فيخرج عن التوكل، لأن النبي ﵌ وصف المتوكلين بأنه لا يكتوون. وقد حمل بعض العلماء الكي المذكور في قوله: "لا يكتوون" على ما كانوا يفعلونه في الجاهلية، فإنهم كانوا يكتوون ويسترقون في زمن العافية لئلا يمرضوا، فإن

стр. 337

النبي ﵌ كان يرقى الرقية بعد نزول المرض، وقد كوى أسعد بن زرارة رضى الله عنه. وأما شكوى المريض، فهي مخرجة عن التوكل، وقد كانوا يكرهون أنين المريض، لأنه يترجم عن الشكوى، فكان الفضيل يقول: أشتهي مرضا بلا عواد. وقال رجل للإمام أحمد: كيف أنت؟ قال: بخير. قال حممت البارحة؟ قال: إذا قلت لك: أنا بخير، فلا تخرجني إلى ما أكره. فأما إذا وصف المريض للطبيب ما يجده، فإنه لا يضره. وقد كان بعض السلف يفعل ذلك، ويقول: إنما أصف قدرة الله في، ويتصور أن يصف ذلك لتلميذ يقويه على الضراء ويرى ذلك نعمة، فيصف ذلك كما يصف النعمة شكراً لها، ولا يكون ذلك شكوى. وقد روينا أن النبي ﵌ قال: " إنى أوعك كما يوعك رجلان منكم". آخر التوكل.

стр. 338

كتاب المحبة والشوق والأنس والرضى اعلم: أن المحبة لله تعالى هي الغاية القصوى من المقامات، فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، كالشوق، والأنس، والرضى، ولا قبل المحبة، مقام إلا وهو من مقدماتها، كالتوبة، والصبر، والزهد وغيرها. واعلم: أن الأمة مجمعة على أن الحب لله ولرسوله فرض، ومن شواهد المحبة قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وهذا دليل على إثبات الحب لله، وإثبات التفاوت فيه. وفى الحديث الصحيح: أن رجلاً سأل رسول الله ﵌ عن الساعة فقال: "ما أعددت لها؟ " قال: يا رسول الله: ما أعددت لها من كثرة صلاة ولا صيام، إلا أنى أحب الله ورسوله، فقال رسول الله ﵌: "المرء مع من أحب، وأنت مع من أحببت"، فما فرح المسلمون بعد الإسلام فرحهم بها. وروى أن ملك الموت جاء إلى الخليل ﵇ ليقبض روحه، فقال له: هل رأيت خليلاً يميت خليله؟ فأوحى الله إليه: هل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه؟ فقال: يا ملك الموت اقبض. وقال الحسن البصري ﵀: من عرف ربه أحبه، ومن أحب غير الله تعالى، لا من حيث نسبته إلى الله، فذلك لجهله وقصوره عن معرفته، فأما حب الرسول ﵌، فذلك لا يكون إلا عن حب الله تعالى، وكذلك حب العلماء والأتقياء، لأن محبوب المحبوب محبوب، بل إن ما يفعل المحبوب محبوب، ورسول الله المحبوب محبوب، وكل ذلك يرجع إلى حب الأصل، ولا محبوب في الحقيقة عند ذوى البصائر إلا الله تعالى، ولا مستحق للمحبة سواه. وإيضاح ذلك يرجع إلى أسباب: أحدها: أن الإنسان يحب نفسه، وبقاءه، وكماله، ودوام وجوده، ويكره ضد ذلك من الهلاك والعدم والنقصان، وهذا جبلة كل حي لا يتصور أن ينفك عنها. وهذا

стр. 339

يقتضي غاية المحبة لله ، فإن الإنسان إذا عرف ربه، عرف قطعاً أن وجوده ودوامه وكماله من الله، وأنه المخترع له، الموجد لذاته بعد أن كان عدماً محضاً لولا فضل الله عليه بإيجاده، وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل ولذلك قال الحسن البصري: من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا، زهد فيها. وكيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه، ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه. السبب الثاني: أن الإنسان بالطبع يحب من أحسن إليه ولاطفه وواسه، وانتدب لنصرته وقمع أعدائه، وأعانه على جميع أغراضه، فإنه محبوب عنده لا محالة. وإذا عرف الإنسان حق المعرفة علم أن المحسن إليه هو الله فقط. وأنواع إحسانه لا يحيط به حصر، كما قال تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨]. وقد أشرنا إلى طرف من ذلك في كتاب الشكر، ولكنا نبين أن الإحسان من الناس غير متصور إلا بالمجاز، وأن، المحسن في الحقيقة هو الله تعالى. بيان ذلك أنا نفرض أن شخصاً أنعم عليك بجميع خزائنه وما يملك، ومكنك فيها لتتصرف كيف شئت، فإنك تظن أن هذا الإحسان منه، وهو غلط، فإنه إنما تم إحسانه بماله، وبقدرته على المال، وبداعيته الباعثة له على صرف المال. فمن الذي أنعم بخلقه وخلق ماله وخلق إرادته وداعيته؟ ومن الذي حببك إليه، وصرف وجهه إليك وألقى في نفسه أن صلاح دينه ودنياه في الإحسان إليك، ولولا ذلك ما أعطاك، فكأنه صار مقهوراً في التسليم لا يستطيع مخالفته. فالمحسن هو الذي اضطره وسخره لك، فهو جار مجرى خازن أمير أمره أن يسلم إلى الإنسان خلعة خلعها عليه الأمير، فإن الخازن لا يرى محسناً بتسليم خلعة الأمير، لأنه مضطر إلى طاعته، ولو خلاه الأمير ونفسه لما سلم ذلك. وكذلك كل محسن لو خلاه الله ونفسه، لم يبذل حبه من ماله حتى يسلط الله عليه الدواعي، ويلقى في نفسه أن حظه في بذل ذلك فيبذله. فينبغي للعارف أن لا يحب إلا الله، إذا الإحسان من غيره محال. السبب الثالث: أن المحسن في نفسه وإن لم يصل إليك إحسانه محبوب في الطباع، فإنه إذا بلغك عن ملك من الملوك أنه عالم عادل عابد رفيق بالناس، متلطف بهم وهو في

стр. 340

قطر بعيد، فإنك تحبه، وتجد في نفسك ميلاً كثيراً إليه. فهذا حب المحسن من حيث إنه محسن، فضلا عن أن يكون محسناً إليك. وهذا ما يقتضي حب الله تعالى، بل يقتضي أن لا يحب غيره، إلا بحيث أن يتعلق منه بسبب، فإنه سبحانه هو المحسن إلى الكل كافة، بإيجادهم وتكميلهم بالأعضاء والأسباب التي هي من ضروراتهم وترفيههم، إلى غير ذلك من النعم التي لا تحصى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨]. فكيف يكون غيره محسناً؟ وذلك المحسن حسنة من حسنات قدرته، فمن عرف هذا لم يحب إلا الله تعالى. وكذلك نقول: كل من كان متصفاً بالعلم، أو بالقدرة أو كان متنزهاً عن الصفات الرذيلة، فإن ذلك يوجب له المحبة. فصفات الصديقين الذين تحبهم القلوب طبعاً، ترجع إلى علمهم بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وشرائع أنبيائه، إلى قدرتهم على إصلاح نفوسهم والى تنزيههم عن الرذائل والخبائث ولمثل هذه الصفات تحب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإذا نسبت هذه الصفات إلى صفات الله تعالى، وجدتها مضمحلة بالنسبة إلى صفاته . أما العلم، فإن علم الأولين والآخرين من علم الله تعالى الذي يحيط بالكل، حتى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. وقد خاطب الخلق كلهم فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. ولو أجتمع أهل السموات والأرض، على أن يحيطوا بعلمه وحكمته في تفصيل خلق نملة، لم يطلعوا على عشر عشر ذلك، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، والقدر اليسير الذي علمه الخلق كلهم، بتعليمه، علموه. ففضل علم الله سبحانه على علم الخلائق كلهم خارج عن النهاية، إذ معلوماته لا نهاية لها. وأما صفة القدرة، فهي أيضاً صفة كمال، فإذا نسبت قدرة الخلق كلهم إلى قدرة الله تعالى، وجدت أعظم الأشخاص قوة، وأوسعهم ملكاً، وأقواهم بطشاً، وأجمعهم للقدرة على سياسة نفسه وسياسة غيره، غاية قدرته أن يقدر على بعض صفات نفسه، وعلى بعض امتحان الإنس في بعض الأمور، وهو مع ذلك لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً، بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى، ولا على حفظ لسانه من الخرس، ولا آذانه من الصمم، ولا بدنه من المرض، ولا يقدر

стр. 341

على ذرة من ذرات المخلوقات. وما هو قادر عليه من نفسه وغيره، فليست قدرته من نفسه، بل الله خالقه وخالق قدرته وخالق أسبابه والممكن له من ذلك. ولو سلط بعوضة على أعظم ملك وأقوى شخص لأهلكته، فليس للعبد قدرة إلا بتمكين مولاه. قال الله تعالى في حق أعظم ملوك الأرض ذي القرنين: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤] فلم يكن جميع ملكه وسلطانه إلا بتمكين الله تعالى، فنواصي الخلق جميعهم في قبضته وقدرته، إن أهلكهم لم ينقص من ملكه وسلطانه ذرة، وإن خلق أمثالهم ألف مرة لم يعبأ بخلقه، فلا قادر إلا هو، فله الكمال والعظمة والبهاء والكبرياء والقهر والاستيلاء. فإن تصور أن تحب قادراً لكمال قدرته وعظمته وعلمه، فلا يستحق ذلك سواه، ولا يتصور كمال التقديس والتنزيه إلا له سبحانه، فهو الواحد الذي لا ند له، الفرد الذي لا ضد له، الصمد الذي لا منازع له، الغنى الذي لا حاجة له، القادر الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وكمال معرفة العارفين الاعتراف بالعجز عن معرفته، وهو المستحق لكمال المحبة استحقاقاً لا يساهم فيه أصلاً. ١ ـ فصل في بيان أن أجل اللذات وأعلاها معرفة الله سبحانه والنظر إلى وجهه الكريم وأنه لا يتصور أن يؤثر على ذلك لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة اعلم: أن اللذات تابعة للإدراكات، والإنسان جامع لجملة من القوى والغرائز، ولكل قوة غريزة لذة، ولم تخلق هذه الغرائز عبثاً، بل لأمر من الأمور، وهو مقتضاها بالطبع، فغريزة شهور الطعام خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام، ولذة البصر والسمع في الإبصار والإسماع. وكذلك في القلب غريزة تسمى النور الإلهي، وقد تسمى العقل، وتسمى البصيرة الباطنة، وتسمى نور الإيمان واليقين، وهذه الغريزة خلقت ليعلم بها حقائق الأمور كلها بطبعها، فمقتضى طبعها العلم والمعرفة، وذاك لذتها.

стр. 342

وليس يخفى أن العلم والمعرفة، ولو في شئ خسيس يفرح به، وأن من ينسب إلى الجهل ولو في شئ خسيس يغتم به. وكل ذلك لفرط لذة العلم، وما يستشعره من كمال ذاته. فان العلم من أحسن الصفات ومنتهى الكمال، ولذلك يرتاح الإنسان بطبعه إذا أثنى عليه بالذكاء، وغزارة العلم، ثم ليس لذة العلم بالحراثة والخياطة كلذة العلم بسياسة الملك وتدبير أمر الخلق، ولا لذة العلم بالشعر والنحو، كلذة العلم بالله تعالى وملائكته وملكوت السموات والأرض، بل لذة العلم بقدر شرف العلم، وشرف العلم بقدر شرف المعلوم، فبهذا استبان أن ألذ المعارف وأشرفها، وشرفها بحسب شرف المعلوم، فإن كان في المعلومات ما هو الأجل والأكمل والأشرف والأعظم، فالعلم به ألذ العلوم لا محالة وأشرفها. وليت شعري، هل في الوجود شئ أجل وأعلى وأشرف وأكمل وأعظم من خالق الأشياء كلها ومكملها. ومزينها ومبديها ومعيدها ومدبرها ومرتبها؟ وهل يتصور أن يكون حضرة في الملك والكمال والجمال والبهاء والجلال أعظم من الحضرة الربانية التي لا يحيط بجلالها وكمالها وعجائب أمورها وصف الواصفين؟! فينبغي أن تعرف أن لذة المعرفة أقوى من جميع اللذات المدركة بالحواس الخمس، فإن المعاني الباطنة أغلب على ذوى الكمال من اللذات الظاهرة. فلو خير الرجل بين لذة أكل الدجاج السمين واللوزينج، وبين لذى الرياسة، وقهر الأعداء، ونيل درجة الاستيلاء، فان كان المخير خسيس الهمة ميت القلب شديد الشهوة البهيمية اختار اللحم والحلواء، وإن كان علي الهمة، كامل العقل، فإنه يختار الرياسة، ويهون عليه الجوع والصبر على ضرورة القوت أياماً. فاختياره للرياسة دليل على أنه ألذ عنده من المطعومات الطيبة، وكما أن لذة الرياسة أغلب اللذات على من جاوز نقصان الناقص الهمة، فلذة معرفة الله والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرياسة التي هي أعلى اللذات الغالبة على الخلق وهذا لا يعرفه إلا من ذاق اللذتين جميعاً، فإنه لا محالة يؤثر التبتل والتفرد والفكر والذكر، وينغمس في بحار المعرفة، ويترك الرياسة، ويحتقر الخلق، لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه رياسته، وكون ذلك مشوباً بالكدر، مقطوعاً بالموت. وتعظم عنده معرفة الله ، ومطالعة صفاته وأفعاله، ونظام مملكته، فإنها خالية عن الزاحمات والمكدرات، متسعة للمتواردين عليها، لا تضيق عنهم، فلا يزال

стр. 343

العارف بمطالعتها في جنة عرضها السموات والأرض، يرتع في رياضتها، ويقطف من ثمارها، ويكرع من حياضها، وهو آمن من انقطاعها، إذ هي أبدية سرمدية، لا يقطعها الموت، لأن الموت لا يهدم محل معرفة الله تعالى، إذ محلها الروح، وإنما الموت يغير أحوالها، أما أن يعدمها فلا. والعارفون درجات عند الله تعالى متفاوتون، لا يدخل تفاوت درجاتهم تحت الحصر، وهذه الأمور لا تدرك إلابالذوق، والحكاية فيها قليلة الجدوى. فهذا القدر ينبهك على أن معرفة الله تعالى ألذ الأشياء، وأنه لا لذة فوقها ولهذا قال أبو سليمان الدارانى ﵀: إن لله عباداً ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة، فكيف تشغلهم الدنيا عن الله تعالى؟! وقال بعض أصحاب معروف: قلت له: أي شئ أهاجك على العبادة؟ فسكت. فقلت: ذكر الموت؟ فقال: وأي شئ الموت؟ قلت: ذكر القبر. فقال وأي شئ القبر؟ قلت: خوف النار ورجاء الجنة؟ فقال: وأي شئ هذا؟ إن ملكاً هذا كله بيده، إن أحببته أنساك جميع ذلك، وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع ذلك. وقال أحمد بن الفتح: رأيت بشر بن الحارث في منامى، فقلت له: ما فعل معروف الكرخى؟ فحرك رأسه ثم قال: هيهات، حالت بيننا وبينه الحجب، إن معروفا لم يعبد الله شوقاً إلى جنته ولا خوفاً من ناره، وإنما عبده شوقاً إليه، فرفعه الله إلى الرفيق الأعلى، ورفع الحجب بينه وبينه. فمتى حصلت محبة الله تعالى لشخص، صار قلبه مستغرقاً بها، ولا يلتفت إلى جنة، ولا يخاف من نار، فإنه قد بلغ النعيم الذي ليس فوقه نعيم. قال بعضهم: وهجره أعظم من ناره ... ووصله أطيب من جنته وإنما أراد بهذا لذة القلب في معرفة الله تعالى. وأنها مفضلة على لذة الأكل والشرب والنكاح، فإن الجنة معدن تمتع الحواس، وأما القلب فلذته في لقاء الله تعالى فقط. واعلم: أن لذة النظر في الآخرة تزيد على المعرفة في الدنيا، وقد اقتضت سنة الله تعالى أن النفس ما دامت محجوبة بعوارض البدن، ومقتضى الشهوات وما يغلب عليها من الصفات البشرية، ولا تنتهي إلى المشاهدة، بل هذه الحياة حجاب عنها بالضرورة، كحجاب الأجفان عن رؤية الإبصار.

стр. 344

والقول في سبب كونه حجابا يطول، فإذا ارتفع الحجاب بالموت، بقيت النفس وفيها نوع تلوث بالدنيا، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة وقد صفوا عن الأكدار، تجلى لهم الحق على قدر معرفتهم في الدنيا. فكل من لا يعرف الله تعالى في الدنيا، لا يراه في الآخرة. وما يستأنف لأحد في الآخرة مالم يصحبه في الدنيا، ولا يحصد أحد ما زرع، ولا يموت المرء إلا على ما عاش عليه، فما صحبه من المعرفة هو الذي يتنعم به بعينه، إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء، فتضاعف اللذة، والعيش عيش الآخرة. ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وعيش الآخرة بقدر المعرفة، ولهذا جاء في الحديث: "خير الناس من طال عمره وحسن عمله" وذلك لأن المعرفة إنما تكمل وتكثر وتتسع في العمر الطويل بمداومة الفكر والذكر، والمواظبة على المجاهدة، والانقطاع عن علائق الدنيا، والتجرد للطلب، فقد عرفت بما ذكرنا معنى المحبة، ومعنى لذة المعرفة، ومعنى الرؤية ولذتها، ومعنى كونها ألذ من سائر اللذات عند أهل الكمال. ٢ ـ فصل في بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى وتفاوت الناس في الحب وبيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله تعالى واعلم: أن أسعد الناس وأحسنهم حالاً في الآخرة أقواهم حباً لله تعالى، فإن الآخرة معناه القدوم على الله تعالى، ودرك سعادة لقائه. وما أعظم نعيم المحب إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه، وتمكن من مشاهدته من غير منغص ولا مكدر، إلا أن هذا النعيم على قدر المحبة، فكلما ازداد الحب ازدادت اللذة. وأصل الحب لا ينفك عن مؤمن، لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة، وأما قوة الحب واستيلاؤه، فذلك ينفك عنه الأكثرون، وإنما يحصل ذلك بشيئين: أحدهما: قطع علائق الدنيا، وإخراج حب غير الله من القلب، فأحد أسباب ضعف حبه، قوه حب الدنيا، وبقدر ما يأنس القلب بالدنيا ينقص أنسه بالله، والدنيا

стр. 345

والآخرة ضرتان، وسبيل قطع الدنيا عن القلب سلوك طريق الزهد، وملازمة الصبر والانقياد إليهما بزمام الخوف والرخاء، وما ذكرناه من المقامات كالتوبة والصبر والشكر والزهد والخوف وغير ذلك. السبب الثاني لقوة المحبة: معرفة الله تعالى، فإذا حصلت المعرفة تبعتها المحبة، ولا يوصل إلى هذه المعرفة بعد انقطاع شواغل الدنيا من القلب إلا الفكر الصافي، والذكر الدائم، والتشمير في الطلب، والاستدلال عليها بأفعاله سبحانه: وأقل أفعاله الأرض وما عليها، بالإضافة إلى الملائكة وملكوت السموات. والشمس على ما يرى من صغر حجمها مثل الأرض مائة ونيفاً وستين مرة، فانظر إلى صغر الأرض بالإضافة إليها، ثم انظر إلى صغر الشمس بالإضافة إلى فلكها الذي هي مركوزة فيه وهى في السماء الرابعة (١) والسماء الرابعة صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها من السموات، ثم السموات السبع في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، والكرسي في العرش كذلك. ثم انظر إلى الآدمي المخلوق من التراب هو جزء من الارض، وإلى سائر الحيوانات، وإلى صغره بالإضافة إلى الأرض، واصغر ما تعرفه من الحيوانات البعوض، فانظر فيه بعقل حاضر، كيف خلقه الله على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات، وزاده الجناحين، وانظر كيف شق سمعه وبصره، وخلق في باطنه من أعضاء الغذاء وآلاته، ودبره في سائر أحواله، من القوى الجاذبة والدافعة والهاضمة، وانظر كيف خلق له الطيران، يطير إذا طلب، وجعل له خرطوماً محددا يمص به الدم. وانظر إلى النحل في تناولها الأزهار من الأنوار، واحترازها عن الأقذار، وطاعتها إلى كبيرها، حتى إنه يقتل كل ما ورد عليه وقد أكل مستقذراً، والى اختيارها الشكل المسدس، فلا تبنى بيتاً مربعاً، ولا مستديراً، ولا مخمساً، بل مسدساً لخاصيته في الشكل المسدس، فإن أوسع الأشكال وأحواها المستدير وما يقرب منه، فإن المربع تخرج منه الزوايا ضائعة، ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة، فإن الأشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة، فلا شكل في الأشكال ذوات الزوايا

стр. 346

يقرب في الاحتواء من المستدير، ثم تتراص الجملة منه، بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلى المسدس، فانظر كيف الهمه الله تعالى ذلك على صغر حجمه وضعفه، فاعتبر بهذه اللمعة اليسيرة من محقرات الحيوانات، فالنظر في هذا وأشباهه تزداد المعرفة به، فتزداد المحبة. وأما السبب في تفاوت الناس في الحب. فاعلم أن الناس مشتركون في أصل الحب، لكنهم يتفاوتون لتفاوت المعرفة، فكثير من الناس ليس لهم من معرفة الله إلا الصفات والأسماء التي قرعت أسماعهم، والعالم البصير يطالع تفصيل صنع الله تعالى حتى يرى ما يبهر عقله، فتزداد عظمة الله في قلبه، فيزداد حباً له، وتجر هذه المعرفة التي هي معرفة عجائب صنع الله تعالى إلى بحر لا ساحل له. وأما السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله تعالى، فاعلم أن كل من صنع شيئاً دل المصنوع على وجود صانعه، وعلى علمه وحياته وقدرته دلالة جلية ظاهرة، وإن كانت هذه الصفات لا تدرك بشيء من الحواس الخمس. فوجود الله وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهد من حجر وشجر ومدر ونبات وحيوان وأرض وسماء وكوكب وبر وبحر، بل أول شاهد علينا أنفسنا وأجسامنا، وتقلب أحوالنا وتغير قلوبنا، وجميع أطوارنا في حركاتنا وسكناتنا. وجميع ما في العالم شواهد ناطقة، وأدلة شاهدة بوجود خالقها ومدبرها ومصرفها ومحركها، ودالة على علمه وقدرته وحياته ولطفه وحكمته وعظمته وجلاله، إذ كل ذرة تنادى بلسان حالها: إنه ليس وجودها بنفسها، وإنها تحتاج إلى موجد لها، لكن عقولنا بالنسبة إلى إدراك الحضرة الإلهية، كالخفاش بالنسبة إلى النهار، فإنه لضعف بصره يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار، وليس عدم إبصاره بالنهار لخفائه، بل لشدة ظهوره واستنارته وضعف أعين الخفاش، فكذلك عقولنا ضعيفة عن إدراك الحضرة الإلهية، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، واختفى به عن البصائر والأبصار، فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله ، وانضم إلى ذلك أيضاً أن المدركات الشاهدة لله تعالى، إنما يدركها الإنسان في حال الصبا قبل حضور العقل عنده، ثم تبدو فيه غريزة العقل قليلاً قليلاً، وهو مستغرق الهم، مشغول به، وقد أنس بمدركاته وألفها، فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس.

стр. 347

وكذلك إذا رأى فجأة حيواناً غريباً، أو نباتاً، أو فعلاً من أفعال الله تعالى عجيباً خارقا للعادة، انطلق لسانه بالتعجب، فقال: سبحان الله! سبحان الله! وهو يرى طول النهار نفسه، وجميع أعضائه، وجميع الحيوانات المألوفة، وكلها شواهد قاطعة، فلا يحس بشهادتها لطول الأنس بها. ولو فرض أن أعمى بلغ عاقلاً، ثم انقشعت غشاوة عينه، فامتد بصره إلى السماء والأرض، والأشجار، والنبات، والحيوان دفعة واحدة، لخيف على عقله أن ينبهر، لعظم عجبه من مشاهدة هذه العجائب، وشهادتها لخالقها، فهذا وأمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات، وهو الذي سد على الخلق في سبيل الاستضاءة بنور المعرفة، والسباحة في بحارها الواسعة، والله أعلم وأحكم. ٣ ـ فصل في بيان معنى الشوق إلى الله تعالى قد تقدم الكلام في المحبة وإثباتها بالأدلة، وأن الشوق ثمرة من ثمارها، فإن أحب شيئاً اشتاق إليه. واعلم: أن الشوق لا يتصور إلا لشيء أدرك من وجه ولم يدرك من وجه. فأما ما لا يدرك أصلاً، فلا يشتاق إليه، وكمال الإدراك بالرؤية، وإنما يكون ذلك في الآخرة. واعلم: أن الأمور الإلهية لا نهاية لها، وإنما يكشف لكل عبد من العباد بعضها، ويبقى أمور لا نهاية لها، والعارف يعلم وجودها، وكونها معلومة لله تعالى، ويعلم أن ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر مما حضر، فلا يزال العبد متشوقاً إلى أن يحصل له اصل المعرفة، وينتهى الشوق الأول في الدار الآخرة بالمعنى الذي يسمى رؤية ومشاهدة، ولا يتصور أن يسكن قلب المشتاق في الدنيا. وكان إبراهيم ابن أدهم من المشتاقين، فقال يوماً يارب! إن كنت أعطيت أحداً من المحبين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني، فقد أضر بى القلق. قال: فرأيته في النوم، فقال: يا إبراهيم! أما استحييت منى؟! تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي، وهل يسكن قلب المشتاق قبل لقاء حبيبه؟ فقلت: يا رب: تهت في حبك فلم أدر ما أقول، فهذا الشوق يسكن في الآخرة. وأما غير ذلك مما هو

стр. 348

معلوم لله فلا نهاية له، فلا يتضح للعبد ولا يحط به، فهو مشغول بلذة ما ظهر له، ولا يزال النعيم واللذة متزايدين حتى يشغل عن الإحساس بالشوق إلى ما وراء ذلك، فهذا القدر من أنوار البصائر كاشف لحقائق الشوق ومعانيه. ومن شواهد الأخبار، ما روى أن رسول الله ﵌ علم رجلا دعاء، وأمره أن يتعاهد به أهله كل يوم، فذكر فيه: "أسألك اللهم الرضى بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقاً إلى لقائك". وفى التوراة: يقول الله تعالى: طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشد شوقاً. وفى بعض ما أوحى الله إلى بعض عباده: إن لى عباداً من عبادى، يحبونى وأحبهم، وأشتاق إليهم ويشتاقون إلى، ويذكروني وأذكرهم، فان حذوت طريقهم أحببتك، وإن عدلت عنهم مقتك. قال: يا رب! وما علامتهم؟ قال: يرعون الظلال بالنهار، كما يراعى الراعي الشفيق غنمه؟ ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها عند الغروب، فإذا جنهم الليل، واختلط الظلام، وفرش الفرش، وخلال كل حبيب بحبيبه، نصبو أقدامهم، وافترشوا وجوههم، وناجوني بكلامي، وتملقونى بإنعامي، فبين صارخ وباك، وبين متأوه وشاك، وبين قائم وقاعد، وبين راكع وساجد، بعيني ما يتحملون من أجلى، وبسمعي ما يشكون من حبي. ٤ ـ فصل في بيان محبة الله تعالى للعبد ومعناها وبيان علامات محبة العبد لله تعالى وأما محبة الله تعالى للعبد، فاعلم: أن شواهد القرآن متظاهرة على ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾، الآية [الصف: ٤] ونبه على أنه لا يعذب من يحبه، لأنه رد على من ادعى أنه حبيبه بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] وشرط للمحبة غفران الذنوب فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران، ٣١].

стр. 349

وفى الحديث الصحيح، من رواية أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله ﵌: إن الله تعالى يقول: "ما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه"، إلى أخره. وهو حديث مشهور. ومن علامة حب الله تعالى للعبد، قول النبي ﵌: " إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه" (١). ومن أقوى العلامات، حسن التدبير له، يربيه من الطفولة على أحسن نظام، ويكتب الإيمان في قلبه، وينور له عقله، فيتبع كل ما يقربه، وينفر عن كل ما يبعد عنه، ثم يتولاه بتيسير أموره، من غير ذل للخلق، ويسدد ظاهره وباطنه، ويجعل همه هماً واحداً، فإذا زادت المحبة، شغله به عن كل شىء. وأما محبة العبد لله تعالى، فاعلم: أن المحبة يدعيها كل أحد، فما أسهل الدعوى وأعز المعنى، فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان، وخداع النفس إذا ادعت محبة الله تعالى، مالم يمتحنها بالعلامات، ويطالبها بالبراهين، فمن العلامات حب لقاء الله تعالى في الجنة، فإنه لا يتصور أن يحب القلب محبوباً إلا ويحب لقاءه ومشاهدته، وهذا لا ينافى كراهة الموت، فإن المؤمن يكره الموت، ولقاء الله بعد الموت. ومن السلف من أحب الموت، ومنهم من كرهه، إما لضعف محبته، أو لكونها مشوبة بحب شيء من الدنيا، أو لأنه يرى ذنوبه فيحب أن يبقى ليتوب. ومنهم من يرى نفسه في ابتداء مقام المحبة، فسكره عجلة الموت قبل أن يستعد للقاء الله تعالى، وهذا كمحب يصله الخبر بقدوم حبيبه عليه، فيحب أن يتأخر قدومه ساعة ليهيئ له داره، ويعدل له أسبابه، فيلقاه كما يهواه، فارغ القلب عن الشواغل، خفيف الظهر عن العوائق، فالكراهة بهذا السبب لا تنافى كمال المحبة، وعلامة هذا: الدؤوب في العمل، واستغراق الهم في الاستعداد. ومنها أن يكون مؤثراً ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه، فيجتنب

стр. 350

اتباع الهوى، ويعرض عن دعة الكسل، ولا يزال مواظباً على طاعة الله تعالى متقرباً إليه بالنوافل. ومن أحب الله فلا يعصيه، إلا أن العصيان لا ينافى أصل المحبة، إنما يضاد كمالها، فكم من إنسان يحب الصحة ويأكل ما يضره، وسببه أن المعرفة قد تضعف والشهوة قد تغلب، فيعجز عن القيام بحق المحبة، ويدل على ذلك حديث نعيمان أنه كان يؤتى به إلى رسول الله ﵌ فيحده (١) إلى أن أتى به يوماً، فحده فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ﵌: "لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله" فلم تخرجه المعصية عن المحبة، وإنما تخرجه عن كمال المحبة. ومن العلامات أن يكون مستهتراً بذكر الله تعالى، لا يفتر عنه لسانه، ولا يخلو عنه قلبه، فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره بالضرورة، ومن ذكر ما يتعلق به. فعلامة حب الله تعالى حب ذكره، وحب القرآن الذي هو كلامه، وحب رسول الله ﵌. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال بعض السلف: كنت قد وجدت حلاوة المناجاة، فكنت أدمن قراءة القرآن، ثم لحقني فترة فانقطعت، فرأيت في المنام قائلا يقول: إن كنت تزعم حبي ... فلم هجرت كتابي أما تدبرت ما فيـ ... ـه من لطيف عتابي ومنها أن يكون أنسه بالخلوة، ومناجاة الله تعالى، وتلاوة كتابه، فيواظب على التهجد، ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق، فان أقل درجات الحب التلذذ بالخلوة بالحبيب، والتنعم بمناجاته. روى أن عابداً عبد الله غيضة دهراً، فنظر إلى طائر قد عشش في شجرة يأوى إليها، ويصفر عندها. فقال: لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة كنت آنس بصوت

стр. 351

هذا الطائر، ففعل، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم: قل لفلان العابد: استأنست بمخلوق، لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبداً. فإذن علامة المحبة، كمال الأنس بمناجاة المحبوب، وكمال التنعيم بالخلوة، وكمال الاستيحاش من كل ما ينقض عليه الخلوة. ومتى غلب الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عين تدفع جميع الهموم، بل يستغرق الحب والأنس قلبه، حتى لا يفهم أمور الدنيا، مالم تتكرر على سمعه مراراً، مثل العاشق الولهان. ومنها أن يتأسف على ما يفوته من ذكر الله تعالى، ويتنعم بالطاعة، لا يستثقلها، ويسقط عنه تعبها. قال ثابت البنانى رحمة الله: كابدت الصلاة عشرين سنه، وتنعمت بها عشرين سنه. وقال الجنيد: علامة المحبة دوام النشاط، والدؤوب بشهوة يفتر بدنه ولا يفتر قلبه، وكل هذا موجود المثال في المشاهدات، فإن المحب لا يستثقل السعي في مراد محبوبه، ويستلذ خدمته بقلبه، إن كان شاقاً على بدنه، وكل حب قاهر لا محالة، فمن كان محبوب أحب إليه من الكسل، ترك الكسل في خدمته، وإن كان أحب إليه من المال، ترك المال في حبه. ومنها أن يكون شفيقاً على جميع عباد الله، رحيما بهم، شديداً على أعدائه، كما قال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يصرفه عن الغضب له صارف، فهذه علامات المحبة، فمن اجتمعت فيه فقد تمت محبته، وصفا في الآخرة شرابه. ومن امتزج بحبه حب غير الله، تنعم في الآخرة بقدر حبه، فيمزج شرابه بشيء من شراب المقربين، كما قال : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٨] فقوبل الخالص بالصرف، والمشوب بالمشوب. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].

стр. 352

ومنها أن يكون في حبه خائفاً بين الهيبة والتعظيم، فإن الخوف لا يضاد المحبة، ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة ليست لغيرهم، وبعضها أشد من بعض، فأولها خوف الإعراض، وأشد منه خوف الحجاب، وأشد منه خوف الإبعاد. ومنها كتمان الحب، واجتناب الدعوى، والتوقى من إظهار الوجد والمحبة، تعظيماً للحبوب، وإجلالاًله، وهيبة وغيره على سره، فإن الحب سر من أسرار الحبيب. وقد يقع المحب في دهش وسكر، فيظهر عليه الحب من غير قصد، فهو في ذلك معذور، كما قال بعضهم. ومن قلبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم ٥ ـ فصل في بيان معنى الأنس بالله والرضى بقضاء الله اعلم: أن من غلب عليه حال الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة، لآن الأنس بالله يلازمه التوحش من غيره، ويكون أثقل الأشياء على القلب كل ما يعوق عن الخلوة. قال عبد الواحد بن زيد: قلت لراهب: لقد أعجبتك الخلوة، فقال: لو ذقت حلاوة الخلوة لا ستوحشت إليها من نفسك، قلت: متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله تعالى؟ قال: إذا صفا الود، خلصت المعاملة. قلت: متى يصفو الود؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار هماً واحداً في الطاعة. فإن قيل: ما علامة الأنس؟ قيل: علامته الخاصة ضيق الصدر عن معاشرة الخلق، والتبرم بهم، وإن خالط، فهو كمنفرد غائب مخالط بالبدن، منفرد بالقلب. واعلم: أن الأنس إذا دام وغلب واستحكم، قد يثمر نوعاً من الانبساط والإدلال، وقد يكون ذلك منكراً في الصورة، لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة، وإن كان محتملاً ممن أقيم مقام الأنس. وأما إذا صدر ممن لا يفهم ذلك المقام، أشرف به على صاحبه على الكفر، وذلك كما يروى عن أبى حفص أنه كان يمشى يوماً، فاستقبله رجل مدهوش (١) فقال: مالك؟ قال: ضل حماري، ولا أملك غيره، فوقف

стр. 353

أبو حفص وقال: وعزتك لا أخطو خطوة ما لم ترد عليه حماره، فظهر الحمار. وروى عن برخ العابد أنه خرج يستقى فقال: يارب: أنت بالبخل لا ترمى، أنفذ ما عندك، اسقنا الساعة. ولا يستبعد أن يحتمل من شخص ما لم يحتمل من غيره. وأما الرضى بقضاء الله تعالى، فهو من أعلى مقامات المقربين، وهو من ثمار المحبة، وحقيقته غامضة، ولا ينكشف الأمر فيه إلا لمن يفهمه عن الله تعالى. ومن فضائل الرضى ما ورد في الحديث أن النبي ﵌ قال: "إذا أراد الله بعبد خيراً أرضاه بما قسم له". وأوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود: إنك لن تلقاني بعمل هو أرضى لى عنك، ولا أحط لوزرك من الرضى بقضائي. ونظر علي بن أبى طالب رضى الله عنه إلى عدى بن حاتم كئيباً، فقال: ياعدى: مالي أراك كئيباً حزيناً؟ فقال: وما يمنعني فقد قتل ابناي، وفقئت عيني فقال: يا عدى! من رضى بقضاء الله جرى عليه وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله. ودخل أبو الدرداء رضى الله عنه على رجل وهو يموت وهو يحمد الله تعالى، فقال أبو الدرداء: أصبت، إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به. وقال ابن مسعود رضى الله عنه: إن الله تعالى بقسطه وعمله جعل الروح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. وقال علقمة في قوله : ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قال: هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، فيسلم لها ويرضى. وقال أبو معاوية الأسود في قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] قال: الرضى والقناعة. وفى الأخبار السالفة (١): أن نبياً من الأنبياء شكا إلى ربه الجوع والفقر عشر سنين، فما أجيب إلى ما أراد، ثم أوحى الله إليه: كم تشكو؟ هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السماوات والأرض، وهكذا سبق لك منى، وهكذا قضيت

стр. 354

عليك قبل أن أخلق الدنيا، أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك؟ أم تريد أن أبدل ما قدرت لك؟ فيكون ما تحب فوق ما أحب، ويكون ما تريد فوق ما أريد، وعزتي وجلالى، لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة. وفي "زبور داود" ﵇: هل تدرى من أسرع الناس مراً على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي وألسنتهم رطبة من ذكرى. وقال داود ﵇: يارب! أي عبادك أبغض إليك؟ قال: عبد استخارتي في أمر، فخرجت له، فلم يرض. وقال عمر بن العزيز: ما بقى لى سرور إلا في مواقع القدر. وقيل له: ما تشتهى؟ فقال: ما يقضى الله . وقال الحسن: من رضى بما قسم له، وسعه، وبارك الله فيه، ومن لم يرض لم يسعه، ولم يبارك له فيه. وقال عبد الواحد بن زيد: الرضى باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين. وقال بعضهم: لن يرد الآخرة أرفع درجات من الراضين عن الله تعالى على كل حال، فمن وهب له الرضى، فقد بلغ أفضل الدرجات. وأصبح أعرابي وقد مات له أباعر كثيرة، فقال: لا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوى إحن ما سرني أن إبلي في مباركها ... وأن شيئاً قضاه الله لم يكن ٦ ـ فصل [يتصور الرضى فيما يخالف الهوى] ويتصور الرضى فيما يخالف الهوى. وبيان ذلك إذا جرى على الإنسان الألم، فتارة يحس به ويدرك ألمه، ولكنه يكون راضياً به، راغباً في زيادته بعقله، وإن كان كارها له بطبعه لما يوصله من الثواب. مثاله أن يلتمس من الحجام الحجامة والفصد، فإنه يدرك ألم ذلك، إلا أنه راض به، وراغب فيه ومتقلد منه الحجام.

стр. 355

وكذلك كل من يسافر في طلب الربح، فإنه يدرك مشقة السفر، لكن حبه لثمرة سفره طيب عنده تلك المشقة، وجعله راضياً بها، وكل من أصابه بلية من الله تعالى وكان له يقين، فانه يتوقع الأجر فوق ما فاته، فيرضى بما أصابه، ويشكر الله تعالى عليه، ويجوز أن يغلبه الحب، بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه، ويبطل الإحساس بالألم لفرط الحب، وليس ذلك بعجيب، فان الرجل المحارب في حال غضبة أو خوفه، تصيبه الجرحات ولا يحس بها، ولا يشعر بها في تلك الحال، وذلك لأن قلبه مستغرق، وإذا كان القلب مستغرقاً بأمر من الأمور لم يدرك ما عداه، وذلك موجود في المشاهدات. قال الجنيد رحمة الله: سألت سرياً: هل يجد المحب ألم البلاء؟ قال: لا. وقد روينا عن خلق كثير من أهل البلاء، أنهم كانوا يقولون: لو قطعنا إرباً إرباً، ما ازددنا له إلا حباً. وقد تقدم أن فرط الحب يزيل إحساس الألم، وهو متصور في حب الخلق، كما حكى بعضهم. قال: كان في جيراننا رجل له جارية يحبها، فاعتلت، فجلس يصلح لها حساء (١)، فبينا هو يحرك القدر، قالت: أوه، فدهش وسقطت الملعقة من يده، وجعل يحرك القدر بيده حتى تساقطت أصابعه وهو لا يعلم. ويؤيد هذا قصة النسوة حين شاهدن يوسف ﵇، فإنهن قطعن الأيدي، وما أحسن بألم، فقد بان بما ذكرنا أن الرضى بما يخالف الهوى ليس مستحيلاً، وإذا كان ذلك ممكناً في حق الخلق وحظوظهم، كان ممكنا في حق الله سبحانه، وحظوظ الآخرة بطريق الأولى. وإمكان ذلك في ثلاثة أوجه: أحدهما: علم المؤمن بأن تدبير الله تعالى خير من تدبيره. وقد قال النبي ﵌: "ما قضى الله لمؤمن من قضاء إلا كان خيراً له". وعن مكحول قال: سمعت ابن عمر رضى الله عنه يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسقط فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له.
следующие страницы →