Полный текст (319 стр.). Показаны 281–319 · переход к 286.
стр. 281
ذاهب لمقابلتها فى أحسن شكل , وقلبه يرفرف , ويكاد يطير فرحا .. فهل وانت قادم إلى الصلاة يرفرف قلبك فرحا لملاقاة ربك؟!! .. إن لم يكن فاعلم أنك لا تحبه .. هذا كلام منطقى .. إذا لم تكن سعيدا بلقاء الله , وانت فى بيت الله , ومع الله فأنت لا تحبه.
ولذلك فإن من ادعى محبة الله ثم مال بلقبه إلى الدنيا فهو كذاب .. نعم: إذا لم يرفرف قلبك بحبه فأنت كذاب .. , المشكلة فى أن تحبه , المشكلة فى أن يحبك - الله أحبنا يا رب - , إذا أحبك نلت السعادة والوصول.
يقول ابن القيم: " فهى محبة تقطع الوساوس , وتلذذ الخدمة , وتسلى عن المصائب " ..
فإذا أحبك انقطعت عنك الوساوس .. كثير من الشباب الملتزم اليوم مبتلى بالوسوسة .. نعم: لأنه لا يحب الله , ولو أحبه لانقطعت عنه الوساوس .. وسبب آخر هو: أن الموسوس دائما يسأل عن الوساوس ويشتكى منها - كما قلنا فى الأصل السابق .. اللهم إنا نسألك أن تعافى كل مبتلى مسلم.
أخى فى الله , لا يوسوس إلا فارغ , أما الذى قلبه ملآن ودماغه مشغول ففبم يوسوس؟! , فهو منشغل بعيدا عن هذه الوساوس .. أنه مشغول بالله وبحب الله.
وحين يحبك الله يملأ قلبك بحبه فلا تنشغل بغيره - اللهم أحبنا يا رب - , فتجد نفسك مشغولا ليلا ونهارا به .. ليس لك هم إلا الله والوصول إلبه , ونيل رضاه , فتعمل لخدمته , فتظل مشغولا به - سبحانه - وحده طيلة الوقت وطيلة العمر.
стр. 282
نعم: إذا أحبك شغل قلبك بحبه , وجوارحك بخدمته , وعقلك بالفكر فيه , ثم لا تجد فى نفسك بقية لغيره .. أول شىء فى الحب أن المحبة تقطع الوساوس .. اللهم ارزقنا حبك يا رب.
ثم إن الحب يلذذ الخدمة .. أحد إخواننا ذهب ليعتمر فكان يوم بخدمة المعتمرين .. أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم ومنه .. اللهم ارزقنا الحج والعمرة .. قلت له: اجعل قلبك - وانت تخدم إخوانك - مشغولا بالله .. واستشعر نظره إليك , لتزداد تلذذا وحبا فى الخدمة.
أخى فى الله , لو أنك أتيت برجل يشتغل عندك ليدهن لك هذه المكتبة مثلا وانت واقف خلفه , فسيظل يعمل بحذر وجد. فاجعل هذا إحساسك .. المراقبة .. واقف أنت امام حبيبك فهو ناظرك .. حبيبك الذى تشتغل له وتعمل له , استشعر مراقبته لك دائما , ساعتها ستعمل بحب وتلذذ , ليس على خوف وفقط , بل بحب , لأن حبيبك يراك , والمحب يحب أن يراه حبيبه دوما وهو يعمل له.
صليت مرة بالناس فأطلت الصلاة وقلت لهم: إن الناقد بصير (أعنى: أن الله ناظرنا) .. ومررنا مرة على " استرجى " وقدامه الطقم " انتريه " وهو جالس يدهنه .. يمسك بالقطنة والريشة .. قلنا: ما لك لا تنتهى؟! , قال: إن صاحب الطقم يدقق جدا فى كل شىء .. أفهمت؟!
ولذلك فإذا صليت فاعلم أن الله ينصب وجهه إلى وجهك فى صلاتك ما لم تلتفت .. إذا قمت للصلاة فاعلم أن الله ينظر إليك ويطالعك .. ولذلك كان الواحد من السلف إذا توضا اصفر لونه , وارتعش
стр. 283
جلده , يقولون له: ما لك؟! , يقول: أتدرون بين يدى من سأقف؟!!!
ولذلك فإن من الاصول المهمة أيضا: الاستحضار الذهنى للعبادات قبل الدخول فيها , سبيل الاخلاص فيها.
أيها الاخ الكريم , الحب تلذذ الخدمة .. نعم: يلذذ الحب الخدمة .. تكون الخدمة لذيذة جدا .. قال أمير الشعراء عن قيام رسول الله ﷺ متلذذا له:
رضيّة نفسه لا تشتكى سأما ... وما مع الحب إن أخلصت من سأم
بكى أحد السلف عند موته , قيل: ما يبكيك؟ , قال: " أبكى لأننى أموت ولم أشتف من قيام الليل " .. أبكى لأنى أموت ولم أشبع من قيام الليل.
وكان بعض السلف يقول عند موته: " اللهم إن كنت كتبت لأحد أن يصلى فى قبره فاجعلنى ممن يصلى فى قبره " .. لم يشبع من الصلاة ويريد أن يصلى أكثر .. قالوا هذا , لأنهم أحبوا الله , فاستحضروا العبادات ذهنيا .. اشتغلوا فى العبادات بمحبة , فانقطعت عنهم الوساوس وتلذذوا بالخدمة , وتسلوا بتلك المحبة عن كل المصائب والمتاعب.
قال رسول الله ﷺ :" وجعلت قرة عينى فى الصلاة " [قال الألبانى حسن صحيح] .. هذه هى اللذة الحقيقية , وهذا هو التلذذ فى الخدمة بحق .. فهل أحببت ربك
стр. 284
فعشت هذا النعيم؟ .. هل أحسست بحلاوة الحب ومتعته ولذته وجماله بعد أن كنت فى جاهلية؟ ..
كنت تأكل وتشرب وتهرج وتمشى مع البنات وتسمع الموسيقى وتدخل السينما وتذهب إلى المسرح وتدخل الملاهى وتسافر تصيف على البحر .. كنت فى جهل .. فى ضلال .. فى جاهلية عمياء , وتاب الله عليك ودخلت باب المسجد وبدأت تحب الله .. بدأت تحبه بعد حب البنات .. تحب المصحف بعد الموسيقى والاغانى .. بدات تصلى بعد الجلوس على المقاهى و" الشيشة " .. بدأت تمشى فى طريق الخير بعد ان كنت تمشى تعاكس الفتيات .. فأحسست بالفرق .. وعرفت النظافة وفهمت الطهارة .. فعشت الفرق .. فإذا أحسست بذلك وعشته فلا تستطيع أن تسكت .. لابد أن تنقل أحاسيسك هذه لغيرك .. لابد.
ولكن للأسف الشديد كثير منا حينما يلتزم ويريد ان ينقل أحاسيسه ينقلها بصورة غير لائقة فينفر الناس , ويكرههم فى الدين .. حرام هذا .. حرام .. غلط .. غلط شديد .. تجده يقول للناس: الشيخ الفلانى يحرم كذا وكذا .. فيكرهون الشيخ والدين .. لا .. ليس الأمر أن تتكلم عن غيرك , إنما الامر ان تنقل أحاسيسك انت .. قل لهم: هل تعرفون بماذا أشعر , ثم تنقل إحساسك إليهم.
قل لهم: وأنا ساجد أشعر بكذا , وأنا أقرأ كلام الله أحس بكذا .. حينما أذكر الله فأقول: سبحان الله العظيم وبحمده يمتلأ قلبى راحة واطمئنانا .. وبذلك تصل إلى قلوب الناس , أما إذا لم تحس بما تقول
стр. 285
فأنت كذاب فى التزامك ولما تلتزم إلى الآن .. ولذلك أحس الجمال واستشعر حلاوة الايمان وطعم الايمان .. املأ قلبك بالمحبة لتتلذذ بالخدمة , وتتسلى بالمحبة عن المشاكل والهمو م.
ثم إن هذه المحبة تنشا من مطالعة المنة - كما يقول ابن القيم .. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: " أحبوا الله لما يغذوكم به , أحبونى بحب الله " [ضعفه الألبانى] .. أحب الله فهو الذى يطعمك وينفق عليك ..
نعم: القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها , فلو أن إنسانا أعطاك اليوم عشرة جنيهات , وغدا أعطاك عشرة أخرى , وبعد غد أعطاك مثلها أيضا .. وهكذا كل يوم يعطيك , وبعد العشرة أعطاك مئة , وبعدها ألفا , ثم مليونا .. وهكذا كل يوم فى زيادة , فلا شك أنك تحبه حبا شديدا , فكيف بك لو كان المعطى هو الله؟! .. فالله أعطاك ملايين مملينة , فكم تساوى عينك وكم يساوى سمعك .. وكم تساوى الدنيا إن فقدت عينيك؟!!
الله أعطاك ولا يزال يعطيك .. فالهواء الذى تتنفسه لو كان النفس منه بعشرة قروش , فكم تدفع كل يوم؟! .. لو كنت تدفع كما تدفع لعداد الكهرياء أو فاتورة الهاتف , فكم كنت ستدفع مقابل هذا الهواء؟! .. لو أن الله يحاسبك ويأخذ منك مالا على أنه يمكنك من
стр. 286
التكلم والسماع فكم كنت تدفع؟! .. أنطقك وخلقكم ولا يريد منك شيئا , " قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء "
(فصلت: ٢١) .. اللهم كما أنطقتنا بقدرتك وعظمتك امنن علينا بحبك .. وامنن علينا بمطالعة نعمك لنحبك .. اللهم ارزقنا حبك يا رب.
ماذا كنت تصنع - أخى فى الله - لو كان هناك فاتورة على كل نعمة من هذه النعم؟!! .. فطالع نعم الله , واشكره عليها , وأحبه من كل قلبك , فلا شك أن من يطالع نعم الله عليه تترى فيراها بقلبه وعينه - لا شك أنه سيذوب حبا فى الله .. فهو سبحانه - يعطيك ولا ينتظر منك شيئا , عكس المخلوق تماما , فالتجار جمعيا يتعاملون معك ليربحوا منك , أما الله: فهو سبحانه - وحده الذى يتاجرمعك لتربح عليه .. يعطيك حين يجد فى قلبك حبا له , فأحببه فهو المعطى .. أحببه ليعطيك .. أحببه ليحبك.
الشاهد: أن المحبة تنبت من مطالعة المنة , قال الله: " فاذكروا آلاء الله " (الأعراف: ٧٤) .. ذكر النعم ينبت المحبة.
والدى - اللهم ارحمه وموتى المسلمين - كان إذا تعب يقول له الناس: مالك؟ فيقول: الحمد لله , لا تقل مالك؟ لأن بعض الناس إذا قلت له: مالك؟ يقول: عندى صداع , والصداع جاءنى بسبب ارتفاع الضغط , وارتفاع الضغط أصله تعب فى المعدة , وسبب ارتفاع النبض ارتفاع النبض ارتفاعا فى درجة الحرارة .. ويظل يعدد وكانه يشتكى ربه للناس .. فوالدى - يرحمه الله - يقصد: أن لا تفتح للناس باب الشكوى , ولكن افتح لهم باب ذكر النعم.
стр. 287
تجد الناس إذا سألتهم: كيف الأخبار؟ يقولون لك: لبنت مريضة , وزوجتى لا أدرى ماذا بلاها .. ونحن نسكن فى الدور الارضى , والارضى فيه رطوبة , ثم إن الجيران فى وجوهنا فلا نستطيع أن نفتح الشباك , والاطفال يلعبون فى الشارع يزعجوننا .. وهكذا .. شكوى .. شكوى .. فيعيشون يشتكون دوما!!
سبحان الله! , هل وجدت إنسانا تجلس معه فيقول: عن الله أعطانى .. وأعطانى؟! .. هل فعلت أنت؟! .. هل جلست مع الناس مرة وقلت: والله العظيم إن الله أكرمنى .. فقد كنت فقيرا لا أجد لقمة فأعطانى , وأغنانى .. الحمد لله نجانى ولم اكن أستحق .. لم أكن أستاهل , ولكنه - سبحانه - وهبنى زوجة صالحة , وأعطانى شقة , ووهبنى أولادا , وصحتى والحمد لله ممتازة .. الحمد لله الحمد لله عملى هادىء فزملائى يحبوننى .. والفضل لله , والمرتب كاف .. وبفضل الله , الامور على ما يرام .. هل جلس معك أحد فقال لك هذا الكلام؟!!
انك اليوم فى كل مجالسك تشتكى للناس الصداع والمشاكل والمغص والزوجة والعيال والبيت والشغل والهم والنكد .. رغم ان الله امر بالعكس قال - تعالى - " وأما بنعمة ربك فحدث " (الضحى: ١١) .. فأين حديثك بالنعمة؟! اين حبك؟! .. الحب ينبت من مطالعة المنة.
كنت مرة اقوم بعمرة - واقول لذلك لاعلمك كيف تعمل - كنت مريضا بعض الشئ ولله الحمد والمنة - فبعد ان طفت وجدت ان رجلى تؤلمنى فلا استطيع ولا اقدر فأجرت كرسيا - ويؤجر هناك بخمسين
стр. 288
او بخمسة وخمسين ريالا - لأسعى به .. فإذا بى وأنا عليه مستريح انظر الى الناس فأجد امراة مسكينة لا تقدر على المشى تستند الى سور الصفا والمروة .. فقلت لها وأنا راجع: انتظرى لحظة , تعال يا بنى اعطنى كرسيا , وقلت لها: اركبى قالت: ليس معى مال قلت: انا دفعت قالت: كم انت كريم يارب .. انت ترانى وتعرف حالى واعطيتنى كرسيا .. انا احبك يارب.
فكم تساوى هذة الكلمة - اخواتاه -؟! .. وكم يساوى ان تجعل احدا ينطق بحب الله؟! .. والله ملايين الدنيا لا تساويها .. ربنا اكرمنى واعطانى كذا وكذا , وعمل لي كذا وكذا , وطلبت منه كذا فوهبنى كذا , وسترنى فى كذا , وعافانى من كذا وكذا .. هكذا يكون التحدث بالنعم , ولايكون كل كلامنا ان نشتكى .. هذا ما اريد ان أؤصله فيكم , واريدكم ان تعملوا به .. ان تجعلوا الناس يحبون الله.
وإذا كانت المحبة تنبت بمطالعة المنة , فإنها تثبت باتباع السنة - اللهم ارزقنا اتباع السنة يارب , اللهم إنا نسألك اتباع السنة وفعل السنة .. نعوذ بك اللهم من البدع واهلها .. المحبة تثبت باتباع السنة .. كن خلف النبى محمد ﷺ تصل .. كن واحدا لواحد على طريق واحد تصل .. كن شخصا واحدا ليس بوجهين فأخلص .. " لواحد " اى: الزم التوحيد .. على طريق واحد هو اتباع السنة , على طريق النبى محمد ﷺ تثبت ولا تتلون ولا تتغير ولا تحيد او تتحول .. اثبت على الطريق السنى - اللهم ارزقنا الثبات على الدين.
стр. 289
وتنمو المحبة على الإجابة بالفاقة .. لابد أن تظهر فقرك وضعفك وذلك ومسكنتك بين يدى الله .. بعضنا - يا شباب - يظن أنه " فتوة " .. ما لا يكون بالله لا يكون بغيره , قال - تعالى -: " وما تشاءون الإ أن يشاء الله " (الإنسان:: ٣٠) , ولذلك تنمو المحبة بإظهار الفاقة والضعف والفقر والذل والمسكنة.
شيخ الإسلام ابن تيمية رأى إنسانا يقف تحت حر الشمس حاسر الرأس حافيا , فسأل عنه فقالوا له: إنه نذر أن لا يجلس فى الظل , فقال شيخ الإسلام: " يا جاهل , هذا تقاو على الله " .. أتتقاوى على الله؟!! .. قال لك الله: البس وتستر واركب , فلماذا تتقاوى عليه؟!! .. لا تتقاو بنفسك على الله , قال - تعالى -: " إنما الصدقات للفقراء " (التوبة: ٦٠) , فأظهر فقرك ليتصدق الله عليك .. أظهر ضعفك ليرحمك.
يقول ابن الجوزى: " تضاعف ما أمكنك , فإن اللطف مع الضعف أكثر ".
كلما أظهرت ضعفك كلما لطف بك , ولا تقل: أنا أستطيع أن أواجه كذا وأقدر على كذا , قال رسول الله ﷺ : " لا تتمنوا لقاء العدو , لكن اسألوا الله العافية " [متفق عليه] .. اللهم إنا نسألك العافية فى الدنيا والآخرة .. فإياك أن تعتقد أنك " فتوة " ..
стр. 290
إن البعض يقول: تخاف علينا من الجامعة بسبب الاختلاط .. لا .. لا يهمنى الاختلاط .. فلو كان أمامى ألف عارية فلن تهزمنى شعرة .. أقول: اللهم تب عليك .. كثير من الناس يقول هذا الكلام ويعمل به ولا يظهر ضعفه , فيعتمد على نفسه , فيكون أول من تندق عنقه بم لا يخشاه أو يحذره .. نعم: يكون أول الواقعين فى الفتنة.
فالجأ إلى الله وافتقر إليه فأنت ضعيف .. " وخلق الإنسان ضعيفا " (النساء: ٢٨) , خلقك الله ضعيفا لتفر إليه .. قال ابن تيمية فى تفسيرها: " ضعيفا أمام شهوة فرجه " , إن اعتمادك على نفسك فى مواجهة الفتن أعظم عند الله وأشد إثما من الذنب نفسه.
ولقد كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم لا تكلنى إلى نفسى طرفة عين أبدا " [حسنه الألبانى] .. فاللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فتهلكنا .. لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك .. آمين.
أخى فى الله , حبيبى فى الله , يا من أنت مشغوف بالوصول إلى الله إذا كنت تحب ربك فسل نفسك: هل يحبك؟! , فليس الشأن أن تحبه , إنما الشأن أن يحبك .. والعلامة أنه إذا أحبك شغلك به وحده فعشت له وبه .. إذا أحبك شغل قلبك بحبه , وجوارحك بخدمته ,
стр. 291
وعقلك بالفكر فيه , ثم لا تجد فى نفسك بقية لغيره .. فانظر أين قدمك .. إذا أحبك وضع قدمه فى المواطن التى يرضاها .. نعم: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر أين أقامك؟!
علامات حب الله - تعالى - للعبد:
١ - اتباع النبى ﷺ .
قال الله - تعالى - " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم " (آل عمران: ٣١).
٢ - الذلة على المؤمنين.
٣ - العزة على الكافرين.
٤ - المجاهدة فى سبيل الله.
٥ - عدم خوف اللوم فى الله.
وجمع هذه الأربع قول الله - تعالى -: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم " (المائدة: ٥٤).
٦ - التقرب إلى الله بالنوافل.
стр. 292
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله - تعالى - قال: من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب , وما تقرب إلىّ عبدى بشىء أحب إلىّ مما افترضت عليه , وما يزال عبدى يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه , فإذا أحببته , كنت سمعه الذى يسمع به , وبصره الذى يبصر به , ويده التى يبطش بها , ورجله التى يمشى بها , وإن سألنى أعطيته , ولئن استعاذنى لأعيذنه " [أخرجه البخاري].
٧ - القبول فى الأرض.
عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: إذا أحب الله - تعالى - العبد نادى جبريل: إن الله - تعالى - يحب فلانا فأحببه , فيحبه جبريل فينادى فى أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء , ثم يوضع له القبول فى الأرض " [أخرجه البخاري].
وفى رواية لمسلم: قال رسول الله ﷺ : " إن الله - تعالى - إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إنى أحب فلانا فأحببه , فيحبه جبريل ثم ينادى فى السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء , ثم يوضع له اتلقبول فى الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إنى أبغض فلانا فأبغضه , فيبغضه جبريل ثم ينادى فى أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه , ثم توضع له البغضاء فى الأرض " [أخرجه مسلم].
стр. 293
٨ - التعبد لله - تعالى - بأسمائه وصفاته.
عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ بعث رجلا على سرية فكان يقرأ لأصحابه فى صلاتهم فيختم بـ " قل هو الله أحد " , فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ , فقال: " سلوه لأى شىء يصنع ذلك "؟ , فسألوه , فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها , فقال رسول الله ﷺ : " أخبروه أن الله - تعالى - يحبه " [متفق عليه].
ففتش - أخى - فى نفسك عن علامات حب الله لك .. فليست القضية فى الدعاية أنك تحبه , ولكن الشأن كل الشأن فى أن يحبك هو .. فاعلم أن القضية يتعلق بعضها ببعض , فإنك لن تحبه حتى يحبك فيجعلك تحبه ثم يثيبك على حبك حبا ثانيا منه .. فحبك محفوف بين حبين منه , حب قبله وحب بعده .. ولكن صلاحية المحل وأهلية الشخص .. فهل تصلح أن تكون حبيب الله؟ .. بادر والله كريم.
* * *
стр. 294
الأصل السادس والعشرون: كل متاع فى الدنيا يسحب من رصيدك فى نعيم الآخرة
لقد أصبت بالرعب عندما قرأت حديث صحيح مسلم: قال رسول الله ﷺ : " ما من غازية تغزو فى سبيل الله فيصيبون الغنيمة , إلا تعجلوا ثلثى أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث , وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم " [أخرجه مسلم] .. وكأنى أقرأه لأول مرة فى حياتى حديث يخوف .. يرعب ..
نفهم من هذا الحديث أن الذين يغزون فيغنمون ويسلمون استعجلوا ثلثى أجرهم , أى: ضيعوا الثلثين من الاجر فى الدنيا , فلم يبق لهم فى الآخرة إلا الاجر القليل .. فالذى أخذته من الدنيا كم ضيعت فى مقابله من الآخرة .. إن كل ما تأخذه من الدنيا مخصوم من حسابك فى الآخرة.
أخذت من الدنيا مالا أو سيارة أو .. مخصوم من نعيم الآخرة .. ولا يستوى فى الآخرة الفقير مع الغنى , وإن دخل الغنى الجنة .. لا يستويان أبدا .. قال - الله تعالى -: " أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهاَ" (الأحقاف: ٢٠) , وقال - تعالى - " ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ " (التكاثر: ٨) .. فكل ما أوتيته من متاع الدنيا فهو بالخصم من نعيمك فى الآخرة.
стр. 295
لذلك قال ربنا ﷻ : " كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ " (الحاقة: ٢٤) .. يقول ابن كثير ﵀: " أى يقال لهم تفضلا عليهم وامتنانا وإنعاما وإحسانا , وإلا فقد ثبت فى الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " اعملوا وسددوا وقاربوا , واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة " , قالوا: ولا أنت يا رسول الله , قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل " [متفق عليه] اهـ.
فإذا كان العمل الصالح وحده لا يدخل الجنة فما بالك بالسيىء ولذلك فإن متاعك الدنيوى " السيىء " كلما كثر كلما ضيع عليك الآخرة , وإنما قال الله: " بِمَا أَسْلَفْتُمْ " , ليرفع من همتك فى السير إليه , وإلا فالأصل أنه - سبحانه - الذى وفقك.
" وهذا اللون من النعيم مع هذا اللون من التكريم فى الالتفات إلى أهله بالخطاب , وقوله: " كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ " .. فوق أنه اللون الذى تبلغ إليه مدارك المخاطبين بالقرآن فى أول العهد بالصلة بالله , قبل أن تسمو المشاعر فترى فى القرب من الله ما هو أعجب من كل متاع .. فوق هذا , فإنه يلبى حاجات نفوس كثيرة على مدى الزمان , والنعيم ألوان غير هذا وألوان ".
стр. 296
فمن عاش نعيم الدنيا حرم نعيم الآخرة , فأقبل على الله واترك الدنيا وملذاتها وشهواتها , أقبل على الأدوم فنعيم الآخرة خير وأبقى " وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ " (الرعد: ٢٦).
قال رسول الله ﷺ : " بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين فى الأرض , فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا , لم يكن له فى الآخرة من نصيب " [صححه الألباني].
قال ربى: " وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ " (الأحقاف: ٢٠).
إن الذين يطلبون الدنيا ويتفانون فيها ويسعون فى الزيادة منها , لابد أن نذكرهم حال نبيهم ﷺ , وكيف أنه ﷺ , وكيف أنه ﷺ مات ولم يجد ما يملأ بطنه من الدقل ... (أردأ التمر) ثلاثة أيام .. لم يكن يشبع ثلاثة أيام متتالية .. يشبع اليوم فيجوع غدا , ويشبع اليومين فيجوع الثالث .. نعم: لم تمر عليه ثلاثة أيام شبعها قط .. فما آخر مرة جعت فيها؟ .. إننا لا نجوع يوما واحدا , ومع ذلك نتسخط ولا نشكر نعمة الله - اللهم لا تعذبنا يا رب , اللهم ارزقنا شكر نعمتك يا رب .. ومن هنا نفهم هذا الأصل , وأن قدوتنا فيه رسول الله ﷺ أفضل السائرين إلى الله .. فكل ما تأخذه فى الدنيا فهو بالخصم من حسابك فى الآخرة.
стр. 297
قال بعض الصحابة - رضى الله عنهم اجمعين -: أسلمنا مع رسول الله ﷺ وكان أحدنا لا يجد ما يملأ بطنه , فمنا من مات ولم يصب من هذه الدنيا شيئا , كمصعب بن عمير , مات ولم نجد ما نكفنه فيه , إلا نمرة إذا غطينا رأسه بدت رجلاه , وإذا غطينا رجليه بدت رأسه , فقال رسول الله ﷺ : " غطوا بها رأسه واجعلوا عليه شيئا من الإذخر " [أخرجه البخارى].
مصعب بن عمير الذى فتح المدينة وحده , ولم يكن معه إلا عبدالله ابن أم مكتوم .. قائد فتح المدينة يموت ولا يجدون له كفنا .. فكم عندك من ملابس؟! .. كم عدد القمص والعباءات التى عندك؟! .. وكم بدلة تملكها؟! .. وكم وكم ..
سلمان الفارسى لما أتاه الموت بكى , قالوا: ما يبكيك؟! , قال: "عهد إلينا رسول الله ﷺ عهدا وما أرانى إلا تجاوزته , قالوا: وما عهد إليكم , قال: عهد إلينا أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب" [صححه الألباني] .. فلما مات حسبوا له تركته , فوجدوا عنده ستة عشر درهما (٦٤ جنيها) .. فأين من يتركون الآلاف والملايين؟! .. أين من يورثون الأراضى والفدادين؟! .. أين أصحاب العمارات والمحلات والدكاكين؟! .. أين هؤلاء من صحابة رسول الله ﷺ ؟! .. إن هذه المتع والملذات والمسرات بالخصم من
стр. 298
حسابك فى الاخرة فانتبه .. انتبه قبل أن تذهب إلى هناك فلا تجد شيئا يسرك.
عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبى فقال: " كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ". وكان ابن عمر رضى الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح , وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء , وخذ من صحتك لمرضك , ومن حياتك لموتك" [أخرجه البخاري].
قال الإمام النووى ﵀:
(قوله ﷺ : " كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " , أى: لا تركن إليها , ولا تتخذها وطنا , ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها , ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب فى غير وطنه الذى يريد الذهاب منه إلى أهله.
وهذا معنى قول سلمان الفارسى رضى الله عنه: أمرنى خليلى ﷺ ألا تتخذ من الدنيا إلا كمتاع الراكب.
ترجو البقاء بدار لا بقاء لها ... وهل سمعت بظل غير منتقل
" ومن حياتك لموتك ": أمره بتقديم الزاد , وهذا كقوله - تعالى -:" وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ " (الحشر: ١٨) ولا يفرط فيها حتى يدركه الموت فيقول: " رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ " ... (المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠) , وقال الغزالى - رحمه الله تعالى -: " ابن آدم بدنه معه كالشبكة يكتسب بها الأعمال الصالحة , فإذا اكتسب خيرا ثم مات كفاه , ولم
стр. 299
يجتمع بعد ذلك إلى الشبكة , وهو البدن الذى فارقه بالموت.
ولا شك أن الإنسان إذا مات انقطعت شهوته من الدنيا , واشتهت نفسه العمل الصالح لأنه زاد القبر , فإن كان معه استغنى به , وإن لم يكن معه طلب الرجوع منها إلى الدنيا ليأخذ منها الزاد , وذلك إن أخذت منه الشبكة.
فيقال له: هيهات , قد فات , فيبقى متحيرا دائما نادما على تفريطه فى أخذ الزاد قبل انتزاع الشبكة , فلهذا قال:
" وخذ من حياتك لموتك " , فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ") اهـ.
أخى فى الله , زود رصيدك فى الآخرة , فمستقل ومستكثر .. ستقول: ماذا أصنع؟! , الله قد أعطانى أموالا فهل أرميها فى الشارع؟!! .. أقول لك: تصدق بها على الفقراء تجدها هناك ..
" يقول ابن آدم: مالى مالى , فيقال له: ليس لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت , أو لبست فأبليت , أو تصدقت فأبقيت " .. فالمال مال الله أعطاه لك فرده إليه ولا تقل: مالى .. فهو - سبحانه - قادر على أن يفقرك ويسلبك هذا المال فتمشى فقيرا محتاجا .. ألا تشكر الله أن وهبك ماله , وفوق ذلك يثيبك ويرفعك حينما ترده إليه وتنفقه فى سبيله .. ألا تستحى من ربك؟! .. فإن كان عندك مال فتصدق به.
ولذلك فإن النبى ﷺ قال: " والله ما أحب أن يكون لى مثل أحد ذهبا , فيبيت عندى منه ثلاث فأفعل بهم هكذا وهكذا وهكذا وهكذا " [متفق عليه] .. أى: يفرق هذا المال ويوزعه على الفقراء بسرعة.
стр. 300
يقول الإمام النووى - رحمه الله تعالى - فى حديث رسول الله ﷺ :
" ازهد فى الدنيا يحبك الله , وازهد فيما عند الناس يحبك الناس " [صححه الألباني]:
" الزهد ترك ما لا يحتاج إليه من الدنيا وإن كان حلالا , والاقتصار على الكفاية " , والورع: ترك الشبهات , قالوا: وأعقل الناس الزهاد , لأنهم أحبوا ما أحب الله , وكرهوا ما كره الله من جميع الدنيا , واستعملوا الراحة لأنفسهم .. وللشافعى ﵀ فى ذم الدنيا:
ومن يذق الدنيا فإنى طعمتها ... وسبق إلينا عذبها وعذابها
فلم أرها إلا غرورا وباطلا ... كما لاح فى ظهر الفلاة سرابها
وما هى إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فدع فضلات الأمور فإنا ... حرام على نفس التقى ارتكابها
قوله: " حرام على نفس التقى ارتكابها " يدل على تحريم الفرح بالدنيا , وقد صرح بذلك البغوى فى تفسير قوله - تعالى -: " وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا " (الرعد: ٢٦) , ثم المقصود بالدنيا المذمومة: طلب الزائد على الكفاية , أما طلب الكفاية فواجب.
قال الشافعى ﵀: " طلب الزائد من الحلال عقوبة ابتلى الله بها أهل التوحيد ".
وقد مدح الله المقتصدين فى العيش فقال: " وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ
стр. 301
يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا " (الفرقان: ٦٧) .. وكان يقال: القصد فى المعيشة يكفى عنك نصف المؤنة , والاقتصاد: الرضا بالكفاية ".
أحد الناس - أسأل الله أن يفرج كربه ويقضى دينه - قال لى: أنا أدفع للبنك ستين ألف جنيه ربا كل شهر , قلت له: لو أن ستين ألف جنيه تصدق بها على الفقراء كل شهر فكم تغنى فى الآخرة؟! .. يريد أن يسدد بعد أن تورط وعاش الهم والغم ليل ونهار .. اللهم تب على كل عاص مراب .. نعم: الربا حرب على الله .. قال هذا الرجل: ولذلك إذا قابلنى أحد فى الدنيا أقول له: " سكة البنوك سكة الخراب " .. أسأل الله أن يصرف الربا عن المسلمين .. اللهم إنا نعوذ بك من الربا والزنا والغنا والوبا.
فلو أن هذا المال المكنوز صرف فيما يرضى الله , لارتاح الناس وسعدوا ولاطمأنوا ورضى الله عنهم .. كثير من الناس من يسأل باستمرار: ابتعدت عن البنك ولم أضع أموالى فيه فماذا أصنع؟ .. أشغلها فى مشروع؟! .. ولكنى أخاف من الخسارة! أقول: تصدق بها على الفقراء ينفعك عند الله وهذا هو التشغيل الحقيقى لها .. التصدق بها.
نعم: عندك زيادة فى المال تريد أن تضعها فى البنك أو تعمل بها مشروعا .. لا .. بل تصدق بها على الفقراء , فوالله الذى لا إله إلا هو ,
стр. 302
هناك فقراء لا يجدون ما يأكلونه .. والله , فقراء لا يجدون " الرغيف الحاف " .. فقراء لا يرون اللحم بالشهور , ولو ذهبت إليهم بدجاجة من دجاج " الجمعية " لطاروا فرحا .. فيا من لا تأكل إلا اللحم باللحم .. تريد أن تحتفظ بالأموال وتكنزها , وإخوانك فيهم من لا يجد ما يسد جوعه.
أطعم الفقراء وأنفق عليهم مالك بسخاء , أطعمهم وكن رحيما بهم , فالمال مال الله وهو الذى أغناك .. " يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ " (فاطر: ١٥) .. اللهم أطعم فقراء المسلمين , اللهم أغن فقراء المسلمين بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين , اللهم وسع أرزاق المسلمين وبارك لهم يها يا رب العالمين.
طلحة بن عبيد الله التيمى .. الصحابى الجليل .. الذى قال عنه رسول الله ﷺ : " من سره أن ينظر إلى رجل يمشى على الأرض وقد قضى نحبه , فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله " [حسنه الألباني].
يقول عنه الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر قصة وفاته -: " هذه هى قصة نعت طلحة بن عبيد الله " بالشهيد الحى " , أما تلقيبه بطلحة الخير , وطلحة الجود فلها مئة قصة وقصة ..
стр. 303
من ذلك أن طلحة كان تاجرا واسع التجارة عظيم الثراء , فجاءه ذات يوم مال من " حضر موت " مقداره سبعمئة ألف درهم , فبات ليلته وجلا جزعا محزونا.
فدخلت عليه زوجته أم كلثوم بنت أبى بكر الصديق , وقالت: ما بك يا أبا محمد؟!! .. لعله رابك منا شىء!! , فقال: لا , ولنعم حليلة الرجل المسلم أنت .. ولكن تفكرت منذ الليل وقلت: ما ظن رجل بربه إذا كان ينام وهذا المال فى بيته؟! , قالت: وما يغمك منه؟! , أين أنت من المحتاجين من قومك وأخلائك؟! , فإذا أصبحت فقسمه بينهم , فقال: رحمك الله , إنك موفقة بنت موفق .. فلما أصبح جعل المال فى صرر وجفان , وقسمه بين فقراء المهاجرين والأنصار.
وروى أيضا أن رجلا جاء إلى طلحة بن عبيد الله يطلب رفده , وذكر له رحما تربطه به , فقال طلحة: هذه رحم ما ذكرها لى أحد من قبل , وإن لى أرضا دفع لى فيها عثمان بن عفان ثلاثمئة ألف .. فإن شئت خذها , وإن شئت بعتها لك منه بثلاثمئة ألف وأعطيك الثمن , فقال الرجل: بل آخذ ثمنها , فأعطاه إياه .. هنيئا لطلحة الخير والجود هذا اللقب الذى خلعه عليه رسول الله ﷺ , ورضى الله عنه ونور له فى قبره ".
стр. 304
أخى المسلم , عندك زيادة - وليس الكلام للأغنياء فقط - , فتصدق بها , ابن مسجدا أو عيادة لعلاج الفقراء مجانا .. تبن مشروعا للإنفاق على الأسر اليتيمة .. ساعد فى زواج الشباب المحتاج المتعفف .. تبن طالب علم شرعى ليخدم الأمة .. أنفق مالك فى مشاريع أخروية تكن لك عند الله , وإلا تفعل فهى بالخصم من حسابك فى الآخرة.
* ... * ... *
стр. 305
الأصل السابع والعشرون: المرء مع من أحب , فاختر حبيبك من ها هنا
قال لى أحدهم: أحب الممثلة الفلانية , قلت له: أتحب أن تحشر معها فى الآخرة؟! .. تحب أن تكون معها أم مع النبى محمد ﷺ ؟! .. تحب أن تكون مع من؟ .. سأل أعرابى رسول الله ﷺ : الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ , قال: " المرء مع من أحب " [متفق عليه].
فهل تحب أن تكون مع الفاسدين وأهل اللغو والمجون؟!
لذا لما سمع أنس بن مالك هذا الحديث , قال: فما فرحنا بشىء بعد الإسلام فرحنا بهذا الحديث " المرء مع من أحب " , لأننى أحب رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر , وأرجو أن أكون معهم فى الجنة.
ولذلك كان من إحدى رسائلى على الهاتف لأحبابى فى الله: " اللهم إنك تعلم أنى وإن كنت أعصاك , إلا أننى أحب من يطيعك , فاجعل ذلك قربة لى عندك .. آمين " , هذه هى الرسائل النافعة .. وليست تلك التى يكتبونها اليوم من هراء غير مفيد .. اكتب شيئا مفيدا .. فالهاتف نعمة لا تستعملها فى المعاصى , لم تستعمله فى اللهو والغفلة؟!
استعمله فى طاعة الله ونشر الحب فى الله .. اكتب: اليوم درس فى
стр. 306
المكان الفلانى .. أرسله إلى كل الناس .. كل المسجل على الهاتف أرسل إليه .. فإن جاء فخير كبير , وإن لم يأت كانت أيضا فى ميزان حسناتك .. اكتب آية قرأتها نفعتك .. اكتبها وأرسلها .. حديثا سمعته اكتبه وأرسله ادع إلى الله بالحب لعل الله ينفع بك وإن لم تفعل.
إن فعلت هذا وعشت على هذا , فأنت تحب الخير وتحب أهله , وسوف تحشر معهم بإذن الله - تعالى.
والذى يحب الراقصة الفلانية والفنانة الفلانية والممثل الفلانى فسوف يكون معهم .. الذى تحبه ستكون معه .. تحب اللاعب الفلانى .. المسرحية الفلانية .. الأغنية الفلانية .. ستكونون معا يوم القيامة فى الموقف , وبعد ذلك جهنم والعياذ بالله.
أما إذا أحببت الله وأحببت من يحب الله .. فستكون جاره فى الفردوس الأعلى , قال رسول الله ﷺ : " إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس , فإنه أعلى الجنة ووسط الجنة , ومنه تفجر أنهار الجنة , وسقفه عرش الرحمن " [أخرجه البخاري] .. فإذا أحببت الله كنت جاره .. وإذا أحببت النبى ﷺ كنت معه.
أبو بكر الصديق وعمر وعلى وعثمان وأبو الدرداء وأنس وأبو ذر ومعاذ رضى الله عنهم .. هؤلاء هم النجوم بحق , فإذا أحببتهم كنت معهم هناك فى الآخرة .. نعم: هؤلاء هم الذين يستحقون الحب .. فمن تحب؟!
стр. 307
إن قضية الحب فى هذه الأيام قضية فى غاية الغرابة , فالناس اليوم يحبون أشياء غريبة وموضوعات عجيبة .. لقد قرأت فى إحدى وسائل الإعلام المقروء: أن رجلين قد رفعا قضايا ضد بعضهما البعض بسبب كلمة ساقطة .. عجيب!! .. عجيب أن ترى الناس فى الشارع يحبون التلفظ بهذه الكلمات.
لقد كان الناس منذ زمان مضى يبحثون عن الكلام الذى فيه أدب وذوق .. كلام أرستقراطى .. فكانوا يتشبهون بالفرنسيين فى ترقيق الكلام ونطق الراء غينا .. وإن كنا لا نوافقهم , فلغتنا وقورة ومحترمة وفيها كل الجمال والأدب .. ولكن الشاهد أن الناس كانوا يبحثون عن الكلام المحبب الجميل , أما اليوم فصار الناس يبحثون عن كلام السوقة .. ألفاظ سوقية .. يبحثون عن ألفاظ السفلة والضائعين فى الشوارع .. وتجدنا وللأسف نتكالب عليها ونتباهى بها .. أمة فى الحضيض!!
إننا بحاجة إلى أن نبحث عن كل كلمة جميلة مريحة رطبة , وكل إشارة مؤدبة وكل حركة مهذبة لنتعامل بها مع الناس , لنكسب حبهم ونحببهم إلى الله , لنكون معهم ويكونوا معنا على طريق الحب فى الله.
وانظر إلى الرقة والأدب فى التعامل بين الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -:
عن زيد بن أسلم عن أبيه: " عزل عمر خالدا , فلم يعلمه أبو عبيدة حتى علم من الغير , فقال: يرحمك الله , ما دعاك إلى أن لا تعلمنى؟ , قال: كرهت أن أروعك " .. حب فى الله.
стр. 308
قال الصورى: علامة الحب لله المراقبة للمحبوب , والتحرى لمرضاته.
ولما اشترى أبو بكر بلالا وهو مدفون فى الحجارة بخمس أواق ذهبا , قالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعناكه , فقال: لو أبيتم إلا مئة أوقية لأخذته .. حب فى الله.
قال فضيل بن غزوان: أتيت أبا إسحاق بعد ما كف بصره , قال: قلت: تعرفنى؟ , قال: فضيل؟ قلت: نعم , قال: إنى والله أحبك , لولا الحياء منك لقبلتك , فضمنى إلى صدره ثم قال: حدثنى أبو الأحوص عن عبد الله:
" لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ " (الأنفال: ٦٣) نزلت فى المتحابين.
وكان أبو العالية إذا دخل عليه أصحابه يرحب بهم ويقرأ: " وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ "
(الأنعام: ٥٤).
وكان ابن عمر يقول: إنى لأخرج وما لى حاجة إلا أن أسلم على الناس ويسلمون علىّ .. حب فى الله .. يحب المسلمين ويحب رؤيتهم.
قال الأوزاعى: كتب إلىّ قتادة من البصرة: إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة.
стр. 309
الحب فى الله والبغض فى الله , والموالاة فى الله والمعاداة فى الله .. الحب فى الله أن تحب الله - تعالى - ورسوله ﷺ وتحب بحبهما المؤمنين , قال - تعالى -: " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ " (المائدة: ٥٥).
والبغض فى الله أن تكره الكفر والكافرين والشرك والمشركين والفسق والفاسقين , حتى ولو كانوا أقرب الأقربين إليك , قال - تعالى -: " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ "
(الممتحنة: ٤)
وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح .. أمين هذه الأمة .. حقق هذا الأصل العظيم يوم بدر .. أصل الموالاة فى الله والمعاداة فى الله .. هذا الأصل الذى يقول عنه العلماء: الولاء والبراء هو المقياس العملى والحقيقى للتوحيد الخالص.
" عاش أبو عبيدة تجربة المسلمين القاسية فى مكة منذ بدايتها إلى نهايتها , وعانى مع المسلمين السابقين من عنفها وضراوتها , وآلامها وأحزانها ما لم يعانه أتباع دين على ظهر الأرض , فثبت للابتلاء , وصدق الله ورسوله ﷺ فى كل موقف.
لكن محنة أبى عبيدة يوم " بدر " فاقت فى عنفها حسبان الحاسبين وتجاوزت خيال المتخيلين.
انطلق أبو عبيدة يوم بدر يصول بين الصفوف صولة من لايهاب
стр. 310
الردى , فهابه المشركون , ويجول جولة من لا يحذر الموت , فحذره فرسان قريش , وجعلوا يتنحون عنه كلما واجههم ..
لكن رجلا واحدا منهم جعل يبرز لأبى عبيدة فى كل اتجاه , فكان أبو عبيدة يتحرف عن طريقه ويتحاشى لقاءه.
ولج الرجل فى الهجوم وأكثر أبو عبيدة فى التنحى , وسد الرجل على أبى عبيدة المسالك ووقف حائلا بينه وبين قتال أعداء الله , فلما ضاق به ذرعا ضرب رأسه بالسيف ضربة فلقت هامته فلقتين , فخر الرجل صريعا بين يديه.
لا تحاول - أيها القارىء الكريم - أن تخمن من يكون الرجل الصريع .. أما قلت لك: إن عنف التجربة فاق حسبان الحاسبين وجاوز خيال المتخيلين؟ .. ولقد يتصدع رأسك إذا عرفت أن الرجل الصريع هو عبد الله بن الجراح والد أبى عبيدة.
لم يقتل أبو عبيدة أباه , وإنما قتل الشرك فى شخص أبيه.
فأنزل الله - سبحانه - فى شأن أبى عبيدة وشأن أبيه قرآنا , فقال - علت كلمته:
" لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " (المجادلة: ٢٢).
стр. 311
لم يكن ذلك عجيبا من أبى عبيدة , فقد بلغ من قوة إيمانه بالله ونصحه لدينه , والأمانة على أمة محمد ﷺ مبلغا طمحت إليه نفوس كبيرة عند الله ".
فاختاروا - إخوتاه - من يسركم فى القيامة أن يكونوا معكم وتكونوا معهم , وابتعدوا عن طريق الصادين عن سبيل الله الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا .. تبرءوا من الفسقة الفجرة حتى لا يجمعكم الله بهم .. اتركوا الاختلاط بهم , واتركوا التشبه بهم فى الأعياد والاحتفالات والملبس والهيئة , واستعمال كلماتهم التى يكرهها الله.
قال - تعالى -: " وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ "
(هود: ١١٣) .. فالآية: " فيها دليل على وجوب هجران أهل الكفر والمعاصى , وأهل البدع والأهواء , فإن صحبتهم كفر أو معصية , إذ الصحبة , لا تكون إلا عن مودة ".
إخوتاه , الطريق إلى الله لابد فيها من البعد عن المثبطين المقعدين الذين ركنوا إلى حب الدنيا والتذوا بها , فأحبوا المؤمنين الطائعين الطاهرين يعينوكم على الوصول , ويهونوا عليكم مشاق الطريق.
أخى فى الله , حبيبى فى الله , أحبب لله , واكره لله , فبهذا الأصل اختر حبيبك من ها هنا , واعلم أن المسافر إلى الله يحتاج
стр. 312
ولابد إلى رفقة صالحة وصحبة طيبة .. يحتاج أن يعيش فى مجتمع تسوده المحبة والأخوة.
أخى فى الله , المرء مع من أحب , فمن تحب ولماذا؟
اللهم ارزقنا حبك , وحب من أحبك , وحب كل عبد صالح يحبك , وحب كل عمل يقربنا إلى حبك .. اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا ومن الماء البارد على الظمأ .. اللهم واجعلنا ممن أحببتهم فرضيت عنهم .. اللهم وكما جمعتنا على حبك فى الدنيا اجمعنا فى جناتك جنات النعيم على سرر متقابلين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين , وحسن أولئك رفيقا .. اللهم لا تحرمنا رؤية الصالحين ولا تحرمنا - اللهم - من النظر إلى وجهك الكريم ..
آمين .. آمين .. آمين ..
* * *
стр. 313
الخاتمة
صحبتك - أيها الحبيب - ربع الطريق .. وهكذا تكون المساعدة حقيقية , فإن من يتعطل فى بعض الطريق أو يسأل عن طريق , فإن الدليل لا يسير معه كل الطريق .. وكذلك من يقدم لنا المساعدة لا يتم به.
السفرة هذه سبع وعشرون من مئة تستكمل - إن شاء الله وقدر ولكنى أجربك: هل تصلح لهذا الطريق أم لا؟! لا تنتظر .. اسلك وانطلق .. وسيأتيك المدد من الملك .. وإياك أن تتأخر أو تلتفت .. وبعد أن سرت معى أول الطريق إياك أن تنقطع.
ويذكرك عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه .. ويحذرك فيقول:
" يا أخى , إنك قد قطعت عظيم السفر , وبقى أقله فاذكر - يا أخى - المصادر والموارد , فقد أوحى إلى نبيك ﷺ فى القرآن أنك من أهل الورود , ولم يخبر أنك من أهل الصدور والخروج , وإياك وأن تغرك الدنيا , فإن الدنيا دار من لا دار له , ومال من لا مال له , يا أخى , إن أجلك قد دنا , فكن وصى نفسك , ولا تجعل الرجال أوصياءك ".
وأخطر من ذلك: تهديد ابن القيم الذى يقول فيه:
" ومن ذاق شيئا من ذلك وعرف طريقا موصلة إلى الله ثم تركها وأقبل
стр. 314
على إرادته وراحاته وشهواته ولذاته , وقع فى آثار المعاطب وأودع قلبه سجون المضايق وعذب فى حياته عذابا لم يعذب به أحد من العالمين , فحياته عجز وغم وحزن , وموته كدر وحسرة , ومعاده أسف وندامة , قد فرط عليه أمره وشتت عليه شمله , وأحضر نفسه الغموم والأحزان , فلا لذة الجاهلين ولا راحة العارفين , يستغيث فلا يغاث ويشتكى فلا يشتكى , فقد ترحلت أفراحه وسروره مدبرة , وأقبلت آلامه وأحزانه وحسراته , فقد أبدل بأنسه وحشة , وبعزه ذلا , وبغناه فقرا وبجمعيته تشتيتا , وأبعدوه فلم يظفر بقربهم , وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا , ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها ناكبا عنها مكبا على وجهه , فأبصر ثم عمى , وعرف ثم أنكر , وأقبل ثم أدبر , ودعى فما أجاب , وفتح له فولّى ظهره الباب , قد ترك طريق مولاه وأقبل بكليته على هواه , فلو نال بعض حظوظه وتلذذ براحاته وشئونه , فهو مقيد القلب عن انطلاقه فى فسيح التوحيد , وميادين الأنس , ورياض المحبة , وموائد القرب.
فقد انحط بسبب إعراضه عن إلهه الحق إلى أسفل سافلين , وحصل فى عداد الهالكين , فنار الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده , وإعراض الكون عنه - إذا أعرض عن ربه - حائل بينه وبين مراده , فهو قبر يمشى على وجه الأرض , وروحه فى وحشة من جسمه , وقلبه فى ملال من حياته , يتمنى الموت ويشتهيه ولو كان فيه ما فيه , حتى إذا جاءه الموت على تلك الحال - والعياذ بالله - فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم , بسبب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق , وإحراقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه , وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيته.
стр. 315
فلو توهم العبد المسكين هذه الحال وصورتها له نفسه وأرته إياها على حقيقتها , لتقطع - والله - قلبه , ولم يلتذ بطعام ولا شراب , ولخرج إلى الصعدات يجأر إلى الله ويستغيث به ويستعتبه فى زمن الاستعتاب , هذا مع أنه إذا آثر شهواته ولذاته الفانية التى هى كخيال طيف أو مزنة صيف , نغصت عليه لذاتها أحوج ما كان إليها , وحيا بينه وبينها أقدر ما كان عليها , وتلك سنة الله فى خلقه كما قال - تعالى -:
" حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " (يونس: ٢٤).
وهذا هو غب إعراضه وإيثار شهوته على مرضاة ربه , يعوق القدر عليه أسباب مراده فيخسر الأمرين جميعا , فيكون معذبا فى الدنيا بتنغيص شهواته وشدة اهتمامه بطلب ما لم يقسم له , وإن قسم له منه شىء فحشوه الخوف والحزن والنكد والألم , فهم لا ينقطع , وحسرة لا تنقضى , وحرص لا ينفذ , وذل لا ينتهى , وطمع لا يقلع .. هذا فى هذه الدار.
وأما فى البرزخ فأضعاف أضعاف ذلك: قد حيل بينه وبين ما يشتهى , وفاته ما كان يتمناه من قرب ربه وكرامته ونيل ثوابه , وأحضر جميع غمومه وأحزانه.
وأما فى دار الجزاء: فسجن أمثاله من المبعودين المطرودين , واغوثاه ثم واغوثاه بغياث المستغيثين وأرحم الراحمين.
فمن أعرض عن الله بالكلية أعرض الله عنه بالكلية , ومن أعرض الله عنه لزمه الشقاء والبؤس والبخس فى أحواله وأعماله , وقارنه سوء
стр. 316
الحال , وفساده فى دينه ومآله , فإن الرب إذا أعرض عن جهة , دارت بها النحوس , وأظلمت أرجاؤها , وانكسفت أنوارها , وظهرت عليها وحشة الأعراض , وصارت مأوى للشياطين , وهدفا للشرور , ومصبا للبلاء , فالمحروم كل المحروم من عرف طريقا إليه ثم أعرض عنها , أو وجد بارقة من حبه ثم سلبها لم ينفذ إلى ربه منها خصوصا إذا مال بتلك الإرادة إلى شىء من اللذات , وانصرف بجملته إلى تحصيل الأغراض والشهوات , عاكفا على ذلك فى ليله ونهاره وغدوه ورواحه , هابطا من الأوج الأعلى إلى الحضيض الأدنى , فقد مضت عليه برهة من أوقاته وكان همه الله وبغيته قربه ورضاه وإيثاره على كل ما سواه , على ذلك يصبح ويمسى ويظل ويضحى , وكان الله فى تلك الحال وليه , لأنه ولى من تولاه وحبيب من أحبه ووالاه , فأصبح فى سجن الهوى ثاويا وفى أسر العدو مقيما وفى بئر المعصية ساقطا , وفى أودية الحيرة والتفرقة هائما , معرضا عن المطالب العالية إلى الأغراض اخسيسة الفانية , كان قلبه يحوم حول العرش , فأصبح محبوسا فى أسفل الحش:
فأصبح كالبازى المنتف ريشه ... يرى حسرات كلما طار طائر
وقد كان دهرا فى الرياض منعما ... على كل ما يهوى من الصيد قادر
إلى أن أصابته فى الدهر نكبة ... إذا هو مقصوص الجناحين حاسر
فيا من ذاق شيئا من معرفة ربه ومحبته ثم أعرض عنها واستبدل بغيرها منها , يا عجبا له بأى شىء تعوض , وكيف قر قراره فما طلب الرجوع إلى أحنيته وما تعرض , وكيف اتخذ سوى أحنيته سكنا , وجعل قلبه لمن
стр. 317
عاداه مولاه من أجله وطنا , أم كيف طاوعه قلبه على الاصطبار , ووافقه على مساكنة الأغيار.
فيا معرضا عن حياته الدائمة ونعيمه المقيم , ويا بائعا سعادته العظمى بالعذاب الأليم ويا مسخطا من حياته وراحته وفوزه فى رضاه , وطالبا رضى من سعادته فى إرضاء سواه , إنما هى لذة فانية وشهوة منقضية تذهب لذاتها وتبقى تبعاتها , فرح ساعة لا شهر , وغم سنة بل دهر , طعام لذيذ مسموم أو له لذة وآخره هلاك , فالعامل عليها والساعى فى تحصيلها كدودة القز يسد على نفسه المذاهب بما نسج عليها من المعاطب , فيندم حين لا تنفع الندامة , ويستقيل حين لا تقبل الاستقالة.
فطوبى لمن أقبل على الله بكليته وعكف عليه بإرادته ومحبته , فإن الله يقبل عليه بتوليه ومحبته وعطفه ورحمته , وأن الله - سبحانه - إذا أقبل على عبد استنارت جهاته , وأشرقت ساحاته , وتنورت ظلماته , وظهرت عليه آثار إقباله من بهجة الجلال وآثار الجمال , وتوجه إليه أهل الملإ الأعلى بالمحبة والموالاة لأنهم تبع لمولاهم , فإذا أحب عبدا أحبوه , وإذا والى وليا والوه , إذا أحب الله العبد نادى: يا جبرائيل إنى أحب فلانا فأحبه , فينادى جبرائيل فى السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه , فيحبه أهل السماء ثم يحبه أهل الأرض , فيوضع له القبول بينهم , ويجعل الله قلوب أوليائه تفد إليه بالود والمحبة والرحمة , وناهيك بمن يتوجه إليه مالك الملك ذو الجلال والإكرام بمحبته , ويقبل
стр. 318
عليه بأنواع كرامته , ويلحظه الملأ الأعلى وأهل الأرض بالتبجيل والتكريم , وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء , والله ذو الفضل العظيم.
أخى الحبيب .. إنه لتهديد رعيب .. يذكره لك ابن القيم الأريب .. وأنت ممن ينفعه التهديد .. فإنه صوت يسوقك إلى الله - تعالى -.
استعن بالله وانطلق .. ولن أدعك .. اطمئن , فأنا أحبك فى الله , وسأعود إليك قريبا , لنواصل السير ..
وصيتى: احفظ الله تجده تجاهك .. أستودعك الله الذى لا تضيع عنده الودائع .. ولقاؤنا قريب - إن شاء الله وقدر .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإيمان وإحسان إلى يوم الدين
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* * *
стр. 319
مسك الختام
يا واهب المواهب , ومجزل الرغائب .. أعوذ بك من النزول بعد الوصول .. ومن الكدر بعد الصفا .. ومن الشوق بعد الأنس .. ومن طائف الحسرة لعارض الفترة .. ومن تغير الرضا .. ومن التخلف عن الحادى لحظة .. أو الإيمان دون العلم .. ومن موقع حذر يوجب للعقل بطئا - يا رب - حتى تكمل النعم عندى .. ورق فى ذرى الكرامة مهجتى .. ونضر اللهم بالكمال لديك بهجتى .. وعزفنى عن الدون .. ووار علمى عن الخاطر .. يا من منح الأصفياء منازل الحق ومدى الغايات .. أصف هدايتى من دنس العارض .. واحسم عدوى عن ملاحظتى .. وأخلصنى بكمال رغبتى .. وبما لا يبلغه سؤالى .. إنك رحيم ودود.
* * *