← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98088

أصول الوصول إلى الله تعالى

محمد حسين يعقوب

Полный текст (319 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تمهيد: ومضات على طريق السير إلى الله اعلم أخى الحبيب أن للسير إلى الله أصولا وضوابط وثمة أمر مهم وهو أن للسائرين إلى الله هم المصطفون من خلق الله، قال تعالى " ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ " (فاطر ٣٢). فكلهم مصطفون مختارون لسلوك هذا الطريق .. فإن سلكت فأبشر، ولكن انضبط واشكر كي لا تطرد. ومن سنة البشر في حياتهم أن الطريق لا يمكن أن تسلك الا بعلامات للاهتداء وإشارات للمسير توضح المراحل وتدفع المخاطر وتسهل اجتياز العقبات وتيسر قطع الفلوات، وقد تكون هذه العلامات سمعية أو بصرية كما أنها قد تكون للتوضيح والإرشاد أو للتنبيه والاعتراض. وهكذا فإن المسافر في طريق الوصول إلى الله يحتاج إلى التوعية والتنبيه بمواعظ هى إشارات ساطعة في دربه الطويل وتنبيهات تقيه شر المنعطفات. وهذه الطريق - أيها الأخ الكريم - تحتاج إلى علم مهم جدا

стр. 2

وخطير هو علم السلوك .. يقول ابن القيم - عليه رحمة الله - في "طريق الهجرتين ": " السائر إلى الله تعالى والدار الاخرة بل كل سائر إلى مقصد لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده الا بقوتين: قوة علمية وقوة عملية. فبالقوة العلمية يبصر منازل الطريق ومواضع السلوك فيقصدها سائرا فيها ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل. فقوته العلمية كنورعظيم بيده يمشى به في ليلة مظلمة شديدة الظلمة فهو يبصر بذلك النور ما يقع الماشى في الظلمة في مثله من الوهاد والمتالف ويعثر به من الاحجار والشوك وغيره ويبصر بذلك النور أيضا اعلام الطريق وأدلتها المنصوبة عليها فلا يضل عنها فيكشف له النور عن الامرين: اعلام الطريق، ومعاطبها. وبالقوة العملية يسير حقيقة، بل السير هو حقيقة القوة العملية، فان السير هو عمل المسافر وكذلك السائر إلى ربه اذا ابصر الطريق وأعلامها وابصر المعاثر والوهاد والطرق الناكبة عنها فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقى عليه الشطر الاخر وهو ان يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافرا في الطريق قاطعا منازلها منزلة بعد منزلة فكلما قطع مرحلة استعد لقطع للاخرى واستشعر القرب من المنزل فهان عليه مشقة السفر". نعم ايها الحبيب المحب: ان الطريق إلى الله تعالى تقطع بالقلوب لا بالاقدام .. نعم: هى طريق طويلة ونعم هى مأهولة فقد

стр. 3

سارها قبلك المصطفون الأخيار من خيرة خلق الله على مدار العصور. ولكن هذه الطريق في عصرنا صارت مجهولة لاكثر الناس وذلك لاعراض الناس عنها بل وتنكبها. فلذا أنت تحتاج إلى علم .. علم حقيقى بهذه الطريق .. وكما ذكر ابن القيم- عليه رحمة الله - أنك تحتاج إلى قوة علمية يعنى ان تتعلم .. ولا يظنن ظان أن السائر إلى الله لا علاقة له بطلب العلم .. فما له والعقيدة أو الفقه أو المصطلح أو الأصول، بل وما أشغله عن الدعوة الا الله. وقع هذا الظن من أحوال الصوفية فقد اعتقد أكثر الناس أن معنى " سائر " و " الطريق " وغيرها من هذه الكلمات هى الصوفية وهى مرتبطة بالابتداع .. وما حصل هذا الابتداع الا بسبب الجهل والانصراف عن العلم والاكتفاء بمجرد الرياضات الروحية. ولكن عندنا وفى منهجنا أن طلب العلم أصل الوصول وهو لا يفارق السائر أبدا .. فلابد أولا من منهج علمى منضبط ذي مراحل في كل فروع العلم: عقيدة وفقه وتفسير وسيرة وحديث .... العلم قبل القول والعمل والا ضللت ولم تصل .. لابد من قوة علمية، ثم القوة العملية: أن تبدأ تنفيذ هذا العلم في الواقع .. أن تسير حقيقة. واننى أطالبك - أيها الحبيب- ان تستشعر هذا المعنى: أنك سائر ..

стр. 4

أنك مسافر .. أنك راحل .. " يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ " (الانشقاق:٦) .. " ما لي وللدنيا انما انا كراحل " .. هذا شعارك في هذه الدنيا .. ولا بد ان تتوازى وتتوازن القوتان العلم والعمل، والا فهلاك آخر وضلال من نوع آخر، والجنون فنون يقول ابن القيم - عليه رحمة الله -: " ومن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفا في القوة العملية يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فاذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف وفارقهم في العلم، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم، والمعصوم من عصمه الله ولا قوة الا بالله. ومن الناس من تكون له القوة العملية الارادية وتكون أغلب القوتين عليه وتقتضى هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا والرغبة في الاخرة والجد والتشمير في العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد والانحرافات في الاعمال والاقوال والمقامات كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات، فداء هذا من جهله، وداء الأول من فساد ارادته وضعف عقله، وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم بل على طريق الذوق والوجد والعادة، يرى أحدهم أعمى عن مطلوبه لا يدرى من يعبد ولا بماذا

стр. 5

يعبده، فتارة يعبده بذوقه ووجده، وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه من لبس معين أو كشف رأس أو حلق لحية ونحوها، وتارة يعبده بالاوضاع التي وضعها بعض المتحذلقين وليس له أصل في الدين، وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائنا ما كان. وهنا طرق ومتاهات لا يحصيها الا رب العباد. فهؤلاء كلهم عمى عن ربهم وعن شريعته ودينه لا يعرفون شريعته ودينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا يقبل من أحد دينا سواه كما انهم لا يعرفون صفات ربهم التي تعرف بها إلى عباده على ألسنة رسله ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها، فلا معرفة له بالرب ولا عبادة له. ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله تعالى ورجى له النفوذ وقوى على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته ". وهكذا - اخى الحبيب - فهمت ان بعض الناس له قوة علمية .. يعنى تعلم العلم وعرف الطريق ثم لم يسلكها فهو منافق عليم النفاق، قال سبحانه: " مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " (الجمعة ٥). والذى عنده قوة عملية بدون علم .. يعنى هو نشيط في العبادة جدا متحمس للدين جدا فانه ولا شك سيخطىء ويبتدع .. ولذلك فلابد في هذا الطريق- أيها الأخ الكريم- أن تتوازن القوتان العلمية والعملية، وأن

стр. 6

يكون لك منهج للعلم ومنهج للعبادة والعمل ويسير المنهجان في ذات الوقت وتتم المتابعة عليهما ويكون التدرج فيهما حتى يتم الوصول. وثمة شروط أخر .. هذه الشروط هى أولى الومضات التي تنير لك الطريق فيشرق بها .. فيسهل المسير إلى الله ... ان شاء الله. الومضة الأولى: شروط الطريق: أولا الدليل .. وهو الشيخ المربى والعالم العامل والأستاذ السابق والخبير المجرب .. انك تحتاج في طريقك إلى شيخ ذي بصيرة نافذة يدل وينصح ... يهذب ويتابع ... يستشف ويستنتج ... يلحظ ويعرف انه مجرب خريت .. انه ليس دليلك على الطريق فقط، انما هو دليلك على نفسك ماذا تصلح وكيف تصلح ... يصحبك في سيرك ويربيك بالمعاشرة. أيها الاخوة ان الطريق هذه طريق واسعة .. وهذا شرط في صفة الصراط أن يسع جميع السائرين .. وليس كل السائرين على طبيعة واحدة، فالله خلق الخلق فتفاوتت هممهم وتنوعت مواهبهم واختلفت طاقاتهم وقدراتهم .. " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ " (الانعام: ١٦٥).

стр. 7

فأين تسير؟ وكيف تسير؟ ومن أين تبدأ؟ وفيم تستمر؟ ومتى تتوقف والى متى؟ ... هذا عمل الدليل ووظيفته .. ماذا تصلح وبماذا تهتم وفيم تتخصص؟ طبيعة الطريق: ولكى يتضح كلامنا في حاجتك إلى هذا المربى، فلابد أن تعرف أولا طبيعة الطريق .. فاقرأ معى ما قاله ابن القيم - عليه رحمة الله-وبركاته-: " الطريق إلى الله في الحقيقة واحد لا تعدد فيه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلا لمن سلكه إليه، قال الله تعالى " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ " (الانعام: ١٥٣) , فوحد سبيله لأنه في نفسه واحد لا تعدد فيه وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة متعددة , كما ثبت أن النبى ﷺ خط خطا عن يمينه وعن يساره ثم قال: " هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه " ثم قرأ " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ". [أخرجه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبى وأحمد شاكر]. ومن هذه قول الله تعالى: " اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ

стр. 8

الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ " (البقرة: ٢٥٧) فوحد النور الذي هو سبيله وجمع الظلمات التي هى سبل الشيطان ومن فهم هذا فهم السر في افراد النور وجمع الظلمات في قوله تعالى " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ " (الانعام:١) مع ان هذا فيه سرا ألطف من هذا يعرفه من عرف منبع النور ومن أين فاض وعمّاذا حصل وأن أصله كله واحد، وأما الظلمات فهى متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها .. وهى كثيرة جدا لكل حجاب ظلمة خاصة ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادى ﷻ أصلا: لا وصفا ولا ذاتا وا اسما ولا فعلا، وإنما ترجع إلى إلى مفعولاته - سبحانه- فهو جاعل الظلمات ومفعولاتها متعددة متكثرة بخلاف النور فانه يرجع إلى اسمه وصفته ﷻ تعالى أن يكون كمثله شىء، وهو نور السموات والارض. قال ابن مسعود: " ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والارض من نور وجهه " ذكره الدارمى عنه , وفى " صحيح مسلم " عن أبى ذر قلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: " نور أنى أراه! " [أخرجه مسلم: ١٧٨]. والمقصود أن الطريق إلى الله - تعالى - واحد، فانه الحق المبين، والحق واحد، مرجعه إلى واحد وأما الباطل والضلال فلا ينحص، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل. فالباطل متعدد، وطرقه متعددة. وأما ما يقع في كلام بعض العلماء أن الطريق إلى الله

стр. 9

متعددة متنوعة، جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها رحمة منه وفضلا فهو صحيح لا ينافى ما ذكرناه من وحدة الطريق. وكشف ذلك وايضاحه أن الطريق وهى واحدة جامعة لكل ما يرضى الله. وما يرضيه متعدد متنوع، فجميع ما يرضيه طريق واحد ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الازمان والأماكن والاشخاص والاحوال وكلها طرق مرضاته. فهذه التي جعلها الله - سبحانه- لرحمته وحكمته كثيرة متنوعة جدا لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم، ولو جعلها نوعا واحدا مع اختلاف الاذهان والعقول وقوة الاستعدادات وضعفها لم يسلكها الا واحد بعد واحد، ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ليسلك كل امرئ إلى ربه طريقا يقتضيها استعداده وقوته وقبوله. ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد، بل تنوع الشريعة الواحدة مع وحدة المعبود ودينه ومنه الحديث المشهور " الأنبياء أولاد علات دينهم واحد " (متفق عليه: البخارى: ٣٤٤٢ , ومسلم: ٢٣٦٥) فأولاد العلات أن يكون الاب واحدا والامهات متعددة، فشبه دين الأنبياء بالأب الواحد، وشرائعهم بالامهات المتعددة، فانها وان تعددت فمرجعها كلها إلى أب واحد. ١ - وإذا علم هذا فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم قد وفر عليه زمانه مبتغيا به وجه الله فلا يزال كذلك عاكفا على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك

стр. 10

الطريق إلى الله ويفتح له فيها الفتح الخاص أو يموت في طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته قال الله تعالى: " وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ " (النساء: ١٠٠). وقد حكى عن جماعة كثيرة ممن أدركه الاجل وهو حريص على طالب للقرآن أنه رؤى بعد موته وأخبر أنه في تكميل مطلوبه وأنه يتعلم في البرزخ، فان العبد يموت على ما عاش عليه. ٢ - ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر، قد جعله زاده لمعاده ورأس ماله لمآله، فمتى فتر عنه أو قصر رأى أنه قد غبن وخسر. ٣ - ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة، فمتى قصر في ورده منها أو مضى عليه وقت وهو غير مشغول بها أو مستعد لها أظلم عليه وقته وضاق صدره. ٤ - ومن الناس من يكون طريقه الاحسان والنفع المتعدى، كقضاء الحاجات وتفريج الكربات واغاثة اللهفات وأنواع الصدقات، قد فتح له في هذا وسلك منه طريقا إلى ربه. ٥ - ومن الناس من يكون طريقه الصوم، فمتى أفطر تغير عليه قلبه وساءت حاله. ٦ - ومنهم من يكون طريقه الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، قد فتح الله له فيه ونفذ منه إلى ربه. ٧ - ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه الحج والاعتمار.

стр. 11

٨ - ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة ومراعاة الخواطر وحفظ الاوقات أن تذهب ضائعة. ٩ - ومنهم جامع المنفذ، السالك إلى الله في كل واد الواصل إليه من كل طريق، فهو جعل وظائف عبوديته قبلة قلبه، ونصب عينه يؤمها أين كانت ويسير معها حيث سارت، قد ضرب من كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك: ان كان علم وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو احسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين، أو مراقبة ومحبة وانابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين، يدين بدين العبودية أنى استقلت ركائبها، ويتوجه اليها حيث استقرت مضاربها، لو قيل له: ما تريد من الاعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربى حيث كانت وأين كانت، جالبة ما جلبت مقتضية ما اقتضت جمعتنى أو فرقتنى، ليس لي مراد الا تنفيذها والقيام بأدائها مراقبا له فيها، عاكفا عليه بالروح والقلب والبدن والسر، قد سلمت إليه المبيع منتظرا منه تسليم الثمن " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ " (التوبة: ١١١). فهذا هو العبد السالك إلى ربه النافذ إليه حقيقة، ومن النفوذ إليه أن يتصل به قلبه ويعلق به تعلق المحب التام المحبة بمحبوبه فيسلو به عن جميع المطالب سواه فلا يبقى في قلبه الا محبة الله وأمره وطلب التقريب إليه. فاذا سلك العبد على هذا الطريق عطف عليه ربه فقربه واصطفاه ,

стр. 12

واخذ بقلبه إليه وتولاه في جميع أموره في معاشه ودينه وتولى تربيته أحسن وأبلغ مما يربى الوالد الشفيق ولده فانه - سبحانه- القيوم المقيم لكل شىء من المخلوقات طائعها وعاصيها فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه ورضى به من الناس حبيبا وربا ووكيلا وناصرا ومعينا وهاديا!! فلو كشف الغطاء عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه حبا له وشوقا إليه ولتقطع شكرا له، ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك اخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالاسباب فصدت عن كمال نعيمها وذلك تقدير العزيز العليم. والا فأى قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره ويسكن إلى ما سواه؟! هذا ما لا يكون أبدا ". استبانت الطريق .. رحمك الله يا شيخ الإسلام ويا علم الاعلام ابن القيم , فيا لك من علامة مرب .. ورأيت تنوعها فالى أين تذهب وكيف تذهب؟! ومن الذي يوجهك ويحثك؟ ويرشدك ويستثيرك غير المربى؟! قالوا: والله لولا المربى ما عرفت ربى. اذا فوظيفة هذا المربى أن يختار لك , وأن يقترح عليك , بل قد يلزمك أحيانا بما يخالف هواك وتظن أنك لا تفلح فيه وانت لا تصلح الا له. وقد تصيح - أيها الأخ الشاب الكريم المفضال - وترفع عقيرتك سائلا: أين المربى؟ أين المربى؟ .. وانا أقول لك: " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا " (الطلاق: ٢ - ٣).

стр. 13

انك - أيها الطيب - تبحث عن المشاهير الاعلام وتظن انه لا يصلح لتربيتك الا هؤلاء .. وهذا من الغرور والسفه , فالمشاهير من الدعاة والعلماء والاركان وطلبة العلم يدفعون ضريبة الشهرة فلا وقت عندهم لأحد ... تكفيهم همومهم ومشاغلهم .. وهم معذورون - غفر الله لنا ولهم. فتواضع- أخى الكريم - وابحث عن هذا المربى .. أخ مغمور لا يعرف .. لا يؤبه له ولكنه قديم يبدو في وجهه سمت الصالحين .. عابد قلما تراه يخالط الناس فيما يخوضون فيه .. سابق بالخيرات .. التزم منذ سنين وسبر أغوار الطريق. قل لي: لن اجد .. وانا أقول لك: سوف تجد , قال سبحانه " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " (العنكبوت: ٦٩) .. وهذه أيضا من قوانين هذا الطريق .. أنه لا يعطى منحة السير فيه الا من حرص وبذل وضحى. ابحث واصدق واحرص واصبر تعط .. تلك أصولك يا مسكين. ثانيا: الصاحب .. في الهجرة دروس وأسرار. لما أراد رسول الله ﷺ أن يهاجر اصطحب رجلين, رجلين فقط .. دليلا وصاحبا .. الدليل كان خريتا بصيرا بالطرق , وهذا مهمته تنتهى عند ذلك .. أن يدل على الطريق .. اما الصاحب فكانت الشروط فيه كثيرة جدا .. لك ان تتسائل لم لم يصطحب عمر وهو أشجع , وسفرة مثل هذه يحتاج فيها إلى الشجاعة أو لم لم يصطحب عليا وهو أشب ومن الأهل , والتضحية به أسهل بدليل أنه نام في فراشه.

стр. 14

لم اختار أبا بكر دون الناس؟ ان الصحبة في طريق السفر تحتاج إلى شخص على المنهج , لذا اختار رسول الله ﷺ رجلا قلبه قريب من قلبه فلم يختلفا مرة .. انظر معى إلى حادثة الغار: لما قال أبوبكر: لو نظر احدهم حتى قدميه لرآنا , فقال له ﷺ : " لا تحزن ان الله معنا " فماذا كان رد أبى بكر أو تعليقه على هذه المقولة؟ بالتأكيد لا شىء .. انتهت القضية .. سلم. وانا متأكد أنه لو كان غير أبى بكر لظل قلقا وأعاد المسألة , ولكن لما كان قلبه على قلبه سلم. واستراح الرسول ﷺ واستراح أبو بكر. الخلاصة أننى أقول لك: لابد من صاحب في هذا الطريق على نفس المنهج قلبه كقلبك , لاننى اراك أيها الحبيب المحب قد خدعوك فقالوا: ابحث عمّن يشدك .. وتفاجأ بأن كل الناس يبحثون عمّن يشدهم هذه الأيام .. وتفاجأ أن الشد إلى أسفل لا إلى أعلى. اننى اريد - أيها الحبيب - ان تبحث عن مسكين مثلك يبحث عن الطريق إلى الله ويريد أن يصل إلى الله .. هذا شرطه .. انه حريص على طاعة الله يريد الوصول إلى الله .. ابحث عنه وارض به ولا تشترطه من الكمل فمن لم تكمل نفسه لا ينبغى له أن يبحث عن الكمال عند الاخرين. قال الفضيل بن عياض: من طلب أخا بلا عيب , صار بلا أخ. اذا لا ينبغى أن يزهد السائر إلى الله في أخيه السائر معه على الطريق لخلق أو خلقين ينكرهما فيه اذا رضى سائر أخلاقه , لأن اليسير مغفور والكمال مستحيل.

стр. 15

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه وقال أبو الدرداء رضى الله عنه: معاتبة الأخ خير لك من فقده. وقال بعض الحكماء: طلب الإنصاف من قلة الإنصاف. وقال بعض السلف: " لا يزهدنك في رجل حمدت سيرته وارتضيت وتيرته , وعرفت فضله وبطنت عقله , عيب خفى تحيط به كثرة فضائله , أو ذنب صغير تستغفر له قوة وسائله ". ولا أعدمك (أحرمك) النصيحة .. قد يكون هذا الصاحب زوجتك أو والدك أو شقيقك أو شقيقتك حتى وان كان ابنك أو بنتك .. وعندها يصير الامر أقوى .. لأن المعاشرة وطول الصحبة والتطبع بطباع السفر من لوازم هذا الطريق .. ولكن كما ذكرت لك على قلب واحد , لأن الخلاف كله شر والطريق مشغلة والانشغال عنها مهلكة , فلا تصاحب الا موافقا كي لا يزيد ويكثر الخلاف ويضيع الطريق. رفقة الطريق: قد ذكرت لك أنه صاحب .. ولم لا يكونون صحبة؟ قال سبحانه " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ " (الفتح: ٢٩).

стр. 16

نعم: لابد لك - أيها الحبيب السائر إلى الله - من رفقة وصحبة في هذا الطريق .. لابد لك من مجموعة تأنس بها , لتذهب عنك وحشة التفرد وتصحح لك الأخطاء , وتوضح لك عقبات الطريق. وإذا كانت الرفقة مهمة ومطلوبة في سفر الدنيا , فكيف بأسفار الاخرة التي يكون فيها المؤمن أشد حاجة إلى المعين الصالح والمشارك الموافق الذي يكون مع شريكه كاليدين تغسل إحداهما الأخرى فالزم الركب - أيها الحبيب - فللركب خيرية. " وان لرفقاء درب الاخرة خصائص ومواصفات لابد منها، فرفقاء الطريق إلى الله تعالى هم الذين علت هممهم وصفت نياتهم وصح سلوكهم حتى سبقوا الناس وتركوا السكون , وتزاحموا على ركوب القافلة ركضا إلى الله تعالى وتسارعا إلى مرضاته " وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى" (طه:٨٤) , فلم يوقف لهم على رسم , ولم يلتزموا باسم ولم ينتظروا أن يشار اليهم بالاصابع أو ترفع لهم الاعلام فقد علت منهم الهمة التي لا تقف دونها حركة السفر , ولا يرضى صاحبها بغير الخالق عوضا , كما صفا منهم القصد الخالص من الشوائب حتى لا تعوق عن المقصود , وكان منهم التجرد التام للمعبود , وعلامة أخرى لرفقاء الطريق هؤلاء الا وهى صحة السلوك السالم من الافات والعوائق والقواطع والحجب ".

стр. 17

وصحة السلوك السالم هذه لا تكون الا بثلاثة شروط هى تمام خصائص اخوان الدرب وخلان الطريق: " أحدها: أن يكون الدرب الأعظم الدرب النبوى المحمدى لا على الجواد الوضعية. الثانى: أن لا يجيب على الطريق داعي البطالة والوقوف والدعة. الثالث: أن يكون في سلوكه ناظرا إلى المقصود. فبهذه الثلاثة يصح السلوك , والعبارة الجامعة لها أن يكون واحدا لواحد , في طريق واحد ". الومضة الثانية: حدد هدفك: ترى كيف يسافر المسافر وهو بلا مقصد؟ فبالنية يتحدد السفر وتتوضح الوجهة وعلى أساسها يخطط منهج الرحلة طالت أم قصرت , وعلى صدقها يحمل الزاد .. وهكذا سفر المؤمن لابد له من النية الصادقة , قال رسول الله ﷺ :" انما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله , ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". " متفق عليه: البخارى: (١) , ومسلم (١٩٠٧) ". فحدد هدفك - أخى الكريم - ماذا تريد بهذا الطريق .. تحديدا واضحا لا لبس فيه , حتى تستطيع الوصول إلى ما حددته. آلتزمت لتكون شيخا مشهورا أو زعيما متبوعا .. آلتزمت وسلكت هذا

стр. 18

الطريق لفشلك في الحصول على الدنيا , فأردت أن تحصل عليها بزعم الاخرة .. حدد هدفك أيها المسكين , واعلم أن العليم الخبير بالنوايا بصير. لما ذهب اعرابى مع رسول الله ﷺ في الجهاد فقسم له قسما من الفىء , قال الرجل: " ما على هذا تبعتك! " .. فحرر نيتك: علام اتبعتنا؟! " والنية - أيها الحبيب - أصل العبادات , وبها يتميز الصحيح من السقيم , والخالص من غيره , وبالنية تتحدد منازل السالكين , ووجهة القاصدين , ومن يريد بها وجه الله تعالى , أو يريد السفر بأي نوع كالهجرة , إذ انها قد تكون لمصلحة دنيوية , أو دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها , وبهذه النية يتحدد الإخلاص الذي به يؤجر المرء على متاعب الطريق , وبه يستعذب العذاب , وبه تهون مشاق الطريق. والإخلاص وحده يقود إلى شفافية القلب , وصفاء الوجدان , لأن المؤمن لا يفكر بعده الا في عظمة ربه ولا يتوجه الا إلى خالقه .. فلا يضيره متاعب المثبطين , ولا نداء المرجفين , ولا يقعده فتور الهابطين ". يقول ابن القيم - عليه رحمة الله -: " فالإخلاص سبيل الخلاص , والاسلام هو مركب السلامة , والايمان شاطىء الامان ".

стр. 19

فاذا تحددت وجهتك - أيها السائر - وعلم مقصدك بتوحيدين هما: توحيد القصد وتوحيد المقصود , فالمقصود هو الله , والقصد ارادة وجهه الكريم .. اذا تحددت وجهتك هذه وعلم مقصدك هذا فقد استرحت في هذه السفرة .. وسيتبين لك ذلك حين نذكر فيما بعد أن المشغبين كثير , والسبل مدلهمة , والعوارض تفتر العزائم .. فاذا حصل توحيد القصد وتوحيد المقصود لم يلتفت إلى الاغيار. فالنية - أخى السائر - النية .. النية بداية الطريق .. فطهر قلبك لتستعد للسفر. الومضة الثالثة: مقومات السفر: اذا كنت - أخى السالك - لازلت مصرا على الاتمام , فاعلم أن من مقومات السفر: المنهج , واعلم ان منهجنا معصوم , فلا مجال لنا للاجتهاد فيه , إذ اتفق العلماء على أن أعمال العبادات توقيفية , الظاهر منها والباطن ولذا فقد تكفل الشرع - كتابا وسنة - بوصف المنهج في هذا الطريق وصفا لا يزيغ عنه الا هالك. قال سبحانه: " إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى " (الليل: ١٢).وإذا قال " علينا " فقد وجبت .. وقال سبحانه: " وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ " (البلد: ١٠) , وقال - سبحانه - حاكيا عن موسى لما سئل عن ربه أنه عرّفه فقال: " رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى " (طه: ٥٠) , وقال سبحانه: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (التوبة: ١١٥) , وقال سبحانه:" وَالَّذِي أَوْحَيْنَا

стр. 20

إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ " (فاطر: ٣١). وقال رسول الله ﷺ :" تركتكم على المحجة البيضاء " وفى رواية " بيضاء نقية كالشمس لا يزيغ عنها الا هالك ". أخرجه أحمد: (٤/ ١٢٦) , وأبو داود (٤٦٠٧) وقال الالبانى صحيح. وقال ﷺ :" تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبدا كتاب الله وسنتى " أخرجه أحمد (٣/ ٥٩) والترمذى (٣٧٨٦) وقال: حسن غريب , وانظر الصحيحة (١٧٦١). وقال ﷺ :" انه من يعش بعدى فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الأمور فان كل محدثة بدعة وكل ضلالة في النار ". أخرجه: أبو داود: (٤٦٠٧) بهذه النصوص واجماع الأمة يتبين لنا يقينا لا شك فيه أن الدين كمل والطريق وصفت والمعالم نصبت والاصول وضعت. فلا مجال لهرس الهرائسة , ولا لقرمطة القرامطة .. لا مجال لفزلكة المتفزلكين , ولا منظرة المغرورين المعجبين , لا مجال لتحديث الدين ولا للفهم المستنير - زعموا - ولا لبدع أهل الاهواء. الدين دين محمد وما كان عليه وأصحابه. قال رسول الله ﷺ :" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة , وستفترق أمتى على ثلاث

стр. 21

وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة , ما أنا عليه وأصحابى , وليكونن من أمتى أقوام تتجارى بهم تلك الاهواء كما تتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل الا دخله ". أخرجه أحمد (٤/ ١٠٢) وأبو داود (٤٥٩٧) وصححه الالبانى في الصخيحة (٢٠٣ , ٢٠٤). وان هذا الحديث وأمثاله ليزيد المؤمن ايمانا - والله - حين يرى تجارى الاهواء بالقوم .. فيا ايها السائر الكريم , المنهج معصوم لا مجال للاجتهاد فيه .. علمت هذه أولا فخذ الثانية. اذا كان المنهج معصوما فلابد من المنهج , فالبداية - بداية السير - غير المنهجية تؤدى إلى الفتور وتقود إلى الانتكاس , ثم تكثر الشكوى ولا سميع ولا مجيب. لابد من منهج حقيقى في السير إلى الله وفى أصول التعبد: الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة ونوافلها .. أقصد ان تتخذ لنفسك منهجا: ماذا ستفعل , وكم ومتى وكيف؟ وتلتزم بهذا المنهج وتتابع عليه محاسبة شديدة. مثلا .. كان رسول الله ﷺ يصلى في اليوم أربعين ركعة , سبعة عشرة فرائض واثنتى عشرة رواتب , واحدى عشرة تهجدا وكان اذا فاته شىء منها قضاه .. حتى ثبت أنه قضى سنة الظهر بعد العصر .. فان كنت تطيق هذا وتلتزمه فالتزم ولا تفرط واياك واسهال الاستسهال.

стр. 22

ومثلا آخر .. كان الصحابة يحزبون القران , أى يختمون كل جمعة مرة .. يبدأون من عصر الجمعة ويختمون عصر الخميس بمعدل خمسة أجزاء يوميا .. أفتطيق هذا؟ التزم ولا تفرط .. واياك واسهال ولا استسهال. على هذين المثالين فقس في أجنحة المنهج الثلاثة: طلب العلم , والعبادة , والدعوة إلى الله .. اجعل لك منهجا واضحا .. كم ركعة ستصلى في اليوم؟ وكم يوما ستصوم في الأسبوع؟ وكذلك وردك في الذكر .. وكذا العلم والدعوة .. حدد ماذا ستفعل لتحاسب على ما حددت ولا تترك الأمور مبهمة .. ولا تنس: المنهج معصوم .. كن سلفيا على المنهج. ّ الومضة الرابعة: وتزودوا: قال عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه: " ان لكل سفر زادا لا محالة , فتزودوا من الدنيا للاخرة وكونوا كمن عاين ما أعد الله تعالى من ثوابه وعقابه , ترغبون وترهبون , ولا يطولن عليكم الامد فتقسو قلوبكم , وتنقادوا لعدوكم , فانه - والله - ما بسط أمل من لا يدرى لعله لا يصبح بعد مسائه ولا يمسى بعد صباحه وربما كانت بين ذلك خطفات المنايا فكم رأينا ورأيتم من كان بالدنيا مغترا , وإنما تقر عين من وثق بالنجاة من عذاب الله , وإنما يفرح من أمن من أهوال القيامة ".

стр. 23

وقال ابن الجوزى ﵀: " عجبا لراحل مات وما تزود للرحلة , ولمسافر ماج وما جمع للسفر رحله , ولمنتقل إلى قبره لم يتأهب للنقلة , ولمفرط في أمره لم يستشر عقله .. اخوانى , مر الاقران على مدرجة وخيول الرحيل للباقين مسرجة , سار القوم إلى القبور هملجة وباتت أرواح من الاشباح مستخرجة , إلى كم هذا التسويف والمجمجة , بضائعكم كلها بهرجة وطريقكم صعبة عوسجة , وستعرفون الخبر وقت الحشرجة ". اى - والله - صدقت يا ابن الجوزى .. وسبحان الملك! كم فضل علم السلف على علم الخلف. انظر إلى كلام الرجل ترى رجلا خبر وسبر , فتكلم عن رؤية ونظر. فانطلق في رحلتك على بصيرة وكفاك مجمجة ولجلجة وعوججة. واعلم - أخى الحبيب- أن من بركات السفر إلى الله - تعالى - ما يتم به من اسباغ النعمة على العبد وما قد يفتح الله على عباده من أبواب وخزائن النعم , وما يتفضل به على عباده من الرحمة التي لا تخطر على بال بشر الا من عاش لذتها وارتشف من معينها. سبيل التزود: ١ - التوحيد والايمان: اننى - أيها الحبيب - حين طالبتك بالتزود والتفت عنى بزعم أنك

стр. 24

لا تملك فترك الشيطان بالفت في عضدك بادعاء انك لله عاص .. لم اطالبك حين طالبتك من الزاد غير: التوحيد والايمان .. ثم يعطى الله البركة فيهما للمسافرين ويمحق البركة من الجهلة البطالين. ان حلاوة الايمان اعظم زاد في هذه الرحلة ولا يتذوق حلاوة السير ولذة هذا العيش الا من كان له نصيب بمعرفة الله وتوحيده وعاش حقائق الايمان وجرب هذه اللذة .. " فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لايمكن التعبير عنه انما هو في معرفة الله وتوحيده والايمان به وانفتاح الحقائق الايمانيه والمعارف القرانيه ,كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حالة اقول فيها: ان كان اهل الجنة في هذه الحال انهم لفى عيش طيب , وقال اخر: لتمر على القلب اوقات يرقص فيها طربا " ويقول الاخر مع فقره: لو علم الملوك وابناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا بالسيوف .. اللهم لا تحرمنا لذة الايمان وطعم الايمان وحلاوة الايمان .. امين. ٢ - اليقين: - وانا انما اقصد - ايها الحبيب - انه في البدايه يكفى من الزاد اليسير ثم ببركة الله - تعالى - يبارك في القليل فيصير كثيرا .. فتزود لهذا السفر ابتداء بعدة هى اليقين .. يقول ابن القيم - عليه ﵀:

стр. 25

" في الطريق اوديه وشعوب , وعقبات ووهود , وشوك وعوسج ووعليق وشبرق , ولصوص يقتطعون الطريق على السائرين .. ولا سيما اهل الليل المدلجين .. فاذا لم يكن معهم عدد الايمان ومصابيح اليقين تتقد بزيت الاخبات , والا تعلقت بهم تلك الموانع. وتشبثت بهم تلك القواطع , وحالة بينهم وبين السير ". فلابد ابتداء من يقين ينير لك الطريق .. فاليقين نور .. هذه هى العدة الثانية من الزاد .. اليقين في الله تعالى , واليقين في رسول الله ﷺ دليلا واليقين في المنهج موصلا. " ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا واشراقا. وانتفى عنه كل ريب وسخط وهم وغم , فامتلأ محبتا لله وخوفا منه ورضا به وشكرا له وتوكلا عليه وانابه إليه. فهو مادة جميع المقامات والحامل لها ". ٣ - التقوى: - وتزود - ايها السائر - أيضا بتقوى الله في السر والعلانية , فانها السبيل الأوحد للاخلاص. وهى: طاعة الله بلزوم الامر والنهى , قال تعالى " وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ " (البقرة: ١٩٧). تزودوا - ايها السائرون - كل ساعه , فان " الدنيا ليست بدار قرار , دار كتب الله عليها الفناء , وكتب على اهلها منها الظعن , فكم عامر

стр. 26

موثق عما قليل يخرب , وكم مقيم مغتبط عما قليل يظعن فاحسنوا - رحمكم الله - منها الرحلة , فاحسن ما يحضر بكم من النقله , وتزودوا فان خير الزاد التقوى , انما الدنيا كفيء ظلال قلص فذهب , بينما ابن ادم في الدنيا منافس .. ان الدنيا لا تسر بقدر ما تضر , انها تسر قليلا , وتجر حزنا طويلا " .. اخوتاه , هنيئا لمن تزود من الدنيا إلى الاخرة ومن المحطة العاجلة إلى المحطة الاجلة , من ضيق المعاش إلى سعه المعاد ومن دار الرحيل إلى دار البقاء. ٤ - الإخلاص: - اما الإخلاص فنبأه عجيب وخطره عظيم .. وهو زادك الرابع الذي لا يصلح هذا الطريق الا به وهو اساس التزود ومنتهاه .. وحصر الوصول في المخلصين , قال الله تعالى:" قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ " (ص: ٨٢ - ٨٣). ومعلوم ان الإغواء للغاوين الذين عرفوا الطريق فلم يسلكوها .. فالناس ثلاثة: راشد وضال وغاو , فالراشد من عرف الطريق وسلكها , والضال من لم يعرف الطريق فضل عنها والغاوى هو الذي عرف الطريق ولم يسلكها .. فالإخلاص زاد خطر فتزود ايها السائر. ٥ - الخبيئة: - ومن الزاد خبيئة .. خبيئة من عمل صالح لم يطلع عليها بشر , يصلح

стр. 27

للتوسل به في محطات الطريق ومطباته , كما توسل الذين أووا إلى الغار - فانطبقت عليهم الصخرة - بخبايا اعمالهم الخالصة. ٦ - الصبر: - واخر الزاد الصبر .. الصبر في الطريق .. قال رسول الله ﷺ .. " السفر قطعة من العذاب " متفق عليه: (البخارى: ١٨٠٤ , ومسلم: ١٩٢٧) .. فاذا كان سفر الدنيا يسبب المشقه والتعب فكيف بسفر الاخرة الذي فيه اللاواء والنصب!! قال الله تعالى " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ " (البلد:٤). قال الفخر الرازى: في الكبد وجوه: اما الأول: اى خلقناه اطوارا كلها شدة ومشقة , تارة في بطن الام , ثم زمان الارضاع , ثم اذا بلغ ففى الكد في تحصيل المعاش , ثم بعد ذلك الموت. واما الثانى: وهو الكبد في الدين , فقال الحسن: يكابد الشكر على السراء , والصبر على الضراء , ويكابد المحن في اداء العبادات. واما الثالث: وهو الاخرة فالموت هو مساله الملك وظلمة القبر ثم البعث والعرض على الله إلى ان يستقر به القرار اما في الجنة واما في النار. واما الرابع: وهو ان يكون اللفظ محمولا على الكل فهو الحق , وعندى فيه وجه اخر , وهو انه ليس في هذه الدنيا لذة البتة , بل ذاك نظن انه لذة فهو خلاص عن الالم , فان ما يتخيل من اللذة عند الاكل فهو

стр. 28

خلاص عند ألم الجوع , وما يتخيل من اللذات عند الملبس فهو خلاص عن ألم الحر والبرد , فليس للانسان الا ألم أو خلاص عن ألم وانتقال إلى اخر , فهذا معنى قوله تعالى:" لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ " (البلد: ٤). فاعلم - ايها الحبيب - ان الله يختبر عبيده بالصبر , حتى تظهر جواهرهم , كما حصل للانبياء. " وهذا نوح ﵇ يضرب حتى يغشى عليه ثم بعد قليل ينجو في السفينه ويهلك اعداؤه وهذا الخليل يلقى في النار ثم بعد قليل يخرج إلى السلامة وهذا الذبيح يضجع مستسلما ثم يسلم ويبقى المدح وهذا يعقوب ﵇ يذهب بصره بالفراق ثم يعود بالوصول وهذا الكليم ﵇ يشتغل بالرعى ثم يرقى إلى التكليم ". والصبر دواء وقد قال العلماء في تعريفه: حبس للقلب عن التسخط , وحبس اللسان عن الشكوى فالطريق طويلة والمآسى على الطريق كثيرة والعلاج الصبر , فان المنبت لا ارضا قطع وظهرا ابقى .. وما تباينت منازل اصحاب الهمم الا بتباينهم بطول الصبر حتى نهاية الطريق , فتزود ايها السائر. وبعد: - فيا سعادة من استفاد من هذه البروق والانوار واستلهم من تلك الاشارات والتنبيهات , فعرف الطريق , وأبصر المسار وكان نعم المسافر في قافلة المؤمنين.

стр. 29

آفات على الطريق المقدمة: أخى السائر إلى الله , الطريق إلى الله كالطريق الحسية تماما .. تجد فيها انفاقا مظلمة ومنحنيات خطيرة ومطبات مرهقة وكبارى علوية .. كما تجد احيانا على جنبتى الطريق حدائق فاتنة وسبلا متفرعة .. ومن لم ينتبه لمثل هذا ولم يقده للخروج منها خبير بصير ضل ولابد في الطريق أو انقطع. اخى الكربم , ان معرفة افات الطريق من المهمات التي تنبغى للسائر. قال ابن القيم - رحمه الله تعالى: " ولا يتم المقصود الا بالهداية إلى الطريق , والهداية فيها , واوقات السير من غيره , وزاد المسير , وافات الطريق , ولهذا قال ابن عباس في قوله - تعالى -: " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا " (المائدة: ٤٨) - قال: سبيلا وسنة. وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير , فالسبيل: الطريق , وهى المنهاج. والسنة: الشرعة , وهى تفاصيل الطريق , وحزوناته , وكيفية المسير فيه , واوقات المسير , وعلى هذا , فقوله: " سبيلا وسنة " يكون السبيل: المنهاج , والسنة: والشرعة , فالمقدم في الاية للمؤخر في التفسير , وفى لفظ اخر: سنة وسبيلا , فيكون المقدم للمقدم , والمؤخر للمؤخر ".

стр. 30

فجعل من الهداية في الطريق التخلص من افات الطريق وحزوناته. . ومعرفة تفاصيل تلك الحزونات .. فانتبه معى لاخطر هذه الافات - عافانا الله واياك منها -. الآفة الأولى: الخوف من وحشة التفرد: قال بعض السلف: عليك بطريق الهدى ولا يضرنك قلة السالكين , واياك وطرق الضلالة ولا يغرنك كثرة الهالكين. ومن سنن الله الربانية الكونية ان اهل الحق دائما قلة .. هذا أصل ينبغى الا يفوتك , قال الله تعالى: " إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ " (ص: ٢٤). وقال : " وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ " (سبا: ١٣). وعلى العكس: تجد وصف الكثرة دوما مع اهل الباطل , قال الله تعالى "وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ " (الاعراف: ١٠٢) , وقال سبحانه " وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ " (يوسف: ١٠٣) وقال " وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ " (الانعام: ١١٦) وقال " وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ " (المائدة: ٤٩). فاذا تبين لك ذلك فاياك ان تستوحش من قلة السائرين معك على الطريق , فان أكثر السائرين نكصوا على اعقابهم حسن رأوا الجمهرة الغالبة

стр. 31

على عكس طريق السير أو على جنبات هذا الصراط .. فاثبت ولا تحزن. الآفة الثانية: فضول الكلام والخلطة: وهذه اخطر تلك الافات .. فضول الكلام والخلطة أكثر من الحاجة .. ان يصير لقاء الناس شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود , وقد قيل: اذا رأيت نفسك تأنس بالخلق وتستوحش من الخلوة , فاعلم انك لا تصلح لله .. وان من علامات الافلاس الاستئناس بالناس. وللعزلة - ايها الأخ الكريم - مزايا , فان الاجتماع بالناس لا يخلو من افات اهونها ان تتزين للخلق وقد ذكر عن بعض اهل الحديث انه قال: لان القى الشيطان أحب ألىّ من ان القى حذيفة المرعشى اخشى ان اتزين له فأسقط من عين الله. الآفة الثالثة: النفق المظلم: قد يصادف السائر في طريقه نفقا مظلما لا يستطيع أن يميز فيه طريقه من الطرق الأخرى ما لم تكن أضواء اليقين كاشفة , ومسالك الطريق معروفة كيلا يضيع السائر مساره , أو يتناثر أشلاء تحت وقع الكارثة أو يسرف في التفاؤل عندما يبصر نورا في اخر النفق قد يكون وهم سراب. ان مثل هذا النفق كفتن الخلاف بين المسلمين , إذ بينما يسير السائر في ركبه الميمون والطريق سالكة وهو ينتظر الوصول إلى المحطة التالية فجأة يظلم الطريق تماما كالذى يدخل النفق يفاجأ بالظلام الدامس بعد النور المبهر. اصطدم بعض المسلمين فيما بينهم وبغى بعضهم على بعض فالتفت الظلمات , وانطفأت الانوار ,

стр. 32

ويضطر السائر المسكين إلى ركوب الظلمة ودخول النفق فاذا لم تكن البصائر على يقين والابصار على وضوح , فالكارثة ستقع لا محالة , ويكون التّيه الذي لا يدرى فيه ما المخرج. ولذا فالانوار الكاشفة في هذا النفق تتمثل في الاستمساك بوضوح المنهج: الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة , قال الله نعالى: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " (التوبة: ١٠٠). لابد أن تنتبه إلى " وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ " , فالإحسان: الرؤية , ليس مجرد الاتباع وإنما احسان الاتباع .. والاحسان ان ترى , قال رسول الله ﷺ " الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه " متفق عليه (البخارى: ٥٠ , ومسلم: ٩) .. هذا اول مخرج من النفق. أما النور الثانى للمخرج من هذا النفق المظلم فهو الا تشغل نفسك بالمناقشات والجدال والردود وإنما " بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ " (القيامة: ١٤). اعرف طريقك وامض , فان كان ولابد فألق النصيحة وانطلق .. فأخسر الناس صفقة من انشغل بالناس عن نفسه وأخسر منه صفقة من انشغل بنفسه عن الله .. فاعرف كواشف الانفاق لتخرج من هذا الظلام بسلام. الآفة الرابعة: جسر على الطريق: وفى الطريق - أيها السائر الحبيب - جسر لابد من تجاوزه وعبوره

стр. 33

إذ إن هذا شأن السالكين إلى الله - تعالى - في كل زمان ومكان بل وانه من شأن الأنبياء والمرسلين , ذالكم الجسر هو الابتلاء والمحن التي تصيب السائر. فلابد في هذا الطريق أن يصقله الابتلاء وأن تظهر معدنه المحنة , قال لله - تعالى - " أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ " (العنكبوت: ٢ - ٣) .. وكان اول تبشير الرسول ﷺ بالنبوة انذاره بالاخراج .. قال ورقة: ما أتى رجل بمثل ما أوتيت به الا عودى .. وقال الراهب للغلام: أنت اليوم أفضل منى وانك ستبتلى .. وقيل للشافعى: أحب إليك أن يمكن الرجل أو يبتلى , قال لا يمكّن حتى يبتلى. فالجسر إلى التمكين في هذا الطريق هو الابتلاء .. ولابد من الصبر فيه الاحتساب والرضا عن الله تعالى وبه , فانه جسر الوصول .. وقد حفت الجنة بالمكاره .. يقول ابن القيم: " وان تأملت حكمته فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به إلى أجلّ الغايات واكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون اليها الا على جسر من الابتلاء والامتحان , وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة الا عليه , وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المحنة في حقهم والكرامة , فصورته صورة ابتلاء وامتحان , وباطنه فيه الرحمة والنعمة , فكم لله

стр. 34

من نعمة جسيمة ومنة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان ". وللمحن في هذا الطريق خصائص ومميزات , فكما أن المسلم يجب ألا ينفك عن عبادة ما .. " قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " (الانعام: ١٦٢) فلابد أن يكون شعوره بالابتلاء هكذا: أنه في عبادة يدوم معه في كل حركاته وسكناته حتى يستصحب نية العبد على البلاء واحتساب الاجر عند السميع البصير " الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ " (الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩). وهذا الجسر خطير .. جسر الابتلاء .. فان كثيرا من السالكين ضعفت قوته عن عبوره فرجع القهقرى وترك الطريق. ثم يطالعك جسر اخر على الطريق .. وهو النفس - نعوذ بالله تعالى - من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. يقول ابن القيم في المدارج: " فالنفس جبل عظيم شاق في طريق السير إلى الله وكل سائر لا طريق له الا على ذلك الجبل , فلابد أن ينتهى إليه , ولكن منهم من هو شاق عليه , ومنهم من هو سهل عليه , وانه ليسير على من يسره الله عليه. وفى ذلك الجبل أودية وشعوب وعقبات ووهود وشوك وعوسج وعلّيق وشبرق , ولصوص يقتطعون الطريق على السائرين ولا سيما اهل الليل المدلجين , فاذا لم يكن معهم عدد الايمان ومصابيح اليقين تتقد

стр. 35

بزيت الاخبات والا تعلقت بهم تلك الموانع , وتشبثت بهم تلك القواطع وحالت بينهم وبين السير. فان أكثر السائرين فيه رجعوا على اعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته , والشيطان على قلة ذلك الجبل يحذر الناس من صعوده وارتفاعه ويخوفهم منه. فيتفق مشقة الصعود وقعود ذلك المخوف على قلته وضعف عزيمة السائر ونيته فيتولد من ذلك: الانقطاع والرجوع والمعصوم من عصمه الله. وكلما رقى السائر في ذلك الجبل اشتد به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه , فاذا قطعه وبلغ قلته انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانا , وحينئذ يسهل السير , وتزول عنه عوارض الطريق ومشقة عقباتها ويرى طريقا واسعا آمنا يفضى به إلى المنازل والمناهل , وعليه الاعلام وفيه الاقامات , قد أعدت لركب الرحمن. فبين العبد وبين السعادة والفلاح: قوة عزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات قلب , والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ". فالنفس أمارة بالسوء , داعية إلى المهالك طامحة إلى الشهوات ولذا فهى أيضا جسر لابد من عبوره .. أتى رجل إلى أبى على الدقاق فقال: قطعت إليك مسافة , فقال: ليس هذا الامر بقطع المسافات , فارق

стр. 36

نفسك بخطوة تصل إلى المطلوب , فلابد من عبور جسر النفس , شهواتها , ملذاتها , أهوائها , آمالها .. لابد أن تعبر مرحلة " نفسى وما تشتهى " لتصل عبر جسر نفسك إلى ما يرضى ربك. ويزيدك بصيرة في الامر قول ابن القيم ﵀ في طريق الهجرتين: " وكلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحيل , وعدها قرب التلاقى وبرد العيش عند الوصول , فيحدث لها ذلك نشاطا وفرحا وهمة فهو يقول: يا نفس أبشرى فقد قرب المنزل ودنا التلاقى فلا تنقطعى في الطريق دون الوصول فيحال بينك وبين منازل الأحبة , فان صبرت وواصلت السير وصلت حميدة مسرورة جزلة وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامات , وليس بينك وبين ذلك الا صبر ساعة , فان الدنيا كلها لساعة من ساعات الاخرة وعمرك درجة من درج تلك الساعة , فالله الله لا تنقطعى في المفازة , فهو - والله - الهلاك والعطب لو كنت تعلمين. فإن استصعبت عليه فليذكرها ما أمامها من أحبابها , وما لديهم من الاكرام والانعام , وما خلفها من أعدائها وما لديهم من الاهانة والعذاب وأنواع البلاء , فان رجعت فإلى أعدائها رجوعها , وان تقدمت فإلى أحبابها مصيرها , وان وقفت في طريقها أدركها أعداؤها. فانهم وراءها في الطلب. ولابد لها من قسم من هذه الاقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت

стр. 37

وليجعل حديث الأحبة وشأنهم حاديها وسائقها. ونور معرفتهم وارشادهم هاديا ودليلها , وصدق ودادهم وحبهم غذاءها وشرابها ودواءها , ولا يوحشه انفراده في طريق سفره. ولا يغتر بكثرة المنقطعين , فألم انقطاعه وبعاده واصل إليه دونهم وحظه من القرب والكرامة مختص به دونهم فما معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم؟ وليعلم أن هذه الوحشة لا تدوم بل هى من عوارض الطريق , فسوف تبدو له الخيام , وسوف يخرج إليه المتلقون يهنئونه بالسلامة والوصول اليهم , فيا قرة عينه إذ ذاك , ويا فرحته إذ يقول "يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ " (يس: ٢٦ - ٢٧). ولا يستوحش مما يجده من كثافة الطبع وذوب النفس وبطء سيرها , فكلما أدمن على السير وواظب عليه غدوا ورواحا وسحرا، قرب من المنزل وتلطفت تلك الكثافة وذابت تلك الخبائث والادران , فظهرت عليه همة المسافرين وسيماهم , فتبدلت وحشته أنسا وكثافته لطافة ودرنه طهارة ". هذا هو جسر النفس .. البلاء الأكبر .. والعائق الاشد .. يشبه الجسر المعلق الذي لا جوانب له يستند عليها السائر .. فهو خطر جدا لابد عند المرور عليه من التركيز والهدوء .. والتيقظ والانتباه لكل حركة يد ونقلة رجل .. والا .. فالسقوط. نعم: انه جسر واهن .. من كثرة الذنوب والمعاصى .. ولذا كان

стр. 38

على السائر أن يأخذ حذره .. ويتدرب المرة بعد المرة .. ويحاول ويعيد , ثم يحاول ويعيد حتى ينجح في ترويض نفسه على عبور تلك الجسور. وبعد - أيها السائر الحبيب -: فيا سعادة من جاهد تلك الافات .. نعم: انها أشواك , لكنها أشواق يستشعر فيها السائر لذة الألم لله .. واحتساب الاجر من الله .. فدس الشوك وسر إلى الله. فقد اقتضت سنة الخالق أن العسل لا يحصل عليه الا بلسع النحل .. فما كان للمسافر إلى الله أن يحصل على ما يفيده في طريق وصوله الا بشىء من المكابدة والعسر. يقول ابن القيم - عليه رحمة الله -: " وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة الا لثمرة مؤجلة , فالنفس موكلة بحب العاجل , وإنما خاصة العقل: تلمح العواقب , ومطالعة الغايات , وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم , وان من رافق الراحة حصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة , فان على قدر التعب تكون الراحة ".

стр. 39

استراحة المسافر المقدمة: وبعد أن قطعنا شوطا في التعرف على معالم الطريق وعقباته .. وبعد أن تعلمنا كيف يكون العبور على الجسور , آن لنا أن نأخذ قسطا من الراحة .. فالمسافر إلى الله تعالى لابد له من الاستجمام ليستعين به على اتمام المسير , وإكمال الشوط لتتمالنفرة ويتنشط البدن ويتروح القلب .. فيكون ذلك تقوية للانطلاق في قطع مرحلة تالية. اذا فلابد للمسافر من وقفات على الطريق .. وقفات ترويحية على جنبات الطريق , يستروح فيها إلى بعض المباحات من لهو ومزاح وانبساط , وما يتبع ذلك من لين القول والتبسم وانشراح الصدر , وكل ما يؤدى من مباح إلى تطييب النفس ومؤانستها فهو سنة مستحبة. يقول ابن القيم - عليه رحمة الله - في " زاد المعاد ": " وكانت سيرته ﷺ مع أزواجه حسن المعاشرة , وحسن الخلق , وكان يسرب إلى عائشة بنات الانصار يلعبن معها. وكان اذا هويت شيئا لا محذور فيه تابعها عليه , وكانت اذا شربت من الاناء أخذه فوضع فمه في موضع فمها وشرب , وكان اذا تعرقت عرقا - وهو العظم الذي عليه لحم - أخذه فوضع فمه موضع فمها , وكان يتكىء في حجرها ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها , وربما كانت حائضا , وكان يأمرها وهى حائض فتتزر ثم يباشرها , وكان يقبلها وهو صائم , وكان من لطفه وحسن

стр. 40

خلقه مع أهله أنه كان يمكنها من اللعب , ويريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده وهى متكئة على منكبيه تنظر , وسابقها في السفر على الاقدام مرتين , وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة ". فقد يحتاج الامر إلى ملاعبة الزوجة , أو ارضائها بنزهة لا تخلو من ذكر وتأمل في بديع صنع الله وملاعبة للأولاد لا تخلو من تعبد في التربية .. وسمر سريع لطيف مع صحبة صالحة .. بذكر جميل الشعر ونوادر الطرائف والحكايات , بعيدا عن الماجريات. قال أبو الدرداء رضى الله عنه وروى عن على رضى الله عنه أيضا: " روحوا القلوب ساعة بعد ساعة , فانها تمل كما تمل الابدان ". هذه الاستراحة يجرى فيها أيضا شىء من التلطف بالنفس وسياستها , لكى تنقاد بعد ذلك أسهل وأيسر .. فالاستلقاء مثلا مع اعمال الفكر والنظر: نوع من انواع الترويح المأجور عليه ان أحسن المسافر نيته .. قال معاذ بن جبل رضى الله عنه: انى لاحتسب نومتى , كما احتسب قومتى. ولكن الشأن في المزاح فيمن يحسنه ويضعه مواضعه .. فيضبطه بضوابطه الشرعية .. فما رافقه أو نتج عنه استهزاء أو سخرية أو استخفاف أو تهكم أو كذب .. فهو المنهى عنه شرعا .. وما كان عن تعجب أو اعجاب أو ملاحظة وتحبب , أو ادخال للسرور على قلب اخر .. فهو المباح شرعا.
следующие страницы →