Полный текст (319 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
نفسك بخطوة تصل إلى المطلوب , فلابد من عبور جسر النفس , شهواتها , ملذاتها , أهوائها , آمالها .. لابد أن تعبر مرحلة " نفسى وما تشتهى " لتصل عبر جسر نفسك إلى ما يرضى ربك.
ويزيدك بصيرة في الامر قول ابن القيم ﵀ في طريق الهجرتين:
" وكلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحيل , وعدها قرب التلاقى وبرد العيش عند الوصول , فيحدث لها ذلك نشاطا وفرحا وهمة فهو يقول: يا نفس أبشرى فقد قرب المنزل ودنا التلاقى فلا تنقطعى في الطريق دون الوصول فيحال بينك وبين منازل الأحبة , فان صبرت وواصلت السير وصلت حميدة مسرورة جزلة وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامات , وليس بينك وبين ذلك الا صبر ساعة , فان الدنيا كلها لساعة من ساعات الاخرة وعمرك درجة من درج تلك الساعة , فالله الله لا تنقطعى في المفازة , فهو - والله - الهلاك والعطب لو كنت تعلمين.
فإن استصعبت عليه فليذكرها ما أمامها من أحبابها , وما لديهم من الاكرام والانعام , وما خلفها من أعدائها وما لديهم من الاهانة والعذاب وأنواع البلاء , فان رجعت فإلى أعدائها رجوعها , وان تقدمت فإلى أحبابها مصيرها , وان وقفت في طريقها أدركها أعداؤها. فانهم وراءها في الطلب. ولابد لها من قسم من هذه الاقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت
стр. 37
وليجعل حديث الأحبة وشأنهم حاديها وسائقها. ونور معرفتهم وارشادهم هاديا ودليلها , وصدق ودادهم وحبهم غذاءها وشرابها ودواءها , ولا يوحشه انفراده في طريق سفره. ولا يغتر بكثرة المنقطعين , فألم انقطاعه وبعاده واصل إليه دونهم وحظه من القرب والكرامة مختص به دونهم فما معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم؟ وليعلم أن هذه الوحشة لا تدوم بل هى من عوارض الطريق , فسوف تبدو له الخيام , وسوف يخرج إليه المتلقون يهنئونه بالسلامة والوصول اليهم , فيا قرة عينه إذ ذاك , ويا فرحته إذ يقول "يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ " (يس: ٢٦ - ٢٧).
ولا يستوحش مما يجده من كثافة الطبع وذوب النفس وبطء سيرها , فكلما أدمن على السير وواظب عليه غدوا ورواحا وسحرا، قرب من المنزل وتلطفت تلك الكثافة وذابت تلك الخبائث والادران , فظهرت عليه همة المسافرين وسيماهم , فتبدلت وحشته أنسا وكثافته لطافة ودرنه طهارة ".
هذا هو جسر النفس .. البلاء الأكبر .. والعائق الاشد .. يشبه الجسر المعلق الذي لا جوانب له يستند عليها السائر .. فهو خطر جدا لابد عند المرور عليه من التركيز والهدوء .. والتيقظ والانتباه لكل حركة يد ونقلة رجل .. والا .. فالسقوط.
نعم: انه جسر واهن .. من كثرة الذنوب والمعاصى .. ولذا كان
стр. 38
على السائر أن يأخذ حذره .. ويتدرب المرة بعد المرة .. ويحاول ويعيد , ثم يحاول ويعيد حتى ينجح في ترويض نفسه على عبور تلك الجسور.
وبعد - أيها السائر الحبيب -: فيا سعادة من جاهد تلك الافات .. نعم: انها أشواك , لكنها أشواق يستشعر فيها السائر لذة الألم لله .. واحتساب الاجر من الله .. فدس الشوك وسر إلى الله.
فقد اقتضت سنة الخالق أن العسل لا يحصل عليه الا بلسع النحل .. فما كان للمسافر إلى الله أن يحصل على ما يفيده في طريق وصوله الا بشىء من المكابدة والعسر.
يقول ابن القيم - عليه رحمة الله -:
" وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة الا لثمرة مؤجلة , فالنفس موكلة بحب العاجل , وإنما خاصة العقل: تلمح العواقب , ومطالعة الغايات , وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم , وان من رافق الراحة حصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة , فان على قدر التعب تكون الراحة ".
стр. 39
استراحة المسافر
المقدمة:
وبعد أن قطعنا شوطا في التعرف على معالم الطريق وعقباته .. وبعد أن تعلمنا كيف يكون العبور على الجسور , آن لنا أن نأخذ قسطا من الراحة .. فالمسافر إلى الله تعالى لابد له من الاستجمام ليستعين به على اتمام المسير , وإكمال الشوط لتتمالنفرة ويتنشط البدن ويتروح القلب .. فيكون ذلك تقوية للانطلاق في قطع مرحلة تالية.
اذا فلابد للمسافر من وقفات على الطريق .. وقفات ترويحية على جنبات الطريق , يستروح فيها إلى بعض المباحات من لهو ومزاح وانبساط , وما يتبع ذلك من لين القول والتبسم وانشراح الصدر , وكل ما يؤدى من مباح إلى تطييب النفس ومؤانستها فهو سنة مستحبة.
يقول ابن القيم - عليه رحمة الله - في " زاد المعاد ":
" وكانت سيرته ﷺ مع أزواجه حسن المعاشرة , وحسن الخلق , وكان يسرب إلى عائشة بنات الانصار يلعبن معها. وكان اذا هويت شيئا لا محذور فيه تابعها عليه , وكانت اذا شربت من الاناء أخذه فوضع فمه في موضع فمها وشرب , وكان اذا تعرقت عرقا - وهو العظم الذي عليه لحم - أخذه فوضع فمه موضع فمها , وكان يتكىء في حجرها ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها , وربما كانت حائضا , وكان يأمرها وهى حائض فتتزر ثم يباشرها , وكان يقبلها وهو صائم , وكان من لطفه وحسن
стр. 40
خلقه مع أهله أنه كان يمكنها من اللعب , ويريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده وهى متكئة على منكبيه تنظر , وسابقها في السفر على الاقدام مرتين , وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة ".
فقد يحتاج الامر إلى ملاعبة الزوجة , أو ارضائها بنزهة لا تخلو من ذكر وتأمل في بديع صنع الله وملاعبة للأولاد لا تخلو من تعبد في التربية .. وسمر سريع لطيف مع صحبة صالحة .. بذكر جميل الشعر ونوادر الطرائف والحكايات , بعيدا عن الماجريات.
قال أبو الدرداء رضى الله عنه وروى عن على رضى الله عنه أيضا: " روحوا القلوب ساعة بعد ساعة , فانها تمل كما تمل الابدان ".
هذه الاستراحة يجرى فيها أيضا شىء من التلطف بالنفس وسياستها , لكى تنقاد بعد ذلك أسهل وأيسر .. فالاستلقاء مثلا مع اعمال الفكر والنظر: نوع من انواع الترويح المأجور عليه ان أحسن المسافر نيته .. قال معاذ بن جبل رضى الله عنه: انى لاحتسب نومتى , كما احتسب قومتى.
ولكن الشأن في المزاح فيمن يحسنه ويضعه مواضعه .. فيضبطه بضوابطه الشرعية .. فما رافقه أو نتج عنه استهزاء أو سخرية أو استخفاف أو تهكم أو كذب .. فهو المنهى عنه شرعا .. وما كان عن تعجب أو اعجاب أو ملاحظة وتحبب , أو ادخال للسرور على قلب اخر .. فهو المباح شرعا.
стр. 41
ولعل القاعدة الجامعة , ما حددها الامام النووى بقوله:
" المزاح المنهى عنه هو الذي فيه افراط ويداوم عليه , فانه يورث الضحك وقسوة القلب , ويشغل عن ذكر الله - تعالى - , والفكر في مهمات الدين , ويؤول في كثير من الاوقات إلى الإيذاء ويورث الاحقاد , ويسقط المهابة والوقار , فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله , فانه ﷺ انما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته , وهذا لا منع منه قطعا , بل هو سنة مستحبة اذا كان بهذه الصفة .. فاعتمد ما نلقاه عن العلماء وحققناه , فانه مما يعظم الاحتياج إليه , وبالله التوفيق ".
وانظر أيضا إلى الميزان الدقيق .. الذي وضعه سعيد بن العاص حين قال لابنه:
" اقتصد في مزاحك , فان الإفراط فيه يذهب البهاء ويجرىء عليك السفهاء , وان التقصير فيه يفض عنك المؤانسين ويوحش منك المصاحبين ".
" وقد سئل ابن عمر - رضى الله عنهما -: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟ قال نعم , والايمان في قلوبهم مثل الجبل.
وقال بلال بن سعد: أدركتهم يشتدون بين الاغراض ويضحك بعضهم إلى بعض فاذا كان الليل كانوا رهبانا ".
стр. 42
وفى استراحة المسافر يمكن أن نجد بعض الالعاب والمسابقات , كما نجد بعض المسامرات: كالحكمة والطرفة والفكاهة والمثل والشعر والقصة .. وغير ذلك .. وهاك طرفا من تلك الترويحات:
ترويحة على الطريق: علوم ليست في الكتب:
من العلوم علوم لا تكون في الكتب:
منها ما لا يتعلم الا من الفقر.
ومنها ما لايتعلم الا من البلاء.
ومنها ما لا يتعلم الا من المرض.
ومنها ما لا يتعلم الا من القهر والاذلال.
ومنها ما لايتعلم الا من الهموم والمشاكل.
ترويحة على الطريق: اختبارات:
قال بعضهم: يمتحن الذهب بالنار.
والمرأة بالذهب.
والرجل بالمرأة.
ترويحة على الطريق: المدارأة .. والستر:
قال الخطابى:
ما دمت حيا فدار الناس كلهم ... فانما أنت في دار المداراة
من يدرى دارى ومن لم يدر سوف يرى ... عما قليل نديما للندامات
стр. 43
وقال آخر:
لا تلتمس من مساوى الناس ما ستروا ... فيكشف الله سترا من مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم اذا ذكروا ... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا
واستغن بالله عن كل فان به ... غنى لكل وثق بالله يكفيكا
ترويحة على الطريق: البلاء موكل بالمنطق:
اجتمع الكسائى واليزيدى عند الرشيد فحضرت صلاة المغرب فقدموا الكسائى"أحد القراء السبعة المشهورين" فصلى بهم فارتج عليه في قراءة " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ " (الكافرون: ١) - أخطأ أو نسى في الحفظ - فلما سلم , قال اليزيدى: قارىء وامام أهل الكوفة يخطأ وينسى ويرتج عليه في سورة الكافرون؟؟؟!! فحضرت صلاة العشاء , فتقدم اليزيدى فصلى بهم فارتج عليه وأخطأ ونسى في سورة " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "
(الفاتحة: ٢) فلما سلم قال الكسائى له:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق
ترويحة على الطريق: التملق:
قال ذو النون المصرى: اوحى الله إلى يعقوب ﵇: يا يعقوب تملق إلى , قال يا رب كيف أتملق لك؟
قال: قل: ... يا قديم الاحسان
يا دائم المعروف
يا كثير الخير
стр. 44
فقالها .. فأوحى الله إليه: وعزتى وجلالى , لو كان يوسف ميتا لأحييته لك.
ترويحة على الطريق: " ولتكون من المحسنين ":
قال يحيى بن معاذ: حظ المؤمن منك ثلاثة خصال لتكون من المحسنين:
أحدها: ان لم تنفعه فلا تضره
والثاني: ان لم تسره فلا تغمه
والثالث: ان لم تمدحه فلا تذمه
ترويحة على الطريق: ويحك .. ويحك:
ويحك: رميت يوسف قلبك في جب الهوى
وجئت على قميص الامانة بدم كذب
ويحك: كلما أوغلت في الهوى زاذ التعرقل
ويحك: ان قعر جهنم لبعيد , ولكن يظهر
ان همتك أسفل منه
ويحك: قنديل الفكر في محراب قلبك مظلم
فاطلب له زيت خلوة وفتيلة عزم.
ترويحة على الطريق: من أقوال ابن تيميّة:
والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتى
стр. 45
ترويحة على الطريق: مجلسنا:
مجلسنا بحر يرده الفيل والعصفور
نحن في روضة طعامنا فيها الخشوع
وشرابنا فيها الدموع
ونقلنا هذا الكلام المطبوع
نداوى أمراضا أعجزت بختيشتوع
نرقى الهاوى ونداوى الملسوع
فليته كان كل يوم لا كل أسبوع
ترويحة على الطريق: " ألكم الذكر وله الأنثى تلك اذا ... "
الخوف ذكر ... والرجاء أنثى
ومخنث البطالة إلى الاناث أميل
من زرع بذر العمل في أرجاء الرجاء نبت فيها الخوف من " ألا تقبل "
الجاهل ينام على فراش الامن فيثقل نومه فتكثر أحلام أمانيه ,
والعالم يضجع على مهاد الخوف وحارس اليقظة يوقظه.
ترويحة على الطريق: أدمى دينه بأظفار شكواه:
جاء رجل إلى فضيل يشكو الحاجة , فقال له فضيل: يا هذا , أمدبرا غير الله تريد؟!!.
стр. 46
ومرض ابن أدهم فجعل عند رأسه ما يأكله الاصحاء , لئلا يتشبه بالشاكين .. هذه - والله - بهرجة أصح من نقدك.
ترويحة على الطريق: لا تنازعوا أهل الدنيا
قال عيسى بن مريم ﵇:
لا تنازعوا أهل الدنيا في دنياهم , فينازعوكم في دينكم , فلا دنياهم أصبتم , ولا دينكم أبقيتم.
ترويحة على الطريق: ما أسوأ السوء
السلطان السوء: يخيف البريء ويصطنع الدنيء.
والبلد السوء: يجمع السفل ويورث العلل.
والولد السوء: يشين السلف ويهدم الشرف.
والجار السوء: يفشى السر ويهتك الستر.
ترويحة على الطريق: سياط المواعظ
* البلايا ضيوف فأحسن قراها لترحل عنك إلى بلد الجزاء مادحة لا قادحة.
* في كل يوم ترهن قلبك على ثمن شهوة , فيستعمله المرتهن .. فقد أخلق.
* أتبكى على معاصيك , والاصرار يضحك!!.
стр. 47
* القواطع محن يتبن بها الصادق من الكاذب , فاذا خضتها انقلبت أعوانا توصلك إلى المقصود ..
فهى اذا أغرب الأعوان.
ترويحة على الطريق: عجبت لهذا الذي
قال بعضهم: عجبت لمن يبكى على موت غيره دموعا ولا يبكى على موت قلبه دما , وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيما وفى عينيه عن عيبه عمى.
ترويحة على الطريق: اطلبونى في المقابر
قال بعض السلف: اذا سمعتم: حى على الصلاة ولم ترونى في الصف فاطلبونى في المقابر.
ترويحة على الطريق: أصناف الناس
أضعف الناس من ضعف عن كتمان سره
وأقواهم من قوى على غضبه
وأصبرهم من ستر فاقته
وأغناهم من قنع بما تيسر له
ترويحة على الطريق: درجات الزلل
بداية الزلل: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾ [الأعراف: ٢٠١]
ووسط الزلل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]
وآخر الزلل: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]
стр. 48
ترويحة على الطريق: من شعر العصر الذهبى
قال أبو الطيب المتنبى:
اذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
وقال:
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم
وقال أيضا:
ومن البلية عذل من لا يرعوى ... عن جهله وخطاب من لا يفهم
وقال أبو العتاهية شاعر الزهد:
أرى الدنيا لمن هى في يديه ... عذابا كلما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كل من هانت عليه
اذا استغنيت عن شىء فدعه ... وخذ ما أنت محتاج إليه
ترويحة على الطريق: علامات السعادة
قال الفضيل بن عياض: علامات السعادة خمس:
اليقين في القلب
والورع في الدين
والزهد في الدنيا
والحياء في العينين
والخشية في البدن
стр. 49
ترويحة على الطريق: الأخطر
أخطر شىء في عصر التكنولوجيا
ليس في إيجاد آلات تفكر كالانسان
بل في إيجاد ناس يفكرون كالآلات
ترويحة على الطريق: قصة الحية والسكران
عن يوسف بن الحسين يقول: كنت مع ذي النون المصرى على شاطىء غدير فنظرت إلى عقرب أعظم ما يكون على شط الغدير واقفة فاذا بضفدع قد خرجت من الغدير فركبتها العقرب فجعلت الضفدع تسبح حتى عبرت فقال ذو النون: ان لهذه العقرب لشأنا فامض بنا , فجعلنا نقفو أثرها فاذا رجل نائم سكران وإذا حية قد جاءت فصعدت من ناحية سرته إلى صدره وهى تطلب أذنه فاستحكمت العقرب من الحية فضربتها فانقلبت وانفسخت ورجعت العقرب إلى الغدير فجاءت الضفدع فركبتها فعبرت فحرك ذو النون الرجل النائم , ففتح عينيه فقال: يا فتى انظر مما نجاك الله! هذه العقرب جاءت فقتلت هذه الحية التي أرادتك , ثم أنشأ ذو النون يقول:
يا غافلا والجليل يحرسه ... من كل سوء يدب في الظلم
كيف تنام العيون عن ملك ... تأتيه منه فوائد النعم
فنهض الشاب وقال: الهى , هذا فعلك بمن عصاك! فكيف رفقك بمن يطيعك؟! ثم ولى , فقلت:
إلى أين؟ قال: إلى طاعة الله.
стр. 50
ترويحة على الطريق: ديك سهل بن هارون
أورد الجاحظ " زعيم البيان العربى " - كما يقول عنه الشيخ عبد السلام هارون - هذا الموقف الساخر في كتابه
" الحيوان " فقال:
" قال دعبل الشاعر: أقمنا عند سهل بن هارون فلم نبرح حتى كدنا نموت من الجوع , فلما اضطررناه قال: يا غلام , ويلك غدنا! قال: فأتينا بقصعة فيها مرق فيه لحم ديك عاس هرم ليس قبلها ولا بعدها لا تحز فيه السكين , ولا تؤثر فيه الاضراس , فاطلع في القصعة وقلب بصره فيها ثم أخذ قطعة خبز يابس فقلب جميع ما في القصعة , حتى فقد الرأس من الديك وحده, فبقى مطرقا ساعة ثم رفع رأسه إلى الغلام فقال: أين الرأس؟ فقال رميت به , قال ولم رميت به؟ قال: لم أظنك تأكله! قال: ولأى شىء ظننت أنى لا آكله؟ فوالله انى لأمقت من يرمى برجليه فكيف من يرمى برأسه؟! ثم قال: لو لم أكره ما صنعت الا للطّيرة والفأل لكرهته! .. الرأس رئيس وفيه الحواس , ومنه يصدح الديك , ولولا صوته ما أريد , وفيه فرقه الذي يتبرك به , وعينه التي يضرب بها المثل , يقال: " شراب كعين الديك " ودماغه عجيب لوجع الكلية ولم أر عظما قط أهش تحت الأسنان
стр. 51
من عظم رأسه , فهلا إذ ظننت أنى لا آكله , ظننت أن العيال يأكلونه؟! وان كان بلغ من نبلك أنك لا تأكله , فان عندنا من يأكله , أو ما علمت أنه خير من طرف الجناح , ومن الساق والعنق؟ انظر أين هو؟ قال: والله ما أدرى أين رميت به! قال: ولكنى أدرى , انك رميت به في بطنك , والله حسيبك! ".
تعقيب:
وبعد هذه الاستراحة التي كان لابد للمسافر منها ليدفع عن نفسه السأم والملل والفتور , ويستنهض بها الهمة في القيام بواجب السير إلى الله .. وبعد هذه الترويحات الكثيرة .. آن له التأهب للسير مرة أخرى والاستعداد للانطلاق في طريق الوصول إلى الله حاملا زاده ومتاعه ومتوكلا على الله ومستعينا به وحده في قطع المراحل التالية متذكرا قول ربه " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين " (العنكبوت: ٦٩).
стр. 52
كلمة أخيرة:
اذا تبين لك - أيها الأخ الكريم الحبيب - ما ذكرت .. وأردت ان تنطلق في هذا الكتاب " أصول الوصول إلى الله تعالى " , فاعلم - اخيرا - انها سفرة.
سفر حقيقى .. ليست رمزية بعيدة .. انما هى حقيقة الحياة ونقلتها .. والانسان حتى في حياته الاعتيادية ما هو الا بين سفر وسفر طال أو قصر , لينبهنا الله بالصغير على الكبير , وبالتافه على المهم وبالطارىء على المستديم .. وقد كان ﷺ يذكر انه في الدنيا كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها.
والمؤمن مع سفرته الطويلة , فدونها اسفار .. فبعد ان قطع سفرته من الجاهلية إلى الإسلام , ثم تسامى بنفسه من المعاصى إلى الطاعات شمر عن ساعد الجد حتى سافر من السفوح الهابطة إلى القمم السامقة وكان من السابقين بالخيرات .. وهو من هؤلاء الذين ندعوهم إلى هذه السفرة.
انه السفر الاهم الموصل إلى طريق النجاة إلى رضا الله.
" واعلم أيضا ان السائر إلى الله لا ينقطع سيره إليه ما دام في قيد الحياة , ولا يصل العبد ما كان حيا إلى الله وصولا يستغنى به عن السير
стр. 53
إليه البتة وهذا عين المحال , بل يشتد سيره إلى الله كلما زادت ملاحظته لتوحيده , واسمائه وصفاته. ولهذا كان رسول الله ﷺ أعظم الخلق اجتهادا وقياما بالاعمال , ومحافظة عليها إلى ان توفاه الله , وهو اعظم ما كان اجتهادا وقياما بوظائف العبودية , فلو أتى العبد بأعمال الثقلين جميعها لم تفارقه حقيقة السير إلى الله , وكان بعد في طريق الطلب والارادة ".
ولا يزال الرسول ﷺ يوصى بسؤال الله - تعالى - الهدايا .. وما الهدايا الا لمن وجد الطريق بعد الضلال ..
يقول ابن القيم:
" حيث أمره أن يذكر اذا سأل الله الهدى. إلى طريق رضاه وجنته , كأنه مسافر , وقد ضل عن الطريق. ولا يدرى أين يتوجه , فطلع له رجل خبير بالطريق عالم بها , فسأله أن يدله على الطريق , فهكذا شأن طريق الاخرة , تمثيلا لها بالطريق المحسوس المسافر , وحاجة المسافر إلى الله إلى أن يهديه تلك الطريق اعظم من حاجة المسافر إلى بلد إلى من يدله على الطريق الموصل لها ".
فلابد لك - أيها السائر الحبيب - في هذا الطريق من صدق اللجأ إلى الله .. ان يهديك ويأخذ بيديك في طريق الوصول إليه .. فدوما
стр. 54
تدعو وتتضرع وتفتقر إليه - سبحانه - تمام الافتقار في كل خطوة وفى كل مرحلة تقطعها على هذه الطريق.
" فالفقر الحقيقى: دوام الافتقار إلى الله في كل حال , وأن يشهد العبد - في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة - فاقة تامة إلى الله - تعالى - من كل وجه "
فاللهم .. انا نفتقر إليك ونستهديك ,فاهدنا لصالح الاعمال والاخلاق, فانه لا يهدى لصالحها ولا يصرف سيئها الا أنت .. اللهم اهدنى صراط الوصول إليك .. يا منجى الهلكى ويا منقذ الغرقى .. يا عظيم الاحسان.
الهى .. ان كانت ذنوبى قد اخافتنى , فان محبتى لك قد أجارتنى , فتولّ من أمرى ما أنت اهله , وعد بفضلك على من غره جهله.
الهى .. لو أردت اهانتى لما هديتنى , ولو أردت فضيحتى لم تسترنى , فمتعنى بما له هديتنى , وأدم لي ما به سترتنى.
الهى .. وسيدى ومولاى .. اعقد قلبى بحبل محبتك , واستدرجنى إلى اقصى مرادك , واسلك بى مسلك أصفيائك , واكشف لي عن مكنون علمك , حتى أصل إلى رياض قدسك , وأجتنى من ثمار الشوق إليك , وأتشرب من حياض معرفتك , واتنزه في بساتين الائك , واستنقع في غدران ذكر نعمائك.
стр. 55
اللهم .. اجعل قلبى من القلوب التي سافرت إليك , وأنست بك , واجعل نفسى من النفوس التي زالت عن اختيارها لهيبتك , واطلفها من الاسر لتجول في خدمتك مع الجوالين.
اللهم .. آت نفوسنا تقواها , وزكها أنت خير من زكاها , أنت وليها ومولاها.
اللهم .. انا نعوذ بك من علم لا ينفع , ومن قلب لا يخشع , ومن نفس لا تشبع , ومن دعوة لا يستجاب لها.
آمين .. آمين .. آمين
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بايمان واحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين
* * *
стр. 56
أصول الوصول إلى الله تعالى
وَمِنَ العَجَائبِ، وَالعَجَائبُ جَمَّةٌ ... قُرْبُ الحَبِيبِ وَمَا إلَيْهِ وُصُولُ
كَالعِيسِ فِي البَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظَّمَا ... وَالمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ
стр. 57
الأصل الأول: عليك البداية وعليه التمام
اعلم حبيبى في الله الكريم السائر إلى الله:
أن الله - تعالى - أراد برحمته - سبحانه - وهو الحكيم العليم والخبير البصير أن يحكم هذا الكون بسنن ربانية غاية في الدقة والثبات " فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا " (فاطر: ٤٣) .. تلكم الأولى ..
وأما الثانية: فان الإنسان خلق مبتلى في هذه الدنيا " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور " (الملك: ٢).
وثالثهما: أن الله العزيز الكريم خلق الخلق وهو اعلم بهم , قال سبحانه " هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " (النجم: ٣٢)
وقال سبحانه " وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا " (الاسراء: ١٧).
وقد أراد الله ابتلاء واصلاحا , أن يبتلى عباده بتكليف هو غاية في الخطورة وهو أنه - سبحانه - أناط بهم البداية , فأحال عليهم بداية الشروع إليه والقصد نحوه , قال - سبحانه - في الحديث القدسى: " عبدى قم إلى أمش إليك " , وهذا رعاية لجلال العزة وحماية لجناب العظمة: أن يكلف العبد أن يأتى سيده ثم يكون من السيد القبول والاكرام.
стр. 58
قال - سبحانه -وتعالى - " وقال ربكم ادعونى أستجب لكم " (غافر: ٦٠) , وقال " وإذا سألك عبادى عنى فانى قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان " (البقرة: ١٨٦)
وقال - تعالى - في الحديث القدسى " يا ابن آدم قم إلى أمش إليك , وامش إلى أهرول إليك " [صححه الألباني]
وقال - سبحانه - أيضا " من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب منى ذراعا تقربت منه باعا ومن أتانى يمشى أتيته هرولة " [متفق عليه]. اذا فابدأ .. ابدأ فبداية الطريق خطوة , ابدأ خطوة إلى الله والله يبارك ويتم , فهو - سبحانه - كريم .. ابدأ ولا تشتك.
ان كثيرا منا يشكو الفتور وينام .. اذا أصبت بالفتور فعليك بالتفكير فورا في عمل تقوم به .. اعمل والله يرفع عنك البلاء .. ابدأ والله يأخذ بيدك .. اعمل .. تحرك.
ان كثبرا من الاخوة ينتظر نصر الله بمعجزة , ينتظر اصلاح فساد قلبه بمعجزة في لحظة دون أن يصنع شيئا .. وهذا لا يكون.
أخى ان القضية تحتاج إلى عمل قال رسول الله ﷺ : " بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له " [متفق عليه] .. اعملوا .. لابد من عمل.
ان بعض الناس يعيش هذه الدنيا على أنها " ضربة حظ " يعيش
стр. 59
الحياة على انها " ظروف " فيعيش كيفما اتفق , تماما كالذى يدخل إلى الصلاة ولا يدرى ماذا صلى , لأنه في الأصل لا يعبأ بالخشوع , يترك نفسه هكذا , فالمهم عنده أنه أدى الصلاة فقط .. المهم عنده أن يعيش , والأمر ليس كذلك.
وتأمل معى قصة عكاشة بن محصن في حديث السبعين ألفا , قال رسول الله ﷺ " عرضت علىّ الأمم , فرأيت النبى ومعه الرهط , والنبى ومعه الرجل والرجلان , والنبى وليس معه أحد , إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتى , فقيل لي: هذا موسى وقومه , فنظرت فاذا سواد عظيم , فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب " ثم نهض فدخل منزله , فخاض الناس في اولئك فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا , وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه , فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون " .. فقام عكاشة فقال: يا رسول الله , ادع الله أن يجعلنى منهم قال: " أنت منهم " قال: ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلنى منهم , فقال: " سبقك بها عكاشة ". [متفق عليه]
قد يبدو للناظر أن عكاشة خطف " الجنة " بغير حساب أو أدركها بكلمة بضربة حظ , ولكنك - أخى - تنظر إلى التشطيبات النهائية
стр. 60
ولا ترى ما وراء ذلك , انك تنظر إلى اللقطة الأخيرة ولم تر أصل الموضوع وتقدير الارزاق.
ان عكاشة سار إلى الله طويلا وعمل كثيرا حتى بلغ هذه المنزلة. فلما بلغها أوحى الله إلى رسوله ﷺ بقبول عكاشة في ركب السبعين المفردين , وأجرى على لسانه ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى هذا الكلام , ثم أنطق عكاشة بالطلب في لحظتها وهذا دليل ترقيه لها فأعطيها .. هذه حقيقة الامر .. فليس عكاشة قد خطفها في لحظة .. لا .. الله علم حكيم ..
عليم يعلم ان عكاشة تعب في السير إليه , فكان الأولى بها أحق بها وأهلها , ولما فتح الباب وقلده آخرون منعوا , ولا يظلم ربك أحدا " ان الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون "
(يونس: ٤٤) , ان عكاشة بدأ السير إلى الله في هذه الطريق , فلما وصل تلك المنزلة وأراد الله أن يمنحه اياها , أجرى الله هذا الكلام على لسان رسول الله ﷺ وأحضره في المكان فأسمعه ثم أنطقه فبشره .. هذه هى القضية .. فليست خطفة في لحظة .. افهم ذلك جيدا.
موقف آخر يفسر لك الموضوع:
أمسك جعفر الصادق بغلام ليعاقبه , فقال الغلام: يا سيدى أتعاقب من ليس له شفيع عندك غيرك؟
فقال: انطلق اذا , فلما انطلق الغلام التفت إليه وقال: يا سيدى اعلم انك لست الذي أطلقتنى , انما أطلقنى الذي أجراها على لسانى , فقال: اذهب فأنت حر لوجه الله.
وقفت - أيها الاخوة - مع هذا الموقف مليا أقول: سبحان الله! هذا
стр. 61
كلام عبد لعبد , فأعتق العبد عبده , فكيف اذا جرى هذا الكلام مع السيد الكريم الله؟! .. اللهم أعتق رقابنا من النار .. آمين.
نعم: لو جرى هذا الكلام على لسانك لربك لتحررت من العبودية لغيره , ولكن من الذي يجريه على لسانك , وماذا قدمت لكى يجريه؟! لابد أن تبدأ أنت أولا .. ان الله اذا أراد عبده لأمر هيأه له وأجراه على لسانه فهو - سبحانه - الذي ينطق لسانه , قال - تعالى - " أنطقنا الله الذي أنطق كل شىء " (فصلت: ٢١) .. أنطق كل شىء .. .
ولذلك قال الله - تعالى " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم " (البقرة: ٣٧) , فالله - تعالى - هو الذي أجرى على لسان آدم كلمات التوبة منّ بقبولها , فكان الفضل منه اولا وآخرا. نعم: وفقه للتوبة فتاب , وقبل توبته , لأنه - تعالى - تواب رحيم.
أيها الاخوة , ان هذه القضية تحتاج إلى وقفة كبيرة , فالايمان لا ياتى طفرة وإنما له مقدمات وتمهيدات تحتاج منك إلى استعانة بالله وعمل , اللهم ثبت على الايمان قلوبنا , وارزقنا فهما في الدين يرضيك عنا .. آمين.
ان الذي ينظر في قصة السحرة , سحرة فرعون مع موسى , هؤلاء الذين آمنوا في لحظة وتعرضوا لاقصى انواع التهديد: لأقطعن ولأصلبن ولأفعلن ولأفعلن , فثبتوا وقالوا " فاقض ما أنت قاض " (طه: ٧٢) - ان الناظر إلى هؤلاء يظن انهم حصلوا على الايمان في لحظة , لم ينظر لقدر الله كيف عمل في هؤلاء السحرة سنين ليعدهم لتلك اللحظة. لم اختير هؤلاء السحرة بالذات؟ ولم وجدوا في هذا المكان بالذات؟! والجواب: لأنهم سعوا .. نعم - أخىّ -: ان القضية تحتاج منك إلى سعى.
стр. 62
وفى قصة الثلاثة أصحاب الغار , لما نزلت صخرة فسدّت عليهم باب الغار , توسل الأول بعمل صالح فانفرجت الصخرة شيئا يسيرا حتى رأوا النور , فلما توسل الثانى انفرجت أكثر حتى رأوا السماء , فلما توسل الثالث انفرجت الصخرة حتى خرجوا يمشون , فعلى قدر عطائك تعطى , وعلى قدر سعيك تمنح.
كان رسول الله ﷺ يجلس في حلقة من أصحابه فدخل ثلاثة , فأما الأول: فوجد فرجة فجلس فيها , وأما الثانى: فاستحيى فجلس خلف الحلقة , وأعرض الثالث فمشى فقال رسول الله ﷺ : أو أخبركم بخبر الثلاثة نفر , أما الأول: فأوى إلى الله فآواه الله وأما الثانى: فاستحيى فاستحيى الله منه , وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه ". [متفق عليه]
فان أويت إلى الله آواك , وان أعرضت عنه أعرض عنك وطردك وألقاك. قال الله ﷻ عن يونس ﵇ " فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون "
(الصافات: ١٤٣ - ١٤٤) .. مع أنه نبى .. نعم: فلا أحد عزيز على الله - مهما بلغت منزلته - ان لم يئو الله .. فائو إلى الله ولا تعرض.
قال ابن القيم ﵀: " وأيما جهة أعرض الله عنها أظلمت أرجاؤها ودارت بها النحوس ".
ائو إلى الله وابدأ .. ابدأ خطوة .. اعمل .. اتعب .. تحرك .. اسع وسوف يتم عليك بخير.
стр. 63
ودائما معلوم أن نقطة البداية هى الاشق , وانطلاقة البداية هى الأصعب , وهذا هو عين الابتلاء من الله " فاذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم " (محمد: ٢١) فسعادته في صدق العزيمة وصدق الفعل فصدق العزيمة جمعها وجزمها وعدم التردد فيها بل تكون عزيمة لا يشوبها تردد ولا تلوّم.
فاذا صدقت عزيمته بقى عليه صدق الفعل , وهو استفراغ الوسع وبذل الجهد فيه , وأن لا يتخلف عنه بشىء من ظاهره وباطنه , فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الارادة والهمة , وصدق الفعل يمنعه من الكسل والفتور. ومن صدق الله في جميع أموره صنع الله له فوق ما يصنع لغيره. وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص وصدق التوكل , فأصدق الناس من صح اخلاصه وتوكله ".
فأخى الحبيب , أنت مبتلى بأن تبدأ , وممتحن بأن تصدق , فإذا بدأت كما يحب أتم لك كما تحب ..
والانقطاع سببه البداية الضعيفة. فان السائر ان فتر عزمه استمر سيره بقوة الدفع الأولى. فأين بدايتك أيها الحبيب؟ أعطنى الدفعة الأولى واترك الأقساط على الله.
* * *
стр. 64
الأصل الثانى: كن واحدا لواحد على طريق واحد
هذا الأصل هو خلاصة الكلام في أمر السير إلى الله , والوصول إليه .. كن واحدا لواحد على طريق واحد تصل.
كن واحدا .. مامعناها؟
أخىّّ هل تعرف في زماننا رجلا بوجهين؟ .. أنا لا أعرف!!. فأكثر الناس اليوم بعشرة وجوه ليس بوجهين فقط. بل عشرين , بل خمسين. بل مئة .. حتى ذي الوجهين قلما تجده!! .. فأين المخلص الذي لا يعرف له الا وجه واحد؟! , اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين.
نعم - اخوتاه -: كثيرا ما تجد انسانا معك في المسجد , قدمه في قدمك , وكتفه في كتفك ورأسه بجوار رأسك في السجود , يبتهل إلى الله ويدعوه , ويتمتم بأطيب الكلمات , ثم اذا خرج من المسجد فبوجه آخر فاذا دخل بيته مع زوجته وأولاده فبوجه ثالث , وفى العمل بوجه رابع , فاذا تعامل مع النساء الاجنبيات فرقيق طيب ولين بوجه خامس , وإذا تعامل مع الرجال فبوجه سادس فاذا تعامل مع الأكابر أو من هم أعلى منه اجتماعيا كمديره أو رؤسائه في العمل فبوجه سابع وإذا تعامل مع من هم ادنى منه كالفقراء والضعفاء فبوجه ثامن , وتاسع وعاشر .. من أنت؟؟!!
من أنت يا عبد الوجه؟! أى الوجه وجهك الحقيقى؟!
стр. 65
إلى متى ستظل تخلع وجها وتلبس آخر؟! إلى متى ستظل غشاشا؟! ألا تعلم أن الله يرى كل هذه الوجوه؟! .. يراك هنا ويراك هناك ..
يراك الآن ويراك غدا.
ترى ذا الوجوه اذا مرض بوجه , وإذا صح بوجه , وإذا افتقر بوجه , وإذا اغتنى وامتلك فبوجه آخر , تجده اذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل , وإذا رئس فذليل مهان منافق .. تجد ذا الوجوه لا يستحى من الله وهو يراه.
من أنت يا أخى؟ أجب عن هذا السؤال .. من أنت وأى الوجوه وجهك وأى الاشخاص شخصك وأى الطرق طريقتك؟ لماذا تعيش بعشرين وجها , وعشرين لونا , وعشرين طريقة؟!!
ألا تستحى من الله وهو يراك؟!
أخىّ كن واحداكن صاحب وجه واحد , يمشى بطريقة واحدة.
أخى أى الوجوه أريدك؟ أريد لك وجه العبد .. أن تظل عبدا .. العبد الذي يركع ويسجد ويتلو القرآن ويبتهل ويتفرغ. هذا العبد كنه في البيت مع الزوجة والاولاد , وكنه في الشارع مع الناس كنه كيف كنت , ومتى كنت , وأين كنت .. كن عبدا في كل أحوالك.
أخى اذا جاءتك امرأة متبرجة لتقضى منك حاجة نراك تتعامل معها برقة ولطافة , أرأيت رقتك؟ أرأيت جمالك؟ ألا يكون هذا مع زوجتك؟ .. وهى أولى .. لماذا لا تتعامل بمثل هذا مع شريكة حياتك وأم عيالك؟!! .. نعم: العبد هو الذي يتعامل بالرقة والجمال والحنان
стр. 66
والتودد مع الزوجة وأما الشدة والوجه الغليظ فمع الاجنبية .. هذا هو المطلوب وبهذا تكون عبدا لله.
أخى في الله حبيبى في الله , اننى أريدك عبدا لله في البيت , وعبدا لله في المسجد , وعبدا لله في الشارع , وعبدا لله في العمل , عبدا لله وحده هنا حيث يعرفك الناس , وعبدا لله هناك حيث تخلو فلا يعرفك أحد الا الله , فالله الذي يراك هناك هو الذي يعرفك هنا , فاستح أن يراك على غير ما يعرفك. كن واحدا ولا تكن عشرة , لا تكن اثنين , كن عبدا لله وحده , ولست أقصد أن تكون دوما ذليلا , بل العبد على مقتضى العبودية: في البيت رجل له القوامة والتربية , وفى العمل تراه مخلصا وان لم يره أحد , وفى الشارع مراقبا لمولاه.
كن عبدا لله وحده مع الرجال والنساء , والاغنياء والفقراء , والصغار والكبار .. كن عبدا وضع يديك ورجلك في قيود الشريعة الفضية لتتحرر من العبودية لغير الله .. الزم الامر والنهى , وكن كما يريد الله .. عش على مراد الله منك لتكون عبدا.
فكن واحدا: أى عبدا ..
لواحد:
أى لله وحده , قال رسول الله ﷺ " تعس عبد الدرهم , تعس عبد الدينار , تعس عبد القطيفة والخميصة , تعس عبد المرأة , تعس وانتكس , وإذا شيك فلا انتقش ". [هذا الحديث أصله في البخارى]
стр. 67
أسألك بالله , واصدق يا عبد الله: أنت عبد لمن؟ لله وحده أم عبد للظروف أيضا؟ أم عبد للبيئة والمجتمع؟! عبد للعادات والتقاليد؟! أم عبد للمهنة والوظيفة والراتب الشهرى , عبد لصاحب العمل , أم عبد لزوجتك وأولادك واحتياجاتهم ومطالبهم؟! .. عبد من أنت؟.
كثير من الناس عبيد لاشياء كثيرة فمنهم من عبد بطنه , ومنهم من عبد شهوته وفرجه , ومنهم من عبد بيته وفراشه , ومنهم من عبد رصيده وماله , ومنهم .. ومنهم .. فكن أنت عبدا لله.
ان المتأمل - اخوتاه - في تاريخ العقيدة الإسلامية الطويل , ليدرك مدى العناد والتكذيب الذي واجهه أنبياء الله ورسله في تعبيد القلوب لاله واحد هو الله , فقوم نوح كذبوا المرسلين , وكذبت ثمود وعاد بالقارعة , وكذب بنو إسرائيل موسى وجحدوا ما جاء به , وعاند المشركون رسول الله ﷺ .. ومع كل هذا صبر هؤلاء الأنبياء والمرسلون , لعلمهم بعظمة وأهمية ما يدعون إليه .. وهو التوحيد.
فالتوحيد نظام الكون , ولا يصلح في الطريق إلى الله الا التوحيد , توحيد القصد وتوحيد المعبود ولذلك اذا أردت - أيها الحبيب - أن تسير إلى ربك سيرا حسنا فالزم التوحيد , قال " قل ان صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " (الانعام: ١٦٢ - ١٦٣).
ولابد أن تعلم أن الله هدد أنبيائه ورسله بحبوط الاعمال - وان كثرت - ان فاتها التوحيد , فقال بعد أن ذكر جملة كثيرة
стр. 68
منهم في سورة الانعام: " ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون " (الانعام: ٨٨) بل قال مخاطبا نبيه محمد ﷺ : " ولقد أوحى إليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكوننّ من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين " (الزمر: ٦٥ - ٦٦).
ومن خطورة أمر التوحيد أن الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل , لذا علمك النبى ﷺ أن تقول كل يوم مرارا " اللهم انى أعوذ بك أن أشرك بك شيئا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه ". [صحيح الأدب المفرد]
ومن خطورة أمر التوحيد الخوف على التوحيد , قال الله حاكيا عن إبراهيم ﵇ دعوته " واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام " (إبراهيم: ٣٥) ..
فهذا إبراهيم خليل الله يخاف على توحيده , فيطلب التثبيت عليه ويطلب لبنيه ألا يحيدوا عنه.
ومن خطورة التوحيد أنه قد يلتبس على العبد قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في " الفوائد ":
" التوحيد ألطف شىء وأنزهه وأنظفه وأصفاه , فأدنى شىء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه , فهو كأبيض ثوب يكون , يؤثر فيه أدنى أثر , وكالمرآة الصافية جدا , أدنى شىء يؤثر فيها.
ولهذا تشوّشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية , فان بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضده , والا استحكم وصار طبعا يتعسر عليه قلعه.
стр. 69
وهذه الآثار والطبوع التي تحصل فيه: منها ما يكون سريع الحصول سريع الزوال , ومنها ما يكون بطىء الحصول سريه الزوال , ومنها ما يكون بطىء الحصول بطىء الزوال.
ولكن من الناس من يكون توحيده كبيرا عظيما , ينغمر فيه كثير من تلك الآثار , ويستحيل فيه بمنزلة الماء الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ , فيغتر به صاحب التوحيد الذي هو دونه فيخلط توحيده الضعيف بما خلط به صاحب التوحيد العظيم الكثير توحيده , فيظهر من تأثيره فيه ما لم يظهر في التوحيد الكثير.
وأيضا فان المحل الذي لم يبلغ في الصفاء مبلغه , فيتداركه بالازالة دون هذا , فانه لا يشعر به.
وأيضا فان قوة الايمان والتوحيد اذا كانت قوية جدا أحالت المواد الرديئة وقهرتها , بخلاف القوة الضعيفة ".
فانظر - رحمك الله - إلى توحيدك: هل ما زال على صفائه وطهارته ونقائه أم أنه تلوث من مخالطة البشر ومعاملاتهم , وغياب العلم عن القلب , ونسيان الذكر وكثرة الكلام والجدال المقيت وحب العلو والغلبة , وتعلق القلب بمدح الناس ودفع ذمهم , والشهوات المركبة في
стр. 70
الانفس ... هذه كلها - والله - ان وقعت في القلب سقطت سماء توحيدك على أرضه , فلا تقوم لقلبك قائمة فيا أخى الحبيب , كن لواحد تسترح.
قال الله - تعالى -: " ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون " (الزمر: ٢٩).
" يضرب الله المثل للعبد الموحد والعبد المشرك: بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضا فيه " وهو بينهم موزع , ولكل منهم فيه توجيه , ولكل منهم عليه تكليف , وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق , ولا يملك أن يرضى أهوائهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه! وعبد يملكه سيد واحد , وهو يعلم ما يطلبه منه , ويكلفه به , فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح .. " هل يستويان مثلا " .. انهما لا يستويان.
فالذى يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه ووضوح الطريق. والذى يخضع لسادة متشاكسين معذب مقلقل لا يستقر على حال ولا يرضى واحدا منهم فضلا على ان يرضى الجميع!
وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك في جميع الأحوال , فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يقطع الرحلة على هذه الأرض على هدى , لأن بصره أبدا معلق بنجم واحد على الافق فلا يلتوى به الطريق. ولأنه يعرف مصدرا واحدا للحياة والقوة والرزق , ومصدرا واحدا للنفع والضر , ومصدرا واحدا للمنح والمنع , فتستقيم خطاه إلى
стр. 71
هذا المصدر الواحد , يستمد منه وحده , ويعلق يديه بحبل واحد يشد عروته , ويطمئن اتجاهه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه بصره , ويخدم سيدا واحدا يعرف ماذا يرضيه فيفعله وماذا يغضبه فيتقيه .. وبذلك تتجمع طاقته وتتوحد , فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى اله واحد في السماء .. ويعقب - سبحانه - على هذا المثل الناطق الحى , بالحمد لله الذي اختار لعباده الراحة والامن والطمأنينة والاستقامة والاستقرار. وهم مع هذا ينحرفون , وأكثرهم لا يعلمون ".
فهل أنت لواحد؟ أم انك لشركاء متشاكسين؟!.
نعم: ان أكثر الناس اليوم منحرفون عن التوحيد ,ويعيشون في شتات , فتجد قلوبهم معلقة بالمال والزوجة والولد والبشر , فيعيشون مهمومين محزونين مشتتين مضيعين .. ولا يمكن أن يتعلق القلب بالله وحده الا بأن يكون في قلبك هم واحد: هو طلب رضا الله والاستعانة به , فهمّك وهمتك وتفكيرك دائر في تحصيل رضا الله , ساعتها تكون عبدا لله وحده .. تكون واحدا لواحد بحق , ومنها تنطلق على طريق الوصول إلى الله - تعالى.
على طريق واحد:
اذا كنت واحدا لواحد فلكى تصل لابد من أن يكون لك طريق واحد إلى الله - تعالى - فهما توحيدان:
توحيد القصد وتوحيد المعبود.
стр. 72
هو طريق واحد لا يتعدد ولا يتغير , كما قال ربنا - جل وعلا -: " وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " (الانعام: ١٥٣) فوحد سبيله لأنه في نفسه واحد لا تعدد فيه , وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة ومتعددة.
فكن على طريق واحد تصل وهو الطريق إلى الله وأصله: الكتاب والسنة وقال رسول الله ﷺ : " انه من يعش بعدى فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ , واياكم ومحدثات الأمور , فان كل محدثة بدعة وكل ضلالة في النار " [صححه الألباني] وقال ﷺ : " تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبدا كتاب الله وسنتى " [أحمد والترمذى وقال حسن غريب] فاسلك الطريق الواحد وإذا سلكته فلا تغير ولا تبدل لئلا تطرد .. لا تتلون ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله .. اللهم نجنا من مضلات الفتن.
لما جاء حذيفة بن اليمان الموت جلس عبدالله بن مسعود عند رأسه وقال له: أوصنى , فقال له: ألم يأتك اليقين؟ قال: بلى وعزة ربى , فقال حذيفة: واياك والتلون , فان دين الله واحد.
ومن التلون: استحلال الحرام , قال العلماء: الفتنة أن تستحل ما كنت تراه حراما.
стр. 73
يمشى الشاب في الطريق إلى الله سنين واعتقاده: حرمة التلفاز , ثم تفاجأ بالتلون .. نعم: لقد دخل التلفاز بيوت كثير من الملتزمين .. أدخله لأنه مفتون .. قد تلون , فصار الطريق عنده عدة طرق , فبعد أن كان يعتقد أن صلاة الجماعة في المسجد فرض عين , صار يقول: هناك مذاهب أخرى فيمكن أن أصلى في البيت .. تلون وفتور .. بعد أن كان يعتقد أن طلب العلم لازم له , وبعد أن كان يعتقد أن الدعوة إلى الله أمانة في عنقه , تخلى وانشغل بدنياه , فتشعبت به الطرق.
أيها المفتون: ستموت , وستحاسب على ارائك القديمة لم غيرتها .. لم بدلت .. لم تلونت ..
لم التفتّ؟ .. كان راضيا بالقليل فاذا به يستشرف لحياة المترفين والاغنياء .. لم يا عبدالله؟
لم غيرت طريقك؟ انها سكة واحدة ومنهج واحد هو الصحيح " فماذا بعد الحق الا الضلال "
(يونس: ٣٢) .. أخى , الحق واحد لا يتعدد , فعلى منهجك فاثبت " قل انما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما الهكم اله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين " (فصلت: ٦).
كن على طريق واحد , واعلم أن الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة منهج معصوم , ليس لأننى أقول ذلك , بل لأن الله - تعالى - أمر بذلك , قال - تعالى -: " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم " (التوبة: ١٠٠) , وقال
" فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق " (البقرة: ١٣٧).
سئل أبو على .. الحسن بن على بن الجوزجانى: كيف الطريق
стр. 74
إلى الله؟ , فقال: الطرق إلى الله كثيرة , وأوضح الطرق وأبعدها عن الشبه: اتباع السنة قولا وفعلا وعزما وعقدا ونية , لأن الله يقول: " وان تطيعوه تهتدوا " (النور: ٥٤) فقيل له: كيف الطريق إلى السنة , فقال: مجانبة البدعة , واتباع ما اجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام , والتباعد عن مجالس الكلام واهله
ولزوم طريقة الاقتداء , وبذلك أمر النبى ﷺ بقوله :
" ثم أوحينا إليك ان اتبع ملة إبراهيم " (النحل: ١٢٣).
وقال أبو الحسن الوراق: لا يصل العبد إلى الله الا بالله وبموافقة حبيبه ﷺ في شرائعه , ومن جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء , يضل من حيث يحسب انه مهتد.
وقال أبو بكر الطمستانى: الطريق واضح , والكتاب والسنة بين أظهرنا , وفضل الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة ولصحبتهم , فمن صحب منا الكتاب والسنة وتغرب عن نفسه والخلق وهاجر بقلبه إلى الله , فهو الصادق المصيب.
وعن طريق البدع يقول الحسن: صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا , صياما وصلاة , الا ازداد من الله بعدا.
وعن أبى إدريس الخولانى أنه قال: لأن أرى في المسجد نارا لا استطيع اطفائها أحب إلى من ان ارى فيه بدعة لا استطيع تغييرها.
فتمسك - أخى - بما كان عليه سلفك الصالح , وابتعد عن البدع واهلها وكن على طريق واحد
" طريق السنة " ولا تلتفت.
стр. 75
قال بندار بن الحسين: صحبة أهل البدع تورث الاعراض عن الحق.
وقال حمدون القصار: من نظر في سير السلف , عرف تقصيره وتخلفه عن درجات الرجال.
قال الشاطبى: " وهذه - والله أعلم - اشارة إلى المثابرة على الاقتداء بهم , فانهم اهل السنة ".
اخوتاه: الطريق إلى الله واحدة لا تتغير ابدا فلسنا نجدد في منهجنا أو نغيره أو نبدله أو نعدله:
هو منهج واضح , والثبات عليه هو سر الوصول إلى الله , فان غيرت أو بدلت أو جددت أو التفت ضعت.
قال ابن القيم: " لو أن عبدا اقبل على الله الف سنة , ثم التفت عن الله لحظة واحدة , لكان ما خسر في هذا اعظم مما حصله في الالف سنة " اهـ.
فسر - أخى - ولا تلتفت .. انطلق على طريق واحد .. انطلق وكن واحدا لواحد على طريق واحد تصل باذن الله.
* * *
следующие страницы →