← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يفعله. وما يفعله قد يقوم فيه بشروط الإخلاص، وقد لا يقوم. وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة، وقد لا يقوم. وما يقوم فيه (١) بالمتابعة قد يثبت عليه، وقد يُصرَف قلبُه عنه. وهذا كله واقعٌ سارٍ في الخلق، فمستقِل ومستكثِر. وليس في طباع العبد الهدايةُ إلى ذلك، بل متى وُكِلَ إلى طباعه حِيل بينه وبيّن ذلك كله (٢). وهذا هو الإركاس الذي أركسَ الله به المنافقين بذنوبهم، فأعادهم إلى طباعهم، وما خُلِقَتْ عليه نفوسُهم من الجهل والظلم (٣). والربُّ ﵎ على صراط مستقيم في قضائه وقدره، ونهيه وأمره (٤) فيهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم (٥) بفضله ورحمته وجعله الهداية حيث تصلح، ويصرف من يشاء عن صراطه المستقيم (٦) بعدله وحكمته لعدم صلاحية المحلّ، وذلك موجَب صراطه المستقيم الذي هو عليه.

стр. 352

فهو على صراطٍ مستقيم (١)، ونصب (٢) لعباده من أمره صراطًا مستقيمًا دعاهم جميعًا إليه حجّةً منه وعدلًا، وهدى من شاء منهم إلى سلوكه نعمةً منه وفضلًا، ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل (٣) عن صراطه المستقيم (٤) الذي هو عليه. فإذا كان يوم لقائه (٥) نصَبَ لخلقه صراطًا مستقيمًا يُوصِلهم إلى جنته، ثم صَرَف عنه من صَرَف عنه في الدنيا، وأقام عليه من أقامه عليه (٦) في الدنيا، وجعل نورَ المؤمنين به وبرسوله وما جاء به الذي كان في قلوبهم في الدنيا نورًا ظاهرًا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الجسر (٧)، وحفِظَ عليهم نورَهم حتى قطعوه (٨)، كما حفِظ عليهم الإيمانَ به حتى لَقُوه. وأطفأ نورَ المنافقين أحوجَ ما كانوا إليه، كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا. وأقام أعمال العصاة بجنبتي الصراط كلاليبَ وحَسَكًا تخطَفُهم، كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة عليه، وجعل قوة سيرهم وسرعتهم عليه على قدر قوة سيرهم وسرعتهم إليه في الدنيا (٩).

стр. 353

ونصب للمؤمنين حوضًا يشربون منه بإزاء شربهم مِن شَرْعه في الدنيا، وحرَمَ من الشُّرب منه (١) هناك من حرمه من الشرب من شرعه ودينه ها هنا (٢). فانظر إلى الآخرة كأنّها رأي عين، وتأمَّلْ حكمة الله سبحانه في الدارين، تعلَمْ حينئذ علمًا يقينًا لا شكّ فيه أنّ الدنيا مزرعةُ الآخرة وعنوانُها وأنموذجُها، وأنّ منازل الناس فيها في السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدّهما. وبالله التوفيق. ف من أعظم عقوبات الذنوب: الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة. فصل ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتها. ونحن نذكر فيها بعون الله وتوفيقه (٣) فصلًا وجيزًا جامعًا، فنقول:

стр. 354

أصلها نوعان: ترك مأمورًا وفعل محظور. وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه بهما أبوي الجنّ والإنس. وكلاهما ينقسم باعتبار محلّه إلى ظاهرٍ على الجوارح، وباطنٍ في القلب. وباعتبار متعلَّقه إلى حقّ لله، وحقّ لخلقه (١). وإن كان كلُّ حق لخلقه فهو متضمّن لحقّه (٢)، لكن سمّي حقًّا للخلق لأنّه يجب بمطالبتهم ويسقط بإسقاطهم. ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: مَلَكيّة، وشيطانية، وسبعيه، وبهيمية، ولا تخرج (٣) عن ذلك. فالذنوب الملَكية: أن يتعاطى ما لا يصلح له من صفات الربوبية كالعظمة، والكبرياء، والجبروت، والقهر، والعلوّ، واستعباد الخلق، ونحو ذلك. ويدخل في هذا (٤): الشركُ بالربّ تعالى، وهو نوعان: شركٌ به في أسمائه وصفاته، وجعلُ آلهةٍ أخرى (٥) معه. وشركٌ به في معاملته، وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار، وإن أحبط العملَ الذي أُشرِكَ فيه مع الله غيرُه.

стр. 355

وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب. ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه وأمره. فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه ربوبيتَه وملكَه، وجعل له ندًّا. وهذا (١) أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل. فصل وأما الشيطانية، فالتشبّه بالشيطان في الحسد، والبغي، والغشّ والغلّ، والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي الله (٢) وتحسينها، والنهي عن طاعته، وتهجينها، والابتداع في دينه، والدعوة إلى البدع والضلال. وهذا النوع يلي النوع الأول في المفسدة، وإنْ كانت مفسدته دونه. فصل وأما السبعية، فذنوب العدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثّب على الضعفاء والعاجزين. ويتولّد منها أنواع أذى النوع الإنساني، والجرأة على الظلم والعدوان. وأما الذنوب البهيمية، فمثل الشَّرَه والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج. ومنها يتولّد الزنى، والسرقة، وأكل أموال اليتامى (٣)، والبخل والشحّ، والجبن، والهلع، والجزع، وغير ذلك. وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعية

стр. 356

والملكية. ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرّهم إليها بالزمام، فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية، ثم إلى الشيطانية، ثم إلى منازعة الربوبية والشرك في الوحدانية. ومن تأمّل هذا حقَّ التأمّل تبيّن له أنّ الذنوب دِهْلِيزُ (١) الشرك، والكفر، ومنازعة الله ربوبيته (٢). فصل وقد دلّ القرآنُ والسنّةُ وإجماعُ الصحابةِ والتابعينَ بعدهم والأئمّةِ على أنّ من الذنوب كبائرَ وصغائرَ. قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. وقال تعالى: (﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] (٣). وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال (٤): "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ لما بينهنّ، إذا اجتُنِبَت الكبائر" (٥). وهذه الأعمال المكفّرة لها ثلاث درجات: إحداها (٦): أن تقصّر عن تكفير الصغائر، لضعفِها وضعفِ

стр. 357

الإخلاص فيها والقيام بحقوقها؛ بمنزلة الدواء الضعيف (١) الذي ينقص عن مقاومة الدّاء كميّةً وكيفيةً. الثانية: أن تقاوم الصغائرَ، ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر. الثالثة: أن تقوَى على تكفير الصغائر، وتبقى فيها قوةٌ تكفّر بها بعضَ الكبائر. فتأمَّلْ هذا، فإنّه يزيل عنك إشكالات كثيرة. وفي الصحيحين (٢) عنه ﷺ أنه قال (٣): "ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟ " قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور". وفي الصحيحين (٤) عنه ﷺ : "اجتنبوا السبعَ الموبقات". قيل: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله (٥)، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".

стр. 358

وفي الصحيحين (١) عنه ﷺ أنّه سئل: أيّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو لله ندًّا، وهو خَلَقك". قيل: ثمّ أيّ؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافةَ أن يطعَمَ معك". قيل (٢): ثمّ أيّ؟ قال: "أن تُزانيَ بحليلة جارك". فأنزل الله تعالى تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. واختلف الناس في الكبائر، هل (٣) لها عدد يحصرها؟ على قولين. ثم الذين (٤) قالوا بحصرها اختلفوا في عددها: فقال عبد الله بن مسعود: هي أربع (٥). وقال عبد الله بن عمر: هي سبع (٦). وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هي تسعة (٧).

стр. 359

وقال غيره: هي أحد عشر (١). وقال آخر: هي سبعون (٢). وقال أبو طالب المكي: جمعتُها من أقوال الصحابة، فوجدتها: أربعة في القلب، وهي: الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وأربعة في اللسان، وهي: شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغَموس، والسحر. وثلاث (٣) في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا. واثنان في الفرج، وهما: الزنا، واللواطة. واثنان في اليدين، وهما: القتل، والسرقة. وواحد في الرجلين، وهو الفرار من الزحف. وواحد يتعلق بجميع الجسد وهو عقوق الوالدين (٤). والذين لم يحصروها بعدد، منهم من قال: كلّ ما نهى الله (٥) عنه في القرآن فهو كبيرة، وما نهى عنه الرسول ﷺ فهو صغيرة (٦). وقالت طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيدٌ من لعن أو غضب أو عقوبة

стр. 360

فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة (١). وقيل: كلّ ما رتب عليه حدّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة. وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة (٢). وقيل: كلّ ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة. وقيل: كلّ ما لعن الله أو رسولُه فاعلَه فهو كبيرة. وقيل: هي ما ذُكِرَ (٣) من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] (٤). والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر (٥) قالوا: الذنوب كلها

стр. 361

بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره كبائر، فالنظر إلى من عُصيَ أمره وانتهكت محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلّها كبائر، وهي مستوية في هذه المفسدة. قالوا: ويوضِّح هذا أنّ الله سبحانه لا تضرّه الذنوب ولا يتأثّر بها، فلا يكون بعضها بالنسبة إليه أكبر من بعض، فلم يبق إلا مجرد معصيته ومخالفته، ولا فرق في ذلك بين ذنب وذنب. قالوا: ويدلّ عليه أن مفسدة الذنوب إنما هي متابعة للجراءة والتوثّب على حقّ الربّ تعالى. ولهذا لو شرب رجلٌ خمرًا أو وطئ فرجًا حرامًا وهو لا يعتقد تحريمه لكان قد جمع بين الجهل وبيّن مفسدة ارتكاب الحرام. ولو فعل ذلك من يعتقد تحريمه لكان آتيًا بإحدى المفسدتين، وهو الذي يستحق العقوبة دون الأول. فدلّ على أن مفسدة الذنب متابعة للجراءة والتوثب. قالوا: ويدلّ على هذا أن المعصية تتضمّن الاستهانةَ بأمر المطاع ونهيه، وانتهاكَ حرمته. وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب. قالوا: فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره في نفسه، ولكن ينظر إلى قَدْر مَن عصاه وعظمته، وانتهاك حرمته بالمعصية. وهذا لا يفترق فيه الحال بين معصية ومعصية، فإنّ ملِكًا مُطاعًا عظيمًا (١) لو أمر أحدَ مملوكيه أن يذهب في مهمّ له إلى بلد بعيد، وأمر اَخرَ أن يذهب في شغلٍ له إلى جانب الدار، فعصَياه وخالفا أمره، لكانا في مقته والسقوط من عينه سواءً.

стр. 362

قالوا: ولهذا كانت معصية من ترك الحجَّ من مكة أو ترك (١) الجمعةَ وهو جار المسجد أقبحَ عند الله من معصية من تركه من المكان البعيد. والواجب على هذا أكثر من الواجب على هذا. ولو كان مع رجل مائتا درهم فمنع (٢) زكاتها، ومع آخر مائتا ألف ألف فمنع زكاتها لاستويا (٣) في منع ما وجب على كلّ واحد منهما. ولا يبعد استواؤهما في العقوبة إذ كان كلّ منهما مصرًّا على منع زكاة ماله، قليلًا كان المال أو كثيرًا. فصل وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: إن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السموات والأرض، لِيُعرفَ، ويوحَّد، ويُعبَدَ، ويكون الدين كلّه له (٤)، والطاعة كلّها له، والدعوة له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]. وقال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].

стр. 363

وقال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧]. فأخبر سبحانه أنّ القصد بالخلق والأمر أن يُعرَفَ بأسمائه وصفاته، ويُعبَد وحده لا يُشرَك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فأخبر أنّه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل (١). ومن أعظم القسط: التوحيدُ، بل هو رأسُ العدل وقِوامُه، وإنّ الشرك لظلم عظيم. فالشرك (٢) أظلَمُ الظلمِ، والتوحيد أعدَلُ العدلِ. فما كان أشدَّ منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتُها في درجاتها بحسب منافاتها له. وما كان أشدّ موافقةً لهذا المقصود (٣) فهو أوجب الواجبات، وأفرض الطاعات. فتأمَّلْ هذا الأصلَ حقَّ التأمّل، واعتبِرْ به تفاصيلَه تَعرِفْ به حكمة أحكمِ الحاكمين وأعلمِ العالمين فيما فرضه على عباده، وحرّمه عليهم؛ وتفاوُتَ مراتبِ الطاعات والمعاصي. ولمّا (٤) كان الشرك بالله منافيًا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرّم الله الجنّةَ على كل مشرك، وأباح دمَه

стр. 364

ومالَه وأهلَه (١) لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدًا لهم، لما تركوا (٢) القيام بعبوديته. وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك (٣) عملًا، أو يقبل فيه شفاعةً، أو يستجيب له في الآخرة دعوةً، أو يُقيل له فيها عثرةً، فإنّ المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه نِدًّا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غايةُ الظلم منه؛ وإن كان المشرك لم يظلم ربَّه، وإنما ظلم نفسه (٤). ووقعت مسألة، وهي (٥) أنّ المشرك إنّما قصدُه تعظيمُ جناب الربّ ﵎، وأنّه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك، فالمشرك لم يقصد الاستهانَةِ بجناب الربوبية، وإنما قَصَدَ تعظيَمه، وقال: إنّما أعبد هذه الوسائطَ لِتُقرِّبني إليه، وتُدخِلَني عليه، فهو المقصود، وهذه وسائل وشفعاء. فلِمَ كان هذا القدر موجبًا لسخطه وغضبه ﵎، ومخلِّدًا في النار، وموجبًا لسفك دمَاء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم؟ وترتّب (٦) على هذا سؤال آخر، وهو أنّه هل يجوز أن يشرع اللهُ

стр. 365

سبحانه لعباده التقرّبَ إليه بالشفعاء والوسائط (١)، فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع، أم ذلك قبيحٌ في الفِطَر والعقول، ممتنعٌ (٢) أن تأتي به شريعة، بل جاءت الشرائع بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كلّ قبيح؟ وما السرّ في كونه لا يُغفَر من بين سائر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فتأمَّلْ هذا السؤالَ، واجمع قلبك وذهنك على جوابه، ولا تستَهْوِنْه، فإنّه (٣) به يحصل الفرقُ بين الموحّدين والمشركين (٤)، والعالمين بالله والجاهلين به، وأهل الجنّة وأهل النار. فنقول، وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمِدّ المعونة والتسديد، فإنّه من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلِلْ فلا هادي له، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع: الشرك شركان: شرك يتعلّق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله. وشرك في عبادته ومعاملته (٥)، وإن كان صاحبه يعتقد أنّه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (٦).

стр. 366

والشرك الأول نوعان: أحدهما: شرك التعطيل. وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: وما ربّ العالمين؟ (١)، وقال لهامان: ابن لي صرحًا، لعلّي أطلع إلى إله موسى، وإنّي لأظنّه من الكاذبين (٢). والشرك والتعطيل متلازمان. فكل مشرك معطِّل، وكل معطِّل مشرك؛ لكنّ الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقِرًّا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنّه عطّل حقَّ التوحيد (٣). وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع (٤) إليها هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: تعطيل (٥) المصنوع عن صانعه وخالقه. وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدّس، بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله (٦). وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومن هذا: شركُ (٧) طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثمَّ خالق ومخلوق، ولا ها هنا شيئان، بل الحقّ المنزَّه هو عين الخلق

стр. 367

المشبَّه (١). ومنه (٢): شركُ الملاحدة القائلين بقِدَم العالم وأبديّته، وأنّه لم يكن معدومًا أصلًا بل لم يزل ولا يزال. والحوادثُ بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادَها يسمّونها العقول والنفوس. ومن هذا: شركُ من عطّل أسماء الربّ تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يُثبتوا له اسمًا ولا صفةً، بل جعلوا المخلوق أكملَ منه إذ كمالُ الذات بأسمائها وصفاتها. فصل النوع الثاني: شرك من جعل معه إلهًا آخرَ، ولم يعطِّل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثةً، فجعلوا المسيح الهًا وأمّه إلهًا. ومن هذا شركُ المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشرّ إلى الظلمة. ومن هذا: شركُ القدرية القائلين بأنّ الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنّها (٣) تحدُث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا أشباهَ المجوس.

стр. 368

ومن هذا: شركُ الذي حاجّ إبراهيمَ في ربّه ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فهذا جعل نفسه ندًّا لله، يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت (١). فألزمه إبراهيم أنّ طردَ قولك أن تقدِرَ على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها. وليس هذا انتقالًا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزام (٢) على طرد الدليل إن كان حقًّا. ومن هذا: شركُ كثيرٍ ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبّرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. ومن هذا: شرك عُبّاد الشمس وعُبّاد النار وغيرهم. ومن هؤلاء من يزعم أنّ معبوده هو الإله على الحقيقة. ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة. ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنّه إذا خصّه بعبادته والتبتّل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به. ومنهم من يزعم أنّ معبوده الأدنى يقرّبه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقانيُّ يقرّبه إلى من هو فوقه، حتى تقرّبه تلك الآلهةُ إلى الله سبحانه؛ فتارة تكثر الوسائط، وتارةً تقِلّ (٣). فصل وأما الشرك في العبادة، فهو أسهل من هذا الشرك، وأخفُّ أمرا، فإنّه يصدر ممن يعتقد أنّه لا إله إلا الله، وأنّه لا يضرّ وينفع ويعطي ويمنع

стр. 369

إلا الله، وأنّه لا إله غيره ولا ربّ سواه، ولكن لا يُخلِص لله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظِّ نفسه تارةً، ولطلب الدنيا تارةً، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارةً. فلِلّه من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظّه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، ولِلخَلْق نصيب. وهذا حال أكثر الناس. وهو الشرك الذي قال فيه النبي ﷺ فيما رواه ابن حِبّان في صحيحه (١): "الشرك في هذه الأمّة أخفى من دبيب النمل". قالوا: وكيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: "قل: اللهم إنّي أعوذ بك أن

стр. 370

أشرِك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم". فالرياء كلّه شرك. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده. فكما (١) تفرّد بالإلهية يجب أن يُفرد (٢) بالعبودية. فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء، المقيَّد بالسنّة. وكان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁: اللهم اجعل عملي كلَّه صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا (٣). وهذا الشركُ في العبادة يُبطِل ثوابَ العمل، وقد يعاقَب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنّه يُنزِله منزلةَ من لم يعمله، فيعاقبَ على ترك الأمر. فإنّ الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة (٤). قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]. فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أُمِرَ به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به (٥)، فلا يصحّ، ولا يقبل منه. ويقول الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل "عملًا

стр. 371

أشرك معي (١) فيه غيري، فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء" (٢). وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر. و النوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا (٣). فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم أن يحبّ مخلوقًا كما يحبّ الله، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله. وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه (٤):) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم (٥) الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]. ومعلوم أنهم ما سوَّوهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنّما سوّوهم به (٦) في الحبّ والتأله والخضوع لهم والتذلّل. وهذا غاية الظلم والجهل. فكيف يُسوَّى الترابُ بربّ الأرباب؟ وكيف يسوّى العَبيد (٧) بمالك الرِّقاب؟ وكيف يسوّى الفقيرُ بالذات، الضعيفُ بالذات، العاجزُ

стр. 372

بالذات (١)، المحتاجُ بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم = بالغنيّ بالذات، القادر بالذات، الذي غناه وقدرته وملكه (٢) وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التامّ من لوازم ذاته؟ فأيّ ظلم أقبحُ من هذا؟ وأيّ حكم أشدّ جورًا منه حيث عَدَلَ من لا عَدْلَ له بخلقه؛ كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]، فعدَل المشركُ مَن خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض. فيا لك من عَدْلٍ تضمّنَ أكبرَ الظلم وأقبحه (٣)! فصل (٤) ويتبع هذا الشرك (٥) الشركُ به سبحانه في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات. فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعًا لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمينه في الأرض، و (٦) تقبيل القبور واستلامها والسجود لها.

стр. 373

وقد لعن النبيُّ (١) ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجدَ يُصلى لله فيها، فكيف بمن اتخذ القبور أوثانًا يعبدها من دون الله! ففي الصحيحين (٢) عنه أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٣). وفي الصحيح عنه (٤): "إنّ من شرار الناس مَن تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" (٥). وفي الصحيح أيضًا عنه: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد. ألا (٦)، فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنّي أنهاكم عن

стр. 374

ذلك" (١). وفي مسند الإِمام أحمد وصحيح ابن حبان (٢) عنه ﷺ : "لعن الله زوّارات (٣) القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج". وقال: "اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٤).

стр. 375

وقال: "إنّ من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصورة (١). أولئك شِرار الخلق عند الله يوم القيامة" (٢). فهذا حال من سجد لله في مسجد على قبر، فكيف حال (٣) من سجد للقبر نفسِه! وقد قال ﷺ : "اللهمّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد" (٤). وقد حمى (٥) النبي- ﷺ جانبَ التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها (٦)، لئلّا يكون

стр. 376

ذريعةً إلى التشبّه بعُبّاد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسدّ الذريعةَ بأن منع من الصلاة بعد العصر والصبح (١) لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. وأما السجود لغير الله فقال: "لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله" (٢). "ولا ينبغي لا في كلام الله ورسوله للذي هو في غاية الامتناع شرعًا (٣)، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ

стр. 377

الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، وقوله عن الملائكة: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨]. فصل ومن الشرك به سبحانه: الشركُ به في اللفظ، كالحلف بغيره، كما رواه الإِمام أحمد (١) وأبو داود عنه ﷺ أنه قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك". صححه الحاكم وابن حبان (٢). ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئتَ، كما ثبت عن النبي (٣) ﷺ أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعَلْتَني (٤) لله نِدًّا؟ قل: ما شاء الله وحدَه" (٥).

стр. 378

هذا مع أنّ الله قد أثبت للعبد مشيئة، كقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ [التكوير: ٢٨] فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسبِ الله وحسبِك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنكَ، وهذا من بركَات الله وبركاتك، واللهُ لي في السماء (١)، وأنتَ لي في الأرض، أو يقول: واللهِ وحياةِ فلان، أو يقول: نذرًا لله (٢) ولفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانًا، ونحو ذلك؟ فوازِنْ بين هذه الألفاظ وبيّن قول القائل (٣): ما شاء الله وشئت، ثم انظر: أيُّهما أفحَشُ يتبيّن لك أنّ قائلَها أولى بجواب النبي ﷺ القائل تلك الكلمة، وأنّه (٤) إذا كان قد جعله لله نِدًّا بها (٥)، فهذا (٦) قد جعل من لا يداني رسولَ الله ﷺ في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه،

стр. 379

نِدًّا لربّ العالمين. فالسجود، والعبادة، والتوكّل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتحسّب، والتوبة، والنذر، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعًا وتعبّدًا، والطواف بالبيت، والدعاء = كُلّ ذلك محضُ حقّ الله الذي لا يصلح ولا ينبغي لسواه من ملَكٍ مقرَّب ولا نبيّ مرسَل (١). وفي مسند الإِمام أحمد (٢) أنّ رجلًا أُتِيَ به إلى النبي ﷺ قد أذنب ذنبًا، فلمّا وقف بين يديه قال: اللهم إنّي أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمّد. فقال: "عرَفَ الحقَّ لأهله". فصل وأما الشرك في الإرادات والنيّات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلّ من ينجو منه. فمن أراد بعمله غيرَ وجه الله، أو نوى (٣) شيئًا غيرَ التقرّبِ إليه وطلبِ الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته.

стр. 380

والإخلاص أن يخلص لله في أقواله (١) وأفعاله وإراداته ونيته. وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عبادَه كلَّهم، ولا يقبل من أحدٍ غيرَها. وهي حقيقة الإِسلام، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]، وهي ملّة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء. فصل (٢) إذا عرفتَ هذه المقدمة انفتح لك بابُ الجواب عن السؤال المذكور، فنقول ومن الله وحده نستمِدّ (٣) الصواب: حقيقة الشرك هو التشبّه بالخالق والتشبيه للمخلوق به. هذا هو "التشبيه" في الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال التي وصف اللهُ بها نفسَه، ووصفه بها رسولُه سبحانه (٤)، فعكَسَ من نكسَ اللهُ قلبَه، وأعمى عينَ بصيرته، وأركسه بلَبْسه الأمرَ وجعلِ التوحيد تشبيهًا والتشبيه تعظيمًا وطاعةً فالمشرك مشبِّه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية. فإن من خصائص الإلهية التفرّدَ (٥) بملك الضرّ والنفع والعطاء والمنع، وذلك

стр. 381

يوجب تعلُّقَ الدعاء (١) والخوف والرجاء والتوكل به وحده. فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبّهه بالخالق (٢)، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًّا (٣) ولا نفعًا ولاموتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلًا عن غيره، شبيهًا لمن له الأمر كلُّه. فأزِمّةُ الأمور كلّها بيديه (٤)، ومرجعها إليه (٥)، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. بل إذا فتح لعبده بابَ رحمة لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه تشبيهُ هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغنيّ بالذات. و من خصائص الإلهية: الكمالُ المطلقُ من جميع الوجوه، الذي لا نقص (٦) فيه بوجه من الوجوه. وذلك يوجب أن تكون العبادة كلّها له وحده، والتعظيمُ والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة (٧) والتوبة والتوكّل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحبّ = كلُّ ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون له وحده، ويُمنَع عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون لغيره. فمن جعل شيئًا (٨) من ذلك لغيره فقد شبّه ذلك الغيرَ بمن لا شبيهَ له، ولا مثل له (٩)، ولا ندَّ له، وذلك أقبح التشبيه وأبطلُه. ولشدّةِ قبحه

стр. 382

وتضمّنِه غايةَ الظلم أخبر سبحانه عبادَه أنّه لا يغفره، مع أنّه كتب على نفسه الرحمة. ومن خصائص الإلهية: العبوديةُ التي قامت على ساقين (١) لا قِوَام لها بدونهما: غايةُ الحبّ مع غايةِ الذلّ. هذا تمام العبودية (٢)، وتفاوتُ منازلِ الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبَّه وذلَّه وخضوعه لغير الله فقد شبّهه به في خالص حقّه، وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع، وقبحُه مستقِرّ في كلّ فطرة وعقل، ولكن غيّرت الشياطين فِطَرَ أكثر الخلق وعقولَهم، وأفسدتها عليهم، واجتالتهم (٣) عنها. ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى، فأرسل إليهم رُسُلَه، وأنزل عليهم كتبَه بما يوافق فِطرهم وعقولهم، فازدادوا بذلك نورًا على نور، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]. إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد (٤) لغيره فقد شبّه المخلوقَ به. ومنها: التوكّل، فمن توكّل على غيره فقد شبّهه به.

стр. 383

ومنها: التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به (١). ومنها: الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له (٢)، فمن حلف بغيره فقد شبّهه به. هذا في جانب التشبيه. وأمّا في جانب التشبّه به، فمن تعاظمَ وتكبَّر، ودعا الناس إلى إطرائه في المدح، والتعظيم، والخضوع، والرجاء، وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً والتجاءً واستعانةً به، فقد تشبّه بالله، ونازعه ربوبيته (٣) وإلهيّتَه، وهو حقيق بأن يُهينه اللهُ غايةَ الهوان، ويُذِلَّه غاية الذلّ، ويجعله تحت أقدام خلقه. وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "يقول الله : العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا (٤) منهما عذّبتُه" (٥). وإذا كان المصوّر الذي يصنع الصورة (٦) بيده من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة لتشبّهه (٧) بالله في مجرّد الصنعة، فما الظنّ بالتشبّه بالله في الربوبية والإلهية؟ كما قال ﷺ : "أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة

стр. 384

المصوّرون، يقال لهم: أحْيُوا ما خلقتم" (١). وفي الصحيح عنه ﷺ أنّه قال: "قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا (٢) كخلقي؟ فَلْيخلقوا ذرّةً! (٣) فليخلقوا (٤) شعيرةً" (٥). فنبّه بالذرّة والشعيرة على ما هو أعظم منهما (٦) وأكبر. والمقصود أنّ هذا حال من تشبّه به في صنعة صورة (٧)، فكيف حال من تشبّه به في خواصّ ربوبيته وإلهيته؟ وكذلك من تشبّه به في الاسم (٨) الذي لا ينبغي إلا لله وحده (٩)، كملِك الأملاك، وحاكم الحكّام، ونحوه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّ أخنَع الأسماءِ عند الله رجل تسمّى بشاهان شاه: ملِك الملوك (١٠)، ولا ملِك

стр. 385

إلا الله" (١). وفي لفظ: "أغيَظُ رجلٍ على الله رجلٌ تسمّى بملِك الأملاك" (٢). فهذا مقت الله وغضبه على من تشبّه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له. فهو سبحانه ملِكُ الملوك وحده (٣)، وهو حاكم الحكام وحده، فهو الذي يحكم على الحكام كلهم، ويقضي عليهم كلّهم، لا غيره. فصل إذا تبيّن هذا، فههنا أصل عظيم يكشف سرّ المسألة، وهو أنّ أعظمَ الذنوب عند الله إساءةُ الظنّ به (٤)، فإنّ المسيء به الظنَّ قد ظنّ به خلافَ كماله المقدّس، وظنّ (٥) به ما يناقض (٦) أسماءه وصفاته. ولهذا توعّد الله سبحانه الظانّين به ظنّ السوء بما لم يتوعّد به غيرَهم، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]. وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣].

стр. 386

وقال تعالى حاكيًا (١) عن خليله إبراهيم ﷺ (٢) إنّه قال لقومه: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧]. أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيرَه؟ وماذا ظننتم به حتى (٣) عبدتم معه غيرَه؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك (٤) إلى عبودية غيره؟ فلو ظننتم به ما هو أهله من أنّه بكل شيء عليم، وعلى كلّ شيء قدير، وأنّه غنيّ عن كلّ ما سواه، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه، وأنّه قائم بالقسط على خلقه (٥)، وأنه المتفرّد (٦) بتدبير خلقه، لا يشرَكه فيه غيرُه (٧)، والعالم بتفاصيل الأمورًا فلا تخفى (٨) عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه. وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنّهم محتاجون إلى من يعرّفهم أحوالَ الرعية وحوائجَهم، وإلى من يُعينهم على قضاء

стр. 387

حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم (١) بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورةً لحاجتهم، وعجزهم، وضعفهم، وقصور علمهم. فأما القادرُ على كلّ شيء، الغنيُّ بذاته عن كلّ شيء، العالمُ بكل شيء، الرحمنُ الرحيمُ الذي وسعت رحمتُه كلَّ شيء فإدخالُ الوسائط بينه وبيّن خلقه تنقُّصٌ (٢) بحقّ ربوبيته، وإلهيته، وتوحيده (٣)؛ وظن به ظنَّ السَّوْء. وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفِطَر، وقُبحُه مستقِرّ في العقول السليمة فوقَ كلّ قبيح. ويوضّح هذا أنّ العابد معظِّم لمعبوده، متألِّه له، خاضع ذليل له. والربّ تعالى وحده هو الذي يستحقّ كمال التعظيم والإجلال والتألّه والخضوع والذلّ. وهذا خالص حقّه، فمن أقبح الظلم أن يُعطَى حقُّه (٤) لغيره، أو يُشرَك بينه وبينه فيه، ولا سيّما إذا كان الذي جُعِلَ شريكَه في حقّه هو عبده ومملوكه، كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]. أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكُه شريكَه في رزقه، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد (٥) به، وهو الإلهية التي لا تنبغي لغيري، ولا تصلح لسواي؟ فمن زعم ذلك فما قدَرني حقَّ قدري،

стр. 388

ولا عظّمني حقّ تعظيمي، ولا أفردني بما أنا منفرد (١) به وحدي دون خلقى (٢). فما قدر اللهَ حقّ قدره مَن عبد معه غيرَه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤]. فما قدر اللهَ حقَّ قدره من عبد معه مَن لا يقدر على خلق أضعفِ حيوانٍ وأصغره، وإنْ سلبه (٣) الذبابُ شيئًا مما عليه لم يقدر على استنقاذ منه (٤). وقال تعالى: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. فما قدر مَن هذا شأنُه وعظمتُه حقَّ قدره مَن أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من ذلك البتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه! فما قدر القويَّ العزيزَ حقَّ قدره من أشرك معه الضعيف الذليل! وكذلك ما قدره حقَّ قدره من قال: إنّه لم يرسل إلى خلقه رسولًا ولا أنزل كتابًا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن

стр. 389

منه (١)، من إهمالِ خلقه، وتضييعهم، وتركِهم سدًى، وخلقِهم باطلًا عبثًا. ولا قدَره حقَّ قدره مَن نفى حقائق (٢) أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فنفى سمعه وبصره، وإرادته واختياره، وعلوَّه فوق خلقه، وكلامه، وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد (٣)؛ أو نفى عموم قدرته وتعلّقها بأفعال عباده من طاعاتهم (٤) ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤون بدون مشيئة الربّ؛ فيكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون! تعالى الله (٥) عن قول أشباه المجوس علوًّا كبيرًا. وكذلك ما قدره حقَّ قدره من قال: إنّه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد، ولا له عليه قدرة، ولا تأثير له فيه البتة، بل هو نفس فعل الرب ﷻ ، فيعاقب عبدَه على فعله، وهو (٦) سبحانه الذي جبر العبدَ عليه، وجبرُه على الفعل أعظمُ من إكراه المخلوق للمخلوق. وإذا كان من المستمرّ في الفِطَر والعقول أنّ السيّد لو أكره عبدَه على فعل أو ألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان قبيحًا، فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يُجبر العبدَ على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا هو واقعٌ بإرادته، بل ولا هو فعله البتة، ثمّ يعاقب عليه عقوبة الأبد؟

стр. 390

تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وقول هؤلاء شرّ من قول أشباه المجوس، والطائفتان ما قدروا الله حقّ قدره. وكذلك ما قدره (١) حقَّ قدره من لم يصُنْه عن بئر (٢) ولا حُشّ ولا مكان يُرغب عن ذكره، بل جعله في كلّ مكان؛ وصانه عن عرشه أن يكون مستويًا عليه، يصعد إليه (٣) الكلم الطيّب والعمل الصالح (٤)، وتعرج الملائكة والروح إليه وتنزل من عنده، ويدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه (٥). فصانه عن استوائه على سرير الملك، ثم جعله في كلّ مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه. وما قدره (٦) حقَّ قدره مَن نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا مَن نفى حقيقةَ حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا مَن نفى حقيقة فعله ولم يجعل له فعلًا اختياريًّا يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه، فنفى حقيقة مجيئه (٧) وإتيانه، واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفَوها، وزعموا أنّهم بنفيها قد قدروه حقَّ قدره.
следующие страницы →