← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بطاعته. وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببًا وآفةً: سببًا يجلبه، وآفة تبطله. فجعل أسبابَ نعمِه الجالبةَ لها طاعتَه، وآفاتِها المانعةَ منها (١) معصيتَه. فإذا أراد حفظَ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذَلَه حتى عصاه بها. ومن العجب علمُ العبدِ بذلك مشاهدةً في نفسه وغيره، وسماعًا لما غاب عنه مِن أخبار مَن أزيلت نِعمُ الله عنهم بمعاصيه، وهو مقيم على معصية الله، كأنّه مستثنىً من هذه الجملة، أو مخصوص من هذا العموم، وكأنّ هذا أمر جارٍ على الناس لا عليه (٢)، وواصلٌ إلى الخلق لا إليه! فأيّ جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا؟ فالحكم لله العلي الكبير. فصل ومن عقوباتها: أنها تباعد عن العبد وليَّه، وأنفعَ الخلقِ له، وأنصحَهم له، ومَن سعادتُه في قربه منه، وهو الملَك الموكَّلُ به. وتُدني منه عدوَّه، وأغشَّ الخلق له وأعظمَهم ضررًا له، وهو الشيطان. فإنّ العبد إذا عصى الله تباعد منه الملَك بقدر تلك المعصية، حتّى إنّه يتباعد عنه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة.

стр. 317

وفي بعض الآثار: "إذا كذب العبدُ تباعد منه الملَك ميلًا مِن نتَنِ ريحه" (١). فإذا كان هذا تباعُدَ المَلكِ منه من كذبة واحدة، فماذا يكون مقدارُ بعده منه مما هو أكبر من ذلك وأفحش منه؟ وقال بعض السلف: إذا ركب الذكَرُ الذكَرَ عجّت الأرضُ إلى الله، وهربت الملائكةُ إلى ربّها، وشكتْ إليه عظيمَ ما رأتْ (٢). وقال بعض السلف: إذا أصبح العبدُ ابتدره الملَك والشيطانُ، فإن (٣) ذكر الله وكبّره وحمِده وهلّله طرد الملكُ الشيطانَ وتولّاه، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه (٤)، وتولّاه الشيطان (٥). ولا يزال الملَك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والغلبة والطاعة

стр. 318

له. فتتولّاه الملائكة في حياته، وعند موته، وعند بعثه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣١]. وإذا تولّاه الملَكُ تولّاه أنصحُ الخلق (١) وأنفعُهم وأبرّهم، فثبّته، وعلّمه، وقوّى جَنانَه، وأيّده. قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. ويقول له الملك عند الموت: لا تخف، ولا تحزن، وأبشِر بالذي يسرّك (٢). ويُثبِّتهُ بالقول الثابت أحوجَ ما يكون إليه في الحياة الدنيا، وعند الموت، وفي القبر عند المساءلة. فليس أحد أنفعَ للعبد من صحبة الملَك له، وهو وليّه في يقظته ومنامه، وحياته، وعند موته، وفي قبره، ومؤنسُه (٣) في وحشته، وصاحبُه في خلوته، ومحدّثُه في سرّه. يحارب عنه عدوَّه، ويدافعه عنه، ويعينه عليه، ويعِدُه بالخير، ويبشّره به، ويحثّه على التصديق بالحقّ، كما جاء في الأثر (٤) الذي يروى مرفوعًا وموقوفًا: "إنّ لِلملَكِ بقلب ابن آدم لَمَّةً، وللشيطان لَمّةً. فلمّةُ الملَك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالوعد، ولَمَّةُ الشيطان إيعاد بالشرّ وتكذيب بالحق" (٥).

стр. 319

وإذا اشتدّ قربُ الملك من العبد تكلّم على لسانه، وألقى على لسانه القولَ السديدَ. وإذا بعُدَ منه، وقرُبَ منه الشيطان، تكلّم على لسانه، وألقى عليه (١) قول الزور والفحش، حتى ترى (٢) الرجلَ يتكلّم على لسانه الملَكُ، والرجلَ يتكلم على لسانه الشيطانُ. وفي الحديث: "إنّ السكينة تنطق على لسان عمر" (٣).

стр. 320

وكان أحدهم يسمع الكلمة الصالحة من الرجل، فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الملَكُ (١). ويسمع ضدَّها، فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الشيطانُ. فالملَكُ يُلقي في القلب الحقَّ، ويُلقيه على اللسان. والشيطانُ يُلقي الباطل في القلب، ويُجريه على اللسان. فمن عقوبة المعاصي أنّها تُبعِد من العبد وليَّه الذي سعادتُه في قربِه ومجاورته وموالاتِه، وتُدني منه عدوَّه الذي هلاكُه وشقاوتُه (٢) وفساده في قربِه وموالاتِه، حتّى إنّ الملَكَ لَينافحُ عن العبد ويرُدّ عنه إذا سفِه عليه السفيهُ وسبّه، كما اختصم بين يدي النبي ﷺ رجلان، فجعل أحدهما يسبّ الآخَر وهو ساكت، فتكلّم بكلمة يرد بها على صاحبه، فقام النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله لمّا رددتُ عليه بعضَ قوله قمتَ. فقال: "كان الملك ينافح عنك، فلمّا رددتَ عليه جاء الشيطانُ، فلم أكن لأجلِسَ" (٣).

стр. 321

وإذا دعا العبد المسلم لأخيه بظهر الغيب أمّن الملَكُ على دعائه، وقال: لك بمثله (١). وإذا فرغ من قراءة الفاتحة أمّنت الملائكةُ على دعائه (٢). وإذا أذنب العبد المؤمن الموحد المتبع لسبيله وسنة رسوله استغفر له حملةُ العرش ومن حوله (٣). وإذا نام على وضوء بات في شِعاره ملَكٌ (٤).

стр. 322

فملَكُ المؤمنِ يردّ عنه ويحارب ويدافع، ويعلّمه، ويثبّته، ويشجّعه. فلا يليق به أن يسيءَ جوارَه، ويبالغَ في أذاه وطردِه عنه وإبعادِه، فإنّه ضيفه وجاره. وإذا كان إكرام الضيف من الآدميين والإحسان إلى الجار من لزوم الإيمان وموجَباته، فما الظنّ (١) بإكرام أكرَمِ الأضيافِ وخير الجيران وأبرّهم؟ وإذا آذى العبدُ الملَكَ بأنواع المعاصي والظلم والفواحش دعا عليه ربّه وقال: لا جزاك الله خيرًا (٢)، كما يدعو له إذا أكرمه بالطاعة والإحسان. قال بعض الصحابة: "إنّ معكم من لا يفارقكم، فاستحيُوا منهم وأكرِموهم" (٣). ولا ألأمَ ممّن لا يستحي من الكريم العظيم القدرِ، ولا

стр. 323

يُجلّه، ولا يوقّره. وقد نبّه سبحانه على هذا المعنى بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١] أي: استحيُوا هؤلاء (١) الحافظين الكرامَ، وأكرِمُوهم، وأجِلُّوهم أن يروا منكم ما تستحيُوا (٢) أن يراكم عليه مَن هو مثلُكم. والملائكة تتأذّى مما يتأذّى منه بنو آدم (٣). فإذا كان ابن آدم يتأذّى ممن يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان قد يعمل مثل عمله، فما الظنّ بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ والله المستعان.

стр. 324

فصل ومن عقوباتها: أنّها تستجلب موادّ هلاك العبد في دنياه وآخرته. فإنّ الذنوب هي أمراض متى استحَكمَتْ قتلَتْ، ولابدّ. وكما أنّ البدن لا يكون صحيحًا إلا بغذاءٍ يحفظ قوته، واستفرغ يستفرغ الموادّ الفاسدة والأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، وحِميةٍ يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ويخشى ضررَه؛ فكذلك القلبُ لا تتمّ حياتُه إلا بغذاءٍ من الإيمان والأعمال الصالحة يحفظ قوته، واستفرغ بالتوبة النصوح يستفرغ (١) الموادّ الفاسدة والأخلاط الرديئة منه، وحميةٍ تُوجِب له حفظ الصحة وتجنّب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضادّ الصحة. والتقوى اسم متناول (٢) لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره. وإذا تبين هذا فالذنوب مضادّة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب الموادّ المؤذية، وتُوجب التخليطَ المضادَّ للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح. فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط الرديئة (٣) وموادّ المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها، كيف تكون صحته وبقاؤه؟ ولقد أحسن (٤) القائل:

стр. 325

جسمُك بالحِمْية حصّنتَه … مخافةً من ألم طاري وكان أولى بك أن تحتمي … من المعاصي خشيةَ النار (١) فمن حفظ القوةَ بامتثال الأوامر، واستعمل الحِمْيةَ باجتناب النواهي، واستفرغ التخليطَ بالتوبة النصوح = لم يدَعْ للخير مطلبًا، ولا من الشرّ مهربًا. والله المستعان. فصل فإن لم ترُعْك (٢) هذه العقوبات، ولم تجد (٣) لها تأثيرًا في قلبك، فأحضِره (٤) العقوباتِ الشرعيةَ التي شرعها الله ورسوله على الجرائم، كما قطع اليد في سرقة ثلاثة دراهم، وقطَع اليدَ والرجلَ في قطع الطريق على معصوم المال والنفس. وشقَّ الجلدَ بالسوط على كلمة قذفٍ لمحصَن، أو قطرةِ خمرٍ يُدخِلها جوفَه. وقتَلَ بالحجارة أشنعَ قِتلةٍ في إيلاج الحشفة في فرج حرام، وخفّف هذه العقوبة عمّن لم يتم عليه نعمة الإحصان بمائة جَلدةٍ ونفي سنة عن وطنه وبلده إلى بلاد الغربة. وفرّق بين رأس العبد وبدنه إذا وقع على ذاتِ رحمٍ محرّم منه (٥)، أو ترَكَ الصلاةَ المفروضة، أو تكلم بكلمة كفر. وأمر بقتلِ من وطئ ذكرًا مثله

стр. 326

وقتلِ المفعول به. وأمر بقتل من أتى بهيمةً وقتل البهيمة معه. وعزم على تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة. وغير ذلك من العقوبات التي رتّبها على الجرائم، وجعلها بحكمته على حسب الدواعي إلى تلك الجرائم (١)، وحسب الوازع عنها. فما كان الوازع عنه طبيعيًّا (٢) وليس في الطباع داعٍ إليه اكتفى فيه بالتحريم مع التعزير ولم يرتّب عليه حدًّا كأكل الرجيع، وشرب الدم، وأكل الميتة. وما كان في الطباع داعٍ إليه رتّب عليه من العقوبة بقدر مفسدته وبقدر داعي الطبع إليه (٣). ولهذا لما كان داعي الطباع إلى الزِّنى من أقوى الدواعي كانت عقوبته العظمى أشنعَ القتلات (٤) وأعظمَها، وعقوبته السهلة أعلى أنواع الجَلْد مع زيادة التغريب. ولما كان اللواط فيه الأمران كان حدّه القتل بكل حال. ولما كان داعي السرقة قويًّا، ومفسدتها كذلك، قطع فيها (٥) اليد. وتأمّلْ حكمتَه في إفساد العضو الذي باشرَ به الجناية، كما أفسد على قاطع الطريق يدَه ورجلُه اللتين هما آلة قطعه، ولم يُفسِدْ على القاذف لسانَه الذي جنى به، إذ مفسدة قطعه تزيد على مفسدة الجناية ولا تبلغها، فاكتفى من ذلك بإيلام جميع بدنه بالجلد.

стр. 327

فإن قيل: فهلّا أفسد على الزاني فرجه الذي باشر به المعصية؟ قيل (١): لوجوه: أحدها: أن مفسدة ذلك تزيد على مفسدة الجناية، إذ فيه قطع النسل وتعريضه للهلاك. الثاني: أنّ الفرج عضو مستور لا يحصل بقطعه مقصود الحدّ من الردع والزجر لأمثاله من الجُناة، بخلاف قطع اليد. الثالث: أنّه إذا قطع يدَه أبقى له يدًا أخرى تُعوِّض عنها، بخلاف الفرج. الرابع: أنّ لذة الزنى عمّت جميع البدن، فكان الأحسن أن تعمّ العقوبة جميع البدن، وذلك أولى من تخصيصها ببَضْعة منه. فعقوبات الشارع جاءت على أتمّ الوجوه، وأوفقِها للعقل، وأقوَمِها بالمصلحة. والمقصود أنّ الذنوب إمّا أن تترتّب (٢) عليها العقوبات الشرعية أو القدرية (٣)، أو يجمعهما الله للعبد، وقد يرفعهما (٤) عفن تاب وأحسن. فصل وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية. فإذا أقيمت الشرعيةُ (٥)

стр. 328

رفَعَتْ العقوباتِ القدريةَ أو خففتها. ولا يكاد الربّ تعالى يجمع على عبده (١) بين العقوبتين، إلا إذا لم تفِ إحداهما برفع موجَب الذنب ولم تكفِ في زوال دائه (٢). وإذا عُطِّلت العقوبات الشرعية استحالت قدريةً، وربما كانت أشدّ من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنّها تعمّ، والشرعية تخصّ، فإنّ الرب ﵎ لا يعاقِب شرعًا إلا من باشر الجناية أو تسبّب إليها. وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامّةً وخاصّةً، فإنّ المعصية إذا خفيت لم تضرّ إلا صاحبَها، وإذا أُعلِنت ضرّت الخاصة والعامة. وإذا رأى الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمّهم الله بعقابه. وقد تقدّم أنّ العقوبة الشرعية شرعها الله سبحانه على قدر مفسدة الذنب وتقاضي الطبع له (٣)، وجعلها سبحانه ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد. وجعل القتل بإزاء الكفر وما يليه ويقرب منه، وهو الزنا واللواط، فإنّ هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد الإنساب ونوع الإنسان. قال الإِمام أحمد: لا أعلم بعد القتل ذنبًا أعظم من الزنى (٤)، واحتجّ بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: يا رسول الله أيّ الذنب أعظم (٥)؟ قال: "أن تجعل لله نِدًّا وهو خَلَقَك" قال: قلتُ: ثمّ أيّ؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافةَ أن يطعَمَ معك". قال: قلتُ: ثمّ أيّ؟ قال: "أن تُزانيَ

стр. 329

بحليلة جارك. فأنزل الله سبحانه تصديقَها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] (١). والنبي ﷺ ذكر من كل نوع أعلاه، ليطابق جوابُه سؤالَ السائل، فإنه سأله عن أعظم الذنب، فأجابه بما تضمّن ذكرَ أعظمِ أنواعها، وما هو أعظم كل نوع. فأعظم أنواع الشرك: أن يجعل العبد لله نِدًّا. وأعظم أنواع القتل: أن يقتل ولدَه خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه. وأعظم أنواع الزنى: أن يزني بحليلة جاره، فإنّ مفسدة الزنى تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحقّ. فالزنى (٢) بالمرأة التي لها زوج أعظمُ إثمًا وعقوبة من التي لا زوج لها، إذ فيه انتهاكُ حرمة الزوج، وإفسادُ فراشه، وتعليقُ نسبٍ عليه لم يكن منه، وغير ذلك من أنواع أذاه. فهو أعظم إثمًا وجرمًا من الزنى بغير ذات البعل. فإن كان زوجها جارًا له انضاف إلى ذلك (٣) سوءُ الجوار وأذى

стр. 330

جاره (١) بأعلى أنواع الأذى، وذلك من أعظم البوائق. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخل الجنةَ من لا يأمن جارُه بوائقَه" (٢). ولا بائقةَ أعظمُ من الزنى بامرأته، فالزنى بمائة امرأة لا زوج لها أيسرُ عند الله من الزنى بامرأة الجار. فإن كان الجار أخًا له أو قريبًا من أقاربه انضمّ إلى ذلك قطيعةُ الرحم، فيتضاعف (٣) الإثم. فإن كان الجار غائبًا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد تضاعفَ الإثمُ، حتّى إنّ الزاني بامرأة المغازي في سبيل الله يوقَف له يوم القيامة، ويقال (٤): خُذ من حسناته ما شئتَ. قال النبي- ﷺ : "فما ظنّكم؟ " (٥) أي ما ظنّكم أن (٦) يترك له من حسنات؟ قد حُكِّم في أن يأخذ منها ما شاء، على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة، حيثُ لا يترك

стр. 331

الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقًا يجب له (١) عليه. فإن اتفق أن تكون المرأة رحمًا منه انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها. فإن اتفق أن يكون الزاني محصَنًا كان الإثم أعظم، فإن كان شيخًا كان أعظم إثمًا (٢)، وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلّمهم الله يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم (٣). فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت معظّم عند الله كأوقات الصلاة وأوقات الإجابة = تضاعف الإثمُ. وعلى هذا فاعتبِر مفاسدَ الذنوب، وتضاعُفَ درجاتها في الإثم والعقوبة. والله المستعان. فصل وجعل سبحانه القطعَ بإزاء إفساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإنّ السارق لا يمكن الاحتراز منه؛ لأنّه يأخذ المال في اختفاء، وينقُب الدُّورَ، ويتسوّر من غير الأبواب، فهو كالسنّور أو الحية (٤) التي تدخل عليك من حيث لا تعلم. فلم ترتفع مفسدة سرقته إلى القتل، ولا تندفعُ بالجلد، فأحسنُ ما دُفِعَتْ به مفسدتُه إبانة العضو الذي يتسلّط به على الجناية.

стр. 332

وجعل الجَلْدَ بإزاء إفساد العقول (١) وتمزيق الأعراض بالقذف. فدارت عقوباته -سبحانه- الشرعية على هذه الأنواع الثلاثة، كما دارت الكفارات على ثلاثة أنواع: العتق وهو أعلاها، والإطعام، والصيام. ثم إنّه سبحانه جعل الذنوبَ ثلاثة أقسام: قسمًا (٢) فيه الحدّ، فهذا لم يشرع فيه كفارة، اكتفاءَ بالحدّ. وقسمًا لم يرتِّبْ عليه حدًّا، فشرع فيه الكفّارةَ كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام، والظهار، وقتل الخطأ، والحنث في اليمين، وغير ذلك. وقسمًا لم يرتِّبْ عليه حدًّا ولا كفارة، وهو نوعان: أحدهما: ما كان الوازع عنه طبعيًّا كأكل العَذِرة، وشرب البول والدم. والثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتّب عليه الحد كالنظر، والقُبْلة، واللمس، والمحادثة، وسرقة فلس، ونحو ذلك. وشرع الكفّارة في ثلاثة أنواع: أحدها: ما كان (٣) مباح الأصل ثم عرض تحريمه، فباشره في الحال التي عرض فيها التحريم، كالوطء في الإحرام والصيام (٤) وطَرْدُه الوطءُ

стр. 333

في الحيض والنفاس، بخلاف الوطء في الدبر، ولهذا كان إلحاق بعض الفقهاء له بالوطء في الحيض (١) لا يصحّ، فإنّه لا يباح (٢) في وقت دون وقت، فهو بمنزلة التلوّط وشرب المسكر. النوع الثاني: ما عقده لله من نذر، أو بالله من يمين، أو حرّمه الله ثم أراد حِلّه؛ فشرع الله سبحانه حِلَّه بالكفارة، وسماها تحِلّةً. وليست هذه الكفارة ماحيةً لهتك حرمة الاسم (٣) بالحِنْث كما ظنّه بعض الفقهاء، فإنّ الحنث قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا (٤)، وقد يكون مباحًاة وإنما الكفارة حِلّ لما عقده. النوع الثالث: ما تكون (٥) فيه جابرةً لما فات، ككفارة قتل الخطأ (٦) وإن لم يكن هناك إثم، وكفارة قتل الصيد خطأً، فإنّ ذلك من باب الجوابر. والنوع الأول من باب الزواجر، والنوع الوسط من باب التحلة لما منعه العقد. ولا يجتمع الحدّ والتعزير في معصية، بل إن كان فيها حدّ اكتفيَ به، وإلا اكتفى بالتعزير. ولا يجتمع الحدّ والكفارة في معصية، بل كلّ معصية فيها حدّ (٧) فلا كفارة فيها، وما فيه كفارة فلا حدّ فيه.

стр. 334

وهل يجتمع التعزير والكفارة في المعصية التي لا حد فيها؟ فيه وجهان. وهذا كالوطء في الإحرام والصيام، ووطء الحائض، إذا أوجبنا فيه الكفارة. فقيل: يجب التعزير لما انتُهِك من الحرمة بركوب الجناية. وقيل: لا تعزير في ذلك اكتفاء بالكفارة؛ لأنها (١) جابرة وماحية. فصل وأما العقوبات القدرية فهي نوعان: نوع على القلوب والنفوس، ونوع على الأبدان والأموال. والتي على القلوب (٢) نوعان: أحدهما: آلام وجودية يُضرَب بها القلبُ. والثاني: قطع الموادّ التي بها حياته وصلاحه عنه. وإذا قطعت (٣) عنه حصل له أضدادها. وعقوبة القلوب أشد العقوبتين، وهي أصل عقوبة الأبدان. وهذه العقوبة تقوى وتتزايد حتى تسري من القلب إلى البدن، كما يسري ألم البدن إلى القلب. فإذا فارقت النفسُ البدنَ صار الحكم متعلّقًا بها، فظهرت عقوبة القلب حينئذ، وصارت عيانيّة (٤) ظاهرةً، وهي المسمّاة بعذاب القبر. ونسبته إلى البرزخ كنسبة عذاب الأبدان إلى هذه الدار.

стр. 335

فصل والتي على الأبدان أيضًا نوعان: نوعٌ في الدنيا. ونوع في الأخرى. وشدّتها ودوامها بحسب مفاسد ما رُتبت عليه في الشدة والخفّة. فليس في الدنيا والآخرة (١) شرّ أصلًا إلا الذنوب وعقوباتها، فالشر (٢) اسم لذلك كله. وأصله من شرّ النفس وسيئات الأعمال، وهما الأصلان اللذان كان النبي ﷺ يستعيذ منهما في خطبته بقوله: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا" (٣). وسيئات الأعمال من شرور النفس، فعاد الشرّ كلّه إلى شرّ النفس، فإنّ سيئات الأعمال من فروعه وثمراته. وقد اختلف في معنى قوله: "ومن سيئات أعمالنا"، هل معناه:

стр. 336

السيّئ من أعمالنا، فيكون من باب إضافة النوع إلى جنسه ويكون بمعنى "من"؟ وقيل: معناه: من عقوباتها التي تسوء، فيكون التقدير: ومن عقوبات أعمالنا التي تسوؤنا (١). ويرجِّح هذا القول أنّ الاستعاذة تكون قد تضمّنت جميع الشرّ، فإنّ شرور الأنفس تستلزم الأعمال السيئة، وهي تستلزم العقوبات السيئة فنبّه بشرور الأنفس على ما تقتضيه من قبح الأعمال، واكتفى بذكرها منه إذ هي أصله. ثم ذكر غاية الشرّ ومنتهاه، وهو السيئات التي تسوء العبد من عمله من العقوبات والآلام. فتضمنت هذه الاستعاذة أصلَ الشرِّ، وفروعَه، وغايتَه، ومقتضاه (٢). ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قولهم: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر: ٩]. فهذا يتضمن طلبَ وقايتهم (٣) من سيئات الأعمال وعقوباتها التي تسوء صاحبها، فإنّه سبحانه متى وقاهم العملَ السيّئَ وقاهم جزاءه السيّئ، وإن كان قوله (٤): ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أظهرَ في عقوبات الأعمال المطلوبِ وقايتُها يومئذ. فإن قيل: فقد سألوه سبحانه أن يقيَهم عذاب الجحيم، وهذا هو وقاية العقوبات السيئة، فدلّ على أنّ المراد بالسيئات التي سألوا وقايتها: الأعمال السيئة، ويكون الذي سأله الملائكة نظيرَ ما استعاذ منه

стр. 337

النبي ﷺ . ولا يرد على هذا قوله (يومئذ) فإنّ المطلوب وقاية شرور سيئات الأعمال ذلك اليوم، وهي سيئات في أنفسها. قيل: وقاية السيئات نوعان: أحدهما: وقاية فعلها بالتوفيق فلا تصدر منه. والثاني: وقاية جزائها بالمغفرة فلا يعاقب عليها. فقد تضمنت (١) الآية سؤال الأمرين، والظرف تقييد للجملة الشرطية لا للجملة الطلبية (٢). وتأمّل ما تضمّنه هذا الخبر عن الملائكة من مدحهم بالإيمان والعمل الصالح والإحسان إلى المؤمنين بالاستغفار لهم. وقدَّموا بين يدي استغفارهم توسّلَهم إلى الله سبحانه بسعة علمه وسعة رحمته (٣). فسعةُ علمه تتضمّن علمَه بذنوبهم وأسبابِها، وضعفِهم عن العصمة، واستيلاءِ عدوّهم وأنفسهم وهواهم وطباعهم، وما زين لهم من الدنيا وزينتها؛ وعلمَه بهم إذ أنشأهم من الأرض وإذ هم أجنّة في بطون أمهاتهم، وعلمَه السابق بأنّه (٤) لابدّ أن يعصوه، وأنَّه يحبّ العفو والمغفرة، وغير ذلك من سعة علمه الذي لا يحيط به أحد سواه. وسعة رحمته تتضمن أنّه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به (٥) أهلِ توحيده ومحبته، فإنّه واسع الرحمة، لا يخرج عن دائرة رحمته إلا

стр. 338

الأشقياء، ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته التي (١) وسعَتْ كلَّ شيء. ثم سألوه (٢) أن يغفر للتائبين الذين اتبعوا سبيله -وهو صراطه الموصل إليه الذي هو معرفته ومحبته وطاعته- فتابوا ممّا يكره، واتّبعوا السبيل التي يحبها. ثم سألوه أن يقيهم عذاب الجحيم، وأن يدخلهم والمؤمنين من أصولهم وفروعهم وأزواجهم جنّاتِ عدن التي وعدهم بها. وهو سبحانه وإن كان لا يخلف الميعاد فإنّه وعدهم بها (٣) بأسباب من جملتها: دعاء ملائكته لهم بأن يدخلهم إياها برحمته، فدخلوها (٤) برحمته التي منها أن وفّقهم لأعمالها، وأقام ملائكته يدعون لهم بدخولها. ثم أخبر سبحانه عن ملائكته أنّهم قالوا عقيب هذه الدعوة: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾ أي مصدر ذلك وسببه وغايته صادر عن كمال قدرتك وكمال علمك. فالعزة كمال القدرة، والحكمة كمال العلم. وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه ما يشاء (٥)، ويأمر وينهى، ويثيب ويعاقب. فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر. والمقصود: أنّ عقوبات السيئات تتنوع إلى: عقوباتٍ شرعيةٍ.

стр. 339

وعقوباتٍ قدريةٍ. وهي إما في القلب، وإما في البدن، وإما فيهما. وعقوباتٍ في دار البرزخ (١) بعد الموت. وعقوباتٍ يوم حشر الأجساد. فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو (٢) فيه من العقوبة؛ لأنّه بمنزلة السكران والمخدَّر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصحا أحسّ بالمؤلم. فترتّبُ العقوبات على الذنوب (٣) كترتّب الإحراق على النار، والكسر على الانكسار (٤)، والإغراق على الماء، وفساد البدن على السموم، والأمراض على الأسباب الجالبة لها. وقد تقارن المضرة للذنب، وقد تتأخر عنه إمّا يسيرًا وإمّا مدةً (٥)، كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه. وكثيرًا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام، ويذنب الذنب فلا يرى أثره عقيبه، ولا يدري أنه يعمل عمله على التدريج شيئًا فشيئًا، كما تعمل السموم والأشياء الضارّة حذو القُذّة بالقذّة. فإنْ تدارك العبدُ بالأدوية والاستفراغ والحمية وإلا (٦) فهو صائر إلى الهلاك. هذا إذا كان ذنبًا واحدًا لم يتداركه بما يزيل أثره، فكيف بالذنب على الذنب كلّ يوم (٧) وكلّ ساعة؟ فالله المستعان.

стр. 340

فصل فاستحضِرْ بعض العقوبات التي رتّبها الله سبحانه على الذنوب، وجوِّزْ وصول بعضها إليك، واجعل ذلك (١) داعيًا للنفس إلى هجرانها. وأنا أسوق لك منها طرفًا يكفي العاقل مع التصديق ببعضه. فمنها: الختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار، والإقفال على القلوب، وجعل الأكِنّة عليها، والرين عليها والطبع، وتقليب الأفئدة والأبصار، والحيلولة بين المرء وقلبه، وإغفال القلب عن ذكر الربّ، وإنساء الإنسان نفسه، وترك إرادة الله تطهيرَ القلب، وجعل الصدر ضيّقًا حرجًا كأنما يصعّد في السماء، وصرف القلوب عن الحق، وزيادتها مرضًا على مرضها، وإركاسها ونكسها بحيث تبقى منكوسة؛ كما ذكر الإِمام أحمد (٢) عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال: القلوب أربعة: فقلبٌ أجرَدُ فيه سراج يُزهِر، فذلك قلب المؤمن. وقلبٌ أغلَفُ، فذلك قلب الكافر. وقلبٌ منكوس، فذلك

стр. 341

قلب المنافق. وقلبٌ تُمِدُّه مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق، وهو لما غَلَبَ عليه منهما (١). ومنها: التثبيط عن الطاعة والإقعاد عنها. ومنها: جعل القلب أصمّ لا يسمع الحقّ، أبكم لا ينطق به، أعمى لا يراه؛ فيصير النسبة بين القلب وبين الحقّ الذي لا ينفعه غيره كالنسبة بين أذن الأصمّ والأصوات، وعين الأعمى والألوان، ولسان الأخرس والكلام. وبهذا يعلم (٢) أنّ الصمَم والبكَم والعَمَى للقلب بالذات والحقيقة، وللجوارح بالعرض والتبعية. ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. وليس المراد نفي العمى الحسّي عن البصر، كيف وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس: ١ - ٢]. وإنّما المراد أنّ العمى التامّ في الحقيقة عمى القلب، حتى إنّ عمى البصر بالنسبة إليه كلا عمى، حتّى إنه يصح نفيه بالنسبة إلى كماله وقوته، كما قال (٣) ﷺ : "ليس الشديد بالصُّرَعة، ولكنّ الذي يملك نفسه عند الغضب، (٤). وقوله: "ليس المسكين بالطوّاف الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن

стр. 342

المسكين الذي لا يسأل الناس، ولا يُفطَن له فيتُصدّقَ عليه" (١) ونظائره كثيرة. والمقصود أنّ من عقوبات المعاصي جعلَ القلبِ أعمى أصمّ أبكم. ومنها: الخسف بالقلب، كما يخسف بالمكان وما فيه، فيخسف به إلى أسفل سافلين، وصاحبه لا يشعر. وعلامة الخسف به أن لا يزال جوّالًا حول السفليات والقاذورات والرذائل، كما أنّ القلب الذي رفعه الله وقرّبه إليه لا يزال جوّالًا حول البر والخير ومعالي الأعمال والأقوال والأخلاق. قال بعض السلف: إنّ هذه القلوب جوّالة، فمنها ما يجول حول العرش، ومنها ما يجول حول الحُشّ (٢). ومنها: مسخ القلب، فيُمسَخ كما تمسخ الصورة، فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته. فمن القلوب ما يمسَخ على خُلُق خنزير (٣) لشدة شبه صاحبه به (٤)، ومنها ما

стр. 343

يمسخ على خُلُق (١) كلب أو حمار أو حيّة أو عقرب وغير ذلك (٢). وهذا تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] قال: منهم من يكون على أخلاق السباع العادية، ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب وأخلاق الخنزير (٣) وأخلاق الحمار، ومنهم من يتطوّس في ثيابه كما يتطوّس الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليدًا كالحمار، ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك، ومنهم من يألَف ويُؤلَف كالحمام، ومنهم الحقود كالجمل، ومنهم الذي هو خير كلّه كالغنم، ومنهم أشباه الذئاب، ومنهم أشباه الثعالب التي تروغ كروغانها (٤). وقد شبّه الله تعالى أهل الجهل (٥) والغيّ بالحُمُر تارةً (٦)، وبالكلب تارةً (٧)، وبالأنعام تارةً (٨). وتقوى هذه المشابهة باطنًا، حتّى تظهر في

стр. 344

الصورة الظاهرة ظهورًا خفيفًا (١) يراه المتفرّسون، وتظهر في الأعمال ظهورًا يراه كلّ أحد. ولا يزال يقوى حتى يستتبعَ (٢) الصورة، فتنقلب له الصورة بإذن الله، وهو المسخ التامّ، فيقلب الله سبحانه (٣) الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان، كما فعل باليهود وأشباههم، ويفعل بقوم من هذه الأمة: يمسخهم قردة وخنازير (٤). فسبحان الله، كم من قلب منكوس وصاحبُه لا يشعر! وقلبٍ ممسوخ، وقلب مخسوفٍ به! وكم من مفتون بثناء الناس عليه، ومغرورٍ بستر الله عليه"، ومستدرج بنعَم الله عليه! وكل هذه عقوبات وإهانة، ويظنّ الجاهل أنها (٥) كرامة. ومنها: مكر الله بالماكر، ومخادعته للمخادع، واستهزاؤه بالمستهزئ، وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق. ومنها: نكسُ القلبِ حتى يرى الباطل حقًّا والحق باطلًا، والمعروف

стр. 345

منكرًا والمنكرَ معروفًا، ويُفسد ويرى أنه يُصلح، ويصدّ عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها (١)، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنّه على الهدى، ويتّبع (٢) هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه. وكلّ هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلوب. ومنها: حجاب القلب عن الربّ في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٤ - ١٥]. فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبيّن قلوبهم، فيصلوا إليها، فيَروا ما يُصلِحها ويزكّيها، وما يُفسدها ويُشقيها؟ وأن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبيّن ربهم، فتصل القلوب إليه، فتفوز بقربه وكرامته، وتقرَّ به عينًا، وتطيب به نفسًا، بل كانت الذنوب حجابًا بينهم وبيّن قلوبهم، وحجابًا بينهم وبيّن ربّهم وخالقهم. ومنها: المعيشة الضَّنْك في الدنيا وفي البرزخ، والعذاب في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤]. وفُسِّرت المعيشة الضنك بعذاب القبر (٣)، ولا ريب أنّه من المعيشة

стр. 346

الضنك، والآية تتناول ما هو أعمُّ منه، وإن كانت نكرةً في سياق الإثبات، فإنّ عمومها من حيث المعنى (١)، فإنّه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره. فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة (٢) بحسب إعراضه، وإن تنعّم في الدنيا بأصناف النعيم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنّما يواريه عنه سكرُ الشهوات والعشق وحبّ الدنيا والرياسة، إن لم ينضمَّ إلى ذلك سكرُ الخمر! فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر، فإنّه يفيق صاحبه ويصحو، وسكرُ الهوى وحبّ الدنيا لا يصحو (٣) صاحبه إلا إذا

стр. 347

صار (١) في عسكر الأموات. فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله ﷺ في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده. ولا تقرّ العين، ولا يهدأ القلب، ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حقّ، وكلّ معبود سواه باطل. فمن قرّت عينه بالله قرّت به كلُّ عين، ومن لم تقرّ عينه بالله (٢) تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. والله تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحًا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. فضَمِن لأهل الإيمانِ والعملِ الصالحِ الجزاءَ في الدنيا بالحياة الطيّبة وبالحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب الحياتين، وهم أحياء في الدارين. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾ [النحل: ٣٠]. ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]. ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة، وحصلوا على الحياة الطيبة في الدارين، فإنّ طيبَ النفس وسرورَ القلب وفرحَه ولذّتَه وابتهاجَه وطمأنينتَه وانشراحَه ونورَه وسعتَه وعافيتَه من الشهوات

стр. 348

المحرّمة والشبهات الباطلة = هو النعيم على الحقيقة. ولا نسبة لنعيم البدن إليه، فقد كان يقول بعض من ذاق هذه اللذّة: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (١). وقال آخر: إنّه ليمرّ (٢) بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنّة في مثل هذا إنّهم لفي عيش طيب (٣). وقال آخر: إنّ في الدنيا جنّة، هي في الدنيا كالجنة في الآخرة، فمن دخلها دخل تلك الجنّة، ومن لم يدخلها لم يدخل جنّةَ الآخرة (٤). وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الجنّة بقوله: "إذا مررتم برياض الجنّة فارتَعوا". قالوا: وما رياض الجنّة؟ قال: "حِلَق الذكر" (٥).

стр. 349

وقال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة" (١). ولا تظن أنّ (٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة. وأي لذة ونعيم (٣) في الدنيا أطيب من برّ القلب، وسلامة الصدر، ومعرفة الربّ تعالى ومحبته، والعمل على موافقته؟ وهل العيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم؟ وقد أثنى الله تعالى على خليله بسلامة قلبه فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٤]. وقال حاكيًا عنه أنه قال (٤): ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك، والغِلّ، والحقد، والحسد، والشحّ، والكبر، وحبّ الدنيا والرياسة. فسلِمَ من كلّ آفة تُبعده من الله (٥)، وسلِمَ من كلّ شبهة تعارض خبرَه، ومن كلّ شهوة تعارض أمرَه، وسلِمَ من كل إرادة تزاحم مراده، وسلِمَ من كلّ قاطع

стр. 350

يقطع عن الله. فهذا القلب السليم في جنّة معجّلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ (١)، وفي الجنّة يوم المعاد. ولا تتمّ له سلامته (٢) مطلقًا حتى يسلَم من خمسة أشياء: من شركٍ يناقض التوحيد، وبدعةٍ تخالف السنّة، وشهوةٍ تخالف الأمر، وغفلةٍ تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والإخلاص. وهذه الخمسة حُجُب عن الله، وتحتَ كل واحدٍ (٣) منها أنواع كثيرة تتضمّن أفرادًا لا تنحصر. ولذلك اشتدّت حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراطَ المستقيمَ. فليس العبدُ أحوجَ منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء انفعَ له (٤) منها. فإنّ الصراط المستقيم يتضمّن علومًا وإراداتٍ وأعمالًا وتُروكًا ظاهرةً وباطنةً تجري عليه كلَّ وقت، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد، وقد لا يعلمها، وقد يكون ما لا يعلمه أكثرَ مما يعلمه. وما يعلمه (٥) قد يقدر عليه، وقد لا يقدر عليه (٦)، وهو من الصراط المستقيم وإن عجز عنه. وما يقدر عليه قد تريده نفسه، وقد لا تريده (٧) كسلًا وتهاونًا أو لقيام مانعٍ (٨) وغير ذلك. وما تريده قد يفعله، وقد لا

стр. 351

يفعله. وما يفعله قد يقوم فيه بشروط الإخلاص، وقد لا يقوم. وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة، وقد لا يقوم. وما يقوم فيه (١) بالمتابعة قد يثبت عليه، وقد يُصرَف قلبُه عنه. وهذا كله واقعٌ سارٍ في الخلق، فمستقِل ومستكثِر. وليس في طباع العبد الهدايةُ إلى ذلك، بل متى وُكِلَ إلى طباعه حِيل بينه وبيّن ذلك كله (٢). وهذا هو الإركاس الذي أركسَ الله به المنافقين بذنوبهم، فأعادهم إلى طباعهم، وما خُلِقَتْ عليه نفوسُهم من الجهل والظلم (٣). والربُّ ﵎ على صراط مستقيم في قضائه وقدره، ونهيه وأمره (٤) فيهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم (٥) بفضله ورحمته وجعله الهداية حيث تصلح، ويصرف من يشاء عن صراطه المستقيم (٦) بعدله وحكمته لعدم صلاحية المحلّ، وذلك موجَب صراطه المستقيم الذي هو عليه.

стр. 352

فهو على صراطٍ مستقيم (١)، ونصب (٢) لعباده من أمره صراطًا مستقيمًا دعاهم جميعًا إليه حجّةً منه وعدلًا، وهدى من شاء منهم إلى سلوكه نعمةً منه وفضلًا، ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل (٣) عن صراطه المستقيم (٤) الذي هو عليه. فإذا كان يوم لقائه (٥) نصَبَ لخلقه صراطًا مستقيمًا يُوصِلهم إلى جنته، ثم صَرَف عنه من صَرَف عنه في الدنيا، وأقام عليه من أقامه عليه (٦) في الدنيا، وجعل نورَ المؤمنين به وبرسوله وما جاء به الذي كان في قلوبهم في الدنيا نورًا ظاهرًا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الجسر (٧)، وحفِظَ عليهم نورَهم حتى قطعوه (٨)، كما حفِظ عليهم الإيمانَ به حتى لَقُوه. وأطفأ نورَ المنافقين أحوجَ ما كانوا إليه، كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا. وأقام أعمال العصاة بجنبتي الصراط كلاليبَ وحَسَكًا تخطَفُهم، كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة عليه، وجعل قوة سيرهم وسرعتهم عليه على قدر قوة سيرهم وسرعتهم إليه في الدنيا (٩).

стр. 353

ونصب للمؤمنين حوضًا يشربون منه بإزاء شربهم مِن شَرْعه في الدنيا، وحرَمَ من الشُّرب منه (١) هناك من حرمه من الشرب من شرعه ودينه ها هنا (٢). فانظر إلى الآخرة كأنّها رأي عين، وتأمَّلْ حكمة الله سبحانه في الدارين، تعلَمْ حينئذ علمًا يقينًا لا شكّ فيه أنّ الدنيا مزرعةُ الآخرة وعنوانُها وأنموذجُها، وأنّ منازل الناس فيها في السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدّهما. وبالله التوفيق. ف من أعظم عقوبات الذنوب: الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة. فصل ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتها. ونحن نذكر فيها بعون الله وتوفيقه (٣) فصلًا وجيزًا جامعًا، فنقول:

стр. 354

أصلها نوعان: ترك مأمورًا وفعل محظور. وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه بهما أبوي الجنّ والإنس. وكلاهما ينقسم باعتبار محلّه إلى ظاهرٍ على الجوارح، وباطنٍ في القلب. وباعتبار متعلَّقه إلى حقّ لله، وحقّ لخلقه (١). وإن كان كلُّ حق لخلقه فهو متضمّن لحقّه (٢)، لكن سمّي حقًّا للخلق لأنّه يجب بمطالبتهم ويسقط بإسقاطهم. ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: مَلَكيّة، وشيطانية، وسبعيه، وبهيمية، ولا تخرج (٣) عن ذلك. فالذنوب الملَكية: أن يتعاطى ما لا يصلح له من صفات الربوبية كالعظمة، والكبرياء، والجبروت، والقهر، والعلوّ، واستعباد الخلق، ونحو ذلك. ويدخل في هذا (٤): الشركُ بالربّ تعالى، وهو نوعان: شركٌ به في أسمائه وصفاته، وجعلُ آلهةٍ أخرى (٥) معه. وشركٌ به في معاملته، وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار، وإن أحبط العملَ الذي أُشرِكَ فيه مع الله غيرُه.

стр. 355

وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب. ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه وأمره. فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه ربوبيتَه وملكَه، وجعل له ندًّا. وهذا (١) أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل. فصل وأما الشيطانية، فالتشبّه بالشيطان في الحسد، والبغي، والغشّ والغلّ، والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي الله (٢) وتحسينها، والنهي عن طاعته، وتهجينها، والابتداع في دينه، والدعوة إلى البدع والضلال. وهذا النوع يلي النوع الأول في المفسدة، وإنْ كانت مفسدته دونه. فصل وأما السبعية، فذنوب العدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثّب على الضعفاء والعاجزين. ويتولّد منها أنواع أذى النوع الإنساني، والجرأة على الظلم والعدوان. وأما الذنوب البهيمية، فمثل الشَّرَه والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج. ومنها يتولّد الزنى، والسرقة، وأكل أموال اليتامى (٣)، والبخل والشحّ، والجبن، والهلع، والجزع، وغير ذلك. وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعية
следующие страницы →