← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩]. وأخسُّ الناس همّة وأوضعهم نفسًا من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة، واستجلبها (١) لنفسه، وتحلّى بها، وهي -لعمر الله- رؤوس أموال المفلسين، ومتاجر البطّالين. وهي قوت النفس (٢) الفارغة التي قد قنعت من الوصل بزَورة الخيال، ومن الحقائق بكواذب الآمال، كما قال الشاعر: مُنىً إنْ تكن حقًّا تكن أحسن المُنَى … وإلا فقد عِشْنا بها زمنًا رَغْدَا (٣) وهي أضرُّ شيء على الإنسان، وتتولّد من العجز والكسل، وتولّد التفريط والحسرة والندم. والمتمنّي (٤) لمّا فاته مباشرةُ الحقيقة بحسّه نحَتَ (٥) صورتَها في قلبه، وعانقها، وضمّها إليه، فقنع بوصال صورةٍ وهميةٍ خياليّة (٦) صوّرها فكرُه، وذلك لا يُجدي عليه شيئًا، وإنما مثله مثل الجائع والظمآن يصوّر في وهمه صورةَ الطعام والشراب، وهو يأكل ويشرب.

стр. 422

والسكون إلى ذلك واستحلاؤه (١) يدلّ على خساسة النفس ووضاعتها، وإنّما شرف النفس وزكاتها وطهارتها وعلوّها بأن ينفي عنها كلَّ خطرة لا حقيقة لها، ولا يرضى أن يخطرها بباله، ويأنف لنفسه منها. ثمّ الخطراتُ بعدُ أقسامٌ تدور على أربعة أصول: خطرات يستجلِب بها منافعَ دنياه. وخطرات يستدفع بها مضارَّ دنياه. وخطرات يستجلب بها مصالح (٢) آخرته. وخطرات يستدفع بها مضارّ آخرته. فَلْيحصر (٣) خطراته وأفكاره وهمومه في هذه الأقسام الأربعة. فإذا انحصرت له فيها (٤)، فما أمكن اجتماعه منها لم يتركه لغيره. وإذا تزاحمت عليه الخطرات لِتزاحُمِ متعلّقاتها قدّم الأهمَّ الذي يخشى فوته وأخّر الذي ليس بأهمَّ ولا يخاف (٥) فوته. بقي قسمان آخران: أحدهما مهمّ لا يفوت. والثاني غير مهمّ، ولكنه يفوت. ففي كلّ منهما ما يدعو إلى تقديمه، فهنا يقع التردد والحيرة. فإن قدّم المهمَّ خشي فواتَ ما دونه، وإن قدّم ما دونه فاته

стр. 423

الاشتغال به عن المهم. وكذلك (١) يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما، ولا يحصل (٢) أحدهما إلا بتفويت الآخر، فهذا موضع استعمال العقل (٣) والفقه والمعرفة. ومن ها هنا ارتفع من ارتفِع، وأنجح من أنجح، وخاب من خاب. فأكثرُ من ترى ممن يعظِّم عقله ومعرفتَه يُؤثِرِ غيرَ المهمِّ الذي لا يفوت على المهمِّ الذي يفوت. ولا تجد أحدًا يسلَم من ذلك، ولكن مستقِلّ ومستكثِر. والتحكيم في هذا الباب للقاعدة الكبرى التي عليها مدار الشرع والقدر، وإليها مرجع (٤) الخلق والأمر، وهي إيثارُ أكبر المصلحتين وأعلاهما، وإن فاتت المصلحة التي هي دونها، والدخولُ في أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها، فيفوّت مصلحة لتحصيل (٥) ما هو أكبر منها، ويرتكب مفسدةً لدفع ما هو أعظم منها. فخطرات العاقل وفكَره لا تتجاوز (٦) ذلك. وبذلك جاءت الشرائع، ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم (٧) إلا على ذلك. وأعلى الفِكَر وأجلّها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة. فما كان لله

стр. 424

أنواع: أحدها: الفكرة في آياته المنزلة، وتعقّلها (١) وفهم مراده منها. ولذلك أنزلها الله تعالى، لا لمجرّد تلاوتها، بل التلاوة وسيلة. قال بعض السلف: أُنزِل القرآنُ لِيُعمَل به، فاتخذوا تلاوته عملًا (٢). الثاني: الفكرة في آياته المشهودة، والاعتبار بها، والاستدلال بها على أسمائه وصفاته، وحكمته وإحسانه، وبرّه وجوده. وقد حضّ الله سبحانه عباده على التفكر (٣) في آياته وتدبّرها وتعقّلها، وذمّ الغافل عن ذلك. الثالث: الفكرة في آلائه، وإحسانه، وإنعامه على خلقه بأصناف النعم، وسعة رحمته ومغفرته وحلمه. وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفةَ الله، ومحبّتَه، وخوفه، ورجاءَه. ودوامُ الفكرة في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة (٤). الرابع: الفكرة (٥) في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل. وهذه الفكرة عظيمة النفع، وهي بابٌ لكلّ خير، وتأثيرها في كسر النفس الأمّارة. ومتى كُسِرَتْ عاشت النفس المطمئنّة، وانتعشت، وصار

стр. 425

الحكم لها، فحيِيَ القلب ودارت كلمته في مملكته، وبثّ أمراءه وجنوده في مصالحه. الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهمّ كلّه عليه. فالعارف ابن وقته (١)، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلُّها. فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، وإن ضيّعه لم يستدركه أبدًا. قال الشافعي: ﵁ (٢): صحبتُ الصوفية، فلم أستفد منهم سوى حرفين: أحدهما قولهم: الوقت سيف، فإنْ قطعته، وألّا قطعك (٣). وذكر الكلمة الأخرى (٤). فوقت الإنسان هو (٥) عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضّنْك في العذاب الأليم، وهو يمرّ أسرع

стр. 426

من مرّ السحاب. فما كان من وقته لله وبالله، فهو حياته وعمره. وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم. فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو (١) والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته. وإذا كان العبد، وهو في الصلاة، ليس له (٢) إلا ما عقل منها، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله وله (٣). وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر، فإمّا وساوس شيطانية (٤)، وإمّا أماني باطلة وخدع كاذبة (٥)، بمنزلة خواطر المصابين في عقولهم من السكارى والممسوسين (٦) والموسوسين. ولسان حال هؤلاء يقول عند إنكشاف الحقائق (٧): إن كان منزلتي في الحشر عندكمُ … ما قد لقيتُ فقد ضيّعتُ أيامي (٨)

стр. 427

أمنيّةٌ ظفرتْ نفسي بها زمنًا … واليوم أحسَبها أضغاثَ أحلامِ (١) واعلم أنّ ورود الخاطر لا يضرّ، وإنّما يضرّ استدعاؤه ومحادثته. فالخاطر كالمارّ على الطريق، فإنْ لم تستدعِه وتركتَه مرّ وانصرف عنك (٢)، وإن استدعيتَه سَحَرك بحديثه وخَدْعه وغروره. وهو أخفّ شيء على النفس الفارغة الباطلة، وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة. وقد ركّب الله سبحانه في الإنسان نفسًا أمّارةً ونفسًا مطمئنّة، وهما متعاديتان، فكلُّ ما (٣) خفّ على هذه ثَقُل على هذه، وكلّ ما التذّت به هذه تألّمت به الأخرى. فليس على النفس الأمّارة أشقُّ من العملِ لله، وإيثارِ رضاه على هواها؛ وليس لها أنفعُ منه. وليس على النفس المطمئنّة أشقُّ من العمل لغير الله، وإجابةِ (٤) داعي الهوى؛ وليس عليها أضرُّ (٥) منه. والملَك مع هذه عن يَمنةِ القلب، والشيطان مع تلك عن يَسْرةِ القلب. والحروب مستمرة لا تضع أوزارها إلى أن تستوفي أجلَها من الدنيا. والباطل كلّه يتحيّز مع الشيطان والأمّارة، والحقّ كلّه يتحيّز مع الملَك والمطمئنّة. والحروب دُوَل وسِجال، والنصر مع الصبر. ومن

стр. 428

صَبَر، وصابرَ، ورابَطَ، واتّقى الله، فله (١) العاقبة في الدنيا والآخرة (٢). وقد حكم الله حكمًا لا يبدّل أبدًا أنّ العاقبة للتقوى، والعاقبة للمتقين (٣). فالقلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تُنْقَش فيه، فكيف يليق بالعاقل أن تكون نقوش لوحه ما بين كذب، وغرور، وخدع، وأماني باطلة، وسراب لا حقيقة له؟ فأيّ حكمة وعلم وهدًى ينتقش مع (٤) هذه النقوش؟ وإذا أراد أن ينتقش ذلك في لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع في محلٍّ مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه. فإنْ لم يُفرِّغ القلبَ من الخواطر الرديّة لم يستقرّ فيه الخواطر النافعة، فإنّها لا تستقرّ إلا في محل فارغ، كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى … فصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا (٥) ولهذا كثير من أرباب السلوك بنَوا سلوكهم (٦) على حفظ الخواطر، وأن لا يمكّنوا خاطرًا يدخل قلوبهم، حتّى تصير القلوب فارغةً قابلةً للكشف وظهور حقائق العُلويّات (٧) فيها. وهؤلاء حفظوا شيئًا، وغابت عنهم أشياء، فإنّهم أخلَوا القلوب من

стр. 429

أن يطرقها خاطر، فبقيت فارغة لا شيء فيها، فصادفها الشيطان خاليةً، فبذر فيها الباطلَ في قوالب أوهمهم (١) أنّها أعلى الأشياء وأشرفها، وعوّضهم بها عن الخواطر التي هي مادّة العلم والهدى. وإذا خلا القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحلَّ خاليًا، فشغله بما يناسب حال صاحبه، حيث لم يستطع أن يشغله بالخواطر السفلية، فشغله بإرادة التجريد والفراغ (٢) من الإرادة التي لا صلاح للعبد ولا فلاح إلا بأن تكون هي المستولية على قلبه. وهي: إرادةُ مراد الله الديني (٣) الأمري الذي يحبّه ويرضاه، وشَغلُ القلب (٤) واهتمامه بمعرفته على التفصيل به، والقيام به وتنفيذه في الخلق، والطُّرُقِ إلى ذلك، والتوصّلِ إليه بالدخول في الخلق (٥) لتنفيذه. فبَرْطَلَهم (٦) الشيطانُ عن ذلك بأنْ دعاهم إلى تركه وتعطيله، من باب الزهد في خواطر الدنيا وأسبابها، وأوهمهم أنّ كمالهم في ذلك التجريد والفراغ. وهيهات (٧)! إنّما الكمال في امتلاء القلب والسرّ من الخواطر والإرادات والفِكَر في تحصيل مراضي الربّ تعالى من العبد ومن الناس، والفكر في طرُق ذلك والتوصّل إليه. فأكمل الناس أكثرهم خواطر وفِكَرًا صارادات لذلك، كما أنّ أنقصَ الناس أكثرُهم خواطر وفِكَرًا وإراداتٍ لحظوظه وهواه أين

стр. 430

كانت. والله المستعان. وهذا عمر بن الخطاب كانت تتزاحم عليه الخواطر في مراضي الربّ تعالى، فربّما استعملها في صلاته، فكان يجهِّز (١) جيشَه وهو في صلاته (٢)، فيكون قد جمع بين الجهاد والصلاة. وهذا من باب تداخل العبادات في العبادة الواحدة. وهو باب عزيز شريف لا يعرفه (٣) إلا صادق الطلب، متضلّع من العلم، عالي الهمة، بحيث يدخل في عبادة يظفر فيها بعبادات شتى (٤). وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فصل وأما اللفظات، فحفظها بأن لا يُخرِجَ لفظةً ضائعةً، بل لا يتكلّم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه. فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإنْ لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل يفوته بها كلمة هي أربح منها، فلا يضيّعها بهذه. وإذا أردت أن تستدلّ على ما في القلب، فاستدِلَّ عليه (٥)

стр. 431

بحركة اللسان، فإنّه يُطلِعُ ما في القلب (١)، شاء صاحبه أم أبى. قال يحيي بن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها. فانظر الرجل (٢) حين يتكلّم، فإن لسانه يغترف (٣) لك مما في قلبه (٤): حلو وحامض، وعذب وأجاج، وغير ذلك. ويبين لك طعم قلبه اغترافُ لسانه (٥). أي كما تطعم بلسانك طعمَ ما في القدر من الطعام، فتدرك العلم بحقيقته، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، فتذوق ما في قلبه (٦) من لسانه، كما تذوق ما في القدر بلسانك. وفي حديث أنس المرفوع: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه (٧) حتى يستقيم لسانه" (٨).

стр. 432

وسئل ﷺ عن أكثر ما يُدخِلُ الناسَ النارَ، فقال: "الفم والفرج" (١). قال الترمذي حديث صحيح (٢). وقد سأل معاذ النبيَّ ﷺ عن العمل الذي يُدخله الجنّة ويباعده من النار، فأخبره برأسه، وعموده، وذروة سنامه؛ ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك؟ " قال: بلى يا رسول الله. فأخذ بلسان نفسه (٣)، ثم قال: "كُفَّ عليك هذا". فقال: وإنّا لمؤاخَذون بما نتكلّم به؟ فقال: "ثكلتك أمّك يا معاذًا وهل يَكُبّ الناسَ في النار (٤) على وجوههم -أو على مناخرهم- إلا حصائدُ ألسنتهم؟ " (٥) قال الترمذي: حديث

стр. 433

صحيح (١). ومن العجب أنّ الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرّم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجلَ (٢) يشار إليه بالدين والزهد والعبادة (٣)، وهو يتكلّم بالكلمات من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا، يزِلّ (٤) بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب (٥)! وكم ترى من رجل متورعِّ عن الفواحش والظلم، ولسانه

стр. 434

يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول! وإذا أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما رواه مسلم في صحيحه (١) من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله : مَن ذا الذي يتألّى عليّ أنّي لا أغفر لفلان؟ قد غفرتُ له، وأحبطتُ عملَك". فهذا العابد (٢) الذي قد عَبَدَ اللهَ ما شاء أن يعبده، أحبطت هذه الكلمةُ الواحدة عملَه كلّه! وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك، ثم قال أبو هريرة: "تكلم بكلمةٍ أوبقَتْ دنياه وآخرته" (٣). وفي الصحيحين (٤) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إنّ العبد

стр. 435

ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها (١) درجات. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها (٢) في جهنم". وعند مسلم (٣): "إنّ العبد لَيتكلّم بالكلمة، ما يتبيّن ما فيها، يهوي بها في النار أبعدَ ما بين (٤) المشرق والمغرب". وعند الترمذي (٥) من حديث بلال بن الحارث المزني (٦) عن النبي ﷺ (٧):

стр. 436

"إنّ أحدكم (١) ليَتكلّم بالكلمة من رضوان الله، ما يظنّ (٢) أن تبلغ ما بلغتْ، فيكتب الله له (٣) بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإنّ أحدكم لَيتكلّم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له (٤) بها سخطه إلى يوم يلقاه". فكان (٥) علقمة يقول (٦): كم من كلام قد منعنيه (٧) حديثُ بلال بن الحارث (٨)! وفي جامع الترمذي أيضًا (٩) من حديث أنس قال: توفي رجل من

стр. 437

الصحابة، فقال رجل: أبشِرْ بالجنة، فقال له رسول الله ﷺ : "أوَ لا تدري فلعلّه (١) تكلم فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه". قال: حديث حسن (٢). وفي لفظ: أنّ غلامًا استشهد يوم أحد، فوُجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحت أمّه التراب عن وجهه، وقالت: هنيئًا لك يا بنيّ، لك الجنّة (٣). فقال النبي ﷺ : "وما يدريك، لعلّه كان يتكلّم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضرّه". وفي الصحيحين (٤) من حديث أبي هريرة يرفعه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيقل خيرًا أو لِيَصْمُتْ". وفي لفظ لمسلم (٥): "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرًا فليتكلّمْ بخير (٦) أو لِيسكتْ".

стр. 438

وذكر الترمذي (١) بإسناد صحيح عنه ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه". وعن سفيان بن عبد الله (٢) الثقفي قال: قلتُ: يا رسول الله، قل لي في الإِسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: "قل: آمنتُ بالله، ثمّ استقِمْ". قلت (٣): يا رسول الله ما أخوَفُ ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: "هذا". والحديث صحيح (٤). وعن أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، عن النبي (٥) ﷺ قال: "كلام ابن

стр. 439

آدم (١) عليه لا له، إلا أمرٌ بمعروف، أو نهيٌ عن المنكر (٢)، أو ذكرُ الله" (٣) قال الترمذي: حديث حسن (٤). وفي حديث آخر: إذا أصبح العبد (٥) فإنّ الأعضاء كلها تكفِّر اللسانَ (٦)، تقول: اتّقِ الله فينا (٧)، وإنّما نحن بك. فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججتَ اعوججنا (٨).

стр. 440

وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسَه في قوله: يوم حارّ، ويوم بارد. ولقد رُئي بعضُ الأكابر من أهل العلم (١) في النوم، فسئل عن حاله، فقال: أنا موقوف على كلمة قلتُها. قلتُ: ما أحوج الناسَ إلى غيث! فقيل لي: وما يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي. وقال بعض الصحابة لخادمه (٢) يومًا: هاتِ (٣) السفرة نعبَثْ بها. ثم قال: أستغفر الله، ما أتكلّم بكلمة إلا وأنا أخطِمُها وأزُمُّها، إلا هذه الكلمة خرجت منّي بغير خطام ولا زمام (٤). أو كما قال.

стр. 441

وأيسرُ (١) حركات الجوارح حركةُ اللسان، وهي أضرُّها على العبد. واختلف السلف والخلف هل يُكتَبُ جميع ما يلفظ به العبد، أو الخير والشرّ فقط (٢)؟ على قولين، أظهرهما الأول (٣). وقال بعض السلف (٤): كلّ كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ما كان من ذكر الله وما والاه. وكان الصدّيق ﵁ يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني المواردَ (٥). والكلام أسيرك، فإذا خرج من فيك صرتَ أسيره. واللهُ عند لسان

стр. 442

كلّ قائل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]. وفي اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت. وقد يكون كلّ منهما أعظم إثمًا من الأخرى في وقتها. فالساكت عن الحقّ شيطان أخرس عاصٍ لله مُراءٍ مداهنٌ إذا لم يخف على نفسه (١)، والمتكلّم بالباطل شيطان ناطق عاصٍ لله. وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين. وأهل الوسط -وهم أهل الصراط المستقيم- كفّوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعُه في الآخرة. فلا يرى أحدهم أنّه يتكلّم بكلمة تذهب عليه ضائعةً بلا منفعة، فضلًا عن (٢) أن تضرّه في آخرته. وإنّ العبد ليأتي يوم القيامة بحسناتٍ أمثالِ الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلَّها؛ ويأتي بسيئات أمثال الجبال (٣)، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به. فصل وأما الخطوات:، فحفظها (٤) بأن لا يثقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه، فإن لم يكن في خُطاه مزيدُ ثواب، فالقعود عنها خير له. ويمكنه أن

стр. 443

يستخرج من كلّ مباح يخطو إليه قربةً ينويها لله، فتقع (١) خطاه قربةً. ولما كانت العثرة عثرتين: عثرة الرجل، وعثرة اللسان جاءت إحداهما قرينة الأخرى في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]، فوصفهم بالاستقامة في لفظاتهم وخطواتهم، كما جمع بين اللحظات والخطرات في قوله (٢): ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩]. فصل وهذا كلّه ذكرناه مقدّمةً (٣) بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج. وقد قال النبي (٤) ﷺ : "أكثرُ ما يُدخِل الناسَ النارَ: الفم والفرج" (٥). وفي الصحيحين عنه ﷺ : "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (٦).

стр. 444

وهذا الحديث في اقتران الزنى بالكفر وقتلِ النفس نظيرُ الآية التي في الفرقان (١)، ونظيرُ حديث ابن مسعود (٢). وبدأ رسول الله ﷺ بالأكثر وقوعًا، ثم بالذي يليه. فالزنى أكثر وقوعًا من قتل النفس، وقتل النفس أكثر وقوعًا من الردّة. وأيضًا فإنّه انتقال من الأكبر إلى ما هو أكبر (٣) منه. ومفسدة الزنا مناقِضة لصلاح العالم، فإنّ المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها (٤) وأقاربها، ونكست رؤوسهم بين الناس. وإن حملتْ من الزنى، فإنْ قتلتْ ولدها جمعت بين الزنى والقتل، وإن حمّلته الزوجَ أدخلَتْ (٥) على أهله وأهلها أجنبيًّا ليس منهم فورِثَهم وليس منهم، ورآهم، وخلا بهم، وانتسب إليهم، وليس منهم؛ إلى غير ذلك من مفاسد زناها. وأما زنى الرجل فإنّه يوجب اختلاط الأنساب أيضًا، وإفساد المرأة المصونة، وتعريضَها للتلف والفساد. وفي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين، وإن عمرت القبور (٦) في البرزخ، والنار في الآخرة. فكم (٧) في الزنى من استحلال

стр. 445

محرّمات (١)، وفوات حقوق، ووقوع مظالم! ومن خاصيته (٢): أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سوادَ الوجه وثوبَ المقت بين الناس. ومن خاصيته أيضًا: أنّه يشتّت القلب، ويُمرِضه إن لم يُمِتْه. ويجلب الهمّ والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملَك، ويقرّب منه الشيطان (٣). فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته (٤). ولهذا شُرع (٥) فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها. ولو بلغ العبدَ أنّ امرأته أو حرمته قُتِلتْ كان أسهل عليه من أن يبلغه أنّها زنت. وقال سعد بن عبادة: لو رأيتُ رجلًا مع امرأتي لضربتُه بالسيف غيرَ مُصْفَح (٦). فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: "تعجبون من غيرة سعد؟ واللهِ لأنا أغيَرُ منه، واللهُ أغيَرُ منّي. ومن أجْلِ غيرة الله حرّم (٧) الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن". متفق عليه (٨).

стр. 446

وفي الصحيحين أيضًا (١) عنه ﷺ : "إن الله يغار، وإنّ المؤمن يغار (٢)، وغيرةُ الله أن يأتي العبدُ ما حرَّم عليه" (٣). وفي الصحيحين عنه ﷺ : "لا أحدَ أغيَرُ من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن. ولا أحدَ أحب إليه العذرُ من الله، من أجل ذلك أرسل الرسلَ مبشِّرين ومنذرين. ولا أحدَ أحبُّ إليه المدحُ من الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه" (٤). وفي الصحيحين في خطبته ﷺ في صلاة الكسوف أنّه قال: "يا أمّة محمَّد، والله إنه لا أحدَ أغيرُ من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمَّد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا". ثمّ رفع يديه، وقال: "اللهم هل بلّغت؟ " (٥). وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقيبَ صلاة الكسوف سرّ بديع لمن تأمّله. وظهورُ الزنى من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك أنّه قال: لأحدّثنّكم حديثًا لا

стр. 447

يحدّثكموه أحد بعدي سمعتُه من النبي ﷺ (١). سمعت النبي ﷺ يقول: "من أشراط الساعة أن يُرفع العلمُ، ويظهر الجهل، ويُشرَب الخمرُ، ويَظهر الزنا، ويقلّ الرجال، وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأةً القيّم الواحد" (٢). وقد جرت سنّة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنى يغضب الله سبحانه، ويشتدّ غضبه، فلا بدّ (٣) أن يؤثّر غضبه في الأرض عقوبة. قال عبد الله بن مسعود: ما ظهر الربا والزنى في قرية إلا أذِن الله بإهلاكها (٤). ورأى بعض أحبار بني إسرائيل ابنًا له يغامز امرأةً، فقال: مهلًا يا بنيّ، فصُرِع الأب عن سريره، فانقطع نُخاعه، وأسقطت امرأته. وقيل له: هكذا غضبتَ لي؟ لا يكون في جنسك حَبْر (٥) أبدًا (٦). وخصّ سبحانه حدَّ الزنى من بين الحدود بثلاث خصائص: أحدها: القتل فيه أشنعَ القتلات، وحيث خفّفه فجمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه (٧) سنة.

стр. 448

الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفةٌ في دينه، بحيث تمنعهم من إقامة الحدّ عليهم. فإنّه سبحانه من رأفته ورحمته بهم شرع هذه العقوبة، فهو أرحم منكم (١)، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، فلا يمنَعْكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة (٢) من إقامة أمره. وهذا وإن كان عامًّا في سائر الحدود، ولكن ذُكِرَ في حدّ الزنى خاصّةً، لشدّة الحاجة إلى ذكره. فإنّ الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم، والواقع شاهد بذلك، فنُهُوا أن تأخذهم هذه الرأفة، وتحملهم على تعطيل حدّ الله. وسبب هذه الرحمة أنّ هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأرذال (٣)، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق، والقلوب مجبولة على رحمة العاشق، وكثير من الناس يعدّ مساعدته طاعةً وقربةً، وإن كانت الصورة المعشوقة محرّمة عليه. ولا يُستنكَر (٤) هذا الأمر، فهو مستقِرّ عند ما شاء الله من أشباه الأنعام. ولقد حكي لنا من ذلك شيء كثير، أكثرُه عن ناقصي العقول (٥) كالخدّام والنساء.

стр. 449

وأيضًا فإنّ هذا ذنبٌ غالبُ ما يقع مع التراضي من الجانبين، ولا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما ينفّر النفوس منه، وفيها شهوة غالبة له، فتُصوِّر ذلك لنفسها، فيقوم بها رحمةٌ تمنع إقامة الحدّ. وهذا كلّه من ضعف الإيمان. وكمالُ الإيمان أن يقوم به قوة يقيم بها (١) أمرَ الله، ورحمة يرحم بها المحدود، فيكون موافقًا لربّه تعالى في (٢) أمره ورحمته. الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدّهما بمشهد من المؤمنين، فلا يكون خلوةً حيث لا يراهما أحد. وذلك أبلغ في مصلحة الحدّ وحكمة الزجر (٣). وحدّ الزاني المحصن مشتقّ من عقوبة الله سبحانه لقوم لوط بالقذف بالحجارة. وذلك لاشتراك الزنى واللواط في الفحش، وفي كلّ منهما فساد يناقض (٤) حكمة الله في خلقه وأمره. فإنّ في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر (٥) والتعداد. ولأنْ يُقتل المفعولُ به خير له من أن يُؤتى، فإنّه يَفسد فسادًا لا يرجى له بعده صلاح أبدًا. ويذهب خيره كلّه، وتمُصّ الأرض ماويّة الحياء (٦) من وجهه، فلا يستحي بعد

стр. 450

ذلك لا من الله ولا من خلقه، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السمّ في البدن (١). وقد اختلف الناس: هل يدخل الجنّةَ مفعول به؟ على قولين سمعتُ شيخ الإِسلام يحكيهما. والذين قالوا: لا يدخل الجنّة، احتجّوا بأمور: منها: أنّ النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنّة ولد زنية" (٢). فإذا كان هذا حال ولد الزنى، مع أنه لا ذنب له في ذلك، ولكنّه مظنّة كل شرّ وخبث، وهو جدير أن لا يجيء منه خير أبدًا؛ لأنّه مخلوق من نطفة خبيثة، وإذا كان الجسد الذي تربّى على الحرام، النارُ أولى به، فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام؟

стр. 451

قالوا: والمفعول به شرّ من ولد الزنى، وأخزى (١)، وأخبث، وأوقح (٢). وهو جدير أن لا يوفَّق لخير، وأن يحال بينه وبينه، وكلّما عمل خيرًا قُيِّض ما يفسده عقوبةً له. وقلّ أن ترى من كان كذلك في صغره إلا وهو (٣) في كبره شرّ (٤) مما كان. ولا يوفّق لعلم نافع، ولا عمل صالح، ولا توبة نصوح. والتحقيق في المسألة أن يقال: إن (٥) تاب المبتلى بهذا البلاء، وأناب، ورُزق توبة نصوحًا وعملًا صالحًا، وكان في كبره خيرًا منه في صغره، وبذَل سيئآته بحسنات، وغسل عارَ ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات، وغضّ بصره، وحفظ فرجه من المحرمات، وصدَق الله في معاملته = فهذا مغفور له، وهو من أهل الجنّة. فإنّ الله يغفر الذنوب جميعًا، وإذا كانت التوبة تمحو كلّ ذنب حتى الشرك بالله، وقتل أنبيائه وأوليائه، والسحر، والكفر، وغير ذلك، فلا تقصُر عن محو هذا الذنب (٦). وقد استقرّت حكمة الله به (٧) عدلًا وفضلًا أنّ التائب من الذنب كمن

стр. 452

لا ذنب له (١)، وقد ضمن الله سبحانه لمن تاب من الشرك وقتل النفس (٢) والزنى أنّه يبدّل سيئاتِه حسناتٍ (٣). وهذا حكم عامّ لكلّ تائب من كلّ ذنب (٤). وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]، فلا يخرج (٥) من هذا العموم ذنب واحد. ولكن هذا في حقّ التائبين خاصة. وأمّا مفعول به كان في كبره شرًّا مما كان في صغره، لم يوفَّق لتوبة نصوح ولا لعمل صالح، ولا استدرك ما فات، ولا أحيا ما أمات، ولا بدّل السيئات بالحسنات = فهذا بعيد أن يوفَّق عند الممات لخاتمةٍ يدخل بها الجنّة عقوبة له على عمله. فإنّ الله سبحانه يعاقب على السيئة بسيئة أخرى، فتتضاعف (٦) عقوبة السيئات بعضها ببعض (٧)، كما يثيب على

стр. 453

الحسنة بحسنة أخرى (١). وإذا نظرت إلى كثير من المحتضَرين وجدتهم يحال بينهم وبيّن حسن الخاتمة (٢)، عقوبةً لهم على أعمالهم السيئة. قال الحافظ أبو محمَّد عبد الحقّ بن عبد الرحمن الإشبيلي ﵀ (٣): "واعلم أنّ لسوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- أسبابًا (٤)، ولها طرق وأبواب، أعظمها: الإكباب على الدنيا، والإعراض عن الأخرى، والإقدام والجرأة على معاصي الله . وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة، ونوع من المعصية، وجانب من الإعراض، ونصيب من الجرأة والإقدام، فملكَ قلبَه، وسبق عقله، وأطفأ نوره، وأرسل عليه حجبه (٥)، فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجعت فيه موعظة. فربما جاءه الموت على ذلك، فسمع النداء من مكان بعيد، فلم يتبيّن له المراد، ولا علم ما أراد، وإن كرّر عليه الداعي وأعاد! ". قال: "ويروى أنّ بعض رجال الناصر (٦) نزل به الموت، فجعل ابنه يقول: قل: لا إله إلا الله، فقال: الناصر مولاي! فأعاد (٧) عليه القول، فأعاد مثل ذلك. ثم أصابته غشية، فلمّا أفاق قال: الناصر مولاي. وكان

стр. 454

هذا دأبه، كلمّا قيل له: قل: لا إله إلا الله، قال: الناصر مولاي (١). ثم قال لابنه: يا فلان، الناصر إنّما يعرفك بسيفك، والقتل، القتل (٢). ثم مات". قال عبد الحق: "وقيل لآخر ممن أعرفه: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول: الدار الفلانية أصلحوا (٣) فيها كذا، والبستان الفلاني افعلوا فيه كذا". وقال: "وفيما أذن لي أبو طاهر السِّلَفي أن أحدّث به (٤) عنه أنّ رجلًا نزل به الموت، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول بالفارسية: دَهْ، يازدَه. تفسيره: عشرة بإحدى عشرة (٥). وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول: أين الطريق إلى حمّام مِنجاب؟ (٦) قال: "وهذا الكلام له قصة. وذلك أن رجلًا كان واقفًا بإزاء داره، وكان بابُها يُشبه بابَ هذا الحمّام، فمرّت به جارية لها منظر، فقالت:

стр. 455

أين الطريق إلى حمام مِنجاب؟ فقال: هذا حمام منجاب. فدخلت الدار، ودخل وراءها. فلمّا رأت نفسَها في داره، وعلمت أنّه قد خدعها، أظهرت له (١) البشر والفرح باجتماعها معه، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا، وتقرَّ به عيوننا (٢). فقال لها: الساعة آتيكِ بكلّ ما تريدين وتشتهين. وخرج، وتركها في الدار، ولم يغلقها. فأخذ ما يصلح، ورجع، فوجدها قد خرجت، وذهبت، ولم تخنه في شيء. فهام الرجل، وأكثر الذكرَ لها، وجعل يمشي (٣) في الطرق والأزقّة ويقول (٤): يا رُبَّ قائلةٍ يومًا وقد تعبت … كيف الطريق إلى حمّام مِنجاب فبينا هو يومًا يقول ذلك، وإذا بجاريةٍ أجابته من طاق (٥): قَرْنانُ هلّا جعلتَ إذ ظفرتَ بها … حِرزًا على الدار أو قفلًا على الباب (٦) فازداد هيمانه، واشتدّ هيجانه، ولم يزل على ذلك حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا". قال: "ويروى أن رجلًا (٧) علِق شخصًا، فاشتدّ كلفه به، وتمكن

стр. 456

حبّه من قلبه، حتّى وقع لما به (١)، ولزم الفراش بسببه. وتمنّع ذلك الشخص عليه، واشتدّ نفاره عنه. فلم تزل الوسائط يمشون بينهما، حتّى وعده أن يعوده. فأُخبِرَ بذلك البائسُ، ففرح، واشتدّ سروره، وانجلى غمّه، وجعل ينتظره للميعاد الذي ضربه (٢) له. فبينا هو كذلك، إذ جاءه الساعي بينهما، فقال: إنّه وصل معي إلى بعض الطريق، ورجع، فرغبت إليه، وكلّمته، فقال: إنّه ذكرني، وبرّح بي، ولا أدخل مداخل الريب، ولا أعرّض نفسي لمواقِع التهم. فعاودتُه، فأبى، وانصرف. فلمّا (٣) سمع البائسُ أُسْقِط في يده، وعاد إلى أشدّ مما كان به (٤)، وبدت عليه علائم الموت. فجعل يقول في تلك الحال: أسلَمُ، يا راحةَ العليلِ … ويا شِفا المدنِف النحيلِ

стр. 457

رضاك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليلِ (١) فقلت له: يا فلان (٢)، اتّق الله. قال: قد كان. فقمتُ عنه، فما جاوزتُ باب داره، حتى سمعتُ ضجّةَ الموت (٣). فعياذًا بالله من سوء العاقبة، وشؤم الخاتمة" (٤). "ولقد بكى سفيان الثوري ليلةً إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: كلُّ هذا خوفًا من الذنوب؟ فأخذ تِبْنةً من الأرض، وقال: الذنوب أهون من هذا، وإنّما أبكي من خوف الخاتمة (٥) " (٦). وهذا من أعظم الفقه: أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة بالحسنى. وقد ذكر الإِمام أحمد (٧) عن أبي الدرداء أنّه لما احتُضِر جعل يُغمى

стр. 458

عليه، ثم يفيق ويقرأ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠]. فمِن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابًا بينهم وبيّن الخاتمة بالحسنى. قال (١): "واعلم أنّ سوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ظاهره، وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به، ولله الحمد. وإنّما تكون لمن له فساد في العقيدة (٢)، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم. فربّما غلب ذلك عليه، حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوِيّة، ويُصطلَم (٣) قبل الإنابة، فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة. والعياذ بالله". قال: "ويروى أنّه كان بمصر رجل يلزم مسجدًا للأذان والصلاة (٤)، وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فرقي يومًا المنارةَ على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني، فاطّلع فيها، فرأى ابنة صاحب الدار، فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها، ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك؟ وما تريد؟ قال: أريدكِ. قالت: لماذا؟ قال: قد سَبَيتِ لُبِّي، وأخذتِ بمجامع قلبي. قالت: لا أجيبك إلى ريبة (٥) أبدًا. قال: أتزوجك. قالت: أنت مسلم، وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك. قال لها: أتنصّر. قالت: إن فعلت أفعل. فتنصّر الرجل

стр. 459

ليتزوجها، وأقام معهم في الدار فلمّا كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار (١)، فسقط منه، فمات. فلم يظفر بها (٢)، وفاته دينه! (٣) ". فصل ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أعظم العقوبات. وقد اختلف الناس: هل هو أغلظ عقوبةً من الزنى، أو الزنى أغلظ عقوبةً منه، أو عقوبتهما سواء؟ على ثلاثة أقوال (٤): فذهب أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وجابر بن زيد، و [عبيد الله بن] عبد الله بن معمر (٥)، والزهري، وربيعة بن أبي

стр. 460

عبد الرحمن (١)، ومالك، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد (٢) في أصحّ الروايتين عنه (٣)، والشافعي في أحد قوليه = إلى أنّ عقوبته أغلظ من عقوبة الزنا، وعقوبته القتل على كلّ حال محصنًا كان أو غير محصن. وذهب عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وسعيد بن المسيّب (٤)، وإبراهيم النخعي (٥)، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي في
следующие страницы →