← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

حبّه من قلبه، حتّى وقع لما به (١)، ولزم الفراش بسببه. وتمنّع ذلك الشخص عليه، واشتدّ نفاره عنه. فلم تزل الوسائط يمشون بينهما، حتّى وعده أن يعوده. فأُخبِرَ بذلك البائسُ، ففرح، واشتدّ سروره، وانجلى غمّه، وجعل ينتظره للميعاد الذي ضربه (٢) له. فبينا هو كذلك، إذ جاءه الساعي بينهما، فقال: إنّه وصل معي إلى بعض الطريق، ورجع، فرغبت إليه، وكلّمته، فقال: إنّه ذكرني، وبرّح بي، ولا أدخل مداخل الريب، ولا أعرّض نفسي لمواقِع التهم. فعاودتُه، فأبى، وانصرف. فلمّا (٣) سمع البائسُ أُسْقِط في يده، وعاد إلى أشدّ مما كان به (٤)، وبدت عليه علائم الموت. فجعل يقول في تلك الحال: أسلَمُ، يا راحةَ العليلِ … ويا شِفا المدنِف النحيلِ

стр. 457

رضاك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليلِ (١) فقلت له: يا فلان (٢)، اتّق الله. قال: قد كان. فقمتُ عنه، فما جاوزتُ باب داره، حتى سمعتُ ضجّةَ الموت (٣). فعياذًا بالله من سوء العاقبة، وشؤم الخاتمة" (٤). "ولقد بكى سفيان الثوري ليلةً إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: كلُّ هذا خوفًا من الذنوب؟ فأخذ تِبْنةً من الأرض، وقال: الذنوب أهون من هذا، وإنّما أبكي من خوف الخاتمة (٥) " (٦). وهذا من أعظم الفقه: أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة بالحسنى. وقد ذكر الإِمام أحمد (٧) عن أبي الدرداء أنّه لما احتُضِر جعل يُغمى

стр. 458

عليه، ثم يفيق ويقرأ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠]. فمِن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابًا بينهم وبيّن الخاتمة بالحسنى. قال (١): "واعلم أنّ سوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ظاهره، وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به، ولله الحمد. وإنّما تكون لمن له فساد في العقيدة (٢)، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم. فربّما غلب ذلك عليه، حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوِيّة، ويُصطلَم (٣) قبل الإنابة، فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة. والعياذ بالله". قال: "ويروى أنّه كان بمصر رجل يلزم مسجدًا للأذان والصلاة (٤)، وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فرقي يومًا المنارةَ على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني، فاطّلع فيها، فرأى ابنة صاحب الدار، فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها، ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك؟ وما تريد؟ قال: أريدكِ. قالت: لماذا؟ قال: قد سَبَيتِ لُبِّي، وأخذتِ بمجامع قلبي. قالت: لا أجيبك إلى ريبة (٥) أبدًا. قال: أتزوجك. قالت: أنت مسلم، وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك. قال لها: أتنصّر. قالت: إن فعلت أفعل. فتنصّر الرجل

стр. 459

ليتزوجها، وأقام معهم في الدار فلمّا كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار (١)، فسقط منه، فمات. فلم يظفر بها (٢)، وفاته دينه! (٣) ". فصل ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أعظم العقوبات. وقد اختلف الناس: هل هو أغلظ عقوبةً من الزنى، أو الزنى أغلظ عقوبةً منه، أو عقوبتهما سواء؟ على ثلاثة أقوال (٤): فذهب أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وجابر بن زيد، و [عبيد الله بن] عبد الله بن معمر (٥)، والزهري، وربيعة بن أبي

стр. 460

عبد الرحمن (١)، ومالك، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد (٢) في أصحّ الروايتين عنه (٣)، والشافعي في أحد قوليه = إلى أنّ عقوبته أغلظ من عقوبة الزنا، وعقوبته القتل على كلّ حال محصنًا كان أو غير محصن. وذهب عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وسعيد بن المسيّب (٤)، وإبراهيم النخعي (٥)، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي في

стр. 461

ظاهر مذهبه، والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه، وأبو يوسف ومحمد = إلى أنّ عقوبته وعقوبة الزاني (١) سواء. وذهب الحكم (٢) وأبو حنيفة إلى أنّ عقوبته دون عقوبة الزاني، وهي التعزير. قالوا: لأنّه معصية من المعاصي لم يقدّر الله ولا رسوله فيه حدًّا مقدّرًا، فكان فيه التعزير، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير. قالوا: ولأنّه وطء في محلٍّ لا يشتهيه الطباع (٣)، بل ركّبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان البهيم، فلم يكن فيه حدّ، كوطء الحمار وغيره. قالوا: ولأنه لا يسمّى زانيًا لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا، فلا يدخل في النصوص الدالّة على حدّ الزانيين.

стр. 462

قالوا: ولأنّا رأينا قواعد الشريعة (١) أنّ المعصية إذا كان الوازع عنها طبعيًّا اكتفي بذلك الوازع من الحدّ، وإذا كان في الطباع تقاضيها جعل فيها الحدّ بحسب (٢) اقتضاء الطباع لها. ولهذا جعل الحدّ في الزنى والسرقة وشرب المسكر دون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير. قالوا: وطردُ هذا أنّه لا حدّ في وطء البهيمة ولا الميتة. وقد جبل الله سبحانه الطباعَ على النفرة من وطء الرجلِ مثلَه أشدَّ نفرة، كما جبلها على النفرة من استدعاء الرجل من يطؤه، بخلاف الزنى فإنّ الداعي فيه من الجانبين. قالوا: ولأنّ أحد النوعين إذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحدّ، كما لو تساحقت المرأتان واستمتعت كلّ واحدة منهما بالأخرى. قال أصحاب القول الأول -وهم جمهور الأمة، وحكاه غير واحد إجماعًا للصحابة-: ليس في المعاصي مفسدة أعظم (٣) من هذه المفسدة، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل، كما سنبيّنه إن شاء الله. قالوا: ولم يبتلِ الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدًا من العالمين، وعاقبهم عقوبةً لم يعاقب بها أمةً غيرهم، وجمع عليهم من

стр. 463

أنواع العقوبات من الإهلاك (١) وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماءة فنكّلَ بهم نكالًا لم ينكّله بأمّة سواهم. وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها (٢) إذا عُمِلت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها، خشيةَ نزول العذاب على أهلها، فيصيبهم معهم؛ وتعجّ الأرض إلى ربّها ﵎، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها. وقتل المفعول به (٣) خير له من وطئه، فإنّه إذا وطئه الرجل قتله قتلًا (٤) لا ترجى الحياة معه؛ بخلاف قتله فإنّه مظلوم شهيد، وربما ينتفع به في آخرته. قالوا: والدليل على هذا أن الله سبحانه جعل حدّ القاتل إلى خِيَرة الوليّ، إن شاء قتل، وإن شاء عفا؛ وحتّم قتل اللوطي حدًّا، كما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، ودلّت عليه سنّة رسول الله ﷺ (٥) الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها، بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين. وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنّه وجد في بعض ضواحي العرب رجلًا يُنكَح كما تُنكَح المرأة، فكتب إلى أبي بكر الصديق،

стр. 464

فاستشار أبو بكر الصحابة ﵃، فكان (١) علي بن أبي طالب أشدّهم قولًا فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمّةٌ من الأمم واحدة (٢)، وقد علمتم ما فعل الله بها. أرى أن يُحرَّق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد فحرّقه (٣). وقال عبد الله بن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية، فيرمى اللوطي منه مُنْكَبًّا (٤)، ثم يتبع بالحجارة (٥). وأخذ عبد الله بن عباس هذا الحدّ من عقوبة الله للّوطية قوم لوط. وابن عباس هو الذي روى عن النبي ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به". رواه أهل السنن (٦)، وصحّحه

стр. 465

ابن حبان وغيره، واحتجّ الإِمام أحمد بهذا الحديث. وإسناده على شرط البخاري. قالوا: وثبت عنه أنه (١) قال: "لعن الله مَن عمِلَ عملَ قوم لوط. لعن الله من عمل عمل قوم لوط. لعن الله من عمل عمل قوم لوط" (٢). ولم تجئ عنه لعنة الزاني في (٣) حديث واحد، وقد لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعنة مرة واحدة، وكرّر لعن اللوطية فأكّده ثلاث مرات.

стр. 466

وأطبق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله، لم يختلف (١) فيه منهم رجلان. وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله (٢)، فظنّ بعض الناس أنّ ذلك اختلاف منهم في قتله، فحسماها مسألة نزل بين الصحابة وهي بينهم مسألة إجماع (٣)، لا مسألة نزل. قالوا: ومن تأمّل قوله سبحانه: (﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقوله في اللواط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الأعراف: ٨٠] تبيّن له تفاوتُ ما بينهما. فإنّه (٤) سبحانه نكّر الفاحشة في الزنى، أي هو (٥) فاحشة من الفواحش، وعرّفها في اللواط، وذلك يفيد أنّه جامع لمعاني اسم الفاحشة، كما تقول: زيد الرجل (٦)، ونعم الرجل زيد. أي: أتأتون الخصلة التي استقرّ فحشُها عند كلّ أحد (٧)؟ فهي لظهور فحشها (٨) وكماله غنيّة عن ذكرها، بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها. وهذا نظير قول فرعون لموسى (٩): ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: ١٩] أي: الفعلةَ الشنعاءَ الظاهرة المعلومةَ لكلّ أحد.

стр. 467

ثم أكّد سبحانه بيانَ فحشها (١) بأنّها (٢) لم يعملها أحد من العالمين قبلهم، فقال: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ (٣) [الأعراف: ٨٠]. ثم زاد في التأكيد بأن صرّح بما تشمئزّ منه القلوب، وتنبو عنه الأسماع، وتنفر منه أشدَّ النّفرة (٤) الطباعُ، وهو إتيان الرجل رجلًا مثلَه، ينكحه كما ينكح الأنثى، فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [الأعراف: ٨١]. ثم نبّه على استغنائهم عن ذلك، وأنّ الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة، لا الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى (٥)، من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع، وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها وتذكر بعلها، وحصولِ النسل الذي هو (٦) حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات، وتحصينِ المرأة وقضاء وطرها، وحصولِ علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب (٧)، وقيامِ الرجال على النساء، وخروجِ أحبّ الخلق إلى الله من جماعهن كالأنبياء والأولياء والصالحين (٨)، ومكاثرةِ النبي ﷺ الأنبياءَ بأمّته، إلى غير ذلك من مصالح النكاح. والمفسدةُ التي في اللواط تقاوم ذلك كلَّه، وتُرْبي

стр. 468

عليه (١) بما لا يمكن حصرُ فسادِه، ولا يَعلم تفصيلَه إلا الله. ثم أكّد قبحَ ذلك بأنّ اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليها الرجال، وقلبوا الطبيعة التي ركّبها الله في المذكور، وهي شهوة النساء دون شهوة المذكور. فقلبوا الأمر، وعكسوا الفطرة والطبيعة، فأتوا الرجال شهوةَ من دون النساء (٢). ولهذا قلَب الله سبحانه عليهم ديارَهم، فجعل عاليها سافلها. وكذلك قُلِبوا هم ونُكسُوا (٣) في العذاب على رؤوسهم (٤). ثم أكّد سبحانه قبح ذلك بأنْ حكم عليهم بالإسراف، وهو مجاوزة الحدّ، فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [الأعراف: ٨١]. فتأمّلْ هل جاء ذلك أو قريبًا منه في الزنى؟ وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤] ". ثم أكد عليهم الذمّ بوصفين في غاية القبح، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)﴾. وسمّاهم "مفسدين" في قول نبيّهم: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾ [العنكبوت: ٣٠]. وسمّاهم "ظالمين" في قول الملائكة لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾ [العنكبوت: ٣١].

стр. 469

فتأمّلْ من عوقب بمثل هذه العقوبات، ومن ذمّه الله (١) بمثل هذه المذمّات! ولمّا جادل فيهم خليلُه إبراهيمُ الملائكةَ، وقد أخبروه بإهلاكهم، قيل له: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ [هود: ٧٦]. وتأمَّلْ خبثَ اللوطية وفرط تمرّدهم على الله، حيث (٢) جاؤوا نبيهم لوطًا لمّا سمعوا بأنّه قد طَرَقَه أضيافٌ هم من أحسن البشر صورًا، فأقبل اللوطية إليه (٣) يهرولون. فلما رآهم قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]، ففدى أضيافه ببناته، يزوّجهم بهنّ، خوفًا على نفسه وأضيافه من العار الشديد، فقال: ﴿يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨]، فردّوا عليه، ولكن ردَّ جبّارٍ عنيدٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾ [هود: ٧٩]. فنفث نبيُّ الله نفثةَ مصدور، وخرجَتْ من قلب مكروب عميد (٤)، فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠]. فنفّس له رُسُل الله، وكشفوا له عن حقيقة الحال، وأعلموه أنّهم ليسوا (٥) ممّن يُوصَل إليهم ولا إليه بسببهم، فلا تخف منهم، ولا تعبأ بهم، وهوِّنْ عليك، فقالوا: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]، وبشّروه بما جاؤوا به من الوعد له، ولقومه من الوعيد المصيب، فقالوا: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ

стр. 470

إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ (١) [هود: ٨١]. فاستبطأ نبي الله موعدَ هلاكهم (٢)، وقال: أريد أعجل من هذا، فقالت الملائكة: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾. فوالله ما كان بين هلاك أعداء الله ونجاة نبيّه وأوليائه إلا ما بين السحر وطلوع الفجر، وإذا بديارهم قد اقتُلِعت من أصولها، ورُفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير. فبرز المرسوم الذي لا يُردّ من عند الربّ الجليل إلى عبده ورسوله جبريل بأن يقلبها عليهم، كما أخبر به في محكم التنزيل، فقال عزّ من قائل: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢]. فجعلهم آيةً للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالًا وسلَفًا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ [الحجر: ٧٥ - ٧٧]. أخذهم على غِرّةٍ وهم نائمون، وجاءهم بأسُه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، فانقلبت (٣) تلك اللذات آلامًا فأصبحوا بها يعذَّبون:

стр. 471

مآربُ كانت في الحياة لأهلها … عِذابًا فصارت في الممات عَذابا (١) ذهبت اللذّات، وأعقبت الحسرات. وانقضت الشهوة، وأورثت الشقوة. تمتّعوا قليلًا، وعُذِّبوا طويلًا. رتَعوا مرتعًا وخيمًا، فأعقبهم عذابًا أليمًا. أسكرتهم خمرة تلك الشهوة، فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذَّبين. وأرقدتهم تلك الغفلة، فما استيقظوا إلا وهم في منازل الهالكين. فندموا واللهِ أشدَّ الندامة حين لا ينفع الندم. وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم. فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم، وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويقال لهم، وهم على وجوههم يسحبون: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)﴾ [الزمر: ٢٤]، ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور: ١٦]. ولقد قرّب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الأمة وبيّن إخوانهم في العمل، فقال مخوِّفًا لهم أن يقع الوعيد: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: ٨٣]. فيا ناكحي الذُّكرانِ يهنيكم البشرى … فيومَ معادِ الناس إنّ لكم أجرا كلوا واشربوا وازنُوا ولوطوا وأبشِروا … فإنكمُ زَفًّا إلى الجنّة الحمرا (٢)

стр. 472

فإخوانكم قد مهّدوا الدارَ قبلكم … وقالوا: إلينا عجِّلوا لكم (١) البشرى وها نحن أسلاف لكم في انتظاركم … سيجمعنا الجبَّارُ في ناره الكبرى (٢) ولا تحسَبوا أنّ الذين نكحتمُ … يغيبون عنكم بل ترونهمُ جَهْرا ويلعن كلٌّ منكمُ لخليله … ويشقَى به المحزونُ في الكرّة الأخرى يعذَّب كلٌّ منهمُ بشريكه … كما اشتركا في لذّةٍ تُوجِب الوِزْرا فصل في الأجوبة عما احتجّ به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنى أما قولهم: إنّها معصية لم يجعل الله فيها حدًّا معيّنًا، فجوابه من وجوه: أحدها: أنّ المبلِّغ عن الله جعل حدَّ صاحبها القتلَ حتفًا، وما شرعه رسول الله ﷺ فإنّما شرعه عن الله. فإنْ أردتم أنّ حدّها غير معلوم بالشرع فهو باطل، وإن أردتم أنّه غير ثابت بنصّ الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء حكمه لثبوته بالسنّة. الثاني: أنّ هذا ينتقض عليكم بالرجم، فإنّه إنما ثبت بالسنّة. فإن قلتم: بل ثبت بقرآن نُسِخَ لفظه وبقي حكمه، قلنا: فينتقض عليكم بحدّ شارب الخمر. الثالث: أن نفي دليل معيّن لا يستلزم نفيَ مطلق الدليل ولا نفيَ

стр. 473

المدلول، فكيف وقد قدّمنا أنّ الدليل الذي نفيتموه غير منتفٍ؟ وأمّا قولكم: إنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركّب الله الطباع على النفرة منه، فهو كوطء الميتة والبهيمة، فجوابه من وجوه: أحدها: أنّه قياس فاسد الاعتبار، مردود بسنّة رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة، كما تقدّم بيانه. الثاني: أنّ قياس وطء الأمرد الجميل الذي فتنتُه تُربي على كلّ فتنة (١)، على وطء أتانٍ أو امرأة ميتة، من أفسدِ القياس. وهل تغزّل أحد قطّ بأتان أو بقرة أو ميتة، أو سبى ذلك عقلَ عاشق، أو أسَرَ قلبه، أو استولى على فكره ونفسه؟ فليس في القياس أفسد من هذا. الثالث: أنّ هذا منتقض بوطء الأمّ والبنت والأخت، فإنّ النفرة الطبيعية عنه حاصلة، مع أنّ الحدّ فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين، وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن. وهذا إحدى الروايتين (٢) عن الإِمام أحمد، وهو قول إسحاق بن راهويه وجماعة من أهل الحديث. وقد روى أبو داود (٣) من حديث البراء بن عازب قال: لقيتُ عمّي

стр. 474

ومعه الراية، فقلت: إلى أين تريد (١)؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضربَ عنقه، وآخذَ ماله. قال الترمذي: هذا حديث حسن (٢). قال الجوزجاني: عمّ البراء اسمه الحارث بن عمرو (٣). وفي سنن ابن ماجه (٤) من حديث ابن عباس (٥) قال: قال رسول الله

стр. 475

ﷺ : "من وقع على ذات محرم فاقتلوه". ورُفِع إلى الحجاج رجلٌ اغتصب أخته على نفسها، فقال: احبسوه، واسألوا (١) مَن ها هنا من أصحاب رسول الله ﷺ . فسألوا عبد الله بن مطرِّف، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٢): "من تخطّى حُرمَ المؤمنين فخُطُوا وسطه بالسيف" (٣).

стр. 476

وفيه دليل على القتل بالتوسيط. وهذا دليل مستقِلّ في المسألة، وهو أنّ من لا يباح (١) وطؤه بحال فحدُّ وطئه القتل. دليله: من وقع على أمّه وابنته. وكذلك يقال في وطء ذوات المحارم ووطء مَن لا يباح له وطؤه بحال، فكان (٢) حدّه القتل، كاللوطي. والتحقيق أن يستدلّ على المسألتين بالنصّ. والقياس يشهد لصحة كلّ منهما. وقد (٣) اتفق المسلمون على أنّ من زنى بذات محرم فعليه الحدّ، وإنّما اختلفوا في صفة الحدّ: هل هو القتل بكل حال، أو حدّه حدّ الزاني؟ على قولين: فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه (٤) أنّ حدّه حد الزاني. وذهب أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث إلى أنّ حدّه القتل بكل حال. وكذلك اتفقوا كلّهم على أنّه لو أصابها باسم النكاح عالمًا = أنه يُحَدّ، إلا أبا حنيفة وحده (٥)، فإنّه رأى ذلك شبهةً مسقِطةً للحدّ. ومنازعوه يقولون: إذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غِلَظًا وشدّة،

стр. 477

فإنّه ارتكب محذورين عظيمين: محذور العقد، ومحذور الوطء، فكيف تُخفَّف عنه العقوبة بضمّ محذور العقد إلى محذور الزنا؟ وأما وطء الميتة، ففيه قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد وغيره. أحدهما: يجب به الحدّ، وهو قول الأوزاعي، فإنّ فعله أعظم جرمًا وأكثر ذنبًا لأنه انضمّ إلى فاحشته هتكُ حرمةِ الميتة. فصل وأما (١) وطء البهيمة، فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنّه يؤدَّب (٢)، ولا حدّ عليه. وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقول إسحاق. والقول الثاني (٣): أنّ حكمه حكم الزاني؛ يجلَد إن كان بكرًا، ويرجم إن كان محصنًا. وهذا قول الحسن. والقول الثالث: أنّ حكمه حكم اللوطي. نصّ عليه أحمد، فيخرّج على الروايتين في حدّه: هل هو القتل حتمًا، أو هو كالزاني؟ والذين قالوا: حدّه القتل، احتجّوا بما رواه أبو داود (٤) من حديث

стр. 478

ابن عباس عن النبي ﷺ . "من أتى بهيمةً فاقتلوه واقتلوها معه". قالوا: ولأنّه وطء لا يباح بحال، فكان فيه القتل كحدّ اللوطي. ومن لم يرَ عليه حدًّا قالوا: لم يصحّ فيه الحديث، ولو صحّ لقلنا به، ولم يحِلّ لنا مخالفته. قال إسماعيل بن سعيد الشالَنجي: سألتُ أحمد عن الذي يأتي البهيمة، فوقف عندها، ولم يُثبِت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك (١). وقال الطحاوي: الحديث ضعيف. وأيضًا فراويه (٢) ابن عباس، وقد أفتى بأنّه لا حدّ عليه (٣). قال أبو داود: وهذا

стр. 479

يُضعف الحديث. ولا ريب أنّ الزاجر الطبعي عن إتيان البهيمة أقوى من الزاجر الطبعي (١) عن التلوّط، وليس الأمران في طباع الناس سواء، فإلحاق أحدهما بالآخر من أفسد القياس، كما تقدم. فصل وأما قياسكم وطءَ الرجل لمثله على تدالُك المرأتين، فمن أفسَدِ القياس، إذ لا إيلاج هناك، وإنما نظيره مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج، على أنه قد جاء في بعض الآثار المرفوعة: "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" (٢)، ولكن لا يجب الحدّ بذلك لعدم الإيلاج، وإن أُطلِق

стр. 480

عليهما اسم الزنى العامّ، كزنى العين واليد والرجل والفم. إذا ثبت هذا فأجمع المسلمون على أنّ حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع غيره. ومن ظنّ أنّ تلوط الإنسان بمملوكه جائز، واحتجّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾ [المعارج: ٣٠] وقاس ذلك على أمته المملوكة، فهو كافر يُستتاب، كما يستتاب المرتد. فإنْ تاب وإلا ضُربت عنقه. وتلوط الإنسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الإثم والحكم. فصل فإن قيل: وهل (١) مع ذلك كله من دواءٍ لهذا الداء العُضال، ورقيةٍ لهذا السحر القتّال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟

стр. 481

وهل من طريقٍ قاصدٍ إلى التوفيق؟ وهل يمكِن السكرانَ بخمرة الهوى أن يفيق؟ وهل يملك العاشق قلبَه، والعشق قد وصل إلى سويدائه؟ وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه (١) من سوء دائه؟ إن لامه لائم التذّ بملامه ذكرًا (٢) لمحبوبه، وإن عذله عاذل أغراه عَذلُه (٣)، وسار به في طريق مطلوبه. ينادي عليه شاهدُ حاله، بل لسانُ قالِه (٤): وقف الهوى بي حيث أنتِ فليس لي … متأخَّرٌ عنه ولا متقدَّمُ وأهنتِني فأهنتُ نفسي جاهدًا … ما من يهون عليكِ ممن يُكرَمُ أشبهتِ أعدائي فصرتُ أحِبّهم … إذ كان حظّي منكِ حظّي منهمُ أجد الملامةَ في هواكِ لذيذةً … حيًّا لذكركِ فَلْيَلُمْني اللُّوَّمُ (٥) ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الأول الذي وقع عليه الاستفتاء، والداء الذي طُلِب له الدواء. قيل: نعم، الجواب من رأسِ "وما أنزل الله سبحانه من داءٍ إلا

стр. 482

أنزل له دواءً. علمه من علمه، وجهله من جهله" (١). والكلام في دواء هذا الداء من طريقين: أحدهما: حَسْم مادّته قبل حصولها. والثاني: قلعها بعد نزولها. وكلاهما يسير على من يسّره الله عليه، ومتعذّر على من لم يُعِنْه، فإنّ أزِمّة الأمور بيديه. فأمّا الطريق المانع من حصول هذا الداء، فأمران: أحدهما: غضّ البصر (٢)، كما تقدّم، فإنّ النظرة سهم مسموم من سهام إبليس. ومَن أطلق لحظاتِه دامت حسراتُه. وفي غضّ البصر عدّة منافع، وهو بعض أجزاء هذا الدواء النافع (٣). أحدها: أنّه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، فليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربّه ﵎. وما سَعِدَ من سَعِدَ في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره (٤)، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره. الثانية: أنه يمتنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعلّ فيه هلاكه

стр. 483

إلى قلبه. الثالثة: أنّه يورث القلب أنسًا بالله وجمعية على الله، فإنّ إطلاق البصر يفرّق القلب، ويشتّته، ويُبعده من الله. وليس على العبد شيء أضرّ من إطلاق البصر، فإنّه يوقع الوحشة بين العبد وبيّن ربه. الرابعة: أنه يقوّي القلب ويفرحه، كما أنّ إطلاق البصر يضعفه ويحزنه. الخامسة: أنه يُكسب القلب نورًا، كما أنّ إطلاقه يكسبه (١) ظلمة. ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمم بغضّ البصر فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ﴾ [النور: ٣٠]. ثم قال (٢) إثر ذلك: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] أي: مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه. وإذا استنار القلب أقبلت (٣) وفود الخيرات إليه من كلّ ناحية، كما أنّه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشرّ عليه من كل مكان. فما شئتَ من بدع وضلالة، واتّباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة! فإنّ ذلك إنّما يكشفه له النور الذي في القلب، فإذا فُقِد (٤) ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي

стр. 484

يجوس في حنادس الظلمات. السادسة: أنّه يُورثه فراسةً صادقةً يميّز بها بين المحِقّ والمبطل (١) والصادق والكاذب. وكان شجاع الكرماني (٢) يقول: من عمر ظاهرَه باتباع السنة، وباطنَه بدوام المراقبة؛ وغضّ بصرَه عن المحارم، وكفّ نفسه عن الشهوات، واغتذى بالحلال = لم تخطئ فراسته. وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة (٣). والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك لله شيئًا (٤) عوّضه الله خيرًا منه، فإذا غضّ بصره عن محارم الله عوّضه الله (٥) بأن يُطلِق نورَ بصيرته عوضًا عن حبسِه (٦) بصرَه لله، ويفتحَ عليه (٧) باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنّما تُنال

стр. 485

ببصيرة القلب (١). وضدّ هذا ما وصف الله به اللوطية من العمَه الذي هو ضدّ البصيرة، فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢]، فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعَمَه الذي هو فساد البصيرة. فالتعلّق بالصور يوجب فساد العقل (٢)، وعَمَه البصيرة، وسُكْر القلب (٣)، كما قال القائل: سُكْرانِ سُكرُ هوًى وسُكرُ مُدامةٍ … ومتى إفاقةُ مَن به سُكرانِ (٤)؟ وقال الآخر (٥): قالوا جُنِنتَ بمن تهوى فقلتُ لهم … العشقُ أعظم ممّا بالمجانينِ العشق لا يستفيق الدهرَ صاحبُه … وإنّما يُصرَع المجنونُ في الحين (٦)

стр. 486

السابعة: أنّه يورث القلب ثباتًا وشجاعةً وقوةً، فيجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة، كما في الأثر: الذي يخالف هواه يفرَق الشيطان (١) من ظلّه (٢). وضدّ هذا (٣) تجد في (٤) المتّبع لهواه من ذلّ النفس ووضاعتها ومهانتها وخِسّتها وحقارتها ما جعله الله سبحانه فيمن عصاه، كما قال الحسن: إنّهم وإن طقطقت بهم البغال (٥)، وهَمْلَجَتْ بهم البراذين، إنّ ذُلّ المعصية في رقابهم. أبى الله إلا أن يُذِلّ من عصاه (٦). وقد جعل الله سبحانه العزّ قرين طاعته، والذلّ قرين معصيته، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. والإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. أي: من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله وذكرِه من الكلم الطيب والعمل الصالح.

стр. 487

وفي دعاء القنوت: "إنّه لا يذِلّ من واليتَ، ولا يعِزّ من عاديتَ" (١). ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله من العزّ بحسب طاعته. ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه، وله من الذلّ بحسب معصيته. الثامنة: أنه يسدّ على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنّه يدخل مع النظرة، وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، فيمثّل له حسنَ (٢) صورة المنظور إليه، ويزيّنها، ويجعلها صنمًا يعكف عليه القلب. ثم (٣) يَعِدُه، ويمنّيه، ويوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه (٤) حطب المعاصي التي لم يكن يتوصّل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهيب (٥). فمن ذلك اللهيب (٦) تلك الأنفاسُ التي يجد

стр. 488

فيها وهج النار، وتلك الزفَراتُ والحُرُقاتُ. فإنّ القلب قد أحاطت به النيران من كلّ جانب، فهو (١) في وسطها كالشاة في وسط التنّور. ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرّمة (٢) أن جُعِل لهم في البرزخ تنّور (٣) من نار، وأودعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم، كما أراه الله تعالى لنبيّه ﷺ في المنام في الحديث المتفق على صحته (٤). التاسعة: أنّه يُفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاقُ البصر يشتّته عن ذلك، ويحول بينه وبينه، فينفرط (٥) عليه أموره، ويقع في اتّباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه. قال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه. العاشرة: أنّ بين العين والقلب منفذًا وطريقًا يوجب انفعال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده. فإذا (٦) فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب. وكذلك في جانب الصلاح (٧)، فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي

стр. 489

هي محلّ (١) النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والإنس به والسرور بقربه فيه، وإنّما يسكن فيه أضداد ذلك. فهذه إشارة إلى بعض فوائد غضّ البصر تُطْلِعك على ما وراءها. فصل الثاني (٢): اشتغال القلب بما يصدّه عن ذلك، ويحول بينه وبيّن الوقوع فيه. وهو (٣) إمّا خوفٌ مقلِق، أو حبٌّ مزعِج. فمتى خلا القلب من خوف ما فواتُه أضرُّ عليه من حصول هذا المحبوب، أو خوفِ ما حصولُه أضرُّ عليه من ذوات هذا المحبوب (٤)، أو محبةِ ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب وفواتُه أضرّ عليه من ذوات هذا المحبوب = لم يجد بدًّا من عشق الصور. وشرح هذا أنّ النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوب أعلى منه، أو خشية مكروهٍ حصولُه أضرّ عليها من ذوات هذا المحبوب. وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين إن فُقِدا أو أحدهما لم ينتفع بنفسه: أحدهما: بصيرة صحيحة يفرّق بها بين درجات المحبوب والمكروه، فيؤثر أعلى المحبوبَين على أدناهما، ويحتمل أدنى

стр. 490

المكروهَين ليخلص من أعلاهما. وهذا خاصّة العقل، ولا يعدّ عاقلًا من كان بضدّ ذلك، بل قد تكون البهائم أحسن حالًا منه. الثاني: قوة عزم وصبر يتمكن بها من هذا الفعل والترك. فكثيرًا ما يعرف (١) الرجل قدر التفاوت، ولكن يأبى له ضعفُ نفسه وهمته وعزيمته على إيثار الأنفع، من جشعه وحرصه ووضاعة نفسه وخسّة همته. ومثل هذا لا ينتفع بنفسه، ولا ينتفع به غيره. وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين، فقال تعالى وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ (٢) [السجدة: ٢٤]. وهذا هو الذي ينتفع بعلمه (٣)، وينتفع به (٤) الناس. وضدّه لا ينتفع بعلمه، ولا ينتفع (٥) به غيره. ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه، ولا ينتفع به غيره (٦). فالأول يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره. والثاني قد طفئ نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته. والثالث يمشي في نوره وحده.

стр. 491

فصل إذا عرفت هذه المقدمة، فلا يمكن أن يجتمع في القلب (١) حبّ المحبوب الأعلى وعشق الصور أبدًا، بل هما ضدّان لا يتلاقيان، بل لابدّ أن يُخرج أحدهما صاحبه. فمن كانت قوة حبه كلّها للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها، صَرَفه ذلك عن محبة ما سواه. وإن أحبّه (٢) لم يحبَّه إلا لأجله ولكونه وسيلةً له إلى محبته، أو قاطعًا له عمّا يضادّ محبته وينقضها (٣). والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، وأن لا يشرك (٤) بينه وبيّن غيره في محبته. وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يُشرِكَ محِبُّه غيرَه (٥) في محبته، ويمقته لذلك (٦)، ويُبعده، ولا يُحظيه بقربه، ويعدّه كاذبًا في دعوى محبته، مع أنّه ليس أهلًا لصرف قوة المحبة إليه، فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده، وكلّ محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال؟ ولهذا لا يغفر الله سبحانه أن يشرَك به في هذه المحبة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فمحبة الصور تفوّت محبةَ (٧) ما هو أنفع للعبد منها، بل (٨) تفوّت

стр. 492

محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حياة نافعة إلا بمحبته (١) وحده. فليختر إحدى المحبَّتَين، فإنهما لا تجتمعان في القلب ولا ترتفعان منه. بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه بمحبة غيره، فيعذّبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة. فإمّا أن يعذّبه بمحبة الأوثان، أو بمحبة الصُّلبان، أو بمحبة النيران، أو محبة المُرْدان، أو محبة النسوان، أو محبة الأثمان (٢)، أو محبة العُشراء والخلّان (٣)، أو محبة (٤) ما دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان، فالإنسان عبد محبوبه كائنًا ما كان! كما قيل: أنت القتيل بكلّ من أحببتَه … فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي (٥) فمن لم يكن إلهُه (٦) مالكَه ومولاه، كان إلهه هواه. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣].

стр. 493

فصل وخاصية التعبّد (١): الحبّ مع الخضوع والذلّ للمحبوب، فمن أحبّ شيئًا وخضع له فقد تعبد قلبه له. بل التعبّد آخر مراتب الحبّ، ويقال له التتيّم أيضًا (٢). فإنّ أول مراتبه: العلاقة، وسميت "علاقة " لتعلّق القلب (٣) بالمحبوب. قال (٤): وعُلِّقتُ ليلى وَهْيَ ذات تمائم … ولم يبدُ للأتراب من ثديها حَجْمُ (٥) وقال آخر (٦): أعلاقةً أمَّ الوُلَيِّدِ بعد ما … أفنانُ رأسكَ كالثَّغام المُخْلِسِ (٧) ثم بعدها الصبابة، وسمّيت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب.

стр. 494

قال (١): تشكّى المحبّون الصبابةَ ليتني … تحملتُ ما يلقَون من بينهم وحدي (٢) فكانت لقلبي لذةُ الحبّ كلها … فلم يلقَها قبلي محبٌّ ولا بعدي (٣) ثم الغرام، وهو لزوم الحبّ للقلب لزومًا لا ينفكّ عنه. ومنه سمّي الغريم غريمًا لملازمته صاحبَه (٤). ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ [الفرقان: ٦٥]. وقد أولع (٥) المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحبّ، وقلّ أن تجده في أشعار العرب. ثم العشق، وهو إفراط المحبة. ولهذا لا يوسف به الربّ تعالى، ولا يطلق في حقّه (٦). ثم الشوق، وهو سفر القلب إلى المحبوب أحثّ السفر (٧). وقد جاء إطلاقه في حقّ الرب تعالى (٨)، كما في مسند الإِمام أحمد (٩) من

стр. 495

حديث عمار بن ياسر أنه (١) صلّى صلاةً فأوجز فيها، فقيل له في ذلك، فقال: أمَا (٢) إنّي دعوتُ فيها بدعَواتٍ كان النبي ﷺ يدعو بهنّ: "اللهم إنّي أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحْيني إذا كانت الحياة خيرًا لي (٣)، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. اللهم وَأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمةَ الحقّ في الغضب والرضا (٤)، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرةَ عين لا تنقطع، وأسألك بردَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم (٥)، وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضرّاء مُضِرّة ولا فتنة مضِلّة. اللهم زينا بزينة الإيمان" واجعلنا هداةً مهتدين". وفي أثر آخر: "طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشدّ شوقًا" (٦).
следующие страницы →