← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والشوقِ إلى لقائه والفرح (١) والرضى به وعنه مأوى روحه في هذه الدار. فمن كانت هذه الجنّة مأَواه ها هنا، كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد. ومن حُرِم هذه الجنّة، فهو لتلك أشدّ حرمانًا. والأبرار في النعيم، وإن اشتدّ بهم العيش، وضاقت عليهم الدنيا. والفجار في جحيم، وإن اتسعت عليهم الدنيا. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. وطيب الحياة جنة الدنيا. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. فأيّ نعيمٍ أطيبُ من شرح الصدر؟ وأيّ عذابٍ أمرُّ من ضيق الصدر؟ وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشًا، وأنعمهم بالًا، وأشرحهم صدرًا، وأسرّهم قلبًا. وهذه جنة عاجلة قبل الجنّة الآجلة. قال النبي ﷺ : "إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا". قالوا: وما رياض الجنّة؟ قال: "حِلَق الذكر" (٢).

стр. 527

ومن هذا: قوله ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة" (١). ومن هذا قوله، وقد سألوه عن وصاله في الصوم، فقال: "إنّي لستُ كهيئتكم، إنّي أظَلُّ عند ربّي يطعمني ويسقيني" (٢). فأخبر ﷺ أنّ ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب الحسّي، وأنّ ما يحصل له من ذلك أمر يختصّ (٣) به، لا يشركه فيه غيره، فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله عنه عوض يقوم مقامه، وينوب منابه، ويغني عنه، كما قيل (٤): لها أحاديث من ذكراك تَشغلها … عن الشراب وتُلهيها عن الزادِ لها بوجهك نور تستضيء به … ومن حديثك في أعقابها حادِ (٥) إذا شكَتْ من كَلال السيرِ أُوعِدُها … رَوْحَ اللقاء فتحيا عند ميعادِ (٦)

стр. 528

فصل (١) وكلّما كان وجود الشيء أنفعَ للعبد وهو إليه أحوج، كان تألّمه بفقده أشدّ. وكلّما كان عدمه أنفع له (٢) كان تألّمه بوجوده أشدّ (٣). ولا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله، واشتغاله بذكره (٤)، وتنعّمه بحبه، وإيثاره لمرضاته؛ بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور (٥) ولا بهجة إلا بذلك. فعدمه آلَمُ شيء له، وأشدّه عذابًا عليه. وإنما يغيّب الروحَ عن شهود هذا الألم والعذاب اشتغالُها بغيره، واستغراقها في ذلك الغير، فتغيب به (٦) عن شهود ما هي فيه من ألم الفوت بفراق أحبِّ شيء إليها وأنفعه لها. وهذا بمنزلة السكران، المستغرقِ في سكره، الذي احترقت (٧) داره وأمواله وأهله وأولاده، وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك (٨) الفوت وحسرته، حتى إذا صحا وكُشِف عنه غطاءُ السكر، وانتبه من رقدة الخمر (٩)، فهو أعلم بحاله حينئذ.

стр. 529

وهكذا الحال سواءٌ عند كشف الغطاء، ومعاينة طلائع الآخرة، والإشراف على مفارقة الدنيا، والانتقال منها إلى الله؛ بل الألم والحسرة والعذاب هناك أشدّ بأضعاف مضاعفة. فإنّ المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته بالعوض، ويعلم أنّه قد أصيب بشيء زائل لا بقاء له؛ فكيف بمن مصيبته بما لا عوضَ عنه، ولا بدلَ منه (١)، ولا نسبة بينه وبيّن الدنيا جميعها؟ فلو قضى الله سبحانه بالموت من هذه الحسرة والألم لكان العبد جديرًا به، وإنّ الموت لَيعود أعظمَ أمنيته وأكبرَ حسراته. هذا (٢) لو كان الألم على مجرّد الفوات (٣)، فكيف وهناك من العذاب على الروح والبدن بأمور أخرى وجودية ما لا يُقدَر قدرُه؟ فتبارك من حمّل هذا الخلق الضعيف هذين الألمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي! فأعرض الآن على نفسك أعظمَ محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة إلا معه، فأصبحتَ وقد أُخِذ منك، وحيل بينك وبينه، أحوجَ ما كنتَ إليه، كيف يكون حالك؟ هذا، ومنه كلّ عوض، فكيف بمن لا عوض عنه؟ من كلّ شيء إذا ضيّعتَه عوض … وما من الله إنْ ضيّعتَه عوضُ (٤) وفي أثر إلهي: "ابنَ آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعَبْ، وتكفّلت برزقك فلا تتعَبْ، ابنَ آدم اطلبْني تجدْني، فإن وجدتَني وجدتَ كلّ شيء، وإن

стр. 530

فُتُّك فاتك كلُّ شيء. وأنا أحب إليك من كلّ شيء" (١). فصل ولما كانت المحبة جنسًا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما يُذكَر (٢) فيها في حقّ الله تعالى ما يختصّ به ويليق به من أنواعها، ولا يصلح إلا له وحده، مثل العبادة والإنابة ونحوهما (٣)؛ فإنّ العبادة لا تصلح إلا له وحده، وكذلك الإنابة (٤). وقد تذكر المحبة باسمها المطلق، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وأعظم أنواع المحبة المذمومة: المحبّة مع الله، التي يسوّي المحبّ فيها بين محبته لله ومحبته للندّ (٥) الذي اتخذه من دونه. وأعظم أنواعها المحمودة: محبة الله وحده، ومحبة ما أحبّ. وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها، التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها. والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها، التي لا يبقي في العذاب إلا أهلها. فأهل المحبة الذين أحبّوا الله، وعبدوه وحده لا شريك له،

стр. 531

لا يدخلون النار، ومن دخلها منهم بذنوبه فإنّه لا يبقى (١) فيها منهم أحد. ومدار القرآن (٢) على الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن المحبة الأخرى (٣) ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص النوعين، وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبودِ كليهما وأخباره عن فعله بالنوعين، وعن حال النوعين (٤) في الدور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. فالقرآن في شأن النوعين. وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إنّما هو (٥) عبادة الله وحده لا شريك له، المتضمّنة لكمال حبّه، وكمال الخضوع والذلّ له، والإجلال والتعظيم، ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى. وقد ثبت في الصحيحين (٦) من حديث أنس عن النبي ﷺ أنّه قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين". وفي صحيح البخاري (٧) أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال:

стр. 532

يا رسول الله، واللهِ (١) لأنتَ أحبُّ إليّ من كلّ شيء إلا من نفسي. فقال: "لا يا عمر، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك". فقال: والذي (٢) بعثك بالحق لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي. قال: "الآن يا عمر". فإذا كان هذا شأنَ محبّة عبده ورسوله، ووجوب تقديمها على محبّة نفس الإنسان وولده ووالده والناس أجمعين، فما الظنّ بمحبة مُرسِله ووجوبِ تقديمها على محبة ما سواه؟ ومحبة الربّ تعالى تختصّ عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفرادِه سبحانه بها. فإنّ الواجب له من ذلك أن يكون أحبَّ إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهُه الحقّ ومعبودُه أحبَّ إليه من ذلك كلّه. والشيء قد يُحَبّ من وجه دون وجه (٣)، وقد يُحَبّ لغيره. وليس شيء يُحَبّ لذاته من كلّ وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الألوهية إلا له، و ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] والتألّه (٤) هو المحبة، والطاعة، والخضوع (٥).

стр. 533

فصل وكلّ حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة، فهي علّتها الفاعليّة والغائية (١). وذلك لأنّ الحركات ثلاثة أنواع: حركة اختيارية إرادية، وحركة طبيعية، وحركة قسرية. والحركة الطبيعية (٢) أصلها السكون، وإنّما يتحرّك الجسم إذا خرج عن مستقرّه ومركزه الطبيعي (٣)، فهو يتحرك للعود إليه. وخروجه عن مركزه ومستقره إنما هو بتحريك القاسر المحرِّك له. فله حركة قسرية بمحرِّكه (٤) وقاسره، وحركة طبيعية بذاته يطلب بها العود إلى مركزه. وكلا حركتيه (٥) تابعة للقاسر المحرِّك، فهو أصل الحركتين. والحركة الاختيارية الإرادية هي (٦) أصل الحركتين الأخريين، وهي متابعة للإرادة والمحبة، فصارت الحركات الثلاث تابعةً للمحبة والإرادة.

стр. 534

والدليل (١) على انحصار الحركات في هذه الثلاث أنّ المتحرك إن كان له شعور بالحركة فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور بها، فإما أن تكون على وفق طبعه أو لا. فالأولى هي الطبيعية (٢)، والثانية القسرية. إذا ثبت هذا، فما في السموات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجِنّة في بطون أمهاتها، وإنّما هي بواسطة الملائكة المدبّرات أمرًا والمقسمات أمرًا، كما دلّ على ذلك نصوص القرآن والسنة في غير موضع. والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة، فإن الله وكّل بالرحم ملائكة، وبالقَطْر ملائكة، وبالنبات (٣) ملائكة، وبالرياح، وبالأفلاك، وبالشمس والقمر والنجوم. ووكّل بكل عبد أربعة من الملائكة: كاتبَين على يمينه (٤) وشماله، وحافظَين من بين يديه ومن خلفه. ووكّل ملائكةً بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرّها من الجنّة أو النار (٥)، وملائكةً بمسألته وامتحانه في قبره وعذابه هناك أو نعيمه (٦)، وملائكةً تسوقه إلى المحشر إذا قام من قبره،

стр. 535

وملائكة بتعذيبه في النار أو نعيمه (١) في الجنّة. ووكّل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكةً تسوقه حيث أُمِرَتْ به، وبالقَطْر ملائكة تُنزله بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله، ووكّل ملائكةً بغرس الجنّة وعمل آلتها (٢) وفرشها وبنائها (٣) والقيام عليها، وملائكةً بالنار كذلك. فأعظم جند الله الملائكة. ولفظ "الملَك" يُشعِر بأنّه رسول منفّذ لأمر غيره وليس (٤) لهم من الأمر شيء، بل الأمر كلّه لله. وهم يدبّرون الأمر، ويقسّمونه بأمر الله وإذنه. قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]. وأقسم سبحانه بطوائف الملائكة المنفّذين لأمره في الخليقة، كما قال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ [الصافات: ١ - ٣] وقال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ١ - ٥].

стр. 536

وقد ذكرنا معنى ذلك وسرّ الإقسام به في كتاب "أيمان القرآن" (١). وإذا (٢) عُرف ذلك فجميع تلك المحبّات والحركات والإرادات والأفعال هي عبادةٌ منهم لربّ الأرض والسماوات، وجميع الحركات الطبيعية (٣) والقسرية تابعةٌ لها. فلولا الحبّ ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيّرات (٤)، ولا هبّت الرياح المسخَرات، ولا مرّت السُّحُب الحاملات، ولا تحرّكت الأجنّة في بطون الأمهات، ولا انصاع عن الحَبّ أنواع النبات، ولا اضطرَبت أمواج البحار الزاخرات، ولا تحركت (٥) المدبّرات والمقسّمات، ولا سبّحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات، وما فيها (٦) من أنواع المخلوقات. فسبحان من (٧) تسبّحه السماوات السبع والأرض ومن فيهنّ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. فصل إذا عُرف (٨) ذلك فكل حيٍّ له إرادة ومحبة وعمل بحسبه، وكل متحرّك فأصل حركته (٩): المحبة والإرادة. ولا صلاح للموجودات إلا

стр. 537

بأن تكون حركاتها (١) ومحبتها لفاطرها وبارئها وحده، كما لا وجود لها إلا بإبداعه (٢) وحده. ولهذا قال تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ولم يقل سبحانه: لَما وُجدتا ولكانتا معدومتين، ولا قال (٣): لَعُدِمتا، إذ هو سبحانه قادر على أن يُبقيهما على وجه الفساد، لكن لا يمكن أن يكونا على وجه الصلاح والاستقامة، إلا بأن يكون الله وحده هو (٤) معبودَهما ومعبودَ ما حَولاه وسكن فيهما. فلو كان للعالم إلهان لفسد نظامه غاية الفساد، فإنّ كلّ إله كان يطلب مغالبةَ الآخر، والعلوَّ عليه، وتفرّدَه دونه بالإلهية؛ إذ الشرك نقص ينافي كمال الإلهية، والإله لا يرضى لنفسه أن يكون إلهًا ناقصًا. فإن قهر أحدهما الآخر كان هو الإله وحده، والمقهور ليس بإله. وإن لم يقهر أحدهما الآخر لزم عجزُ كلّ منهما ونقصُه، ولم يكن تامَّ الإلهية، فيجب أن يكون فوقهما إله قاهر لهما، حاكم عليهما، وإلا ذهب كلّ منهما بما خلق، وطلب كل منهما العلوّ على الآخر. وفي ذلك فساد أمر (٥) السماوات والأرض ومن فيهما (٦)، كما هو المعهود من فساد البلد إذا كان فيه ملِكان متكافئان (٧)، وفساد الزوجة إذا كان لها

стр. 538

بعلان، والشَّوْل (١) إذا كان فيه (٢) فحلان. وأصل فساد العالم إنّما هو من اختلاف الملوك والخلفاء. ولهذا لم يطمع أعداء الإِسلام فيه في زمن من الأزمنة إلا في زمن تعدّد ملوك المسلمين واختلافهم وانفراد كل (٣) منهم ببلاد، وطلب بعضهم العلوّ على بعض. فصلاح السماوات والأرض (٤) واستقامتهما وانتظام أمر المخلوقات على أتمّ نظام من أظهر الأدلّة على أنه لا إله إلا الله (٥) وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، وأنّ كل معبود من لدن عرشه (٦) إلى قرار أرضه باطل إلا وجهَه الأعلى. قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٩١، ٩٢] (٧). وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا

стр. 539

آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٢، ٢٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الإسراء: ٤٢]. فقيل: المعنى: لابتغَوا السبيلَ إليه بالمغالبة والقهر، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض. ويدل عليه قوله في الآية الأخرى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ [المؤمنون: ٩١]. قال شيخنا (١): والصحيح أنّ المعنى: لابتغوا إليه سبيلًا بالتقرّب إليه وطاعته، فكيف تعبدونهم من دونه، وهم لو كانوا آلهةً كما تقولون لكانوا عبيدًا له؟ قال: ويدلّ على هذا وجوه: منها: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]. أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم (٢) عبادي، كما أنتم عبادي (٣)، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، فلماذا تعبدونهم دوني؟ (٤). الثاني: أنّه سبحانه لم يقل: لابتغوا عليه سبيلًا، بل قال: لابتغوا

стр. 540

إليه سبيلًا. وهذا اللفظ إنّما يستعمل في التقرب، كقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]. وأما في المغالبة وإنّما يستعمل بعَلَى كقوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]. الثالث: أنهم لم يقولوا: إنّ آلهتهم تغالبه وتطلب العلوّ عليه، وهو سبحانه قد قال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٤٢]، وهم إنما كانوا يقولون: إنّ آلهتهم تبتغي التقرّبَ إليه، وتُقرِّبهم زلفى إليه، فقال: لو كان الأمر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدًا له، فلماذا تعبدون عبيدَه مِن دونه؟ فصل والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام، سواء كانت محمودة أو مذمومة، نافعة أو ضارّة، من الذوق، والوجد (١)، والحلاوة، والشوق، والأنس، والاتصال بالمحبوب والقرب منه، والانفصال عنه والبعد منه، والصدّ والهجران، والفرح والسرور، والبكاء والحزن، وغير ذلك من أحكامها ولوازمها. والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرته، وهذه المحبة هي عنوان سعادته والضارّة هي التي تجلب لصاحبها ما يضرّه في دنياه وآخرته، وهي عنوان شقاوته (٢). ومعلوم أنّ الحيّ العاقل لا يختار محبةَ ما يضرّه ويُشقيه، وإنّما يصدر ذلك عن جهلٍ وظلمٍ، فإنّ النفس قد تهوى ما يضرّها ولا ينفعها

стр. 541

- وذلك ظلم من الإنسان (١) لنفسه- إما بأن تكون (٢) جاهلةً بحال محبوبها بأن تهوى الشيء وتحبّه غيرَ عالمة بما في محبته من المضرّة، وهذا حال من أَتبع هواه بغير علم؛ وإما عالمةً بما في محبته من المضرّة، لكن تُؤثر هواها على علمها؛ وقد تتركّب (٣) محبتها من أمرين: اعتقاد فاسد، وهوى مذموم. وهذا حال من أَتبع الظنّ وما تهوى الأنفس. فلا تقع المحبة الفاسدة إلا من جهل واعتقاد فاسد، أو هوى غالب، أو ما تركّب من ذلك، وأعان بعضه بعضًا، فتتفق شبهةٌ يشتبه (٤) بها الحقّ بالباطل تزيّن (٥) له أمرَ المحبوب، وشهوةٌ تدعوه إلى حصوله. فيتساعد جيش الشبهة والشهوة على جيش العقل والإيمان، والغلبة لأقواهما. وإذا عرف هذا، فتوابع كلّ نوع من أنواع المحبة (٦) له حكم متبوعه (٧). فالمحبة النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد، توابعُها كلُّها نافعة له، حكمها حكم متبوعها. فإن بكى نفعه، وإن حزن نفعه، وإن فرح نفعه، وإن انقبض نفعه (٨)، وإن انبسط نفعه. فهو يتقلب

стр. 542

في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوّة. والمحبة الضارّة المذمومة، توابعُها وآثارها كلّها ضارّة لصاحبها، مُبعِدة له من ربّه، كيفما تقلّب في آثارها ونزل في منازلها فهو في خسارة وبعد. وهذا شأن كلّ فعل تولّد عن طاعة ومعصية. فكل ما تولّد عن الطاعة فهو زيادة (١) لصاحبه وقربة (٢)، وكل ما تولّد عن المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾ [التوبة: ١٢٠، ١٢١]. فأخبر سبحانه في الآية الأولى (٣) أنّ المتولّد عن طاعتهم وأفعالهم (٤) يُكتَب لهم به عمل صالح. وأخبر في الثانية (٥) أنّ أعمالهم الصالحة التي باشروها تكتَب لهم أنفسُها. والفرق بينهما أنّ الأول ليس من فعلهم، وإنّما تولد عنه فكُتِب لهم به عمل صالح (٦). والثاني نفس أفعالهم فكُتبت (٧) لهم.

стр. 543

فليتأمَّلْ قتيلُ المحبة هذا الفصل حقَّ التأمل ليعلم ما له وما عليه: سيعلم يومَ العرض أيَّ بضاعةٍ … أضاعَ وعند الوزن ما كان حَصّلا (١) فصل وكما أنّ المحبة (٢) والإرادة أصل كل فعل كما تقدّم، فهي أصل كلّ دين سواء كان حقَّا أو باطلًا. فإنّ الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبّةُ والإرادةُ أصل ذلك كلّه. والدين هو الطاعة والعادة (٣) والخلُق. فهو الطاعة اللازمة الدائمة التي صارت خلُقًا وعادةً. ولهذا فسر الخلق بالدين في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. قال الإِمام أحمد: عن ابن عيينة، قال ابن عباس: لعلى دين عظيم (٤). وسئلت عائشة عن خُلق رسول الله ﷺ ، فقالت: كان خلقَه القرآنُ (٥). والدين فيه معنى الإذلال والقهر، وفيه معنى الذلّ والخضوع

стр. 544

والطاعة. فلذلك يكون من الأعلى إلى الأسفل، كما يقال: دِنتُه فدانَ، أي قهرته فذلّ. قال الشاعر: هو دانَ الرِّبابَ إذ كرهوا الـ .... ـدِّينَ فأضْحَوا بعزّة وصِيالِ (١) ويكون من الأدنى للأعلى، كما يقال: دِنْتُ اللهَ، ودِنْتُ لِلَّهِ، وفلان لا يدين اللهَ دينًا، ولا يدين الله بدينٍ. فدان اللهَ أي: أطاع الله وأحبّه وخافه. ودان لله أي: خشع له وخضَع وذلّ وانقاد. والدين (٢) الباطن لا بد فيه من الحبّ والخضوع كالعبادة سواءً، بخلاف الدين الظاهر (٣) فإنه لا يستلزم الحبّ، وإن كان فيه انقياد وذلّ في الظاهر. وسمّى الله سبحانه يومَ القيامة "يومَ الدين" لأنّه اليوم الذي يدين فيه الناسَ بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ (٤). وذلك يتضمّن جزاءهم وحسابهم، فلذلك فسِّر بيوم الجزاء ويوم الحساب. وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾ (٥) [الواقعة: ٨٦، ٨٧]، أي: هلّا تردّون الروح إلى مكانها، إن كنتم غير مربوبين ولا مقهورين (٦) ولا مجزييّن.

стр. 545

وهذه الآية تحتاج إلى تفسير (١). فإنّها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب، ولا بدّ أن يكون الدليل مستلزمًا لمدلوله، بحيث ينتقل الذهن منه إلى المدلول، لما بينهما من التلازم، فكلّ ملزومٍ دليل على لازمه، ولا يجب العكس. ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربّهم، وأنكروا (٢) قدرته وربوبيته وحكمته. فإمّا أن يُقرّوا بأنّ لهم ربًّا قاهرًا لهم، متصرّفًا فيهم كما يشاء، يميتهم إذا شاء، ويحييهم إذا شاء، ويأمرهم وينهاهم، ويثيب محسنهم ويعاقب مسيئهم؛ وامّا أن لا يُقرّوا بربٍّ هذا شأنُه. فإنْ أقرّوا به آمنوا بالبعث والنشور والدين الأموي والجزائي. وإن أنكروه وكفروا به فقد زعموا أنّهم غير مربوبين ولا محكومٍ عليهم، ولا لهم ربٌّ يتصرّف فيهم كما أراد، فهلّا يقدرون على دفع الموت عنهم إذا جاءهم، وعلى ردّ الروح إلى مستقرّها إذا بلغت الحلقوم؟ وهذا خطاب للحاضرين (٣) عند المحتضَر، وهم يعاينون موته. أي: فهلّا تردّون روحه إلى مكانها إن كان لكم قدرة وتصرّف، ولستم مربوبين ولا مقهورين لقاهر قادر يُمضي عليكم أحكامه، وينفّذ فيكم أوامره؟ وهذا غاية التعجيز لهم إذ تبيّن عجزُهم عن ردّ نفس واحدة من مكان

стр. 546

إلى مكان، ولو اجتمع على ذلك الثقلان! فيا لها من آية دالّة على ربوبيته سبحانه، ووحدانيته، وتصرّفه في عباده، ونفوذ أحكامه فيهم وجرَيانها عليهم! والدين دينان: دين شرعي أمري، ودين حسابي جزائي. وكلاهما لله وحده، فالدين كله لله أمرًا أو جزاءً. والمحبة أصل كل واحد من الدينين. فإنّ ما شرعه سبحانه وأمر به يحبّه ويرضاه، وما نهى عنه فإنّه يكرهه ويبغضه لمنافاته يحبّه ويرضاه، فهو يحب ضدّه. فعاد دينه الأموي كلّه (١) إلى محبته ورضاه. ودين العبد لله (٢) به إنّما يُقبل إذا كان عن محبة ورضى (٣)، كما قال النبي ﷺ : "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمّد رسولًا" (٤). فهذا الدين قائم بالمحبّة، وبسببها شُرِع، ولأجلها شُرِعَ (٥)، وعليها أُسِّس. وكذلك دينه الجزائي، فإنّه يتضمن مجازاةَ المحسن بإحسانه والمسيءِ بإساءته، وكلّ من الأمرين محبوب للربّ، فإنّهما عدله وفضله، وكلاهما من صفات كماله. وهو سبحانه يحبّ أسماءه وصفاته، ويحبّ مَن يحبّها.

стр. 547

وكلّ واحد من الدينين فهو صراطه المستقيم الذي هو عليه سبحانه، فهو على صراط مستقيم في أمره ونهيه وثوابه وعقابه، كما قال تعالى إخبارًا عن نبيّه هود أنّه قال لقومه: ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]. ولمّا علم نبيّ الله أنّ ربّه على صراط مستقيم في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، وقضائه وقدره، ومنعه وعطائه، وعافيته وبلائه، وتوفيقه وخذلانه، لا يخرج (١) في ذلك عن موجب كماله المقدّس الذي تقتضيه أسماؤه وصفاته من العدل، والحكمة، والرحمة والإحسان والفضل، ووضع الثواب في موضعه، والعقوبة في موضعها اللائق بها، ووضع التوفيق والخذلان والعطاء والمنع والهداية والإضلال كلِّ ذلك في أماكنه ومحالّه اللائقة به، بحيث يستحق على ذلك كمالَ الحمد والثناء = أوجب له ذلك العلمُ والعرفانُ أنْ (٢) نادى على رؤوس الملأ من قومه بجَنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرّد لله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣). ثم (٤) أخبر عن عموم قدرته وقهره لكلّ ما سواه، وذلّ كلّ شيء لعظمته، فقال: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ فكيف أخاف ما ناصيتُه

стр. 548

بيد غيره، وهو في قبضته وتحت قهره وسلطانه (١) دونه، وهل هذا إلا من (٢) أجهل الجهل وأقبح الظلم! ثم أخبر أنه سبحانه (٣) على صراط مستقيم، في كلّ ما (٤) يقضيه ويقدّره، فلا يخاف العبد جوره ولا ظلمه، فلا أخاف ما دونه فإنّ ناصيته بيده، ولا أخاف جوره ولا ظلمه فإنّه على صراط مستقيم. فهو سبحانه ماضٍ في عبده حكمُه، عدلٌ فيه قضاؤه، له الملك وله الحمد. لا يخرج تصرّفُه في عباده عن العدل والفضل (٥): إن أعطى وأكرَم وهدَى ووفَّق، فبفضله ورحمته. وإن منَع وأهانَ (٦) وأضلّ وخذَلَ وأشقى، فبعدله وحكمته. وهو على صراط مستقيم في هذا وهذا (٧). وفي الحديث الصحيح: "ما أصاب عبدًا قطّ (٨) همّ ولا حَزَنٌ، فقال: اللهمّ إنّي عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمُك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك، سمّيتَ به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم (٩) ربيع قلبي، ونور صدري،

стр. 549

وجلاء حزني، وذهاب همّي وغمّي = إلا أذهب الله همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحًا (١) " (٢). وهذا يتناول حكم الربّ الكوني والأمري وقضاءَه الذي يكون باختيار العبد وغير اختياره، فكلا الحكمين (٣) ماضٍ في عبده، وكلا القضائين عدلٌ فيه. فهذا الحديث مشتقّ من هذه الآية، بينهما أقرب نسب (٤). فصل ونختم (٥) الجواب بفصل يتعلّق بعشق الصور، وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة، وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر، فإنّه يفسد القلب بالذات. وإذا فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد نفس التوحيد (٦) كما تقدّم، وكما سنقرّره أيضًا إن شاء الله. والله سبحانه إنّما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس، وهما اللوطية والنساء. فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودَتْه وكادَتْه به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفّته وتقواه، مع أنّ الذي ابتلي به أمرٌ لا يصبر عليه إلا من صبّره الله عليه. فإنّ موافقة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي ها هنا في غاية القوة،

стр. 550

وذلك من وجوه (١): أحدها: ما ركّبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل العطشان إلى الماء (٢) والجائع إلى الطعام، حتى إنّ كثيرًا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء. وهذا لا يُذَمّ إذا صادف حِلًّا بل يحمد، كما في كتاب الزهد للإمام أحمد (٣) من حديث

стр. 551

يوسف بن عطية الصفَّار، عن ثابت (١) عن أنس، عن النبي ﷺ : "حُبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن". الثاني: أن يوسف ﵇ كان شابًّا، وشهوة الشباب وحدّته أقوى. الثالث: أنه كان عَزَبًا ليس له زوجة ولا سُرِّيّة تكسر شدّة الشهوة (٢). الرابع: أنه كان في بلاد غُربةٍ يتأتّى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتّى له في وطنه بين أهله ومعارفه. الخامس: أنّ المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث إنّ كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها (٣). السادس: أنها غير ممتنعة ولا آبية، فإنّ (٤) كثيرًا من الناس يزيل رغبتَه في المرأة إباؤها وامتناعها، يجد في نفسه من ذلّ الخضوع والسؤال لها. وكثير من الناس يزيده الإباء والامتناع إرادة وحبًّا، كما قال الشاعر: وزادني كلَفًا في الحبّ أنْ مَنَعتْ … أحبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنِعا (٥)

стр. 552

فطباع الناس مختلفة في ذلك، فمنهم من يتضاعف حبّه عند بذل المرأة ورغبتها، ويضمحلّ عند إبائها وامتناعها. وأخبرني بعض القضاة أنّ إرادته وشهوته تضمحلّ (١) عند امتناع امرأته أو سُرّيته (٢) وإبائها بحيث لا يعاودها. ومنهم من يتضاعف حبّه وإرادته بالمنع، وتشتدّ شهوته (٣) كلّما مُنِع، ويحصل له من اللذّة بالظفر نظيرُ ما يحصل (٤) من لذة بالظفر بالصيد (٥) بعد امتناعه ونفاره، واللذة بإدراك المسألة بعد استعصائها (٦) وشدّة الحرص على إدراكها. السابع: أنّها طلبت وأرادت وراودت (٧) وبذلت الجهد، فكفتْه مؤنة الطلب وذلَّ الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه. الثامن: أنّه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث (٨) يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له؛ فاجتمع داعي الرغبة والرهبة. التاسع: أنّه لا يخشى أن تنُمّ عليه هي ولا أحد من جهتها، فإنّها هي (٩) الطالبة والراغبة، وقد غلَّقت الأبواب، وغيَّبت الرقباء.

стр. 553

العاشر: أنّه كان في الظاهر مملوكًا لها في الدار بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها ولا ينكَر عليه، فكان (١) الإنس سابقًا على الطلب، وهو من أقوى الدواعي؛ كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب (٢): ما حملكِ على الزنى؟ قالت: "قُربُ الوِساد، وطول السواد" (٣). تعني قرب وساد الرجل من وسادي (٤)، وطول السِّواد بيننا. الحادي عشر: أنّها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إيّاهنّ، وشكت حالها إليهنّ، لتستعين بهنّ عليه؛ فاستعان هو بالله عليهن، فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ [يوسف: ٣٣]. الثاني عشر: أنها تواعدته (٥) بالسجن والصَّغار. وهذا نوع إكراه، إذ هو (٦) تهديد ممن يغلب (٧) على الظنّ وقوعُ ما هدَّد به، فيجتمع (٨) داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.

стр. 554

الثالث عشر: أنّ الزوج لم يظهر منه من الغيرة والنخوة ما يفرّق به بينهما، ويبعد كلًّا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما قابلهما به أن قال ليوسف: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾. وللمرأة: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف: ٢٩] وشدة الغيرة في الرجل من أقوى الموانع، وهذا لم يظهر منه غيرة. ومع هذه الدواعي كلّها، فآثر مرضاةَ الله وخوفَه، وحمله حبُّه لله على أن اختار السجن (١) على الزنى، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي﴾ [يوسف: ٣٣]، وعلم أنّه لا يطيق صرفَ ذلك عن نفسه، وأنّ ربّه تعالى إنْ لم يعصمْه ويصرِفْه (٢) عنه صبأ إليهنّ بطبعه، وكان من الجاهلين. وهذا من كمال معرفته بربّه وبنفسه. وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكَم ما يزيد على ألف فائدة (٣)، لعلّنا إن وفّق (٤) الله أن نفردها في مصنّف مستقلّ (٥). فصل والطائفة الثانية الذين حكى (٦) عنهم العشق هم (٧) اللوطية، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨)

стр. 555

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٦٧ - ٧٢]، فهذه عشقت. فحكاه (١) سبحانه عن طائفتين عشِقَ كلٌّ منهما ما حُرِّم عليه من الصور، ولم يبال بما (٢) في عشقه من الضرر. وهذا داء أعيا الأطبّاءَ دواؤه، وعزّ عليهم شفاؤه. وهو -لَعمرُ الله- الداء العضال، والسم القتّال، الذي ما عَلِقَ بقلب إلا وعزّ على الورى استنقاذه من إساره، ولا اشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره. وهو أقسام. فإنّه تارةً يكون كفرًا، كمن اتخذ معشوقَه نِدًّا يحبّه كما يحبّ الله، فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ فهذا عشق لا يُغفر لصاحبه، فإنّه من أعظم الشرك، والله لا يغفر أن يُشرَك به؛ وإنما يُغفَر بالتوبة الماحية. وعلامة هذا العشق الشركي الكفري أن يقدِّم العاشقُ رضا معشوقه على رضا ربّه، وإذا تعارض عنده حقُّ معشوقه وحظّه وحقُّ ربّه وطاعته قدّم حقَّ معشوقه (٣) على حقِّ ربه، وآثر رضاه على رضاه (٤)، وبذل لمعشوقه أنفَسَ ما يقدِر عليه، وبذل لربّه -إن بذل- أردأ ما عنده،

стр. 556

واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرّب إليه، وجعل لربه -إن أطاعه- الفضلة التي تفضُل عن معشوقه من ساعاته (١). فتأمَّلْ حالَ أكثر عشّاق الصور (٢)، هل (٣) تجدها مطابقةً لذلك؟ ثم ضَعْ حالَهم في كِفة، وتوحيدَهم وإيمانَهم في كِفّة، وزِنْ وزنًا يُرضي الله ورسوله، ويطابق العدل. وربما صرّح العاشق منهم بأنّ وصلَ معشوقه أحبُّ إليه من توحيد ربه، كما قال العاشق الخبيث (٤): يترشّفْن من فمي رَشَفاتٍ … هنّ أحلى فيه من التوحيد (٥) وكما صرّح الخبيث (٦) الآخر بأنّ وصلَ معشوقه أشهى إليه من رحمة ربّه، -فعياذًا بك اللهم من هذا الخِذلان (٧) - فقال: وصلُك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالقِ الجليلِ (٨) ولا ريب أنّ هذا العشق من أعظم الشرك.

стр. 557

وكثير من العشاق يصرّح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة، بل قد ملك معشوقُه عليه قلبَه كلَّه (١)، فصار عبدًا محضًا من كلّ وجه لمعشوقه! فقد رضي هذا من عبودية الخالق ﷻ بعبودية (٢) مخلوق مثله، فإنّ العبودية هي كمال الحبّ والخضوع، وهذا قد استفرغ قوة حبه وخضوعه وذلّه لمعشوقه، فقد أعطاه حقيقة العبودية. ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة، فإنّ تلك ذنب كبير، لفاعله حكم أمثاله؛ ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك. وكان بعض الشيوخ من العارفين (٣) يقول: لأن أُبتلىَ بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلى من أن أبتلى فيها بعشق يتعبّد لها قلبي ويشغله عن الله. فصل ودواء هذا الداء القتال: أن يعرف ما (٤) ابتُلي به من الداء المضادّ

стр. 558

للتوحيد أولًا، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكرة فيه، ويكثر اللجأ والتضرّع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن يراجع بقلبه إليه. وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله. وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ (١) [يوسف: ٢٤]. فأخبر سبحانه أنّه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه (٢). فإنّ القلب إذا خلَص (٣) وأخلص عملَه لله لم يتمكّن منه عشق الصور، فإنّه إنّما يتمكن من قلب فارغ، كما قال (٤): فصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا (٥) وليعلم العاقل أنّ العقل والشرع يوجبان (٦) تحصيل المصالح

стр. 559

وتكميلها وإعدام المفاسد وتقليلها. فإذا (١) عرض للعاقل أمر يرى فيه مصلحةً ومفسدة (٢) وجب عليه أمران: أمر علميّ، وأمر عمليّ. فالعلميّ طلبُ معرفة الراجح من طرفَي المصلحة والمفسدة، فإذا تبيّن له الرجحان وجب عليه إيثار (٣) الأصلح له. ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ولا دنيوية، بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدَّر فيه من المصلحة، وذلك من وجوه: أحدها: الاشتغال بحبّ المخلوق وذكره عن حبّ الربّ تعالى وذكره. فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه، ويكون السلطان والغلبة له. الثاني: عذاب قلبه بمعشوقه. فإنّ من أحبّ شيئًا غير الله عُذِّب به، ولابدّ: فما في الأرض أشقى من محبٍّ … وإن وَجَد الهوى حلوَ المذاقِ تراه باكيًا في كل حين … مخافةَ فُرْقةٍ أو لاشتياقِ (٤) فيبكي إن نأوا شوقًا إليهم … ويبكي إن دنَوا حذرَ الفراقِ فتسخَن عينُه عند الفراق … وتسخَن عينُه عند التلاقي (٥)

стр. 560

والعشق، وإن استعذبه العاشق، فهو من أعظم عذاب القلب. الثالث: أنّ العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه، يسومه الهوانَ (١)، ولكن لسكرة العشق لا يشعر بمصابه، فقلبُه كعصفورةٍ في كفِّ طفلٍ يسومُها … حياضَ الردى والطفل يلهو ويلعب (٢) فعيشُ العاشق عيشُ الأسير الموثَق، وعيشُ الخليِّ عيشُ المسيَّب المطلَق. فالعاشق كما قيل (٣): طليقٌ برأي العينِ وهو أسيرُ … عليلٌ على قطب الهلاك يدورُ (٤) ومَيْتٌ يُرىَ في صورة الحيِّ غاديًا … وليس له حتى النشور نشورُ

стр. 561

أخو غمَراتٍ ضاع فيهن قلبُه … فليس له حتى الممات حضورُ الرابع: أنّه (١) يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه. فليس شيءٌ أضيعَ (٢) لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور. أمّا مصالح الدين فإنّها منوطة بلَمّ شَعَثِ القلب وإقبالهِ على الله، وعشقُ الصور أعظم شيءٍ تشعيثًا وتشتيتًا له (٣). وأمّا مصالح الدنيا فهي متابعة في الحقيقة لمصالح الدين، فمن انفرطت عليه مصالح دينه وضاعت عليه، فمصالح دنياه أضيَعُ وأضيَعُ. الخامس: أنّ (٤) آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشّاق الصور من النار في يابس الحطب. وسبب ذلك أنّ القلب كلّما قَرُبَ من العشق وقويَ اتصالُه به (٥) بَعُدَ من الله، فأبعد القلوب من الله قلوب عشّاق الصور. وإذا بعد القلب من الله طرقته الآفات من كل ناحية، فإنّ الشيطان يتولّاه. ومن تولّاه عدوُّه (٦) واستولى عليه لم يألُه وبالًا، ولم يدَعْ أذىً يمكنه إيصاله إليه إلا أوصله. فما الظنّ بقلب تمكّن منه عدوُّه وأحرَصُ الخلقِ على غيّه (٧) وفسادِه، وبعُد منه وليُّه ومن لا سعادة له ولا فلاح ولا سرور إلا بقربه وولايته؟

стр. 562

السادس: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهنَ، وأحدث الوسواسَ. وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها. وأخبار العشاق (١) في ذلك موجودة في مواضعها، بل بعضيها مشاهَد بالعيان. وأشرف ما في الإنسان عقله، وبه يتميّز عن سائر الحيوانات؛ فإذا عدم عقله التحق بالحيوان البهيم، بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله. وهل أذهب عقلَ مجنون ليلى وأضرابِه إلا العشق؟ وربما زاد جنونه على جنون غيره، كما قيل: قالوا جُنِنتَ بمن تهوى فقلتُ لهم … العشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهرَ صاحبُه … وإنّما يُصرَع المجنونُ في الحين (٢) السابع: أنّه ربما أفسد الحواسّ أو بعضها (٣) إمّا فسادًا معنويًا أو صُوريًّا (٤). أمّا الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب، فإنّ القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان، فيرى القبيح حسنًا منه ومن معشوقه، كما في المسند (٥) مرفوعًا: "حبّك للشيء يُعمي ويُصِمّ". فهو يُعمي

стр. 563

عينَ القلب عن رؤية مساوي المحبوب وعيوبه، فلا ترى العين ذلك، ويُصِمّ أذنَه عن الإصغاء إلى العذل فيه، فلا تسمع الأذن ذلك. والرغبات تستر العيوب، فالراغب في الشيء لا يرى عيوبه حتى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه. فشدّةُ الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على (١) ما هو به، كما قيل: هوِيتُكَ إذ عيني عليها غشاوةٌ … فلما انجلتْ قطّعتُ نفسي ألومُها (٢) والداخل في الشيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه. ولا يرى عيوبه (٣) إلا من دخل فيه ثم خرج منه. ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإِسلام بعد الكفر خيرًا من الذين ولدوا في الإِسلام. قال عمر بن الخطاب: إنّما تُنقَض عُرى الإِسلام عروةً عروةً إذا وُلِد في الإِسلام من لم يعرف الجاهلية (٤).

стр. 564

وأما إفساده للحواسّ ظاهرًا (١)، فإنّه يُمرِض البدن ويُنهِكه، وربما أدّى إلى تلفه، كما هو معروف في أخبار من قتلهم العشق. وقد رُفع إلى ابن عباس -وهو بعرفة- شابٌّ قد انتحل (٢) حتى عاد عظما بلا لحم (٣) فقال: ما شأن هذا؟ قالوا: به العشق. فجعل ابن عباس يستعيذ بالله (٤) من العشق عامّةَ يومه (٥). الثامن: أنّ العشق -كما تقدّم- هو الإفراط في المحبة بحيث يستولي المعشوق على قلب العاشق حتى لا يخلو (٦) من تخيّله وذكره والفكر فيه، بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه. فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوى الحيوانية والنفسانية، فتتعطل تلك القوى، فيحدث بتعطّلها (٧)

стр. 565

من الآفات على البدن والروح ما يعِزّ دواؤه أو يتعذّر (١)، فتتغيّر أفعاله وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك، فيعجز البشر عن صلاحه، كما قيل (٢): الحبُّ أوّلَ ما يكون لجاجةٌ … تأتي به وتسوقه الأقدارُ (٣) حتى إذا خاض الفتى لُججَ الهوى … جاءت أمور لا تُطاق كِبارُ والعشق مبادئه سهلة حلوة، وأوسطه همّ وشغلُ قلبٍ وسقم، وآخره عطَب وقتل، إن لم يتداركه (٤) عناية من الله، كما قيل: وعِشْ خاليًا فالحبُّ أولُه عَنا … وأوسطه سقم، وآخره قتلُ (٥) وقال آخر: تولَّعَ بالعشق حتّى عشِقْ … فلمّا استقلّ به لم يُطِقْ رأى لُجّةَ ظنّها موجةً … فلما تمكّن منها غرِقْ (٦)
следующие страницы →