← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فصل إذا عرفت هذه المقدمة، فلا يمكن أن يجتمع في القلب (١) حبّ المحبوب الأعلى وعشق الصور أبدًا، بل هما ضدّان لا يتلاقيان، بل لابدّ أن يُخرج أحدهما صاحبه. فمن كانت قوة حبه كلّها للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها، صَرَفه ذلك عن محبة ما سواه. وإن أحبّه (٢) لم يحبَّه إلا لأجله ولكونه وسيلةً له إلى محبته، أو قاطعًا له عمّا يضادّ محبته وينقضها (٣). والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، وأن لا يشرك (٤) بينه وبيّن غيره في محبته. وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يُشرِكَ محِبُّه غيرَه (٥) في محبته، ويمقته لذلك (٦)، ويُبعده، ولا يُحظيه بقربه، ويعدّه كاذبًا في دعوى محبته، مع أنّه ليس أهلًا لصرف قوة المحبة إليه، فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده، وكلّ محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال؟ ولهذا لا يغفر الله سبحانه أن يشرَك به في هذه المحبة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فمحبة الصور تفوّت محبةَ (٧) ما هو أنفع للعبد منها، بل (٨) تفوّت

стр. 492

محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حياة نافعة إلا بمحبته (١) وحده. فليختر إحدى المحبَّتَين، فإنهما لا تجتمعان في القلب ولا ترتفعان منه. بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه بمحبة غيره، فيعذّبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة. فإمّا أن يعذّبه بمحبة الأوثان، أو بمحبة الصُّلبان، أو بمحبة النيران، أو محبة المُرْدان، أو محبة النسوان، أو محبة الأثمان (٢)، أو محبة العُشراء والخلّان (٣)، أو محبة (٤) ما دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان، فالإنسان عبد محبوبه كائنًا ما كان! كما قيل: أنت القتيل بكلّ من أحببتَه … فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي (٥) فمن لم يكن إلهُه (٦) مالكَه ومولاه، كان إلهه هواه. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣].

стр. 493

فصل وخاصية التعبّد (١): الحبّ مع الخضوع والذلّ للمحبوب، فمن أحبّ شيئًا وخضع له فقد تعبد قلبه له. بل التعبّد آخر مراتب الحبّ، ويقال له التتيّم أيضًا (٢). فإنّ أول مراتبه: العلاقة، وسميت "علاقة " لتعلّق القلب (٣) بالمحبوب. قال (٤): وعُلِّقتُ ليلى وَهْيَ ذات تمائم … ولم يبدُ للأتراب من ثديها حَجْمُ (٥) وقال آخر (٦): أعلاقةً أمَّ الوُلَيِّدِ بعد ما … أفنانُ رأسكَ كالثَّغام المُخْلِسِ (٧) ثم بعدها الصبابة، وسمّيت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب.

стр. 494

قال (١): تشكّى المحبّون الصبابةَ ليتني … تحملتُ ما يلقَون من بينهم وحدي (٢) فكانت لقلبي لذةُ الحبّ كلها … فلم يلقَها قبلي محبٌّ ولا بعدي (٣) ثم الغرام، وهو لزوم الحبّ للقلب لزومًا لا ينفكّ عنه. ومنه سمّي الغريم غريمًا لملازمته صاحبَه (٤). ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ [الفرقان: ٦٥]. وقد أولع (٥) المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحبّ، وقلّ أن تجده في أشعار العرب. ثم العشق، وهو إفراط المحبة. ولهذا لا يوسف به الربّ تعالى، ولا يطلق في حقّه (٦). ثم الشوق، وهو سفر القلب إلى المحبوب أحثّ السفر (٧). وقد جاء إطلاقه في حقّ الرب تعالى (٨)، كما في مسند الإِمام أحمد (٩) من

стр. 495

حديث عمار بن ياسر أنه (١) صلّى صلاةً فأوجز فيها، فقيل له في ذلك، فقال: أمَا (٢) إنّي دعوتُ فيها بدعَواتٍ كان النبي ﷺ يدعو بهنّ: "اللهم إنّي أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحْيني إذا كانت الحياة خيرًا لي (٣)، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. اللهم وَأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمةَ الحقّ في الغضب والرضا (٤)، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرةَ عين لا تنقطع، وأسألك بردَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم (٥)، وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضرّاء مُضِرّة ولا فتنة مضِلّة. اللهم زينا بزينة الإيمان" واجعلنا هداةً مهتدين". وفي أثر آخر: "طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشدّ شوقًا" (٦).

стр. 496

وهذا هو المعنى الذي عبّر عنه النبي ﷺ بقوله: "من أحبَّ لقاءَ الله أحبّ الله لقاءَه" (١). وقال بعض أهل البصائر (٢) في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]: لمّا علم الله سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأنّ قلوبهم لا تهدأ دون لقائه، ضرب لهم أجلًا وموعدًا للّقاء تسكن نفوسهم به. وأطيب العيش وألذّه على الإطلاق عيش المحبّين المشتاقين المستأنسين، فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها. وهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. ليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار (٣)، والأبرار والفجار، من طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح؛ بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافًا مضاعفةً. وقد ضمن الله سبحانه لكلّ من عمل صالحًا أن يحييه حياة طيبة،

стр. 497

فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده. وأيّ حياة أطيب من حياة مَن اجتمعت همومه كلّها، وصارت همًّا واحدًا في مرضاة الله، ولَمَّ شعثَ قلبه بالإقبال على الله (١)، واجتمعت إراداته وأفكاره التي كانت منقسمةً -بكل وادٍ منها شعبة- على الله. فصار ذكرُ محبوبه الأعلى، وحبّه، والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه = هو المستولي عليه (٢). وعليه تدور همومه وإراداته وقصوده (٣)، بل خطرات قلبه. فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله. وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر. وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يتحرك، وبه يسكن. وبه يحيا، وبه يموت، وبه يبعث؛ كما في صحيح البخاري عنه ﷺ فيما يروي عن ربّه ﵎ أنّه قال: "ما تقرّب (٤) إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه. ولا يزال عبدي يتقرّب إلي بالنوافل حتّى أحبّه. فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها (٥). فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي.

стр. 498

ولئن (١) سألني لأعطينّه (٢)، ولئن استعاذني (٣) لأعيذَنّه. وما تردّدتُ عن شيء أنا فاعلُه تردّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموتَ وأكره مساءتَه، ولا بدّ له منه" (٤). فتضمّن هذا الحديث الشريف الإلهي -الذي حرامٌ على غليظِ الطبع كثيفِ القلب فهمُ معناه والمرادِ به- حصرَ أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه، والتقرّب إليه (٥) بالنوافل. وأخبر سبحانه أنّ أداء فرائضه أحبّ ما تقرّب به إليه (٦) المتقرّبون،

стр. 499

ثم بعدها النوافل؛ وأنّ المحبّ لا يزال يُكثر من النوافل حتى يصير محبوبًا لله. فإذا صار محبوبًا لله أوجبت محبةُ الله له محبةً أخرى منه لله، فوق المحبة الأولى (١)، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبقَ فيه سعة لغير محبوبه البتّة. فصار ذكر محبوبه وحبّه ومثله الأعلى مالكًا لزمام قلبه، مستوليًا على روحه، استيلاءَ المحبوب على محبّه (٢) الصادقِ في محبته التي (٣) قد اجتمعت قوى حبّه كلّها له (٤). ولا ريب أنّ هذا المحبّ إن سمع سمع بمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به. فهو في قلبه (٥)، ومعه، وأنيسه، وصاحبه. فالباء هاهنا باء المصاحبة (٦)، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حاليّة لا علمية محضة. وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق (٧) التي لم يُخلَق لها ولم يُفطَر عليها، كما قال بعض المحبّين: خيالك في عيني وذكرك في فمي … ومثواك في قلبي فأين تغيبُ؟ (٨)

стр. 500

وقال آخر (١): ومن عجبٍ أنّي أحِنّ إليهم … وأسأل عنهم مَن لقيتُ وهم معي (٢) وتطلبهم عيني وهم في سوادها … ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلُعي (٣) وهذا ألطف من قول الآخر: إن قلتُ غبتَ فقلبي لا يصدّقني … إذ أنت فيه مكان السرِّ لم تغِبِ أو قلتُ ما غبتَ قال الطرف ذا كَذِبٌ … فقد تحيّرتُ بين الصدق والكذبِ (٤) فليس شيء أدنى إلى المحبّ من محبوبه، وربما تمكنت منه المحبة حتى يصير أدنى إليه من نفسه، بحيث ينسى نفسه ولا ينساه (٥)، كما قال (٦):

стр. 501

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما … تمثَلُ لي ليلى بكلّ سبيلِ (١) وقال آخر (٢): يراد من القلب نسيانُكم … وتأبى الطباعُ على الناقل (٣) وخصّ في الحديث (٤) السمع والبصر واليد والرجل بالذكر، فإنّ هذه الآلات آلات الإدراك، وآلات الفعل، والسمعُ والبصرُ يُوردان على القلب الإرادةَ والكراهةَ، ويجلبان إليه الحبّ والبغض، فيستعمل اليد والرجل. فإذا كان سمعُ العبد بالله وبصرُه بالله كان محفوظًا في آلات إدراكه، وكان (٥) محفوظًا في حبّه وبغضه، فحُفِظَ في بطشه ومشيه. وتأمَّلْ كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان. فإنّه إذا كان إدراك السمع الذي يحصل باختياره تارة وبغير اختياره تارة، وكذلك البصرُ قد يقع بغير الاختيار فجأةً (٦)، وكذلك حركة اليد والرجل التي لابدّ للعبد منها؛ فكيف بحركة اللسان التي لا تقع (٧) إلا بقصد واختيار، وقد يستغني العبد عنها إلا حيث أُمِر بها؟ وأيضًا فانفعال اللسان عن القلب أتمّ من انفعال سائر الجوارح، فإنّه ترجمانه ورسوله (٨).

стр. 502

وتأمَّلْ كيف حقّق تعالى كونَ العبد به عند سمعه وبصره وبطشه ومشيه، بقوله: "كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" تحقيقًا لكونه مع عبده، وكون عبده به، في إدراكاته بسمعه وبصره، وحركاته بيده ورجله؟ وتأمل كيف قال: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش"، ولم يقل: فلي يسمع، ولي يبصر، ولي يبطش؟ (١). وربما يظنّ الظانّ أنّ اللام أولى بهذا الموضع، إذ هي أدلّ على الغاية ووقوع هذه الأمور لله، وذلك أخصّ من وقوعها به. وهذا من الوهم والغلط، إذ ليست الباء ها هنا لمجرّد الاستعانة، فإنّ حركات الأبرار والفجار وإدراكاتهم إنّما هي بمعونة الله لهم، وإنّما الباء ها هنا للمصاحبة، أي: إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشي، وأنا صاحبه ومعه (٢)، كقوله في الحديث (٣) الآخر: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (٤).

стр. 503

وهذه هي (١) المعية الخاصّة المذكورة في قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقول النبي ﷺ : "ما ظنّك باثنين الله ثالثهما" (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨] وقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦] وقوله: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] (٣). فهذه الباء مفيدة لمعنى هذه المعية (٤) دون اللام. ولا يتأتّى للعبد الإخلاص والصبر والتوكّل ونزوله في منازل العبودية إلا بهذه الباء وهذه المعية. فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاقّ، وانقلبت المخاوف في حقّه أمانًا. فبالله يهون كلّ صعب، ويسهل كلّ عسير، ويقرب كلّ بعيد.

стр. 504

وبالله تزول الهموم والغموم (١) والأحزان. فلا همّ مع الله، ولا غمّ (٢)، ولا حزن، إلّا حيث يفوته (٣) معنى هذه الباء، فيصير قلبه حينئذ كالحوت إذا فارقَ الماءَ، يَثِب ويتقلّب (٤) حتى يعود إليه. ولما حصلت (٥) هذه الموافقة من العبد لربّه في محابّه حصلت موافقة الربّ لعبده في حوائجه ومطالبه، فقال: "ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنّه" أي: كما وافقني في مرادي بأمتثال أوامري والتقرّب إليّ بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله به (٦)، ويستعيذني أن يناله. وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين، حتّى اقتضى تردّدَ الربّ سبحانه؛ في إماتة عبده، لأنّه يكره الموت، والربّ تعالى يكره ما يكرهه عبدُه ويكره مساءتَه؛ فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته. ولكن مصلحته في إماتته، فإنّه ما أماته إلا لِيُحييه، ولا أمرضه (٧) إلا ليُصِحّه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنّة في صلب أبيه إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله، ولم يقل لأبيه: اخرج منها، إلا هو يريد أن يعيده إليها (٨).

стр. 505

فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه، بل لو كان في كلّ منبِتِ شعرةٍ من العبد محبّة تامّة لله لكان بعضَ ما يستحقّه على عبده: نقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى … ما الحبّ إلا للحبيب الأولِ كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبدًا لأول منزلِ (١) فصل ثم التتيُّم، وهو آخر مراتب الحبّ، وهو تعبّد المحبّ لمحبوبه. يقال: تيّمه الحبّ إذا عبّده. ومنه تَيْم الله، أي عَبْد الله. وحقيقة التعبد: الذلّ والخضوع للمحبوب. ومنه قولهم: "طريق معبّد" أي مذلّل قد ذلّلته الأقدام. فالعبد هو الذي ذلّله الحبّ والخضوع لمحبوبه. ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته هي العبودية، فلا منزل له أشرف منها. وقد ذكر الله سبحانه أكرمَ الخلق عليه وأحبَّهم إليه -وهو رسوله محمد ﷺ - بالعبودية في أشرف مقاماته، وهي: مقام الدعوة إليه، ومقام التحدّي بالنبوة، ومقام الإسراء (٢)، فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن: ١٩] وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾.

стр. 506

وفي حديث الشفاعة: "اذهبوا إلى محمّدٍ، عبدٍ غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر" (١). فنال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله له. والله (٢) سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، التي هي أكمل أنواع المحبة، مع أكمل أنواع الخضوع والذلّ. وهذا هو حقيقة الإسلام وملّة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفِه نفسه. قال (٣) تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٣]. ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك، والله لا يغفر أن يُشرَك به. و أصل (٤) الشرك بالله الإشراك به في المحبة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا

стр. 507

أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، فأخبر سبحانه أنّ من الناس من يشرك به، فيتخذ من دونه ندّا يحبّه كحبّ الله، وأخبر أنّ الذين آمنوا أشدّ حبًّا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم. وقيل: بل المعنى أنّهم أشدّ حبًّا لله من أصحاب الأنداد لله، فإنّهم وإنْ أحبّوا الله، لكن لمّا أشركوا (١) بينه وبيّن أندادهم في المحبة ضعفت محبتهم لله (٢). والموحدون لله لمّا خلصت (٣) محبتهم له كانت أشدّ من محبة أولئك. والعدل بربّ العالمين والتسوية بينه وبيّن الأنداد هو في هذه المحبة، كما تقدّم. ولما كان مراد الله من خلقه هو خلوص هذه المحبة له أنكر على من اتخذ من دونه وليًّا أو شفيعًا (٤) غايةَ الإنكار، وجمع ذلك تارةً، وأفرد أحدهما عن الآخر بالإنكار تارةً، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ (٥) [السجدة: ٤]، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾ [الأنعام: ٥١]. وقال في الإفراد: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا

стр. 508

لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ [الزمر: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾ [الجاثية: ١٠]. فإذا والى (١) العبد ربَّه وحده أقام له الشفعاء، وعقد الموالاة (٢) بينه وبيّن عباده المؤمنين، فصاروا أولياءه في الله، بخلاف من اتخذ مخلوقًا وليًّا من دون الله. فهذا لون وذاك لون، كما أنّ الشفاعة الشركية الباطلة لون، والشفاعة الحقّ الثابتة التي إنّما تُنال بالتوحيد لون. وهذا موضع فرقان بين أهل التوحيد وأهل الإشراك. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. والمقصود أنّ حقيقة العبودية لا تحصل مع الإشراك بالله في المحبة، بخلاف المحبة لله، فإنّها من لوازم العبودية وموجَباتها، فإنّ محبة الرسول -بل تقديمه في الحبّ (٣) على الأنفس (٤) والآباء والأبناء- لا يتمّ الإيمان إلا بها، إذ محبته من محبة الله. وكذلك كلّ حبّ في الله ولله، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنّه قال: "ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان"- وفي لفظ في الصحيح: "لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال-: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرءَ لا يحبّه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه

стр. 509

الله منه، كما يكره أن يُلقى في النار" (١). وفي الحديث الذي في السنن: "من أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان" (٢). وفي حديث آخر: "ما تحابّ رجلان في الله إلا كان أفضلُهما أشدَّهما حبًّا لصاحبه" (٣).

стр. 510

فإنّ هذه المحبة من لوازم محبة الله وموجَباتها وكلّما كانت أقوى كان أصلها كذلك. فصل وههنا أربعة أنواع من المحبّة يجب التفريق بينها، وإنّما ضلّ من ضلّ بعدم التمييز بينها: أحدها: محبة الله. ولا تكفي وحدها في النجاة من عذابه والفوز بثوابه (١)، فإنّ المشركين وعبّاد الصليب واليهود وغيرهم يحبّون الله. الثاني: محبة ما يحبّه الله (٢). وهذه هي التي تُدخله في الإسلام، وتُخرجه من الكفر، وأحبُّ الناس إلى الله أقوَمُهم بهذه المحبة وأشدّهم

стр. 511

فيها. الثالث: الحبّ لله وفيه. وهي من لوازم محبة ما يحبّ، ولا يستقيم محبة ما يحب إلا بالحبّ فيه وله. الرابع (١): المحبة مع الله. وهي المحبة الشركية، وكلّ من أحبّ شيئًا مع الله، لا لله ولا من أجله ولا فيه، فقد اتخذه ندًّا من دون الله، وهذه محبة المشركين. وبقي قسم خامس: ليس مما نحن فيه، وهو المحبة الطبعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم والزوجة (٢) والولد. فتلك لا تُذَمّ إلا إذا ألهَتْ عن ذكر الله وشغلتْ عن محبته، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩] وقال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. فصل ثم الخلّة، وهي تتضمّن (٣) كمال المحبة ونهايتَها، بحيث لا يبقى في قلب المحبّ سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجهٍ ما (٤). وهذا المنصب خَلَصَ (٥) لخليلين صلوات الله وسلامه

стр. 512

عليهما: إبراهيم ومحمد، كما قال ﷺ : "إن الله اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (١). وفي الصحيح عنه ﷺ : "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلًا لاتخذتُ أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله" (٢). وفي حديث آخر: "إني أبرأ إلى كلّ خليل من خُلّته" (٣). ولما سأل إبراهيمُ الولدَ، فأُعطِيَه، وتعلّق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة؛ غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمره بذبحه (٤). وكان الأمر في المنام، ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاءً وامتحانًا. ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه، ليخلص القلب للربّ. فلما بادر الخليل إلى الامتثال، وقدّم محبة الله على محبة ولده؛ حصل المقصود، فرُفع الذبح. وفُدي بذبح عظيم، فإنّ الربّ تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله (٥) رأسًا، بل لابدّ أن يبقى بعضه أو بدَلُه، كما أبقى شرعية الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمسَ صلواتٍ بعد رفع الخمسين وأبقى ثوابها

стр. 513

وقال: " لا يبدَّل (١) القولُ لديَّ، هي خمس، وهي خمسون في الأجر" (٢). فصل وأما ما يظنّه بعض الغالطين أنّ المحبة أكمل من الخلّة، وأنّ إبراهيم خليل الله (٣)، ومحمد حبيب الله، فمن جهله. فإنّ المحبة عامة، والخلّة خاصة، والخلّة نهاية المحبة. وقد أخبر النبي ﷺ إنّ الله اتخذه خليلًا، ونفى أن يكون له خليل غير ربّه، مع إخباره (٤) بمحبته (٥) لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم (٦). وأيضًا فإنّ الله (٧) سبحانه يحبّ التوابين، ويحب المتطهرين، ويحبّ الصابرين، ويحبّ المحسنين، ويحبّ المتقين (٨)، ويحب المقسطين. وخُلّته خاصة بالخليلين. والشابّ التائب حبيب الله (٩).

стр. 514

وإنما هذا (١) من قلة العلم والفهم عن الله ورسوله. فصل وقد تقدّم (٢) أنّ العبد لا يترك ما يحبّه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه (٣)، لكن يترك أضعفَهما محبةً لأقواهما محبةً؛ كما أنه يفعل ما يكرهه لحصول ما محبتُه أقوى عنده من كراهة ما يفعله، أو لخلاصه من مكروهٍ كراهتُه عنده أقوى من كراهة ما يفعله (٤). وتقدّم أنّ خاصية العقل (٥) إيثار أعلى المحبوبين على أدناهما، وأيسر المكروهين على أقواهما. وتقدّم (٦) أنّ هذا كمال قوة الحب والبغض. ولا يتمّ له هذا إلا بأمرين: قوة الإدراك، وشجاعة القلب. فإنّ التخلّف (٧) عن ذلك والعمل بخلافه يكون إما لضعف الإدراك بحيث إنّه

стр. 515

لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما هي (١) عليه، وإمّا لضعفٍ في النفس وعجزٍ في القلب لا يطاوعه لإيثار الأصلح له، مع (٢) علمه بأنّه الأصلح. فإذا صحّ إدراكه، وقويت نفسه، وتشجّع (٣) القلب على إيثار المحبوب الأعلى والمكروه الأدنى، فقد وُفّق لأسباب السعادة. فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوى من سلطان عقله وإيمانه، فيقهر الغالبُ الضعيفَ (٤). ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى (٥) من سلطان شهوته. وإذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضرّه، فتأبى عليه نفسه وشهوته إلا تناولَه، ويقدّم شهوته على عقله، وتسميه الأطباء "عديم المروءة"؛ فهكذا أكثر مرضى القلوب يؤثرون ما يزيد مرضَهم لقوة شهوتهم له (٦). فأصل الشرّ من ضعف الإدراك، وضعف النفس ودناءتها. وأصل الخير من كمال الإدراك، وقوة النفس وشرفها وشجاعتها. ف الحبّ والإرادة أصل كلّ فعل ومبدؤه، والبغض والكراهة أصل كلّ ترك (٧) ومبدؤه. وهاتان القوتان في القلب أصل سعادة العبد وشقاوته.

стр. 516

ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والإرادة. وأما عدم الفعل فتارةً يكون لعدم مقتضيه وسببه، وتارةً يكون لوجود البغض والكراهة المانع منه. وهذا متعلَّق الأمر والنهي، وهو الذي (١) يسمّى الكفّ، وهو متعلّق الثواب والعقاب. وبهذا (٢) يزول الاشتباه في مسألة الترك، هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ والتحقيق أنّه قسمان: فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضي عدميّ، والمضاف إلى السبب المانع من الفعل وجودي (٣). فصل وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين إنّما يُؤثره الحيّ لما فيه من حصول المنفعة التي يلتذّ بحصولها، أو زوال الألم (٤) الذي يحصل له الشفاء بزواله (٥). ولهذا يقال: شفى صدره، وشفى قلبه. قال: هي الشفاءُ لدائي لو ظفرتُ بها … وليس منها شفاءُ الداءِ مبذولُ (٦) وهذا مطلوب يُؤثِره العاقل، بل الحيوان البهيم؛ ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطًا قبيحًا، فيقصد حصول اللذة بما يُعقِب عليه (٧) أعظمَ

стр. 517

الألم، فيؤلم نفسه من حيث يظنّ أنه يحصّل لذتها، ويشفي (١) قلبه بما يُعقب عليه غاية المرض. وهذا شأن من قصَرَ نظره على العاجل، ولم يلاحظ العواقب. وخاصَّةُ العقل: النظر في العواقب (٢)، فأعقَلُ الناسِ من آثر لذته وراحته الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة، وأسفهُ الخلقِ من باع نعيم الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص (٣) فيها ولا نقص (٤) بوجهٍ ما، بلذّة منغَّصة مشوبة بالآلام والمخاوف، وهي سريعة الزوال (٥) وشيكة الانقضاء. قال بعض العلماء (٦): فكّرتُ فيما يسعى فيه العقلاء، فرأيتُ سعيهم كلّه في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنّما يسعون في دفع الهمّ والغمّ عن نفوسهم. فهذا بالأكل والشرب (٧)، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب. فقلتُ: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلّها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنّما يوصل إلى ضدّه. ولم أر في جميع هذه الطرق طريقًا موصلة

стр. 518

إلا (١) الإقبال على الله ومعاملته وحده، وإيثار مرضاته على كلّ شيء. فإنّ سالك هذه الطريق إن فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه، وإن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء. وإن ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنأ الوجوه. فليس للعبد أنفع من هذه الطريق ولا أوصل منها إلى لذته وبهجته وسعادته. وبالله التوفيق. فصل والمحبوب قسمان: محبوب لنفسه، ومحبوب لغيره. والمحبوب لغيره لابدّ أن ينتهي إلى المحبوب لنفسه، دفعًا للتسلسل المحال. وكلّ ما سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره، وليس شيء يُحَبّ لنفسه إلا الله وحده، وكلّ ما سواه مما يُحَبّ وإنّما محبته تبع لمحبة الربّ تعالى (٢)، كمحبة ملائكته وأنبيائه وأوليائه، فإنّها تبع لمحبته سبحانه، وهي من لوازم محبته، فإنّ محبة المحبوب توجب محبةَ (٣) ما يحبّه. وهذا موضع يجب الاعتناء به، فإنّه محلّ فرقان بين المحبة النافعة لغيره، والتي (٤) لا تنفع، بل قد تضرّ. فاعلم أنّه لا يُحَبّ لذاته إلا مَن كماله من لِوازم ذاته، وإلهيتُه وربوبيته وغناه من لوازم ذاته. وما سواه وإنّما يبغض ويكرَه لمنافاته

стр. 519

محابَّه ومضادّته لها، وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها، فما كان أشد منافاةً (١) لمحابّه كان أشدّ كراهةً من الأعيان والأوصاف والأفعال والإرادات وغيرها. فهذا (٢) ميزان عادل يوزن به موافقة الربّ ومخالفته، وموالاته ومعاداته. فإذا رأينا شخصًا يحب ما يكرهه (٣) الربّ تعالى، ويكره ما يحبّه، علمنا أنّ فيه من معاداته بحسب ذلك. وإذا رأينا الشخص يحبّ ما يحبه (٤) الربّ، ويكره ما يكرهه، وكلّما كان الشيء أحبّ إلى الربّ كان أحبّ إليه وآثر عنده، وكلما كان أبغض إلى الربّ كان أبغض إليه وأبعد منه = علمنا أنّ فيه من موالاة الربّ بحسب ذلك. فتمسَّكْ بهذا الأصل غاية التمسّك في نفسك وفي غيرك. فالولاية عبارة عن موافقة الولي (٥) الحميد في محابّه ومساخطه، ليست بكثرة صوم ولا صلاة ولا تمزُّق ولا رياضة. والمحبوب لغيره قسمان أيضًا: أحدهما: ما يلتذّ المحِبّ بإدراكه وحصوله. والثاني: ما يتألّم به (٦)، ولكن يحتمله (٧) لإفضائه إلى محبوبه،

стр. 520

كشرب الدواء الكريه. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]، فأخبر سبحانه أنّ القتال مكروه لهم، مع أنّه خير لهم لإفضائه إلى أعظم محبوب (١) وأنفعه. والنفوس تحبّ الراحة والدعة (٢) والرفاهية، وذلك شرّ لها لإفضائه إلى فوات هذا المحبوب. فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها، وألم المكروه العاجل فيرغب عنه، فإنّ ذلك قد يكون شرّا له؛ بل قد يجلب عليه غاية الألم، ويفوّته أعظمَ اللذّة. بل (٣) عقلاء الدنيا يتحمّلون المشاقّ المكروهة لما يُعقِبهم (٤) من اللذة بعدها، وإن كانت منقطعة. فالأمور أربعة: مكروه يُوصِل إلى مكروه. ومكروه يوصل إلى محبوب. ومحبوب يوصل إلى محبوب. ومحبوب يوصل إلى مكروه (٥).

стр. 521

فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين، والمكروه الموصل إلى مكروه قد اجتمع فيه (١) داعي الترك من وجهين. بقي القسمان الآخران يتجاذبهما الداعيان، وهما معترك الابتلاء والامتحان. فالنفس تؤثر أقربهما جوارًا منهما، وهو العاجل. والعقل والإيمان يؤثران (٢) أنفعهما وأبقاهمًا. والقلب بين الداعيين، وهو إلى هذا مرةً، وإلى هذا مرةً. وها هنا محلّ الابتلاء شرعًا وقدرًا. فداعي العقل والإيمان ينادي (٣) كل وقت: حيَّ على الفلاح، عند الصباح يحمد القومُ السُّرى (٤)، وفي الممات يحمد العبدُ التُّقَى. فإن اشتدّ ظلام ليل المحبة، وتحكّم سلطان الشهوة والإرادة يقول (٥): يا نفس اصبري، فما هي إلا ساعة ثم تنقضي … ويذهب هذا كلُّه ويزولُ (٦)

стр. 522

فصل وإذا كان الحبّ أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أنّ أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله. وكلّ إرادة تمنع كمال الحبّ لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة، أو شبهةِ تمنع كمال التصديق؛ فهي معارِضة لأصل الإيمان أو مُضْعِفة له. فإنْ قويت حتى عارضت أصلَ الحبّ والتصديق كانت كفرًا وشركًا أكبرَ، وإنْ لم تعارضه قدحتْ في كماله، وأثّرت فيه ضعفًا وفتورًا في العزيمة والطلب. وهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب. فلا تصحّ الموالاة إلا بالمعاداة، كما قال تعالى عن إمام (١) الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. فلم تصحّ لخليل الله الموالاة (٢) والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة فإنّه لا وَلاءَ إلّا ببراء (٣)، أو، (٤) لا وَلاءَ لله إلّا بالبراءة (٥) من كل معبود سواه. قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤].

стр. 523

وقال تعالى (١): ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]. أي جعل هذه الموالاة لله والبراءة (٢) من كل معبود سواه كلمةً باقيةً في عقبه، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض. وهي كلمة (٣) لا إله إلا الله، وهي التي ورّثها إمامُ الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة. وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات. وعليها أُسِّست الملّة، ونُصِبت القبلة، وجُرّدت سيوف الجهاد، وهي محض حقّ الله على جميع العباد. وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذريّة في هذه الدار، والمنجيةُ من عذاب القبر وعذاب النار. وهي المنشور الذي لا يدخل أحد (٤) الجنةَ إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق (٥) بسببه. وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام. وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد. وبها انفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميّزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان. وهي العمود الحامل للفرض والسنّة، "ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنّة" (٦).

стр. 524

وروح هذه الكلمة وسرّها: إفراد الربّ -جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جدّه، ولا إله غيره- بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل (١) والإنابة والرغبة والرهبة. فلا يُحَبَّ سواه، وكلّ ما يُحَبّ غيره وإنّما يحَبّ تبعًا لمحبته وكونِه وسيلةً إلى زيادة محبته. ولا يُخاف سواه ولا يُرجى سواه، ولا يُتوكَّل إلا عليه، ولا يُرغَب إلا إليه، ولا يُرهَب إلا منه، ولا يُحلَف إلا باسمه، ولا ينذَر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يطاع إلا أمرُه، ولا يتحسّب إلا به، ولا يستغاث (٢) في الشدائد إلا به، ولا يلتجأ (٣) إلا إليه، ولا يُسجَد إلا له، ولا يُذبَح إلا له وباسمه. ويجتمع ذلك كلّه في حرف واحد، وهو أن لا يَعُبدَ إلا إيّاه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة (٤). ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام

стр. 525

بها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المعارج: ٣٣]، فيكون قائمًا بشهادته في ظاهره وباطنه، في قلبه وقالبه. فإنّ من الناس من تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون نائمةً إذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون مضطجعةً، ومنهم من تكون إلى القيام أقرب. وهي في القلب بمنزلة الروح في البدن، فروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن. وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ : "إنّي لأعلم كلمةً لا يقولها عبدٌ عند الموت إلا وجدتْ روحُه لها رَوحًا" (١). فحياة الروح بحياة هذه الكلمة (٢) فيها، كما أنّ حياة البدن بوجود الروح فيه. وكما أنّ من مات على هذه الكلمة فهو في الجنّة يتقلَّب فيها، فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلّب في جنة المأوى، وعيشه أطيب عيش. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]. فالجنة مأواه يوم اللقاء، وجنّةُ المعرفة والمحبة والأنسِ بالله

стр. 526

والشوقِ إلى لقائه والفرح (١) والرضى به وعنه مأوى روحه في هذه الدار. فمن كانت هذه الجنّة مأَواه ها هنا، كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد. ومن حُرِم هذه الجنّة، فهو لتلك أشدّ حرمانًا. والأبرار في النعيم، وإن اشتدّ بهم العيش، وضاقت عليهم الدنيا. والفجار في جحيم، وإن اتسعت عليهم الدنيا. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. وطيب الحياة جنة الدنيا. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. فأيّ نعيمٍ أطيبُ من شرح الصدر؟ وأيّ عذابٍ أمرُّ من ضيق الصدر؟ وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشًا، وأنعمهم بالًا، وأشرحهم صدرًا، وأسرّهم قلبًا. وهذه جنة عاجلة قبل الجنّة الآجلة. قال النبي ﷺ : "إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا". قالوا: وما رياض الجنّة؟ قال: "حِلَق الذكر" (٢).

стр. 527

ومن هذا: قوله ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة" (١). ومن هذا قوله، وقد سألوه عن وصاله في الصوم، فقال: "إنّي لستُ كهيئتكم، إنّي أظَلُّ عند ربّي يطعمني ويسقيني" (٢). فأخبر ﷺ أنّ ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب الحسّي، وأنّ ما يحصل له من ذلك أمر يختصّ (٣) به، لا يشركه فيه غيره، فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله عنه عوض يقوم مقامه، وينوب منابه، ويغني عنه، كما قيل (٤): لها أحاديث من ذكراك تَشغلها … عن الشراب وتُلهيها عن الزادِ لها بوجهك نور تستضيء به … ومن حديثك في أعقابها حادِ (٥) إذا شكَتْ من كَلال السيرِ أُوعِدُها … رَوْحَ اللقاء فتحيا عند ميعادِ (٦)

стр. 528

فصل (١) وكلّما كان وجود الشيء أنفعَ للعبد وهو إليه أحوج، كان تألّمه بفقده أشدّ. وكلّما كان عدمه أنفع له (٢) كان تألّمه بوجوده أشدّ (٣). ولا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله، واشتغاله بذكره (٤)، وتنعّمه بحبه، وإيثاره لمرضاته؛ بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور (٥) ولا بهجة إلا بذلك. فعدمه آلَمُ شيء له، وأشدّه عذابًا عليه. وإنما يغيّب الروحَ عن شهود هذا الألم والعذاب اشتغالُها بغيره، واستغراقها في ذلك الغير، فتغيب به (٦) عن شهود ما هي فيه من ألم الفوت بفراق أحبِّ شيء إليها وأنفعه لها. وهذا بمنزلة السكران، المستغرقِ في سكره، الذي احترقت (٧) داره وأمواله وأهله وأولاده، وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك (٨) الفوت وحسرته، حتى إذا صحا وكُشِف عنه غطاءُ السكر، وانتبه من رقدة الخمر (٩)، فهو أعلم بحاله حينئذ.

стр. 529

وهكذا الحال سواءٌ عند كشف الغطاء، ومعاينة طلائع الآخرة، والإشراف على مفارقة الدنيا، والانتقال منها إلى الله؛ بل الألم والحسرة والعذاب هناك أشدّ بأضعاف مضاعفة. فإنّ المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته بالعوض، ويعلم أنّه قد أصيب بشيء زائل لا بقاء له؛ فكيف بمن مصيبته بما لا عوضَ عنه، ولا بدلَ منه (١)، ولا نسبة بينه وبيّن الدنيا جميعها؟ فلو قضى الله سبحانه بالموت من هذه الحسرة والألم لكان العبد جديرًا به، وإنّ الموت لَيعود أعظمَ أمنيته وأكبرَ حسراته. هذا (٢) لو كان الألم على مجرّد الفوات (٣)، فكيف وهناك من العذاب على الروح والبدن بأمور أخرى وجودية ما لا يُقدَر قدرُه؟ فتبارك من حمّل هذا الخلق الضعيف هذين الألمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي! فأعرض الآن على نفسك أعظمَ محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة إلا معه، فأصبحتَ وقد أُخِذ منك، وحيل بينك وبينه، أحوجَ ما كنتَ إليه، كيف يكون حالك؟ هذا، ومنه كلّ عوض، فكيف بمن لا عوض عنه؟ من كلّ شيء إذا ضيّعتَه عوض … وما من الله إنْ ضيّعتَه عوضُ (٤) وفي أثر إلهي: "ابنَ آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعَبْ، وتكفّلت برزقك فلا تتعَبْ، ابنَ آدم اطلبْني تجدْني، فإن وجدتَني وجدتَ كلّ شيء، وإن

стр. 530

فُتُّك فاتك كلُّ شيء. وأنا أحب إليك من كلّ شيء" (١). فصل ولما كانت المحبة جنسًا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما يُذكَر (٢) فيها في حقّ الله تعالى ما يختصّ به ويليق به من أنواعها، ولا يصلح إلا له وحده، مثل العبادة والإنابة ونحوهما (٣)؛ فإنّ العبادة لا تصلح إلا له وحده، وكذلك الإنابة (٤). وقد تذكر المحبة باسمها المطلق، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وأعظم أنواع المحبة المذمومة: المحبّة مع الله، التي يسوّي المحبّ فيها بين محبته لله ومحبته للندّ (٥) الذي اتخذه من دونه. وأعظم أنواعها المحمودة: محبة الله وحده، ومحبة ما أحبّ. وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها، التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها. والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها، التي لا يبقي في العذاب إلا أهلها. فأهل المحبة الذين أحبّوا الله، وعبدوه وحده لا شريك له،
следующие страницы →