← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فوق عرشه، وأنزل على رسوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وهذا داود نبيّ الله لمّا كان تحته تسع وتسعون امرأة، ثم أحبّ تلك المرأة، فتزوّجها، وكمّل بها المائة! (١) وقال الزهري: أول حبّ (٢) كان في الإِسلام حبّ النبي ﷺ عائشةَ (٣)، وكان مسروق يسمّيها "حبيبة رسول ربِّ العالمين" (٤).

стр. 597

وقال أبو قيس مولى عبد الله بن عمرو: أرسلني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة أسألها: أكان النبيّ ﷺ يقبل وهو صائم فقالت: لا. فقال: إنّ عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقبلها وهو صائم. فقالت أم سلمة: إنّ النبي ﷺ كان إذا رأى عائشة لا يتمالك عنها (١). وذكر سعد (٢) بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: كان إبراهيم خليل الله ﷺ يزور هاجَرَ في كلّ يوم من الشام على البُراق من

стр. 598

شغفه بها وقلة صبره عنها (١). وذكر الخرائطي (٢) أنّ عبد الله بن عمر اشترى جارية رومية، فكان يحبّها حبًا شديدًا، فوقعت ذات يوم عن بغلة له، فجعل يمسح التراب عن وجهها، ويفدّيها (٣). وكانت تكثر أن تقول له: يا بَطْرون، أنت قالون. تعني (٤): يا مولاي أنت جيّد. ثم إنها هربت منه، فوجد عليها وجدًا شديدًا، وقال: قد كنت أحسَبني قالونَ فانصرفَتْ … فاليوم أعلم أنّي غيرُ قالونِ قال أبو محمَّد بن حزم: وقد أحبّ من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كثير (٥).

стр. 599

وقال رجل لعمر بن الخطاب: يا امير المؤمنين رأيتُ امرأةً، فعشقتُها. فقال: ذاك ما لا تملك (١). فالجواب -وبالله التوفيق- أنّ الكلام في هذا الباب لا بد فيه من التمييز بين الواقع والجائز (٢) والنافع والضارّ. ولا يُسجَل (٣) عليه بالذمّ والإنكار ولا بالمدح والقبول من حيث الجملة (٤). وإنما يتبين حكمه وينكشف أمره بذكر متعلَّقه، وإلا فالعشق من حيث هو لا يُحمَد ولا يُذَمّ. ونحن نذكر النافع من الحبّ والضارّ والجائز والحرام. اعلم أنّ أنفع المحبة على الإطلاق وأوجَبها وأعلاها وأجلّها محبةُ مَن جُبلت القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تألّهه. وبها قامت الأرضَ والسماوات، وعليها فُطِرت المخلوقات. وهي سرّ شهادة أن لا إله إلا الله، فإنّ "الإله" هو الذي تألَهه القلوبُ بالمحبة والإجلال والتعظيم والذلّ والخضوع، وتعبدُه. والعبادة لا تصحّ إلا له وحده، و"العبادة" هي كمال الحبّ مع كمال الخضوع والذلّ. والشركُ في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله. والله تعالى حيث لذاته من جميع الوجوه، وما سواه وإنّما يُحَبّ تبعًا لمحبته.

стр. 600

وقد دلّ على وجوب محبته سبحانه جميعُ (١) كتبه المنزلة، ودعوةُ جميع رسله، وفطرتُه التي فَطَر عبادَه عليها، وما ركَّب فيهم من العقول، وما أسبَغَ عليهم من النعَم- فإنّ القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعَمَ عليها وأحسن إليها، فكيف بمن كلُّ (٢) الإحسان منه، وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه (٣) وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]؟ - وما تعرّف به إلى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العُلا، وما دلّت عليه آثار مصنوعاته من كماله ونهاية جلاله (٤) وعظمته. والمحبة لها داعيان: الجمال والإجمال (٥)، والربّ تعالى له الكمال المطلق من ذلك، فإنّه جميل يحبّ الجمال (٦)، بل الجمال كلّه له، والإجمال (٧) كلّه منه. فلا يستحقّ أن يُحَبَّ لذاته من كل وجه سواه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ

стр. 601

يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦]. والولاية أصلها الحبّ، فلا موالاة إلا بحبّ. كما أنّ العداوة أصلها البغض. واللهُ وليّ الذين آمنوا، وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم. فالله (١) يوالي عبدَه بحسب محبته له. ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياءَ، بخلاف من وإلى أولياءه، فإنّه لم يتخذهم من دونه، بل موالاته (٢) لهم من تمام موالاته. وقد أنكر على من سوّى بينه وبيّن غيره في المحبة، وأخبر أن من فعل ذلك فقد اتخذ من دونه أندادًا يحبّهم (٣) كحبّ الله، والذين آمنوا أشدّ حبًّا لله. وأخبر عمّن سوّى بينه وبيّن الأنداد في الحبّ أنّهم يقولون في النار لمعبوديهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]. وبهذا التوحيد في الحبّ أرسل الله سبحانه جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وأطبقت عليه دعوةُ الرسل من أولهم إلى آخرهم، ولأجله خلق السماوات والأرض والجنة والنار، فجعل الجنّة لأهله، والنار للمشركين به فيه (٤).

стр. 602

وقد أقسم النبي ﷺ أنّه "لا يؤمن عبدٌ حتى يكونَ هو أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (١) فكيف بمحبة الربّ ﷻ ؟ وقال لعمر بن الخطاب: "لا حتّى أكون أحبَّ إليك من نفسك" (٢). أي لا تؤمن حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغاية. وإذا كان النبي ﷺ أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها، أفليس الربّ ﷻ ، وتقدّست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جدّه، ولا إله غيره- أولى بمحبّيه (٣) وعباده من أنفسهم؟ وكلُّ ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته، مما يحبّ العبد أو يكره. فعطاؤه ومنعه (٤)، ومعافاته وابتلاؤه، وقبضه وبسطه، وعدله وفضله، وإماتته وإحياؤه، ولطفه وبرّه، ورحمته وإحسانه، وستره وعفوه، وحلمه وصبره على عبده، وإجابته لدعائه، وكشف كربه، وإغاثة لهفته، وتفريج كربته -من غير حاجة منه إليه، بل (٥) مع غناه التامّ عنه من جميع الوجوه (٦) - كلُّ ذلك (٧) داع للقلوب إلى تألّهه ومحبته. بل تمكينُه عبدَه من معصيته، وإعانتُه عليه وسَترُه حتى يقضي وطره

стр. 603

منها، وكلاءته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته، بعينه، ويستعين عليها بنعمه = من أقوى الدواعي إلى محبته. فلو أنّ مخلوقًا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبَه عن محبته، فكيف لا يحبّ العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس، مع إساءته؟ فخيره إليه نازل، وشرّه إليه صاعد، يتحبّب إليه بنعمه وهو غنيّ عنه، والعبد يتبغّض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه (١)! فلا إحسانُه وبرّه وإنعامه عليه يصدّه عن معصيته، ولا معصيةُ العبد ولؤمُه يقطع إحسانَ ربّه عنه! فألأمُ اللؤم تخلّفُ القلوب عن محبة مَن هذا شأنه، وتعلّقُها بمحبة سواه! وأيضًا فكلّ من تحبّه من الخلق ويحبّك إنّما يريدك لنفسه وغرضه منك، والله يريدك لك، كما في الأثر الإلهي: "عبدي، كلٌّ يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك" (٢) فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له (٣) بهذه المنزلة، وهو مُعرِض عنه، مشغول بحبّ غيره، قد استغرق (٤) قلبَه محبةُ سواه؟ وأيضًا فكلّ من تُعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يُعاملك،

стр. 604

ولا بدّ له (١) من نوع من أنواع الربح. والربّ تعالى إنّما يعاملك لتربحَ أنت عليه أعظمَ الربح وأعلاه. فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بواحدة، وهي أسرع شيء محوًا. وأيضًا فهو سبحانه خلقك لنفسه، وخلق كلَّ شيء لك في الدنيا والآخرة. فمن أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في مرضاته؟ وأيضًا فمطالبك بل مطالب الخلق كلهم جميعًا لديه، وهو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمّله. يشكر القليل من العمل وينمّيه، ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه (٢). ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩]. لا يشغله سمع عن سمع، ولا يغلّطه كثرة المسائل، ولا يتبرّم بإلحاح الملِحّين، بل يحبّ الملحّين في الدعاء. ويُحِبّ أن يُسألَ، ويغضب (٣) إذا لم يُسال. يستحي من عبده حيث (٤) لا يستحي العبد منه، ويستره حيث لا يستر نفسه، ويرحمه حيث لا يرحم نفسه. دعاه بنعمه وإحسانه (٥) وأياديه إلى كرامته ورضوانه، فأبى. فأرسل رسله في طلبه، وبعث إليه معهم عهدَه. ثم نزل سبحانه إليه بنفسه، وقال: "من يسألني

стр. 605

فأعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟ " (١). أدعوكَ للوصل تأبَى … أبعَثْ رسولي في الطلَبْ (٢) أنزِلْ إليكَ بنفسي … ألقاكَ في النُّوّامْ! (٣) وكيف لا تحبّ القلوبُ من لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيّئات إلا هو، ولا يجيب الدعَوات إلا هو، ولا يُقيل (٤) العثَرات ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكرُبات ويُغيث اللهفات ويُنيل الطلَبات سواه؟ فهو "أحقُّ مَن ذُكِر، وأحقّ من شُكِر، وأحقّ من عُبد، وأحقّ من حُمِد، وأنصَر من ابتُغِي، وأرأف من ملَك، وأجود من سئلَ، وأوسع من أعطى، وأرحم من استُرْحِم، وأكرم من قُصِد" (٥)، وأعزّ من التُجئ إليه، وأكفى من تُوُكِّل عليه (٦). أرحَمُ بعبده من الوالدة بولدها (٧)، وَأشدّ

стр. 606

فرحًا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، إذا يئس من الحياة ثم وجدها (١). وهو الملِك لا شريك له، والفرد فلا ندّ (٢) له. كلّ شيء هالك إلا وجهه. لن يُطاع إلا بإذنه، ولن يُعصى إلا بعلمه. يُطاع فيَشْكرُ، وبتوفيقه ونعمته أطِيعَ. ويُعصَى فيغفر ويعفو (٣)، وحقُّه أضِيعَ. فهو أقرب شهيد وأجلّ حفيظ. وأوفى وفيّ بالعهد، وأعدل قائم بالقسط. حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، وكتب الآثار، ونسخ الآجال. فالقلوب له مفضية، والسرّ عنده علانية. والغيب لديه (٤) مكشوف، وكلّ أحد إليه ملهوف (٥). عنَتِ الوجوه لنور وجهه، وعجزت القلوب عن إدراك كنهه، ودلّت الفِطَر والأدلّة كلّها على امتناع مثله وشبهه. أشرقت لنور وجهه الظلمات، واستنارت له الأرض والسماوات، وصلحت عليه جميع المخلوقات. "لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. يحفظ القسط، ويرفعه. يُرفَع إليه عملُ الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل. حجابه النور، لو كشفه لأحرقتْ سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه

стр. 607

بصره من خلقه" (١). ما اعتاض باذلُ حبّه لسواه … مِن عوضٍ ولو ملَكَ الوجودَ بأسرِهِ فصل وهاهنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به، وهو أنّ كمال اللذة والفرح والسرور ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين: أحدهما: كمال المحبوب في نفسه وجماله وأنّه أولى بإيثار الحبّ (٢) من كلّ ما سواه. والأمر الثاني: كمال محبته، واستفرغ الوسع في حبّه، وإيثار قربهِ والوصولِ إليه على كلّ شيء. وكلّ عاقل يعلم أنّ اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته. فكلّما كانت المحبة أقوى (٣) كانت لذة المحبّ (٤) أكمل. فلذة من اشتد ظمؤه بإدراك الماء الزلال، ومن اشتدّ جوعه بأكل الطعام الشهيّ ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته. وإذا (٥) عُرف هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه، بل هو مقصود كلّ حيّ، وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها، فهي

стр. 608

تُذَمّ (١) إذا أعقبَتْ ألمًا أعظمَ منها، أو منعتْ لذةً خيرًا وأجلّ منها. فكيف إذا أعقبت أعظمَ الحسرات، وفوّتت أعظم اللذّات والمسرّات؟ وتُحمَد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرّة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجهٍ ما (٢)، وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها (٣). قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال السحرة لفرعون لمّا آمنوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾ (٤) [طه: ٧٢، ٧٣]. والله سبحانه خلق الخلق ليُنيلَهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد، وأما الدنيا فمنقطعة، ولذّاتها لا تصفو أبدًا ولا تدوم، بخلاف الآخرة فإنّ لذّاتها دائمة، ونعيمها خالص من كل كدر وأم، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين مع الخلود أبدًا. ولا تعلم نفس ما أخفى الله لعباده فيها (٥) من قرة أعين، بل فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر. وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ (٦) [غافر: ٣٨، ٣٩] فأخبرهم أنّ الدنيا متاع

стр. 609

يُسْتَمْتعَ (١) بها إلى غيرها، وأنّ الآخرة هي المستقَرّ. وإذا عُرِف أنّ لذّات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذّات الآخرة (٢)، ولذلك خُلقت الدنيا ولذّاتها، فكلّ لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلتْ إليها لم يُذَمَّ تناولُها، بل يُحمَد بحسب إيصالها إلى لذّة الآخرة. إذا عُرِف هذا، فأعظمُ نعيم الآخرة ولذّاتها: النظرُ إلى وجه الربّ ﷻ ، وسماعُ كلامه منه، والقربُ منه؛ كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية: "فوالله ما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه" (٣). وفي حديث آخر: "إنّه إذا تجلّى لهم ورأوه نسُوا ما هم فيه من النعيم" (٤). وفي النسائي ومسند الإِمام أحمد من حديث عمّار بن ياسر عن

стр. 610

النبي ﷺ في دعائه: "وأسألك لذّةَ النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" (١). وفي كتاب السنّة لعبد الله ابن الإِمام أحمد (٢) مرفوعًا: "كأنّ الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن. إذا سمعوه (٣) من الرحمن، فكأنّهم (٤) لم يسمعوه قبل ذلك". وإذا عُرِف هذا، فأعظمُ الأسباب التي تُحصِّل هذه اللذّةَ هو أعظمُ لذّات الدنيا على الإطلاق، وهو لذّةُ معرفته سبحانه ولذّةُ محبته، فإن ذلك هو جنّة الدنيا ونعيمها العالي؛ ونسبةُ لذّاتها الفانية إليه كتَفْلةٍ في بحرٍ، فإنّ الروح والقلب والبدن إنّما خلق لذلك. فأطيبُ ما في الدنيا معرفتُه ومحبّتُه، وأنشد ما (٥) في الجنّة رؤيتُه ومشاهدتُه. فمحبّتُه ومعرفتُه قرّة العيون، ولذة الأرواح، وبهجة القلوب، ونعيم الدنيا وسرورها. بل لذّاتُ الدنيا القاطعةُ عن ذلك تنقلب آلامًا وعذابًا، ويبقى صاحبها في

стр. 611

المعيشة الضَّنْك، فليست الحياة الطيبة إلا بالله. وكان بعض المحبّين تمرّ به أوقات، فيقول: إن كان أهل الجنّة في مثل هذا، إنّهم لفي عيش طيّب! (١) وكان غيره يقول: لو علم الملوكُ ما نحن فيه لَجالَدونا عليه بالسيوف (٢). وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي عذاب على قلب المحبّ (٣) يقول في حاله: وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى … ولا خيرَ فيمن لا يحِبّ ويعشقُ (٤) ويقول الآخر (٥): أفِّ لِلدّنيا متى ما لم يكن (٦) … صاحبُ الدنيا محِبًّا أو حبيبا (٧)

стр. 612

ويقول الآخر: ولا خيرَ في الدنيا ولا في نعيمها … وأنتَ وحيدٌ مفرَدٌ غيرُ عاشقِ (١) ويقول الآخر: اسكُنْ إلى سكَنٍ تلَذُّ بحبّه … ذهب الزمانُ وأنتَ منفردُ (٢) ويقول الآخر: تشكّى المحبّون الصبابةَ ليتني … تحمّلتُ ما يلقَون مِن بينهم وحدي فكانت لقلبي لذّةُ الحبّ كلّها … فلم يلقَها قبلي محِبٌّ ولا بعدي (٣) فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب

стр. 613

لذّة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذنِ إذا فقدت سمعها، والأنفِ إذا فقد شمّه، واللسانِ إذا فقد نطقَه؟ بل فسادُ القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحقّ أعظمُ من فساد البدن (١) إذا خلا من الروح. وهذا أمر لا يصدّق به إلا من فيه حياة، و"ما لجرحٍ بميِّت إيلامُ" (٢)! والمقصود أنّ أعظم لذّات الدنيا هو السبب الموصل إلى أعظم لذّة في الآخرة. و لذّات الدنيا ثلاثة أنواع: فأعظمها وأكملها: ما أوصل إلى لذة الآخرة. ويثاب الإنسان على هذه اللذة أتمّ ثواب. ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجهَ الله من أكله وشربه ولبسه ونكاحه، وشفاء غيظه بقهر (٣) عدو الله وعدوّه، فكيف بلذة إيمانه ومعرفته بالله، ومحبته له (٤)، وشوقه إلى لقائه، وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم؟ النوع الثاني: لذة تمنع لذة الآخرة، وتُعقِب آلامًا أعظمَ منها، كلذّة الذين اتخذوا من دون الله أوثانًا مودةَ بينهم في الحياة الدنيا، يحبّونهم كحبّ الله، ويستمتعون بعضهم ببعض، كما يقولون في الآخرة إذا لقُوا ربهم: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ

стр. 614

الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ [الأنعام:١٢٨ - ١٢٩]، ولذّةِ أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلوّ بغير الحق. وهذه اللذّات في الحقيقة إنّما هي استدراج من الله لهم، ليذيقهم بها أعظم الآلام، ويحرمهم بها أكملَ اللذّات، بمنزلة من قدّم لغيره طعامًا لذيذًا مسمومًا يستدرجه به (١) إلى هلاكه. قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣]. قال بعض السلف في تفسيرها: كلّما أحدثوا ذنبًا أحدثنا لهم نعمةً (٢). ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤، ٤٥]. وقال تعالى في أصحاب (٣) هذه اللذّات: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦]. وقال في حقّهم: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. وهذه اللذّات تنقلب آخرًا آلامًا من أعظم الآلام، كما قيل:

стр. 615

مآربُ كانت في الحياة لأهلها … عِذابًا فصارت في المعاد عَذابا (١) النوع الثالث: لذة لا تعقِبُ لذةً في دار القرار ولا ألمًا، ولا تمنع أصل لذة دار القرار، وإن منعَتْ كمالَها (٢). وهذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على لذة الآخرة. فهذه زمانها يسير، ليس لتمتُّعُ النفس بها قدر، ولابدّ أن تشغل (٣) عمّا هو خير وأنفع منها (٤). وهذا القسم هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: "كلّ لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميَه بقوسه، وتأديبَه فرسه، وملاعبتَه امرأته؛ فإنهنّ من الحقّ" (٥). فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حقّ، وما لم يعن عليها فهو باطل (٦). فصل فهذا الحبّ لا يُنكَر ولا يُذَمّ، بل هو أحمد أنواع الحب (٧). . وكذلك

стр. 616

حبّ رسول الله ﷺ وإنما نعني المحبة الخاصّة، وهي التي تشغل قلب المحبّ (١) وفكره وذكره لمحبوبه، وإلا فكلّ مسلم في قلبه محبةٌ لله (٢) ورسوله، لا يدخل في الإِسلام إلا بها. والناس متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوتًا لا يحصيه إلا الله، فبين محبة الخليلين ومحبة غيرهما ما بينهما. فهذه المحبة التي تلطّف الروح (٣)، وتخفّف أثقال التكاليف، وتسخّي البخيل، وتشجّع الجبان، وتصفّي الذهن، وتروّض النفس، وتطيّب الحياة على الحقيقة، لا محبة الصور المحرّمة. وإذا بُليت السرائر يوم اللقاء كانت سريرةُ صاحبها من خير (٤) سرائر العباد، كما قيل: سيبقى لكم في مضمَر القلبِ والحشا … سريرةُ حُبٍّ يومَ تُبلَى السرائرُ (٥) وهذه المحبة التي تنوِّر الوجه، وتشرح الصدر، وتحيي القلب. وكذلك محبة كلام الله، فإنّه من علامة محبّة الله. وإذا أردت أن تعلم (٦) ما عندك وعند غيرك من محبة الله، فانظر إلى محبة القرآن (٧) من

стр. 617

قلبك، والتذاذكِ بسماعه أعظمَ من التذاذ أصحاب (١) الملاهي والغناء المطرب (٢) بسماعهم، فإنه من المعلوم أنّ من أحبّ محبوبًا كان كلامه وحديثه أحبَّ شيءٍ إليه، كما قيل: إنْ كنتَ تزعُم حُبّي … فلِمْ هجرتَ كتابي أمَا تأمّلتَ ما فيـ … ـهِ مِن لذيذِ خطابي (٣) وقال عثمان بن عفان ﵁: لو طهرتْ قلوبنا لما شبعَتْ (٤) من كلام الله (٥). وكيف يشبع المحِبُّ من كلام محبوبه، وهو غاية مطلوبه! وقال النبي ﷺ يومًا لعبد الله بن مسعود: "اقرأ عليّ"، فقال: أقرأ عليك، وعليك أنزِل؟ فقال: "إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري". فاستفتح، وقرأ سورة النساء، حتّى إذا بلغ قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١] قال: "حسبك". فرفع رأسه، فإذا عينا رسول الله ﷺ تذرِفان من البكاء" (٦).

стр. 618

وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون: يا أبا موسى ذكّرنا ربَّنا، فيقرأ وهم يستمعون (١). فلمحبّي القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعافُ ما لمحبي السماع الشيطاني. فإذا رأيت الرجل: ذوقَه وجدَه وطربَه ونشوتَه (٢) في سماع الأبيات دون سماع الآيات، وفي سماع الألحان دون سماع القرآن، وهو كما قيل: تُقرا عليكَ الختمَه (٣) … وأنتَ جامِدْ كالحجَرْ وبيتٌ من الشعرِ يُنْشَدْ (٤) … تَميلُ كالنَّشْوانْ (٥)

стр. 619

فهذا من أقوى الأدلّة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه، وتعلّقه بمحبة سماع الشيطان؛ والمغرور يعتقد أنّه على شيء! ففي محبة الله وكلامه ورسوله أضعاف أضعاف ما ذكر (١) السائل من فوائد العشق ومنافعه، بل لا حبَّ على الحقيقة أنفع منه؛ وكل حب سوى ذلك باطل، إنْ لم يُعِنْ عليه ويشوِّق المحبَّ (٢) إليه. فصل وأما محبّة النِّسْوان فلا لوم على المحِبّ فيها، بل هي من كماله (٣). وقد امتن الله سبحانه بها (٤) على عباده فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١]. فجعل المرأة سكنًا للرجل يسكن قلبه إليها، وجعل بينهما خالص الحبّ، وهو المودة المقترنة بالرحمة. وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحلّ لنا من النساء وما حرّم منهن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨]. ذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاووس عن أبيه:

стр. 620

قال (١): إذا نظر إلى النساء لم يصبر (٢). وفي الصحيح من حديث جابر عن النبي ﷺ : أنّهّ رأى امرأةً، فأتى زينب، فقضى حاجته منها، وقال: "إنّ المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأةً فأعجبته فليأتِ أهلَه، فإنّ ذلك يرُدّ ما في نفسه" (٣). ففي هذا الحديث عدة فوائد: منها: الإرشاد إلى التسلّي عن المطلوب بجنسه، كما يقوم الطعام (٤) مقام الطعام، والثوب مقام الثوب. ومنها: الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورِثِ لشهوتها بأنفع الأدوية، وهو قضاء وطره من أهله، وذلك ينقض شهوته لها. وهذا كما أرشد المتحابَّين إلى النكاح، كما في سنن ابن ماجه (٥)

стр. 621

مرفوعًا: "لم يُرَ للمتحابين مثلُ النكاح". فنكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله (١) دواءه شرعًا وقدرًا. وبه تداوى داود ﷺ ، ولم يرتكب نبي الله مرَّمًا، وإنّما تزوّج المرأةَ، وضمَّها إلى نسائه لمحبته لها، وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلوّ مرتبته. ولا يليق بنا المزيد على هذا (٢). وأما قصة زينب بنت جحش، فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه، وكان يستشير النبيّ ﷺ في فراقها (٣)، وهو يأمره بإمساكها، فعلم

стр. 622

رسول الله ﷺ أنّه مفارقها ولا بدّ، فأخفى في نفسه أن يتزوجها إذا فارقها زيد، وخشي مقالة الناس أنّ رسول الله (١) ﷺ تزوج زوجة ابنه، فإنّه كان قد تبنّى زيدًا قبل النبوة، والربُّ تعالى يريد أن يشرع شرعًا عامًّا (٢) فيه مصالح عباده. فلما طلّقها زيد، وانقضت عدّتها منه (٣)، أرسله إليها يخطبها لنفسه. فجاء زيد، واستدبر الباب بظهره، وعظُمتْ في صدره لمّا ذكرها رسول الله ﷺ ، فناداها من وراء الباب: يا زينب إنّ رسول الله ﷺ يخطبكِ. فقالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامرَ ربّي، وقامت إلى محرابها، فصلّتْ. فتولّى الله نكاحها من رسولِه (٤) بنفسه، وعقد النكاح له فوق عرشه، وجاء الوحي بذلك: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فقام رسول الله ﷺ لوقته، فدخل عليها (٥). فكانت (٦) تفخر على نساء النبي ﷺ بذلك (٧)، وتقول: أنتن زوّجكنّ أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سماوات (٨)! فهذه قصة رسول الله ﷺ مع زينب (٩).

стр. 623

ولا ريب أنّ النبي ﷺ كان قد حُبِّب إليه النساء (١)، كما في الصحيح من حديث أنس عنه ﷺ : "حُبِّب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعِلت قرّةُ عيني في الصلاة" (٢). هذا لفظ الحديث، لا ما يرويه بعضهم (٣): "حُبِّب إليّ من دنياكم ثلاث … ".

стр. 624

زاد الإِمام أحمد في كتاب الزهد (١) في هذا الحديث: "أصبر عن الطعام والشراب، ولا أصبر عنهنّ". وقد حسده أعداء الله اليهود على ذلك، فقالوا: ما همّه إلا النكاح، فردّ الله سبحانه عن رسوله، ونافح عنه، فقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤] (٢). وهذا خليل الله إبراهيم إمام الحنفاء كان عنده سارة أجمل نساء العالمين، وأحبّ هاجَر، وتسرّى بها. وهذا داود كان عنده تسعة وتسعون امرأةً، فأحبّ تلك المرأة، وتزوّج بها، فكمّل المائة (٣).

стр. 625

وهذا سليمان ابنه كان يطوف في الليلة على تسعين امرأةً (١). وقد سئل رسول الله ﷺ عن أحب الناس إليه، فقال: "عائشة (٢). وقال عن خديجة (٣): "إني رُزِقت حبَّها" (٤). فمحبة النساء من كمال الإنسان. قال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساءً (٥). وقد ذكر الإِمام أحمد (٦) أن عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم

стр. 626

جلولاء جاريةٌ كأنّ عنقها إبريق فضّة. قال عبد الله: فما صبرتُ أنْ قبّلتُها، والناس ينظرون. وبهذا احتجّ الإِمام أحمد على جواز الاستمتاع من المسبيّة قبل الاستبراء بغير الوطء، بخلاف الأمة المشتراة. والفرق بينهما أنّه لا يتوهَّم انفساخ الملك في المسبيّة، بخلاف المشتراة فقد ينفسخ فيها (١) الملك، فيكون مستمتِعًا بأمةِ غيره (٢). وقد شفع النبيّ ﷺ لعاشق أن تواصله معشوقته (٣) بأن تتزّوج به، فأبت. وذلك في قصة مغيث وبريرة، فإنّه رآه يمشي خلفها بعد فراقها، ودموعه تجري على خدّيه، فقال لها: "لو راجعتيه"! (٤) فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: "لا، إنّما أشفع". فقالت (٥): لا حاجة لي به. فقال لعمّه: "يا عبّاس ألا تعجَب من حبِّ مغيثٍ بريرةَ،

стр. 627

ومن بغضها له؟ " (١) ولم ينكر عليه حبّها، وإنْ كانت قد بانَتْ منه، فإنّ هذا ما لا يملكه (٢). وكان النبي ﷺ يسوّي بين نسائه في القَسْم، ويقول: "اللهمّ هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلُمْني فيما لا أملك" (٣). يعني الحبّ. وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، يعني: في الحبّ والجماع.

стр. 628

ولم يزل الخلفاء الراشدون والرحماء من الناس يشفعون في العشّاق إلى معشوقهم الجائز وصلُهن، كما تقدّم من فعل أبي بكر وعثمان. وكذلك عليّ أُتيَ بغلام من العرب وُجدَ في دار قوم بالليل، فقال له: ما قصّتك؟ قال: لستُ بسارقِ، ولكنّي أَصدُقك: تعلّقتُ في دار الرِّياحيِّ خَودةً … يذِلّ لها من حسن منظرها البدرُ (١) لها في بنات الروم حسن ومنظرٌ … إذا افتخرتْ بالحسن جانبَها الفخرُ (٢) فلما طرقتُ الدار من حَرِّ مُهْجةٍ … أتيتُ وفيها من توقّدها الجمرُ (٣) تبادَرَ أهلُ الدار لي ثم صيَّحوا … هو اللصُّ محتومًا له القتلُ والأسرُ (٤) فلما سمع علي ﵁ شعره رَقَّ له، وقال للمهلَّب بن رِياح (٥): اسمح له بها، فقال: يا أمير المؤمنين سَلْه مَن هو؟ فقال:

стр. 629

النهّاس بن عُيينة (١). فقال: خذها، فهي لك (٢). واشترى معاوية جاريةً، فأعجب بها إعجابًا شديدًا، فسمعها يومًا تنشد أبياتًا منها: وفارقتُه كالغصن يهتزُّ في الثرى … طريرًا وسيمًا بعد ما طرَّ شاربُه فسألها، فأخبرته أنّها تحِبّ سيّدَها، فردّها إليه، وفي قلبه منها (٣).

стр. 630

وذكر الزمخشري في ربيعه (١) أنَّ زبيدة (٢) قرأت في طريق مكة على حائط: أمَا في عباد الله أو في إمائه … كريمٌ يُجلّي الهمَّ عن ذاهبِ العقلِ له مقلةٌ أما المآقي قريحةٌ … وأما الحشا فالنارُ منه على رِجْلِ فنذرت أن تحتال لقائلهما إن عرفَتْه حتّى تجمع بينه وبيّن من يحبّه. فبينا هي بالمزدلفة إذ سمعتْ من ينشد البيتين، فطلبته، فزعم أنّه قالهما في ابنة عمّ له، نذر أهلها أن لا يزوّجوها منه. فوجّهتْ إلى الحيّ، وما زالت تبذل لهم المال حتّى زوّجوها منه؛ وإذا المرأة أعشق له منه لها. فكانت تعدّه من أعظم حسناتها، وتقول: ما أنا بشيء أسرَّ منّي من جمعي بين ذلك الفتى والفتاة. قال الخرائطي (٣): وكان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابّان، فكتب الغلام لها يومًا: ولقد رأيتكِ في المنام كأنّما … عاطيتنِي من ريق فيكِ الباردِ وكأنّ كفّكِ في يدي وكأنّنا … بتنا جميعًا في فراشٍ واحدِ فطفقتُ يومي متراقدًا … لأراكِ في نومي ولستُ براقدِ (٤)

стр. 631

فأجابته الجارية؟ خيرًا رأيتَ وكل ما أبصرتَه … ستناله منّي برغم الحاسدِ إنّي لأرجو أن تكون معانقي … فتبيتَ فوق ثديٍ ناهدِ وأراك بين خَلاخلي ودَمالجي … وأراك فوق ترائبي ومجاسدي (١) فبلغ ذلك سليمانَ، فانكحها الغلامَ، وأحسن حالهما (٢)، على فرط غيرته. وقال جامع بن مُرخية (٣): سألتُ سعيدَ بن المسيب مفتيَ الْـ … ـمدينةِ هل في حبِّ دهماءَ من وِزْرِ (٤) فقال سعيدُ بن المسيّب إنّما … تلام على ما تستطيع من الأمرِ (٥)

стр. 632

فقال سعيد: والله ما سألني أحد عن هذا، ولو سألني ما كنت (١) أجيب إلا به (٢). فعشق النساء (٣) ثلاثة أقسام: عشق هو قربة وطاعة، وهو عشق الرجل امرأته وجاريته. وهذا العشق نافع فإنّه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح، وأكفُّ للبصر والقلب عن التطلّع (٤) إلى غير أهله. ولهذا يُحْمَد هذا العاشق عند الله وعند الناس. وعشق هو مقتٌ من الله، وبعدٌ من رحمته، وهو أضرّ شيء على العبد في دينه ودنياه؛ وهو عشق المردان. فما ابتلي به (٥) إلا من سقط من عين الله، وطرده عن بابه (٦)، وأبعد قلبَه عنه. وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه بمحبّة المردان.

стр. 633

وهذه المحبة هي (١) التي جلبت على قوم لوط ما جلبت، فما أُتُوا إلا من هذا العشق (٢) قال تعالى ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢]. ودواء هذا الداء الدويّ: الاستعانة (٣) بمقلّب القلوب، وصدق اللجأ إليه، والاشتغال بذكره، والتعوّض بحبّه وقربه، والتفكّر في الألم الذي يُعقِبه هذا العشقُ، واللذّةِ التي تفوته به؛ فيترتّب عليه فواتُ أعظم محبوب، وحصولُ أعظم مكروه. فإن أقدمت نفسُه على هذا وآثرتْه، فليكبّر عليها تكبيرَه على الجنازة، ولْيعلَمْ أنّ البلاء قد أحاط به! والقسم الثالث من العشق: عشق مباح لا يُملَك، كعشق من وُصفت له امرأة جميلة، أو رآها فجأة من غير قصد، فأورثه ذلك عشقًا لها، ولم يُحدِث له ذلك العشق معصيةً؛ فهذا لا يُملَك ولا يعاقَب عليه. والأنفع له مدافعته، والاشتغال بما هو أنفع له. والواجب على هذا أن يكتم، ويعفّ، ويصبر على بلواه. فيثيبه الله على ذلك، ويعوّضه على صبره لله، وعفّته، وتركِه طاعة هواه، وإيثارِ مرضاة الله وما عنده.

стр. 634

فصل والعشاق ثلاثة أقسام (١): منهم من يعشق الجمال المطلق. ومنهم من يعشق الجمال المقيّد، سواء طمع بوصاله أو لم يطمع. ومنهم من لا يعشق إلا من يطمع في الوصول إليه. وبيّن هذه الأنواع تفاوت في القوة والضعف. فعاشق الجمال المطلق قلبه (٢) يهيم في كلّ واد، وله في كلّ صورة جميلة مراد! يومًا بُحزْوَى ويومًا بالعُذَيب ويَو … مًا بالعقيق ويومًا بالخُلَيصاءِ وتارةً تنتحي نجدًا وآونةً … شِعْبَ العقيق وطورًا قصرَ تيماءِ (٣) فهذا عشقه واسع، ولكنّه غير ثابت كثير التنقّل (٤). يهيم بهذا ثم يعشق غيرَه … ويسلاهُمُ من وقته حين يُصبحُ (٥)

стр. 635

وعاشق الجمال المقيّد أثبتُ على معشوقه، وأدوَمُ محبةً له. ومحبته أقوى من محبة الأول لاجتماعها في واحد، وتقسُّم الأولى، ولكن يضعفها عدم الطمع في الوصال. وعاشق الجمال الذي يطمع في وصاله أعقَلُ العشّاف وأعرَفهم، وحبّه أقوى لأنّ الطمع يُمِدّه ويُقوّيه. فصل وأمّا حديث "من عشِقَ فعفَّ (١) "، فهذا يرويه سُوَيد بن سعيد، فقد أنكره حفّاظ الإِسلام عليه (٢). قال ابن عدي في كامله (٣): هذا الحديث أحد ما أُنكِر على سويد. وكذا ذكره البيهقي، وابن طاهر في الذخيرة (٤)، والتذكرة (٥). وأبو الفرج بن الجوزي، وعدّه في الموضوعات (٦).
следующие страницы →