← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 631–640 · переход к 636.

стр. 631

فأجابته الجارية؟ خيرًا رأيتَ وكل ما أبصرتَه … ستناله منّي برغم الحاسدِ إنّي لأرجو أن تكون معانقي … فتبيتَ فوق ثديٍ ناهدِ وأراك بين خَلاخلي ودَمالجي … وأراك فوق ترائبي ومجاسدي (١) فبلغ ذلك سليمانَ، فانكحها الغلامَ، وأحسن حالهما (٢)، على فرط غيرته. وقال جامع بن مُرخية (٣): سألتُ سعيدَ بن المسيب مفتيَ الْـ … ـمدينةِ هل في حبِّ دهماءَ من وِزْرِ (٤) فقال سعيدُ بن المسيّب إنّما … تلام على ما تستطيع من الأمرِ (٥)

стр. 632

فقال سعيد: والله ما سألني أحد عن هذا، ولو سألني ما كنت (١) أجيب إلا به (٢). فعشق النساء (٣) ثلاثة أقسام: عشق هو قربة وطاعة، وهو عشق الرجل امرأته وجاريته. وهذا العشق نافع فإنّه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح، وأكفُّ للبصر والقلب عن التطلّع (٤) إلى غير أهله. ولهذا يُحْمَد هذا العاشق عند الله وعند الناس. وعشق هو مقتٌ من الله، وبعدٌ من رحمته، وهو أضرّ شيء على العبد في دينه ودنياه؛ وهو عشق المردان. فما ابتلي به (٥) إلا من سقط من عين الله، وطرده عن بابه (٦)، وأبعد قلبَه عنه. وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه بمحبّة المردان.

стр. 633

وهذه المحبة هي (١) التي جلبت على قوم لوط ما جلبت، فما أُتُوا إلا من هذا العشق (٢) قال تعالى ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢]. ودواء هذا الداء الدويّ: الاستعانة (٣) بمقلّب القلوب، وصدق اللجأ إليه، والاشتغال بذكره، والتعوّض بحبّه وقربه، والتفكّر في الألم الذي يُعقِبه هذا العشقُ، واللذّةِ التي تفوته به؛ فيترتّب عليه فواتُ أعظم محبوب، وحصولُ أعظم مكروه. فإن أقدمت نفسُه على هذا وآثرتْه، فليكبّر عليها تكبيرَه على الجنازة، ولْيعلَمْ أنّ البلاء قد أحاط به! والقسم الثالث من العشق: عشق مباح لا يُملَك، كعشق من وُصفت له امرأة جميلة، أو رآها فجأة من غير قصد، فأورثه ذلك عشقًا لها، ولم يُحدِث له ذلك العشق معصيةً؛ فهذا لا يُملَك ولا يعاقَب عليه. والأنفع له مدافعته، والاشتغال بما هو أنفع له. والواجب على هذا أن يكتم، ويعفّ، ويصبر على بلواه. فيثيبه الله على ذلك، ويعوّضه على صبره لله، وعفّته، وتركِه طاعة هواه، وإيثارِ مرضاة الله وما عنده.

стр. 634

فصل والعشاق ثلاثة أقسام (١): منهم من يعشق الجمال المطلق. ومنهم من يعشق الجمال المقيّد، سواء طمع بوصاله أو لم يطمع. ومنهم من لا يعشق إلا من يطمع في الوصول إليه. وبيّن هذه الأنواع تفاوت في القوة والضعف. فعاشق الجمال المطلق قلبه (٢) يهيم في كلّ واد، وله في كلّ صورة جميلة مراد! يومًا بُحزْوَى ويومًا بالعُذَيب ويَو … مًا بالعقيق ويومًا بالخُلَيصاءِ وتارةً تنتحي نجدًا وآونةً … شِعْبَ العقيق وطورًا قصرَ تيماءِ (٣) فهذا عشقه واسع، ولكنّه غير ثابت كثير التنقّل (٤). يهيم بهذا ثم يعشق غيرَه … ويسلاهُمُ من وقته حين يُصبحُ (٥)

стр. 635

وعاشق الجمال المقيّد أثبتُ على معشوقه، وأدوَمُ محبةً له. ومحبته أقوى من محبة الأول لاجتماعها في واحد، وتقسُّم الأولى، ولكن يضعفها عدم الطمع في الوصال. وعاشق الجمال الذي يطمع في وصاله أعقَلُ العشّاف وأعرَفهم، وحبّه أقوى لأنّ الطمع يُمِدّه ويُقوّيه. فصل وأمّا حديث "من عشِقَ فعفَّ (١) "، فهذا يرويه سُوَيد بن سعيد، فقد أنكره حفّاظ الإِسلام عليه (٢). قال ابن عدي في كامله (٣): هذا الحديث أحد ما أُنكِر على سويد. وكذا ذكره البيهقي، وابن طاهر في الذخيرة (٤)، والتذكرة (٥). وأبو الفرج بن الجوزي، وعدّه في الموضوعات (٦).

стр. 636

وأنكره أبو عبد الله الحاكم (١) -على تساهله- وقال: أنا أتعجّب منه (٢). قلت: والصواب في الحديث أنه من كلام ابن عبّاس ﵄ موقوفًا عليه، فغلِط سويد في رفعه (٣). قال محمَّد بن خلف بن المرزبان (٤): حدّثنا أبو بكر الأزرق، عن سويد به، فعاتبته على ذلك، فأسقط ذكرَ النبي ﷺ . فكان (٥) بعد ذلك يسأل (٦) عنه، فلا يرفعه (٧). ولا يشبه هذا كلام النبوة. وأمّا رواية الخطيب (٨) له عن الأزهري: حدّثنا المعافى بن زكريا،

стр. 637

حدثنا قُطبة بن الفضل، حدثنا أحمد بن محمَّد بن مسروق، حدثنا سويد، حدثنا ابن مسهر (١)، عن هشام بن عروة (٢)، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا؛ فمن أبيَنِ الخطأ. ولا يحتمل (٣) هشام عن أبيه عن عائشة (٤) مثلَ هذا عند من شمّ أدنى رائحة من الحديث (٥). ونحن نُشهد الله أنّ عائشة ما حدّثت بهذا عن رسول الله (٦) ﷺ قطّ، ولا حدّث به عنها عروة، ولا حدّث به عنه هشام قطّ. وأمّا حديث ابن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا؛ فكذِبٌ على ابن الماجشون، فإنّه لم يحدث (٧) بهذا ولا حدّث به عنه الزبير بن بكّار، وإنما هذا من تركيب بعض الوضّاعين. ويا سبحان الله! كيف يحتمل هذا الإسناد مثل هذا المتن؟ فقبّح الله

стр. 638

الوضّاعين! وقد ذكره أبو الفرج (١) من حديث محمَّد بن جعفر بن سهل، حدثنا يعقوب بن عيسى من ولد عبد الرحمن (٢) بن عوف، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد مرفوعًا. وهذا غلط قبيح، فإنّ محمَّد بن جعفر هذا هو الخرائطيّ، ووفاته سنة سبع وعشرين وثلاث مائة، فمحال أن يدرك شيخُه يعقوبُ ابنَ أبي نَجيح، لا سيّما وقد رواه في كتاب الاعتلال (٣) عن يعقوبَ هذا، عن الزبير، عن عبد الملك، عن عبد العزيز، عن ابن أبي نجيح. والخرائطي هذا (٤) مشهور بالضعف في الرواية، ذكره أبو الفرج (٥) في كتاب الضعفاء (٦). وكلام حفاظ الإِسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم

стр. 639

يرجع في هذا الشأن. وما صحّحه، بل ولا حسّنه أحد يُعوَّل في علم الحديث عليه، ويُرجَع في التصحيح (١) إليه؛ ولا مَن عادتُه التساهل والتسامح، فإنّه لم يُطنِّف (٢) نفسَه له. ويكفي أن ابن طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف، ويروي منها الغثّ والسمين والمنخنقة والموقودة قد أنكره، وحكم ببطلانه (٣). نعم، ابن عبّاس غير مستنكَر ذلك عنه. وقد ذكر أبو محمَّد بن حزم عنه أنَّه سئل عن الميت عشقًا، فقال: قتيل الهوى، لا عقل ولا قود! (٤) ورُفِع إليه بعرفات شابّ قد صار (٥) كالفرخ، فقال: ما شأنه؟ قالوا: العشق. فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق (٦). فهذا نفَس من قال: من عشِق وعفَّ وكتَم ومات، فهو شهيد. ومما يوضح ذلك أنّ النبي ﷺ عدّ الشهداء في الصحيح، فذكر المقتول في الجهاد، والمبطون، والحرِق، والنفَساء يقتلها ولدها، والغرِق، وصاحب ذات الجنب (٧)، ولم يعُدّ منهم العاشق يقتله العشق.

стр. 640

وحسب قتيل العشق أن يصحّ (١) له هذا الأثر عن ابن عباس (٢) على أنّه لا يدخل تحته حتّى يصبر لله، ويعفّ لله، ويكتم لله. وهذا لا يكون إلا مع قدرته على معشوقه، وإيثار محبة الله وخوفه ورضاه. وهذا من أحقّ من دخل تحت قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١] وتحت قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]. فنسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يجعلنا ممن آثر حبّه على هواه، وابتغى بذلك قربه ورضاه (٣).