← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أبو عبد الله محمَّد بن أبي بكر بن أيوب إمام المدرسة الجوزية بدمشق المحروسة ﵁ (١): الحمد لله (٢). ثبت في صحيح البخاري (٣) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء". وفي صحيح مسلم (٤) من حديث جابر (٥) بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله". وفي مسند الإِمام أحمد (٦) من حديث أسامة بن شريك عن النبي ﷺ قال: "إن الله لم يُنْزِلْ داءً إلا أنزل له شفاءً، علِمَه مَن علِمَه، وجَهِله مَن

стр. 72

جَهِله". وفي لفظ (١): "إن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً أو دواءً إلا داءً واحدًا" قالوا: يا رسول الله ما هو؟ قال: "الهرَم". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٢). وهذا يعمّ أدواءَ القلب والروح والبدن، وأدويتَها. وقد جعل النبي ﷺ (٣) الجهل داء، وجعل دواءه سؤال العلماء: فروى أبو داود في سننه (٤) من حديث جابر بن عبد الله قال: خرجنا

стр. 73

في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر، فشجّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه (١)، فقال (٢): هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء. فاغتسل، فمات. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك فقال: "قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا! فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصِر -أو يعصِب- على جرحه خرقةً، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده". فأخبر أنّ الجهل داء، وأنّ شفاءه السؤال. وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء (٣)، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، و"من" ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض (٤)، فإن القرآن كله شفاء، كما قال في الآية الأخرى (٥). فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب، فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع (٦) في إزالة الداء من القرآن.

стр. 74

وقد ثبت في الصحيحين (١) من حديث أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ (٢) في سَفْرة سافروها حتى نزلوا على حيّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يُضَيّفوهم (٣). فلُدِغَ سيّدُ ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهطَ الذين نزلوا، لعلّه أن يكون عند بعضهم شيء (٤). فأتوهم، فقالوا: أيها الرهط إن سيّدنا لُدِغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم (٥)، والله إنّي لأرقي، ولكن والله استضفناكم فلم تُضَيّفونا، فما أنا براقٍ حتى تجعلوا لنا جُعْلًا. فصالحوهم على قطيع من الغنم. فانطلق يتفُل عليه، ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. فكأنما نُشِطَ من عِقال، فانطلق يمشي، وما به قَلَبة (٦). فأوفَوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقتسِموا، فقال الذي رقَى: لا نفعل حتى نأتي النبي ﷺ (٧)، فنذكر له الذي كان، فننظر بما يأمرنا. فقدِموا على رسول الله ﷺ فذكروا له ذلك، فقال: "وما يدريك أنها رقية؟ " ثم قال: "قد أصَبتُم، اقتسِمُوا واضرِبوا لي معكم سهمًا".

стр. 75

فقد أثّر هذا الدواءُ في هذا (١) الداء، وأزاله حتى كأنْ لم يكن. وهو أسهل دواء وأيسره. ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيرًا عجيبًا في الشفاء. ومكثتُ بمكة مدّةً تعتريني (٢) أدواء، ولا أجد طبيبًا ولا دواء، فكنتُ أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرًا عجيبًا (٣). فكنت أصف ذلك لمن يشتكي (٤) ألمًا، وكان (٥) كثير منهم يبرأ سريعًا (٦). ولكن ها هنا أمر ينبغي التفطّن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحلّ، وقوة همة الفاعل وتأثيره. فمتى تخلّف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإنّ عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانع (٧) قوي يمنع من اقتضائه أثره. فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول

стр. 76

تام (١)، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة، أثّر في إزالة الداء (٢). وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره (٣)، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، ورَين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو (٤) واللهو وغلبتها عليها (٥). كما في صحيح الحاكم (٦) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنّ الله لا يقبل دعاءً مِن قلبٍ

стр. 77

غافلٍ لاه" (١). فهذا دواء نافع مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوله. وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها، كما في صحيح مسلم (٢) من حديث أبي هريرة: قال قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس، إنّ الله طيّب، لا يقبل إلا طيّبًا. وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ البقرة: ١٧٢] ". ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعثَ أغبرَ يمدّ يده إلى السماء: يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنّى يستجاب لذلك!

стр. 78

وذكر عبد الله ابن الإِمام (١) أحمد في كتاب الزهد لأبيه (٢): أصاب بني إسرائيل بلاءً، فخرجوا مخرجًا، فأوحى الله إلى نبيّهم أن أخبرهم: تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إليّ أكُفًّا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدًا. وقال أبو ذر: يكفي من الدعاء مع البِرّ ما يكفي الطعام من الملح (٣). فصل والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل. وهو سلاح المؤمن، كما روى الحاكم في صحيحه (٤) من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء سلاح المؤمن،

стр. 79

وعماد الدين، ونور السموات والأرض". وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء، فيدفعه. الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد. ولكن (١) قد يخففه، وإن كان ضعيفًا. الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كلّ واحد منهما صاحبه. وقد روى الحاكم في صحيحه (٢) من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله- ﷺ : "لا يغني حَذَر من قَدَر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل. وإن البلاء لينزل، فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة". وفيه أيضًا (٣) من حديث ابن عمر عن النبي- ﷺ قال: "الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عبادَ الله بالدعاء".

стр. 80

وفيه أيضًا (١) من حديث ثوبان: "لا يردّ القدرَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد لعمر إلا البِرّ، دانّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه". فصل ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء وقد (٢) روى ابن ماجه في سننه (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال

стр. 81

رسول الله ﷺ : "من لم يسأل اللهَ يغضَبْ عليه". وفي صحيح الحاكم (١) من حديث أنس عن النبي ﷺ : "لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد". وذكر الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يحب الملِحّين في الدعاء" (٢). وفي كتاب الزهد للإمام أحمد (٣) عن قتادة قال: قال مُوَرِّق: ما وجدت للمؤمن مثلًا إلا رجلًا في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب

стр. 82

يا رب، لعل الله أن ينجيه. فصل ومن الآفات التي تمنع ترتُّبَ أثرِ الدعاء عليه: أن يستعجل العبد، ويستبطئ الإجابة، فيستحسرَ، ويدَعَ الدعاء. وهو بمنزلة مَن (١) بذر بَذرًا، أو غرس غِراسًا، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلمّا استبطأ كمالَه وإدراكَه، تركه وأهمله! وفي صحيح البخاري (٢) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (٣): "يستجاب لأحدكم ما لم يعجَلْ، يقول: دعوتُ، فلم يُستجَبْ لي". وفي صحيح مسلم (٤) عنه: "لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يَدْعُ بإثم أو قطيعةِ رحيم، ما لم يستعجلْ". قيل: يا رسولَ الله، وما الاستعجال (٥)؟ قال: "يقول: قد دعوتُ وقَد دعوتُ، فلم أرَ يستجيب (٦) لي. فيَستحسِرُ عند ذلك ويدَعُ الدعاء".

стр. 83

وفي مسند أحمد (١) من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل" قالوا: يا رسول الله، كيف يستعجل؟ قال: "يقول: قد (٢) دعوتُ ربّي، فلم يَستجِبْ لي". فصل وإذا جمع الدعاءُ حضورَ القلب وجمعيتَه بكلّيته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير (٣) من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإِمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم (٤)؛ وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الربّ، وذلاًّ له، وتضرّعًا ورِقّةً؛ واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمَّد عبده ورسوله ﷺ ، ثم قدّم بين يدي

стр. 84

حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله، وألحّ عليه (١) في المسألة، وتملّقه، ودعاه رغبة ورهبة (٢)، وتوسّل إليه بأسمائه (٣) وصفاته وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة = فإنّ هذا الدعاء لا يكاد يُرَدّ أبدًا، ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم: فمنها ما في السنن وصحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أنّ رسول الله- ﷺ سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. فقال: "لقد سأل الله بالاسم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب" (٤).

стр. 85

وفي لفظ: "لقد سألتَ الله باسمه الأعظم" (١). وفي السنن وصحيح ابن حبان أيضًا من حديث أنس بن مالك أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسًا، ورجلٌ يصلي، ثم دعا فقال (٢): اللهم إنّي أسألك بأنّ لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيّ يا قيوم. فقال النبي- ﷺ : "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" (٣). وأخرج الحديثين الإِمام أحمد في مسنده (٤). وفي جامع الترمذي (٥) من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي- ﷺ

стр. 86

قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] وفاتحة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ [آل عمران: ١ - ٢]. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي مسند أحمد (١) وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة، وأنس بن مالك، وربيعة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال: "ألِظُّو بـ (يا ذا الجلال والإكرام) " (٢). يعني: تعلّقوا بها، والزموها، وداوموا عليها. وفي جامع الترمذي (٣) من حديث أبي هريرة أنّ النبي ﷺ كان إذا أهمّه (٤) الأمرُ رفع رأسه (٥) إلى السماء، [فقال: "سبحان الله

стр. 87

العظيم"] (١)، وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حيّ يا قيوم". وفيه أيضًا (٢) من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي- ﷺ إذا كَرَبه (٣) أمرٌ قال: "يا حيّ يا قيوم برحمتك أستغيث". وفي صحيح الحاكم (٤) من حديث أبي أمامة عن النبي- ﷺ أنّه (٥) قال: "اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة وآل عمران وطه". قال القاسم: فالتمستُها، فإذا هي آية ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾. وفي جامع الترمذي وصحيح الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي- ﷺ قال: "دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧] إنّه لم يدعُ (٦) بها مسلمٌ في شيء قطّ إلا استجاب الله له" (٧). قال الترمذي:

стр. 88

حديث صحيح (١). وفي صحيح الحاكم (٢) أيضًا من حديث سعد عن النبي ﷺ : "ألا أخبركم بشيء، إذا نزل برجل منكم [كرب أو بلاءً من بلايا الدنيا] (٣) فدعا به يفرج الله عنه؟ دعاء ذي النون". وفي صحيحه أيضًا (٤) عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول (٥): "هل أدلّكم

стр. 89

على اسم الله الأعظم؟ دعاءُ يونس". فقال رجل: يا رسول الله، هل (١) كانت ليونس خاصةً؟ فقال: "ألا تسمع قوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨] فأيّما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرةً، فمات في مرضه ذلك، أعطي أجرَ شهيد. وإنْ برأ برأ مغفورًا له". وفي الصحيحين (٢) من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم (٣)، لا إله إلا الله ربُّ السموات وربُّ الأرض ربُّ العرش الكريم". وفي مسند الإِمام أحمد (٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: علّمني رسول الله ﷺ -إذا نزل بي كرب- أن أقول: "لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحانَ الله، وتبارك اللهُ ربُّ العرش العظيم، والحمد لله ربِّ العالمين". وفي مسنده (٥) أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول

стр. 90

الله ﷺ : "ما أصاب أحدًا قط همّ ولا حزن، فقال: اللهم إنّي عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمُك، عدل فيّ قضاؤك. أسألك اللهمّ بكلِّ اسمٍ هو لك، سمّيتَ به نفسَك، أو علّمتَه أحدًا مِن خلقِك، أو أنزلتَه في كتابك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآنَ العظيمَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاء حزني وذَهاب همّي، إلا أذهب اللهُ همَّه وحزنَه، وأبدله مكانه فرحًا". فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلّمها؟ قال: "بلى، ينبغي لمن سمعها (١) أن يتعلّمها" (٢). وقال ابن مسعود: ما كُرِبَ نبيٌّ من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح (٣). وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المجابين في الدعاء (٤) عن الحسن (٥) قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار يكنى أبا مِعْلَق، وكان

стр. 91

تاجرًا، يتّجر بمال له ولغيره، يضرب به في (١) الآفاق، وكان ناسكًا ورِعًا. فخرج مرةً، فلقيه لصّ مقنَّع في السلاح، فقال له: ضَعْ ما معك، فإني قاتلك. قال: ما تريد إلى دمي؟ شأنك بالمال. قال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك. قال (٢): أمّا إذ (٣) أبيتَ، فذرني أصلي أربع ركعات. قال صلِّ ما بدا لك. فتوضأ، ثم صلّى (٤) أربع ركعات. فكان (٥) من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود (٦)، يا ذا العرش المجيد، يا فعالُ (٧) لما يريد، أسألك بعزّك الذي لا يُرام، ومُلكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركانَ عرشك: أن تكفيَني (٨) شرَّ هذا اللصّ. يا مغيثُ أغِثنْي، يا مغيثُ أغِثْني (٩) ثلاث مرات. فإذا هو بفارس قد أقبل، بيده حَرْبة، قد وضعها بين أذنَي فرسِه. فلمّا بصُر به اللصُّ أقبل نحوَه، فطعنه، فقتله. ثم أقبل إليه، فقال: قم، فقال: من أنت، بأبي أنت (١٠) وأمّي؟ فقد أغاثني الله بك اليوم. فقال: أنا ملَك من أهل السماء الرابعة، دعوتَ بدعائك الأول، فسمعتُ لأبواب السماء قعقعةً، ثم

стр. 92

دعوتَ بدعائك الثاني، فسمعتُ لأهل السماء ضجّةً. ثم دعوتَ بدعائك الثالث، فقيل لي (١): دعاء مكروب. فسألتُ الله أن يُولّيني قتلَه. قال الحسن (٢): فمن توضأ، وصلّى أربع ركعات، ودعا بهذا الدعاء، استجيب له، مكروبًا كان (٣) أو غير مكروب. فصل وكثيرًا ما تجد أدعيةً دعا بها قوم، فأستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورةُ صاحبه، وإقباله على الله، أو حسنةٌ تقدمت منه جعل الله سبحانه إجابةَ دعوته شكرًا لحسنته، أو صادف وقتَ إجابة ونحو ذلك، فأجيبت دعوته. فيظن الظانّ أن السرّ في لفظ ذلك الدعاء، فيأخذه مجردًا عن (٤) تلك الأمور التي قارنَتْه من ذلك الداعي. وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعًا في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، فانتفع به، فظنّ (٥) غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرده كافٍ (٦) في حصول المطلوب، كان غالطًا. وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس. ومن هذا أنّه (٧) قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب، فيظنّ الجاهل أنّ السرّ للقبر، ولم يعلم أنّ السرّ للاضطرار وصدق اللجأ إلى

стр. 93

الله. فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله كان أفضل وأحبّ إلى الله. فصل والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحدّ (١) فقط، فمتى (٢) كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعد قوي (٣)، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدو. ومتى تخلّف واحد من هذه الثلاثة تخلّف التأثير. فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثَمَّ مانع من الإجابة، لم يحصل الأثر. فصل وههنا سؤال مشهور، وهو أنّ المدعوّ به إن كان قد قُدِّر لم يكن بدّ من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدعُ. وإن لم يكن قد قدّر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله (٤). فظنت طائفة صحة هذا السؤال، فتركت الدعاء، وقالت: لا فائدة

стр. 94

فيه! وهؤلاء -مع فرط جهلهم وضلالهم- متناقضون، فإنّ طردَ مذهبهم يُوجِب تعطيلَ جميع الأسباب. فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والريّ قد قُدِّرا لك فلابد (١) من وقوعهما، أكلت أو لم تأكل. وإن لم يقدّرا لم يقعا، أكلتَ أو لم تأكل. وإن كان الولد قدّر لك فلابد منه، وطئتَ الزوجة والأمة (٢) أو لي تَطأ. وإن لم يقدّر لم يكن، فلا حاجة إلى التزوّج والتسرّي. وهلمّ جرّا. فهل يقول هذا عاقل أوآدمي؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته. فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام، بل هم أضلُّ سبيلا. وتكايس بعضهم، وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض، يثيب الله عليه الداعي، من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما. ولا فرق عند هذا (٣) الكيّس بين الدعاء وبين الإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب، وارتباطُ الدعاء عندهم به كارتباط السكوت، ولا فرق. وقالت طائفة أخرى أكيَسُ من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارةً على قضاء الحاجة. فمتى وُفّق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أنّ حاجته قد قُضيت. وهذا كما إذا رأينا غيمًا

стр. 95

أسودَ باردًا في زمن الشتاء، فإنّ ذلك دليل وعلامة على أنّه يمطر. قالوا (١): وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب، لا أنّها أسباب له. وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحريق (٢) مع الإحراق، والإزهاق مع القتل. ليس شيء من ذلك سببًا ألبتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران العادي، لا التأثير السببي (٣). وخالفوا بذلك الحس، والعقل، والشرع، والفطرة، وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء (٤)! والصواب أنّ ها هنا قسمًا ثالثًا غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور (٥) قُدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء. فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر بسببه. فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور (٦)، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور. وهذا كما قُدر الشبع والريّ بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه (٧). وكذلك قُدر دخول الجنة بالأعمال،

стр. 96

ودخول النار بالأعمال (١). وهذا القسم هو الحق، وهو الذي حُرِمَه السائل ولم يوفَّق له. وحينئذ ف الدعاء من أقوى الأسباب. فإذا قُدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال! وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب. ولما كان الصحابة ﵃ أعلمَ الأمةِ بالله ورسوله، وأفقههم في دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم. وكان عمر بن الخطاب (٢) ﵁ يستنصر به على عدوه، وكان (٣) أعظم جنديه (٤)، وكان يقول للصحابة (٥): لستم تُنصَرون بكثرة، وإنما تُنصَرون من السماء (٦). وكان يقول: إنِّي لا أحمل همَّ الإجابة، ولكن همَّ الدعاء. فإذا أُلهِمتُ الدعاءَ فإنّ الإجابة معه (٧). وأخذ الشاعر هذا، فنظمه، فقال:

стр. 97

لو لم تُرِدْ نيلَ ما أرجو وأطلُبه … مِن جودِ كفّك ما عوّدتَني الطلَبا (١) فمَن أُلهِمَ الدعاءَ فقد أريد به الإجابة، فإنّ الله سبحانه يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يسأل الله يغضَبْ عليه" (٢). وهذا يدل على أنّ رضاه في سؤاله وطاعته. وإذا رضي الربّ ﵎ فكلّ (٣) خير في رضاه، كما أنّ كل بلاءً ومصيبة في غضبه. وقد ذكر الإِمام أحمد في كتاب الزهد (٤) أثرًا (٣): "أنا الله، لا إله إلا أنا، إذا رضيتُ باركتُ، وليس لبركتي منتهى (٦). وإذا غضبتُ لعنتُ، ولعنتي تبلغ السابع من الولد". وقد (٧) دل العقل والنقل والفطر وتجارب الأمم -على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها- على أنّ التقرب إلى ربّ العالمين وطلب مرضاته، والبرّ والإحسان إلى خلقه، من أعظم الأسباب الجالبة لكل

стр. 98

خير. وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شرّ. فما استُجلِبتْ نِعمُ الله واستُدفِعتْ نِقَمُه بمثل طاعته والتقرب إليه، والإحسان إلى خلقه. وقد رتّب الله سبحانه حصولَ الخيرات في الدنيا والآخرة (١) وحصولَ الشرور في الدنيا والآخرة (٢) في كتابه على الأعمال، ترتيب (٣) الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبّب على السبب. وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع (٤). فتارةً يرتب الحكم الخبري الكوني والأمري (٥) الشرعي على الوصف المناسب له، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: ١٦٦]، وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله. ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] وهذا كثير جدًّا.

стр. 99

وتارةً يرتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء، كقوله: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] وقوله: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ [الجن: ١٦]، ونظائره. وتارة يأتي بلام التعليل، كقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩] وقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وتارة يأتي بأداة (كَي) التي للتعليل، كقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. وتارة يأتي بباء السببية كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢، والأنفال: ٥١] وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] (١) و ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] (٢) وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ (٣) [الأعراف: ١٤٦].

стр. 100

وتارة يأتي بالمفعول لأجله ظاهرًا أو محذوفًا (١)، كقوله: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] أي كراهة أن تقولوا. وتارة يأتي بفاء السببية، كقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤)﴾ [الشمس: ١٤] وقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾ [الحاقة: ١٠] وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾ [المؤمنون: ٤٨]، ونظائره. وتارة يأتي بأداة (لمّا) الدالة على الجزاء، كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، ونظائره. وتارة يأتي بإنّ وما عملت فيه، كقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله في ضد هؤلاء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ [الأنبياء: ٧٧]. وتارة يأتي بأداة (لولا) الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها، كقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]. وتارة يأتي بـ (لو) الدالة على الشرط، كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]

стр. 101

وبالجملة، فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتُّب (١) الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بَل ترتُّب (٢) أحكام الدنيا (٣) والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمالَ. ومن فقه (٤) هذه المسألةَ، وتأملها حقّ التأمل، انتفع بها غاية النفع، ولم يتكل (٥) على القدر جهلًا منه وعجزًا وتفريطًا وإضاعةً، فيكون توكلُه عجزًا، وعجزه توكلًا. بل الفقيهُ كلُّ الفقيه الذي يردّ القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر، بل لا يمكن الإنسانَ يعيشُ (٦) إلا بذلك، فإنّ الجوع والعطش والبرد وأنول المخاوف والمحاذير هي من القدر، والخلقُ كلّهم ساعون (٧) في دفع هذا القدر بالقدر (٨). وهكذا (٩)، من وفّقه الله، وألهمه رُشدَه، يدفع قدَر العقوبة (١٠)

стр. 102

الأخروية بقدَر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة، فهذا وِزان القدر المخوف في الدنيا وما يضادّه سواء (١). فربُّ الدارين واحد، وحكمته واحدة، لا يناقض بعضها بعضًا، ولا يبطل بعضها بعضًا. فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قَدْرها، ورعاها حقّ رعايتها، والله المستعان. لكن يبقى عليه أمران، بهما تتم سعادته وفلاحه: أحدهما؛ أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير، ويكون له بصيرة في ذلك بما يشاهده (٢) في العالم، وما جرّبه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديمًا وحديثًا. ومن أنفع ما في ذلك تدبُّر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه أسباب الشرّ والخير (٣) جميعًا مفصّلةً مبيّنةً. ثم السنّة، فإنها شقيقة القرآن، وهي الوحي الثاني. ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن غيرهما، وهما يُرِيانِك الخير والشرّ وأسبابهما، حتّى كأنّك تعاين ذلك عيانًا. وبعد ذلك إذا تأملتَ أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمتَه من القرآن والسنة، ورأيت تفاصيل (٤) ما أخبر الله به ووعد به (٥)، وعلمتَ من آياته في الآفاق ما يدلّك على أن

стр. 103

القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لا محالة. فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرّفنا الله ورسوله به (١) من الأسباب الكلية للخير والشر. فصل والأمر الثاني (٢): أن يحذر مغالطةَ نفسِه له (٣) على هذه الأسباب. وهذا من أهم الأمور، فإنّ العبد يعرف أنّ المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه (٤) وآخرته، ولا بدَّ، ولكن تغالطه نفسه (٥) بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة، وبالتسويف بالتوبة تارة، وبالاستغفار باللسان تارة، وبفعل المندوبات تارة، وبالعلم تارة، وبالاحتجاج بالقدر تارة، وبالاحتجاج بالأشباه والنظراء والاقتداء (٦) بالأكابر تارة. وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل، ثم قال: "أستغفر الله" زال أثر الذنب، وراح هذا بهذا! وقال لي رجل من المنتسبين إلى الفقه: أنا أفعل ما أفعل، ثم أقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة، وقد غفر ذلك أجمعه، كما صحّ عن النبي

стр. 104

ﷺ أنه قال: "من قال في يوم: سبحان الله وبحمده مائة مرة حُطّتْ عنه خطاياه (١)، ولو كانت مثلَ زبَدِ البحر" (٢). وقال لي آخر من أهل مكة: نحن أحدنا إذا فعل ما فعل اغتسل (٣) وطاف (٤) بالبيت أسبوعا (٣)، وقد محيي عنه ذلك. وقال لي آخر: قد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: "أذنبَ عبدٌ ذنبًا، فقال: أيْ ربِّ أصبتُ ذنبًا فاغفره لي، فغفر له (٦). ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا آخر، فقال: أيْ ربِّ أصبتُ ذنبًا، فاغفره لي، فغفره له. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا آخر، فقال: أيْ ربِّ أصبتُ ذنبًا، فاغفره لي (٧). فقال الله : علِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به. قد غفرتُ لِعبدي، فليصنَعْ ما شاء! " (٨).

стр. 105

قال: وأنا لا أشكّ أنّ لي ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به. وهذا الضرب من الناس قد تعلّق بنصوص الرَّجاء، واتّكل عليها، وتعلق بها (١) بكلتا يديه. وإذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته ونصوص الرجاء. وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب، كقول بعضهم: وكَثِّرْ ما استطعتَ من الخطايا … إذا كان القدومُ على كريمِ (٢) وقول الآخر: التنزّه من الذنوب جهل بسعة عفو الله! وقول الآخر (٣): تركُ الذنوب جراءةٌ على مغفرة الله، واستصغارٌ لها! وقال أبو محمَّد بن حزم: رأيت بعض هؤلاء يقول في دعائه: اللهم إنّي أعوذ بك من العصمة! ومن هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبر، وأن العبد لا فعل له البتة ولا اختيار، وإنما هو مجبور على فعل المعاصي.

стр. 106

ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الإرجاء، وأنّ الإيمان هو مجرد التصديق، والأعمال ليست من الإيمان، وإيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل. ومن هؤلاء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين، وكثرة التردد إلى قبورهم، والتضرّع إليهم، والاستشفاع بهم، والتوسل إلى الله بهم، وسؤاله بحقّهم عليه وحرمتهم عنده. ومنهم من يغترّ بآبائه وأسلافه، وأن لهم عند الله مكانة وصلاحًا؛ فلا يدَعون (١) أن يخلّصوه، كما يشاهد في حضرة الملوك، فإنّ الملوك تهَبُ لخواصّهم ذنوبَ أبنائهم وأقاربهم، وإذا وقع أحد منهم في أمر مفظع خلّصه أبوه وجدّه بجاهه ومنزلته. ومنهم من يغتر بأن الله غنى عن عذابه، وأنّ عذابه (٢) لا يزيد في ملكه شيئًا، ورحمته له لا ينقص من ملكه شيئًا، فيقول: أنا مضطرّ إلى رحمته، وهو أغنى الأغنياء (٣). ولو أن فقيرًا مسكينًا، مضطرًّا (٤) إلى شربة ماء، عند مَن في داره شط يجري، لَما منعه منها؛ فالله أكرم وأوسع، فالمغفرة لا تنقصه شيئًا، والعقوبة لا تزيد (٥) في ملكه شيئًا.

стр. 107

ومنهم من يغترّ بفهم فاسد فهِمَه (١) هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة (٢)، فاتكلوا عليه، كاتكال بعضهم على قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥] قالوا (٣): وهو لا يرضى أن يكون في النار أحد (٤) من أمته! وهذا من أقبح الجهل، وأبين الكذب عليه. فإنّه يرضى بما يُرضي (٥) ربَّه ، والله تعالى يُرضيه تعذيبُ الظلَمة والفسَقة والخوَنة والمصرّين على الكبائر. فحاشا رسولَه أن لا يرضى مما يرضى به ربه (٦) ﵎. وكاتكال بعضهم على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. وهذا أيضًا من أقبح الجهل. فإن الشرك داخل في هذه الآية، فإنّه رأس الذنوب وأساسها، ولا خلاف أنّ هذه الآية في حق التائبين، فإنّه يغفر كل ذنب للتائب (٧)، أي ذنب كان (٨). ولو كانت الآية في حق غير التائبين (٩) لبطلت نصوص الوعيد كلّها، وأحاديث إخراج

стр. 108

قوم من الموحدين (١) من النار بالشفاعة. وهذا إنما أُتِيَ صاحبُه من قلّة علمه وفهمه، فإنه سبحانه ههنا عمّم وأطلق فعُلِمَ أنه أراد التائبين. وفي سورة النساء خصّص وقيّد، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فأخبر سبحانه أنه لا يغفر (٢) الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه. ولو كان هذا في حقّ التائب لم يفرّق بين الشرك وغيره (٣). وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ (٤) [الانفطار: ٦] فيقول: كَرَمُه! وقد يقول بعضهم: إنّه لقّن المغترَّ حجتَه، وهذا جهل قبيح. وإنما غرّه بربّه الغرورُ -وهو الشيطان- ونفسُه الأمّارة بالسوء، وجهلُه، وهواه. وأتى سبحانه بلفظ "الكريم"، وهو السيّد العظيم المطاع (٥) الذي لا ينبغي الاغترار به ولا إهمال حقّه، فوضع هذا المغترُّ الغرورَ في غير موضعه، واغترّ بمن لا ينبغي الاغترار به. وكاغترار بعضهم بقوله تعالى في النار: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. ولم يدر هذا المغتر أنّ قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ [الليل: ١٤] هو لِنارِ

стр. 109

مخصوصةٌ من جملة دركات جهنم. ولو كانت جميع جهنم، فهو سبحانه لم يقل: "لا يدخلها"، بل قال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ ولا يلزم (١) من عدم صِلِيِّها عدمُ دخولها، فإن الصِّلِيَّ أخصُّ من الدخول، ونفيُ الأخصّ لا يستلزم نفي الأعم. ثم إنّ هذا المغترّ لو تأمل الآية التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها، فلا يكون مضمونًا له أن يُجَنَّبَها. وأما قوله في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فقد قال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ولا ينافي إعداد النار للكافرين أن تدخلها الفسّاق والظلَمة، ولا ينافي إعدادَ الجنة للمتقين أن يدخلها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، ولم يعمل خيرًا قط. وكاتّكال (٢) بعضهم على صوم يوم عاشوراء، أو يوم عرفة (٣)، حتّى يقول بعضهم: يوم عاشوراء (٤) يكفّر ذنوب العام (٥) كلّها، ويبقى صوم يوم عرفة (٦) زيادة في الأجر (٧). ولم يدر هذا المغتر أنّ صوم رمضان

стр. 110

والصلوات الخمس أعظم وأجلّ من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، وهي إنما تكفر ما بينها (١) إذا اجتُنِبَتْ الكبائر (٢). فرمضان [إلى رمضان] (٣) والجمعة إلى الجمعة لا يقوى على تكفير الصغائر الله مع انضمام ترك الكبائر إليها، فيقوى مجموع الأمرين (٤) على تكفير الصغائر. فكيف يكفِّر صومُ يوم تطوّع كلَّ كبيرة عملها العبد، وهو مصرّ عليها، غير تائب منها؛ هذا محال، على أنه لا يمتنع أن يكون صوم يوم عرفة (٥) ويوم عاشوراء مكفرًا لجميع ذنوب العام على عمومه، ويكون من نصوص الوعد (٦) التي لها شروط وموانع، ويكون إصراره على الكبائر مانعًا من التكفير. فإذا لم يصرّ على الكبائر تساعدَ الصومُ وعدمُ الإصرار وتعاونا على عموم التكفير، كما كان رمضان والصلوات
следующие страницы →