← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الإرجاء، وأنّ الإيمان هو مجرد التصديق، والأعمال ليست من الإيمان، وإيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل. ومن هؤلاء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين، وكثرة التردد إلى قبورهم، والتضرّع إليهم، والاستشفاع بهم، والتوسل إلى الله بهم، وسؤاله بحقّهم عليه وحرمتهم عنده. ومنهم من يغترّ بآبائه وأسلافه، وأن لهم عند الله مكانة وصلاحًا؛ فلا يدَعون (١) أن يخلّصوه، كما يشاهد في حضرة الملوك، فإنّ الملوك تهَبُ لخواصّهم ذنوبَ أبنائهم وأقاربهم، وإذا وقع أحد منهم في أمر مفظع خلّصه أبوه وجدّه بجاهه ومنزلته. ومنهم من يغتر بأن الله غنى عن عذابه، وأنّ عذابه (٢) لا يزيد في ملكه شيئًا، ورحمته له لا ينقص من ملكه شيئًا، فيقول: أنا مضطرّ إلى رحمته، وهو أغنى الأغنياء (٣). ولو أن فقيرًا مسكينًا، مضطرًّا (٤) إلى شربة ماء، عند مَن في داره شط يجري، لَما منعه منها؛ فالله أكرم وأوسع، فالمغفرة لا تنقصه شيئًا، والعقوبة لا تزيد (٥) في ملكه شيئًا.

стр. 107

ومنهم من يغترّ بفهم فاسد فهِمَه (١) هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة (٢)، فاتكلوا عليه، كاتكال بعضهم على قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥] قالوا (٣): وهو لا يرضى أن يكون في النار أحد (٤) من أمته! وهذا من أقبح الجهل، وأبين الكذب عليه. فإنّه يرضى بما يُرضي (٥) ربَّه ، والله تعالى يُرضيه تعذيبُ الظلَمة والفسَقة والخوَنة والمصرّين على الكبائر. فحاشا رسولَه أن لا يرضى مما يرضى به ربه (٦) ﵎. وكاتكال بعضهم على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. وهذا أيضًا من أقبح الجهل. فإن الشرك داخل في هذه الآية، فإنّه رأس الذنوب وأساسها، ولا خلاف أنّ هذه الآية في حق التائبين، فإنّه يغفر كل ذنب للتائب (٧)، أي ذنب كان (٨). ولو كانت الآية في حق غير التائبين (٩) لبطلت نصوص الوعيد كلّها، وأحاديث إخراج

стр. 108

قوم من الموحدين (١) من النار بالشفاعة. وهذا إنما أُتِيَ صاحبُه من قلّة علمه وفهمه، فإنه سبحانه ههنا عمّم وأطلق فعُلِمَ أنه أراد التائبين. وفي سورة النساء خصّص وقيّد، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فأخبر سبحانه أنه لا يغفر (٢) الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه. ولو كان هذا في حقّ التائب لم يفرّق بين الشرك وغيره (٣). وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ (٤) [الانفطار: ٦] فيقول: كَرَمُه! وقد يقول بعضهم: إنّه لقّن المغترَّ حجتَه، وهذا جهل قبيح. وإنما غرّه بربّه الغرورُ -وهو الشيطان- ونفسُه الأمّارة بالسوء، وجهلُه، وهواه. وأتى سبحانه بلفظ "الكريم"، وهو السيّد العظيم المطاع (٥) الذي لا ينبغي الاغترار به ولا إهمال حقّه، فوضع هذا المغترُّ الغرورَ في غير موضعه، واغترّ بمن لا ينبغي الاغترار به. وكاغترار بعضهم بقوله تعالى في النار: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. ولم يدر هذا المغتر أنّ قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ [الليل: ١٤] هو لِنارِ

стр. 109

مخصوصةٌ من جملة دركات جهنم. ولو كانت جميع جهنم، فهو سبحانه لم يقل: "لا يدخلها"، بل قال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ ولا يلزم (١) من عدم صِلِيِّها عدمُ دخولها، فإن الصِّلِيَّ أخصُّ من الدخول، ونفيُ الأخصّ لا يستلزم نفي الأعم. ثم إنّ هذا المغترّ لو تأمل الآية التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها، فلا يكون مضمونًا له أن يُجَنَّبَها. وأما قوله في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فقد قال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ولا ينافي إعداد النار للكافرين أن تدخلها الفسّاق والظلَمة، ولا ينافي إعدادَ الجنة للمتقين أن يدخلها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، ولم يعمل خيرًا قط. وكاتّكال (٢) بعضهم على صوم يوم عاشوراء، أو يوم عرفة (٣)، حتّى يقول بعضهم: يوم عاشوراء (٤) يكفّر ذنوب العام (٥) كلّها، ويبقى صوم يوم عرفة (٦) زيادة في الأجر (٧). ولم يدر هذا المغتر أنّ صوم رمضان

стр. 110

والصلوات الخمس أعظم وأجلّ من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، وهي إنما تكفر ما بينها (١) إذا اجتُنِبَتْ الكبائر (٢). فرمضان [إلى رمضان] (٣) والجمعة إلى الجمعة لا يقوى على تكفير الصغائر الله مع انضمام ترك الكبائر إليها، فيقوى مجموع الأمرين (٤) على تكفير الصغائر. فكيف يكفِّر صومُ يوم تطوّع كلَّ كبيرة عملها العبد، وهو مصرّ عليها، غير تائب منها؛ هذا محال، على أنه لا يمتنع أن يكون صوم يوم عرفة (٥) ويوم عاشوراء مكفرًا لجميع ذنوب العام على عمومه، ويكون من نصوص الوعد (٦) التي لها شروط وموانع، ويكون إصراره على الكبائر مانعًا من التكفير. فإذا لم يصرّ على الكبائر تساعدَ الصومُ وعدمُ الإصرار وتعاونا على عموم التكفير، كما كان رمضان والصلوات

стр. 111

الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدَين متعاونَين على تكفير الصغائر، مع أنه سبحانه قد قال (١): ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. فعلم أنّ جعل الشيء سببًا للتكفير لا يمنع (٢) أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير، ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما، وكلّما قويت أسباب التكفير كان أقوى وأتم وأشمل (٣). وكاتّكال بعضهم على قوله ﷺ حاكيًا عن ربه: "أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظنّ بي ما شاء" (٤) يعني: ما كان في ظنه، فإنّي فاعله به (٥). ولا ريب أنّ حسن الظن إنّما يكون مع "الإحسان" فإنّ المحسن حسن الظن بربه أنّه يجازيه (٦) على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته. وأما المسيء المصرّ على الكبائر والظلم والمخالفات، فإنّ وحشة

стр. 112

المعاصي والظلم والإجرام تمنعه (١) من حسن الظن بربه. وهذا موجود في الشاهد، فإنّ العبد الآبق المسيء (٢) الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به (٣). ولا يجامع وحشةَ الإساءة إحسانُ الظنّ (٤) أبدًا، فإنّ المسيء مستوحش بقدر إساءته. وأحسنُ الناس ظنًّا بربّه أطوعُهم له، كما قال الحسن البصري: إنّ المؤمن أحسن الظنَّ بربّه، فأحسن العمل. وإنّ الفاجر أساء الظنَّ بربّه، فأساء العمل (٥). وكيف يكون محسنَ الظن (٦) بربه من هو شارد عنه، حالّ مرتحل في مساخطه وما يغضبه (٧)، متعرض (٨) للعنته، قد هان حقّه وأمره عليه فأضاعه، وهان نهيه عليه فارتكبه، وأصرَّ عليه! وكيف يحسن الظن به (٩) من بارزه بالمحاربة، وعادى أولياءه، ووالى أعداءه، وجحد صفات كماله، وأساء الظن بما وصف به نفسه

стр. 113

ووصفَتْه به رُسُله (١)، وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر؟. وكيف يحسن الظنّ به من يظن (٢) أنه لا يتكلّم، ولا يأمر، ولا ينهى، ولا يرضى، ولا يغضب؟ وقد قال تعالى في حق من شكّ في تعلّق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السرّ من القول: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣]، فهؤلاء لما ظنّوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيرًا مما يعملون، كان هذا إساءةً لظنهم برئهم، فأرداهم ذلك الظن. وهذا شأن كل من جحد صفات كماله ونعوت جلاله ووَصَفه بما لا يليق به. فإذا ظنّ هذا أنه يُدخِلُه الجنةَ كان هذا غرورًا وخداعًا من نفسه، وتسويلًا من الشيطان، لا إحسانَ ظن بربّه (٣). فتأمَّلْ هذا الموضع، وتأمَّلْ شدة الحاجة إليه! وكيف يجتمع في قلب العبد تيقُّنُه بأنّه ملاقٍ الله، وأنّ الله (٤) يسمع كلامه، ويرى مكانه، ويعلم سرّه وعلانيته، ولا يخفى عليه خافية من أمره، وأنه (٥) موقوف بين يديه ومسؤول عن كل ما عمل، وهو مقيم على مساخطه، مضيّع لأوامره، معطّل لحقوقه. وهو مع هذا محسنٌ الظنَّ (٦)

стр. 114

به؟ وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني؟ وقد قال أبو أمامة بن سهل (١) بن حُنَيف: دخلتُ أنا وعروة بن الزبير على عائشة ﵂ فقالت: لو (٢) رأيتما رسول الله ﷺ في مرض له، وكانت عندي ستة دنانير- أو سبعة- فأمرني رسول الله ﷺ أن أفرّقها. قالت: فشغلني وجع النبي ﷺ ، حتى عافاه الله. ثم سألني عنها فقال: "ما فعلتِ؟ أكنتِ فرّقتِ الستّةَ الدنانير (٣)؟ " فقلت: لا، والله لقد كان شغلني (٤) وجعُك. قالت: فدعا بها، فوضعها في كفه، فقال: "ما ظنُّ نبيِّ اللهِ لو لقي الله، وهذه عنده؟ " (٥) وفي لفظ: "ما ظنُّ محمَّد بربّه لو لقي الله، وهذه عنده؟ ". فيالله! ما ظنُّ أصحابِ الكبائر والظَّلَمةِ بالله إذا لقُوه، ومظالم العباد

стр. 115

عندهم؟ فإن كان ينفعهم قولُهم: "حَسَّنَّا ظنونَنا بك (١) "، لم يعذَّبْ ظالم ولا فاسق (٢). فليصنع العبد ما شاء، وليرتكب كلّ ما نهاه الله عنه، وليحسن ظنّه بالله، فإنّ النار لا تمسّه! فسبحان الله، ما يبلغ الغرور بالعبد!. وقد قال إبراهيم لقومه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٦ - ٨٧] أي: فما (٣) ظنّكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيرَه؟ ومن تأمل هذا الموضع (٤) حقّ التأمل علِمَ أنّ حسنَ الظن بالله هو حسنُ العمل نفسه. فإنّ العبد إنما يحمله على حسن العمل حسنُ ظنّه بربه أن يجازيه على أعماله، ويثيبه عليها، ويتقبّلها منه. فالذي (٥) حمله على العمل حسنُ الظن، وكلّما (٦) حسُن ظنُّه حسُن عملُه، وإلا فحسنُ الظن مع اتباع الهوى عجز، كما في الترمذي والمسند من حديث شدّاد بن أوس عن النبي ﷺ أنّه قال (٧): "الكيّس من دان نفسَه، وعمِل لما بعد الموت. والعاجز من أتبعَ نفسَه هواها، وتمنّى على

стр. 116

الله" (١). وبالجملة، فحسن الظن إنّما يكون مع انعقاد أسباب النجاح. وأما مع انعقاد أسباب الهلاك، فلا يتأتّى إحسان الظن. فإن قيل: بل يتأتى ذلك، ويكون مستندُ حسن الظن سعةَ مغفرة الله ورحمته وعفوه وجوده، وأنّ رحمته سبقت غضبه، وأنه لا تنفعه العقوبة ولا يضرّه العفو. قيل: الأمرُ هكذا، واللهُ فوق ذلك، وأجلّ (٢) وأكرم وأجوَد وأرحم. ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة، والعزة، والانتقام وشدة البطش، وعقوبة من يستحق العقوبة. فلو كان معوَّلُ حُسنِ الظنّ على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوه. فما ينفع المجرمَ أسماؤه وصفاته، وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرّض للعنته، وأوضعَ في محارمه، وانتهك حرماته؟ بل حسن الظن ينفع من تاب، وندم، وأقلع، وبدّل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم حسّن الظنّ. فهذا حسن الظن (٣)، والأول غرور! والله المستعان.

стр. 117

ولا تستطِلْ هذا الفصل، فإنّ الحاجة إليه شديدة لكل أحد، ففَرْقٌ (١) بين حسن الظن بالله وبين الغِرّة (٢) به. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] (٣)، فجعل هؤلاء أهل الرَّجاء، لا البطّالين (٤) والفاسقين. وقال (٥) تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها. فالعالم (٦) يضع الرَّجاء مواضعه، والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه.

стр. 118

فصل وكثير من الجهال اعتمدوا على (١) رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيّعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يردّ بأسه عن القوم المجرمين. ومن اعتمد على العفو مع الإصرار فهو كالمعاند. وقال معروف (٢): رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخِذلان والحمق (٣). وقال بعض العلماء: من قطع عضوًا منك (٤) في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم، لا تأمَنْ أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا (٥). وقيل للحسن: نراك طويل البكاء! فقال: أخاف أن يطرحني في النار، ولا يبالي (٦). وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد، كيف نصنع بمجالسة أقوام

стр. 119

يخوّفونا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله لأن تصحب أقوامًا يخوفونك حتى تدرك أمْنَا خير لك من أن تصحب قومًا يؤمّنونك حتى تلحقك المخاوف (١). وقد ثبت في الصحيحين (٢) من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: "يُجاءُ بالرجل يوم القيامة، فيُلقَى في النار، فتندلق أقتابُ بطنه (٣)، فيدور في النار كما يدور الحمار برَحاه، فيُطيف به أهلُ النار، فيقولون: يا فلان ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا (٤) عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه". وذكر الإِمام أحمد (٥) من حديث أبي رافع قال: مرّ رسول الله ﷺ

стр. 120

بالبقيع فقال: "أف لك، أف لك! " فظننتُ أنه يريدني. فقال: "لا، ولكن هذا قبر فلان بعثتُه ساعيًا على (١) آل فلان، فغَلَّ نَمِر (٢)، فدُرِّعَ الآن مثلَها من نار". وفي مسنده أيضًا (٣) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "مررتُ ليلةَ أُسرِيَ بي على قوم تُقرَضُ شفاهُهم بمقاريض من نار،

стр. 121

فقلتُ: من هؤلاء؟ قالوا (١): خطباء من أهل الدنيا (٢)، كانوا يأمرون الناس بالبرّ، وينسون أنفسهم، أفلا يعقلون (٣)؟ ". وفيه أيضًا (٤) من حديثه، قال: قال رسول الله- ﷺ : "لما عُرِجَ بي مررتُ بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمِشون وجوههم وصدورهم. فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبريل؟ فقال (٥): هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم". وفيه أيضًا (٦) عنه، قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: "يا مقلّب القلوب (٧) ثبِّتْ قلبي على دينك". فقلنا: يا رسول الله، آمنّا بك وبما جئتَ به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إنّ القلوب بين إصبَعين من أصابع الله، يقلّبها كيف يشاء".

стр. 122

وفيه أيضًا (١) عنه: أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: "ما لي لم أر (٢) ميكائيل ضاحكًا قطّ؟ " قال: ما ضحك منذ خُلِقت النار". وفي صحيح مسلم (٣) عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "يُؤتَى بأنعَمِ أهل الدنيا من (٤) أهل النار، فيُصبَغ في النار صَبغةً، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيتَ خيرًا قطّ؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا ربّ. ويؤتى بأشدّ الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صَبغةً، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسًا قطّ؟ هل مرّ بك شدة قطّ؟ فيقول: لا، والله يا ربِّ ما مرّ بي بؤس قط، ولا رأيتُ شدة (٥) قط".

стр. 123

وفي المسند (١) من حديث البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي (٢) ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، انتهينا إلى القبر، ولَمّا يُلْحَدْ، فجلس النبي (٣) ﷺ ، وجلسنا حوله، كأنّ على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكُتُ به في الأرض، فرفع رأسه، فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثًا. ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان (٤) في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيضُ الوجوه، كأنّ وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحَنوطَ من حنوط الجنة (٥)، حتى يجلسوا منه مد البصر. ثم يجيء (٦) ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. فتخرجُ تسيل كما تسيل القطرة من في السِّقاء (٧)،

стр. 124

فيأخذها. فإذا أخذها لم يدَعوها في يده طَرفةَ عين حتى يأخذوها، فيجعلوها (١) في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحةِ مسكٍ وُجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرّون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيّب (٢)؟ فيقولون: فلان (٣) بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمّونه بها في الدنيا، حتّى ينتهوا به (٤) إلى السماء الدنيا (٥) فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيّعه من كل سماء مقرَّبوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهَى به (٦) إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في علّيين، وأعيدوه إلى الأرض، فإنّي منها خلقتُهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارةً أخرى". قال: "فتعاد روحه، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله (٧). فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإِسلام (٨). فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له (٩): وما علمك؟ فيقول: قرأتُ كتاب الله، فآمنت به (١٠)،

стр. 125

وصدّقت. فينادي منادٍ من السماء أن (١) صدق عبدي، فأفْرِشُوه من الجنة، وألبِسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة" (٢). قال: "فيأتيه من رَوحها وطِيبها، ويُفسَح له في قبره مَدَّ بَصَرِه". قال: "ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيّب الريح، فيقول: أبشِرْ بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنتَ تُوعَد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: ربِّ أقِمِ الساعةَ، ربِّ أقِمِ الساعةَ (٣)، حتّى أرجع إلى أهلي ومالي". قال: "وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سُود الوجوه، معهم المُسوح (٤)، فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي (٥) إلى سَخَط من الله وغضب". قال: "فتَفَرَّقُ في جسده، فينتزعها كما يُنتزَع السَّفُّودُ (٦) من الصوف المبتلّ، فيأخذها (٧). فإذا أخذها (٨) لم يدَعوها في يده طرفة عين حتى

стр. 126

يجعلوها في تلك المسوح. ويخرج منها كأنتن ريحِ جيفةٍ (١) وُجدتْ على وجه الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرّون بها (٢) على ملأ من المَلائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان (٣) بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمَّى (٤) بها في الدنيا (٥)، فيُسْتَفْتَح فلا يُفتَح له". ثم قرأ (٦) رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. "فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض السفلى (٧). فيُطرَح روحه طرحًا". ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. "فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيُجلِسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له (٨): ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي منادٍ من السماء أن كذَبَ عبدي، فأفرِشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. فيأتيه من حرّها وسَمومها، ويُضيَّق عليه قبرُه، حتّى تختلف فيه أضلاعه. ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشِرْ بالذي يسوءك! هذا يومك الذي

стр. 127

كنت تُوعَد. فيقول: ومن أنت (١)؟ فوجهك الوجه يجيء (٢) بالشرّ، فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: ربِّ لا تُقِمَ الساعة". وفي لفظ لأحمد أيضًا (٣): "ثم يقيَّضُ له أعمى أصمّ أبكم، في يده مِرْزبةٌ (٤)، لو ضرب بها جبلا كان ترابًا. فيضربه ضربةً، فيصير ترابًا (٥). ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربةً أخرى، فيصيح صيحةً (٦)

стр. 128

يسمعها كل شيء إلا الثقلَين". قال البراء: "ثم يفتح له بابٌ إلى النار، ويُمهَد له من فُرُش النار" (١). وفي المسند أيضًا (٢) عنه، قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ ، إذ بَصُر بجماعة، فقال: علامَ اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبرٍ يحفرونه. ففزع رسول الله (٣) ﷺ ، فبدر بين يدي أصحابه مسرعًا حتى انتهى إلى القبر، فجثا على ركبتيه، فاستقبلتُه من بين يديه لأنظر ما يصنع. فبكى حتّى بلّ الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا، فقال: "أيْ إخواني، لمثل هذا اليوم فأعِدّوا".

стр. 129

وفي المسند (١) من حديث بريدة، قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ يومًا (٢)، فنادى ثلاث مرات: "يا أيها الناس، تدرون ما مَثلى ومَثلُكم؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: "إنما مثلي ومثلكم مثلُ قومٍ خافوا عدوًّا يأتيهم، فبعثوا رجلًا يتراءى لهم، فأبصر العدو، فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس أُتِيتُم، أيها الناس أُتِيتم؛ ثلاث مرات". وفي صحيح مسلم (٣) من حديث جابر، قال: قال رسول الله ﷺ "كلُّ ما أسكَرَ (٤) حرام، وإنّ على الله عَقْدًا (٥) لمن شرب (٦) المسكر أن يسقيَه من طينة الخبال". قيل: وما طينة الخَبال؟ قال: "عرَق أهل النار، أو عصارة أهل النار".

стр. 130

وفي المسند (١) أيضًا من حديث أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع (٢) ما لا تسمعون. أطّت السماء، وحُقَّ لها أن تئِطَّ! ما فيها موضعُ أربع أصابعَ إلا وعليه ملَكٌ ساجدٌ. لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكَيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفُرُش، ولخرجتم إلى الصُّعُدات (٣) تَجأَرون إلى الله ". قال أبو ذر: والله لوددتُ أنّي شجرة تُعضَد (٤)! وفي المسند (٥) أيضًا من حديث حذيفة، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ

стр. 131

في جنازة، فلما انتهينا إلى القبر قعد على شَأْفته، فجعل يردّد بصرَه فيه، ثم قال: "يُضغَط المؤمن فيه ضغطةً تزول منها حمائلُه، ويُملأ على الكافر نارًا". والحمائل: عروق الأنثيين (١). وفي المسند (٢) أيضًا من حديث جابر، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ حين توفي، فلمّا صلّى عليه رسول الله ﷺ ، ووُضِعَ في قبره، وسُويِّ عليه، سبّح رسول الله ﷺ ، فسبّحنا طويلًا، ثم كبّر، فكبّرنا. فقيل: يا رسول الله، لم سبّحتَ ثمّ كبّرت؟ فقال: "لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبرُه، حتّى فرَّج الله عنه".

стр. 132

وفي صحيح البخاري (١) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وُضِعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحةً قالت: قدّموني، قدّموني؛ وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلَها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كلّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصَعِقَ". وفي مسند الإِمام (٢) أحمد (٣) من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويُزاد في حرّها كذا وكذا. تغلي منها الرؤوس (٤)، كما تغلي القدور. يعرَقون فيها (٥) على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يُلجِمُه العرَق". وفيه (٦) عن ابن عباس (٧)، عن النبي ﷺ قال: "كيف أنعَمُ،

стр. 133

وصاحب القَرْن قد التقم القرْنَ، وحَنى جبهتَه يسمَع متى يؤمر، فينفخ"؟ فقال أصحابه: كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، على الله توكلنا". وفي المسند أيضًا (١) عن ابن عمر يرفعه: "من تعظّم في نفسه، أو اختال في مشيته، لقيَ الله ﵎، وهو عليه غضبان".

стр. 134

وفي الصحيحين (١) عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ المصورين يعذَّبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحْيُوا ما خلقتم". وفيهما أيضًا (٢) عنه عن النبي ﷺ (٣): "إن أحدكم إذا مات عُرِضَ عليه مقعدُه بالغداة والعشي. إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة". وفيهما أيضًا (٤) عنه عن النبي ﷺ : "إذا صار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، جيء بالموت حتى يوقَفَ بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة، خلود فلا موت؛ ويا أهل النار، خلود فلا موت. فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم". وفي المسند (٥) عنه قال: "من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم، فيها درهم

стр. 135

حرام، لم يقبل الله له صلاةً ما دام عليه". ثم أدخل إصبَعيه في أذنيه، ثم قال: صُمَّتا إنْ لم أكن سمعتُ النبيَّ ﷺ يقوله. وفيه (١) عن عبد الله بن عمرو عن النبي (٢) ﷺ : "من ترك الصلاة سكرًا مرة واحدة، فكأنما كانت له الدنيا وما عليها، فَسُلِبَها. ومن ترك الصلاة سكرًا أربع مرات كان حقًا على الله أن يسقيه من طِينة الخَبال". قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: "عصارة أهل جهنم". (١) وفيه أيضًا (٣) عنه (٤) مرفوعًا: "من شرب الخمر (٥) شربة لم يقبل الله

стр. 136

له صلاةً أربعين صباحًا. فإن تاب تاب الله عليه". فإن عاد لم يقبل (١) له صلاةً أربعين صباحًا. فإن تاب تاب الله عليه (٢). فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: "فإن عاد كان حقًا على الله أن يسقيه من رَدْغة الخبال (٣) يوم القيامة". وفي المسند (٤) أيضًا (٥) من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات مدمنًا للخمر سقاه الله من نهر الغوطة". قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: "نهر يجري من فروج المومسات، يؤذي أهلَ النار ريحُ فروجهن".

стр. 137

وفيه عنه (١) أيضًا (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "تُعرَض الناسُ يوم القيامة ثلاثَ عرَضات. فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله (٣) ". وفي المسند أيضًا (٤) من حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ

стр. 138

قال: "إياكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنهنّ يجتمعن علي الرجل حتى يهلكنه". وضرب لهن (١) رسول الله ﷺ مثلًا كمثل قوم نزلوا أرضَ فَلاة، فحضر صنيعُ القوم (٢)، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعُود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأجّجوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها". وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يضرب الجسر على جهنم، فأكون أول من يُجيز، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلِّمْ سَلِّمْ، وحافتَيه كلاليبُ مثل شوك السَّعدان، تخطَف الناسَ بأعمالهم، فمنهم الموبَق (٣) بعمله، ومنهم المخردل (٤) ثم ينجو، حتّى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يُخرِجَ من الناس مَن أراد أن يرحم ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكةَ أن يُخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود. وحرّم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثرَ السجود، فيُخرجونهم، قد امتَحَشُوا (٥)، فيُصَبّ عليهم من ماء (٦)

стр. 139

يقال له ماء الحياة، فينبتون نباتَ الحِبّةِ (١) في حَميل السيل" (٢). وفي صحيح مسلم (٣) عنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنّ أول الناس (٤) يُقضى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجلٌ استُشْهِد، فأُتي به، فعرّفه نعمَه، فعرفها، فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى قُتِلتُ. قال: كذبتَ، ولكن قاتلتَ ليقال: هو جريء، فقد قيل. ثم أمر به، فسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورجلٌ تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتيَ به، فعرّفه نعمَه، فعرَفها. فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلّمته، وقرأت فيك (٥) القرآن. فقال كذبتَ، ولكنك تعلّمت ليقال: هو عالم (٦)، وقرأتَ القرآن ليقال (٧): هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر (٨) به، فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجلٌ وسّع الله عليه رزقَه، وأعطاه من أصناف المال كلّه، فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرَفها، فقال: ما عملتَ فيها؟ فقال (٩): ما تركتُ من

стр. 140

سبيل تحبّ أن يُنفَق فيها إلا أنفقتُ فيها لك. قال: كذبتَ، ولكنك (١) فعلتَ ليقال: هو جواد، فقد قيل (٢). ثم أمر به، فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار". وفي لفظ: "فهؤلاء أول خلق الله تسعّر بهم النار يوم القيامة" (٣). وسمعتُ شيخ الإِسلام (٤) يقول: كما أنّ خير الناس الأنبياء، فشرّ الناس من تشبّه بهم من الكذّابين (٥)، وادّعى أنه منهم، وليس منهم (٦). فخير الناس بعدهم العلماء والشهداء والمتصدقون المخلصون، فشرّ الناس (٧) من تشبّه بهم، يوهم أنه منهم، وليس منهم. وفي صحيح البخاري (٨) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من كانت عنده لأخيه مظلمة في مال أو عِرْض فَلْيأتِه، فَلْيستحِلَّها منه (٩) قبل أن يؤخذ، وليس عنده دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أُخِذَ من حسناته، فأُعطِيَها هذ؛ وإلا أُخِذَ من سيئات هذا، فطُرِحَت عليه، ثم

стр. 141

طُرِح في النار". وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (١): "من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقّه خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرَضين" (٢). وفي الصحيحين (٣) عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ناركم هذه التي يُوقِد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءًا من نار جهنم" قالوا: والله إن كانت لكافية. قال: "فإنها قد فُضّلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلّهن مثل حرها". وفي المسند (٤) عن معاذ قال: أوصاني رسول الله ﷺ ، فقال: "لا تشرك بالله شيئًا، وإن قُتِلتَ وحُرِّقتَ. ولا تَعُقَّنَّ والدَيك، وإن أمراك أن تخرُج من أهلك ومالك. ولا تتركَنَّ صلاةً مكتوبةً متعمّدًا، فإنّ من ترك

стр. 142

صلاة مكتوبة متعمّدًا فقد برئت منه ذمةُ الله. ولا تشرَبنّ (١) خمرًا، فإنه رأس كل فاحشة. وإيّاك والمعصية، فإنّ المعصية تُحِلُّ سخَطَ الله". والأحاديث في هذا الباب أضعافُ أضعافِ ما ذكرنا، فلا ينبغي لمن نصح نفسه أن يتعامى عنها، ويرسل نفسه في المعاصي، ويتعلّق بحبل الرَّجاء وحسن الظن. قال أبو الوفاء بن عقيل: احذَرْه ولا تغترَّ (٢)، فإنّه قطع اليد في ثلاثة دراهم (٣)، وجلد الحدّ في مثل رأس الإبرة من الخمر (٤)، وقد دخلت امرأة النارَ في هرّة (٥)، واشتعلت (٦) الشملة نارًا على من غلّها وقد

стр. 143

قتِل شهيدًا (١). وقال الإِمام أحمد (٢): حدثنا أبو معاوية (٣)، حدثنا الأعمش، عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب يرفعه قال: "دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب". قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال مرّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرِّب له شيئًا. فقالوا لأحدهما: قَرِّب، فقال (٤): ليس عندي شيء. قالوا له (٥): قرِّبْ ولو ذبابًا. فقرَّب ذبابًا، فخلَّوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قَرِّب، فقال: ما كنتُ لأقرّب لأحد شيئًا دون الله ، فضربوا عنقه، فدخل الجنة". وهذه الكلمة الواحدة يتكلَّم بها العبد يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب (٦).

стр. 144

وربما اتّكل بعض المغترّين على ما يرى من نعَم الله عليه في الدنيا، وأنه لا يغيَّر به (١)، ويظنّ أنّ ذلك (٢) من محبة الله له، وأنّه يعطيه في الآخرة أفضل من ذلك، وهذا من الغرور. قال الإِمام أحمد (٣): حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رِشدين بن سعد (٤)، عن حرملة بن عمران (٥) التجيبي، عن عُقْبة بن مسلم، عن عُقْبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتَ الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحِبّ، فإنما هو استدراج". ثم تلا قوله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].

стр. 145

وقال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع نعمَه عليك (١)، وأنت مقيم على معاصيه، فاحذره؛ فإنما هو استدراج (٢) يستدرجك به (٣). وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. وقد ردّ سبحانه على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧] أي: ليس كلُّ من نعّمتُه ووسّعتُ عليه رزقَه أكون قد أكرمتُه، ولا كلُّ من ابتليتُه وضيّقت عليه رزقه أكون قد أهنتُه. بل أبتلي هذا بالنعمة، وأكرم هذا بالابتلاء. وفي جامع الترمذي (٤) عنه ﷺ : "إنّ الله يعطي الدنيا مَن يُحِبّ ومن
следующие страницы →