← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 98119

أدلة تحريم حلق اللحية

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (134 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أدلة تحريم حلق اللحية بحث أعده محمد بن أحمد بن إسماعيل عفا الله عنه

стр. 2

الطبعة الرابعة ١٤٠٥ - ١٩٨٥ م نشر وتوزيع مكتبة دار الأرقم للكويت- ص. ب ٤٣٢٣١ حولى هاتف ٥٦١٩١٣ حقوق الطبع محفوظة

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله هادي الورى طرق الهدى، وزاجرهم عن أسباب التهلكة والردى، وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى من ملك ونبي مرتضى، وعبد صالح اتبع ما شرعه فاهتدى، وإياه نسأل بمنه وفضله أن ينفعنا بالعلم، وأن يجعلنا من طلابه الصادقين، وأن يوفقنا للعمل بما علمنا وتعلم ما جهلنا، واليه نرغب في أن يعيذنا من إتباع الهوى، وركوب ما لا يرتضى، وأن يعصمنا في الأقوال والأفعال من تزيين الشيطان لنا سوء الأفعال. وأن يرشدنا لقبول نصح الناصح، وسلوك الطريق الواضح، فما أسعد من ذكر فتذكر، وبصر بعيونه فتبصر. وصلى الله على من بعثه بالدين القويم والصراط المستقيم، فأكمل به الدين وأوضح به الحق المستبن، محمد بن عبد الله أبي القاسم المصطفى الأمين، صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. ورضي الله عن الأئمة التابعين والعلماء من بعدهم العاملين، الذين بلغوا إلينا سنته، وشرحوا لنا هديه وطريقته. اعلموا رحمكم الله، أن الواجب على الناصح فيما يرد عليه من الوقائع، وما يسأل عنه من الشرائع الرجوع إلى ما دل عليه كتاب الله المنزل، وما صح عن نبيه المرسل وما كان عليه الصحابة ومن بعدهم من الصدر الأول، الذين عليهم دون في سواهم ممن خالفهم المعول، فما وافق ذلك أذن فيه وأمر، وما خالفه نهى عنه وزجر، فيكون قد آمن بذلك واتبع، ولا يستحسن فإن من استحسن شرع.

стр. 4

قال أحمد بن يحيى حدثني عبيد بن ميمون، قال حدثني عبد الله بن الجعفري، قال: كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة، (قال): فتذاكروا يوماً السنن، فقال رجل كان في المجلس: "ليس العمل على هذا"، فقال عبد الله: "أرأيت ان كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام فهم الحجة على السنة"؟! فقال ربيعة: "أشهد أن هذا لكلام أبناء الأنبياء". (وبعد). فهذا بحث جامع في "مسائل اللحية" أقدمه ممتثلا قول رب العالمين ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، بعد أن مست الحاجة اليه، وقد كادت السنن تطفىء نورها المحدثات والبدع، وتكاثرت المخالفات الشرعية وعم ضررها واستطار شررها ودام الانكباب على العمل بها مع السكوت على الإنكار لها حتى صارت كأنها سنن مقررات، وشرائع من صاحب الشرع محررات، يفنى عليها الكبير، ويكبر عليها الصغير. والسعيد الموفق من أحيا السنة، ودعا إلى الله واستوى عنده مادحه في الحق وذامه، وخالف ما اعتاد الناس وإن أدعوا أنهم على الجادة، غير مبال بما يرمونه به من التنطع في العمل والتشدد في الدين، فذلك قليل من كثير كان يقاسيه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، المتمسكون بدين الله من التشنيع والتقبيح وضروب الأذى والتعنيف. وقد روى عن خير التابعين أويس القرني ﵀ أنه قال: "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقاً، نأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا، ويجدون على ذلك أعوانا من الفاسقين، حتى- والله- لقد رموني بالعظائم، وأيم الله لا أع أن أقوم فيهم بحقه". واليوم ونحن نقدم هذه الرسالة نصيحة للمسلمين، نؤكد أن قضية اللحية حكم فرعي، لكنه يندرج تحت أصل كلي غفل عنه الكثيرون، ألا وهو طاعة رسول الله ﷺ طاعة مطلقة بامتثال كل ما به أمر، والانتهاء عن كل ما عنه زجر.

стр. 5

ومما يؤكد بإلحاح ضرورة نشر مثل هذا المبحث -وإن كان هناك قضايا عامة هي أخطر منه في واقع المسلمين اليوم- ما يقع من بعض المثبطين من استخفاف واستهزاء بهذه الشعيرة الإسلامية، ووصفها بما لا يليق أن يوصف به أمر تكلم فيه رسول الله ﷺ بل أمر به وأوجبه • وما يقع من بعض المتفرنجين من استحسان هدى المشركين فى حلق اللحى واستقباح سنة من هديه خير الهدى ﷺ • وما يقع من شبهات عقلية سقيمة أو علمية واهية يتذرع بها من ينتسبون إلى العلم الشريف، ويذيعونها في الناس ليبرروا واقعهم المخالف لشرع الله ﵎، وهؤلاء ينظر لهم العوام على أنهم القدوة، فيقلدونهم ويحتجون بسلوكهم. • وما يقع من ضغوط يمارسها بعض الآباء على أبنائهم الذين يحرصون على طاعة رسول الله ﷺ وامتثال أمره، بدلًا من أن يعينوهم على التقوى والنجاة. • وما يقع من اضطهاد لمن يحي هذه السنة الواجبة في كثير من الهيئات خاصة القوات المسلحة، حيث يقدس المسئولون فيها أوامر كبرائهم بحلق لحى المجندين، ويحاكمون من يخالفها، ويعاقبونه بالسجن والاضطهاد والأذى في حين لا تصغى منهم أذن لأمر سيد ولد آدم ﷺ بإعفاء اللحى، غير مبالين بما ورد في اضطهاد المسلم لأجل تدينه من التهديد الأكيد، والوعيد الشديد في الدنيا والآخرة. وإن تعجب فعجب قولهم: "أنت حر ما لم تضر" وأعجب منه أنهم ينقضون هذا المبدأ ويتدخلون في حرية الغير، وإن كانت لا تضرهم .. وهذه "الأكذوبة" المسماة "بالحرية الشخصية" لماذا تمنح للفتاة المتهتكة المتبرجة التي هي في الحقيقة جرثومة ضارة بكل مجتمع تمر به، وتمنح للشباب الضائع الذي يتشبه تارة بالنساء وتارة بالكفار، ليس في مظهره فحسب لكن في فكره وأخلاقه وجوهره.

стр. 6

كل هؤلاء تحترم وتقدس حريتهم الشخصية، إلا طائفة واحدة تحرم من هذا الحق ويضطهدون إذا مارسوه. وهم أهل الحق أهل الكتاب والسنة أتباع سيد المرسلين ﷺ ، وإذا كان هؤلاء يدعون إلى الاهتمام بالجوهر وعدم التركيز على المظهر، فلماذا يشغلون أنفسهم بمظهر هؤلاء المتمسكين بدينهم ويعرضون عن جوهرهم؟ ويستغلون سلطتهم ويكملون نقصهم ويفرغون انهزامهم الداخلي عن طريق الأوامر واللوائح التي ما أنزل الله بها من سلطان بدل أن يتوبوا إلى ربهم ويقلعوا عن غيهم: اتقوا الله يا غواة قليلا .... واخلعوا العار عنكم والشنارا ورحم الله عبداً بلغه الحق فانصاع، ولم يعده إلى التكذيب والابتداع، قال : ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقد سبق أن طبعت هذه الرسالة مرات أربعاً كانت الأولى منها في ذي الحجة ١٣٩٦هـ، وقد أعيد النظر فيها، فزيدت، وهذبت، وصححت، ورتبت، ثم ألحق بها -تتميمًا لفائدتها- بحث في دحض بدعة تقسم الدين إلى قشر ولباب التي يتخذها الجهال ذريعة إلى إهدار الظاهر، احتجاجًا بصلاح الباطن، وكذبوا لو صلحت قلوبهم لصلحت ظواهرهم، والله الموفق. هذا وقد سألت جامع الناس ليوم لا ريب فيه، أن يجمع أهواءنا المتفرقة في أودية الدنيا على ما يزلف لديه ويرضيه، ويخلص أعمالنا لوجهه، وما لم يكن منها له فيصرفه لذلك بلطفه وتلافيه، وأن يختم لي ولسائر إخواني المسلمين بالخاتمة الحسنى قبل انخرام الأجل وفراق الدنيا، وأن يستعملنا بما علمنا ما دام العمل يمكننا، وصلى الله على رسوله وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 7

تعريفات أصولية (١) ١ - الحكم الشرعي: هو خطاب الشارع المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. والمراد من "خطاب الشارع" الوصف الذي يعطيه الشارع لما يتعلق بأفعال المكلفين، كأن يقال: إنه حرام أو مكروه أو مطلوب أو مباح أو صحيح أو باطل، أو هو شرط أو سبب أو مانع ... الخ. ومعنى كلمة "اقتضاء" أي طلب سواء كان الطلب فعل أو طلب منع، فالحرام فيه طلب منع لازم، والوجوب فيه طلب فعل لازم. "والتخيير" هو أن الشارع أجاز للمكلف أن يفعل أو لا يفعل مثل الأكل أو النوم في وقت معين، ونحو ذلك من الأفعال المعتادة التي لا يتعين عليه واحد منها، وإن كانت جملتها مطلوبة. "والوضع" هو ربط الشارع بين أمرين مما يتعلق بالمكلفين مثل الربط بين الوراثة ووفاة شخص فتكون وفاته سببًا لوراثة آخر، أو يربط بين أمرين بحيث يكون أحدهما شرطا شرعيًا لتحقق الآخر وترتيب آثاره كالوضوء للصلاة وكاشتراط الشهود للنكاح، وأقسام خطاب الوضع أربعة: العلل، والأسباب، والشروط، والموانع. ويسمى الحكم الشرعي إذا كان فيه اقتضاء أو تخيير حكمًا تكليفيًا، وإذا كان فيه ربط بين أمرين حكمًا وضعيًا. ٢ - الواجب: مرادف للفرض عند الجمهور، وهو ما طلب على وجه اللزوم فعله بحيث يأثم تاركه، وقال الآمدي: الوجوب الشرعي عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببًا للذم شرعًا. ٣ - المندوب: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير لازم، أو ما يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه، أو هو ما يمدح فاعله، ولا يذم الشارع تاركه، أو

стр. 8

هو الراجح فعله مع جواز تركه، وقد يسمى النافلة والسنة (١)، والتطوع والمستحب والإحسان. ٤ - الحرام: وهو ضد الواجب، وهو ما في تركه الثواب وفي فعله العقاب، أو هو ما طلب الشارع الكف عن فعله على وجه الحتم واللزوم. ٥ - المكروه: هو ما تركه خير من فعله، أو هو ما طلب الشارع الكف عنه طلبًا غير ملزم، وقد يطلق "المكروه" على المحظور، وعلى ما نهي عنه نهي تنزيه، فلا يتعلق بفعله عقاب، وعند الجمهور: لا يذم فاعله ويمدح تاركه.

стр. 9

المبحث الأول أدلة تحريم حلق اللحية فصل الأمر حقيقة في الوجوب (١) ذهب الجمهور إلى أن صيغة الأمر حقيقة في الوجوب لغة وشرعًا ومن حيث العقل والنقل، فإذا ورد الأمر متجردًا عن القرائن اقتضى الوجوب. أما العقل: فما علم أهل اللغة قبل ورود الشرع أنهم أطبقوا على ذم عبد لم يمتثل أمر سيده، وأنهم يصفونه بالعصيان ولا يذم ولا يوصف بالعصيان إلا من كان تاركًا لواجب عليه. وأما النقل: فقت تكرر استدلال السلف بصيغة الأمر مع تجردها عن القرائن على الوجوب، وشاع ذلك وذاع بلا نكير، فأوجب العلم العادي باتفاقهم عليه، وبالتتبع يعلم أن فهم الوجوب لا يحتاج إلى قرينة لتبادره إلى الذهن، بخلاف فهم الندب فإنه يحتاج اليه، واستدلوا بالأدلة الآتية: ا- قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾؟ (٢). وليس المراد منه الاستفهام بالاتفاق، بل الذم، وأنه لا عذر له في الإخلال بالسجود بعد ورود الأمر به له في ضمن قوله تعالى للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (٣). دل ذلك على أن معنى الأمر المجرد عن القرائن الوجوب، ولو لم يكن دالًا

стр. 10

على الوجوب لما ذمه الله على الترك، ولكان لإبليس أن يقول: "إنك ما ألزمتني بالسجود". ٢ - واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (١). فذمهم على ترك فعل ما قيل لهم افعلوه، ولو كان الأمر يفيد الندب لما حسن هذا الكلام، كما لو أنه قال لهم: الأولى أن تفعلوا، ويجوز لكم تركه، فإنه ليس له أن يذمهم على تركه. ٣ - واستدلوا أيضًا بقوله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي يعرضون عنه بترك مقتضاه ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). لأنه رتب على ترك مقتضى أمره إصابة الفتنة في الدنيا أو العذاب الأليم في الآخرة، فأفادت الآية بما تقتضيه إضافة الجنس في قوله "أمره" من العموم أن لفظ الأمر يفيد الوجوب شرعًا مع تجريده عن القرائن، اذ لولا ذلك لقبح التحذير. ٤ - واستدلوا أيضًا بقوله ﵎ على لسان موسى ﵇: مخاطبًا أخاه هارون ﵇ ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٣). أي تركت مقتضاه، فدل على أن تارك المأمور به عاص، وكل عاص متوعد، وهو دليل الوجوب لهذه الآية. ولقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٤)، والأمر الذي أمره به موسى ﵇ هو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ (٥). وهو أمر مجرد عن القرائن.

стр. 11

٥ - واستدلوا أيضًا بقوله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١). والقضاء هنا بمعنى الحكم، و (أمرًا) مصدر من غير لفظه أو حال أو تمييز ولا يصح أن يكون المراد بالقضاء ما هو المراد في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٢). لأن عطف الرسول عليه يمنع ذلك، فتعين أن المراد الحكم، والمراد من الأمر القول لا الفعل. ٦ - واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣). والمراد منه الأمر حقيقة، وليس بمجاز عن سرعة الإيجاد كما قيل، وعلى هذا يكون الوجود مرادًا بهذا الأمر، أي أراد الله كلما وجد الأمر يوجد المأمور به، فكذا في كل أمر من الله تعالى ومن رسوله ﷺ . ٧ - واستدلوا أيضًا بما صح عنه ﷺ من قوله: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٤). وكلمة لولا تفيد انتفاء الشئ لوجود غيره، فهنا تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة، فهذا يدل على أنه لم يوجد الأمر بالسواك عند كل صلاة، والإجماع قائم على أنه مندوب، فلو كان المندوب مأمورا به لكان الأمر قائما عند كل صلاة، فلما لم يوجد الأمر علمنا أن المندوب غير مأمور به. ٨ - واستدلوا أيضا بما وقع في قصة بريرة لما رغبها رسول الله ﷺ في الرجوع إلى زوجها فقالت: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «إِنَّمَا

стр. 12

أَشْفَعُ»، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ (١) فنفى ﷺ الأمر منه مع ثبوت الشفاعة الدالة على الندب، وذلك يدل على أن المندوب غير مأمور به، وإذا كان كذلك وجب أن يتناول الأمر الندب. ٩ - واستدلوا أيضًا بأن الصحابة ﵃ كانوا يستدلون بالأوامر على الوجوب، ولم يظهر مخالف منهم ولا من غيرهم فكان إجماعًا. فصل أمر الرسول ﷺ بإعفاء اللحى وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عدة من الصحابة رضوان الله عليهم منهم أبو هريرة ﵁ وابن عمر ﵄ أمر رسول الله ﷺ بإعفاء اللحى. وقد روى مسلم عن ابن عمر ﵄ قوله "أمرنا بإعفاء اللحية". وورد هذا الأمر بألفاظ مختلفة عدها النووي ﵀ فبلغت خمسة، وهي قوله ﷺ : (اعفوا)، (أوفوا)، (أرخوا)، (ارجوا)، (وفروا) والأمر بهذا يفيد وجوب المأمورية بحيث يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وليست هناك قرينة تصرفه إلى الندب، ومنه يعلم أن حلق اللحية مخالفة صريحة لأمر رسول الله ﷺ . واعلم أن شبهة القائلين بكراهة حلق اللحية اعتقادهم أن الأمر لغير الوجوب وقد علمت ما فيه (٢).

стр. 13

(فائدة) ويمكن الاستدلال على الوجوب أيضًا بالنهي الوارد بصيغة الأمر، فإن النهى هو طلب الكف عن الفعل، وقد ورد النهي بصيغة الأمر، فقوله ﷺ : "اعفوا" معناه: اتركوها وافية لا تقصوها كما قال الإمام النووي ﵀ (١) في تفسير "اعفوا"، ونقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد قوله: "حقيقة الإعفاء الترك" (٢). فالإعفاء طلب للترك فهو نهى، والنهي يلزم اجتنابه قال تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). وقال ﷺ : "مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ" (٤). وقد ذهب الجمهور من أهل الأصول ومن الحنفية والشافعية والمحدثين إلى أن الشيء المعين إذا أمر به كان ذلك الأمر نهيًا عن الشيء المعين المضاد له (٥) سواء كان الضد واحدًا -كما إذا أمره بالإيمان فإنه يكون نهيًا عن الكفر، وإذا أمره بالحركة فإنه يكون نهيًا عن السكون- أو كان الضد متعددا كما إذا أمره بالقيام فإنه يكون نهيا عن القعود والاضطجاع والسجود وغير ذلك، فالكف عن الضد لازم للأمر لزوما لا ينفك، إذ لا يصلح الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده، فالأمر مستلزم ضرورة النهي عن ضده لاستحالة اجتماع الضدين. والحاصل أن الأمر بإعفاء اللحية يفهم منه النهي عن حلقها واستئصالها أو تقصيرها بحيث تكون قريبة إلى الحلق، والعلم عند الله تعالى. وإذا كان النهي عن إزالة اللحية مأخوذا هنا بطريق الالتزام، إلا أنه ورد ما يشعر بالنهي الصريح في حديث أبي ريحانة ﵁ قال: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَشْرَةٍ: عَنِ الْوَشْرِ، وَالْوَشْمِ، وَالنَّتْفِ" الحديث (٦).

стр. 14

قال القارئ في مرقاة المفاتيح (١): ("والنتف" أي وعن نتف النساء لشعورهن من وجوههن أو نتف اللحية أو الحاجب بأن ينتف البياض منهما أو نتف الشعر عند المصيبة) اهـ. وإذا صح القول بأن حلق اللحية مثله -كما يفهم من قول الإمام مالك وغيره- فإن النهى الصريح عن الحلق يستفاد من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري ﵁ قال: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ" (٢). وفي حديث سمرة بن جندب وعمران بن حصين قالا: "مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً، إِلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، وَنَهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ" (٣). وروى ابن عساكر عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه قال: "إن حلق اللحية مثله، وأن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة" اهـ.

стр. 15

فصل تحريم تشبه المسلمين بالكفار (١) تقرر في الشرع أنه لا يجوز للمسلمين رجالًا ونساء التشبه بالكفار سواء في عبادتهم أو أعيادهم أو أزيائهم الخاصة بهم، وهذه قاعدة عظيمة في الشريعة الإسلامية خرج عنها اليوم -مع الأسف- كثير من المسلمن جهلا بدينهم، أو تبعا لأهوائهم، أو انحرافا مع عادات العصر الحاضر وتقاليد أوروبا الكافرة، حتى كان ذلك من أسباب ذل المسلمين وضعفهم وسيطرة الأجانب عليهم واستعمارهم: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (٢). ومما ينبغي أن يعلم أن أدلة هذه القاعدة المهمة كثيرة في الكتاب والسنة، ومن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣). ومنها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤). يخبر تعالى أنه جعل رسوله ﷺ على شريعة من الأمر شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في "الذين لا يعلمون" كل من خالف شريعته، و"أهواؤهم" ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع

стр. 16

ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه: اتباع لما يهوونه، ولذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين لهم في بعض أمورهم، ويسرون بذلك، ويودون أن لو بذلوا مالا عظيما ليحصل ذلك. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١). قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى (٢): (فقوله "ولا يكونوا" نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضا في النهى عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي) اهـ. قال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية (٣): "ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية، اهـ. وفي الباب آيات أخر كثيرة وفيما ذكرنا كفاية. فتبين من هذه الآيات أن ترك هدي الكفار والتشبه بهم في أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التي أسسها، وجاء بها القرآن الكريم، وقد قام ﷺ ببيان ذلك وتفصيله للأمة، وحققه في أمور كثيرة من فروع الشريعة. قال ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ عَمِلَ بِسُنَّةِ غَيْرِنَا" (٤). حتى عرف ذلك اليهود الذين كانوا في مدينة النبي ﷺ وشعروا أنه ﷺ يتحرى أن يخالفهم في كل شئونهم الخاصة بهم فقالوا: "مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا

стр. 17

فِيهِ؟ " (١). وهذا لا ينحصر في باب واحد من أبواب الشريعة المطهرة كالصلاة مثلًا، بل قد تعداها إلى غيرها من العبادات والآداب والعادات، وهذا بعضها مسوق بين يديك لتكون على بصيرة وتقف على أهمية هذا الأمر: (أ) (من الصلاة): عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: اهْتَمَّ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّلَاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا، فَقِيلَ لَهُ: انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ الْقُنْعُ - يَعْنِي الشَّبُّورَ وَقَالَ زِيَادٌ: شَبُّورُ الْيَهُودِ (٢) - فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: «هُوَ مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ» قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ النَّاقُوسُ، فَقَالَ: «هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى» فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَهُوَ مُهْتَمٌّ لِهَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأُرِيَ الْأَذَانَ فِي مَنَامِهِ" (٣) الحديث. ومن هذا الباب ما ثبت عن عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَالصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ؛ فَإِنِّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمَ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ" (٤). ومن ذلك ما رواه جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " ... ألا

стр. 18

وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ، عَنْ ذَلِكَ" (١). ومن ذلك ما رواه يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ، وَلَا خِفَافِهِمْ" (٢). ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله عنه ﷺ أنه قال: "إِنْ كِدْتُمْ لَتَفْعَلُوا فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا" (٣). الحديث، وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى رجلا وهو جالس معتمد على يده اليسرى في الصلاة فقال: "إِنَّهَا صَلَاةُ الْيَهُودِ" (٤). وفي رواية: "لَا تَجْلِسْ هَكَذَا، إِنَّمَا هَذِهِ جِلْسَةُ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ" (٥). (ب) (ومن الجنائز): ما رواه جرير بن عبد الله ﵁ قال رسول الله ﷺ : "اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِأَهْلِ الْكِتَابِ" (٦). (ج) (ومن الصوم): ما رواه عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ» (٧). وما رواه أبو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَا

стр. 19

يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ" (١). وعَنْ لَيْلَى، امْرَأَةِ بَشِيرٍ قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أَصُومَ يَوْمَيْنِ مُوَاصِلَةً، فَمَنَعَنِي بَشِيرٌ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ وَقَالَ: " يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصَارَى، وَقَالَ عَفَّانُ: يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصَارَى، وَلَكِنْ صُومُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ، وَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَأَفْطِرُوا" (٢). وعن بْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ صُمْنَا يَوْمَ التَّاسِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " (٣). وعن أُمَّ سَلَمَةَ، تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَيَقُولُ: «إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» (٤). (د) (ومن الأطعمة): ما رواه عدى بن حاتم قال: "قلت: يا رسول الله، إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ طَعَامٍ لَا أَدَعُهُ إِلَّا تَحَرُّجًا، قَالَ: «لَا تَدَعْ شَيْئًا ضَارَعْتَ فِيهِ نَصْرَانِيَّةً» (٥) والمعنى: لا تتحرج فإنك إن فعلت ذلك، شابهت فيه النصرانية، فإنه من دأب النصارى وترهبهم. (هـ) (ومن اللباس والزينة):

стр. 20

ما رواه عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، إِنَّ هَذِهِ ثِيَابُ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا» (١). وفي كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى عتبة بن فرقد ﵁: " ... وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَلَبُوسَ الْحَرِيرَ ... " (٢). وعن علي ﵁ رفعه: «إِيَّاكُمْ وَلِباسَ الرُّهْبَانِ، فَإِنَّهُ مَنْ تَرَهَّبَ أَوْ تَشَبَّهَ فَلَيْسَ مِنِّي» (٣). وعن أبي أمامة ﵁ قال: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنَ الْأَنْصَارٍ بِيضٌ لِحَاهُمْ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ». قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلْا يَأْتَزِرُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَرْوَلُوا وَائْتَزِرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ». قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَخَفَّفُونَ وَلَا يَنْتَعِلُونَ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَتَخَفَّفُوا وَانْتَعِلُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ». قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ (٤) وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ (٥). قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» (٦). وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى» (٧).

стр. 21

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (١). وعنه ﷺ : «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» (٢). وعنه قال رسول الله ﷺ : «غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى» (٣). (و) (ومن الآداب والعادات): عن جابر بن عبد الله مرفوعا: «لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ بِالْأَكُفِّ وَالرُّؤوسِ وَالْإِشَارَةِ» (٤). وعن الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي، فَقَالَ: «أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ؟» (٥). وأخيرا فقد ثبت عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٦). وعن الحسن قال: "قلما تشبه رجل بقوم إلا لحق بهم". يعني في الدنيا والآخرة، فثبت من كل ما تقدم أن مخالفة الكفار وترك التشبه بهم من مقاصد

стр. 22

الشريعة الإسلامية العليا التي بني على أساسها هذا الدين، فالواجب على كل المسلمين رجالا ونساء أن يراعوا ذلك في كافة شئونهم، والله وحده المستعان. شبهه: زعم بعض الناس أن مخالفة الكفار مستحبة لا واجبة، وأن الصحيح هو كراهة التشبه بالكفار لا تحريمه، واستدل على دعواه بورود نصوص تبنى أحكاما شرعية معللة بمخالفة الكفار وهذه المخالفة مستحبة لا واجبة، فمسلك الجمع بينها وبين النصوص الدالة على الوجوب إنما هو القول بكراهة التشبه فقط، لأن هذا الجمع يقدم على النسخ والترجيح، وجواب ذلك من وجوه. الأول: أن المقرر عند جمهور الأصوليين والفقهاء أنه إذا وردت نصوص تدل على تحريم شيء وردت نصوص أخرى تدل على جوازه، وجب العمل بالنصوص الدالة على التحريم لأنها ناقلة عن البراءة والإباحة التي كان الناس عليها أول الأمر، قبل ورود الخطر. الثاني: قوله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" صريح الدلالة على تحريم التشبه بالكفار، وكذا قوله ﷺ : "أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلاَثَةٌ" وذكر منهم "وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ" (١). وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "رأى رسول الله ﷺ على ثوبين معصفرين، فقال: "إن هذا من لباس الكفار فلا تلبسهما"، قلت: أغسلهما؟ قال: لا، بل أحرقهما"، والإحراق فيه إتلاف مال متقوم، وهذا ينافي القول باستحباب المخالفة. الثالث: أن الجمع لا يصار اليه عندما تكون النصوص محتملة غير صريحة، وفيما عدا ذلك يصار إلى النسخ أو الترجيح. الرابع: أن ما تقتضي الأدلة رجحانه هو تحريم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم، وقد يرد في بعض المسائل ما يصرف هذا الحكم إلى الكراهة فلا يلغي ذلك الأصل بل يخصص في هذه المسائل بعينها، والعلم عند الله تعالى.

стр. 23

تنبيهات الأول: مخالفة الكفار إنما تجب فيما ابتدعوه، وكان خاصا بهم لا فيما يشترك فيه الناس كلهم مما هو من لوازم الحياة، كأكل الخبز والنوم والاستضاءة بالكهرباء، إلخ ... الثاني: المذموم من التشبه بالكفار هو ما يخالف الكتاب والسنة، أو ما يكون سببا في اندثار الدين ودروس شرائعه وفساد أهله، أما ما لم يكن كذلك كالأنظمة الإدارية والمشاريع التي تعود بالخير على المسلمين والمنجزات العلمية التي تقوي شوكة المسلمين أو تيسر المعايش فليس بمذموم، بل قد يستحب أو يجب حسب المقاصد التي تؤدي إليها هذه الوسائل فإن الذرائع لها أحكام الغايات وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١)، وقد ورد (٢) أن النبي ﷺ "تحصن من الأحزاب في الخندق حينما أخبره سلمان الفارسي ﵁ أن الفرس يتحصنون به، وورد (٣) أنه أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود ليكون ترجمانا له ﷺ ، وقد هم ﷺ بأن يمنع وطء النساء المراضع خوفا على أولادهن، لأن العرب كانوا يظنون أن الغيلة (وهي وطء المرضع) تضعف ولدها وتضره، فأخبرته ﷺ فارس والروم بأنهم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم، فأخذ ﷺ منهم تلك الخطة الطيبة، ولم يمنعه من ذلك أن أصلها من الكفار، وقد انتفع ﷺ بدلالة ابن الأريقط الدؤلي له في سفر الهجرة على الطريق مع أنه كافر، وعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ، وَالنَّجَاشِيِّ، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا بِخَاتَمٍ، «فَصَاغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَاتَمًا حَلْقَتُهُ فِضَّةً، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» (٤).

стр. 24

والمقصود أن الانتفاع بالمخترعات الحديثة التي لا تنافي مقاصد الشريعة (١)، لا دخل له في التشبه المذموم والله أعلم. الثالث: قال أمير البيان شكيب أرسلان (٢) ﵀: "إن الواجب على المسلمين لينهضوا ويتقدموا ويترقوا كما ترقى غيرهم من الأمم هو الجهاد بالمال والنفس الذي أمر به الله في القرآن مرارا عديدة، وهو ما يسمونه اليوم بالتضحية، وإن الجهاد بالنفس والمال هو العلم الأعلى، فإذا تعلمت الأمة هذا العلم وعملت به دانت سائر العلوم ودنت منها جميع القطوف" اهـ. وصدق- ﵀ فإن مصدر قوة المسلمين ورقيهم هو ليس مدى تشبههم بالفرنج كما يزعم المبددون، ولكن هو مدى تمسكهم بالإسلام الذي ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، و"ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا" كما قال الصادق المصدوق ﷺ . ولن تقيم يد الباني وإن جهدت ... دنيا الشعوب وركن الدين مهدود وقال شكيب أرسلان أيضا: "أضاع الإسلام جاحد وجامد" أما الجاحد فهو الذي يأبي إلا أن يفرنج المسلمين، ويخرجهم عن ذاتيتهم ومقوماتهم، ويحملهم على التنكر لماضيهم، وأما الجامد فهو الذي يضع السدود المنيعة في وجه الرقي الحضاري الذي يقوي شوكة المسلمن، ولا يمس عقيدتهم، ولا شريعتهم، والله وحده المستعان. دعاة التفرنج دعاة على أبواب جهنم لا شك أن واقع المسلمن اليوم، قد صار كثير منهم بل أكثرهم أوروبيين في مظهرهم وعاداتهم بل وأفكارهم - مما تتقطع القلوب منه حسرة، ولكن مما يزيد هذه الحسرة أن هذا الذوبان ما طرأ عليهم إلا خلال حقبة يسيرة من

стр. 25

الزمان وتم - ويا أسفاه - على يد أعداء الإسلام من الصليبيين الحاقدين الموتورين والزنادقة الملحدين، وما رأينا عالما ولا داعية إسلاميا مخلصا قط قد قرأ هذه البلية الخطيرة، وفيما يلي نسوق عبارات لأبرز هؤلاء المفكرين الذين بذروا بذرة التفرنج ونبذ الإسلام ظهريا. فأولهم عميل الفكر الغربي الذي قال يوما: (لو وقف الدين الإسلامي حاجزا بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه) فقد طالب صراحة في بعض كتبه ب (أن نسير سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد وما يعاب) (١) اهـ. فلا جرم أن قال أحد أساتذته "ماسينيون": (لو قرأنا كلام طه حسين لقلنا: هذه بضاعتنا ردت إلينا) اهـ. وهذا صليبي حقود يذكر في التاريخ على أنه أحد المجددين وهو أبو المبددين يقول في كتابه (اليوم والغد) وهو من الكتب التي غذت فكرة التفرنج وسنت أسوأ السنن للمسلمين المخدوعين: (يجب علينا أن نخرج من آسيا ونلتحق بأوروبا، فإني كلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها، وهذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سرا وجهرا، فأنا كافر بالشرق، مؤمن بالغرب) اهـ. ويقول أيضا: (أريد من التعليم أن يكون أوروبيا لا سلطان للدين عليه، ولا دخول له فيه) ويريد أيضا: (أن تكون الحكومة ديمقراطية برلمانية كما هي في أوروبا، وأن يعاقب كل من يحاول أن يجعلها مثل حكومة هارون الرشيد أو المأمون أوتوقراطية دينية).

стр. 26

ويعدد مناقب الخديوي إسماعيل فيذكر منها أنه (جعلنا نلبس الملابس الأوروبية)، ويريد أن يبطل شريعة الإسلام في تعدد الزوجات وفي الطلاق (بحيث يعاقب بالسجن كل من يتزوج أكثر من واحدة ويمنع الطلاق إلا بحكم محكمة) وهو يريد أن يقتلع من أدبنا كل طابع شرقي مما يسميه (آثار العبودية والذل والتوكل على الآلهة) ثم يمتدح نابليون ويشيد "ببركاته" التي عمت مصر من بعده، ويقول: (آن الأوان لكي نعتاد عادات الأوروبيين، ونلبس لباسهم، ونأكل طعامهم، ونصطنع أساليبهم، في الحكومة والعائلة والاجتماع والزراعة والصناعة) ويقول: (نحن في حاجة إلى ثقافة حرة أبعد ما تكون عن الأديان) وهو يرى أن (اصطناع القبعة أكبر ما يقرب بيننا وبين الأجانب ويجعلنا أمة واحدة، فهو يعد القبعة "رمز الحضارة" يلبسها كل رجل متحضر) (١). ثم تبلغ جرأته أقصاها حين يسخر من الإسلام وأهله قائلا: (وها نحن أولاء نجد أنفسنا الآن مترددين بين الشرق والغرب، لنا حكومة منظمة على الأساليب الأوروبية، ولكن في وسط الحكومة أجساما شرقية مثل وزارة الأوقاف والمحاكم الشرعية تؤخر تقدم البلاد، ولنا جامعة تبعث بيننا ثقافة العالم المتمدنين، ولكن كلية جامعة الأزهر تقف إلى جانبها تبث بيننا ثقافة القرون المظلمة، ولنا أفندية قد تفرنجوا، لهم بيوت نظيفة، ويقرؤن كتبا سليمة، ولكن إلى جانبهم شيوخا لا يزالون يلبسون الجبب والقفاطين، ولا يتورعون من التوضؤ على قوارع الطريق في الأرياف، ولا يزالون يسمون

стр. 27

الأقباط واليهود كفارا، كما كان يسميهم عمر بن الخطاب (١) قبل ١٣٠٠ سنة) اهـ، ثم يقول ذلك الصليبي الحقود في جرأة ووقاحة: (إذا كانت الرابطة الشرقية سخافة لأنها تقوم على أصل كاذب فإن الرابطة الدينية وقاحة، فإننا أبناء القرن العشرين أكبر من أن نعتمد على الدين جامعة تربطنا) اهـ. فإلى الله وحده المشتكي من تسلط هذا الصليبي على عقول ناشئة ينتسبون إلى الإسلام، وتسلط أمثاله على وسائل التوجيه والإعلام في بلادنا إلى يومنا هذا، وكأنهم. هم الأمناء على الدين الحفيظون للإل والذمة: بأبي وأمي ضاعت الأحلام أم ضاعت الأذهان والأفهام من حاد عن دين النبي محمد أله بأمر المسلمن قيام إن لا تكن أسيافهم مشهورة فينا فتلك سيوفهم أقلام وصدق الله العظيم إذ قال سبحانه: (كليف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة). وقال : ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. وصدق رسولنا وأسوتنا الحسنة التي لا نرضى بها بديلا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - حيث ذكر أن من علامات زمان الفتنة ظهور (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) ...

стр. 28

فصل حلق اللحية تشبه بالكفار والدليل على ذلك قوله ﷺ : «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى» (١). قال شيخ الإسلام (٢): (فأمر ﷺ بمخالفة المشركين مطلقا، ثم قال: "احفوا الشوارب، وأوفوا اللحى") وهذه الجملة الثانية بدل من الأصلي، فإن الإبدال يقع في الجمل كما يقع في المفردات). قال: (فلفظ مخالفة المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع، وإن عينت في هذا الفعل فإن تقديم المخالفة علة تقديم العام على الخاص كما يقال: أكرم ضيفك: أطعمه وحادثه، فأمرك بالإكرام ولا دليل على أن إكرام الضيف مقصود ثم عينت الفعل الذي يكون إكراما في ذلك الوقت، والتقرير في هذا الحديث شبيه بالتقرير من قوله: "لا يصبغون فخالفوهم") اهـ كلامه ﵀، وفيه رد على من ادعى عدم الربط بين الأفعال الثلاثة، على أن

стр. 29

افتراض ذلك لا يضر إذ صيغة الأمر الواردة في كل فعل على حدة حقيقة في وجوب امتثاله كما مر آنفا، والله أعلم. ومن الأدلة الواردة في ذلك أيضا ما رواه أبو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (١). قال شيخ الإسلام ﵀ (٢): (فعقب الأمر بالوصف المشتق المناسب، وذلك دليل على أن مخالفة المجوس أمر مقصود للشارع، وهو العلة في هذا الحكم أو علة أخرى أو بعض علة، وإن كان الأظهر عند الإطلاق أنه علة تامة) وفي حديث أبي إمامة ﵁ قول بعض مشيخة الأنصار ﵃: ( .. يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» (٣). وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الشرك يعفون شواربهم ويحفون لحاهم فخالفوهم فاعفوا اللحى وأحفوا الشوارب" (٤) والحاصل أن حلق اللحية مرتبط بهذا الأصل العظيم الذي ذهل عنه المسلمون وأضاعوه، فقد حذر الإسلام من موافقة هؤلاء الكفار في زيهم وأعمالهم وهديهم، ونحن نرى المسلمين اليوم يلهثون وراء أعدائهم، فقد أولعوا بمحاكاتهم وأشربوا في قلوبهم الافتتان بسبيلهم. وقد كان المسلمون إلى عهد قريب يوفرون لحاهم، ويرون حلقها عيبا ومنقصة، فأصبحوا يعدون الحلق زينة وكمالا، وقال الشيخ على محفوظ رحمه

стр. 30

الله (ومن أقبح العادات ما اعتاده الناس اليوم من حلق اللحية وتوفير الشارب، وهذه بدعة سرت إلى المصريين من مخالطة الأجانب واستحسان عوائدهم، حتى استقبحوا محاسن دينهم وهجروا سنة نبيهم ﷺ اهـ. وقال محدث الشام الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله في بعض محاضراته (يخطئ الذين يفتون الناس اليوم بإباحة التشبه بالكفار بصورة عامة، وبصورة خاصة فيما نحن فيه هذا (١)، والتشبه بالكفار له ارتباط وثيق جدا بقاعدة ارتباط الظاهر بالباطن فمن تشبه بالكفار معناه أنه استحسن ما هم عليه، واستقبح ما كان عليه نبيه ﷺ من الهدى والنور، ولا يكاد يحس بصدى قول الرسول ﵇ الذي نفتتح به خطبنا وأحاديثنا: "وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ ﷺ " (٢)، ومحمد ﷺ كان له لحية جليلة عظيمة وكذلك الصحابة وكذلك السلف وكذلك الأئمة لم يوجد فيهم من حلق لحيته في حياته مرة واحدة وهذا مستحيل، بل بعض الأمراء ممن لم يكونوا متفقهين في الدين كانوا إذا رأوا أن يؤدبوا فردا من أفراد الرعية لخطأ ارتكبه يحلقون لحيته ويركبونه على دابة ويجولونه بين الناس تعييرا له، كان هذا تعييرا في الزمن الأول، وهو تعيير أي تعيير، وبخلاف الفطرة خلاف الرجولة) اهـ. ولا شك أن ذوبان المسلمين في غيرهم من المشركين بالتشبه بهم لا تتحقق معه ملامح الشخصية الإسلامية المتميزة، وبالتالي لا يتحقق المجتمع المسلم، ومن مظاهر عزة المسلمين رجالا ونساء إظهار ملامح الشخصية الإسلامية وفرضها على المجتمع خاصة إذا خالطوا كفارا هم أحرص ما يكونون على المجاهرة بكل ما من شأنه إظهار كيانهم وفرض معالم دينهم الباطل ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية (٣). شبهة:

стр. 31

شبهة: قال بعضهم: الأمر الوارد في اللحية أمر بإعفائها مخالفة للمجوس، والمخالفة علة معقولة المعنى، ومن الممكن أن تزول العلة فيزول المعلول، وبعبارة أخرى يقولون: إن كثيرا من المشركين اليوم يعفون لحاهم فينبغي لكي نخالفهم ما دام المطلوب هو المخالفة. والجواب من وجوه: الأول: ورد الأمر بإعفاء اللحية في بعض الأحاديث غير معلل بعلة المخالفة، ففي صحيح مسلم: (أمر بإعفاء الشوارب وإعفاء اللحى) ولم يذكر له علة. الثاني: لا نسلم أن العلة الوحيدة في الأمر بإعفاء اللحى هي مخالفة المجوس بل ذلك بعض العلة، ومن العلل أيضا أن حلقها تغيير لخلق الله كما ذهب إليه بعض العلماء، وتشبه بالنساء وكلاهما منهي عنه متوعد فاعله باللعن. الثالث: أن إعفاء اللحية من خصال الفطرة كما نص عليه الحديث، وهي طريقة الأنبياء وسننهم، وهذه الفطرة لا تتبدل بتبدل الأزمان وانحراف البعض عنها. قال السيوطي ﵀ (١): (وأحسن ما قيل في الفطرة أنها السنة القديمة التي اختارها الأنبياء وانفقت عليها الشرائع فكأنها أمر جبلي فطروا عليها) اهـ. فإن أعفى المشركون لحاهم فقد سلمت فطرتهم في هذه الجزئية من سنن الفطرة ووافقوا فيها شرائع الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام وحينئذ تأتي المخالفة في وصف الفعل لا في أصله كما يأتي إن شاء الله وعلى أي حال فإنه لا يسوغ لنا رفض ما شرعه الله لنا وفطرنا عليه لمجرد أن يتلبس به بعض المخالفين لنا في الدين. الرابع: إن حلق المشركين لحاهم مع إطالتهم شواربهم، أو توفيرهما

стр. 32

معا (١). من هديهم الخاص بهم، وقد أفصح الحديث النبوي عن بعض علة هذا الحكم ألا وهي تحريم التشبه بهم في خصائصهم فليس في وسع أحد أن يصرف النظر عن هذه العلة الصريحة بمجرد رأيه، وقد ذكر الإمام السندي في حاشيته على شرح السيوطي لسنن النسائي أن كثيرا من السلف فهم أن حلقها شعار كثير من الكفرة (٢)، وهذا هو حال أكثرهم في هذا الزمان خلافا لما يدعيه المعترض، بل ما نقلت، إلينا هذه السنة السيئة إلا من طريقهم (٣). الخامس: ومما ينبغي أن ننتبه اليه أن كثيرا من المشركين الذين أمرنا رسول الله ﷺ بمخالفتهم بإعفاء اللحى وحف الشوارب كانوا. يوفرون لحاهم كما قد عرف عنهم، ومع ذلك أمرنا بمخالفتهم، أما إعفاؤهم لحاهم فهو من بقايا الدين الذي ورثوه عن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما ورثوا عنه الختان أيضا، فقد صح (٤) عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: هي خصال الفطرة وهذا يرشدنا إلى أصل مهم وهو أن مخالفة المشركين تارة تكون

стр. 33

في أصل الحكم وتارة في وصفه (١) فإذا كانوا يستأصلون لحاهم وشواربهم خالفناهم في أصل ذلك الفعل بإعفاء اللحى وقص الشوارب، وإن كانوا يوفرون لحاهم وشواربهم وافقناهم في أصل إعفاء اللحى، وخالفناهم في صفة توفير الشوارب بقصها، وأخذ ما طال عن الشفة، كما بينته سنة سيد ولد آدم ﷺ في الآخرة والأولى. السادس: وإذا سلمنا أن علة هذا الحكم هو مخالفة المجوس فمخالفة المسلمين للمشركين على وجهين كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ﵀ في "الاقتضاء". الوجه الأول: تخالفهم لمجرد المخالفة كما خالف الرسول ﷺ أهل الكتاب في فرق الشعر بعد أن وافقهم أولا إذ كان يسدل تاليفا

стр. 34

لهم، فلما أصروا على الكفر خالفهم، ومثل ذلك صوم عاشوراء أمر بالمخالفة بصوم يوم قبله أو بعده مخالفة لهم لا غير (١). الوجه الثاني: أن يكون الأمر الذي أمرنا بمخالفتهم فيه مضرا في ذاته منقصا، ومخالفتهم فيه كمال ومصلحة، وهذا هو الشأن في حرمة حلق اللحية ووجوب إعفائها إذ هدى المجوس فيه نقص وإضرار، ومخالفتهم كمال وصلاح لأن إعفاء اللحية من سنن الأنبياء التي اتفقت عليها الشرائع، ومما ينطبق عليه الوجه الثاني نهي الرسول ﷺ عن الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة الثابت في البخاري ومسلم فمع كونه من هدى الكفار إلا أن هديهم في ذلك منقصة وتركه كمال ومصلحة، والله أعلم. شبهة: قال بعضهم: مما أمر به رسول الله ﷺ مخالفة للكفار الصلاة في النعال وخضاب الشيب، وكلاهما ليس بواجب، وبناء عليه تتمائل الأدلة الواردة في الخضاب والصلاة بالنعال وإعفاء اللحية بجامع أن كلا منها قصد به مخالفة الكفار. الجواب: أن هذا القياس فاسد من وجوه: الأول: أنه قياس منصوص على منصوص، وشرط القياس أن يكون الفرع غير منصوص عليه. الثاني: أن علة الأمر بالصلاة في النعال وتغيير الشيب بالخضاب إنما هي مجرد المخالفة لا غير في حين أن علة الأمر بإعفاء اللحية ليست المخالفة وحدها كما تقدم. الثالث: أن الأمر بالصلاة في النعال وردت أدلة -أشهر من أن تذكر- تصرفه من الوجوب إلى الندب عند من يقول به فقد صلى الرسول صلى الله

стр. 35

عليه وسلم حافيا وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم، بخلاف الأمر بإعفاء اللحية حيث لم يأت صارف يصرفه عن الوجوب إلى الندب، والمعروف أن شرط الحكم في القياس أن يكون حكم الفرع مساويا لحكم الأصل، فلا يصح قياس واجب على مندوب والعكس لعدم مساواتهما في الحكم (١). الرابع: وقد أشار اليه شيخ الإسلام في "الاقتضاء" (٢) معلقا على حديث «غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى" (٣)، حيث قال ﵀: (وهذا اللفظ أدل على الأمر بمخالفتهم والنهى عن مشابهتهم فإنه إذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بياض الشيب الذي ليس من فعلنا فلأن ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى، ولهذا كان هدا التشبه بهم يكون حراما بخلاف الأول) اهـ. وبعبارة أخرى: الأمر بالخضاب أمر بتغيير الشيب الذي نتفق مع الكفار فيه اذ نبقيه بدون صبغ، وفي هذه الحال يوافق المسلم الكافر في شيء ليس من فعله بل هو مقتضى السنن الكونية التي تسري على المسلم والكافر ومع هذا استحب له الخضاب، أما إذا وافق المسلم الكفار في حلق اللحية فقد شابههم في شيء تسبب هو في فعله وأحدثه من نفسه فإدى إلى موافقتهم فيما يصادم الفطرة والشرع معا، والعلم عند الله تعالى. وقد نبه الإمام ابن العربي إلى نحو هذا المعنى حيث قال -فيما نقله عنه القاري في المرقاة (٤) - ما نصه: (وإنما نهى عن النتف -أي نتف الشيب- دون الخضب لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها، بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر اليه والله الموفق) اهـ.

стр. 36

فصل تحريم تشبه الرجال بالنساء عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِالرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَا مَنْ تَشَبَّهَ بِالنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ» (١) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَعَنَ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَةَ الرَّجُلِ» (٢). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاَتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ» قَالَ: فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فُلاَنًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلاَنًا (٣). وفي لفظ: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" وقال ابن حجر الهيثمي

стр. 37

الشافعي في "الزواجر" (١): (الكبيرة السابعة بعد المائة: تشبه الرجال بالنساء فيما يختصصن به عرفا غالبا من لباس أو كلام أو حركة أو نحوها وعكسه. تنبيه عد هذا من الكبائر واضح لما عرفت من هذه الأحاديث الصحيحة وما فيها من الوعيد الشديد، والذي رأيته لأئمتنا أن ذلك التشبه فيه قولان: أحدهما: أنه حرام، وصححه النووي بل صوبه، وثانيهما: أنه مكروه، وصححه الرافعي في موضع، والصحيح بل الصواب ما قاله النووي من الحرمة، بل ما قدمته من أن ذلك كبيرة، ثم رأيت بعض المتكلمين عن الكبائر عدة منها وهو ظاهر اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٢) عند شرح حديث ابن عباس: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال". قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها، لا التشبه في أمور الخير، قال: والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: "الْمُغَيِّرَاتِ لِخَلْقِ اللَّهِ" (٣) اهـ.

стр. 38

فصل حلق اللحية تشبه بالنساء قال الشيخ أبو حامد الغزالي فِى "الإحياء": (وبها -أي اللحية- يتميز الرجال من النساء) اهـ (١). وقال المحقق ابن قيم الجوزية ﵀ (٢): (وأما شعر اللحية (٣) ففيه منافع: منها: الزينة والوقار والهيبة، ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى، ومنها: التمييز بين الرجال والنساء) اهـ. وقال محدث الشام ناصر الدين الألباني حفظه الله (٤): (ولا يخفى أن في حلق الرجل لحيته -التي ميزه الله بها على المرأة- أكبر تشبه بها) اهـ. وقال الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق: (ومن عجيب ما ظهر في الوقت تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال، فالشاب يتخنث ويحلق وجهه كل صباح، ويدلكه ويلمعه بالأدهان والسوائل المعدة لذلك كلما يفعل النساء ... ) (٥) اهـ.

стр. 39

شبهات وجوابها (ا) إن حلق اللحية لا تشبه فيه بالنساء، لأن المابهة تقتضي وجود وجه يتفق فيه المتشابهان، والمرأة لا لحية لها تحلقها حتى يقال إن الرجل إذا حلقها كان متشبها بها، ولا يطلق على وجه المرأة أنه محلوق بخلاف وجه الرجل. وجوابه: أن كل ذي بصر وبصيرة يشهد بأن عارضي حالق لحيته كعارضي المرأة في كونهما لا شعر عليهما، والعبرة بالغاية الواقعة المشاهدة لا بالوسيلة الموصلة إليها، وهذه الغاية هي كون وجه الرجل كوجه المرأة، وأما الوسيلة الموصلة إليها فإنها تحرم تبعا لا استقلالا، وإلا فأجيبونا: ما تقولون في المرأة لو اتخذت لحية مصنوعة من شعر وجعلتها في مجهها أمتشبهة هي بالرجال أم تقولون إنها ليست متشبهة لأن اللحية في وجه الرجل ليست مصنوعة فانتفى الشبه؟ هذا ما لا يقوله منصف، والمقصود أن الشبه مبني على وجود اللحية وعدم وجودها لا على الوسيلة الموصلة إلى ذلك. قال المخالف: (ب) لو سلمنا أن من حلق لحيته تشبه بالنساء، فإن هذا الشبه ينتفي إذا أعفى شاربه لأنه يخالف آنذاك وجه المرأة. وجوابه: إن المحرم هو التشبه بالنساء في أي شيء تثبت به المشابهة ولو كان ذلك في أي عضو من جسده دون سائره، فمن صبغ أطرافه بالحناء كان متشبها بالنساء ولو كان ذا لحية وشارب وقميص وعمامة، ودل عيله ما روى من أن رسول الله ﷺ نفى المخنث الذي تشبه بالنساء بخضاب يديه ورجليه بالحناء (١). قال المخالف: علة الأمر بإعفاء اللحى منصوص عليها حيث قرن الأمر للإعفاء بالأمر بمخالفة المشركين، والحكم الواحد لا يجوز أن يعلل بعلتين، وعليه فلا يصح تعليل الأمر بإعفاء اللحى بعلة عدم مشابهة النساء.

стр. 40

والجواب: لو سلمنا أن الحكم الواحد لا يعلل بعلتين فإن تعليل تحريم حلق اللحية بالتشبه بالنساء والتشبه بالكفار تعليل بعلة واحدة وهي التشبه بالغير، لكن قال ابن السبكي في "جمع الجوامع": (وجوز الجمهور التعليل للحكم الواحد بعلتين وادعوا وقوعه، كما في اللمس والمس والبول المانع كل منها من الصلاة مثلا) اهـ ممزوجا بشرح المحلى، وأنت إذا سألت عامة المسلمين من أهل السنة عن وجه الحليق من يشبه؟ لقالوا: وجه المرأة ووجه النصراني لأن كلاهما لا لحية له، والعلة متعددة، وتعدد العلة هو الكثير الواقع في الشرع، فالخمر والقمار معلل تحريمهما بإيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وفساد العقل، وأكل مال الغير بالباطل، وتحريم الزنا معلل بفساد الأنساب وهتك الأعراض، ولكن الشارع قد يعلل الحكم بعلة ويسكت عن تعليله بأخرى لحكمة تقتضي ذلك، فمثلا قوله ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ» (١)، يصح تعليله بعلة أخرى وهي كونه غيبة محرمة، وأذا قال ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» (٢)، لكن اقتضى المقام ذكر علة إذابة الأحياء بسب الأموات مثلا دون غيرها لأن ذكر تلك العلة يحمل كل من يسمعها على اعتبارها ولو كان كافرا فاسقا لأن إذاية الأحياء الحاضرين مما يورط في الشر والفتنة، وكذا هنا علل الشارع الحلق بمخالفة الكفار لأجل التنفير من حلقها، حيث إن القرآن ذم الكفار وأحوالهم فأورث ذلك في قلوب الصحابة نفورا عظيمًا وكراهية شديدة لأمورهم، فكانوا إذا علموا بالشيء أنه من فعل الكفار بادروا إلى تركه ونفروا منه وكرهوه، ألا ترى كيف نهى رسول الله ﷺ رافع بن خديج عن الذبح بالظفر ثم علل نهيه بأنه من فعل الكفار فقال: "أَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ" (٣). (ح) قال المخالف: تشبه الرجل بالمرأة خاص بالزي واللباس ولا دخل للحية فيه بدليل قوله
следующие страницы →