فصل تحريم تشبه الرجال بالنساء
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِالرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَا مَنْ تَشَبَّهَ بِالنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ» (١)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَعَنَ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَةَ الرَّجُلِ» (٢).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاَتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ» قَالَ: فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فُلاَنًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلاَنًا (٣).
وفي لفظ: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال"
وقال ابن حجر الهيثمي
стр. 37
الشافعي في "الزواجر" (١): (الكبيرة السابعة بعد المائة: تشبه الرجال بالنساء فيما يختصصن به عرفا غالبا من لباس أو كلام أو حركة أو نحوها وعكسه.
تنبيه
عد هذا من الكبائر واضح لما عرفت من هذه الأحاديث الصحيحة وما فيها من الوعيد الشديد، والذي رأيته لأئمتنا أن ذلك التشبه فيه قولان:
أحدهما: أنه حرام، وصححه النووي بل صوبه، وثانيهما: أنه مكروه، وصححه الرافعي في موضع، والصحيح بل الصواب ما قاله النووي من الحرمة، بل ما قدمته من أن ذلك كبيرة، ثم رأيت بعض المتكلمين عن الكبائر عدة منها وهو ظاهر اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٢) عند شرح حديث ابن عباس: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال".
قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها، لا التشبه في أمور الخير، قال: والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: "الْمُغَيِّرَاتِ لِخَلْقِ اللَّهِ" (٣) اهـ.
стр. 38
فصل حلق اللحية تشبه بالنساء
قال الشيخ أبو حامد الغزالي فِى "الإحياء": (وبها -أي اللحية- يتميز الرجال من النساء) اهـ (١).
وقال المحقق ابن قيم الجوزية ﵀ (٢): (وأما شعر اللحية (٣) ففيه منافع: منها: الزينة والوقار والهيبة، ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى، ومنها: التمييز بين الرجال والنساء) اهـ.
وقال محدث الشام ناصر الدين الألباني حفظه الله (٤): (ولا يخفى أن في حلق الرجل لحيته -التي ميزه الله بها على المرأة- أكبر تشبه بها) اهـ.
وقال الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق: (ومن عجيب ما ظهر في الوقت تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال، فالشاب يتخنث ويحلق وجهه كل صباح، ويدلكه ويلمعه بالأدهان والسوائل المعدة لذلك كلما يفعل النساء ... ) (٥) اهـ.
стр. 39
شبهات وجوابها
(ا) إن حلق اللحية لا تشبه فيه بالنساء، لأن المابهة تقتضي وجود وجه يتفق فيه المتشابهان، والمرأة لا لحية لها تحلقها حتى يقال إن الرجل إذا حلقها كان متشبها بها، ولا يطلق على وجه المرأة أنه محلوق بخلاف وجه الرجل.
وجوابه: أن كل ذي بصر وبصيرة يشهد بأن عارضي حالق لحيته كعارضي المرأة في كونهما لا شعر عليهما، والعبرة بالغاية الواقعة المشاهدة لا بالوسيلة الموصلة إليها، وهذه الغاية هي كون وجه الرجل كوجه المرأة، وأما الوسيلة الموصلة إليها فإنها تحرم تبعا لا استقلالا، وإلا فأجيبونا: ما تقولون في المرأة لو اتخذت لحية مصنوعة من شعر وجعلتها في مجهها أمتشبهة هي بالرجال أم تقولون إنها ليست متشبهة لأن اللحية في وجه الرجل ليست مصنوعة فانتفى الشبه؟ هذا ما لا يقوله منصف، والمقصود أن الشبه مبني على وجود اللحية وعدم وجودها لا على الوسيلة الموصلة إلى ذلك.
قال المخالف:
(ب) لو سلمنا أن من حلق لحيته تشبه بالنساء، فإن هذا الشبه ينتفي إذا أعفى شاربه لأنه يخالف آنذاك وجه المرأة.
وجوابه: إن المحرم هو التشبه بالنساء في أي شيء تثبت به المشابهة ولو كان ذلك في أي عضو من جسده دون سائره، فمن صبغ أطرافه بالحناء كان متشبها بالنساء ولو كان ذا لحية وشارب وقميص وعمامة، ودل عيله ما روى من أن رسول الله ﷺ نفى المخنث الذي تشبه بالنساء بخضاب يديه ورجليه بالحناء (١).
قال المخالف:
علة الأمر بإعفاء اللحى منصوص عليها حيث قرن الأمر للإعفاء بالأمر بمخالفة المشركين، والحكم الواحد لا يجوز أن يعلل بعلتين، وعليه فلا يصح تعليل الأمر بإعفاء اللحى بعلة عدم مشابهة النساء.
стр. 40
والجواب: لو سلمنا أن الحكم الواحد لا يعلل بعلتين فإن تعليل تحريم حلق اللحية بالتشبه بالنساء والتشبه بالكفار تعليل بعلة واحدة وهي التشبه بالغير، لكن قال ابن السبكي في "جمع الجوامع": (وجوز الجمهور التعليل للحكم الواحد بعلتين وادعوا وقوعه، كما في اللمس والمس والبول المانع كل منها من الصلاة مثلا) اهـ ممزوجا بشرح المحلى، وأنت إذا سألت عامة المسلمين من أهل السنة عن وجه الحليق من يشبه؟ لقالوا: وجه المرأة ووجه النصراني لأن كلاهما لا لحية له، والعلة متعددة، وتعدد العلة هو الكثير الواقع في الشرع، فالخمر والقمار معلل تحريمهما بإيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وفساد العقل، وأكل مال الغير بالباطل، وتحريم الزنا معلل بفساد الأنساب وهتك الأعراض، ولكن الشارع قد يعلل الحكم بعلة ويسكت عن تعليله بأخرى لحكمة تقتضي ذلك، فمثلا قوله ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ» (١)، يصح تعليله بعلة أخرى وهي كونه غيبة محرمة، وأذا قال ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» (٢)، لكن اقتضى المقام ذكر علة إذابة الأحياء بسب الأموات مثلا دون غيرها لأن ذكر تلك العلة يحمل كل من يسمعها على اعتبارها ولو كان كافرا فاسقا لأن إذاية الأحياء الحاضرين مما يورط في الشر والفتنة، وكذا هنا علل الشارع الحلق بمخالفة الكفار لأجل التنفير من حلقها، حيث إن القرآن ذم الكفار وأحوالهم فأورث ذلك في قلوب الصحابة نفورا عظيمًا وكراهية شديدة لأمورهم، فكانوا إذا علموا بالشيء أنه من فعل الكفار بادروا إلى تركه ونفروا منه وكرهوه، ألا ترى كيف نهى رسول الله ﷺ رافع بن خديج عن الذبح بالظفر ثم علل نهيه بأنه من فعل الكفار فقال: "أَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ" (٣).
(ح) قال المخالف:
تشبه الرجل بالمرأة خاص بالزي واللباس ولا دخل للحية فيه بدليل قوله
стр. 41
صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَةَ الرَّجُلِ» (١) وأما النص العام في التشبه فيجب حمله على الخاص.
وهذه الدعوى منقوضة على وجهين:
الأول: قد تقدم الحديث الصريح في لعن المتشبه بالنساء في كل شيء في ذاته ولباسه، وقد روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال"، قال الحافظ: (المخنث من يشبه خلقة النساء في حركاته وكلامه وغير ذلك) اهـ.
وقال ابن علان في "شرح رياض الصالحين" في صفة المتشبه بالنساء: (إنه المحاكي لهن في أفعالهن وأقوالهن وأحوالهن) اهـ.
وقال الحافظ المنذري في "الترغيب" ما نصه: (الترهيب من تشبه الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل في لباس، أو كلام أو حركة أو نحو ذلك) اهـ.
وقال القاري في المرقاة (٢) في شرح حديث ابن عباس ﵄ "لعن النبي ﷺ المخنثي" بفتح النون المشددة وكسرها.
والأول أشهر أي: المتشبهين بالنساء (من الرجال) في الزي واللباس والخضاب والصوت والصورة والتكلم وسائر الحركات والسكنات، من خنث يخنث كعلم يعلم إذا لان وتكسر فهذا الفعل منهي عنه لأنه تغيير خلق الله.
وقد ثبت في الحديث أن الحناء في اليدين والرجلين تشبه بالنساء كما في قصة نفي المخنث في المدينة (٣).
ونقل القاري في المرقاة عن "شرح السنة ". (ففي شرعة الإسلام الحناء سنة للنساء، ويكره لغيرهن من الرجال إلا أن يكون لعذر لأنه تشبه بهن) (٤).
стр. 42
وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن المرأة مرت على رسول الله ﷺ متقلدة قوسا فقال رسول الله ﷺ : (لعن الله المتشبهات بالرجال) ومشابهة حالق اللحية للمرأة أوضح من مشابهة من تقلدت القوس بالرجال.
الثاني: التخصيص عند الأصوليين من الضرورات التي لا يصار إليها إلا عند الاضطرار وتعذر العمل بالنصين اللذين يخص أحدهما الأخر، أما إذا كان العمل بالنصين معا ممكنا فلا يجوز تخصيص أحدهما بالآخر لأن التخصيص نوع من النسخ، وابطال لبعض ما يدل عليه النص من المعنى، وعليه فتخصيص التشبه بأنه في اللباس فقط تحكم وإبطال لبعض مدلول النص، ولا يصح لكل من ضاق ذرعا بنص أن يدعى تخصيصه بغير ضابط.
قال المخالف:
(د) الأعمال بالنيات، ومن يحلق لحيته لا يقصد التشبه بالنساء، فكيف يستوي بمن يقصده؟
وجوابه: أن هذا مما لا يقوله عالم بل هو من التأويل المغرض، إذ أن مدار التشبه على الصورة الظاهرة بغض النظر عن قصد صاحبها لأن التشبه من الأعمال التي لا يتوقف الاتصاف بها على القصد والنية كالإتلاف والقتل والضرب، فمن فعل ذلك اتصف به وإن لم يقصده، وكذلك من صبغ يده بالحناء فهو متشبه بالنساء وإن لم يقصده، لكن الشرع رفع الإثم عن المتلف والقاتل والضارب الذين لم يتعمدوا لعدم قصدهم، وألزمهم الغرامة لأجل فعلهم، وأما المتشبه فلم يرفع عنه الإثم لعدم قصده، لأن المفسدة التي يقصد الشارع درءها بالنهى موجودة في فعله وإن لم يكن لة قصد فيها، ولذا نهي عن الأعمال التي لم يقصد عاملها التشبه ولا خطر على باله، وروى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: "اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال: إن كدتم لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا
стр. 43
بأئمتكم، إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا" زاد في رواية: "ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها".
قال شيخ الإسلام معلقا: "ومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوم لله لا لإمامه، وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد، ونهى أيضا عما يشبه ذلك، وإن لم يقصد به ذلك، ولهذا نهى عن السجود لله بين يدي الرجل، وعن الصلاة إلى ما عبد من دون الله كالنار ونحوها، وفي الحديث أيضا نهى عما يشبه فعل فارس والروم وإن كانت نيتنا غير نيتهم، لقوله "فلا تفعلوا" فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية؟! ثم هذا الحديث سواء كان محكما في قعود الإمام أو منسوخا فالحجة منه قائمة لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة وإنما يقتضي أنه قد عارضها ما ترجح عليها" اهـ.
ومن ذلك نهيه ﷺ عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب معللا بأنها "تطلع وتغرب بين قرني الشيطان وإنه حينئذ يسجد لها الكفار"، ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى، وأكثر الناس لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدون لها, ومع ذلك نهينا عن مجرد مشابهتهم حسما للمادة وسدا للذريعة وإن لم نقصد ذلك وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: "وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ» (١)، ولا يخفى أن المصلي الذي يفعل هذا لا يقصد التشبه بالحيوانات المذكورة، وأمثلة هذا أكثر من أن تحصر ففيما ذكرناه كفاية، وقد نص الحافظ في "الفتح" على أن (من كان مخنثا بطبعه في كلامه ومشيه يجب عليه أن يتكلف ترك ذلك لئلا يكون متشبها بالنساء وإلا كان مذموما) (٢) أهـ. منه بمعناه.
стр. 44
فصل اللحية من نعم الله على الرجال وحلقها كفر بهذه النعمة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الآية (١).
قال الشنقيطي ﵀: (قال بعض أهل العلم: من تكريمه لبني آدم خلقه لهم على أكمل الهيئات وأحسنها (٢) اهـ.
وذكر أهل التفسير أشياء من وجوه هذا التكريم على سبيل المثال لا الحصر، ومنها ما قاله محيي السنة البغوي ﵀: (قيل: الرجال باللحى، والنساء بالذوائب) اهـ.
قال أبو حيان ﵀: (وقيل باللحية للرجل، والذؤابة للمرأة) اهـ.
قال القرطبي ﵀: (وقيل: أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب) اهـ.
وقد قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (٣).
وقال : ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ (٤).
وقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٥). وقال ﵎: ﴿يا أيها
стр. 45
يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (١).
وكان الأحنف بن قيس رجلا عاقلا حليما يضرب به المثل في الحلم، وكان لا تنبت له لحية، وذكر عن شريح القاضي أنه قال: (وددت أن لي لحية بعشرة آلاف درهم) ووصفه بعض قومه فقال: (وددت أنا اشترينا للأحنف لحية بعشرين ألفا فلم يذكر حنفه ولا عوره، وذكر كراهية عدم اللحية لأن اللحية عند العقلاء من الكمال والجمال والرجولة، فلا شك أن اللحية نعمة جليلة تفضل الله بها على الرجال.
ولا شك أيضا أن حلقها كفر بهذه النعمة العظيمة، وانتكاس عن سنة من هديه خير الهدى ﷺ وانحطاط إلى مستوى الأوروبيين الكفرة الذين زين لهم سوء أعمالهم، فحسبوا أن التمدن والكمال في القضاء على أكبر الفوارق الظاهرة بين الرجل والمرأة:
يقضي على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
стр. 46
فصل أمر القدوة أمر لأتباعه (١)
لما ذكر الله تعالى من ذكر من الأنبياء في سورة الأنعام، قال لنبينا ﷺ ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾،
وأمره ﷺ أمر لنا لأنه قدوتنا، ولأن الله تعالى يقول ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية (٢)، ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية (٣) ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٤). ويقول ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٥)
ومن طاعته اتباعه فيما أمر به كله، إلا ما قام فيه دليل على الخصوص به ﷺ ، وباستقراء القرآن العظيم تعلم صحة ذلك حيث يعبر فيه دائما بالصيغة الخاصة به ﷺ ،
ثم يشير إلى أن المراد عموم حكم الخطاب للأمة، كقوله في أول سورة الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، فدل على دخول الكل حكما تحت قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وقال في سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ الآية ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾
فدل على عموم حكم الخطاب بقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الآية، ونظير ذلك أيضا في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، فقوله (بما تعملون) يدل على عموم الخطاب بقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وكلقوله ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ (٦)
стр. 47
ومن أصرح الأدلة في ذلك آية الروم، وآية الأحزاب،
أما آية الروم فقوله تعالى، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ ثم قال ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ وهو حال من ضمير الفاعل المستتر المخاطب به النبي ﷺ في قوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ الآية، وتقرير المعنى: فأقم وجهك يا نبي الله، في حال كونكم منيبين، فلو لم تدخل الأمة حكما في الخطاب الخاص به ﷺ لقال: منيبا إليه بالإفراد لإجماع أهل اللسان العربي علي أن الحال الحقيقية أعنى التي لم تكن سببية تلزم مطابقتها لصاحبها إفرادا وجمعا وتثنية، وتأنيثا وتذكيرا، فلا يجوز أن تقول: جاء زيد ضاحكين، ولا جاءت هند ضاحكات.
وأما آية الأحزاب فقوله تعالى في قصة زينب بنت جحش الأسدية ﵂: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فإن هذا الخطاب خاص بالنبي ﷺ ، وقد صرح تعالى بشمول حكمه لجميع المؤمنين في قوله ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الآية وأشار إلى هذا أيضا في الأحزاب بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، لأن الخطاب الخاص به ﷺ في قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ (٢) الآية، لو كان حكمه خاصا به ﷺ لأغنى ذلك عن قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كما هو ظاهر، وقد ردت عائشة ﵂ على من زعم أن تخيير الزوجة طلاق، بإن رسول الله ﷺ خير نساءه فاخترنه، فلم يعده طلاقا مع أن الخطاب في ذلك خاص به ﷺ في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ الآيتين (٣)، وأخذ الإمام مالك ﵀ بينونة الزوجة بالردة من قوله ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٤)، وهو خطاب خاص به ﷺ .
стр. 48
فصل الدليل القرآني على أن إعفاء اللحية من سمت الأنبياء ﵈
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (١)، ما نصه:
تنبيه
هذه الآية الكريمة بضميمة آية (الأنعام) إليها تدل على لزوم (٢) إعفاء اللحية، فهي دليل قرآني على إعفاء اللحية وعدم حلقها، وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ الآية، ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم، وأمره ﷺ بذلك أمر لنا، لأن أمر القدوة أمر لأتباعه كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية في هذا الكتاب المبارك في سورة المائدة، وقد قدمنا هناك أنه ثبت في صحيح البخاري أن مجاهدا سأل ابن عباس ﵄: من أين أخذت السجدة في (ص) قال ما تقرأ ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده، فسجدها داود فسجدها
стр. 49
رسول الله ﷺ (١)، فإذا علمت بذلك أن هارون كان موفرا شعر لحيته بدليل قوله لأخيه "لا تاخذ بلحيتي" لأنه لو كان حالقا لما أراد أخوه الأخذ بلحيته تبين لك من ذلك بإيضاح أن إعفاء اللحية سمت من السمت الذي أمرنا به القرآن العظيم، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، والعجب من الذين مسخت ضمائرهم، واضمحل ذوقهم، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية، وشرف الرجولة، إلى خنوثة الأنوثة، ويمثلون بوجوههم بحلق أذقانهم، ويتشبهون بالنساء حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر والأنثى وهو اللحية، وقد كان ﷺ كث اللحية، وهو أجمل الخلق وأحسنهم صورة، والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها: ليس فيهم حالق، نرجو الله أن يرينا، وإخواننا المؤمنين الحق حقا، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلا، ويرزقنا اجتنابه (٢) اهـ.
стр. 50
فصل حلق اللحية رغبة عن سنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين ﵃
قال تعالى في حق نبيه ﷺ : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وقال ﵎: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٣).
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤) الآية،
وقال ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ» (٥)
وقال ﷺ "فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (٦).
ومن سنته الشريفة ﷺ إعفاء اللحية فعن أنس ﵁ قال: "كانت لحيته ﷺ قد ملأت من هاهنا إلى هاهنا، وأمر يده على عارضيه" (٧)،
وروى الإمام أحمد في زوائد المسند بأسانيد جيدة عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ عظيم اللحية" وهذا يدل على أنه كان يعفيها، ولا يأخذ منها شيئا.
стр. 51
وروى مسلم عن جابر بن أبي سمرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللحية".
وللترمذي عن عمر: (كث اللحية) وفي رواية (كثيف اللحية) وفي رواية (عظيم اللحية).
وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ كث اللحية تملأ صدره" (١).
وقال أبو معمر: "قُلْنَا لِخَبَّابٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؟، قَالَ: نَعَمْ، قُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَالَ: «بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ» (٢).
وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ» (٣) فهذا يدل على عظمها وطولها.
وعَنْ أَنَسٍ يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ، أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ»، وَقَالَ: «هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي » (٤).
فهذه هي الأدلة من سنته الفعلية ﷺ وقد مضى بيان أدلة السنة القولية.
وكان أبو بكر ﵁ كث اللحية، وكذلك عثمان ﵁ رقيق اللحية طويلها، وكان علي ﵁ عريض اللحية، وقد ملأت ما بين منكبيه ﵁، وقد قال ﷺ : "فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي
стр. 52
وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ (١)، فَتَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ،» (٢).
وقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ الآية (٣):
(وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم: هو بدعة، لأنه لو كان خيرا لسبقونا اليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها) اهـ.
стр. 53
فصل
روى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ، مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَكَفَّرَ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً» (١)
قال النووي ﵀: (يكره نتف الشيب)، ونقل عن الغزالي والبغوى وآخرين كراهته ثم قال: (ولو قيل: يحرم، للنهي الصريح الصحيح لم يبعد، ولا فرق بين نتفه من اللحية والرأس) اهـ (٢).
وعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " يُكْرَهُ أَنْ يَنْتِفَ الرَّجُلُ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ (٣).
والذي يحلق لحيته قد كره الشعر الأسود فضلا عن الأبيض الذي هو نور المسلم.
فائدة
ذكر بعض العلماء (٤) أن اللحية إذا جنى عليها فازيلت بالكلية ولم ينبت شعرها فعلى الجاني دية كاملة كما لو قتل صاحبها، قال ابن مفلح: (واحتمل
стр. 54
أن يلزمه كمال الدية، قدمه في "الرعاية" و "الفروع"، لأنه أذهب المقصود، أشبه ما لو أذهب ضوء العين) (١).
стр. 55
فصل إعفاء اللحية من خصال الفطرة
عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ (١): قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ " قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. (٢).
أما الفطرة، فقد قال الراغب: أصل الفطرة الشق طولا، ويطلق على الوهى وعلى الاختراع.
وقال أبو شامة: أصل الفطرة الخلقة المبتدأة، ومنه "فاطر السموات والأرض" أي مبتدئ خلقهن، والمراد بقوله صلي الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة" أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ والمعنى أن كل أحد لو ترك وقت ولادته وما يؤديه اليه نظره لأداه إلى الدين والحق وهو التوحيد، ويؤيده أيضا
стр. 56
قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ وإليه يشير في بقية الحديث حيث عقبه بقولها فأبواه يهودانه أو ينصرانه") (١).
وفي "النهاية" الفطرة: أي السنة، يعني سنن الأنبياء ﵈ التي أمرنا أن نقتدي بهم فيها، وقال الإمام أبو بكر ابن العربي ﵀ في شرح الموطأ: عندي أن الخصال المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين؟ (٢).
وقد تعقبه أبو شامة: بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق وهى النظافة لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها اكتفاء بدواعي الأنفس، فمجرد الندب إليها كاف، والحديث الذي يقصده هو قوله ﷺ : «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الِاخْتِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ» (٣).
وقال أبو سليمان: ذهب أكثر العلماء إلى أنها -أي الفطرة- السنة، وكذا ذكره جماعة غير الخطابي، قالوا: ومعناه أنها من سنن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقيل هي الدين.
وقال السيوطي ﵀: وأحسن ما قيل في تفسير الفطرة أنها السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع فكأنها أمر جبلي فطروا عليه اهـ (٤).
وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀ بعد أن ذكر الخلاف في معنى الفطرة: وأول الوجوه بما ذكرنا: أن تكون الفطرة ما جبل الله الخلق عليه، وجبل طباعهم على فعله، وهي كراهة ما في جسده مما هو ليس من زينته (٥) اهـ.
وقال الإمام المحقق شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية ﵀ في تحفة المودود بأحكام المولود عند كلامه على حديث (الفطرة خمس):
стр. 57
والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب، وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه، وفطرة عملية: وهي هذه الخصال، فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية: تطهر البدن، وكل منهما تمد الأخرى وتقويها، وكان رأس فطرة البدن: الختان اهـ (١).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ويتعلق بهذه الخصال أي خصال الفطرة مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها: تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلا، والاحتياط للطهارتين والإحسان إلى المخالط والمقارن. بكف ما بتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التآليف المطلوب، لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس اليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس اهـ (٢).
شبهة:
كون إعفاء اللحية من خصال الفطرة يدل على عدم وجوبها بدلالة اقترانه بما هو مستحب.
الجواب:
الصحيح أن يقال: إن كون إعفاء اللحية أحد خصال الفطرة لا يدل بذاته على الوجوب، وإنما يستفاد الوجوب من أدلة أخرى ودلالة الاقتران هنا لا تقوى على معارضة أدلة الوجوب، أما الاستدلال باقتران الإعفاء بغيره من خصال الفطرة الغير الواجبة فمردود بأنه لا يمتنع قرن الواجب بغيره. قال الإمام النووي ﵀: قد يقرن المختلفان كقول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣).
стр. 58
والأكل مباح، والإيتاء واجب، وقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ﴾ (١)، والايتاء واجب، والكتابة سنة، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة مشهورة اهـ (٢).
قال الحافظ: نقل ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنه قال: "دل الخبر على أن الفطرة بمعنى الدين، والأصل فيما أضيف إلى الشيء أن يكون من أركانه لا من زوائده حتى يقوم دليل عل خلافه، وقد سرد الأمر بإتباع إبراهيم ﵇، وثبت أن هذه الخصال -يعني خصال الفطرة- أمر بها إبراهيم ﵇، وكل شيء أمر الله باتباعه فهو على الوجوب لمن أمر به" قال الحافظ: وتعقب بأن وجوب الإتباع لا يقتضي وجوب كل متبوع فيه، بل يتم الأمر بالامتثال، فإن كان واجبا على المتبوع كان واجبا على التابع أو ندبا فندب، فيتوقف ثبوت وجوب هذه الخصال على الأمة على ثبوت كونها واجبة على الخليل ﵇ اهـ (٣).
تنبيه
ذهب كثير من العلماء إلى إيجاب بعض خصال الفطرة منهم الإمام الشافعي ﵀ فقد أوجب الختان، وكذا أوجب إعفاء اللحية وكذلك جمهور أصحابه، وقال به من الأقدمين عطاء (وهو الذي ورد عنه القول بكراهية حلق اللحية)، قال: لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختتن.
وعن زيد بن أرقم قال ﷺ : "مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا" (٤) واستدل بهذا على وجوب الأخذ من الشارب (٥).
وقد سبق ذكر أن القاضي ابن العربي أوجب الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظافر، والخلاف في المضمضة والاستنشاق معروف مشهور أهي واجبة أم لا.
стр. 59
وقال ابن القيم ﵀ (١): ثم إن الخصال المذكورة في الحديث منها ما هو واجب كالمضمضة والإستنشاق (٢)، والإستنجاء، ومنها ما هو مستحب كالسواك، وأما تقليم الأظافر، فإن الظفر إذا طال جدا بحيث يجتمع تحته الوسخ، وجب تقليمه لصحة الطهارة، وأما قص الشارب فالدليل يقتضي وجوبه إذا طال، وهذا الذي يتعين القول به لأمر رسول الله ﷺ به، ولقوله ﷺ : "من لم يأخذ من شاربه فليس منا" (٣) اهـ.
وقد روى الإمام أحمد وأصحاب السنن "أن رسول الله ﷺ وقت لهم في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة" واستدل به على وجوب هذه الخصال. وهذه الأحاديث مبينة لما أجمل في حديث (عشر من الفطرة) والمبين مقدم على المجمل كما هو معلوم.
стр. 60
فصل تحريم تغيير خلق الله بدون إذن من الشرع
قال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ (١)
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٢)
وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٣)
وقال سبحانه: ﴿فطرة الله فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٤)
وقال : ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (٥).
قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾:
جاء الشرع الحنيف بتحريم تغيير خلق الله تعالى بغير إذن من الشارع (٦) ومن ذلك نتف النساء لحواجبهن حتى تكون كالقوس أو الهلال يفعلن ذلك تجملا بزعمهن وهذا مما حرمه الله ورسوله ﷺ ،
стр. 61
ولعن فاعله بقوله ﷺ : "لعن الله الواشمات (١)، والمستوشمات (٢)، والنامصات (٣)، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن (٤)، المغيرات خلق الله" (٥).
ثم قال ابن مسعود راوي الحديث ﵁: ألا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله يعني قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٦).
قال الطبري ﵀: لا يجوز للمرأة أن تغير شيئا من خلقتها التي خلقها الله عليها، بزيادة أو نقص التماس الحسن لا لزوج ولا لغيره، كمن تكون مقرونة الحاجبن فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه، ومن يكون شعرها قصيرا أو حقيرا فتطوله أو تغزره بشعر غيرها فكل ذلك داخل في النهي, وهو من تغيير خلق الله، ويستثني من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية، ومن تغيير خلق الله الخصاء وفقء العين وقطع الآذان، أفاد معناه ابن عباس وأنس وعكرمة وأبو صالح، وذلك كله تعذيب للحيوان، وتحريم وتحليل بالطنيان، وقول بغير حجة ولا برهان، والآذان في الأنعام جمال ومنفعة، وكذلك غيرها
стр. 62
من الأعضاء، فلذلك رأى الشيطان أن يغير بها خلق الله تعالى، وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي: "وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ (١) عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا" (٢)، ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز لأنه مثله وتغيير لخلق الله تعالي، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود: قاله أبو عمر.
فوائد متفرقة تتعلق بالأصل السابق
وتمس الحاجة إليها
الأولى: حكم لبس ما يسمى بالباروكة:
سئلت لجنة الإفتاء بالسعودية التي يرأسها الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله: ما حكم لبس المرأة ما يسمى بالباروكة لتتزين بها لزوجها؟ فأجابت اللجنة بما يلي: ينبغي لكل من الزوجين أن يتجمل للآخر بما يحببه فيه ويقوي العلاقة بينهما، لكن في حدود ما أباحته شريعة الإسلام دون ما حرمته، ولبس ما يسمى بالباروكة بدأ في غير المسلمات، واشتهرن بلبسه والتزين به حتى صار من سيمتهن، فلبس المرأة المسلمة إياها وتزينها بها ولو لزوجها فيه تشبه بالكافرات، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك بقوله: "من تشبه بقوم فهو منهم" ولأنه في حكم وصل الشعر بل أشد منه، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، ولعن فاعله، اهـ.
الثانية: نص الحديث على لعن النامصة والمتنمصة.
قال ابن الأثير: النامصة: التي تنتف الشعر من وجهها، والمتنمصة هي التي تأمر من يفعل بها ذلك، ومنه قيل للمنقاش: وقال أبو داود: النامصة التي تنقش الشعر من الحاجب، أي ترققه: وتزججه.
стр. 63
قال النووي ﵀: المراد إزالة الشعر من أطراف الوجه، وترقيق الحواجب وهو المحرم المنهي عنه، وقال السيوطي في الإكليل: النمص: هو نتف الشعر من الوجه اهـ.
أما إذا ظهر للمرأة شعر في لحيتها أو أسفل شفتها أو نبت لها شارب فالمختار عند الجمهور عدم تحريم إزالته، وقالت الشافعية: إزالته مستحبة، ويرى الحنابلة: أنه لا بأس بحف الوجه، وأن التحريم خاص بالحواجب، والخلاف مبني على تعريف النمص كما سبق.
الثالثة:
عد بعض العلماء من تغيير خلق الله سبحانه تدميم الأظفار وإطالتها، وهي عادة قبيحة تسربت من فاجرات أوروبة إلى كثير من المسلمات (١)، وهي تدميم أظفارهن بالطلاء الأحمر المعروف ب (المانيكير) مما يحول دون وصول الماء إلى أعضاء الوضوء ولا يصح مع وجوده وضوء ولا غسل ولا صلاة، وقد يطلن بعض أظفارهن -ويفعله بعض الشباب أيضا- وفي هذا أيضا معاكسة للفطرة السوية التي من خصالها تقليم الأظفار:
قل للجهولة أرسلت أظفارها إني لخوف كدت أمضي هاربا
إن المخالب للوحوش نخالها فمتى رأينا للظباء مخالبا
بالأمس أنت قصصت شعرك غيلة ونقلت عن وضع الطبيعة حاجبا
وغدا نراك نقلت ثغرك للقفا وأزحت أنفك رغم أنفك جانبا
من علم الجهلاء أن جمالها في أن تخالف خلقها وتجانبا (٢)
الرابعة:
كيف التوبة من الوشم؟ قال النووي ﵀ (٣): التوبة منه بإزالته على الفور، إلا إذا خاف تلف العضو، أو كانت إزالته تسبب شيئا فاحشا في العضو اهـ.
الخامسة:
стр. 64
الخامسة:
قال الحافظ في الفتح: كما يحرم على المرأة الزيادة في شعر رأسها يحرم عليها حلق شعر رأسها بغير ضرورة اهـ (١).
وعن علي ﵁: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ المَرْأَةُ رَأْسَهَا» (٢).
وعن قتادة عن عكرمة قال: "نهى النبي ﷺ أن تحلق المرأة رأسها" (٣) وقال الحسن: هي مثلة.
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسال عن المرأة تعجز عن شعرها وعن معالجته، أتأخذ على حديث ميمونة، قال: "لأي شيء تأخذه" قيل له: لا تقدر على الدهن وما يصلحه، وتقع فيه الدواب، قال: إن كان لضرورة فأرجو ألا يكون به بأس" اهـ.
وقال أبو داود في مسائل الإمام أحمد: أنه سئل يجز شعرها؟ قال: لا.
قال الألباني حفظه الله: الظاهر أن مراد الإمام ﵁ ب الجز هنا الحلق والإستئصال، لأن الجز-وهو بالجيم والزاي الثقيلة-: قص الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد، كما في الفتح (١٠/ ٢٨٥)، وقد جاء النهي الصريح في ذلك وذكر حديث علي ﵁ السابق إلى أن قال: وهذا بخلاف أخذها من شعر رأسها فإنه جائز لما رواه مسلم (٤) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَا وَأَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَسَأَلَهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْجَنَابَةِ؟ ... قال: «وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَأْخُذْنَ مِنْ رُءُوسِهِنَّ حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَةِ» (٥)
стр. 65
هي من الشعر ما كان إلى الأذنين ولا يجاوزهما، وإنما يجوز لهن ذلك إذا لم يقصدن التشبه بالأجنبيات، وإلا فلا يجوز لقوله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" اهـ.
وقال الشنقيطي ﵀: ( .. حلق المرأة شعر رأسها نقص في جمالها وتشويه لها، فهو مثلة، وبه تعلم أن العرف الذي صار جاريا في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله سنة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين ونساء العرب قبل الإسلام، فهو من جملة الإنحرافات التي عمت البلوى بها في الدين والخلق والسمت وغير ذلك) اهـ (١).
стр. 66
فصل هل حلق اللحية من تغيير خلق الله ؟
دليل من قال إن حلق اللحية تغيير لخلق الله: قوله تعالى حاكيا عن إبليس لعنه الله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالوا: هذا نص صريح في أن تغيير خلق الله بدون إذن منه تعالى إطاعة لأمر الشيطان، وعصيان للرحمن ﷻ ، فلا جرم أن لعن رسول الله ﷺ المغيرات خلق الله للحسن، ولا شك في دخول حلق اللحية للحسن في اللعن المذكور بجامع الإشتراك في العلة كما لا يخفي اهـ، فإذا فعل الرجال النمص أو الوشم أو الفلج فهم داخلون في اللعنة، والذي يحلق لحيته قد غير خلق الله، فالتماثل إذن موجود لا ينكر بين هذه المذكورات في الحديث وبين حلق اللحية، ولعن رسول الله ﷺ للمرأة المغيرة لخلق الله مع كونه شرع لها التزين أكثر من الرجل يدل بالأولوية على تحريم هذا الفعل على الرجل وأنه داخل في تغيير الخلق وفي استحقاق اللعن اهـ.
واستدلوا بما روى عنه ﷺ أنه قال: «مَنْ مَثَّلَ بِالشَّعْرِ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ خَلَاقٌ» (١).
قال الزمخشري: معناه صيره مثله بأن نتفه أو حلقه من الخدود أو غيره بسواد.
стр. 67
وقال في النهاية: مثل بالشعر حلقه من الخدود، وقيل: نتفه أو تغييره بسواد.
وقد روى ابن عساكر عن عمر بن عبد العزيز قال: إن حلق اللحية مثلة، وإن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة اهـ.
وقال شاه ولي الله الدهلوي في الحجة البالغة: وقصها -أي اللحية- سنة المجوس، وفيه تغيير خلق الله اهـ (١).
وإذا كان بعض العلماء عد المبالغة في قص اللحية مثلة، وبعضهم عد استئصال الشارب من الوجه بالحلق مثلة، فماذا يكون استئصال اللحية كلها أفلا ينبغي تكريم الوجه وصيانته عن المثلة والإهانة؟ أفلا يستشعر من يستبيح ذلك صدى قوله ﷺ : «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ» (٢).
وفي لفظ "فلا يلطمن الوجه" وما ذاك إلا لأنه مجمع المحاسن، وأعضاؤه لطيفة نفيسة فما كان هكذا فحقه التكريم والصيانة لا المثلة والإهانة والله أعلم.
شبهة:
قال المعترض: لا يصح إلحاق اللحية بالنمص لعلة تغيير خلق الله لاختلاف حقيقتهما لغة، فالنمص هو نتف الشعر، أما الحلق فهو قطعه بالموس، وقد نص الحديث على تعليل النمص بتغيير خلق الله ولم ينص على ذلك في اللحية، وإنما علل إعفاء اللحية بمخالفة المشركي فقط.
وجواب هذا من وجوه:
أحدها: أن العبرة هنا بالغاية لا بالوسيلة، وقد لعن الشارع النامصة، والنمص هو إزالة الشعر بالنتف، وعده من تغيير خلق الله، وإن كان هذا الشعر يعود للإنبات ولو بعد حين، فإزالة الشعر تغيير لخلق الله سواء تم ذلك
стр. 68
بالنتف أم بالحلق أم بالزرنيخ أم بالكهرباء، ولا يعقل أن يباح العمل المحرم لأجل الوسيلة التي حصل بها فالقتل حرام سواء كان بالسحر أو بالسم أو بالكهرباء، والأمر بالقتل آثم لا يشفع له أنه لا يسمى لغة قاتلا، ومتلف مال اليتيم بالإغراق أو بالإحراق عاص لا يشفع له أنه لا يسمى لغة آكلا له، ويلزم من قولكم هذا:
- أن المرأة التي تزيل شعر حاجبها بالحلق بالموس مثلا ليست مغيرة لخلق الله
- وأن المحرم الذي يزيل شعره بالكهرباء أو الزرنيخ مثلا لا يكون عليه إثم ولا فدية.
- وأن صناعة التماثيل المجسمة بطريق الضغط على زر في آلة ما جائز لأن الصانع لم يباشر ذلك بيده.
- وأنه يجوز أن يبول الرجل في إناء ثم يصبه في الماء الراكد ولو كمية كبيرة في حين أنه لا يجوز له أن يبول فيه مباشرة ولو قطرات قليلة.
ولا شك أن هذه ظاهرية جامدة، وتأويل بارد غير مقبول.
الوجه الثاني: أنه يجوز أن تتعدد علة الحكم فينص على أحدها مثلا وتكون له علة أخرى مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية فقد علل سبحانه خلقها بالركوب والزينة في حين أن بعضها خلق بجانب ذلك للأكل مثلا كالخيل، وبعضها لجر الأثقال وحملها والحرث مثلا.
تنبيه
حلق الرأس عند التحلل من الإحرام مثلا والعانة والإبط تغييرا لخلق الله لأن الله سبحانه تعبدنا به، وتغيير خلق الله هو استعمال الشيء في غير ما خلقه الله له، فما دام الله قد شرعه دل على أنه ليس من التغيير المنهي في شيء، ولو كان كل تغيير يعد تغييرا لخلق الله من غير التفات إلى ما أمر به الشارع أو نهى
стр. 69
عنه لكان الانتقال من الكفر إلى الإسلام، وقطع يد السارق وإزالة الأسنان وذبح الحيوان تغييرا لخلق الله.
شبهة:
زعم بعضهم أن تغيير خلق الله الذي ورد في قوله تعالى حكاية عن إبليس لعنه الله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ الآية. إنما يختص بالدين فقط، وأن دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الآية. واستدل أيضا بحديث عياض المجاشعي السابق وفيه: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم" الحديث.
والجواب: من أربعة أوجه:
أولها: أن تغيير خلق الله عام يشمل أمور الدين سواء في ذلك العقيدة وأحكام الحلال والحرام، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية, فيدخل فيه الوشم وقطع آذان الأنعام وحلق اللحية وغيرها، فلا يصح تخصيصه إلا بدليل.
الثاني: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، واختلاف المفسرين في مثل هذا هو من باب اختلاف التنوع وليس اختلاف التضاد، كان يذكر بعضهم من الإسم العام بعض أنواعه تنبيها إلى النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود.
الثالث: ومما يتأيد به عموم خلق الله للعقيدة والفروع العملية قوله ﷺ : "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" فقوله: "المغيرات خلق الله" هو كالتعليل لاستحقاقهن اللعن، والأمور المذكورة من الفروع العملية لا الإعتقادية.
стр. 70
الرابع: أن حديث عياض ﵁ حجة عليهم، فهو يدل على عدم تخصيص الدين بالإعتقاد، ودليل ذلك القرينة التي في آخر الحديث وهي قوله تعالي في هذا الحديث القدسي: "وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وأمرتهم أن يغيروا خلقي، أخرجه مسلم وغيره.
стр. 71
كيفية إعفاء اللحية وحف الشارب
قال ﷺ : «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى» (١)
قوله (أنهكوا) أي: بالغوا في القص، ومثله (جزوا) والمراد للمبالغة في قص ما طال على الشفة لا حلق الشارب كله، فإنه خلاف السنة العملية الثابتة عنه ﷺ ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ أَوْ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ، قَالَ: وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ يَفْعَلُهُ " (٢).
قال القارئ معلقا: فالإقتداء بالحبيب بعد الخليل يورث الأجر الجميل والثواب الجزيل (٣) اهـ.
وقال الشيخ أحمد الدهلوي في مسائل اللحية: قال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح أبي داود: الحكمة في قص الشارب أمر حنيفي -أي إبراهيمي- وهو تحسين الهيئة والتنظيف، وقد يرجع تحسين الهيئة إلى الدين، ولعل في قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ إشارة إليها كأنه قال: فلا تغيروها بما يزيل حسنها ومنظرها، كما قال تعالى حكاية عن إبليس:
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٤) اهـ. ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ عمن يحفى شاربه؟
стр. 72
قال: ينبغي أن يضرب من صنع ذلك، فليس حديث النبي ﷺ كذلك، ولكن يبدي حرف الشفة والفم. وقال لمن يحلق شاربه:
هذه بدعة ظهرت في الناس (١)، ولهذا كان الإمام مالك ﵀ وافر الشارب، ولما سئل عن ذلك قال: حدثني زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا غَضِبَ فَتَلَ شَارِبَهُ، وَنَفَخَ» (٢).
وقال الحافظ في الفتح: المعروف عن عمر أنه كان يوفر شاربه (٣) اهـ.
وروى الطبراني في الكبير وأبو زرعة في تاريخه والبيهقي: "أن خمسة من الصحابة كانوا يقمون (٤) شواربهم مع طرف الشفة" ونحوه في "ابن عساكر".
وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» (٥).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (٦).
стр. 73
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى» (١).
وقال البخاري ﵀: "وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، يُحْفِي شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى بَيَاضِ الجِلْدِ، وَيَأْخُذُ هَذَيْنِ، يَعْنِي بَيْنَ الشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ" اهـ (٢).
وقال النووي ﵀: "قال الغزالي: ولا بأس بترك سباليه، وهما طرفا الشارب فعل ذلك عمر ﵁ وغيره، قلت: لا بأس أيضا بتقصيره، روى ذلك البيهقي عن ابن عمر ﵄ (٣) اهـ.
قال لشوكاني ﵀: اختلف الناس في حد ما يقص من الشارب، وقد ذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه لظاهر قوله: "أحفوا وانهكوا" وهو قول الكوفيين.
وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والإستئصال، وإليه ذهب مالك، وكان يرى تأديب من حلقه، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: إحفاء الشارب مثلة.
قال النووي ﵀ (٤): المختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفيه من أصله، قال: وأما رواية: أحفوا الشوارب فمعناه أحفوا ما طال على الشفتين اهـ.
وفي موطأ الإمام مالك ﵀: قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل بنفسه اهـ.
وقال القرطبي ﵀: القص: أن يأخذ ما طال على الشفة، بحيث لا يؤذي عند الطعام ولا يجتمع فيه الوسخ اهـ.
стр. 74
قال ابن القيم ﵀: وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد فكان مذهبهم في شعر الرأس والشوارب أن الإحفاء أفضل من التقصير، وذكر بعض المالكية عن الشافعي أن مذهبه كمذهب أبي حنيفة في حلق الشارب، قال الطحاوي: ولم أجد عن الشافعي شيئا منصوصا في ذلك، وأصحابه الذين رأيناهم المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما، ويدل ذلك أنهما أخذاه عن الشافعي، وروى الأثرم عن الإمام أحمد أنه كان يحفي شاربه إحفاء شديدا، وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب، فقال: يحفى، وقال حنبل:
قيل لأبي عبد الله: ترى للرجل يأخذ شاربه ويحفيه أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصا فلا بأس، وقال أبو محمد في المغنى: هو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه، وقد روى النووي في شرح مسلم عن بعض العلماء أنه ذهب إلى التخيير بين الأمرين الإحفاء وعدمه، وروى الطحاوي الإحفاء عن جماعة من الصحابة أبي سعيد وأبي أسيد ورافع بن خديج وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر وأبي هريرة ﵃.
قال ابن القيم ﵀: واحتج من لم ير إحفاء الشارب بحديث عائشة وأبي هريرة ﵄ المرفوعين: "عشر من الفطرة" فذكر منها: قص الشارب، وفي حديث أبي هريرة ﵁: أن الفطرة خمس, وذكر منها: قص الشارب، واحتج المحفون بأحاديث الأمر بالإحفاء وهي صحيحة، وبحديث ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان يحفى شاربه" اهـ.
قال لشوكاني: والإحفاء ليس كما ذكره النووي في أن معناه أحفوا ما طال عن الشفتين، بل الإحفاء: الاستئصال كلما في الصحاح والقاموس والكشاف وسائر كتب اللغة، ورواية القص لا تنافيه، لأن القص قد يكون على جهة الإحفاء وقد لا يكون، ورواية الإحفاء معينة للمراد، وكذلك حديث الباب الذي فيه "من لم يأخذ من شاربه فليس منا" لا يعارض رواية الإحفاء لأن فيها زيادة يتعين المصير إليها، ولو فرض التعارض من كل وجه لكانت رواية
стр. 75
الإحفاء أرجح لأنها في الصحيحين وروى الطحاوي "أن رسول الله ﷺ أخذ من شارب المغيرة على سواكه" (١).
قال -أي الطحاوي- وهذا لا يكون معه إحفاء، ويجاب عنه بأنه محتمل، ودعوى أنه لا يكون معه إحفاء ممنوعة (٢)، وهو -وإن صح- كما ذكر لا يعارض تلك الأقوال منه ﷺ اهـ.
وذهب الطبري إلى التخيير بين الإحفاء والقص، وقال: دلت السنة على الأمرين ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض، والإحفاء يدل على أخذ الكل، وكلاهما ثابت فيتخير فيما شاء اهـ.
قال الحافظ: ويرجح قول الطبري ثبوت الأمرين معا في الأحاديث المرفوعة اهـ.
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: قلت: ما ذهب اليه الطبري هو الظاهر (٣).
وقال لشوكاني ﵀ معلقا على حديث (عشر من الفطرة) الحديث:
قوله وإعفاء اللحية, إعفاء اللحية: توفيرها، كما في القاموس، وفي رواية للبخاري: "وفروا اللحى" وفي رواية أخرى لمسلم: "أوفوا اللحى" وهو بمعناه. وكان من عادة الفرس قص اللحية، فنهى الشارع عن ذلك، وأمر بإعفائها.