← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 98119

أدلة تحريم حلق اللحية

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (134 стр.). Показаны 106–134 · переход к 111.

стр. 106

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا (١)، فَأَوْقَدَ نَارًا، وَقَالَ (٢): ادْخُلُوهَا، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا، وَقَالَ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ». أخرجه البخاري ومسلم والسياق له وأبو داود والنسائي وأحمد. وقال إمام المحدثين البخاري ﵀: وقال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها (٣). وقال في الأدب المفرد: باب بر الوالدين ما لم يكن معصية (٤). وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (٥). الإحسان بالوالدين وجب بأمر الله تعالى، فلو ترك العبد عبادة الله تعالى لقول الوالدين لترك طاعة الله تعالى

стр. 107

فلا ينقاد لما وصاه به فلا يحسن إلى الوالدين- فاتباع العبد أبويه في مخالفة الشرع لأجل الإحسان اليهما يقضي إلى ترك الإحسان إليهما، فترك هذا الإحسان صورة يفضي إلى الإحسان حقيقة (١). ثم قال تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) يعني عاقبتكم ومآلكم إلي، وإن كان اليوم مخالطتكم ومجالستكم مع الآباء والأولاد والأقارب والعشائر، ولا شك أن من يعلم أن مجالسته مع واحد خالية منقطعه وحضوره بين يدي غيره دائم غير منقطع لا يترك مراضى من تدوم صحبته لرضا من يتركه في زمان آخر (٣) اهـ. وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀: إن من أسباب استقامة القلب أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب، فإذا تعارض حب الله تعالى وحب غيره سبق حب الله تعالى حب ما سواه، فرتب على ذلك مقتضاه، وما أسهل هذا بالدعوى، وما أصعبه بالفعل، فعند الإمتحان يكرم المرء أو يهان، وما أكثر ما يقدم العبد ما يحبه هو ويهواه أو يحبه كبيره وأميره وشيخه وأهله على ما يحبه الله تعالى، فهذا لم تتقدم محبة الله تعالى في قلبه جميع المحاب، ولا كانت هي الملكة المؤمرة عليها، وسنة الله تعالى فيمن هذا شأنه أن ينكد عليه محابه وينغصها عليه ولا ينال شيئا منها إلا بنكد وتنغيص، جزاء له على إيثار هواه وهوى من يعظمه من الخلق أو يحبه على محبة الله تعالى، وقد قضى الله تعالى قضاء لا يرد ولا يدفع: أن من أحب شيئا سواه عذب به ولا بد، وأن من خاف غيره سلط عليه، وأن من اشتغل بشيء كان شؤما عليه، ومن آثر عليه غيره لم يبارك فيه، ومن أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولابد (٤) اهـ.

стр. 108

فائدة تتعلق بالإكراه على حلق اللحى تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في الإكراه هل يبيح القول والفعل أو الفعل فقط فانظر الفتاوى الكبرى (١/ ١١٦ - ١١٧) فتوى رقم (١٠٤)، وكذا مجموع الفتاوى (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣). تنبيه طاعة العلماء آكد من طاعة الوالدين قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى (١) في كلامه عن العلماء: هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض من طاعة الأمهات والأباء بنص الكتاب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء٥٩]. قال ابن عباس في إحدى الروايتين عنه وجابر بن عبد الله والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح والضحاك ومجاهد في إحدى الروايتن عنه: أولو الأمر: هم العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٢) اهـ.

стр. 109

المبحث الثاني تبصير أولي الألباب ببدعة تقسيم الدين إلى قشر ولباب فصل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ الآية [البقرة ٢٠٨] قال ابن كثير ﵀ (١): يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله- أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك اهـ. ثم نقل عن ابن عباس وغيره أنهم قالوا (ادخلوا في السلم) يعني: الإسلام، (كافة) يعني: جميعا، وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر. وقال الألوسي ﵀ (٢): والمعنى: أدخلوا في الإسلام بكليتكم، ولا تدعوا شيئا من ظاهركم وباطنكم إلا والإسلام يستوعبه بحيث لا يبقى مكان لغيره اهـ. وقال أيضا: وقيل: الخطاب للمسلمين الخلص، والمراد من (السلم) شعب الإسلام، و (كافة) حال منه، والمعنى (أدخلوا) أيها المسلمون المؤمنون بمحمد ﷺ في شعب الإيمان كلها، ولا تخلوا بشيء من أحكامه اهـ.

стр. 110

فصل الإرتباط بين الظاهر والباطن وقد تقرر عند العلماء المحققين أن هناك ارتباطا وثيقا بين الظاهر والباطن، وأن للأول تأثيرا في الآخر، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وإن كان ذلك مما قد لا يشعر به الإنسان في نفسه، ولكن قد يراه في غيره. قال شيخ الإسلام ﵀ وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء: وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والمولاة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وذلك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو الشعر أو المركوب ونحو ذلك من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، كذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضا لا يألفون غيرهم، حتى إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة، إما على الملك وإما على الدين، وتجد الملوك ونحوهم من الرؤساء -وإن تباعدت ديارهم وممالكهم- بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض، وهذا كله بموجب الطباع ومقتضاها، إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص، فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضائها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ

стр. 111

اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (١). فاخبر أن لا يوجد مؤمن يود كافرا، فمن واد الكفار فليس بمؤمن، فالمشابهة الظاهرة مظنة المودة فتكون محرمة اهـ. وهذا كله يؤيد أن مخالفة الكفار ليست أمرا تعبديا محضا، بل هو معقول المعنى واضح الحكمة التي وضحها شيخ الإسلام ﵀ وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ولا بد ارتباط ومناسبة، فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أمورا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب للقلب شعورا وأحوالا، وقد بعث الله محمدا ﷺ بالحكمة التي هي سنته وهي الشرع والمنهاج الذي شرعه له، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأمر بمخالفتهم في الهدى الظاهر، وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور: -منها أن المشاركة في الهدى الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهن يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس ثياب أهل العلم مثلا يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلا- يجد من نفسه نوع تخلق باخلاقهم، ويصير طبعه مقتضيا لذلك إلا أن يمنعه من ذلك مانع. - ومنها أن المخالفة في الهدى الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف إلى أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين، وكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالاسلام الذي هو الإسلام- لست أعني مجرد التوسم به ظاهرا أو باطنا بمجرد الاعتقادات التقليدية من حيث الجملة- كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنا أو ظاهرا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.

стр. 112

ومنها: أن مشاركتهم في الهدى الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التمييز ظاهرا بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية، هذا إذا لم يكن ذلك الهدى الظاهر إلا مباحا محضا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم، فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له اهـ. تقسيم الدين إلى قشر ولب بدعة عصرية نبغ في هذا العصر أقوام تلقوا هدى الإسلام من واقع حياتهم أولا، ولم يحيوا في جو علمي يتأثرون به في حكمهم على الأمور، فراحوا يحتجون ببعض النصوص لإثبات عكس ما وضعت له، ويسمون الأشياء بغير اسمها. ويتضح هذا جليا فيمن لا يهتمون ببعض الشرائع الظاهرة التي يسمونها شكليات, أو قشورا, ويدندنون فقط حول التمسك باللباب. وتقسيم الدين إلى قشر ولب تقسيم غير مستساغ، بل هو محدث ودخيل على الفهم الصحيح للكتاب والسنة، ولم يعرفه سلفنا الصالح الذين كل الخير والنجاة في اتباعهم واقتفاء آثارهم ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (١) وهذه القسمة إلى قشر ولب، وظاهر باطن يتبعها المناداة بإهمال الظاهر احتجاجا بصلاح الباطن تلقى رواجا عند المستهترين والمخدوعين. حينما يرون علمائهم يسمون المعاصي بغير اسمها فيقولون لهم -مثلا- إن إعفاء اللحية من سنن العادة، وقد عد بعضهم (عفا الله عنه) إعفاء اللحية وقص الشارب من الأمور العادية التي لا صلة لها بتبليغ الرسالة وبيان الشرع، وعد ذلك من قبيل المندوب بل في ثالث مراتبه بعد السنن المؤكدة وغير المؤكدة، بل قال: ومن أخذ به على أنه جزء من

стр. 113

الدين، أو على أنه أمر مطلوب على وجه الجزم فإنه يبتدع في الدين ما ليس منه (١) اهـ. وهؤلاء يكتفون بمثل هذه الدعاوى دون أن يطرقوا الأدلة السابقة، ومن عادة أهل العلم أنه إذا كان في المسالة خلاف بين العلماء فإنهم يقيمون الأدلة الصحيحة على فتواهم، ويجيبون عن أدلة مخالفيهم، وهؤلاء أئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم القدامى متفقون على وجوب إعفاء اللحية، وهذا المستهتر الذي يطيح بلحيته مذكور حتى اليوم في كتب الفقه وموصوف بأنه فاسق لا تقبل شهادته، وذلك أن الفاسق هو الذي يعلن على الملأ ارتكابه لأمر حرام. وممن أفتى برد شهادته الشيخ محمد حبيب الله ﵀ ونص في كتابه فتح المنعم: على منع حلق اللحية، ثم لم يلبث أن حاد عن المنهج العلمي في التحقيق حين قال عقيب ذلك مباشرة: ولما عمت البلوى بحلقها في البلاد المشرقية حتى إن كثيرا من أهل الديانة قلد فيه غيره خوفا من ضحك العامة منه لاعتيادهم (٢) حلقها في عرفهم (٣) بحثت غاية البحث عن أصل أخرج عليه جواز حلقها حتى يكون

стр. 114

لبعض الأفاضل مندوحة عن ارتكاب المحرم باتفاق، فأجريته على القاعدة الأصولية وهي أن صيغة "أفعل" في قول الأكثرين للوجوب، وقيل: للندب، وقيل: للقدر المشترك بين الندب والوجوب، وقيل: بالتفصيل، فإن كانت من الله تعالى في القرآن فهي للوجوب، وإن كانت من النبي ﷺ -كما في الحديث هنا على الروايتين وهما رواية: وفروا، ورواية: إعفوا- فهي للندب، وقد أشار إلى هذه الأقوال في صيغة افعل صاحب مراقي السعود في علم الأصول بقوله: وافعل لدى الأكثر للوجوب ... وقيل للندب أو المطلوب وقيل للوجوب أمر الرب ... وأمر من أرسله للندب وهذا القول الأخير هو الذي ينبغي حمل العامة عليه لما عمت البلوى بهذه البدعة الشنيعة وهي في حق العلماء أقبح وأقبح. وغيرهم أولى بالعذر، نسأل الله تعالى التوفيق لاتباع السنة والمحجة البيضاء (١) اهـ. وإن تعجب فعجب قول بعضهم (٢): صحيح أنه لم يقل عن أحد من السلف حلق اللحية، ولعل ذلك لأنه لم تكن بهم حاجة لحلقها وهي عادتهم اهـ. وهذا تعليل ساقط يكفي سقوطه عن رده، وكان الأولي به أن يستدل بعدم حلق أحدهم اللحية على عدم جوازه عندهم، قال الإمام ابن حزم ﵀ في مراتب الإجماع: واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يحرم حلق اللحية للأحاديث الصحيحة، ولم يبحه أحد اهـ. بل كان السلف يعظمون اللحية، ويعلون من شأنها كما في قصة قيس بن سعد ﵄ فقد كان أثطا (أي أمرد لا لحية له) فقالت الأنصار:

стр. 115

نعم السيد قيس لبطولته وشهامته ولكن لا لحية له، فوالله لو كانت اللحية تشتري بالدراهم لاشترينا له لحية ليكمل رجلا. وقسمة الدين إلى قشر ولب تؤثر في قلوب العوام أسوأ تأثير، وتورثهم الاستخفاف بالأحكام الظاهرة، وينتج عنها الإخلال بهذه الأمور التي سميت قشورا، فلا تلتفت قلوبهم إليها، فتخلو من أضعف الإيمان ألا وهو الإنكار القلبي الذي هو فرض عين على كل مسلم تجاه المنكرات. ونحن إذا تسامحنا معهم في هذه القسمة إلى قشر ولب، فإننا نلفت أنظارهم إلى أن قياس أمور الدين على الثمار من حيث إن لكل منهما قشرا ولبا، وظاهرا وباطنا، لا يعني أن القشرة التي أوجدها الله للثمرة إنما خلقت عبثا، حاشا وكلا بل لحكمة عظيمة وهي المحافظة على ما دونها وهو اللب نفسه، وهذا يحملنا على أن لا نستهين بالقشر من حيث كونه حارسا أمينا على اللب، وهكذا الشأن في أمور الدين الظاهرة على التفصيل الذي تقدم قريبا من كلام شيخ الإسلام ﵀. ومن هذا القبيل تقسيم الدين إلى أصول وفروع، فإن العلماء الذين فعلوا ذلك لا يظن بهم أنهم قصدوا بذلك التقسيم إيجاب الاتفاق على الأصول، ثم التسامح مطلقا في الفروع، كما يظن بعض متفقهة هذا الزمان، فتراهم يميعون كل قضية فرعية بدعوى أن اختلاف الأمة ما دام في الفروع فهو رحمة، وهذا أصل قولهم: (من قلد عالما لقي الله سالما). وهذا بدوره قد أدى ببعضهم إلى اتباع الهوى والترخص دون تحري الدليل، ويلزم من ذلك القول بأن الاتفاق سخط، وهذا ما لا يقوله مسلم، ولو أنهم كانوا يرون أن الخلاف شرا كما قال ابن مسعود ﵁ وغيره بل كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، لسعوا إلى الاتفاق، ولأمكنهم ذلك في كثير من هذه المسائل المتناقضة التي لا يمكن التوفيق بينها، إلا برر بعضها المخالف للدليل وقبول البعض الآخر الموافق له، وإلا فقد نسبوا إلى الشريعة للتناقص والله يقول:

стр. 116

﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). فإذا كان الاختلاف ليس من الله فكيف يصح جعله شريعة متبعة ورحمة منزلة؟ فالواجب التخلص من الخلاف ما أمكن أو تضييق دائرته عملا بقوله ﷺ : "سددوا وقاربوا"، وهذا ممكن في كثير من المسائل بما نصب الله تعالى عليها من الأدلة التي يعرف بها الصواب من الخطأ والحق من الباطل، ثم بعد تحري الدليل والعجز عن التخلص من الخلاف يعذر بعضهم بعضا فيما قد يختلفون فيه (٢). والذين قسموا الدين إلى قشر ولب استدلوا ببعض النصوص لتبرير ما ذهبوا إليه: منها ما رواه أمير المؤمنين عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى،" [الحديث أخرجه البخاري ومسلم]. ومنها ما رواه النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ " [رواه البخاري ومسلم]. ومنها ما رواه أبو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ». [رواه مسلم].

стр. 117

قالوا: فهذه النصوص وأمثالها كثير تدل على أن العبرة بصلاح الباطن وصفاء النية وسلامة القلب. وجواب ذلك أن يقال: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله، إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله. وهذه من حكم الله الباهرة وآياته الظاهرة التي تبطل عمل المفسدين. فقوله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى" لا يدل بأي وجه من وجوه الدلالات على إهدار العمل الظاهر، وعدم اعتباره، ولكنه يرشدنا إلى أحد شرطي العبادة الصحيحة، وهما شرط في الظاهر وشرط في الباطن، فأما شرط الظاهر فأن يكون العمل موافقا لسنة النبي ﷺ منافيا للبدع، ودليل هذا الشرط قوله ﷺ : " مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ " وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وأما شرط الباطن فهو إخلاص النية لله المنافى للرياء ودليله قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". وقد جمعها الله ﵎ في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وقال الفضيل بن عياض ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال أخلصه وأصويه، وقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا وصوابا، قال: والخالص إذا كان لله ، والصواب إذا كان على السنة. فالحديث دليل على خطر النية وعظم شأنها، ولا يدل بحال على إسقاط شعائر الإسلام الظاهرة، وقوله ﷺ "الأعمال بالنيات" تقديره الأعمال الواقعة بالنيات, أو الأعمال حاصلة بالنيات (١) , أي الأعمال

стр. 118

الاختيارية لا تقع إلا عن قصد من العامل هو سبب وجودها وعملها، ثم يكون قوله: "وإنما لكل أمرئ ما نوى" إخبارا عن حكم الشرع، وهو أن حظ العامل من عمله بنيته فإن كانت صالحة فله أجره، وإن كانت فاسدة فعمله فاسد فعليه وزره. بل في الحديث ما يدل على خطورتها أيضا، وهو قوله ﷺ بعد ذلك "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». فهذا مثل من الأمثال والأعمال التي صورتها في الخارج واحدة ويشترك فيها المؤمنون والمنافقون، ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، فهل يستقيم أن يستنبط إنسان من هذا ذم الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام اعتمادا على صدق النية، ألا يكون تخاذله عن هذه الهجرة من باب أولى أعظم دليل على فساد قلبه وسوء نيته؟! مصداقا لقوله ﷺ : "أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، "أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ "". وما قيمة هذه النية المزعومة إذا لم ينبثق عنها امتثال الأوامر واجتناب المناهي ونظير ذلك نصوص كثيرة تربط بين كافة الشرائع الظاهرة وبين النية وتعلق الفلاح على صلاح النية وصلاح العمل. قال مطرف بن عبد الله: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية. من ذلك قوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄. فقوله ﷺ "وحسابهم على الله يعني أن الشهادتين مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهي أعمال ظاهرة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا إلا بأن يأتي ما يبيح دمه، وأما في الآخرة فحسابه على الله فإن كان صادقا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبا فإنه من

стр. 119

جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وفي بعض روايات مسلم: "ثم تلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾. ومن ذلك ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن خالد بن الوليد إستاذن النبي ﷺ في قتل رجل، فقال: " «لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي» قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ». ومن ذلك قوله ﷺ : "مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَهُوَ لَا يَنْوِي فِي غَزَاتِهِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى" أخرجه الإمام أحمد والنسائي من حديث عبادة بن الصامت ﵁. ومنه قوله ﷺ : «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ العُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ». أخرجه الترمذي من حديث كعب بن مالك ﵁. فهذه كلها وأمثالها كثير نصوص تنبه على خطورة الإخلاص واشتراطه في الأعمال الصالحة، وإن القول بإهدار الأعمال الظاهرة قول ساقط يؤدي إلى ضياع الدين واستحلال المحرمات احتجاجا بالنية الصالحة المزعومة، وكذبوا، لو حسنت نياتهم لحسنت أعمالهم وكذلك قوله ﷺ : "أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ" فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للحرمات وانتقائه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقى الشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسدا قد استولى عليه اتباع الهوى وطلب ما يحبه ولو كرهه الله فسدت

стр. 120

حركات الجوارح كلها وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب، ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره. لا يخالفونه في شيء من ذلك. والحاصل أنه يمكن الاستدلال على صلاح القلب أو فساده بمدى ما تظهره جنوده من الانقياد لشرائع الإسلام، فلا يتصور قلب صالح عامر بالعلم والإيمان ينضح منه معاندة الشرع، إذ أن الظاهر عنوان الباطن ودليل صلاحه أو فساده. فاللحية مثلا من الجسد الذي هو مرآة القلب فمن استأصلها محتجا بصلاح قلبه كذبه ظاهره، ومن امتثل أوامر الشرع بإعفائها كانت قرينة ظاهرة في الدنيا على امتثاله لشرع الله في الظاهر وحسابه على الله في الآخرة. والله نسال أن يجعل سرائرنا أصلح من ظواهرنا وهو وحده ولي التوفيق. وأما قوله ﷺ : " إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ". فهو حجة عليهم لا لهم؛ لأنه ﷺ لم يقل "ولكن ينظر إلى قلوبكم" حتى عطف عليها "وأعمالكم" يعني التي تنبثق من تلك القلوب، والتي لا بد أن تكون صالحة موافقة لمرضاة الله مرجوا بها وجهه سبحانه. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١). ولا شك أن هذا الأسلوب في فهم النصوص هو وحده الكفيل بأن يسد الباب في وجه الزنادقة والملاحدة الذين يتحصنون وراء دعوى حسن النية ويرتكبون المخالفات الشرعية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢) ويضربون

стр. 121

بالأحكام الظاهرة التي هي شعائر الإسلام وأعظم أركانه كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها عرض الحائط دون أن ينكر عليهم منكر وإلا لزم أيضا نسبة التناقض إلى الشرع المنزه حيث تنبني أحكامه على ما يظهره الناس في دار الدنيا ثم تهدر هذه الشرائع بحجة حسن نية ممن أهدروها, وهذا ما لم يفعله المنافقون في عهد رسول الله ﷺ فإنهم كانوا يصلون معه ويحجون معه ويجاهدون معه، وكانوا يتناكحون ويتوارثون مع المسلمين وكان المسلمون يصلون عليهم ويدفنوهم معهم أخذا بما يظهرونه. ثم نقول: أليس الذي نطق بالنصوص التي تدل على أهمية النية هو الذي نطق بالنصوص التي فيها اعتبار الظاهر ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ﷺ , وصدق الله تعالى إذ قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). وإذا كانت النصوص السابقة قد أسست فكرة الارتباط بين الظاهر والباطن فإن هناك جملة من النصوص قد فصلت هذه الفكرة وأثبتت تاثير كل منهما في الآخر: منها ما رواه النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ، حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: «عِبَادَ اللهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ». وفي رواية: قلوبكم" أخرجه مسلم وأبو عوانة والراوية الأخرى لأبي داود. فأشار ﷺ إلى أن الاختلاف في الظاهر ولو في تسوية الصف مما يوصل إلى اختلاف القلوب، فدل على أن الظاهر له تاثير في الباطن ولذلك كان النبي ﷺ ينهى عن التفرق حتى في جلوس الجماعة، فقد قال جابر بن سمرة ﵁.

стр. 122

دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ وَهُمْ حِلَقٌ فَقَالَ: «مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ» (١). رواه مسلم وأبو داود. وعن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا - قَالَ عَمْرٌو: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلًا - تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ». فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى يُقَالَ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ. أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم وغيرهم, وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. ومما يقوى اعتبار الظاهر ما تقرر في الشريعة من وجوب مخالفة الكفار وتحريم التشبه بهم وقد مرت أدلته، وما تقرر أيضا من تحريم تشبه الرجال بالنساء والعكس بل توعد فاعل ذلك باللعن وهي من الكبائر، ولا شك أن المشاركة في الظاهر توجب الاختلاط الظاهر بين المؤمنين والكافرين، وهذا مما حرص السلف على تجنبه، وهو واضح من سلوكهم مع أهل الملل من البلاد التي فتحوها، حتى كانوا يشترطون في عقد الذمة ألا يتزيا المشركون بزي المسلمين. وطريق الهدى أن تصلح الظاهر والباطن: نصلح ظاهرنا بإتباع السنة وباطننا بدوام مراقبة الله تعالى ولا ندع العمل الصالح حذر الرياء، ولا نعمله رئاء الناس. والله الموفق.

стр. 123

فصل دعوا السنة تمضي، لا تعرضوا لها بالرأي يحلو لبعض الناس ممن يتقنون صناعة الشبهات وضرب الأمثال أن يتصدوا لكل داع يبين حكم الشرع في قضايا الفروع سواء تكلم بها ابتداء أو جاءت إجابة لسائل يسال، فيثيرون الاعتراضات العقلية الجدلية معرضين عن الأدلة الشرعية، فيقولون مئلا: المسلمون ينبغي أن تتجه همتهم إلى الأمور الخطيرة التي تهدد كيانهم، ولا ينبغي تضييع الوقت في الدعوة إلى هذه الشكليات، وهل تم تطبيق الإسلام كله حتى لم يبق إلا إعفاء الناس لحاهم حتى يعود مجد الإسلام؟ وهل زالت المنكرات الكبرى التي عمت المجتمع حتى لم يبق إلا حلق اللحية منكرا يجب تغييره؟ والحق أن هذه الشبهات لا تصدر عن صاحب فقه وشرع، وهي شبهات فارغة ساقطة يكفي سقوطها في ردها، ولولا أنها تلبس على بعض الناس أمور دينهم لما التفتنا إليها، ولما تجشمنا الرد عليها: لأن هذا المنطق الكاسد والرأي الفاسد سوف ينسحب بلا قيد على كثير من أحكام الشريعة التي لا توافق الأهواء، بحيث لا يبقى بعد ذلك مجال للدعوة إلى اجتناب المحارم وتعظيم الشعائر، وتصبح الشريعة ألعوبة في يد المنحرفين عن أحكامها، يعظم أحدهم ما يحتقره الأخر والعكس بالعكس، فماذا يبقى من الإسلام بعد تمييع هذا كله؟ هذا وإن أخطار هذا المنهج العليل غير محدودة إذ لا يلبث أصحابه أن ينقلوا التمييع إلى الخلاف في الأصول فماذا يبقى من الإسلام حين يصبح الإنكار في مسائل التوحيد والشرك مثلا أيضا مما يفرق المسلمين؟

стр. 124

ويقولون أيضا: هؤلاء المسلمون المستضعفون يذبحون في بلادهم، والكنيسة الشرقية تتحد مع الكنيسة الغربية للفتك بالمسلمين، واليهود يخططون لاستئصالنا وأنتم تتكلمون في هذه الفرعيات وتثيرون الفرقة والفتنة. والجواب: أن ترك الواجب الشرعي مخافة الفتنة الظنية هو في حد ذاته فتنة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ (١) ولا تكون الفتنة حادثة بسبب التناصح بين المؤمنين بالتي هي أحسن وإنما تحدث من الجدل والعناد مع وضوح الحق وبيان الحجة. إن ما ذكرتموه من إضطهاد المسلمين وضعفهم وتآمر أعدائهم إلخ كل هذا حق ولكنكم أتيتم من خلطكم بين الأمور، فكلامكم قد يكون حقا إذا سلمنا لكم أن التمسك بالفرعيات يتعارض مع مواجهة تآمر الأعداء وجهادهم، والحق أنه لا يلزم التعارض بينهما، إذ إن بيان الحق في الأمور الفرعية لا يتعارض مع جهاد الأعداء إذا كان الهدف هو حقا بيان الحق مع البعيد عن الجدل العقيم وقد واجه الرعيل الأول أخطارا تهدد كيانهم، ولم يحملهم ذلك على ترك الفرعيات وتقرير الحق فيها والزام أنفسهم باللازم منها، ومع ذلك سادوا الأمم، وأسقطوا عروش الكفرة وأقاموا صرح الإيمان شامخا، والذي يفت في عضد المسلمين هو من يجادل في الحق بعدما تبين، ويصر على عدم الانقياد له، ويثير الجدال بشبهات سقيمة، وليس من يدعوهم إلى التمسك بالكتاب والسنة، وإذا كان الكفار مخاطبين بفروع الشريعة على الأرجح (٢) فكيف بالمسلمين الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا

стр. 125

دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٢) دون تفريق بين فروع وأصول, وبين ظاهر وباطن, وبين قشر ولب, وربنا جل وعلا قد أمر المؤمنين بالقيام بما شرعه من دينه -ولو كان من القضايا العلمية التي يسمونها فروعا- في أشد أوقات الكفاح وهو وقت الالتحام المسلح مع الأعداء، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٣) الآية. وما يتوهمه هؤلاء المخالفون ما هو إلا نتبجة لتخيلهم أن النسبة بين مواجهة الأعداء والانتصار عليهم, وبين تعلم المسائل الفرعية والتمسك بها وإن دقت؛ إنما هي تباين المقابلة، كتباين النقيضين: كالعدم والوجود، والنفي والإثبات، أو تباين الضدين: كالسواد والبياض، والحركة والسكون، أو تباين المتضائفين: (كالأبوة والبنوة) والفوق والتحت، أو العدم والملكة كالبصر والعمى. فإن الوجود والعدم لا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة كذلك الحركة والسكون مثلا، وكذلك الأبوة والبنوة، فكل ذات تثبتت لها الأبوة لذات استحالت عليها البنوة لها، بحيث يكون شسخص أبا وابنا لشخص واحد، كاستحالة اجتماع السواد والبياض في نقطة بسيطة، أو الحركة والسكون في جرم، وكذلك البصر والعمى لا يجتمعان. فتخيل هؤلاء أن مواجهة الأعداء والتمسك بالفروع متباينان تباين مقابلة بحيث يستحيل اجتماعهما، فكان من نتائج ذلك هذه المعارضة المتهافتة. والتحقيق أن النسبة بين الأمرين بالنظر إلى العقل وحده، وقطع النظر عن النصوص النقلية؛ إنما هي تباين المخالفة.

стр. 126

وضابط المتباينين تباين المخالفة أن تكون حقيقة كل منهما في حد ذاتها تباين حقيقة الآخر ولكنهما يمكن اجتماعهما عقلا في ذات أخرى: كالبياض والبرودة، والكلام والقعود، والسواد والحلاوة. فحقيقة البياض في حد ذاتها تباين حقيقة البرودة، ولكن البياض والبرودة يمكن إجتماعهما في ذات واحدة كالثلج، وكذلك الكلام والقعود، فإن حقيقة الكلام تباين حقيقة القعود، مع إمكان أن يكون الشخص الواحد قاعدا متكلما في وقت واحد، وهكذا فالنسبة بين (جهاد الأعداء. ومواجهة تآمرهم) وبين (الدعوة إلى الفروع والتمسك بها وتعليم الناس) من هذا القبيل، فكما أن الجرم الأبيض يجوز عقلا أن يكون باردا كالثلج، والإنسان القاعد يجوز عقلا أن يكون متكلما، والتمرة السوداء يجوز عقلا أن يكون مذاقها حلوا، فكذلك المتمسك بالفروع يجوز عقلا أن يواجه أعداءه ويجاهدهم إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على أوامر الله واجتناب مناهيه مشتغلا بجهاد أعدائه بكل ما في طاقته كما لا يخفي، وكما عرفه التاريخ لنبينا ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. أما بالنظر إلى أدلة الكتاب والسنة كقوله تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (١) وقوله : ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٢) وغير ذلك من النصوص فإن النسبة بين التمسك بالشعائر الإسلامية وبين تنزيل النصر من الله جل وعلا كالنسبة بين الملزوم ولازمه، لأن التمسك بالدين هو ملزوم النصر، بمعنى أن يلزم عليه الانتصار كما صرحت الآيات. وهؤلاء المخالفون أظهروا الناس أن الربط بين الملزوم ولازمه كالتنافي الذي بين النقيضين والضدين، وهؤلاء بدورهم أذعنوا لهم لسذاجتهم وجهلهم، وأنتج ذلك نفرة في قلويهم بمجرد سماع من يتكلم في الفروع إيهاما له بأنه يبطل بذلك الجهاد. هذا وإن من البديهي أن فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يستقيم الظل والعود أعوج. والدولة المسلمة لن تقوم إلا على أكتاف أولي العزم الذين يلتزمون بكافة

стр. 127

أحكام الشرع، ويوافقونها في ظاهرهم هم وباطنهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١). والدولة المسلمة ما هي إلا ثمرة حتمية لتمسك جنود الإسلام بكل شرائع دينهم، والدعوة الإسلامية الأمينة على الإسلام لا تساوم على شيء من أحكامه ولكنها تحفظها كلها آداء للأمانة وإعذارا لنفسها أمام الله ﵎. ولا شك أن إنكار المنكرات المتعلقة بالنفس -مع فقدان المانع من تغييرها- من أيسر الأمور، فإذا تساهلنا في هذا مختارين، فكيف ننكر على غيرنا؟ وقد أخبرنا الله أن مصدر الخيرية لهذه الأمة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢) وأخبر أن من أسباب ضعف المجتمع ترك التناهي عن المنكرات والأمر بالمعروف فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣) وتوعدنا رسول الله ﷺ أن يصيبنا ما أصابهم إذا فعلنا مثل فعلهم وقد عاقب الله من ضيع حظا من شريعته في قوله تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٤)، ودلنا رسول الله ﷺ على المخرج من فتنة الافتراق بقوله: "فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَهٌ ". فالمسلمون إذا نزلت بهم مخمصة وشدة فإن من أسباب جلاء الغمة عنهم

стр. 128

المزيد من التمسك بالسنن والبراءة من البدع وليس مهادنة أهل البدع، وتثبيط الدعاة إلى السنن. قياس فاسد ومن أقيستهم العقلية الفاسدة التي يلبسون بها على العوام قولهم: إنما مثل من يتكلم في هذه الفرعيات والأعداء محدقون بنا كمثل رجل قائم على الشاطىء، وشخص يعالج الأمواج يوشك أن يغرق وقد بدا شيء من عورته، فيهتف الأول بالثاني منكرا عليه ما ظهر من عورته غير مبال بالخطر المحدق به والذي يودي بحياته. وجواب هذا أن يقال: أنتم تقيسون فرعا على أصل ليس بينهما أي تماثل والأصل المقيس عليه حالة ضرورة فلا شك يقدم دفع الضرر الأكبر الذي هو تلف النفس على المنكر الأصغر الذي هو بدو شيء من العورة، فكذا إذا دهمنا الأعداء ننفر جميعا لمواجهتهم دون التفات إلى خلافات فرعية إنشغالا بالمنكر الأكبر. أما الفرع المقيس وهو وضع مجتمعاتنا في هذا الزمان فلا شك أنه في بلادنا -على الأقل- دون حالة الضرورة التي فيها تتلف الأنفس والأديان ويهلك الحرث والنسل وينفر المسلمون نفيرا عاما بما فيهم الشيوخ والنساء ... وقد يستنكر هذا الكلام لأول وهلة، أو يساء الظن بقائله، ولكني آتي بالدليل عليه من واقع حياة المعترضين أنفسهم فأقول: هل واقع حياتكم مثل واقع رجل يلقى بنفسه في المخاضة ولا يلوي على شيء لينقذ غريقا يصارع الأمواج ويوشك على الغرق؟ وهل هو واقع قوم أتاهم النذير ونودي فيهم بالنفير العام؟ لماذا إذن تحيون حياة رتيبة هنيئة تتمتعون فيها بالحاجيات بل الكماليات والتحسينات تطعمون الفواكه، وتتنعمون في الفرش، وتتنزهون في المتنزهات، وكل هذا لا ينكر عليكم ولا تستنكرونه من غيركم.

стр. 129

فلماذا إذن تضعون العوائق في طريق السنة، وتضربون لها الأمثال، وتجهدون عقولكم في استخراج أمثال هذه الأقيسة العقلية الفاسدة، أفكانت سنة رسول الله ﷺ أهون عليكم من هذه التفاهات الدنيوية؟! أفلا يردعكم عن هذا التثبيط قول أمير المؤمنين عمر ﵁: "دعوا السنة تمضي، لا تعرضوا لها بالرأي"؟ ولا قول سفيان: "استوصوا بأهل السنة خيرا، فإنهم غرباء". ولماذا لا تصرفون جهدكم إلى محاربة المعاندين للسنة المجادلين بغير الحق عن البدع؟ لقد ضرب لنا رسول الله ﷺ مثلا هو أصدق من قياساتكم الفاسدة حين قال: " مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ، وَالْمُدَّهِنِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يَصْعَدُونَ، فَيَسْتَقُونَ الْمَاءَ، فَيَصُبُّونَ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا، فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا: لَا نَدَعُكُمْ تَصْعَدُونَ، فَتُؤْذُونَنَا، فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا: فَإِنَّنَا نَنْقُبُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا، فَنَسْتَقِي " قَالَ: " فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ، فَمَنَعُوهُمْ، نَجَوْا جَمِيعًا، وَإِنْ تَرَكُوهُمْ غَرِقُوا جَمِيعًا " أخرجه البخاري وأحمد والترمذي من حديث النعمان بن بشير ﵄ فالسكوت على المنكرات سواء في فروع أو أصول ظاهر، أو باطن سبب من أسباب نزول العقوبات العامة وعموم الفتنة والعذاب. ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ قال الله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١). وقال : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (٢).

стр. 130

وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (١) الآية. فلا شك أن خلق الإنسان على هذه الصورة هو من ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٢) وهو من حسن صنع الله جل وعلا، فلا يمكن أن يكون خلق الرجل بلحية يأمره الشرع بإعفائها خطأ من الله وتقدس حاشا وكلا ... وهذا الرجل الذي يعبث بخلق الله ويستأصل لحيته لا ننتظر منه أن يكذب هذه النصوص التي أمر فيها رسول الله ﷺ بإعفاء اللحى، ولا نتوقع منه أيضا أن يجهر بقوله: هذا خطأ من الله تعالى وتقدس، وكان الأحسن أن يخلق الرجل بغير لحية. فهذا لا يقوله إلا كافر ملحد. لكن الحقيقة أن استقباح ما استحسنه الشارع واستحسان ما استقبحه يصدر من بعض هؤلاء بلسان الحال الذي هو أنطق من لسان المقال في كثير من الأحيان. فانت إذا كنت تتخذ ثوبا حسنا هل ترمي به أرضا ثم تتخذ مكانه الثوب القبيح الممزق؟ لا شك أن هذا خلاف الفطرة والعقل السليم. فمن كان يستحسن بقلبه ما وصفه الله بأنه ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هل يعمد مختارا إلي هذا الوصف الحسن فيزيله ويطيح به أرضا ويتشبه في ذلك بالكفار الذين استحسنوا هذه المعصية؟ قال يقال: نعم قد يصدر هذا من المسلم الذي يستحسن إعفاء اللحية ْبقلبه، ولكنه لا يستحل حلقها ويشعر أنه آثم بحلقها فما هو إلا عاص من عصاة المسلمن. نقول: حقا قد يصدر من المسلم عمل الكفار ولكن لا يشاركهم في اعتقادهم باستحسان هذا الفعل، فالمسلم مثلا إذا تزيا بالزي الأوروبي وهو يتحسر على ذلك ويقول في نفسه: لا حول ولا قوة إلا بالله، اضطررت لمسايرة الناس، لعل الله يعافينا من هذا. وهكذا هذا كفر عملي كسائر المعاصي لأنه لم يشاركهم في استحسان ما

стр. 131

أستقبحه الشرع وإن شاركهم في الظاهر، فهذا مسلم له ما لنا وعليه ما علينا، ولكنه إذا واظب على هذه العادات الأجنبية الكافرة فالغالب أنه مع الزمان يموت في قلبه ذلك الإحساس بالإثم ثم يقع في استحسان هدى الكفار واستقباح هدى سيد المرسلين ﷺ ، وأخبرني بربك عن قوم يتزينون بحلق لحاهم ويستحي أحدهم أن يظهر في المحافل والجمع والأعياد وقد طالت لحيته شيئا يسيرا، ثم يهنىء بعضهم بعضا بهذه المعصية قائلا نعيما. ومنهم من يصف إعفاء اللحية بانه قذارة، كبرت كلمة تخرج من أفواههم ... كم شخصا منهم حينما يمر الموسى على لحيته يقول: أعوذ بالله من هذا العمل، لعل الله يتوب علي منه؟ لا شك أن هذا الشعور قد مات مع الزمن، ولا يشفع لهم فتاوى تصدر من بعض المنتسبين إلى العلم تبيح لهم هذه المعصية، يسمونها لهم بغير اسمها، ويقولون هي سنن عادة لا عبادة، كيف والنبي ﷺ يقول: "عشر من الفطرة". ويذكر فيها "إعفاء اللحى"، ويقول ربنا ﵎: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (١). ترى هل يحس هؤلاء بصدى قوله ﷺ : "خير الهدى هدى محمد ﷺ "، كيف يتذوقون هذا وقد أشربت قلوبهم حب هدى الكفار وتعظيمهم واستحسان جميع أحوالهم والنظر إليهم على أنهم القدوة والمثل الأعلى، فقلدوهم في كل شيء حتى أصبحوا يجهلون من دينهم كل شيء، وتدرجوا في الإنسلاخ من الإسلام شيئا فشيئا فلم يبق لهم إلا

стр. 132

الإسم، وسلبوا أعظم أسباب القوة وهي الاعتزاز بكتاب ربهم وهدى نبيهم ﷺ (١). ترى أين هم من موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الذي روى الحاكم من طريق بن شهاب: "خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَأَتَوْا عَلَى مَخَاضَةٍ وَعُمَرُ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَنَزَلَ عَنْهَا وَخَلَعَ خُفَّيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ فَخَاضَ بِهَا الْمَخَاضَةَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ تَفْعَلُ هَذَا، تَخْلَعُ خُفَّيْكَ وَتَضَعُهُمَا عَلَى عَاتِقِكَ، وَتَأْخُذُ بِزِمَامِ نَاقَتِكَ، وَتَخُوضُ بِهَا الْمَخَاضَةَ؟ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ اسْتَشْرَفُوكَ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَوَّهْ لَمْ يَقُلْ ذَا غَيْرُكَ أَبَا عُبَيْدَةَ جَعَلْتُهُ نَكَالًا لَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ». قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقال الألباني: وهو كما قالا. وفي رواية للحاكم: "يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر. إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلق نبتغي العز بغيره".

стр. 133

خاتمة في الحث على الرفق في النصيحة اعلم يا أخي المسلم, أرشدني الله وإياك إلى ما فيه رضاه: أن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر لا ينبغي له أن يعدل عن الرفق والتعريف إلى الشدة والتعنيف ما وجد إلى ذلك سبيلا، وقد أرسل ربنا كليمه موسى وهارون صلى الله عليهما وعلى نبينا وسلم إلى شر الناس فرعون لعنه الله فقال : ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ هذا مع أنه هو الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ كما حكى عنه ربنا ، وقد قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» (١) وقال ﷺ : "إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ " (٢) وقال ﷺ : «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (٣) وقال ﷺ «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (٤). ومن أحق الناس بحسن الصحبة والرفق الوالدان قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ وسئل الحسن البصري ﵀ عن الولد، كيف ينكر على والده؟ فقال: يعظه ما لم يغضب، فإذا غضب سكت عنه (٥). وفي بعض الآثار: إن من حق الوالد على ولده أن يخشع له عند الغضب (٦) فالولد لا

стр. 134

يجوز له أن ينكر على والديه إلا في حدود مرتبتي التعريف، ثم الوعظ بالنصح اللطيف، ولا يتجاوزهما بحال إلى مرتبتي السب والتعنيف أو التهديد بالضرب والتخريف، وعلى الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يتفقه في هذه العبادة العظيمة قبل ممارستها وذلك بتعلم فضائلها ومراتبها وآدابها وقواعدها، وهذا آخر ما تيسر جمعه من مسائل هذا البحث أسال الله أن ينفع به أهل السنة والإيمان ويقمع به أهل البدعة والطغيان، وأن يتقبله منا ويجعله خالصا لوجهه الكريم. وجزى الله خيرا كل من نظر فيه بعين الإنصاف، ونصح لله ولرسوله وللمسلمين، فاستدرك علينا ما لا بد من ركوبه من زلل فقد أبى الله العصمة إلا لكتابة قال : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ والحمد لله الذي تتم بجلاله ونعمته الصالحات، وعلى نبيه ورسوله سيدنا محمد أفضل الصلوات وأكرم التحيات. وكان الفراغ من تهذيبه وترتيبه ونسخه في يوم السبت الثامن والعشرين من المحرم سنة ١٤٠١هـ الموافق السادس من ديسمبر ١٩٨٠م.