كيفية إعفاء اللحية وحف الشارب
قال ﷺ : «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى» (١)
قوله (أنهكوا) أي: بالغوا في القص، ومثله (جزوا) والمراد للمبالغة في قص ما طال على الشفة لا حلق الشارب كله، فإنه خلاف السنة العملية الثابتة عنه ﷺ ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ أَوْ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ، قَالَ: وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ يَفْعَلُهُ " (٢).
قال القارئ معلقا: فالإقتداء بالحبيب بعد الخليل يورث الأجر الجميل والثواب الجزيل (٣) اهـ.
وقال الشيخ أحمد الدهلوي في مسائل اللحية: قال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح أبي داود: الحكمة في قص الشارب أمر حنيفي -أي إبراهيمي- وهو تحسين الهيئة والتنظيف، وقد يرجع تحسين الهيئة إلى الدين، ولعل في قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ إشارة إليها كأنه قال: فلا تغيروها بما يزيل حسنها ومنظرها، كما قال تعالى حكاية عن إبليس:
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٤) اهـ. ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ عمن يحفى شاربه؟
стр. 72
قال: ينبغي أن يضرب من صنع ذلك، فليس حديث النبي ﷺ كذلك، ولكن يبدي حرف الشفة والفم. وقال لمن يحلق شاربه:
هذه بدعة ظهرت في الناس (١)، ولهذا كان الإمام مالك ﵀ وافر الشارب، ولما سئل عن ذلك قال: حدثني زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا غَضِبَ فَتَلَ شَارِبَهُ، وَنَفَخَ» (٢).
وقال الحافظ في الفتح: المعروف عن عمر أنه كان يوفر شاربه (٣) اهـ.
وروى الطبراني في الكبير وأبو زرعة في تاريخه والبيهقي: "أن خمسة من الصحابة كانوا يقمون (٤) شواربهم مع طرف الشفة" ونحوه في "ابن عساكر".
وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» (٥).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (٦).
стр. 73
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى» (١).
وقال البخاري ﵀: "وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، يُحْفِي شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى بَيَاضِ الجِلْدِ، وَيَأْخُذُ هَذَيْنِ، يَعْنِي بَيْنَ الشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ" اهـ (٢).
وقال النووي ﵀: "قال الغزالي: ولا بأس بترك سباليه، وهما طرفا الشارب فعل ذلك عمر ﵁ وغيره، قلت: لا بأس أيضا بتقصيره، روى ذلك البيهقي عن ابن عمر ﵄ (٣) اهـ.
قال لشوكاني ﵀: اختلف الناس في حد ما يقص من الشارب، وقد ذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه لظاهر قوله: "أحفوا وانهكوا" وهو قول الكوفيين.
وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والإستئصال، وإليه ذهب مالك، وكان يرى تأديب من حلقه، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: إحفاء الشارب مثلة.
قال النووي ﵀ (٤): المختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفيه من أصله، قال: وأما رواية: أحفوا الشوارب فمعناه أحفوا ما طال على الشفتين اهـ.
وفي موطأ الإمام مالك ﵀: قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل بنفسه اهـ.
وقال القرطبي ﵀: القص: أن يأخذ ما طال على الشفة، بحيث لا يؤذي عند الطعام ولا يجتمع فيه الوسخ اهـ.
стр. 74
قال ابن القيم ﵀: وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد فكان مذهبهم في شعر الرأس والشوارب أن الإحفاء أفضل من التقصير، وذكر بعض المالكية عن الشافعي أن مذهبه كمذهب أبي حنيفة في حلق الشارب، قال الطحاوي: ولم أجد عن الشافعي شيئا منصوصا في ذلك، وأصحابه الذين رأيناهم المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما، ويدل ذلك أنهما أخذاه عن الشافعي، وروى الأثرم عن الإمام أحمد أنه كان يحفي شاربه إحفاء شديدا، وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب، فقال: يحفى، وقال حنبل:
قيل لأبي عبد الله: ترى للرجل يأخذ شاربه ويحفيه أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصا فلا بأس، وقال أبو محمد في المغنى: هو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه، وقد روى النووي في شرح مسلم عن بعض العلماء أنه ذهب إلى التخيير بين الأمرين الإحفاء وعدمه، وروى الطحاوي الإحفاء عن جماعة من الصحابة أبي سعيد وأبي أسيد ورافع بن خديج وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر وأبي هريرة ﵃.
قال ابن القيم ﵀: واحتج من لم ير إحفاء الشارب بحديث عائشة وأبي هريرة ﵄ المرفوعين: "عشر من الفطرة" فذكر منها: قص الشارب، وفي حديث أبي هريرة ﵁: أن الفطرة خمس, وذكر منها: قص الشارب، واحتج المحفون بأحاديث الأمر بالإحفاء وهي صحيحة، وبحديث ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان يحفى شاربه" اهـ.
قال لشوكاني: والإحفاء ليس كما ذكره النووي في أن معناه أحفوا ما طال عن الشفتين، بل الإحفاء: الاستئصال كلما في الصحاح والقاموس والكشاف وسائر كتب اللغة، ورواية القص لا تنافيه، لأن القص قد يكون على جهة الإحفاء وقد لا يكون، ورواية الإحفاء معينة للمراد، وكذلك حديث الباب الذي فيه "من لم يأخذ من شاربه فليس منا" لا يعارض رواية الإحفاء لأن فيها زيادة يتعين المصير إليها، ولو فرض التعارض من كل وجه لكانت رواية
стр. 75
الإحفاء أرجح لأنها في الصحيحين وروى الطحاوي "أن رسول الله ﷺ أخذ من شارب المغيرة على سواكه" (١).
قال -أي الطحاوي- وهذا لا يكون معه إحفاء، ويجاب عنه بأنه محتمل، ودعوى أنه لا يكون معه إحفاء ممنوعة (٢)، وهو -وإن صح- كما ذكر لا يعارض تلك الأقوال منه ﷺ اهـ.
وذهب الطبري إلى التخيير بين الإحفاء والقص، وقال: دلت السنة على الأمرين ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض، والإحفاء يدل على أخذ الكل، وكلاهما ثابت فيتخير فيما شاء اهـ.
قال الحافظ: ويرجح قول الطبري ثبوت الأمرين معا في الأحاديث المرفوعة اهـ.
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: قلت: ما ذهب اليه الطبري هو الظاهر (٣).
وقال لشوكاني ﵀ معلقا على حديث (عشر من الفطرة) الحديث:
قوله وإعفاء اللحية, إعفاء اللحية: توفيرها، كما في القاموس، وفي رواية للبخاري: "وفروا اللحى" وفي رواية أخرى لمسلم: "أوفوا اللحى" وهو بمعناه. وكان من عادة الفرس قص اللحية، فنهى الشارع عن ذلك، وأمر بإعفائها.
стр. 76
قال القاضي عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها، وأما الأخذ من طولها فحسن، وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قصها وحزها.
وقد اختلف السلف في ذلك، فمنهم من لم يحد بحد بل قال: لا يتركها إلى حد الشهرة ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدا، ومنهم من حد بما زاد على القبضة فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة اهـ.
وقال النووي ﵀: قال الخطابي وغيره هو توفيرها وتركها بلا قص، كره لنا قصها كفعل الأعاجم، قال: وكان من زي كسرى قص اللحى وتوفير الشوارب (١) اهـ.
قال النووي ﵀: وأما إعفاء اللحية فمعناه توفيرها، وهي معنى "أوفوا" في الرواية الأخرى، وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشرع عن ذلك. إلى أن قال: فحصل خمس روايات: أعفوا وأوفوا وأرخوا وأرجوا ووفروا، ومعناها كلها تركها على حالها، هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه (٢) اهـ.
وقال الحافظ ﵀: وقال عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها، وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن، بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها. كذا قال، وتعقبه النووي بأنه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها قال: والمختار تركها على حالها وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره، وكأن مراده بذلك في غير النسك لأن الشافعي نص على استحبابه فيه اهـ.
وقال القاري ﵀ في معنى قوله ﷺ وفروا والمعنى: اتركوا اللحى كثيرا بحالها، ولا تتعرضوا لها، واتركوها لتكثر أهـ (٣).
стр. 77
وقال النووي ﵀: وقد ذكر العلماء في اللحية عشر (١) خصال مكروهة (٢) بعضها أشد قبحا من بعض:
وإحداها: خضابها بالسواد لا لغرض الجهاد.
الثانية: خضابها الصفرة تشبها بالصالحين لا لأتباع السنة.
الثالثة: تبيضها بالكبريت أو غيره استعجالا للشيخوخة لأجل الرياسة والتعظيم وإيهام أنه من المشايخ.
الرابعة: نتفها أو حلقها أول طلوعها إيثارا للمرودة وحسن الصورة (٣).
الخامسة: نتف الشيب (٤).
السادسة: تصفيفها طاقة فوق طاقة تصنعا ليستحسنه النساء وغيرهن.
السابعة: الزيادة فيها والنقص منها بالزيادة في شعر العذار من الصدغين، أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس ونتف جانبي العنفقة وغير ذلك.
الثامنة: تسريحها تصنعا لأجل الناس.
التاسعة: تركها شعثة ملبدة إظهارا للزهادة وقلة المبالاة بنفسه.
العاشرة: النظرة إلى سوادها وبياضها إعجابا وخيلاء وغرة بالشباب وفخرا بالمشيب وتطاولا على الشباب.
الحادية عشرة: عقدها، وضفرها.
стр. 78
الثانية عشرة: حلقها إلا إذا نبت للمرأة لحية فيستحب لها حلقها والله أعلم.
وعن الحسن البصري قال: يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش، وعن عطاء نحوه، قال الطبري: وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها،
ثم اختار الطبري قول عطاء وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها يعرض نفسه لمن يسخر به.
وقال المناوي في الفيض: الاعتدال محبوب والطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المنتابين اهـ، وقال ابن الملك: تسوية شعر اللحية سنة، وهي أن يقص كل شعرة أطول من غيرها ليستوي جميعها اهـ. نقله عنه القاري في المرقاة (١).
وقال الغزالي في الإحياء (٢): وقد اختلفوا فيما طال منها -أي اللحية- فقيل: عن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبض فلا باس، فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين، واستحسنه الشعبي وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة، قالا: تركها عافية أحب، لقوله ﷺ : "أعفوا اللحى" والأمر في هذا قريب إن لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب، فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبذ إليه، فلا باس بالاحتراز عنه على هذه النية اهـ.
ونقله عنه النووي ﵀ (٣) ثم قال: هذا كلام الغزالي، والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقا، بل يتركها على حالها كيف كانت للحديث الصحيح "وأعفوا اللحى" اهـ.
وروى البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ "
стр. 79
وزاد البخاري: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: «إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ» (١).
وقال المباركفوري ﵀: وأما قول من قال: إنه إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، واستدل بآثار ابن عمر وعمر وأبي هريرة ﵃ فهو ضعيف. لأن أحاديث الإعفاء المرفوعة الصحيحة تنفي هذه الآثار، فهذه الآثار لا تصلح للاستدلال بها مع وجود هذه الأحاديث المرفوعة الصحيحة، فأسلم الأقوال هو قول من قال بظاهر أحاديث الإعفاء، وكره أن يؤخذ شيء من طول اللحية وعرضها، والله تعالي أعلم.
ثم قال ﵀: قال الكرماني: لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك فحلق رأسه كله وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ وخص ذلك من عموم قوله: ووفروا اللحى فحمله على حالة غير حالة النسك، قال الحافظ: الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه اهـ.
قال لشوكاني (٢) أيضا معلقا على أثر ابن عمر ﵄: "أنه كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه". وقد استدل بذلك أهل العلم، والروايات المرفوعة ترده اهـ.
стр. 80
قال الشيخ إسماعيل الأنصاري معلقا على أثر ابن عمر: "الحجة في روايته لا في رأيه واحد، ولا شك أن قول الرسول ﷺ وفعله أحق وأولي بالاتباع من قوله غيره كائنا من كان" (١) اهـ.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي: ورخص
بعض أهل العلم في أخذ ما زاد على القبضة لفعل ابن عمر، وأكثر العلماء يكرهه، وهو أظهر لما تقدم، وقال النووي: والمختار تركها على حالها، وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلا، وأخرج الخطيب عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْ طُولِ لِحْيَتِهِ" اهـ (٢).
وقال شاه ولي الله (٣) الدهلوي: واللحية هي الفارقة بين الصغير والكبير، وهي جمال الفحول وتمام هيأتهم فلا بد من إعفائها، وقصها سنة المجوس، وفيه تغيير خلق الله ولحوق أهل السؤدد والكبرياء بالرعاع اهـ.
وبهذا كله يتضح بطلان ما ذهب إليه العلامة الأبي في شرح صحيح مسلم من التنصيص على جواز الاكتفاء في اللحية بالشيء القليل لمخالفته للأحاديث المرفوعة التي مر ذكرها. والعلم عند الله تعالى.
стр. 81
فصل تحقيق حديث "كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها "
أخرج الترمذي والعقيلي في الضعفاء, وابن عدى وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ , من طريق عُمَرُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا».
وقال الترمذي: هذا حديث غريب، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، لا أعرف له حديثا ليس له أصل, أو قال: يتفرد به, إلا هذا الحديث.
وقال ابن الجوزي حديث لا يثبت، وقال النووي: رواه الترمذي بإسناد ضعيف لا يحتج به (١).
وضعفه الحافظ في الفتح، ونسب تضعيفه إلى البخاري أيضا.
وقال المباركفوري: حديث ضعيف جدا, وقال لشوكاني: لا تقوم به حجة فقد انفرد به عمر بن هارون قال فيه الحافظ في تقريب التهذيب: متروك, وكذا قال النسائي، وقال في الميزان: قال ابن معين: كذاب خبيث.
وقال صالح جزرة: كذاب، ثم ساق له هذا الحديث، ولكن قال ابن عدى عقبه: وقد روى هذا عن أسامة غير عمر بن هارون وهذا خلاف ما قاله البخاري والعقيلي: إنه تفرد به عمر.
стр. 82
وفي ترجمته رواه العقيلي ثم قال: ولا يعرف إلا به، وقد روى عن النبي ﷺ بأسانيد جياد أنه قال: «أَعْفُوا اللِّحَى، وَحُفُّوا الشَّوَارِبَ»، وهذه الرواية أولى اهـ.
стр. 83
فصل حد اللحية لغة وشرعا
قال الشيخ أحمد الدهلوي (١): حد اللحية طولا: من العنفقة -أي من الشعر النابت على الشفة السفلى مع شعر الذقن- إلى الشعر النابت تحت الذقن، وعرضا: من شعر الخدين -وهما العارضان- أي من جانبي الوجه مع شعر الصدغين إلى ما تحت الحنك الأسفل من الشعر، هذا كله لحية، قال في لسان العرب: قال ابن سيد: اللحية إسم يجمع من الشعر ما نبت على الخدين والذقن اهـ وقال في تاج العروس, والقاموس: اللحية ما نبتت على الخدين والذقن، وهي اسم لما نبت من الشعر على العارضين والذقن اهـ.
فالخد هو ما يبدأ من أنف الإنسان عن اليمين والشمال إلى جانبي عارض الوجه، وأما العارض فقال في مجمع البحار وفي النهاية: العارض من اللحية ما ينبت على عرض اللحية فوق الذقن اهـ. وزاد في مجمع البحار: ومنه: فمسمحت عارضيها، أي جانبي وجهها فوق الذقن إلى ما تحت الأذن اهـ.
قال النووي رحمه الله تعالى: أما شعر العارضين ففيه وجهان: الصحيح الذي قطع به الجمهور أن له حكم اللحية اهـ.
وقال أنس بن مالك ﵁: "كانت لحية النبي. ﷺ قد ملأت من هاهنا إلى هاهنا فأمر يديه على عارضيه" رواه ابن عساكر في تاريخه.
стр. 84
وأما الذقن فقال فى القاموس, وفي لسان العرب: (الذقن مجمع اللحيين من أسفلهما)، وقال في تاج العروس: (الذقن ما ينبت على مجمع اللحيين من الشعر، وقال أبو عبيدة، الذقن مجمع أطراف اللحيين)، وأما الحنك، فقال في تاج العروس: (الحنك هو الأسفل من طرفي مقدم اللحيين من أسفلهما).
فثبت بذلك حد اللحية عرضا وطولا، فعرضها من شعر الخدين العارضين، والصدغين إلى الشعر النابت تحت الحنك من طرف أسفل اللحيين، وطولها من شعر العنفقة مع شعر الذقن إلى الشعر النابت تحت الذقن كل ذلك لحية لغة، وقد جاء الشرع موافقا للغة في حد اللحية، ولم يأت بتغيير شيء من حدها بل أمر في قوله: "وفروا اللحى" بتوفيرها وببقائها على حالها كما نبتت من غير إزالة لشيء من ذلك كله، إذ يحرم تغيير شيء من خلقتها اهـ.
تنبيه
عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَضَبَ؟ فَقَالَ: «لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ كَانَ فِي لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ» [رواه مسلم].
وعنه ﵁ قال: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَأَى مِنَ الشَّيْبِ إِلَّا» - قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ كَأَنَّهُ يُقَلِّلُهُ -. [رواه مسلم]، وفي رواية: «إِنَّهُ لَمْ يَرَ مِنَ الشَّيْبِ إِلَّا قَلِيلًا» [رواه مسلم].
وفي رواية: "سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: «لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ (١) كُنَّ فِي رَأْسِهِ فَعَلْتُ» [رواه مسلم].
وروى مسلم أيضا عنه ﵁ قال: " يُكْرَهُ أَنْ يَنْتِفَ الرَّجُلُ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَضِبْ رَسُولُ اللهِ ﷺ
стр. 85
إنما كان البياض في عنفقته (١) وفي الصدغين (٢) وفي الرأس نبذ (٣) وروى مسلم عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، «هَذِهِ مِنْهُ بَيْضَاءَ، وَوَضَعَ زُهَيْرٌ بَعْضَ أَصَابِعِهِ عَلَى عَنْفَقَتِهِ».
وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كَانَ فِي لِحْيَتِهِ ﷺ شَعَرَاتٌ بِيضٌ". وفي رواية للبخاري عنه ﵁ قال: "وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ» معناه أنها كانت أقل من عشرين وأنها متفرقة بعضها في الرأس وبعضها في صدغيه وبعضها في عنفقته، وشعر الصدغ وشعر العنفقة قد أطلق عليهما أنس بن مالك ﵁ "اللحية"، فثبت بهذه الأحاديث كلها دخول شعر الصدغ والعنفقة في اللحية.
أما الشعر النابت تحت الذقن وتحت الحنك، فاستدل على دخوله في اللحية بما رواه أبو نعيم عن عائشة ﵂ قالت: "كان أكثر شيبة رسول الله ﷺ في لحيته حول الذقن" ذكره المناوي في حاشيته على شمائل الترمذي.
стр. 86
قال الشيخ محمود خطاب السبكي في شرح سنن أبي داود: فيفهم منه أنه لا يجوز حلق ما تحت الذقن وتحت الحنك من الشعر، وهو كذلك، فقد نقل عن الإمام مالك كراهيته حتى قال: غنه من فعل المجوس اهـ.
تنبيه
ذكر الشيخ أحمد الدهلوي أن الإمام أحمد يبيح تحليق شعر الحلق (١) وهو الذي يبدأ من الحلقوم إلى حد النحر، لا ما كان تحت الذقن وتحت الحنك.
استحباب تسريح اللحية وتطييبها
عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ» (٢).
وعن عطاء بن يسار مرسلا: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ أَنِ اخْرُجْ - كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلَاحَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ - فَفَعَلَ الرَّجُلُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ» (٣).
وعن ابن المسيب أنه سُمع (٤) يقول: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الجُودَ، فَنَظِّفُوا - أُرَاهُ (٥) قَالَ - أَفْنِيَتَكُمْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ» قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ
стр. 87
لِمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «نَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ» رواه الترمذي (١).
تنبيهان
ا- أما شعر الرأس فلا يواظب على دهنه وتسريحه حتى يكون شغله وقد نهى رسول الله ﷺ عن الإرفاه -أي كثرة التدهن والتنعم، ونَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ التَّرَجُّلِ إِلاَّ غِبًّا - أخرجه الإمام أحمد.
٢ - منع الخضاب بالسواد: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ، كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ، لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» (٢).
وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أنس بن مالك قوله ﷺ "غيروا -أي الشيب- وإياي والسواد" قال الهيثمي فيه ابن لهيعة وبقية رجاله ثقات وهو حديث حسن (٣).
стр. 88
فصل أقوال علماء المذاهب الأربعة ﵏ في حكم حلق اللحية
صرح جمهور الفقهاء بالتحريم، ونص البعض على الكراهة، وهي حكم قد يطلق على المحظور لأن المتقدمين يعبرون بالكراهة عن التحريم كما نقل ابن عبد البر ذلك في "جامع بيان العلم وفضله" عن الإمام مالك وغيره.
أما إن أريد به كراهة التنزيه فيكون هذا قولا ضعيفا كما يدل عليه تصريح جمهور الفقهاء بالتحريم، والمعتبر من الأقوال في حكاية الخلاف وأقوال المذاهب هو القول الصحيح الراجح في المذهب، أما القول الضعيف فلا يعتبر في الخلاف، ولا يصح أن يحكى إلا مقرونا ببيان ضعفه، ولهذا لما تعرض العلماء الذين كتبوا الفقه على المذاهب الأربعة لمسالة حلق اللحية، لم يحكوا عن المذاهب إلا تحريمه، ولم يلتفتوا إلى ما سواه لعدم صحة نسبته إلى المذاهب.
وقال في حاشية الدردير: والفتوى إنما تكون بالقول المشهور أو الراجح من المذهب، وأما القول الشاذ والمرجوح فلا يفتي بهما، ولا يجوز العمل بهما أهـ.
ولا شك أن اعتماد الأقوال الضعيفة في المذاهب رغم مخالفتها للدليل الصحيح احتجاجا بأن الخلاف في الفروع يتسامح فيه مطلقا, لا شك أن هذا يفتح باب شر وفتنة على المسلمن يتعسر إغلاقه:
وليس كل خلاف جاء معتبرا إلا خلاف له حظ من النظر
أولا: المذهب الحنفي:
стр. 89
قال في الدر المختار. ويحرم على الرجل قطع لحيته، وصرح في النهاية بوجوب قطع ما زاد عن القبضة، وأما الأخذ منها وهي دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد، وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم أهـ.
من كتاب الصيام منه، ومثل ذلك في أكثر كتب الحنفية كفتح القدير وشرح الزيلعي على الكنز.
ثانيا: المذهب المالكي:
قال في التمهيد: ويحرم حلق اللحية، ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال أهـ.
وقال العلامة الدسوقي في حاشيته على شرح خليل: يحرم على الرجل حلق لحيته أو شاربه، ويؤدب فاعل ذلك أهـ.
وقال القرطبي: لا يجوز حلق اللحية ولا نتفها ولا قصها وقال الخطاب في شرح المختصر: وحلق اللحية لا يجوز. وكذا قال أبو الحسن في شرح الرسالة، والصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن.
وقال النفراوي في شرحه على رسالة ابن أبي زيد ما نصه: وفي قص الشارب لإعفاء اللحى مخالفة لفعل الأعاجم فإنهم كانوا يحلقون لحاهم، ويعفون الشوارب، وآل كسرى أيضا كانت تحلق لحاهم وتبقى الشوارب، فما عليه الجند في زماننا من أمر الخدم بحلق لحاهم لا شك في حرمته عند جميع الأئمة لمخالفته لسنة المصطفى ﷺ ، ولموافقته لفعل الأعاجم والمجوس، والعوائد لا يجوز العمل بها إلا عند عدم نص للشرع مخالف لها، وإلا كانت فاسدة يحرم العمل بها، ألا ترى لو اعتاد الناس فعل الزنا أو شرب الخمر لم يقل أحد بجواز العمل بها، وقد أمر النبي ﷺ كما في الموطأ: أن تعفى اللحية، أي يوفر شعرها، أو تبقى من غير إزالة لشيء منها أهـ.
وقال الشيخ علي محفوظ ﵀ في الإبداع عند نقله لمذهب المالكية في المسالة: مذهبهم حرمة حلق اللحية، وكذا قصها إذا كان يحصل به مثلة،
стр. 90
وأما إذا طالت قليلا، وكان القص لا يحصل به مثلة فهو خلاف الأصلي أو مكروه، كما يؤخذ عن شرح الرسالة لأبى الحسن وحاشيته للعلامة العدوى رحمهما الله اهـ.
وقال الشيخ محمد حبيب الله بن عبد الله بن أحمد المالكي (ت ١٣٦٣ هـ). (ووفروا اللحى) أي اتركوها، وفي رواية: (واعفوا اللحى)، ورواية المتن هنا تفسرها، المراد بتوفيرها تركها إلى أن تطول طولا معتادا شرعا، وقد حده بعضهم بالقبضة، وبعضهم بالقبضتين، والأنسب كونها لا تزاد على القبضة لأن تطويلها جدا من المغالاة، وأقبح منه حلقها، إذ لا يجوز للرجل إلا لعذر كالتداوي، ويجب -أي الحلق- على المرأة إذا نبتت لها لحية، وحكم الشارب والعنفقة حكم اللحية، وفي الميسر على خليل: أن من تعمد حلقها يؤدب وترد به شهادته، وقد نظمت ذلك في زمن من قراءتي لمختصر خليل بقولي:
يمنع للرجل حلق لحيته على الذي اعتمد مع عنفقته إلا لعذر كتداو، ووجب ذاك على المرأة فيما ينتخب والحكم في الشارب حكم ما ذكر ذكر ذا المعنى جميعا فادكر وفي الميسر الشهادة ترد به وتأديب ذوي العمد ورد -ومقابل المنع قول بالكراهة التنزيهية لبعض المالكية، وللمتأخرين من الشافعية، وقد نسبه ابن حجر في فتح الباري للقاضي عياض رحمه الله تعالى (١).
ثالثا: المذهب الشافعي:
قال الشيخ أحمد بن قاسم العبادي في آخر فصل العقيقة من حاشيته على تحفة المحتاج بشرح المنهاج للسادة الشافعية.
قال ابن رفعة في حاشية الكافية: إن الإمام الشافعي قد نص في "الأم" على تحريم حلق اللحية: وكذلك نص الزركشي والحليمي في شعب الإيمان وأستاذه القفال الشاشي في محاسن الشريعة على تحريم حلق
стр. 91
اللحية، وقال الأذرعي: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها أهـ.
ونحوه في حاشية الشرواني على الكتاب المذكور.
وقال في شرح العباب.
فائدة
قال الشيخان (١) يكره حلق اللحية، واعترضه ابن الرفعة بأن الشافعي ﵁ نص في الأم على التحريم، وقال الأذرعي: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها أهـ.
وقد نقل الشيخ إسماعيل الأنصاري عن الغزالي والنووي رحمهما الله وغيرهما أنهم قالوا: ونتفها في أول نباتها تشبه بالمرد، ومن المنكرات الكبار (٢) اهـ.
وقال العلامة أبو شامة ﵀: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس من أنهم كانوا يقصونها (٣).
رابعا: المذهب الحنبلي:
نص فقهاء المذهب الحنبلي على تحريم حلق اللحية، ومنهم من صرح بأن المعتمد حرمة حلقها كما قال السفاريني في غذاء الألباب: المعتمد في المذهب حرمة حلق اللحية (٤) اهـ.
ومنهم من صرح بالحرمة ولم يحك خلافا كصاحب الإنصاف.
стр. 92
وقال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى رحمة واسعة: ويحرم حلق لحيته اهـ (١).
وقال أيضا: يحرم حلق اللحية للأحاديث الصحيحة، ولم يبحه أحد اهـ.
وقال في الفروع، بعد أن ذكر حديث ابن عمر: "خالفوا المشركين .. " الحديث: هذه الصيغة عند أصحابنا تقتضي التحريم، وقال صاحب شرح المنتهى: يحرم حلق اللحية اهـ.
وممن نص على تحريم حلقها أيضا: صاحب دليل الطالب وصاحب الروض المربع وصاحب كشاف القناع.
المذهب الظاهري:
قال الإمام ابن حزم ﵀ في مراتب الإجماع (٢): واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز اهـ.
وقال أيضا في المحلى (٣): وَأَمَّا فَرْضُ قَصِّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ ثنا قَالَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ ثنا نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى».اهـ.
فتاوى بعض العلماء المعاصرين
ا- قال الشيخ عبد الجليل عيسى في كتابه ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين: حلق اللحية حرام عند الجمهور، مكروه عند غيرهم اهـ.
стр. 93
٢ - وقال الشيخ علي محفوظ ﵀ في الإبداع في مضار الابتداع: اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها والأخذ القريب منه.
وقال بعد أن نقل نصوص المذاهب الأربعة على التحريم: ومما تقدم تعلم أن حرمة حلق اللحية هي دين الله وشرعه الذي لم يشرع لخلقه سواه وأن العمل على غير ذلك سفه وضلالة، أو فسق وجهالة، أو غفلة عن هدى سيدنا محمد ﷺ اهـ.
٣ - وقال الشيخ محمد سلطان المعصومي الخجندي في عقد الجوهر الثمن (١): إن حلق اللحية واستئصالها يكره تحريما كما يفعله الإفرنج والمتفرنجة ممن ينتسب إلى الإسلام, وقال بعد سوق أدلته: وذلك مذهب الأئمة الأربعة اهـ.
٤ - وقال الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير (٢) بالساعاتي ﵀ في تعليقه على كتابه: الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني: وأما إزالتها بالحلق فهو حرام، وإلى ذلك ذهبت الظاهرية والحنابلة والجمهور اهـ.
٥ - وقال محدث الشام الشيخ ناصر الدين الألباني في آداب الزفاف بعد أن ساق أدلة تحريم حلق اللحية: مما لا ريب فيه عند من سلمت فطرته، وحسنت طويته أن كلا من الأدلة السالفة الذكر كاف لإثبات وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها، فكيف بها مجتمعة اهـ.
٦ - وقال الشيخ أبو بكر الجزائري (٣): وأما اللحية فيوفرها حتى تملأ وجهه وترويه لقوله ﷺ ، «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ»
стр. 94
وقوله: "خالفوا المشركين, أحفوا الشوارب, واعفوا اللحى" بمعنى وفروها وكثروها، فيحرم بهذا حلقها اهـ.
فتوى في إمامة الحليق للصلاة
صادرة برقم١٦٤٠ وتاريخ ٧/ ٨/١٣٩٧هـ عن رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية وفيما يلي نص الفتوى:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد:
فقد أطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال المقدم من .... إلى سماحة الرئيس العام والمحال إليها من الأمانة العامة برقم ٢٥٧/ ٢ وتاريخ ٢٤/ ٦/١٣٩٧هـ.
ونصه:
رجل حالق لحيته خطيب في الجامع، هل ترون أن نصلي وراءه؟ بينوا تؤجروا. وقد أجابت اللجنة بما يلي:
حلق اللحية حرام لما رواه أحمد والبخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى».
ولما رواه أحمد ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ».
والإصرار على حلقها من الكبائر (١) , فيجب نصح حالقها، والإنكار
стр. 95
عليه، ويتأكد ذلك إذا كان في مركز قيادي ديني (١)، وعلى هذا إذا كان إماما لمسجد ولم ينتصح وجب عزله (٢) إن تيسر ذلك، ولم تحدث فتنة، وإلا وجبت الصلاة وراء غيره من أهل الصلاح على من تيسر له ذلك زجرا له وانكارا
стр. 96
عليه، إن لم يترتب على ذلك فتنة، وان لم يتيسر الصلاة وراء غيره شرعت الصلاة وراءه تحقيقا لمصلحة الجماعة (١).
وان خيف من الصلاة وراء غيره حدوث فتنة -صلى وراءه درءا للفتنة وارتكابا لأخف الضررين- وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
عضو: عبد الله بن قعود, عبد الله بن غديان
نائب رئيس اللجنة: عبدالرزاق عفيفي.
الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 97
فصل هل ترد شهادة من يحلق لحيته
قال أبو حامد الغزالي في الأحياء: وَرَدَّ عمر بن الخطاب وضي الله عنه، وابن أبي يعلى قاضي المدينة شهادة من كان ينتف لحيته (١).
وفي الميسر على خليل في الفقه المالكي: أن من تعمد حلقها يؤدب وترد به شهادته. وقد نظمه الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي فقال (٢)
وفي الميسر الشهادة ترد به وتأديب ذوي العمد ورد
وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀:
وأما فتيا الفاسق فإن أفتى غيره لم تقبل فتواه، وليس للمستفتى أن يستفتيه، وله أن يعمل بفتوى نفسه، ولا يجب عليه أن يفتي غيره، وفي جواز استفتاء مستور الحال وجهان، والصواب جواز استفتائه وإفتائه.
قلت: كذلك الفاسق إلا أن يكون معلنا بفسقه داعيا إلى بدعته، فحكم إستفتائه حكم إمامته وشهادته، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والقدرة والعجز، فالواجب شيء، والواقع شيء، والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يلقى العداوة بين الواقع والواجب، فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض فلو منعت إمامة الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعطلت الأحكام، وفسد نظام
стр. 98
الخلق، وبطلت أكثر الحقوق، ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح، وهذا عند القدرة والاختيار، وأما عند الضرورة والغلبة بالباطل فليس إلا الاصطبار، والقيام بأضعف مراتب الإنكار (١) اهـ.
فتوى في حكم مهنة حلق اللحى
صادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية: فتوى رقم ٣٠٢١ وتاريخ ١٤٠٠/ ٦/٥ هـ.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال المقدم من ... إلى سماحة الرئيس العام والمحال إليها برقم ٤٤٦ في ٣/ ٤/١٤٠٠هـ
ونصه: اسمي ......... مسلم ملتزم مطلق لحيتي أملك صالون حلاقة للرجال، وهذه مهنتي منذ صغري، وليس لي أي مهنة أخرى أستطيع أن أعيش منها، ثم إنني في هذه المهنة أحلق اللحية للزبائن فهل أنا أرتكب وزرا، وما حكم الدين في ذلك؟ وفي هذه المهنة أعمل بالاستشوار لكي أفرد شعر بعض الزبائن فما حكم الدين في ذلك؟
وأجابت بما يلي:
أولا: يحرم على المسلم أن يحلق لحيته للأدلة الصحيحة على تحريم حلقها، ويحرم على غيره أن يحلقها له لما في ذلك من التعاون على الإثم، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقد صدرت
стр. 99
فتوى من الجنة الدئمة في تحريم حلق اللحية (١) فنرسل لك صورتها زيادة في
الفائدة.
ثانيا: يجوز لك أن تمشط شعر الرجل وتبسطه وتدهنه وتعطره، ولا يجوز لك ذلك بالنسبة للنساء غير محارمك، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإرشاد
عضو: عبد الله بن قعود, عبد الله بن غديان
نائب رئيس اللجنة: عبد الرزاق عفيفي
الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز
فتويان للشيخ أبي بكر الجزائري في سؤال مماثل للسابق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المدينة المنورة في ٣ا/٥/ ١٤٠٠هـ
الأولى: أما عن مهنة الحلاقة فالمهنة لا باس بها، وقد حلق أبو طلحة لرسول الله ﷺ وأعطاه أجرا، غير أن حلق لحى الرجال المسلمين منكر، فإن أمكن أن تذكر بحرمة الحلق من ياتيك لذلك ويجلس على كرسي الحلاقة فافعل، ولكن في لطف وبعيدا عن القذف، كما أنه ينبغي أن تسعى من الآن في تغيير العمل واستبداله بآخر لا شبهة فيه، فإن يسر الله لك فافعل ولا تتردد، فإن الورع ترك ما فيه شبهة.
стр. 100
الثانية: بسم الله الرحمن الرحيم, من أبي بكر الجزائري إلى الابن الصالح المحترم سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد. إعلم أن حلق لحى الرجال المسلمين حرام بلا شك لأن حلق اللحية حرام, والذي يباشر ذلك يباشر محرما، وعليه فإن أمكنك أن تترك هذا العمل فسارع استجابة دلله ورسوله، والله يعوضك خيرا وهو على ذلك قدير، أما ما ذكرت من تسريح الشعر بآلة كذا فذلك أمر لا محذور منه وليس بالممنوع فيما أعلم والله أعلم. إعلم يا بني أن حب الله ورسوله يكلف، وقد أحببت فاعلم أنك ستبتلي فاصبر, جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وقال له: إني أحبك قال له: "إذًا فإعد للفقر تجفافا (١) -يعني ثوبا غليظا".
هذا وأسال لك التوفيق والعافية والخير. آمين في ١١/ ٤/١٤٠٠هـ.
стр. 101
فصل حكم المستهزئ بإعفاء اللحية
قال الشيخ أبو الفيض أحمد بن الصديق (١) وهو يعدد منكرات الممثلين: وكذلك يمثلون ذوي اللحى بإلصاق الشعر واللحى المصطنعة وذلك من حيث وصل الشعر كبيرة ملعون فاعلها كما سبق، ومن حيث السخرية من أهل اللحى كفر وارتداد عن الدين، لأنه ازدراء راجع إلى الشريعة الآمرة بإعفاء اللحى ولمخالفة الكفار في حلقها، إذ الملتحون متمسكون بدينهم وأوامر نبيهم ﷺ ، فالمزدرى بهم لذلك كفر باتفاق أهل الإسلام اهـ.
وقال النسفي في متن العقائد: والاستهانة بمسائل الدين كفر، والاستهزاء بمسائل الشريعة أيضا كفر اهـ.
وقال الشيخ فالح محمد المالكي في أنجح المساعي:
من استخف عامدا بنص ما عن النبي جاء كفرته العلما
فليحذر المغرور بالتعصب من فتنته برده قول النبي
وقال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق:
الاستهزاء بإعفاء اللحية أو الصلاة أو الحجاب الشرعي للمرأة أو المسجد أو الكعبة أو الرسول هو كفر بالله ﵎، فكل ما ينسب إلى الله من أمر ونهي وذات الاستهزاء به والاعتراض عليه كفر ونقص للإيمان، وأعني بالذات ما ينسب إلى الله من شرع كالكعبة والمسجد والمصحف، فالاستهزاء بالمسلم لإسلامه كفر، ولا يتأتى هذا من
стр. 102
مسلم أبدا (١)، قال الله تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ (٢) اهـ.
والاستهزاء بالمسلم قد يكون لصفة خلقية أو خلقية فهذه معصية ليست كفرا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ (٣).
فإن كان هذا الاستهزاء موجها إلى خلق الله ﵎ وصنعه فهذا كفر، لأنه من آيات الله ، وقد يكون الاستهزاء بالمسلم من أجل إسلامه فيستهزأ به لتمسكه بشعيرة من شعائر الإسلام، أو لعمله عملا من أعمال الإيمان، فهنا يتوجه الإستهزاء إلى الدين ويكون هذا العمل كفرا -قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء- يقصد بذلك الصحابة- فلما بلغ النبي ﷺ القول، ذهب الرجل يعتذر إليه قائلا: إنما كنا نخوض ونلعب، فنزل قول الله تعالى:
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٤).
والاستهزاء بالمسلم لإسلامه كفر لأنه في حقيقته استهزاء بالإسلام وطعن في شرعه وقد قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ (٥) فسماهم كفارا وقال : ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٦).
стр. 103
ومن هذا القبيل قول مجرمي زماننا هذا عن المؤمنين: إنهم معقدون، رجعيون متزمتون, نسوا حياتهم وضيعوا شبابهم, إلخ.
وبهذه المنزلة معاداة المؤمن بسبب تدينه، فإن العداوة إن كانت في أعراض الدنيا بحق فلا شيء فيها وإن كانت بباطل فهي معصية، أما عداوة المسلم ومحاربته بسبب تدينه وتمسكه بالإسلام فهي كفر وصد عن سبيل الله ومحاربة لله ﵎، وفي الحديث القدسي: "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ" وهذه رواية أبي أمامة وغيره، أما رواية عائشة فهي "فَقَدْ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي".
ورواية أبي هريرة "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ"،
ومما يستأنس به في هذا المقام ما أخرجه الإمام أحمد في كتاب "الزهد" بإسناده عن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى قال لموسى ﵇ حين كلمه: "اعلم أن من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة، وعاداني، وعرض نفسه ودعاني إليها، وإن أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي، أو يظن الذي يعاديني أنه يعجزني، أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني، وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، فلا أكل نصرتهم إلى غيري"
ذهب العصر الذي شيبنا ... أتى عصر الشباب الملحدين
عيرونا أن عبدنا ربنا ... وحفظنا عهده في الحافظين
وعدوها لنا رجعية ... جعلوها سبة للمؤمنين
للمصلين إذا ما سجدوا ... من حديث السوء ما للصائمين
نسخ الأخلاق في شرعتهم ... أنها من ترهات الجامدين
إن نقل دين يقولوا فتنة ... هاجها في مصر بعض المفسدين
فسد الأمر فهل من مصلح ... أصلحوه يا شباب المسلمن (١)
стр. 104
فصل التنبيه على بعض البدع المتعلقة باللحية
١ - في أحكام الجنائز وبدعها للألباني ما معناه أن من البدع: إعفاء بعض الرجال لحاهم. أياما قليلة حزنا على ميتهم لا طاعة لله سبحانه ورسوله ﷺ ، فإذا مضت عادوا إلى حلقها.
وهذا بدعة وضلالة، بجانب أنه في معنى نشر الشعر الوارد في حديث أمرأة ممن بايعن رسول الله ﷺ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَعْرُوفِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ لَا نَعْصِيَهُ فِيهِ أَنْ لَا نَخْمِشَ وَجْهًا وَلَا نَدْعُوَ وَيْلًا وَلَا نَشُقَّ جَيْبًا وَلَا نَنْشُرَ شَعْرًا " (١).
٢ - وقال الشيخ محمد عبد السلام الشقيري ﵀ في السنن والمبتدعات: ومن الجهالة الفاضحة اعتقادهن أن النفساء إذا دخل عليها حالق رأسه أو لحيته أو من يحمل لحما أو بلحا أحمر أو باذنجانا، أو من أتى من الجبانة فإنها (تشاهر بذلك) أي لا ينزل لبنها لولدها، وتتأخر عن مواعيد الحمل, إلى آخر كلامه ص٢٦.
٣ - حلق بعضهم شعر العارضين والإبقاء فقط على بعض شعر الذقن حتى لا ترد شهادتهم، زعموا، وهذه سنة سيئة منتشرة في بعض البلاد الإسلامية.
٤ - حلق بعضهم لحيته أول نباتها إستعجالا لنموها وإكتمالها وتغزيرا لها.
стр. 105
٥ - تقصيصها وتقصيرها جدا بحيث تكون شريطا رفيعا قريبا من الحلق.
٦ - تزين بعضهم بحلقها في الجمع والأعياد والمناسبات.
٧ - قال الغزالي في الإحياء: ونتف الفنيكين بدعة، وهما جانبا العنفقة، شهد عند عمر بن عبد العزيز رجل كان ينتف فنيكيه فرد شهادته (١) اهـ.
стр. 106
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا (١)، فَأَوْقَدَ نَارًا، وَقَالَ (٢): ادْخُلُوهَا، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: «لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا، وَقَالَ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».
أخرجه البخاري ومسلم والسياق له وأبو داود والنسائي وأحمد. وقال إمام المحدثين البخاري ﵀: وقال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها (٣).
وقال في الأدب المفرد: باب بر الوالدين ما لم يكن معصية (٤).
وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (٥). الإحسان بالوالدين وجب بأمر الله تعالى، فلو ترك العبد عبادة الله تعالى لقول الوالدين لترك طاعة الله تعالى
стр. 107
فلا ينقاد لما وصاه به فلا يحسن إلى الوالدين- فاتباع العبد أبويه في مخالفة الشرع لأجل الإحسان اليهما يقضي إلى ترك الإحسان إليهما، فترك هذا الإحسان صورة يفضي إلى الإحسان حقيقة (١).
ثم قال تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) يعني عاقبتكم ومآلكم إلي، وإن كان اليوم مخالطتكم ومجالستكم مع الآباء والأولاد والأقارب والعشائر، ولا شك أن من يعلم أن مجالسته مع واحد خالية منقطعه وحضوره بين يدي غيره دائم غير منقطع لا يترك مراضى من تدوم صحبته لرضا من يتركه في زمان آخر (٣) اهـ.
وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀: إن من أسباب استقامة القلب أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب، فإذا تعارض حب الله تعالى وحب غيره سبق حب الله تعالى حب ما سواه، فرتب على ذلك مقتضاه، وما أسهل هذا بالدعوى، وما أصعبه بالفعل، فعند الإمتحان يكرم المرء أو يهان، وما أكثر ما يقدم العبد ما يحبه هو ويهواه أو يحبه كبيره وأميره وشيخه وأهله على ما يحبه الله تعالى، فهذا لم تتقدم محبة الله تعالى في قلبه جميع المحاب، ولا كانت هي الملكة المؤمرة عليها، وسنة الله تعالى فيمن هذا شأنه أن ينكد عليه محابه وينغصها عليه ولا ينال شيئا منها إلا بنكد وتنغيص، جزاء له على إيثار هواه وهوى من يعظمه من الخلق أو يحبه على محبة الله تعالى، وقد قضى الله تعالى قضاء لا يرد ولا يدفع: أن من أحب شيئا سواه عذب به ولا بد، وأن من خاف غيره سلط عليه، وأن من اشتغل بشيء كان شؤما عليه، ومن آثر عليه غيره لم يبارك فيه، ومن أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولابد (٤) اهـ.
стр. 108
فائدة
تتعلق بالإكراه على حلق اللحى
تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في الإكراه هل يبيح القول والفعل أو الفعل فقط فانظر الفتاوى الكبرى (١/ ١١٦ - ١١٧) فتوى رقم (١٠٤)، وكذا مجموع الفتاوى (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣).
تنبيه
طاعة العلماء آكد من طاعة الوالدين
قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى (١) في كلامه عن العلماء:
هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض من طاعة الأمهات والأباء بنص الكتاب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء٥٩].
قال ابن عباس في إحدى الروايتين عنه وجابر بن عبد الله والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح والضحاك ومجاهد في إحدى الروايتن عنه: أولو الأمر: هم العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٢) اهـ.
стр. 109
المبحث الثاني
تبصير أولي الألباب ببدعة تقسيم الدين إلى قشر ولباب
فصل
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ الآية [البقرة ٢٠٨]
قال ابن كثير ﵀ (١): يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله- أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك اهـ.
ثم نقل عن ابن عباس وغيره أنهم قالوا (ادخلوا في السلم) يعني: الإسلام، (كافة) يعني: جميعا، وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر. وقال الألوسي ﵀ (٢): والمعنى: أدخلوا في الإسلام بكليتكم، ولا تدعوا شيئا من ظاهركم وباطنكم إلا والإسلام يستوعبه بحيث لا يبقى مكان لغيره اهـ.
وقال أيضا: وقيل: الخطاب للمسلمين الخلص، والمراد من (السلم) شعب الإسلام، و (كافة) حال منه، والمعنى (أدخلوا) أيها المسلمون المؤمنون بمحمد ﷺ في شعب الإيمان كلها، ولا تخلوا بشيء من أحكامه اهـ.
стр. 110
فصل الإرتباط بين الظاهر والباطن
وقد تقرر عند العلماء المحققين أن هناك ارتباطا وثيقا بين الظاهر والباطن، وأن للأول تأثيرا في الآخر، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وإن كان ذلك مما قد لا يشعر به الإنسان في نفسه، ولكن قد يراه في غيره.
قال شيخ الإسلام ﵀ وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء: وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والمولاة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وذلك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو الشعر أو المركوب ونحو ذلك من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، كذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضا لا يألفون غيرهم، حتى إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة، إما على الملك وإما على الدين، وتجد الملوك ونحوهم من الرؤساء -وإن تباعدت ديارهم وممالكهم- بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض، وهذا كله بموجب الطباع ومقتضاها، إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص، فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضائها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ