← Общие книги

Общие книги · id 98121

وقفات مع قضايا معاصرة شبهات ردود

حازم صلاح أبو إسماعيل

Полный текст (173 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

وقفات مع قضايا معاصرة شبهات وردود أ. حازم صلاح أبو إسماعيل

стр. 2

الجزء الأول وقفات قضايا معاصرة شبهات وردود أ. حازم صلاح أبو إسماعيل

стр. 3

اسم الكتاب: وقفات: قضايا معاصرة شبهات ردود اسم المؤلف: أ. حازم صلاح أبو إسماعيل مقاس الكتاب: ١٤.٥× ٢٠.٥ إشراف ورؤية فنية: محمود خليل تحرير ومراجعة لغوية: مسعد خيري تصميم الغلاف: أسامة طه تجهيز فني: أحمد علي رقم الإيداع: ٢٣٧٨٥/ ٢٠٠٩ الطبعة الأولى ٢٠١٠ م/ ١٤٣١ هـ جميع حقوق الطبع والتوزيع محفوظة في مصر والعالم لشركة بداية للإنتاج الإعلامي أحمد خليل - محمود خليل ٧ ش عبد العزيز - العتبة - القاهرة - ج. م. ع تليفاكس: ٠٠٢٠٢٢٣٩٥٩٤٠٨ - ٤٧٠٠٠٧٢/ ٠١١/٠٠٢ www.bedaia.com Email:bedaiasound@hotmail.com

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

مقدمة إن أعداء الإسلام وهم مؤسسات ودول يعملون بقوة ضد الإسلام، يلتقطون الشبهات ليشوهوا صورة الإسلام، وليثيروا الريبة في نفوس أبنائه أنفسهم، ومع الأسف فقد استولوا على بعض الذين يتصورون أنهم مثقفون ليصبحوا خدمًا لهم، يعني أصبح من قومنا ومن شعوبنا من هم خدم لهذه الأفكار. وهذا الأمر له سبب واحد وهو أن معلومات هؤلاء الخدم عن الإسلام لا تأتي من الإسلام، وإنما تأتي من أعداء الإسلام عن الإسلام. وحول الشبهات التي تدور بذهن بعض المسلمين أو التي تكون مدخلاً لأعداء الإسلام كي يسمموا بها أفكار المسلمين ويثيروا الريبة في نفوسهم، ومنها مكانة المرأة وحقوقها ومدى عصمة الأنبياء ومشروعية الطلاق في

стр. 6

الإِسلام وحكمته كذلك تعدد الزوجات والرق والعلاقة بين القدر والدعاء وكيفية فهم القرآن والهدف من الخلق وغيرها من الموضوعات الشائكة التي نسأل الله تعالى أن يعيننا على فهم الحق فيها واتباعه وتبيانه للناس. حازم صلاح أبو إسماعيل

стр. 7

الهداية .. كيف تكون؟

стр. 8

الهداية .. كيف تكون ؟ إن من أكثر الخواطر ترددًا على أذهان المسلمين وهم يسمعون آيات القرآن الكريم، والمسلمون -جزاهم الله خيرًا- يقاومون هذا الخاطر، ويحاولون ألا يظهروه، وأن يخفوه وأن يكبتوه في أنفسهم خوفًا من أن يكون هذا الخاطر فيه شيء من عدم الإجلال والاحترام لمقام الله رب العالمين .. إن هذا الخاطر يسأل عنه كثيرون، وهو أنهم وهم يقرؤون القرآن يمرون كثيرًا بقول الله : ﴿يُضِلُّ مَن يشآء ويَهدِى مَن يشَآءُ﴾ [النحل:٩٣]، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فتطرأ على الذهن شبهة، هذه الشبهة تقول: إذا كانت الهداية والإضلال مرتبطين بمشيئة الله ، فكيف يحاسبنا الله على أفعالنا؟! نحن نعلم أن الله عدل، ولكن نريد أن نفهم، كيف يحاسبنا وهو يهدي من يشاء، ويضل من يشاء؟ وكما ذكرت أن المسلمين يقاومون، ويحاولون أن يخفوا هذا الخاطر حتى لا يقعوا فيما يناقض إجلال الله لكن في الحقيقة هذا ليس منهج الإِسلام، منهج الإِسلام هو تجلية الحق، وإظهاره، منهج

стр. 9

الإِسلام ليس أن تمنع نفسك من طرح مثل هذا السؤال، بالعكس منهج الإِسلام أن تظهر ما عندك من سؤال؛ لأن الإِسلام ليس عنده ما يخفيه، الإِسلام دين قادر على أن يجيب على كل سؤال بتمكن واقتدار وكفاءة تامة. ولذلك سبحان الله! بعض المسلمين أيضًا بدأوا يخرجون المسألة من الأزمة، وليجعلوها متناسبة مع العقل الحديث، فقالوا المقصود من الآية أن الله يضل بها من يشاء أن يضل، ويهدي من يشاء أن يهتدي، فيجعل الضمير عائدًا على الشخص نفسه. وأنا أشكر هؤلاء لغيرتهم على الإِسلام، ولكن أنا أريد أن أجعل المسألة مستحكمة ثقة مني في دين الله، وفيما يطرحه من آيات الهدى البينة الرائعة، يقول الله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]، من يشأ الله، فالمشيئة راجعة إلى الله، ويقول: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] .. لقد ذكروا أن الله هو الذي يقول: أتريدون أن تهدوا من أضل الله، فيكون قد ذكر أن الله يضلهم .. فأنا أريد أن أقول لكم إن القرآن حتى حين يقول فمن يهديه من بعد الله، فمن يهدي من أضل الله، واضح وصريح في أن الله هو الذي يهدي وأَن الله هو الذي يضل ..

стр. 10

الآن قد حكمت لكم الموضوع حتى نصعبه .. حتى تفرحوا معي بعد ذلك بفهم آيات الله .. إن هذا الدين لا يقوم به من يجهله أبدًا، ولا يقوم به إلا من أحاطه من جميع جوانبه وفهمه .. من أشرق الإيمان في قلبه، وأشرق النور في عقله وذهنه وفي فهمه وإدراكه .. يقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت] إذن نور الله في هذا القرآن. ولقد ظهرت هذه الإشكالية وهذا التساؤل الذي طُرح لدى البعض على أن المسألة مسألة مزاج، مزاج الله وحاشا لله أن يقول الإنسان على الله ما لم يقله الله .. إذ يتصور البعض أن المسألة تتعلق بالحالة المزاجية، وطبعًا الله ليس كمثله شيء، لكن حاشا لله ذلك، هذا ليس شأن الله أبدًا .. بل شأن الله أن كل شيء عنده بمقدار، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر]، ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الفتح]، ﴿وَلَا تِجَدُ لِسُنَّتِنَا تًحوِيلًا﴾ [الإسراء:٧٧]، فهناك معيار محدد، مقياس محدد .. لكن من أين نأتي بهذا المعيار والمقياس في قوله تعالى: (يهدي من يشاء ويضل من يشاء)؟

стр. 11

لقد فهم البعض أن الإضلال والغواية مسألة بدون معيار، لكن في حقيقة الأمر عندما يقول الله إنه يضل من يشاء، فقد ذكر هذه الفئات المحددة التي شاء الله إضلالها، أو يشاء الله إضلالها، ذكرها تحديدًا .. كما أنه ذكر الفئات التي يشاء الله هداها، ذكرها مثل القانون .. القانون يقول: إلا الفئات كذا والفئات مذكورة في مواد أخرى، فكذلك كأن القرآن يقول: إن الله يهدي من يشاء ممن ذكرته لكم في آيات القرآن أن الله يشاء هداه، والله يضل من يشاء من الفئات التي يشاء الله إضلالها ممن ذكرها في القرآن .. والسؤال من الذي يشاء الله إضلاله، ومن الذي يريد الله هدايته قد ورد في نص القرآن .. يقول الله ﵎ مثلًا عن الذين يضلهم الله : ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. إذن هؤلاء قوم اتخذوا قرارًا بالظلم أولًا، فدخلوا في فئة اسمها "الظالمون"، ولقد ذكر الله أنه يضل الظالمين، وهؤلاء اتخذوا قرارًا مسبقًا بالفسق، والله تعالى ذكر أن الفاسقين يضلهم الله، وذكر الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] .. هؤلاء

стр. 12

أسرفوا على أنفسهم في المعصية والكذب، ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]، فالآيات محددة والمسألة ليست مطلقة كأن يختار الله مثلًا فلانًا ليهديه، وفلانًا فلا يهديه، لا .. حاشا لله أن يكون الأمر بهذه الصورة، وإنما هو معيار منضبط، ﴿وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]، مع أن هذه الآية لها أيضًا بعد آخر، ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللهُ﴾ [النحل: ١٠٤]، يعني هم اتخذوا قرارًا بالكفر فأصبحوا خارج دائرة الهداية، اتخذوا قرارًا بالظلم، فأخرجوا أنفسهم خارج دائرة الهداية، هذا قرارهم المسبق، هم اتخذوه، هم أسرفوا، هم كفروا، هم خانوا .. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء] الآية ذكرها الله عن المنافقين، إذ إنهم يتلاعبون بالدين .. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء] إذن هم فئة محددة، متلاعبة بالدين؛ لذلك فإن الله يضل من يشاء لأنهم استحقوا هذا الإضلال .. يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)﴾ [النساء] في الآية الأولى "ولا ليهديهم سبيلًا"، وفي الثانية "ولا ليهديهم طريقًا" .. إن الذين كفروا

стр. 13

وظلموا وهذه الفئة جمعت بين الكفر والظلم .. إذن الله لا يهدي الكافرين, الله لا يهدي الفاسقين, الله لايهدي الظالمين، ولا يهدي المنافقين, ولا يهدي المتلاعبين، ولا يهدي من هو مسرف كذاب، ولا من هو كاذب كفار .. إذن هي فئات ذكرها الله ﵎، حتى عندما ذكر عن قوم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] .. وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] ثم قال عن هذه الفئة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]. لذا حينما تسمع قوله تعالى: "إن الله يضل من يشاء" إياك أن تعتقد أنها فئات مجهولة، أو مسألة متروكة للهوي .. وإنما هي سنن وقواعد وقوانين ومعايير أوحاها الله إلينا، وعرّفنا بها, ولكننا نمر علي آيات القرآن, ولا نقف عندها برغم وضوح الرؤية في آيات القرآن بشأنها .. أما الهداية .. سبحان الله! فقد ذكرها الله تعالي أيضًا تحديدًا حتى نعلم أن الآية تحيل إلى آيات أخرى؛ لأن العبرة بمجمل آيات القرآن، مثلًا يقول الله : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر] ..

стр. 14

إذن يهدي الله أصحاب صفات أولي الألباب، وفي سورة الرعد صفات لأولي الألباب، والسؤال: من هم أولو الألباب؟ ويمكننا معرفة ذلك من تتبع صفات أولي الألباب في القرآن الكريم .. أيضًا يهدي الله المتقين، وكذلك مِن الذين يهديهم الله من اتخذوا قرارًا بالإيمان والعمل الصالح، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧] يقول الله تعالى عنهم والذين اهتدوا، هم آمنوا واتخذوا قرارًا بالهدى، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد] ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] لما جاءهم الهدى اهتدوا .. إذن هؤلاء اتخذوا القرار، فالله لا يعبث، حاشاه ذلك، بل إن الله جعل لنا مشيئة، قال من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، فلا يعطل هذه المشيئة .. ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] فهم اعتصموا بالله .. ويقول الله تعالي: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ﴾ [القصص: ٥٠] اتبع هواه بغير هدى من الله، هو لا يسير على هدى من الله، وإنما هو يسير هكذا، يدخن السجائر ويصادق زميلات في العمل، والأمور لديه غير منضبطة تمامًا وأحيانًا يصلي وأحيانًا أخرى

стр. 15

لا يصلي .. هو شخص يتبع هواه بغير هدى من الله .. يقول الله تعالي: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ﴾ [النساء:٦٦] فهذه خطوة يقوم بها المسلم، ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٦]، ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء]. إذن الهدى للذي يستمع للموعظة وينفذها، فيأتيه الهدى، ويتبعه، وهذا بخلاف الذي يأتيه الهدى ولا يتبعه .. فحينما يقول الله : "إن الله يهدي من يشاء" ليس معناها أن الله يهدي من لا يستحق، فهو الله تعالى رب العالمين، ليس كمثله شيء، فكل شيء عند الله تعالى بمقدار، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] .. جاهدوا أي تحركوا إلى الله فاستحقوا الهداية .. والسؤال: ما هي العملة .. عملة الهداية وعملة الغواية؟ العملة هي الخطوة السابقة، الله تعالى بعث إليك الهدى، فتقبله أو ترفضه، إن قبلته فقد حزت العملة التي بها تشتري الهدى، أنك قبلت وأقبلت، وإن رفضت الهدى، فإنك بذلك تكون قد فقدت العملة، وليس معك عملة لشراء الهدى.

стр. 16

لذلك كما ذكرت من قبل، ذكر القرآن عن قوم أنه هداهم وهم كفار، وقال إن الله قد هداهم .. قال عن ثمود الذين عذبوا وماتوا كفارًا: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلَت:١٧] ثم قال: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وعن فرعون ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ [النازعات ١٩] أي أنه هو الذي رفض الهدى، وقال عن آزر والد إبراهم عليه الصلاه والسلام أو عمه، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)﴾ [مريم] سأهديك .. الهدى معناها الدلالة علي الخير، بل إن الله يذكر أن الكفار اتخذوا قرارًا بألا يؤمنو في، ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧] .. ويقول تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام:١١٦] هذا وصف عن الكفار .. وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣] ما هذا؟ أيذكر القرآن عن قوم أنهم قد جاءهم من ربهم الهدى وهم يتبعون الظن وما تهوي الأنفس وهم كفار؟ والجواب نعم .. وذلك لإبطال حجتهم يوم القيامة. ولذلك حينما تقرأ سورة الزمر تجد ردًا علي من يريد أن يتحجج وذلك حتي لا يأتي شخص يوم القيامة ويقول ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] حتي لا تزعم نفس هذا ..

стр. 17

وهذا الكلام يقوله البعض، فيقول أحدهم: "لوكان الله هداني لكنت وكنت، لكن هذا أمر خاص بالله، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ويبدو أن الله لا يريد أن يهديني" وهذا كلام خاطئ، وللأسف بسبب مشاهدة الأفلام والمسلسلات والممثلين والممثلات، صارت هذه هي ثقافة المسلمين اليوم، يقول الله في هذا الأمر: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾ [الزمر] ثم ثم يقول: ﴿بَلَى﴾ يعني بلي بل هديتك وأعطيتك الهدي، ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾ [الزمر:٥٩]. ولذلك لا بد أن نعلم قوله صلي الله عليه وسلم مخبرًا عن ربه في الحديث القدسي: "من تقرب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلى ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" .. طبعًا هذا تمثيل لمعني اللفظ وليس لفعل الله، فلابد إذن من اتخاذ خطوة، وخطوة من الله أنه أرسل رسوله بالهدي والدلالة علي الخير ودين الحق ليظهره علي الدين كله، فمن استجاب وآمن وأجاب واتبع فإن الله سيعطيه الهدي، ومن رفض وكفر وظلم وكان مسرفًا ومرتابًا وكذابًا وظلومًا وكفر ثم آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر وتلاعب ولم يؤمن بآيات الله و .. و .. فإن الله تعالى يضله.

стр. 18

كيف يضله الله؟ هذه نقطة هامة جدًا، فالناس يتصورون أن الله له فعل إضلال، وإنما يقول الله تعالى: ﴿وَيَذَرُهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف:١٨٦] .. ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾ [يونس] .. إذن الإضلال أن يُتركوا فيما اختاروه، بل لا يكتب الله تعالى عليهم الضلال بمعنى أن يجبرهم عليه وإلا فأين ذلك من قول الله : ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فتقول له يا رب كيف أشاء أنا إن كنت تجبرني، فيقول لا، الضلال هنا هو مجرد أنك تُترك، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان:٣]. إذن مسألة الإيمان والكفر ليست مسألة مطلقة بدون قواعد، وإنما هي مسألة تتم طبقًا لقواعد محددة سلفًا.

стр. 19

الحرية في الإِسلام يقول الله : ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ في [المجادلة:١١] .. إن العلم هو هذا الذي نفعله حين نتدارس آيات الله .. ومن الأمور التي ترد على أذهان البعض مسألة الرق، كيف يسمح الإِسلام أن يكون بشر مالكًا لبشر آخر ونحن نقول إن الإِسلام دين الكرامة الإنسانية؟! وأنا أقرأ الآيات التي تذكر الإماء والعبيد والحرائر .. فهل يعقل أن الإِسلام الذي يتكلم عن الحرية البشرية والكرامة الإنسانية وتحرير البشر يسمح بأن يكون هناك بشر ملكًا لبشر؟! ويكون هذا عبد فلان وهذه أمة فلان، ويصبحون ميراثًا يورث .. كيف؟! لماذا لم يحرم الإِسلام الرق؟ وهل من حق الناس أن يقولوا إن المدنية الحديثة والحضارة الحالية أرشد من الإِسلام لأنها حرمت الرق وجعلته محرمًا أما الإِسلام فأباحه؟ من يقول هذا -جزاه الله خيرًا- يغار على الإِسلام ولكن لو علمنا روعة عطاء الإِسلام وتناوله لقضية الرق سنعرف أن هذا الموضوع من

стр. 20

مفاخر الإِسلام في باب الحريه وفي باب الكرامة الإنسانية وفي باب تحرير البشر حتى العبيد. إن الرق في التاريخ البشري كانت له مصادر كثيرة جدًا .. وأنا لا أخص في المجتمع العربي في الجاهلية فقط وإنما كل المجتمعات ولنذهب إلى كليات الحقوق ونسأل عما يدرسونه في القانون الروماني أو القانون عند الآشوريين والبابليين والفراعنة وغيرهم. إن الرق في التاريخ البشري كانت له منابع كثيرة .. كانت هناك حروب وكان المنتصر يأخذ المهزوم ويسترقه .. أيضًا لو أن هناك إنسانًا له دين عند إنسان وعجز المدين عن أن يسدد الدين للدائن فيأخذ المدين نفسه بدلًا من المال .. وكان المجتمع يمكّن الإنسان من هذا ولا يمكن المدين من الفرار .. فمثلًا إذا خطف شخص من أهله وكان في حيازة شخص آخر فهو ملك له، وله أن يذهب به إلى سوق العبيد ليبيعه ويتم البيع والشراء حتى لو كان هذا الشخص أباه أو أمه، وكان إذا ضاع طفل يجيء أهله ليشتروه ويحرروه من الشخص الذي وجده لأنه قد أصبح عبدًا ومملوكًا ومسترقًا بمقتضى جريمة الاختطاف، والمجتمع يمكنه من ذلك .. وهذا ما حدث مع "زيد بن حارثة" عندما عرف أبوه وأهله مكانه فسافروا بلادًا وصحراوات كثيرة حتى أتوا النبي ﷺ وقالوا له: ندفع لك ونشتري ابننا .. لكن النبي

стр. 21

- ﷺ كان أكرم وقال لهم: "خدوه لو اختاركم" .. لكن زيدًا اختار النبي ﷺ . إذن منابع الرق كانت كثيرة جدًا، وعندما جاء الإِسلام حرم كل مصادر الرق ومنابعه .. جفف كل منابع الرق، لأن كل النماذج التي ذكرتها هي حرام في الإِسلام .. حرم الإِسلام كل مدخل وكل سبب وأبقي سببًا واحدًا فقط هو من مفاخر الإِسلام .. وهو طريق واحد فقط ليكون الإنسان عبدًا، هذا الطريق هو أن يأتي إنسان يحاربني ليعتدي على عرضي كدولة إسلامية أو علي مالي أو على عقيدتي، ويحاربني بظلم فأنتصر عليه ويمكنني الله منه. هل تدرون الواقعة الخاصة بـ "مدرسة بحر البقر" في الدقهلية في مصر وهي أنه عندما جاءت طائرة من طائرات اليهود وضربت مدرسة ابتدائية وقتلت الأطفال وملأت الدماء كل مكان اتضح أن الطائرة تقودها "امرأة حامل" جندية في الجيش اليهودي حامل خرجت وضربت المدرسة وعادت .. جريمة نكراء .. مذبحة .. ونحن نعرف صابرا وشاتيلا ودير ياسين في فلسطين وغير ذلك فإذا ما أمكنني الله من الذي فعل هذه الجريمة فإن القانون الدولي ينص في هذه الحالة المعاصرة أن من فعل هذا هو مجرم حرب وتتم

стр. 22

محاكمته وذلك ما فعلوه مع صدام حسين على جرائم حرب وحاكموا زعيم صرب البوسنة على جرائم حرب وهكذا .. ولكن القرآن الكريم يقول: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] .. مادام ضرب الرقاب انتهى والحرب انتهت فلا داعي للقتل إذ يكون القتل في المعركة فإذا استقرت المعركة وأصبحت أنت متمكنًا فلا داعي لأن تقتله فيموت كافرًا وإنما ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمَّد:٤] الوثاق كناية عن الأسر فإذا ما أخذته يومئذٍ أمامي إما أن أقتله وإما أن أمنحه الحياة .. والإِسلام يريدني أن أتركه حيًا بدل أن أزهق روحه .. سأعطيه الحياة وهذه أول نعمة بأن أعطي الأسير حياته بدلًا من قتله، ثم النعمة الثانية أنني بدلًا من أن أجعله يسجن وأقيد حريته جعلته بين الناس .. بين أهلي وقومي وعشيرتي .. جعلته موجودًا في المجتمع حرًا، ثم النعمة الثالثة أنني بدلًا من أن أبقيه كافرًا مشركًا ويموت كافرًا ويدخل النار أدخلته في المسلمين لعل الله أن يهديه حينما ينظر في أحوال المسلمين .. وتعلمون قصة الأسير الذي أسره النبي ﷺ حيث جاء هذا الرجل وكان كافرًا ليحارب النبي ﷺ فربطه في عمود من أعمدة المسجد ليرى المسلمين حتى إذا ما رأى شأن الإِسلام والمسلمين أسلم.

стр. 23

إذن الإِسلام أعطى الأسير الحياة بدل القتل، وأعطاه الحرية بدل الأسر والسجن، وأعطاه الإِسلام بدل الكفر، ثم أعطاه النعمة الرابعة وهي أن الإِسلام أغرى المسلمين بإعتاق العبيد .. وبهذا يكون قد سد الإِسلام كل المنافذ التي تؤدي إلى الرق وفتح كل المنافذ التي تؤدي إلى الخروج من الرق .. فمن جامع امرأته في نهار رمضان فتحرير رقبة .. ومن حلف بالله ثم أراد أن يتحلل من قَسَمه فكفارة الأيمان تحرير رقبة .. كفارات كثيرة في الإِسلام تحرير رقبة لدرجة أخرجت العبيد إخراجًا شبه كامل من الرق، فكان يجب أن يكون هناك بديل لتحرير الرقبة لأنه لن توجد رقاب لتُحرر لأنها قد حُررت بالفعل، يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ (لأنه ما عاد هناك أرقاء بسبب هذه الكفارات) ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة:٤] إنما قبل إطعام المسلم المسكين وكسوة المسلم الفقير ذكر الله عتق الرقبة حتى لو كان غير مسلم .. وبعد أن أعطاهم الإِسلام أربع نعم وهي نعمة الحياة بدل القتل .. ونعمة الحرية بدل الأسر .. ونعمة الإِسلام بدل الكفر دون إكراه .. ونعمة التحرير بعد ذلك .. أمر الإِسلام أن نكرم الرقيق المسترق في فترة الرق والعبودية وهي الفترة الطارئة .. وليست هذه فترة استمرار لأن الإِسلام لن يجعل هذا الإنسان مستمرًا في الرق وإنما هي فترة

стр. 24

مؤقتة حتى تكتمل له نعمة الإِسلام والحياة .. ثم أمرنا الإِسلام في هذه الفترة ألا نظلمه بل نكرمه وننفق عليه ونطعمه. ومعلوم أن الرسول ﷺ كانت عنده جارية صغيرة أرسلها لتشتري شيئًا فغابت طوال اليوم تلعب فلما رجعت إلى البيت كان الرسول ﷺ -غاضبًا، فقال لها ﷺ : "والله يا جارية لولا خوف القصاص من الله لضربتك بهذا السواك". لم يرضَ النبي ﷺ أن يضربها بالسواك لأنه يخاف من رب العالمين .. أيضًا أبو مسعود البدري وهو من صحابة رسول الله ﷺ ، كان يضرب عبدًا من عبيده فجاء من خلفه ﷺ وقال: "إعلم أبا مسعود أن قدرة الله عليك أعظم من قدرتك على هذا" فالتفت أبو مسعود وهو غاضب وممسك بالولد يضربه وأراد أن يلتفت كأنه يريد أن يقول لمن يكلمه هل تدري ماذا فعل؟ فلما التفت فوجئ بأن المتكلم رسول الله ﷺ ، ففزع وألجم وقال: يا رسول الله هو حر لوجه الله، فقال له: أما إنك لو لم تفعل لمستك النار .. ً

стр. 25

إذن الله ﵎ يدعو إلى إكرام هؤلاء الأرقاء .. ثم إن الإسلام لا يمانع إن جاء قانون حرم الرق أو جاء المسلمون فحرموا الاسترقاق فلا بأس، يقول الله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمَّد:٤] .. لذا فإن الإِسلام لا يجعل الإسترقاق فريضة .. وإنما جعله مصلحة ونعمة، لكن أصحاب الحضارة الحديثة كالأمريكيين والأوروبيين يسافرون إلى أفريقيا ويشحنون سفنًا وبواخر مليئه بالعبيد السود إذ يسلسلونهم ويجعلونهم ينامون على أرض المركب ويضعون عليهم أثقالًا حتى لا يهربوا ويشحنونهم بالمئات والآلاف حتى يعملوا في أمريكا عبيدًا عند السادة الأوربيين، وظلت أمريكا حتى الستينيات من هذا القرن والسبعنيات بل إلى عهد قريب جدًا مكتوب على المطاعم وبعض الولايات وهذا ما قرأته ووجدته بعيني ممنوع دخول الكلاب والسود .. لقد ساووا بين العبد الأسود والكلب، وحتى يومنا هذا ونحن في القرن الحادي والعشرين .. إذا اشترى شخص أسود قطعة أرض أو بيتًا -وإن كان حرًا- تنخفض أثمان الأرض؛ لأنه يعتبر شيئًا غير مرغوب فيه، لذا أحيانًا يتكاتف السكان ليشتروا البيت من هذا الأسود ليخرجوه لتظل المنطقة للبيض وحدهم ..

стр. 26

وعندما ذهبت إلى سفارات بعض البلاد الأوربية والأمريكية لآخذ استمارة (للتأشيرة والفيزا) وجدت من ضمن البيانات لون البشرة .. وهذا الكلام في القرن الحادي والعشرين. إذن العبيد الذين عاشوا في فترة عبودية قليلة .. ثم اعتقوا بقدر الله هؤلاء أحبوا الإِسلام لدرجة أن الموالي هؤلاء أصبح منهم كبار الفقهاء في الشريعة الإِسلامية وكبار قواد الجيش والفاتحين .. وعلى سبيل المثال "عمار بن ياسر" إذ كان عبدًا عند بني مخزوم وهم عائلة خالد بن الوليد، فلما أسلم "خالد بن الوليد" وكان عمار قد أسلم قبله، وبعد مرور عشرين سنة على بدء الدعوة الإِسلامية اختلف خالد وعمار .. فخالد شعر أن عمارًا كان خادمه وخادم أبيه وعائلته فغلظ عليه بشدة فبكى عمار ولم يستطع أن يتكلم إلى خالد؛ لأنه كان السيد طوال العمر .. واشتكى لرسول الله. فإذا بالنبي ﷺ يقول لخالد: "يا خالد إن عمارًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ومن آذى عمارًا فقد آذى الله ورسوله". ويفزع خالد .. ويذهب السيد ليقبّل رأس عمار، ويقول له: سامحني يا أخي .. سامحني لأنني إن آذيتك آذيت الله ورسوله ..

стр. 27

وفي واقعة أخرى يأتي أبو بكر الصديق السيد ومعه أبو سفيان قائد جيش المشركين والذي حارب الرسول ﷺ طوال فترة الحرب بين قريش وبين الرسول ﷺ .. وأبو بكر السيد أتى بأبي سفيان السيد وكان أبو بكر طامعًا في إسلامه لأنه لو أسلم قائد جيش ودخل في الإِسلام فهذا عزة للإسلام .. فسار به أبو بكر للرسول ﷺ وفي الطريق كان هناك ثلاثة من العبيد جالسين فقال أحدهم: يا سبحان الله أمازال يعيش والله إن السيوف لم تشبع من الرقاب، ألا إن سيوف الله لم تشبع بعد من رقاب بعض عباد الله، كلمة غليظة يسمعها أبوسفيان، فاحمر وجه أبي بكر وغضب؛ لأن المصلحة التى ستكون بسبب إسلام أبي سفيان توشك أن تطيش بسبب كلمة مثل هذه .. وذهب أبو بكر للرسول وقال له: انظر يا رسول الله ما قاله فلان وفلان، فقال الرسول ﷺ : "يا أبا بكر فلعلك آذيتهم" إياك أن تكون قلت لهم كلمة تؤذي مشاعرهم لأن رب العالمين عاتب رسول الله في عبد اسمه عبد الله بن أم مكتوم ففيه نزل: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾ [عبس]، فقال: لا والله يا رسول الله ما آذيتهم فقال: "إنك لو آذيتهم لآذيت الله ورسوله".

стр. 28

إن الإِسلام يدافع عن هؤلاء دفاعًا شديدًا والرسول يقول: "بلال منا آل البيت" .. بلال المسترق من بيت النبوة .. إذن الإِسلام أكرمهم وما جعل الرق إلا منحًا لعمر ومنحًا للمال ومنحًا لحياة ومنحًا لإسلام ثم إعتاقًا ثم بركة ثم إنفاقًا .. ثم كانت النتيجة التي أخضعت الرقاب وجعلت هؤلاء جميعًا قد أحبوا الإِسلام وتكاتفوا معه ولم يكونوا ضده. ألا فلترفع رؤوسنا نحن جند الإِسلام نحن أتباع العقيدة المشرفة الرائعة .. إنها رحمة الله للعالمين ..

стр. 29

الهدف من الخلق

стр. 30

الهدف من الخلق جاءني شاب يسأل، وكان قد وقع فريسة لبعض المذاهب الاقتصادية والاجتماعية كالماركسية والشيوعية وغيرهما، فجاء يسألني سؤالًا يظن أنه سؤال عميق، وأنه لا رد عليه، ولكن هذا السؤال حقيقة يتناول نظام الإِسلام كلية، سألني قائلًا: إن القرآن الكريم يقول إن الله هو الغني، وإنه لا يريد من عباده الرزق له، يقول الله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات] .. وإن كل من في السماوات والأرض إنما هو عطاء من الله رب العالمين. وآيات القرآن تمتلئ بما يعرّفك بأن الله هو الغني، وأن العباد هم الفقراء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر]، ثم يقول: ومع ذلك وبرغم هذا الوضوح والاستقرار في آيات القرآن إلا أن القرآن أيضًا كلف المسلمين بأن يطعموا الفقراء، ويعطوهم وينفقوا عليهم، فإذا كان الله غنيًا حميدًا - وهو كذلك - فلماذا لم يقل إنه حرم على الأغنياء أن ينفقوا على الفقراء؛ لأن الله ينفق عليهم، وهنا تنشأ هذه الإشكالية، إشكالية بين قول الله تعالى: ﴿مَا

стр. 31

ً أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الذاريات:٥٧]، وبين ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء:٥]، آية تقول: أريد منكم أرزاقًا تجرونها، وآية تقول: ارزقوهم فيها واكسوهم، وأطعموا البائس الفقير .. إن القرآن بهذه الصورة ونحن نوقن أنه كتاب لا يتضارب، ولكن ظاهر الآيات -ولأننا لا نفهمها- نشعر أن هناك تضاربًا. الحقيقة أن هذا السؤال يدل على عدم العلم الكافي بالهدف من خلق البشر. ما هو الهدف من خلق البشر؟ يقول الله ﵎ عن المهمة التي خلق البشر من أجلها: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، ويقول: ويقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، ولكن العبادة أنواع، الملائكة يعبدون بطريقة، والجن يعبدون بطريقة، والبشر يعبدون بطريقة، فطريقة البشر عبارة عن أصناف من العبادة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، من أعظم هذه الأصناف ومن أميزها ومن أخصها بالإنسان ومن ألصقها به والتي من أجلها خُلق الإنسان أن يكون خليفة عن الله في الأرض، قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠].

стр. 32

إن البشر خلقوا ليكونوا خلفاء عن الله في الأرض، أو خلفاء على ما رزقهم الله، فإذا علمت أن منطق إنفاق الأموال في الحقيقة ملازم للخلافة، ملازم للإستخلاف، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧] إذا علمت ذلك أصبح هناك تلازم بين الإستخلاف وبين الإنفاق، الإنفاق صورة من صور عبادة الاستخلاف في الأرض، فلو أنك طلبت من الله أن ينزعها عن البشر فكأنما تقول له خلقتني خليفة، ولكن لا تكلفني بما هو مقتضى أنني خليفة في الأرض، والله ﵎ يقول: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] فالمال مال الله، ونحن مستخلفون فيه. ولذلك ننفق بالوحي والشرع الذي شرعه الله ، والحقيقة هذه المسألة ليست خاصة بإنفاق الأموال فقط، وإنما هي خاصة بكل شيء، حتى أنها خاصة بالقوة أيضًا، فالله تعالى جعل لكل نعمة أنعمها على الإنسان جعل لها ضريبة، أو جعل عليها ضريبة، فالإنسان القوي مثلًا مكلف بالجهاد في سبيل الله، والإنسان الذي لديه جاه وسلطان ووجاهة مكلف بأن يعد بجاهه على من لا جاه له، فيشفع شفاعة حسنة، أو يخدم إنسانًا، أو يقيم الحق .. ينفق من هذا الجاه، ومن كان له فضل مال فلينفق على من لا مال له، أو فليعد به على من لا مال له،

стр. 33

حتى من كانت عنده ركوبة، وهى الآن السيارة، وبالأمس كانت حمارًا أو بغلًا أو جملًا، من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له. إذن العبادة التي خُلق لها البشر مختصة بهم، ولا يقوم بها ملك مقرب، ولا يقوم بها شيطان ولا جني، ولا يقوم بها إلا البشر وهي أنه خليفة لله على الأرض، وهذا الإنفاق صورة من صور الاستخلاف. ولذلك فإن من يقرأ آيات القرآن يجد أن الله تعالى جعل بعض الناس لبعضهم عبادة، يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠] .. فتنة أي اختبار وابتلاء وامتحان، أتصبرون؟ فجعل للغني حظًا مع الفقير، وجعل للفقير حظًا مع الغني، وأصبح الإنسان بهذه الصورة مكلفًا لا أن يعيش مصليًا وصائمًا وقائمًا وذاكرًا لله وداعيًا، وما إلى ذلك من الدعاء لله وسؤاله، وإنما هو مكلف أن يعبد الله في البشر، وفي الحديث القدسي: "مرضت فلم تعدني، كيف تمرض وأنت رب العالمين يا رب .. قال: مرض عبدي فلم تعده .. " (رواه مسلم). فأصبحت عبادات البشر تمر عبر البشر الآخرين، وهذا هو معنى الاستخلاف. لقد كان الله تعالي قديرًا أن يقول للبشر لا تنفقوا لكن هو خلقهم من أجل هذا الاستخلاف.

стр. 34

ولذلك فإن الذين رفضوا أن يعبدوا الله، والذين رفضوا أن يطيعوا الله، والذين رفضوا أن يؤمنوا بالله رفضوا الإنفاق، يقول الله عنهم: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧] حتى يتركوا الدين وينصرفوا عنه .. انظر إلى عظمة الإِسلام، الذين رفضوا الإِسلام قرروا أن يحاصروا الإنفاق وأن يحاصروا منهج الله في الإنفاق؛ لأن الله استخلفهم على هذه الأموال، فأرادوا أن يحجزوها. ولذلك فإن الله -سبحانه - لم يجعل البشر وهم ينفقون بهذه الصورة أحرارًا في أن ينفقوا، وإنما وضع مواصفات لهذا الإنفاق، إذ لا يستطيع الإنسان أن يقتر، ويقول: لا، أنا لن أنفق، كما لا يستطيع أن يسرف، يقول الله تعال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان] .. هذا القوام بين الإنفاق والتقتير هو في حقيقة الأمر طريق الله المستقيم وصراط الله المستقيم .. كما ذكر القرآن الكريم أنه قد يصير الغني فقيرًا، وقد يصير الفقير غنيًا بسبب الإنفاق أو عدم الإنفاق، ونجد في آيات سورة القلم نبأ أصحاب الجنة، وهم مجموعة من الأشقاء يملكون حقولًا، فأعجبهم الزرع وضايقهم التصاق الفقراء ووقوفهم على رؤوس الحقل يوم الحصاد، مع أن الله تعالى جعل من عظمة الزكاة أنها لا ترتبط بزمن

стр. 35

بعد حول، وإنما ترتبط بزمن الحصاد، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. ولكن هؤلاء الأشقاء قرروا، وقالوا: إن الفقراء اليوم سينامون مبكرًا حتى يستيقظوا مبكرًا ليدركوا موسم الحصاد، لذا لا بد أن نستيقظ قبلهم ونحصد فإذا استيقظ الفقراء يجدون الدواب قد حملت المحصول، وانتهى الأمر .. يقول الله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم:١٩] طاف على الحقل ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ فاحترقت بالكامل، وانتهت ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ [القلم]، وفي الصباح تنادوا فوجدوا أنه لا شيء عندهم، لقد حولهم الله لفقراء لأنهم لم ينفقوا على الفقراء. كذلك في سورة الكهف نجد حوارًا بين رجل غني ورجل فقير، رجل غني غنى شديدًا، ورجل فقير فقرًا شديدًا، فالغني يُعير الفقير، يقول له: لولا اللقمة التي أطعمك إياها ما طعمت، وهذا ما يقوله بعض الأشخاص اليوم بصيغة (أنت .. لحم كتفيك من خيري). لكن الفقير كان يفهم حركة الأرزاق وفقه الله في الأرزاق، فقال له: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ [الكهف: ٤٠] فيرتفع الفقير إلى الغنى ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ

стр. 36

السَّمَاءِ﴾ يُرسَل على الحديقة شهاب من السماء فيحرقها، فيصبح الغني فقيرًا، إذن تبدل الميزان وتغير، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠] .. ولذلك لم يكلف الله تعالى الغني بأن ينفق على الفقير من عند الغني، وإنما كلف الغني أن ينفق على الفقير من مال الله الذي آتاه كحركة مال تخدم وتكرس وتؤكد عبادة الاستخلاف؛ لأنني لو لم أكن موزعًا للأموال، وهذا آخذ للأموال، وهذا متلق .. لفسدت عبادة الاستخلاف وما أصبح الناس بعضهم مكلفًا ببعض .. يقول الله تعالي: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٧]، لو أعطاهم كثيرًا ﴿لَبَغَوْا في الْأَرْضِ﴾ .. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ أنت تفعل ذلك مع ابنك، أحيانًا تريد أن تعطيه عينيك كما يقولون، ولكنك تقول: أنا لن أعطيه كثيرًا؛ لأنني لو أعطيته كثيرًا ربما اشترى مخدرات بدلًا من الحلوى أو ربما اشترى خمرًا بدل العصير، فأنت تعطيه بالقدر الذي ترى أنه يصلحه ولا يفسده، إلا من أفسد، فالآباء المفسدون كثيرون .. خلاصة الأمر أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣]

стр. 37

حتى لا يصبحوا جميعًا كافرين ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ َ (٣٣)﴾ لجعلنا لهم بيت ذهب وفضة وسلالم ومصاعد، وكنا أعطينا وأغدقنا، ولكن الناس لو أخذوا أموالًا بغير حساب لبغوا في الأرض؛ لأنه يوجد عباد لا يصلحهم إلا درجة محددة من درجات العطاء فالله يعطيها لهم، ويأخذ على قدر ما يصلحهم .. وأعلم أنه إذا مات العبد المنفق لن يموت الفقير الذي كان ينفق عليه الغني، وتدلنا آيات القرآن على أمر عجيب، أنه عندما يعجز الغني أو يموت تجد أن الله يرسل للفقير من يصلح شأنه، وذلك في سورة الكهف إذ كان هناك أب ظل طوال حياته يجمع الكنز وينمي الثروة، ثم جاءه الموت وكان له ولدان صغيران، والبلد الذي كان يسكنه كان بلدًا سيئًا جدًا، وأهلها سيئون ولئام، لدرجة أنهم لا يطعمون الضيف، ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: ٧٧] فلما وجد الأب أنه سيموت وأن أهل القرية لئام، ومعنى ذلك أن الثروة سوف تضيع، فجمعها ودفنها في الأرض وبنى فوقها بناء، وقال لنفسه: والله هذا البناء سيظل عشر سنين -لأنه بناه بطريقة معينة- وعندما يكبر ولداي ويريدان أن يتزوجا سيوسعان الدار ويهدمان الجدار ويجدان الكنز، لكن الله أراد أن يقول إن حركة

стр. 38

الأموال ليست إلى الأب المنفق، وليست إلى اللئام المتربصين، فأرسل الله زلزالًا، فإذا بالجدار الذي مدته الزمنية ١٠ أو ٢٠ سنة؛ لأنه مبني بطوب منفصل عن بعضه أو شيء من هذا القبيل، إذا بهذا الجدار يحدث به شرخ بأثر الزلزال، وهذا ما يقول عنه التعبير الحديث (آيل للسقوط)، وآيل للسقوط بمعنى أنه يريد أن ينقض، يقول الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧]، لو انقض الجدار سينكشف الكنز وتضيع الأموال، وتفسد خطة الرجل، فإذا بالله يرسل نبيًا رسولًا من أولي العزم من الرسل، وهو كليم الله موسى- ﵊ أفضل خلق الله جميعًا بعد محمَّد، وإبراهيم- عليهم الصلاة والسلام - يرسله ومعه عبد لا مثيل له في البشر وهو (الخضر)، يقول الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف]، وهو الذي ورد نبؤه في سورة الكهف، يرسل هذا النبي الكليم الرسول، وهذا العبد المتفرد ليعبرا البحر، ويذهبا إلى هناك ليبنيا للولدين الصغيرين اللذين مازالا غافلين عن الأمر يبنيان لهما الجدار حفاظًا على الأموال. فالله حينما رزق الأبناء بالأموال عن طريق الأب، لم تكن أموال الأب، ولكنها أموال الأبناء آتاها الله للأب، فلما

стр. 39

مات الأب وعجز، والأبناء عاجزون، وأوشك المال أن يضيع، لذا أرسل الله من يحفظه لهم، لتعلم أنه استخلاف لموسى واستخلاف للخضر، واستخلاف لأب الولدين، ولما عجز الجميع جعل الله تعالى عبدًا كهذا العبد الصالح وهو (الخضر) الذي أرسل إليه علمًا من الغيب ومن المستقبل حتى يحفظ لهما هذه الأموال .. انظر إلى الفرض العكسي، في سورة البقرة، رجل كان بالعكس، يقول الله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ [البقرة]، حديقة كبيرة وعظيمة تخرج من الخيرات أنواعًا مختلفة، والأب ظل يعمل إلى أن أدركه الكبر والعجز، ولكن أولاده مازالوا صغارًا، فهو عجز ولا يستطيع أن يعمل، وأولاده صغار لا يستطيعون أيضًا العمل، فأرسل الله تعالى علي هذه الحديقة ما جعلها تهلك بالكامل، فأصبح الأب عاجزًا والأولاد عاجزين وضاعت الحديقة. سبحان الله! فالمال ليس مال الأب ولا مال الأولاد، وإنما هو مال الله الذي يصرفه في البشر كيفما يشاء ..

стр. 40

لقد جعل الله تعالى تفاوت الأرزاق لأجل عبادة الإستخلاف، وهذا التفاوت ليس في المال فقط، وإنما أيضًا في الصحة والعقل والأولاد وأحيانًا يكون التفاوت في المهارة والذكاء فيكون شخص عبقري وآخر أخرق لا يقدر على شيء وهو عبء على مولاه، وهو كَل على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير .. لا ينفع في أي شيء. إذن هناك صحة ومرض، قوة وضعف، مهارة وبلادة، ذكاء وغباء، عمر مديد وعمر قصير، مال وفير ومال قليل .. الحقيقة أننا نغار على ديننا غيرة بالغة، ومن الظلم أن ينزل الله كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا من أمامه ولا من ورائه، ولا من المستقبل ولا من الماضي، لا يأتيه الباطل تمامًا، ثم بسب قصور فهم المسلم لهذا القرآن نجد الأباطيل مستقرة بشأن هذا القرآن .. إن هذا ظلم لكتاب الله العزيز، لأنه قوي لا يأتيه الباطل أبدًا. لهذا علينا أن نفهم آيات القرآن ليظل القرآن عزيزًا مهيبًا في الناس ..
следующие страницы →