← Общие книги

Общие книги · id 98121

وقفات مع قضايا معاصرة شبهات ردود

حازم صلاح أبو إسماعيل

Полный текст (173 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

السَّمَاءِ﴾ يُرسَل على الحديقة شهاب من السماء فيحرقها، فيصبح الغني فقيرًا، إذن تبدل الميزان وتغير، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠] .. ولذلك لم يكلف الله تعالى الغني بأن ينفق على الفقير من عند الغني، وإنما كلف الغني أن ينفق على الفقير من مال الله الذي آتاه كحركة مال تخدم وتكرس وتؤكد عبادة الاستخلاف؛ لأنني لو لم أكن موزعًا للأموال، وهذا آخذ للأموال، وهذا متلق .. لفسدت عبادة الاستخلاف وما أصبح الناس بعضهم مكلفًا ببعض .. يقول الله تعالي: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٧]، لو أعطاهم كثيرًا ﴿لَبَغَوْا في الْأَرْضِ﴾ .. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ أنت تفعل ذلك مع ابنك، أحيانًا تريد أن تعطيه عينيك كما يقولون، ولكنك تقول: أنا لن أعطيه كثيرًا؛ لأنني لو أعطيته كثيرًا ربما اشترى مخدرات بدلًا من الحلوى أو ربما اشترى خمرًا بدل العصير، فأنت تعطيه بالقدر الذي ترى أنه يصلحه ولا يفسده، إلا من أفسد، فالآباء المفسدون كثيرون .. خلاصة الأمر أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣]

стр. 37

حتى لا يصبحوا جميعًا كافرين ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ َ (٣٣)﴾ لجعلنا لهم بيت ذهب وفضة وسلالم ومصاعد، وكنا أعطينا وأغدقنا، ولكن الناس لو أخذوا أموالًا بغير حساب لبغوا في الأرض؛ لأنه يوجد عباد لا يصلحهم إلا درجة محددة من درجات العطاء فالله يعطيها لهم، ويأخذ على قدر ما يصلحهم .. وأعلم أنه إذا مات العبد المنفق لن يموت الفقير الذي كان ينفق عليه الغني، وتدلنا آيات القرآن على أمر عجيب، أنه عندما يعجز الغني أو يموت تجد أن الله يرسل للفقير من يصلح شأنه، وذلك في سورة الكهف إذ كان هناك أب ظل طوال حياته يجمع الكنز وينمي الثروة، ثم جاءه الموت وكان له ولدان صغيران، والبلد الذي كان يسكنه كان بلدًا سيئًا جدًا، وأهلها سيئون ولئام، لدرجة أنهم لا يطعمون الضيف، ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: ٧٧] فلما وجد الأب أنه سيموت وأن أهل القرية لئام، ومعنى ذلك أن الثروة سوف تضيع، فجمعها ودفنها في الأرض وبنى فوقها بناء، وقال لنفسه: والله هذا البناء سيظل عشر سنين -لأنه بناه بطريقة معينة- وعندما يكبر ولداي ويريدان أن يتزوجا سيوسعان الدار ويهدمان الجدار ويجدان الكنز، لكن الله أراد أن يقول إن حركة

стр. 38

الأموال ليست إلى الأب المنفق، وليست إلى اللئام المتربصين، فأرسل الله زلزالًا، فإذا بالجدار الذي مدته الزمنية ١٠ أو ٢٠ سنة؛ لأنه مبني بطوب منفصل عن بعضه أو شيء من هذا القبيل، إذا بهذا الجدار يحدث به شرخ بأثر الزلزال، وهذا ما يقول عنه التعبير الحديث (آيل للسقوط)، وآيل للسقوط بمعنى أنه يريد أن ينقض، يقول الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧]، لو انقض الجدار سينكشف الكنز وتضيع الأموال، وتفسد خطة الرجل، فإذا بالله يرسل نبيًا رسولًا من أولي العزم من الرسل، وهو كليم الله موسى- ﵊ أفضل خلق الله جميعًا بعد محمَّد، وإبراهيم- عليهم الصلاة والسلام - يرسله ومعه عبد لا مثيل له في البشر وهو (الخضر)، يقول الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف]، وهو الذي ورد نبؤه في سورة الكهف، يرسل هذا النبي الكليم الرسول، وهذا العبد المتفرد ليعبرا البحر، ويذهبا إلى هناك ليبنيا للولدين الصغيرين اللذين مازالا غافلين عن الأمر يبنيان لهما الجدار حفاظًا على الأموال. فالله حينما رزق الأبناء بالأموال عن طريق الأب، لم تكن أموال الأب، ولكنها أموال الأبناء آتاها الله للأب، فلما

стр. 39

مات الأب وعجز، والأبناء عاجزون، وأوشك المال أن يضيع، لذا أرسل الله من يحفظه لهم، لتعلم أنه استخلاف لموسى واستخلاف للخضر، واستخلاف لأب الولدين، ولما عجز الجميع جعل الله تعالى عبدًا كهذا العبد الصالح وهو (الخضر) الذي أرسل إليه علمًا من الغيب ومن المستقبل حتى يحفظ لهما هذه الأموال .. انظر إلى الفرض العكسي، في سورة البقرة، رجل كان بالعكس، يقول الله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ [البقرة]، حديقة كبيرة وعظيمة تخرج من الخيرات أنواعًا مختلفة، والأب ظل يعمل إلى أن أدركه الكبر والعجز، ولكن أولاده مازالوا صغارًا، فهو عجز ولا يستطيع أن يعمل، وأولاده صغار لا يستطيعون أيضًا العمل، فأرسل الله تعالى علي هذه الحديقة ما جعلها تهلك بالكامل، فأصبح الأب عاجزًا والأولاد عاجزين وضاعت الحديقة. سبحان الله! فالمال ليس مال الأب ولا مال الأولاد، وإنما هو مال الله الذي يصرفه في البشر كيفما يشاء ..

стр. 40

لقد جعل الله تعالى تفاوت الأرزاق لأجل عبادة الإستخلاف، وهذا التفاوت ليس في المال فقط، وإنما أيضًا في الصحة والعقل والأولاد وأحيانًا يكون التفاوت في المهارة والذكاء فيكون شخص عبقري وآخر أخرق لا يقدر على شيء وهو عبء على مولاه، وهو كَل على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير .. لا ينفع في أي شيء. إذن هناك صحة ومرض، قوة وضعف، مهارة وبلادة، ذكاء وغباء، عمر مديد وعمر قصير، مال وفير ومال قليل .. الحقيقة أننا نغار على ديننا غيرة بالغة، ومن الظلم أن ينزل الله كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا من أمامه ولا من ورائه، ولا من المستقبل ولا من الماضي، لا يأتيه الباطل تمامًا، ثم بسب قصور فهم المسلم لهذا القرآن نجد الأباطيل مستقرة بشأن هذا القرآن .. إن هذا ظلم لكتاب الله العزيز، لأنه قوي لا يأتيه الباطل أبدًا. لهذا علينا أن نفهم آيات القرآن ليظل القرآن عزيزًا مهيبًا في الناس ..

стр. 41

فهم القرآن

стр. 42

ً فهم القرآن أحمد الله الذي جعلنا نفتح معًا أبواب الفهم لآيات القرآن، وأبواب الاتعاظ بما نزل فيه من موعظة للمتقين، وكم أتمنى - والله- أن ندرس كل القرآن الكريم بهذه الصورة التي نفهم بها ما وراء الآيات من مرامٍ، ومن مقاصد، ومن مفاهيم، ومن أعماق حتى يصير الإنسان عالمًا بالقرآن .. إن الله تعالى قصر الانتفاع بهذه الآيات على صاحب البصيرة والعلم والعقل، يقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت]، العالمون فقط هم من يعقلونها لذلك نحن حين نطرح آيات القرآن لنعلمها ولندرسها إنما نحاول أن نُرزق الفهم، وذلك حتى يتحقق فينا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ .. بل إن الله تعالى في سورة النحل يقول عن آياته إنها هدى وبشرى للمسلمين .. إن المسلم يبشر بالقرآن وذلك بأن يفهم ويعقل، ونحن نحمد الله سبحانه كثيرًا على هذا الفضل ..

стр. 43

أذكر أنني في ليلة لا أنساها إذ كانت ليلة شاتية ممطرة وكان البرد شديدًا، جاءتني في المسجد سيدة وكنت داخلًا لإلقاء محاضرة ولم أبدأ بعد، تلك السيدة ربما تكون في الخمسين من عمرها أو شيء من هذا القبيل، جاءت ويكسوها الوقار والجلال، جاءت تقول: أريد أن أقرأ القرآن وقلبي مرتاح .. أريد أن أتلو القرآن وأنا مطمئنة .. إنني عندما أقرأ القرآن أجد كلامًا أشعر أحيانًا أنني لا أفهمه فهمًا دقيقًا، إن الله ﵎ ملأ آيات القرآن بقوله ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [الأنعام: ٣٤] ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق] ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [يونس:٦٣] ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢] ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ [لفتح:٢٣] ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ [التوبة:١١١] .. كلها مسائل مستقرة .. ثم قالت: ثم أفاجأ ببعض الآيات التي أشعر أنني لا أفهمها، وقرأت بعض التفاسير لكنني لا أستطيع أن أفهمها .. فالآية فيها شرح، لكنني لا أربط بين هذا وذاك، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١]، وهنا يراودني سؤال: أين قوله لا مبدل لكلمات الله؟

стр. 44

وأيضًا قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]؟ وسؤالي هو: هل يوجد تبديل لكلمات الله؟! أعلم أن أساتذتنا الأجلاء الذين يعرفون حقائق الآيات الآن يضحكون، ويبتسمون من هذا السؤال .. لكنني عندما دخلت إلى المسجد وطرحت هذا السؤال على جمهور الحاضرين وفيهم الشباب والكبار، في الحقيقة لم يستطع أحد أن يعرف الجواب، فقلت سبحان الله! إذن ربما حدث عند بعض الناس لبس فعلًا، إن الله ﵎ يقول: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [يونس:٦٣] وهناك يقول: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] هنا يقول: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [الأنعام:٣٤] وهناك يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. إن الناس تصوروا أن كلمات الله كلها نوع واحد فقط، بينما كلمات الله ليست نوعًا واحدًا وإنما كلمات الله أصناف، فالقرآن كلام الله وهو النوع الأول، والنوع الثاني عبارة عن الأوامر التي يقولها الله للشيء كن فيكون، فالله يقول: كن بشرًا .. ويقول فلانة ستلد ذكرًا، فلانة ستلد أنثى، وهذا يموت، وهناك كلام من نوع ثالث وهو

стр. 45

علم الله الواسع، يقول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ في ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا في كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام]. إذن علم الله واسع، فالكلام في علم الله غير الكلام الذي في القرآن الكريم فقط، غير الكلام الذي يتعلق بالأوامر التكوينية بأن يقول له: كن فيكون، غير الكلام عن صفات الله وهكذا .. إذن كلام الله أصناف غير الكلام الذي هو وعد الله للبشر، بأن الله وعدكم كذا .. والدليل على أن كلام الله أو كلمات الله لها معان متعددة قول الله تعالى، وتذوقوا جمال الآية، يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا في الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان] .. والآية بمعنى أنه لو جعل الله الشجر أقلامًا، والبحر حبرًا لن تنفد كلمات الله .. وكلام الله المقصود في الآية غير كلام الله الذي جاء في القرآن، هذا كلام عن علم الله وصفات الله وما يدركه الله فوق إدراك البشر، إنه علم مستفيض لا يكفي لكتابته حبر بقدر مداد الأرض ولو جئنا بمثله مددًا، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ

стр. 46

تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف]، ولو ضاعفنا بحور الدنيا إلى الضعف، لكن كلام المصحف يكتب ولا يحتاج لهذا كله .. إذن هناك فارق بين الكلام الذي هو كلام التكوين (كن فيكون) والكلام الذي هو علم الله، والكلام الذي هو وعد الله، والكلام الذي يقصد به القرآن الكريم. إن كل صنف أو نوع من هذه الأصناف من كلام الله له سنة مختلفة وله مقاييس وقواعد مختلفة، فمثلًا قوله ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [يونس:٦٣] يأتي مع القواعد والأمور المستقرة، وعود الله للبشر .. على سبيل المثال حينما يقول الله تعالى عن المؤمنين أو عن الصالحين من أوليائه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس]، لهم البشرى في الحياة الدنيا والآخرة .. هذه قاعدة مستقرة. ويقول الله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق] الوعد مستقر، أنا أضرب لكم المثل أولًا بالأمور المستقرة لتعلموا الفارق بين السنن التي تظل مستقرة حتى تستقيم حياة البشر.

стр. 47

الإنسان المسلم يعيش ٥٠ أو ٦٠ أو ٧٠ سنة ويعتقد أنه سيدخل الجنة، والكافر سيدخل النار، ثم يتغير هذا بعد ذلك، لا .. فهذه مقاييس مستقرة ليتصرف الناس في ضوء هذه المقاييس المستقرة .. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، هذه سنة مستقرة، ثم يقول الله تعالى بعدها: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ [فاطر: ٤٣]. كما يقول الله تعالى لرسوله- ﷺ -وهو يرى تكذيب الناس إذ كانوا يقولون عنه إنه كذاب، وهو المعروف والمشهور بالصادق الأمين طوال ٤٠ سنة ولم يُذكر عنه أنه كذاب قط، فكبر عليه إعراضهم، والله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥]، فلما جاء في هذا السياق قال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤] ثم بعد التكذيب يأتي النصر ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [الأنعام: ٣٤]. إن المواضع التي جاء فيها قول الله تعالى لا تبديل لكلمات الله، ولا مبدل لكلمات الله، ولن تجد لسنت الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلًا، ولا يبدل القول لدي، هذه عن قواعد العيش، قواعد الدنيا والآخرة، قواعد النصر والهزيمة، قواعد أن العاقبة للمتقين، قواعد أن المكر السيئ يحيق بأهله من الذين مكروا السيئات ..

стр. 48

أما عندما أنتقل لنوع ثان من نوع الكلام وهو الذي أتى في كلام الله وفي المصحف وهو كلام خاص بالبشر، وبإصلاح البشر فبإصلاح البشر يتطورون .. فالطفل الصغير مثلًا عندما يحاول وضع شيء في مقبس الكهرباء فتمنعه وتزجره وربما تسده بشيء، ولكن عندما يصل لسن العاشرة مثلًا قد تطلب منه أن يضع القابس هو بنفسه، فأنت الذي منعته بالأمس ثم تطالبه اليوم بما منعته؛ لأنه قد تطور. إذن المرحلة العمرية والقدرات لهما اعتبار. وحينما يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١] هذا الكلام معناه أن الله يخاطب البشر بقدر طاقتهم، مثلًا في البداية ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] معناها أن المسلم في بداية الدعوة من الصحابة الأولين لقوتهم ولوجود النبي ﷺ بينهم فحتى إذا بلغ عدوهم تسعة أضعاف لا يجوز لهم أن يرجعوا، لا يمكن .. وإنما نحاربهم ولو بلغوا عشرة أضعاف، لكن أكثر من عشرة أصبح الحكم مختلفًا، ثم يقول تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [الأنفال:٦٦] فلم يصبح الواحد

стр. 49

مقابل عشرة؛ لأنه قد علم أن فيكم ضعفًا، لأن الأمم التى ستأتي بعدكم لن تكون مثل هذه الأمة، فإن يكن منكم مائة يغلبون مائتين، ألف يغلبون ألفين، حتى ١٢ ألفا .. هنا مقاييس العدد توقفت حيث إنه لن يغلب اثنى عشر ألفًا من أمتي من قلة. كذلك في أمور أخرى مثل الربا والخمر التي أخذت تتدرج، فإذا قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] يعني يأتي الحكم الجديد مراعيًا للظروف والمقتضيات التي أصبحتم عليها فتصير خيرًا لكم في واقعكم الذي تجدد الآن من الآية التي كانت قبل وجود هذا الواقع .. مثلًا في مسألة تحريم الخمر قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فبدءوا يشعرون أن الخمر أجنبية على الصلاة، أجنبية على روح الصلاة، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] قالوا: إذن ما نكسبه سنخسر أكثر منه بالخمر، ولكنها لم تُحرم، إلى أن وصل إلى قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ وليس فقط فلا تشربوه وإنما لا تذهبوا إلى ما فيه خمر، سواء تشربه أو لا تشربه كأن تجلس مع من يشربه أو تلمسه أو تحمله، هذا كله ممنوع، فاجتنبوه أشد من منع الشرب.

стр. 50

كذلك في مسألة تحريم الربا قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] يقول قائل: إذن لن آخذ أضعافًا مضاعفة وإنما سآخذ فائدة بسيطة ٤% في القانون المدني و ٦% في القانون التجاري، وهذه القوانين مع الأسف يحكم بها القضاة، والنبي ﷺ يقول: "لعن الله الربا، آكله ومؤكله وشاهديه" (رواه مسلم) وقال: "هم سواء" .. فإذا ما وصل الأمر إلى هذه الصورة يقول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] .. ويقول: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨]، وإذا كنتم لا تريدون أن تتركوا الربا ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] .. إذن المسألة صارت خطيرة. وهكذا توجد بعض الآيات التي تناسب البدايات، مثل قيام الليل، ظل قيام الليل -كما ورد عن الصحابة- فرضًا على الصحابة السابقين الأولين من المسلمين في مكة لمدة سنة .. قيام الليل فريضة، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزَّمل] .. ظل قيام الليل سنة كاملة فريضة .. فلما اشتد عود الأمة ولو بوجود الصف الأول حتى ولو كانوا قلة وأصبحوا يعرفون الله ويتوجهون إلى الله ويعبدونه فقويت

стр. 51

نزعة التوجه إلى الله في قلوبهم، جاءت الآية الأخيرة في نفس السورة تقول: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [المزَّمل] .. فعلم الله أنه سيكون منكم مرضى وآخرون يجاهدون فلن يستطيعوا أن يجاهدوا في سبيل الله والمريض لن يستطيع، لذلك وضع الله عنهم قيام الليل .. إن هذه الآيات بعضها كان قويًا ثم خُفف، وبعضها كان خفيفًا ثم اشتد، تحريم الخمر بدأ خفيفًا في التعامل معه ثم اشتدت الحرمة حتى قطعت العلاقة بين المسلم والخمر، والربا، وهكذا، وإنما في قيام الليل كان الحكم الأصلي شديدًا، قيام طويل، ثم خُفف، وفي الجهاد في سبيل الله كان شديدًا ثم خفف، إذن المعيار في ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] وفي ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١] أنه سبحانه يقول: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك]، وهذا الكلام يتعلق بالأحكام الشرعية المتصلة بالبشر.

стр. 52

إن الله -سبحانه- تعامل مع بني إسرائيل بهذه الصورة، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء] أي بسبب ظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، طيبات كانت حلالًا عندهم حرمناها عليهم، فلما أحدث التغيير أثره في تأديبهم وفي تربيتهم وفي ردعهم، أو على الأقل في افتضاح انحرافهم، وأنهم لم يرتدعوا أرسل الله رسوله- ﷺ ومن مهامه أن يحل الطيبات مرة أخرى، وأن يحرم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال والقيود التي كانت عليهم، فهل كان الحل الأول خطأ؟ لا .. هل كان التحريم الطارئ خطأ؟ لا .. هل كانت عودة الحل مرة ثالثة خطأ؟ لا .. إنما هذا ما كان مناسبًا .. فكان كل شيء يناسب مرحلته. وأخيرًا فإنه لا يحق لنا أن نسأل لماذا نُسخت بعض الآيات لأن هذا ليس شأننا، إنه كلام الله ينزله كيف يشاء .. وإن كان بعض النسخ معناه تبديل الأحكام، لذلك قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ في قراءة .. أي نؤخرها، فأصبح هذا الحكم متعلقًا بهذا العصر ثم الحكم متعلقًا بالعصر الذي بعده.

стр. 53

مكانة المرأة وحقوقها

стр. 54

مكانة المرأة وحقوقها إن الحديث عن المرأة موضوع شائك جدًا بقدر ما يظهر لأول وهلة، ولكن بعد أن ندرسه نشعر بأن هذه الصعوبة إنما هي من صنع أعدائنا وخصومنا والمتربصين بنا. وأنا لا أقصد مطلقًا أن أتناول في الحديث عن المرأة هذه الشبهات، ولا الرد عليها، ولا أقصد مطلقًا أن أرد على خصوم، وإنما حديثي للمسلم الذي يقرأ القرآن، ويسعى إلى أن يفهم الإِسلام كما أنزل على رسول الله ﷺ . قد يقول قائل: أنا أدرك وأعلم جيدًا أن الإِسلام يساوي بين الرجل والمرأة، ولكن في الحقيقة هذا كلام مرسل، وعند التطبيق يُفضل الرجل على المرأة (هذا قوله) ويبرر كلامه قائلًا: مثلًا في القرآن نجد قول الله ﵎: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النحل: ٩٧] إذن هما متساويان كما يقول النبي ﷺ : "النساء شقائق الرجال" (رواه أبو داود)، فهم مشتركون معهم في أصل الحقوق والواجبات.

стр. 55

وأكثر من هذا الآية التي ذُكرت في سورة الأحزاب حيث تذكر الأصناف كلها بلفظ الرجل والمرأة، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. فالله ﵎ لم يفرّق بين هذا وذاك، من عمل صالحًا منكم من ذكر أو أنثى، وهكذا .. إذن ليس هناك تفريق في الإِسلام بين الرجل والمرأة، وكلاهما عند الله سواء لا تفريق بينهما إلا بالطاعة. أما إذا نظرنا إلى الأحكام الشرعية في الميراث مثلًا نجد أن المرأة تأخذ نصف الرجل وأحيانًا أقل .. ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وتأخذ نصف الدية، وشهادتها نصف شهادته ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .. إذن دور المرأة أن تكون احتياطيًا والرجل هو اللاعب الرئيسي وعندما تنزل للعب تكون بالنصف، حيث يستبدل لاعب باثنتين مكانه.

стр. 56

كما يقولون إن هناك إهانة شديدة للمرأة حيث لا تتولى المرأة رئاسة الدولة ولا تتولى القضاء في بعض البلاد، كما يتبرأ الله تعالى أن تكون عنده بنت، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات] .. ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ [الصافات]، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] وهذا الكلام في الحقيقة أنا سمعته بنفسي ولا أنسى لقاء في جامعة في أقصى غرب كندا، حيث البرد الشديد، إذ تصل درجة الحرارة إلى ٤٠ درجة تحت الصفر، يعني عندما تستنشق في الوضوء، وتنسى أن تجفف أنفك جيدًا تجدها قد امتلأت ثلجًا بمجرد الخروج إلى الطريق .. في هذه الجامعة كان هناك لقاء للطلبة المسلمين وغير المسلمين من الفتيات وطبعًا ما شاء الله ولا قوة إلا بالله على الالتزام والعفاف والحجاب والأدب والحياء وهؤلاء الفتيات كن يناقشن، وتشعر برغم حبهن الشديد للإسلام أنهن لا يفهمن الإِسلام حيث يسألن عن الأمور البدهية. والحقيقة هذا الكلام خطير، ويدل على عدم فهم الإِسلام. فلابد أولًا أن ننوي أن نفهم ونفقه القرآن، يقول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمَّد] لذا يجب أن ينوي

стр. 57

كل مسلم أن يتعلم العلم؛ ليحيا بنا الإِسلام، من تعلم العلم ليحيي به الإِسلام كان بينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة. هؤلاء لم يفرقوا بين نظرة الإِسلام إلى الرجل والمرأة كذات، وبين نظرة الإِسلام إلى الرجل والمرأة كوظائف، فالذات تعني القيمة الذاتية للشخص، أما الوظيفة فلها قيمة أخرى، فأنت ترى المهندس، ومساعد المهندس .. المهندس يأخذ أجرًا غير مساعد المهندس، الطبيب والممرض .. الطبيب يأخذ أجرًا غير الممرض .. المحامي وكاتب المحامي .. المحامي يأخذ أجرًا غير كاتب المحامي .. وهكذا .. ولماذا يتكلم هؤلاء عن هذا الأمر بالنسبة للإسلام للرجل والمرأة، ولا يتكلمون عن بقية التفاوت الموجود في أحكام الإِسلام؟ فعلى سبيل المثال في الميراث، عندما يرث رجل ضعف ما ترث المرأة، علمًا بأن الرجل فُرض عليه أن ينفق طوال عمره، حيث ينفق على أولاده وزوجته وعلى أمه وأبيه .. والمرأة ترث النصف، وليس عليها نفقة، حتى على نفسها .. بل الرجل هو المكلف أن ينفق عليها ويتكفل بطعامها وكسائها وتوفير خادم لها، والسؤال من الذي ورث أكثر؟! وسأذكر لكم أمثلة لتروا روعة الإِسلام فمثلًا في الزكاة، أنا عندي فدان وأنت عندك فدان، أنا أزرع فداني وأرويه بآلات الري، وأنت

стр. 58

ترويه بالمطر، فيجعل الله الزكاة التي عليّ نصف الزكاة التي عليك فأنت تدفع زكاة ضعفي، مع أن هذا فدان وهذا فدان، وهذا زرع وهذا زرع، ولكن أنت تدفع ضعف ما أدفع وهذا من أجل وظيفة الآلة في الري. مثال آخر، لقد جعل الله الأولاد يرثون آباءهم وهذه هي القاعدة الأصلية، إلا إذا قتله فكل ابن يرث من أبيه، إلا أولاد الأنبياء لا يرثون، فأولاد الأنبياء بلا شك هم الأفضل ورغم ذلك يمنع الإِسلام أولاد الأنبياء من الميراث ولا يمنعني أنا من الميراث. أيضًا تفاوت العقوبة بين الأحرار والعبيد، فالمرأة الحرة التي وقعت في الزنا تُعاقب بضعف المرأة الأمة التي وقعت في الزنا. وكذلك العقوبة على زوجات النبي ﷺ تكون ضعف العقوبة التي على غيرهن، يقول الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ [الأحزاب: ٣٠] والسؤال: هل زوجات النبي ﷺ أقل شأنا من باقي الزوجات ليضاعف لهن العذاب؟! وأيضًا التكليف بالهَدْي في الحج، نجد كل الحجاج عليهم هدي إذا كان الحاج متمتعًا أو قارنًا، أما حجاج أهل مكة الذين يخرجون من

стр. 59

مكة ليس عليهم هدي، إنها أحكام شُرعت وذلك لإطعام فقراء الحرم. إذن التفاوت في الحكم ليس إهدارًا لحق أحد، ليس معناه أن الحاج السوري أو المصري أسوأ، أو أقل في نظر الإِسلام، وليس معناه أن الأنبياء أقل في نظر الإِسلام، أو أن أمهات المؤمنين أقل في نظر الإِسلام، إنما هذا توظيف حسب الوظائف .. الإِسلام يريد من المرأة ألا تكون مثل الرجل في الخروج من المنزل والعمل والانشغال بالمجتمع والاحتكاك بالآخرين حتى لا تفسد المرأة من الداخل وإلا هُدمت الجبهة الداخلية، فالابن العائد من المدرسة وهو متضايق من زميل أو مدرس أو راسب في امتحان يحتاج لأم تستقبله، وتربت على كتفه، وتعلمه، وتعيد إليه ثقته بنفسه، وتربيه، ولن تستطيع الأم أن تفعل هذا إلا إذا كانت مهيأة لذلك بالجلوس ٣ أو ٤ ساعات هادئة قبل قدوم أولادها من المدرسة حتى تستطيع أن تنشئ هذا الجيل المميز الذي ننشده، فإن لم تفعل خرج الجيل مدمرًا وأنتم ترون اليوم من يشرب المخدرات، ومن يشاهد القنوات الإباحية. إن المرأة قد كلفها الله ﵎ بالوظيفة الأهم، وليست الأقل، وكلف الرجل أن يكابد في المجتمع، لذا عندما نكون بصدد قضية-

стр. 60

أمام المحكمة- مالية فلابد أن يكون الشاهد يفهم في المعاملات المالية، لذا فمن الطبيعي أن الشخص المتواجد في المجتمع ليل نهار هو من يفهم المعاملات أكثر من الشخص غير المتواجد أو المحتك بالمجتمع، لذا كانت شهادة المرأة التي هي بعيدة عن المجتمع نصف شهادة الرجل؛ وهذا ليس إهدارًا لشأن المرأة، ولكن لأن الإِسلام كلفها بوظيفة تناسب إلمامها الكافي للشهادة على نحو ما، أما الرجل فالمسألة واضحة عنده مثل عين الشمس. وأحيانًا نسمع أستاذة جامعية تقول: كيف يجعل الإِسلام شهادة البواب ضعف شهادتي، وأنا نائبة رئيس الجامعة؟! يا سيدتي إن هذه الشهادة لا تعني أبدًا أن قدرك أقل منه .. فأنتِ عالمة وهو جاهل، ولكن إذا وجد شخص ساعة قيمة جدًا في مدخل العمارة، فسيعطيها للبواب، ويقول له: "يا فلان هذه الساعة وجدتها في مدخل العمارة ولا أعرف صاحبها فخذها حتى يسألك عنها صاحبها فتعطيها له" .. إن بواب العمارة في هذا الموقف هو أستاذ كبير في علمه، لأنه مشهور عالميًا في مجاله .. فيقول بمجرد أن يرد الساعة: نعم يا أستاذ هذه ساعة أخيك، أخوه شقيقه الذي يسكن في نفس البناية!

стр. 61

سبحان الله! الأستاذ الجليل العظيم العالم الباهر اللامع لا يعرف أن الساعة ملك شقيقه، ولكن البواب يعرف لأن هذا الأستاذ الجليل ليس فارغ الذهن وإنما هو منشغل بأمور أكثر من ملاحظته لشكل ساعة أخيه، أما البواب فإنه يجلس أمام العمارة متفرغًا للملاحظة، فليس معنى هذا أن البواب عالم وأنا جاهل .. ربما العكس البواب لا يقرأ ولا يكتب .. لكن أنا رجل عظيم جدًا، وأستاذ عالمي، ولكن هذا لا يخل أن البواب كان أجدر في الشهادة وفي معرفة صاحب الساعة مثلًا .. فالمسألة توظيف وظائف وليست منزلة، المرأة قد تكون أذكى من الرجل وقد تكون أعلم، وقد تكون أمهر، وقد تكون أربح وأكسب في في الوزارة، ولكن المسألة مسألة وظائف .. وكذلك الأمر في الميراث. ومع ذلك في قضية الميراث، تصور معي إنسانًا مات وترك ٣٠ مليون جنيه، وعنده بنتان وأبوه وأمه مثلًا، البنتان يرثان ١٥ مليونًا، والأب يرث ١٠ ملايين، من ورث أكثر؟ لو ترك ابنته وأباه وأمه، وترك ٦٠ مليونًا، البنت ترث ٣٠ مليونًا، والأب يرث ٢٠ مليونًا فقط .. والأم ١٠ ملايين، فالبنت ورثت أكثر؛ لأن درجة القرابة ومسألة أن أمامها عمرًا طويلًا جعلاها المستحقة الأكثر للمال، ولكن الأب كبر في السنن، فيأخذ عشرة وهي ثلاثين في مثل هذه الواقعة،

стр. 62

فالإِسلام لا يقول إن المرأة لا تأخذ أكثر من الرجل، بل أعطاها ضعف الرجل في حالة بعينها نظرًا للبعد الوظيفي لها. إذن هناك حالات يرث فيها الولد ضعف البنت، وحالات أخرى ترث فيها البنت ضعف الولد وذلك حسب الوظائف، وليس قدر الذات إطلاقًا .. ثم لماذا لا يعترض أحد على الأحكام التي تفضل المرأة على الرجل؟ وقد جاء أن الجنة تحت أقدام الأمهات، فلماذا لم يعترض هؤلاء ويقولون لماذا لم تكن الجنة تحت أقدام الآباء، يقول الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [المُلك: ١٤]، كما يقول ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]. كما يقول ﷺ : "أعظم الناس حقًا على الرجل أمه" (رواه الحاكم)، ويقول "من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك .. " (متفق عليه). ولماذا لم يعترضوا على أن الحضانة للنساء؟ ولماذا لا يقولون إن الإِسلام يفضل المرأة على الرجل؟ ابن عمر بن الخطاب طلق زوجته لأنه رأى أنها ليست متدينة بالقدر الكافي، يعني لسبب ديني، فتنازعوا على المولود الصغير، فعمر

стр. 63

بن الخطاب الفاروق، واحد العشرة المبشرين بالجنة يريد للولد أن يتربى في بيته، وأمه التي طُلقت تريده، فاختصما إلى الرسول- ﵊ فقضى بالولد لأمه، وقال: هذا عبق، ورائحة الأم في قلب الصغير أفضل منك يا عمر، وقضى بالحضانة للأم. حتى لو كانت الأم غير موجودة والأب موجود، فالإِسلام لا يعطي الحضانة للأب، وإنما يعطيها لأم الأم؛ لأن هناك شيئًا اسمه حضانة النساء والطفل يحتاج لهذا الحصن والحنان، فهل الإِسلام هنا أنثوي؟ ولم يقل أحد إن الإِسلام يفضل المرأة .. بل لم يذكروا هذه الأشياء؛ لأنها خطة ومؤامرة. إن المجلس القومي للمرأة وجمعيات المرأة والسيدة فلانة والسيدة فلانة والأميرة فلانة والهيئة الفلانية وكذا والعالم، ثم نجد العقاب للبلاد الإِسلامية؛ لأنها لا تعطي المرأة قدرها و .. و .. كل هذه خطط ومؤامرات ضد الإِسلام والمسلمين. ولدينا أيضًا مسألة تحريم الذهب على الرجال وأنه يحل للنساء، هل هذا لأن النساء أفضل من الرجال؟ وأيضًا الحرير وهذا لأنه طبيعي أن ترتدي المرأة هذه الأشياء دون الرجل، وهو ليس تفضيلًا للمرأة وإنما هو توزيع للوظائف.

стр. 64

يعني عندما يقول النبي ﷺ للرجل "خيركم خيركم لنسائه" (رواه الترمذي)، ولم يقل خيركن خيركن لزوجها، صحيح أن حُسن تبعل إحداكن يعدل ذلك كله، لكن خيركم خيركم لنسائه. إذن الإِسلام لا يعرف المعركة التي صنعها الجهلاء والأعداء، والمتربصون بالإِسلام قائلين إن المرأة ضد الرجل، والرجل ضد المرأة، وإن هناك صراعًا وإن المجتمع الإِسلامي ذكوري وليس مجتمعًا أنثويًا. إذن الإِسلام يوظف الوظائف، حيث يجعل مهمة الرجل أن يأتي بالطعام والشراب وهذه هي المهمة الأقل، ولكن مهمة رعاية البشرية جعلها الله للمرأة وهي الأعلى. فالإِسلام يقول للمرأة لقد جعلتُ تلك الوظيفة لك وإن لم تقومي بها فسد الجنس البشري، ولأنني حميتك فستقومين بهذه الوظيفة بشكل جيد ومن هنا قللتُ عمدًا خبرتك بالمجتمع، لأوفرك لوظيفتك التي هي أعظم وظيفة على وجه الأرض.

стр. 65

ثقافة الكراهية

стр. 66

ثقافة الكراهية كثيرون يقولون: أنتم تقولون إن الإِسلام دين الوئام والسلام الاجتماعي والمحبة وجمع الناس والتواصي بينهم وإن المسلمين هم الرحماء، وقد قيل عن النبي ﷺ ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وإنه قد عفا عن الناس فقال اذهبوا فأنتم الطلقاء، وإن المجتمع الإِسلامي وَسِع المسلم وغير المسلم، إلا أن الحقيقة أن آيات القرآن مليئة بالعكس، ففيها ما يدل على زرع ثقافة الكراهية، يقول تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، ويقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا﴾ [الممتحنة:٤] .. إنها ثقافة الكراهية، فالقرآن مليء بغرس ثقافة الكراهية، ولذلك فإن المسلمين لا يستطيعون أن يعايشوا المجتمعات العالمية.

стр. 67

وهذا الكلام يغزل عليه الإعلام الأمريكي والأوروبي واليهودي، والإعلام الذي يخطط ضد الإِسلام تمامًا، ومع الأسف فإن أبناء المسلمين في بلاد العالم -ولقد لقيتهم بكثرة- أحيانًا يتأثرون بهذا، حتى المثقفون الذين يشغلون مناصب مثلًا في الصحافة أو في الإعلام، أو في هيئة استعلامات، أو في التلفاز أو حتى في جهات مثل وزارة الخارجية والسفارات، نجد هؤلاء أيضًا متأثرين بهذا الكلام؛ لأنهم لا يفهمون الإِسلام .. والأخطر أنهم لا يعرفون عن الإِسلام إلا من خلال أقاويل أعداء الإِسلام، فنجد سفيرًا لم يسمع عن الإِسلام من دعاة الإِسلام قط ولا من الكتب الإِسلامية، وإنما يسمع عنه دائما من أعداء الإِسلام ومن إعلامهم .. مسلم كل حصيلته عن معرفة الإِسلام من أعداء الإِسلام ومن الثقافة الغربية، صحفي كل حصيلته عن الإِسلام من أعداء الإِسلام، ويسمي نفسه مفكرًا أو كاتبًا أو أديبًا. وتلك مصيبة الأمة في هذه العصور، أن فيها من وظفوا غصبًا عنا، ووضعوا في مناصب التوجيه، وهم أصلًا لم يتلقوا أي ثقافة إسلامية من الإِسلام، وإنما دائمًا يستمدون من أعداء الإِسلام .. والحقيقة أن هذه الشبهة التي ذكرتها ليست قائمة، بالعكس، فإن الإسلام فعلًا عندما تقرأ آيات القرآن تجده يبث ثقافة المحبة والمودة

стр. 68

والوئام والسلام بشكل حقيقي، ولكن المشكلة أن هؤلاء الناس لم يقرأوا بقية الآيات، هؤلاء يقصون الآية عند نقطة معينة، يقسمونها نصفين، فيظهر لك النصف الذي قرأه ولو أنه فقط أكمل تلاوة الآية نفسها لتبين أن المفهوم الحقيقي عكس المفهوم الذي يريد أن يقوله. إن الإِسلام فعلًا يقطع ما بين الإيمان والكفر بخطوط فاصلة، فالإِسلام يرى أن المؤمن مؤمن، وأن الكافر كافر، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون:١ - ٣]، ولكن الإِسلام لا يجعل من هذه المسألة مسألة كراهية عاطفية، أو كراهية مزاج، ولكنه يجعلها كراهية اعتقاد. وكراهية الاعتقاد هي أن أعرف أين الحق وأدركه، وأسير عليه، وأحب أهل الحق، وأكره أهل الباطل .. ولذلك تجد القرآن يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، إياكم أن تجعلوا من حولكم بطانة، لا تجعلوا المساعدين والمستشارين وهيئة تعاونكم من دونكم، أي من غير المسلمين، فيقولون: هذه هي ثقافة الكراهية، نقول لهم: اقرأوا بقية الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]، لا يقصرون في أن يصيبكم الخبال، والإفساد والإضرار ..

стр. 69

وأنا أذكر الرجل الذي اكتشفوا أنه كان جاسوسًا لأمريكا في الاتحاد السوفيتي وله أكثر من ٣٠ أو ٤٠ عامًا، وكان قد وصل إلى منصب كبير في الحزب الشيوعي السوفيتي، قالوا له: ماذا كنت تفعل؟ قال: أنا كنت مكلفًا أنه إذا قيل لي إن هناك أكثر من مرشح لمنصب أن أختار الأسوأ منهم. إن الله تعالى قد قدم العلة حيث قال: لا تجعلوا هؤلاء هم من يتحكمون في دواخل مجتمعاتكم؛ لأنهم لا يألونكم خبالًا، وليس لأنهم غير مسلمين. يقول الله ﵎ إن هؤلاء غير المسلمين الذين تسارعون في مودتهم أرادوا أن يخرجوا الرسول وإياكم، يقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، حاد الله أي جعل حد السيف على الله، يقول الله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩]. إذن هذا الموقف ليس لأنهم غير مسلمين، وإنما لأنهم يستخدمون حد سيفهم، وحد لسانهم، وحد تخطيطهم، ومكر الليل والنهار، يقول الله تعالى: ﴿آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]، أي لعلهم يتذبذبون ويرتدون.

стр. 70

فهل يعقل أن آتي أنا بهؤلاء وأجعلهم أولياء، يقول الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] ثم نقرأ باقي الآية حتى نعلم أنه ليس اللوم لزرع ثقافة الكراهية كما يقول أعداؤنا، بقية الآية تقول: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]. ويقول الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا في سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ [النساء]، كما يقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] رغم أنهم يُظهرون لنا الجانب الحسن ويعاملوننا بطريقة جيدة لذا لا بد أن نعطيهم حقوقهم، ونكون بارين بهم، ونحسن إليهم. فهل كان الإِسلام يزرع فينا ثقافة الكراهية تجاههم، رغم أن منهم أناسًا ليسوا كذلك، لا يعاندون ولا يضمرون للإسلام حربًا ولا شرًا؟ جواب هذا السؤال لم يتركه الله تعالى لنا حتى نستنبطه، وإنما جاء في محكم القرآن، في سورة الممتحنة، يقول الله تعالى في آيتين متعاقبتين في

стр. 71

منتهى الوضوح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا في سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة]، ثم يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] أي نقوم بالبر معهم، كأن نعطيهم هدية .. نهنئه بزواج ابنته .. أعاونه في إصلاح سيارته .. أعاونه في البناء .. وكل لون من ألوان البر، من يمرض أزوره، سواء كان يهوديًا أو كافرًا أو ملحدًا، يقول الله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً﴾ [الأحزاب: ١٩] كما يقول: ﴿يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] ما دام لا حرب ولا قتال ولا ظلم منهم، إذن ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة]. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ [الممتحنة: ٩] وكما يقول علماء التفسير وعلماء اللغة العربية، جملة ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ﴾ أسلوب حصر وقصر، يعني لا ينهاكم الله منهم إلا على الفئة التي سأذكرها لكم صفاتها، هذه

стр. 72

هي الفئة التى سأقول لكم عنهم يقول: (﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] إذا كان اليهود قد أخرجوكم من أرض فلسطين والجولان وسيناء ومن الأردن ولبنان، فإن الله لا ينهاكم عمن أخرجكم فقط وإنما عمن ظاهره، أي ساعده أيضًا على إخراجكم ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي إياكم أن تتولوهم أي يكون بينكم وبينهم ولاية، يقول الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٢] أي يتقربون إليهم ويتخذون عندهم الوسيلة ويبتغون إرضاءهم، ويكون بينهم صلة، يقول الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥٢] يندمون على تصورهم أن هؤلاء الناس يمكن أن يأتي الخير من طرفهم، أو من علاقتهم بهم. لذلك ربطت هذه الآيات عداوتنا لهؤلاء لا بسبب أنهم يهود أو نصارى أو ملحدون، وإنما بسبب أنهم يعادوننا، يحرموننا حقوقنا، يخرجوننا من أرضنا، يعتدون علينا، وبعد ذلك لن تجد آية واحدة في القرآن تقول لك عادهم إذا تركوا المعاداة، وإنما أن نبرهم ونقسط إليهم.

стр. 73

وإذا كان هؤلاء ناس لا يحاربوننا ولا يحبوننا، فهل نعاقبهم بسبب عدم حبهم لنا؟ بالطبع لا .. إذا اقتصرت كراهيتهم على العاطفة ودواخل نفوسهم. وبهذا تتضح الصورة، وهي كالآتى: إن الإِسلام قد أمرنا ألا نحرمهم حقوقهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، سواء كان كافرًا أو مسلمًا أبلغه مأمنه، أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم لا تنقصوا لهم عهودهم، وإنما "من آذى ذميًا أو أنتقصه شيئًا من حقه كنت خصمه يوم القيامة، ومن كنت خصمه خاصمته" (رواه الطبران) .. والقاعدة أن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وقال القرآن في شأن النبي ﷺ : ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] .. ولذلك عندما يقف الإعلام العالمي، ويقول لي: أيها المسلم إن عندك ثقافة الكراهية، أقول له: أنا آسف جدًا، أنت تريد من هؤلاء أن يكرهوني وأن يعملوا ضدي وأن أحبهم، بل القرآن قال لي: إن انفصل كفرهم عن العداوة ضدي، فإنني لن أعاديهم، وإنما أنا أعاديهم؛ لأنهم يعادونني وليس الأمر متعلقًا بثقافة الكراهية.

стр. 74

ولذلك ما يحدث الآن من ضرب العالم الإِسلامي، لدرجة أن الشريعة الإِسلامية غير مطبقة في أي بلد، وأنه إذا طبقت حدث حصار لها، وأن المسلمين لا يمكّنون من شرائعهم، ولا من ثرواتهم، ولا من أرضهم، فإذا تضايق المسلمون من هذا قلتم عنهم إنهم يطبقون ثقافة الكراهية، إنما هذه الثقافة هي ثقافة الحب والمودة، وجمع الناس على كلمة سواء، وترك العداوات والبغضاء بينهم، وما إلى ذلك، وإنما إذا أصروا على الكفر فإننا نكره كفرهم .. ولذلك يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤]،وهذا يعني أن الدين حبيب لنا وهؤلاء أيضًا أحبه، لكن العبرة من الأحب؟ من الذي أنصره على من؟ يقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] فكان قول هؤلاء إن الإِسلام يزرع بينكم وبين الآباء كل هذه العداوة، يزرع بينكم وبين الإخوان، وبينكم وبين العشيرة .. نقول لهم اقرأوا الآية .. الآية تقول:

стр. 75

﴿مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فلو أن أبي أمسك السيف، وحاشاه ذلك، لو أن والدي أمسك السيف يريد أن يضرب عنق النبي ﷺ أأدافع عن أبي أم أدافع عن النبي؟ هنا تأتي الفكرة. إن الإِسلام دين منطقي والآيات واضحة، ولكن الذين يقرأون الآيات بعيدًا عن سياقها، ويريدون أن يلقوا في روع الناس كلامًا غير حقيقي لا طاقة لنا بهم، بالعكس النبي ﷺ أطلق الناس، وقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" قبل أن يسلموا، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، ولكن قبل أن يسلموا أطلقهم جميعًا، وعكرمة بن أبي جهل قد جاء للنبي- ﷺ فأحسن النبي- ﷺ إليه مع أنه كان كافرًا، لدرجة أن زوجته قالت: إن عكرمة خائف أن يجيء، وأنا لو كنت مكان الرسول ﷺ لكنت قلت لهم وماذا أفعل له؟ ولكن النبي ﷺ فك عمامته وقال لها: خذي هذه علامة .. عمامة الرسول- ﷺ يأخذها شخص كافر، وأبوه كافر وهو أبو جهل، فلما رآها دخل وأسلم وحسن إسلامه وصار من كبار الصحابة.
следующие страницы →