← Общие книги

Общие книги · id 98121

وقفات مع قضايا معاصرة شبهات ردود

حازم صلاح أبو إسماعيل

Полный текст (173 стр.). Показаны 141–173 · переход к 146.

стр. 141

هذا الأمر، فهما مرحلتان وليسا مرحلة واحدة، فإن الله وهو يقدّر القدر قضى- على هذا القدر بأن يكون له ما يرده، يُنزل الله القدر فيرجع القدر ويتوقف، هل توقف رغمًا عن الله؟ كلا وحاشا لله .. إنما هو توقف بإرادة الله للقدر، قال النبي ﷺ : "لا يرد القدر إلا الدعاء" (رواه الترمذي)، ليحيي قلب المؤمن باللجوء إلى الله، وبالدعاء إلى الله، حيث لا يرد القدر إلا الدعاء. فإذا نزل القدر بمرض مثلًا ثم قلت: اللهم اشفني، فشفاك الله فقد أراد الله تعالى لهذا القدر أن يتوقف عند هذا الحد، ويأتي قائل ويقول: ولكن الله كان يعلم أن المرض سوف يستمر يومين ثم أدعو فيستجاب لي، فهو أمر مكتوب من البداية .. هناك فارق بين العلم وبين الجبر .. يعني أن يعلم الله أن فلانًا سيمرض ثم يشفى، غير أن يكتب عليه أن يمرض أبد الدهر، هذا شيء وهذا شيء .. فمثلاً، لو أن مدرسًا في مدرسة قال لتلميذ: والله يا بني لن تنجح هذه السنة ولن تفلح .. ثم رسب هذا التلميذ، فليس معنى هذا أن المدرس هو الذي جعله يرسب، وإنما هو عرف من مستواه، وربما يجتهد هذا التلميذ يومين أو ثلاثة قبل الامتحان بعد أن تنتهي الدراسة ويذاكر وينجح ..

стр. 142

جائز أن يذاكر الولد قبل الامتحان مباشرة ويتصادف قدرًا أن يأتي سؤال الامتحان فيما قرأه الولد .. وينجح .. أو أن يدخل الامتحان ويغش الإجابة وينجح بالغش، لكن إذا كان المدرس هو المراقب في لجنة الامتحان ومنع الغش، إذن وقتها لن يستطيع الولد أن يغش وسيرسب .. فليس معنى ذلك أن المدرس المراقب هو من جعله يرسب هنا تزايد قدرات المدرس فيصبح مدرسًا ومراقبا وإذا كان هذا المدرس أبا الولد فهو يعلم حاله في المنزل أيضًا فيصبح المدرس أبًا ومراقبًا، ثم مصححًا، فقدرات الله على البشر تجعلله يعرف ما يدور بخاطرهم، وما يحدث لهم. وقد ذكرت الأبحاث الطبية الحديثة اليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين أنه حتى إذا حدث للإنسان سعادة أو شقاء أو رغبة أو تطلع يحدث تغيرا الدم، يعني أحيانًا يأخذون تحليلاً فيفاجؤون أنه حدثت أمور في الدم، حتى الماء، حتى كوب الماء أمامك شكل جزيئاته تتغير وحتى الشجر والنبات، يعني تبين أن هناك تغيرًا ماديًا في جسم الإنسان ودمه وفي الزرع وفي الحيوان نتيجة الأمور المعنوية. فكذلك الله- يعرف سلفًا ما سيكون من البشر، كما لو دخلت أنا لمكان ليلًا ومعي كشاف وفتحته فعرفت الأماكن حولي، فلما عرفتها جئت في الصباح أعرف كل شيء؛ لأنني كشفت المكان بالليل ..

стр. 143

فالله- يعرف هذا، ويعرف أن عبده فلانًا سيدعوه، والدعاء هو العبادة أو الدعاء هو مخ العبادة. إذن الله- علم من عبده أنه سيدعوه، ومن لا يدعو يغضب الله عليه، وينزل قدره، ويستمر هذا القدر فيمرض هذا العبد أو يفقر هذا العبد أو كذا .. والسؤال: هل دائمًا يستجاب الدعاء؟ لا .. قد أظل أدعو، وأقول: يا رب اشفني .. اشفني .. اشفني .. ولا أشفى لا قدر الله، والسبب أن الدعاء له مواصفات إذا كانت صحيحة يستجاب له .. يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وهذا وعد من الله، إذن ما الذي يجعل الدعاء لا يُستجاب؟ إن ما يجعل الدعاء لا يستجاب أن الله وضع للدعاء شروطًا، منها أن الله لا يتقبل الدعاء من قِبَل لاه غافل، أي من شخص- والعياذ بالله- يمسك بزجاجة الخمر ويقول: ربنا يهدينا يا سيدي، كلام يقوله دون أن يعزم، دون أن يوقر الله. وأنا أستشعر من هذا المعنى أن المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه، كأنه يسخر من الله، يمسك بيده المعصية وهو يدعو الله- أن يتوب عليه منها. إذن الدعاء لابد له من صفات، هذه الصفات أن يكون متوجهًا إلى الله وبانتباه القلب وأن يقلع صاحبه عما يناِقض هذا الدعاء وأن يختار

стр. 144

أوقات الصلاح وأن يكون من أصحاب الطاعة والعبادة، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] .. فنحن أحيانًا ندعو الله بطريقة لا يكون الدعاء بها صحيحًا فلا يستجاب، وهناك أيضًا دعاء يكون ضد قدر الله، يعني مثلا لو أنا قلت: اللهم اهد الناس جميعًا، فهذه دعوة لا تصلح؛ لأن اللِّه قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] إنما الله تعالى شاء أن تكون له المشيئة، وأراد أن تكون لة الإراد، وأن يعطيهم الاختيار، فلا يأتي أحد في دعائه يريد أن يغير قدر الله، فيقول: يا رب اهد الناس جميعًا، لا .. لن يستجيب الله لك. ولذلك حذر النبي ﷺ من الذين يعتدون في الدعاء، وهو من يدعو بأمور لا تليق بالله ، لذا أحيانًا لا يستجاب للدعاء ولا يتحقق للإنسان ما يريده. وهذا حال من يدعو بأمور لا تليق بالله .. إذن لماذا لا يستجاب للذي يدعو بما يليق لكنه لا يستجاب له أيضًا؟ وهؤلاء نذكّرهم أنه عندما يأتيك ابنك الصغير ذو الثلاث أو الأربع سنوات، واضعًا على كتفيه ملابس تجعله مثل الخفاش أو الطائر أو (سوبر مان) ويريد أن يمشي فوق سور السطوح، ويطير في الجو، كما يطير (سوبر مان) في أفلام الكارتون، هذا الابن مهما بكى ومهما

стр. 145

فعل فلن تسمح له أن يطير، رغم أنه قال لك: لا ... لابد أن أفعل .. أنا أريد، وأيضًا لو أرإد أن يمسك شيئا مثل الصودا الكاوية ظنًا منه أنها لبن فعندما تأتي الأم لتأخذها منه يبكي، ومهما بكى فالأم لا تعطيه الصودا الكاوية لأنها تحميه وتخاف عليه. إن الله تعالى قد يحمي عبده المؤمن .. فالله تعالى يقول: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ أحيانًا يستجعل الشر ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] فالله رفيق بهؤلاء العباد، رحيمّ رؤوف، حنان منان، فيمنعهم هذا ويعطيهم بديلًا للشر الذي طلبوه. وفي الحديث القدسي أنه يستجاب للعبد بإحدى ثلاث، يعني الله تعالى يجعل الاستجابة بصورة من ثلاث صور .. الصورة الأولى: وهي المعروفة أن يعطيه ما دعا به .. يا رب أعطني فيعطيه .. والصورة الثانية ألا يعطيه، ولكن يكشف عنه من البلاء بقدر ما دعا، مثل أصحاب السفينة وما فعل الرجل الصالح إذ أفسد لهم السفينة وخرقها وكانوا متضايقين، ولكن لو كانت سليمة لغصبت السفينة كلها، لأن الملك كان يأخذ كل سفينة سليمة اغتصابًا، ولكن لأنه أفسدها بقيت لهم، وبعد ذلك أصلحوها بلوحين من خشب.

стр. 146

فهنا يستجاب للعبد بهذه الصورة بأن يكشف عنه من البلاء بقدر ما دعا. الصورة الثالثة أن يدخر الله له ثوابًا لا تدرك درجته يوم القيامة إلا بقدر دعائه. إذن أنا لا أدرك إلى أي مدى سوف يعطيني الله الثواب يوم القيامة، لأنه منع عني، مع أنه لم يمنع عني إلا رحمة بي ولمصلحتي، ولكنه يمنع عني لمصلحتي، ويأجرني على أنه لم يعطني ما طلبته .. هل هناك رحمة أوسع من هذا؟ ولذلك قد يدعو إنسان ويحترق قلبه، ويقول: يا رب، زوجني هذه الفتاة، وهو لا يدري أنها منحرفة مثلًا، أو لا يدري أنها ستكون عبئًا ثقيلًا عليه، أو ستكون هناك مشاكل، أو يقول: يا رب أعطني مالًا وفيرًا كثيرًا وهو الآن يرزق بمال قليل، ولكنه يعبد الله وحياته في طاعة، ولكن إذا رُزق بمال كثير ربما يطغى، وابنه يشرب مخدرات والآخر خمرًا وهو نفسه يترك الصلوات .. فالله يحمي عبده المؤمن بأن لا يعطيه ما سأل .. إذن إذا قدر الله أن يستمر المرض أو يستمر الفقر فإن هذا هو الخير، فقد أكون الآن فقيرًا، ولكن أقول: اللهم كف الفقر عني، اللهم إن عافيتك أوسع لي، اللهم رد الدين عني، فيتوقف، فينزل المرض أو الفقر، ولكن الدعاء يوقف استمرارهما.

стр. 147

ولذلك ينبغي ألا يعلق العبد على شيء يجهله، الله يعلم الذي سيحدث ولكن أنت مكلف، فمثلًا أنا أتوقع أن هذا الولد سيكون الأول في الثانوية العامة، لأنه متفوق وذكي وممتاز .. فهل يتوقف الولد ويقول: لن أذاكر؛ لأنه متوقع لي أن أكون الأول على الثانوية العامة .. أم يأخذ بالأسباب لأنه يعرف أنه سيصل إلى هذه النتيجة بتوقع أستاذه له لما فيه من صفات الخير؟ فكذا حال العشرة المبشرين بالجنة، لما علموا أنهم مبشرون بالجنة؛ لأنهم يجتهدون في العبادة ويطيعون الله ويحبون الله ويتوجهون إليه زادوا من ذلك كله. فأنت كذلك، علم الله في علمه أنه سيشفيك بما توجهت به، لكن بالدعوات، وبالصدقات وبكذا وبكذا؛ لأنك أنت لا تعلم ما هي الوسائل التي من أجلها علم الله أنه سيشفيك، ولكن أنت تريد أن تتحدى القدر، تقول: طالما علم الله أنه سيشفيني فلن أتصدق ولن أدعوه، وهذا إنسان يحادد الله، ويبارزه، ويتحداه، حاشا لله. لذلك إذا علم الإنسان من قدر الله شيئًا فيعلم في ضوء القدر، فما بالك أنه لا يعلم، من أدراك ما هو القدر؟ فإذا علم العبد قدر الله له فإنه ينبغي أن يستحي من الله، ولا يزداد بطرًا، فالنبي- ﷺ لما علم أن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، شعر بأنه يريد أن يتأدب مع الله،

стр. 148

وأن الله- قد أحسن إليه إحسانًا كبيرًا، فيقول: أفلا أكون عبدًا شكورًا .. يعني ألا أشكر نعمة الله- على ذلك. ونحن نعلم أن كل إنسان يريد أن يكون غنيًا، ولديه زوجة جميلة، وعنده أولاد كثيرون صالحون ويعمل في وظيفة جيدة وكذا وكذا .. يريد كل شيء، والله يريد بالعبد أن يكون عبدًا صالحًا .. وقد رأيت بعض الناس ممن أرزاقهم قليلة على صلاح، فإذا زادت الأرزاق فسدوا، والله تعالى يقول في القرآن: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة] .. لذا اعلم أن الله يريد بك الخير، ويريد بك اليسر، ويريد أن يتوب عليك، وأنه كتب قدرًا وأنه جعل الدعاء يرد القدر، وأنه يصلح حال عبده المسلم، لهذا لابد أن نؤمن بالله وبعلمه للغيب وبإرادته للخير ..

стр. 149

الطلاق

стр. 150

الطلاق عادة ما يقرأ الإنسان القرآن، وهو متأثر بثقافة العصر الذي يعيش فيه، فيسمع آيات الله تُتلى عليه، وفي خلفية ذهنه ما يدور حوله من ظروف، وأحداث كثيرة، ومن هذا المنطلق يحدث أحيانًا شيء من التقابل بين ثقافته التي يعرفها، وبين القرآن الذي يتلقاه، وهذا هو السبب في أن القرآن قال عن الذين يعرفون ثقافة عصورهم، ولا يعرفون القرآن: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم] وهو يلوم على الكفار أنهم يعرفون ثقافة العصر، ولا يعرفون ثقافة الإسلام .. أما الإنسان إذا عرف ثقافة الإسلام، ولم يدرك ثقافة العصر فهو أيضًا محل لوم ومعاتبة من هذا الدين؛ لأن الإسلام لا يعرف المسلم الأبله .. المسلم الغافل الذي لا يدرك ما حوله .. لقد كان مما أوحاه الله إلى المؤمنين، وإلى النبيين، وإلى المرسلين، وجاءت في صحف إبراهيم أن المؤمن عالم بزمانه .. مقبل على شأنه .. فالمسلم لابد أن يجمع بين ثقافة العصر الذي يعيش فيه وبين معرفته بدينه؛ لأنه يريد أن يصلح هذا العصر بهذا الدين.

стр. 151

فلابد أن يجمع المسلم بين ثقافة الدين الذي يصلح به، وثقاقة العصر الذي يصلحه .. فإن امتلك ثقافة الدين، ولم يدرك ثقافة العصر فشل، وإذا أدرك ثقافة العصر، ولم يملك ثقافة الدين ضل، ولذلك نحن متعبدون بأن نجمع الثقافتين معًا. وكثيرًا ما يأتي إنسان فيشكو من خاطر خطر له فيقول مثلًا .. يعني الحقيقة الذي يقرأ آيات القرآن قد يشعر أن الإسلام يسهل الطلاق .. يجعله سهلًا جدًا .. الرجل يستطيع أن يتخذ قرارًا بكلمة من أربعة حروف .. أنت كذا .. صارت زوجته مطلقة، ولا يجعله مقيدًا بشيء، صحيح هو مطلوب منه أن يشهد .. لكن إذا طلق بدون شهادة وقع الطلاق .. صحيح أنه مطلوب منه أن يمسك زوجته .. لكن إذا طلق تطلقت زوجته .. يعني مسألة سهلة لا يلجأ إلى قاض، ولا يلجأ إلى ... يعني كيف؟ بينما المفترض أن الإسلام لا يسهل الطلاق، ولكن بالعكس يريد أن يحافظ على الحياة الزوجية .. المفترض أن الإسلام يحترم الحياة الزوجية، والرابطة الزوجية، ويقدسها، وفي الحقيقة نحن نرى في العصر الحديث يقولون: إن النظم الحديثة تقيد الطلاق .. يعني من يريد أن يطلق يقدم طلب طلاق، ويرفع قضية طلاق والقاضي هو الذي يقيم الطلاق .. يعني هناك نظم تجعل الطلاق أصعب، وهذا أنسب لرعاية الحياة الزوجية وأواصرها، وعلى هذه الأوتار يعزف الذين يريدون أن يحكموا بلاد المسلمين بشرائع غير المسلمين، يعزفون

стр. 152

على ذلك، ويقولون: الأسر صارت غير متزنة، وصارت رعناء .. وهكذا. ونحن نعلم أن شرع الله جليل .. كل هذه النظم تنطق بآيات فشلها لصالح الإسلام الذي ينطق بآيات حكمته وفضله .. إن الإسلام ضد الطلاق فعلًا، وبالفعل يحاول أن يقاوم انفصال الحياة الزوجية، هذا صحيح بلا أدنى شك، ويرفض أن يكون انفصام عرى الزوجية سهلًا .. بل إنه يبغض الطلاق، ويكرهه، ولا يحبذه، ويحاول أن يبقي الحياة الأسرية مستقرة، ونسب الطلاق في المجتمعات الإسلامية قليلة جدًا إذا قورنته بمثيلاتها في المجتمعات الأخرى، ولكن إذا حدثت حالة الضرورة وإذا وقعت في الحياة الزوجية ما سيجعلها سعيرًا وجحيمًا لا يطاق، كيف نبقي حياة يمكن أن تدمر البشر سواء الزوجين أو الأبناء أو المجتمع كله لصالح فكرة لم تؤد إلى أي خير؟! ونحن نرى في المجتمعات التي تحظر الطلاق وتمنعه حيث يشترط ألا يكون هناك طلاق إلا إذا وقع أحد الزوجين فى الزنا .. فنجد أن الزوج يضطر أن يتهم زوجته وهي بريئة أنها وقعت في الزنا أو الزوجة تأتي بشهود زور على زوجها ليشهدوا أنه وقع في الزنا .. حتى يتمكن أحدهما من الطلاق. تجد الأبناء يرون أباهم وأمهم يتراميان بالزنا، وتتعكر سمعة الأبناء، ويلازمهم العار .. لماذا؟ لأننا نريد أن ننفصل فقط، فنحول العار للأبناء، وفضيحة في المجتمع بالباطل قبل أن تكون بالحق.

стр. 153

لذلك بعض الديانات كالنصرانية والتي يعتبر البعض أن من مفاخرها أنها تحظر الطلاق هي في حقيقة الأمر حولت حياة الناس إلى جحيم؛ ولذلك انظر إلى دين الله وهو حكيم، وهو فوق العبيد .. الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا طبعًا تحظر الطلاق، وهي عندما فتحت باب الطلاق وأباحته بشرط تقديم طلب للكنيسة قُدم إليها مليون طلب طلاق في الساعة الأولى التي فُتح فيها باب تقديم طلبات للطلاق .. مليون طلب في ساعة واحدة في أوروبا؛ لقد أدى حظر الطلاق إلى وقوع حوادث إطلاق رصاص، وقتل، والولايات المتحدة الأمريكية على ما تزعمه من تقدم فإن زوجة تُقتل كل ثلاث دقائق .. فهل يا ترى نفتح منفذًا .. طبعًا لسنا نحن من يفتح هذا المنفذ وإنما رب العالمين هو الذي يقدّر .. لكن نحن نتذوق نعمة الله .. نتذوق آية الله .. نتدبر آية الله .. فهل يُفتح باب الطلاق ليكون منفذًا للخروج من حياة تؤدي إلى قتل، وإلى إفساد، وإلى رمي بالزنا، أم نجعل الطوق محكمًا بحيث تضطر الأسر أن تتفجر من داخلها .. بل والأبناء كذلك. إن كل أبحاث علم الاجتماع .. بل وعلم التربية، وعلم النفس أيضًا ترى أن الطفل الذي يتربى في أسرة انفصل فيها الأب عن الأم خير له من أن يتربى في أسرة الأب والأم معًا، ولكنهما يتشاجران بصفة مستمرة .. مجرد مشاحنات ومشاجرات مستمرة .. هذا ضرر على الولد .. لكن الأضر ما هو؟

стр. 154

إن الذي شرع للبشر هو الذي خلقهم، ولذلك قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]، وقال في سورة الرحمن ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ [الرحمن]. أولًا ثم قال ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ [الرحمن]، مع أن الترتيب الطبيعي أن الرحمن خلق الإنسان، ثم علمه القرآن .. إنما يقول: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ لأن القرآن هو الرسم الذي خُلق الإنسان طبقًا لأحكامه كالرسم الهندسي أو الرسم الإنشائي لعمارة، كأن ترسم العمارة، وتحدد الحديد، والخرسانة، والأعمدة، وغير ذلك، ثم تبني البناية على مقتضى الرسم الذي يكون مثل الكتالوج .. أنا سأصنع سيارة يرسمها المهندس، ويضع المقاييس والأوزان والأطوال ثم تُصنع السيارة .. فالله يريد أن يقول: إنه علم القرآن، وعلى مقتضى علم القرآن خلق الإنسان .. فأصبح الإنسان لا يصلح حاله إلا على هذا النحو. لذلك فإنه لا توجد علاقة واحدة على وجه الأرض كلها لا تنفصل .. لا توجد، نجد البنت تظل في بيت أبيها ١٦ أو ١٨ سنة أو غير ذلك ثم تنفصل عن أبيها وأمها، وتتزوج .. والإخوة يكونون مع بعضهم البعض في بيت واحد ثم يذهب كل واحد في طريقه ليبني أسرة خاصة به، وكذلك الشركاء في العمل.

стр. 155

إذن كل العلاقات إذا كانت طيبة بينها وبين بعضها تتواصل، وإذا حدثت فيها مشكلة تنفصل، فإذا جاءت العلاقة الزوجية على العكس من ذلك فإنها تكون قد صادمت حياة البشر .. وصادمت سنة البشر .. ولذلك فإن الإسلام مكن من فصم عرى الزوجية إذا استحكم هذا الخلاف، مكن الرجل وكذلك مكن المرأة من ذلك .. المرأة تلجأ إلى الخُلع، بأن تقول: أنا ليس عندي سبب للطلاق، ولكنني أريد أن أطلق؛ لأنني لا أحبه؛ لأنني أكره أن أعامله معاملة سيئة .. لا أستطيع .. فتحصل على الطلاق حتمًا، والرجل يريد أن يطلق فيطلق. إذن مكن الإسلام الرجل والمرأة من الطلاق، فالمسألة فيها عدالة .. فإذا طلبت المرأة الطلاق تتحمل تبعاته المالية، وهنا تتنازل المرأة عن حقوقها المالية، وإذا طلب الرجل الطلاق يتحمل هو تبعاته المالية .. حيث يدفع المؤخر، والنفقة، والمتعة وما إلى ذلك. إذن هنالك عدالة .. هذا له حق، وهذه لها حق .. هذا يتحمل تكلفة قراره، وهذه تتحمل تكلفة قرارها .. إلا أن الإسلام في حقيقة الأمر يقف موقف المقاوم من الطلاق، ونحن نعرف الرجل الذي جاء إلى النبي- ﷺ يقول له: يا رسول الله أريد أن أطلق زوجتي .. قال له: أمسك عليك زوجك واتق الله، وحين قالت الزوجة: لا أريده، وصممت على الطلاق، والزوج كان يحاول معها بكل قوة، قال الرسول - صلى الله

стр. 156

عليه وسلم -: "ألا تعجبون من حب مغيث لبريرة، ومن بغض بريرة لمغيث، وشفع .. وقال لها: يا بريرة إن قبلت شفاعتي .. قالت: يا رسول الله تأمرني أم تشفع؟ [يشفع في عدم الطلاق] قال: إنما أنا شافع .. فقالت: لا .. [أنا مصممة] إنها هو شفع الإسلام" (رواه النسائي). إن الزوج إذا كان متضايقًا من خلق معين فكل النساء هكذا .. إن كرهت منها خلقًا رضيت منها آخر .. وبالمناسبة فإن العوج ليس عيبًا في المرأة، إنما هذا العوج مثل المصابيح المعلقة (كالنجف) تجدها معلقة في خطاف معوج، ولو كان الخطاف مستقيمًا لما استطعنا تعليق النجفة لذا لابد من اعوجاجه ليؤدي وظيفته .. فجعل الله المرأة عوجاء في قلبها وعاطفتها حتى تتحمل ولدها الصغير، وتتحمل أن يوقظها الصبي بالليل لترضعه؛ فهي لديها نزعة عاطفية شديدة، ولديها جموح يجعلها تتحمل مهماتها .. فهذا العوج ليس عيبًا فيها .. بل هو شرف لها .. فلو كان العوج بامرأة قليلًا كان ذلك شيئًا غير حسن وتصبح به معيبة؛ لأن العوج قليل .. وأنت أيها الزوج تريد هذا النزوع الشديد للقيام بمهماتها. وكذلك كلمة "ناقصات عقل ودين" ليست عيبًا في المرأة .. بالعكس ناقصات عقل ودين بشرع الله- ليست تهمة لها، وإنما هو لأداء وظيفتها ومهمتها.

стр. 157

ولذلك فإن الإسلام ظل يكف هؤلاء عن الطلاق كفًا .. حتى إذا ما جاءت واقعة الطلاق، وحدثت فعلاً، ووقعت .. فإن الإسلام يحرص على أن يعيد الزوجين لبعضهما مرة أخرى لدرجة أن الله تعالى يقول في سورة البقرة في آية تزلزل السامع لها، وهي أنه إن حدثت واقعة أن رجلًا طلق امرأته .. ثم بعد ذلك تراءى له أن يردها إلى عصمته .. فأخوها قال له: لا يمكن .. أنا زوّجتك أختي، ثم رميتها .. ثم تريد أن تردها مرة أخرى؟ مستحيل .. لابد أن أعاقبك .. فإذا برب العالمين دفاعًا عن العلاقة بين الرجل والمرأة .. بين الزوج والزوجة، ولئلا تتعكر بكرامات العائلات، يقول تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ... ﴾ أي لا تجهدوهن، ولا ترهقوهن، ولا تحملوهن، وإنما ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] .. انظر للكلمات الضخمة ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢] إنها كلمات شديدة جدًا في الدفاع عن العلاقة الزوجية. إن الله تعالى سمى العلاقة الزوجية ميثاقًا غليظًا ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، بل إن الله تعالى جعل الرابطة بين الرجل وامرأته رابطة بين الإنسان ونفسه، ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ

стр. 158

أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١] .. خلقها من نفس واحدة، وخلق منها زوجها ليسكن إليها. إذن المسألة كأنها وحدة الرجل وامرأته وحدة واحدة؛ ولذلك فالإسلام ليس كما زعم قائل أنه يسهل الانفصال والطلاق .. بالعكس .. إن الإسلام يحرم على المسلم أن يطلق زوجته وهي حائض، ويحظر عليه ويكره أن يطلق زوجته وهي طاهرة .. ما هذا؟ فالمرأة إما حائض وإما طاهرة، فكيف تتطلق إذن؟! السنة أن يتم الطلاق لمن أراد أن يطلق في طُهر لم يمسسها فيه لأن الإنسان إذا كانت زوجته في طهر، وحدث جماع بينه وبينها يكون قد قضى وطره وشهوته، وأصبح هادئًا فيصبح مستعدًا للمشاجرة وللغضب منها إذا ضايقته أو استفزته .. أما لو أنها منذ فترة وهي حائض وهو -كرجل- عنده نزوع للقاء الزوجي فإنه حينئذٍ لو أنه طلقها وهي حائض ربما يكون بالأمس أو أول أمس قد قضى وطره منها .. وهي في بداية الحيض ومزاجها متعكر .. فالزوجة مزاجها متعكر، والزوج قضى وطره فيصبح الاثنان لا يطيقان بعضهما فيكون الطلاق سهلًا. إنما الإسلام يقول: في الحيض .. لا .. انتظر .. فيظل ينتظر .. الزوجة حائض لأسبوع أو أكثر أو أقل، وحين ينتهى الحيض يكون الزوج

стр. 159

متشوقًا للقاء زوجته .. فإن طهرت، ولأنه متشوق للقائها جامعها وهنا أصبح لا يجوز له أن يطلقها في الطهر الذي جامعها فيه .. فلو أنه مصمم على الطلاق نقول له انتظر حتى ينتهي الطهر الذي لقيتها فيه ثم انتظر حتى ينتهي الحيض، ويجيء الطهر الجديد. ثم لو وقع الطلاق فإن الزوجة تظل في البيت أمام زوجها ثلاثة أشهر تقريبًا، فتكون مطلقة طلاقًا رجعيًا .. تظل أمامك طوال هذه الفترة تراها وترى جمالها الذي كان قد أغراك يومًا .. فكأن الإسلام يغريك كي تتراجع عن قرارك، يقول تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ وقد يقول زوج أنا لم أخرجها هي المصممة على أن تخرج، وهذا ليس من الشرع، إذن هي لا يحق لها أن تغضب، وتأخذ حقيبتها وتذهب لبيت أبيها .. تقعد في بيتها والزوج لا يستطيع أن يخرجها ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] فيكون الزوج والزوجة يتذاكران .. فربما يتراجعان، يقول تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. لذلك فإن الإسلام في كل هذا يحض الإنسان على ألا يقع منه الانفصال .. فإن وقع فإن أمامه فرصة المراجعة .. ثم لننظر إلى آيات القرآن التي جاءت في سياق آيات الطلاق .. اقرءوا سورة الطلاق وسورة البقرة، ستجدون آيات الطلاق فيها كلام

стр. 160

يخلع القلب، يقول تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠]، ويقول: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ويقول: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]، ويقول: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ولذلك جعل الأمر بضوابطه .. أما أن يقال: نريد أن نمنع، ونقيد .. فمعنى ذلك أننا نري أن نحرق مجتمعاتنا.- ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠]. وأخيرًا أريد أن أبين أن النبي ﷺ انفصلت ابنته على زوجها؛ لأنه كافر وهي مسلمة وهي بنت رسول الله، وزوجها حارب رسول الله في غزوة بدر، ووقع أسيرًا، وحاربه بالسيف، ولما أسلم الرجل أعاد النبي- ﷺ ابنته إلى زوجها دون مهر جديد، ولا عقد جديد، وإنما ردها إليه بالزواج الأول؛ لأنه الرابطة الزوجية رابطة ضخمة وعظيمة.

стр. 161

عدم فهم التعارض الموهوم

стр. 162

عدم فهم التعارض الموهوم من الشبهات الضخمة التي تأتي بسبب عدم فهم آيات القرآن أن الناس يقولون أنتم معشر العلماء تقولون إن الإسلام يعد الناس بالرخاء ورغد العيش إذا أسلموا، يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] .. يأكلون من فوقهم ومن تحتهم، أي يأكلون من فوقهم طيورًا ومما ينزل من السماء، ومن تحتهم مما يخرج من الأرض .. والواقع أن الأمة الإسلامية الآن على الخريطة بها نسبة كبيرة من الأرض الإسلامية التي تعاني الفقر، وتعاني الانهزام، والتبعية .. فأين إذن ارتباط الإسلام بالرغد؟ ويقولون إنكم قلتم لنا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]، ألا تقولون ذلك يا دعاة الإسلام؟ تقولون: إن من أعرض عن الله فإن له معيشة صعبة وضنكًا، فما حال أمريكا

стр. 163

وأوروبا والعالم المتقدم؟ إنهم يعيشون حياة رغدة واسعة مع أنهم كفار مشركون بالله بعيدون عن منهج الله، كيف إذن نفهم آيات القرآن في ضوء ما يحدث في الواقع؟ والحقيقة أن هذه الشبهة بالذات لا تدل فقط على أننا لا نفهم آيات القرآن، بل تدل على أننا أيضًا لا نفهم الواقع، كيف؟ مبدئيًا وقبل أن أتطرق للموضوع أريد أن أسأل: هل المسلمون يطبقون الإسلام؟ يقول الله- : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف] كيف يطبقون الإسلام ونجد في البلاد الإسلامية خمرًا وزنا وربا ونوادي القمار، وفيها مراهنات الخيل؟ هل تطبيق الإسلام يكون بمجرد أن أسماءهم في البطاقات وجوازات السفر أسماء مسلمين .. لمجرد أن أسماءهم هكذا. لو أننا فهمنا الواقع سنعرف أن المسلمين معظمهم مسلمون بالاسم، ولكن لا يطبقون الإسلام، والعبرة الآية هي بالإيمان الفعلي والتقوى الفعلية، وما دام الحرام عند المسلم حلالًا تصبح الآية التي تقول ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ غير مطبقة، وغير قائمة؛ لأنهم لا آمنوا ولا اتقوا.

стр. 164

كذلك الواقع عند بلاد الكافرين، وكما ذكرت نحن لسنا فقط لا نفهم الإسلام .. بل لا نفهم الواقع، فهل أنتم تعتقدون أن الأمريكيين والإنجليز والفرنسيين والألمان وغيرهم يعيشون تلك الحياة التي تصفونها بأنها رغدة؟ بالطبع لا .. إنكم لا تفهمون المسألة، إن المسألة كالآتي: إن القرآن لم يقل إن الكفار سيعيشون حياة فقر وضيق وضياع، وإنما قال العكس، وانظروا لمحكم القرآن، واعلموا أن ما يحدث ليس غصبًا عن القرآن وليس رغمًا عن القرآن وليس شيئًا استثناءً أو مخالفًا لما جاء به القرآن، يقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [على الرحب والسعة] ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ [هود]، سنجعلهم ينالون من الدنيا ما يشاءون، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، ويقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ .. والسؤال: ما حال الكفار كالأمريكيين والإنجليز والفرنسيين؟ إنهم قد كفروا .. ومع ذلك يعيشون في تقدم زراعي وصناعي، وما إلى ذلك.

стр. 165

لقول الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [نسوا أن يذكروا الله أصلًا، فهم كفروا ومسح الله على أذهانهم] ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى﴾ [الأنعام: ٤٤] أي النعم التي تريدونها ستجدونها. أيضًا يقول الله تعال: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] .. إذن الواقع الذي نعيشه مذكورا في القرآن .. وكذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ٢٤]. لقد ظن أهلها أنهم متمكنون منها ومسيطرون عليها، وهذا الحال مع الأمريكيين والإنجليز وغيرهم إذ تمكنوا حتى وصلوا إلى درجة أنهم يتصورون أنهم متمكنون تمامًا من الدنيا. والسؤال الآن: ما هو تفسير قوله تعالى ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾؟ إن معيشة الضنك ليست بألا يعطيهم الله أموالًا، لقد أعطاهم الله المال والمنزل والملابس والزوجة والأولاد وكل أسباب السعادة، ولكنه سيظل محرومًا من السعادة فيكون لديهم كل أسباب السعادة ولكنهم محرومون منها، وهذه قدرة الله، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا

стр. 166

فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]، إذن ستصبح أي نعمة كالأموال والأولاد عذابًا لهم وهذا بنص القرآن. قال تعالى ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)﴾ [المدثر]، لكنه مازال يطمع في مشروعات استثمار وعنده آفاق للنمو، ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر]. إذن ما يحدث في القرآن من أن الله يمد لبعض الكافرين مدًا لا يجعل هذا المد مؤديًا إلى الراحة النفسية، هذا ما قاله القرآن .. وانظر إلى الواقع في أمريكا مثلاً ستجد ذلك، إنها بلد تعيش في منتهى الرغد ومع ذلك لديهم نسب مرتفعة في الانتحار، لدرجة أنني كنت في ميناء في نيويورك وفوجئت أن المشكلة عندهم أن وثيقة التأمين على البواخر ارتفعت لأنه قد انتشر عندهم أن يستأجر ٢٠٠ شخص باخرة ويذهبون في رحلة حتى إذا وصلوا لآفاق المحيط يربط كل منهم جسده بحبل وحجر كبير ثم يعدون ١، ٢، ٣ ويلقون أنفسم في الماء وينتحرون انتحارًا جماعيًا في المحيط ويتركون الباخرة في وسط المحيط.

стр. 167

مجتمع لديه المال، والأرزاق، وتزداد نسب الانتحار بشكل جنوني .. حيث انتشر الانتحار في ألمانيا والسويد والنمسا انتشارًا غير طبيعي، لدرجة أن نسب الانتحار في استراليا عالية جدًا، مما أدى إلى أذى الأشخاص غير المنتحرين .. مثلًا شخص ينتحر بأنبوبة الغاز فيحدث حريق في البناية، فيكون المنتحر قد مات وسبب وراءه كارثة فقررت الحكومة أن تخصص أقسامًا في المستشفيات لمن يريد الانتحار .. هل هذه بلاد رغد ونعيم؟! انتشار القتل إن ٦٠% من المدن الأمريكية لا يستطيع الإنسان السير في شوارعها بعد الساعة ٣ عصرًا، وأنا رأيت بنفسي فيلادليفيا في ولاية بنسلفانيا شرق أمريكا حيث ترتفع نسبة القتل في المدارس، سواء الطلاب الذين يقتلون بعضهم أو يقتلون مدرسيهم، وانظر إلى الإحصائيات لتعلم ذلك .. أيضًا انتشار القتل بين الأزواج .. في أمريكا زوجة تُقتل كل ٣ دقائق، كل ٣ دقائق شخص يقتل زوجته، أو زوجة تقتل زوجها، هل هذا مجتمع؟!

стр. 168

انتشار الاغتصاب إن عدد البنات الحوامل من آبائهم في بلد مثل ألمانيا مع أنه بلد لديه إباحية جنسية، أي أن من يريد أن يصاحب واحدة يصاحبها ويفعل معها ما يشاء .. ومع ذلك يغتصب الأب ابنته في البيت وتحمل منه، وتصبح نسبة عالية تهدد المجتمع .. لدرجة أن الأبناء المولودين من الزنا في ألمانيا أكثر عددًا من الأبناء المولودين من زواج شرعي .. انتشار الاكتئاب بالنظر إلى إحصائيات نسب الاكتئاب في هذه الشعوب، سنجد أن عدد المكتئبين في الشعب السويدي أحيانًا يزيد عن عدد الأشخاص العاديين وأحيانًا يقل، إن المكتئبين أكثر من غير المكتئبين، علمًا بأن السويد كانت أعلى بلد في مستوى دخل الفرد في العالم لسنوات طويلة، وكذلك أعلى نسبة في الاكتئاب. انظر إلى قدرة الله عندما يريد أن يعذبهم بها في الدنيا، فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم .. المال يزيد والاكتئاب يزيد ..

стр. 169

لذا فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]، أقول إن الناس في إنجلترا وفرنسا وأمريكا وألمانيا يعيشون هكذا برغم كل الرغد الذي نراه، والإنسان المسلم هو المطمئن بالله، ولكن المشكلة عند المسلمين أنهم لا يتبعون سبيل الله، فنتيجة لهذا لا يشعرون بالنصر ولا بالأمن، ولكن إذا شعرنا بالنصر وبالأمن فإننا سنشعر بهما بسبب تطبيقنا للإسلام. إن المسلمين يفهمون أن رغد العيش في الدولة الإسلامية وفي الإسلام مرتبط فقط بعصر الخلفاء الراشدين، سبحان الله! فهذا اعتقاد خاطئ. لقد كانت عصور العباسيين التي أتت بعد عصر النبوة والخلفاء الراشدين والأمويين كانت عصورًا فيها ارتفاع في رغد العيش لدرجة أن الغنم كانت ترعى في أرض الشام لا صاحب لها .. ومن أراد أن يأكل يخرج ويحضر عنزة ويذبحها ويسلخها ويأكلها وتكون حلالًا له؛ لأنه قد فاضت الخيرات، وكانت المشكلة أن أموال الزكاة تُحمل على ظهور الجمال ويُسافر بها عبر البلاد ولا يجدون فقراء يأخذون الزكاة. وأيضًا عصر كعصر الأندلس التي ظل فيها المسلمون ٨٠٠ سنة، ثمانية قرون، وهو خواتيم عصر الأمويين .. واقرأوا عن الرغد الذي عاشت فيه الأندلس لدرجة أن أحد الخلفاء الأندلسيين كانت زوجته

стр. 170

تعيش في قصر ونظرت يومًا من شرفة القصر فوجدت الفقراء يدوسون في الطين ويلعبون، فطلبت من زوجها أن يكون لها في قصرها طين فأتى لها بتراب مزجه بالمسك، وبنى لها بركة من الطين الممسك حتى تنزل تلعب فيه .. الطين الممسك .. انظر إلى الترف الزائد، وكانت الأموال تفيض بهذه الصورة، وعلى مر التاريخ كلما عاد العالم الإسلامي إلى تطبيق الإسلام كلما زاد الخير فيه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، ويقول الله تعالى أيضًا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] .. والسؤال: هل هناك حقبة أو مرحلة في التاريخ زاد إيمان المسلمين ولكنهم ظلوا فقراء؟ لا .. قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] نبلوهم لنختبرهم، وعندما يثبت أنكم مؤمنون، يقول الله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ). ولذلك خرج النبي- ﷺ يومًا في الطريق يمشي فقابل أبا بكر، وقابل عمر، فقال لهما: ما أخرجكما؟ قالا: يا رسول الله

стр. 171

والله ما أخرجنا إلا الجوع، قالة وأنا والله ما أخرجني إلا الجوع، الرسول ﷺ لا يجد الطعام، وعندما يدخل النبى ﷺ على فاطمة تقول له: يا أبت والله أنا جوعانة، فقال- ﷺ : والله يا بنية إنك لكريمة على الله، وإن أبإك لأكرم على الله منك، وإني ما ذقت الطعام منذ ثلاث، وأكل ﷺ ورق الشجر من الجوع .. ألم أقل لكم إنه اختبار من الله لكي يصبر الإنسان قليلًا؟ وقد أخبر النبي- ﷺ أنه من يعيش فسوف يرى الرجل يبحث عمن يأخذ منه صدقته فلا يجد. إذن لا نجعل الجهلة الذين لم يقرأوا على الإسلام إلا من كلام أعداء الإسلام يهزأون بعقيدتنا. إن الإسلام عندما مر بصعوبة وهي مرحلة اختبار ثم جاء عمر بن عبد العزيز- خامس الخلفاء الراشدين - أعاد الرشد للحياة حيث ارتفعت اقتصاديات المسلمين في سنتين فقط، وفي المقابل كان عمر بن الخطاب يتولى الحكم فتجد سنة من السنين سميت عام الرمادة، عام من المجاعة .. لكن المهم أن يستطيع الإنسان أن يصمد لربه، ذلك أن ما يتشارك به كل المسلمين هو الراحة النفسية ..

стр. 172

تصور أنك تملك مزرعة فيها ١٠ آلاف رأس ماشية من بقر وجمال وجاموس .. لكنك لن تستطيع أن تأكل أكثر من نصف كيلو لحم فقط، أو كيلو، أيضًا أنت تعيش في قصر به غرف كثيرة ولك في كل مدينة قصر .. لكنك ستنام في مساحة متر في مترين .. ومعنى ذلك أن هذا الكثير لن تستفيد إلا بجزء يسير منه، يقول ﷺ : "من بات آمنًا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" ..

стр. 173

الخاتمة وبعد هذا التطواف الذي حاولنا من خلاله أن نعرض لبعض الشبهات التي يلتبس فهمها على بعض المسلمين، ويستخدمها أعداء الإسلام لإثارة البلبلة والفتنة في نفوس المسلمين وصرفهم عن دينهم، فإننا نسأل الله ﵎ أن يعيننا على فهم كتابه الكريم وسنه نبيه ﷺ ، وأن يمكّننا من تبليغ هذا الأمر للناس حتى تتضح أمامهم حقائق الإسلام ناصعة واضحة؛ ليدرك الجميع عظمة هذا الدين الخاتم وخيريته لقيادة البشرية لما فيه سعادتها الدنيا والآخرة.