Полный текст (173 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
إن الذي لا يقدر أن يعدل ويقيم العدل بين النساء يتزوج واحدة، ثم يأتي في نفس السورة، في أول سورة النساء، فيقول: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] ..
إذن من لا يستطيع أن يقيم العدل والقسط والمساواة بين النساء فليكتفِ بزوجة واحدة، وهنا يقول إنك لن تستطيع العدل بين النساء مهما كنت حريصًا عليه ..
إذن الحكم واضح جدًا، ما دمتم لن تستطيعوا أن تعدلوا ولن تستطيعوا فالحكم واضح جدًا وهو الاكتفاء بزوجة واحدة .. فهل هذا صحيح؟
في الحقيقة هذا غير صحيح، وكما ذكرنا أننا نحرر الحكم الشرعي كما أراده الله، وليس كما يريده رجل أو كما تريده امرأة، الحقيقة أن هذه الآية من سورة النساء التي تقول: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ جاءت في سياق مهم جدًا، سياق الرجل الذي يكون متزوجا باثنتين مثلًا ويحب واحدة منهما، ويميل إليها ميلًا شديدًا، ويتجه إليها اتجاهًا شديدًا فيظل يميل إليها، ويتجه إليها حتى يشعر بنشوز أو إعراض عن الأخرى تمامًا، فنزلت الآية لتدافع عن المرأة المهملة، المرأة التي يتم إهمالها، فكانت الآية دفاعًا عن المرأة التي
стр. 107
تُهمل، قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء] ثم قال للرجال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [فلم يعقب على ذلك بقول فلا تعددوا، وإنما قال] ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] فما معنى ذلك؟
إن العدل له مجالان وليس مجالًا واحدًا، المجال الأول العدل المادي، وهو العدل في الإنفاق، والعدل في الأوقات التي يقضيها معهما فيساوي بينهما في الوقت وأيضًا في الفسح وفي الطعام والكساء وكذلك في الذهاب لأسرتها وهكذا ..
إنما هناك العدل الآخر وهو العدل القلبي .. في امرأة أدخل عندها فتكون لطيفة مبتسمة، هناك زوجة تجهز لزوجها حكايات وروايات لكي تأسر لبه وتجعله مرتاحًا إلى الجلسة معها، وزوجة تعد لزوجها مشاكل ومشاجرات، تقول له: أرأيت ما حدث اليوم؟ لا بد أن تجد تصرفًا في أمر كذا وكذا، فهو يعدل بينهما .. لكنه يأنس بجلسة هذه أكثر، ويحبها أكثر .. حتى وإن كان مكرًا أو دهاءً مال إليها، فالإِسلام
стр. 108
فرض على الرجل - وهذا في الحقيقة شيء مهم جدًا- فرض عليه العدل في الأمور التي يملكها حتى في الجماع وقد لا يكون الجماع بالتساوي تمامًا، ولكن بشرط ألا يقصد أن يوفر قوته من امرأة لامرأة أخرى، وإنما في الأمور القلبية التي، لا يستطيعها.
لذلك كان النبي ﷺ يقول: "اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيها لا أملك" ..
إن قضية الغيرة قضية بشريهّ، فمثلًا لو رزقت أسرة بطفل يهتمون به ويطعمونه ويكسونه ويفرحون به ويلاعبونه .. ثم حملت الأم ورزقت بطفل ثانٍ، تجد الطفل الأول يغار غيرة شديدة من أخيه، ويضربه، ويمكن أن يدفعه من السرير ليسقطه على الأرض، وأظن أن الناس كلهم يعلمون ذلك، أن الطفل الأول يغار من الثاني، فهل معنى ذلك أن نحرّم الطفل الثاني؟
بل في المكتب الموظف الأول الذي ظل موظفًا تحت يديه ١٠ أو ١٥ سنة ثم نما العمل فأتيت بموظف آخر، الموظف الأول يغير من الثاني، بل لو أن هناك رئيس جمهورية عين نائبًا له، وأظن هذه وقائع مشهورة ومعروفة والناس يفهمونها جيدًا ولا داعي للأسماء، نائب رئيس جمهورية منفرد، ثم مرة أخرى أصدر الرئيس قرارًا بتعيين نائب ثان له وأصبح هناك نائب أول ونائب ثان، فتجد أن النائب الأول
стр. 109
يتمزق غيظًا من النائب الثاني، معنى ذلك أن أحرم في المكتب أن أعين موظفًا ثانيًا، أو لا أنجب ولدًا ثانيًا، وأحيانًا والد الزوجة يغير من والد الزوج أو العكس، أو أم الزوجة تغير من أم الزوج، تقول لك: أول يوم رمضان عليك أن تفطر عندنا، لكن الجماعة الآخرين يريدوننا أن نفطر عندهم .. فهذه مسائل موجودة، فهل نقتل أبا الزوج وأبا الزوجة، أو نقتل الأولاد، أو نقتل نواب رئيس الجمهورية، أو الموظفين؟
إن كل ما في الأمر أن الشخص الذي يسبق إلى مكان يريد أن يحتل هذا المكان ولا يريد أحدًا بجانبه .. وهذه سنة بشرية ..
ولذلك أنا دائمًا أقول إن تعدد الزوجات ليس قضية بين رجل وامرأة، إنها قضية نسائية نسائية، إنها قضية عند المرأة ..
في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية كان التعداد أن الرجل الواحد يقابله ست نساء، فلو أن كل امرأة تزوجت رجلًا صار هناك خمس نساء عانسات.
لذلك عندما تأتي على امرأة وتقول لها أنت تكبرين وسنك أصبحت ٤٠، ٤٥، ٥٠، ٥٥، ٦٠ سنة وأنت وحدك، هل تفضلين أن تكوني زوجة ثانية أم تكوني عانسًا؟
стр. 110
إن الرجل ليس لديه مشكلة، هو في كل وقت معه امرأة، لكنك أنتِ أيتها المرأة في حالة عدم التعدد فإنكِ امرأة ليس عندها رجل، فأصبح الرجل في حالة عدم التعدد رجلًا عنده امرأة على كل حال، والمرأة امرأة ليس عندها رجل، وهنا المشكلة.
ولذلك في بعض بلاد الخليج نشأت جمعيات نسائية تضغط على النساء، تقول لها: حرام أن تبقى في المجتمع هذه النسبة من العنوسة والضياع .. اقبلي أن تكون هناك زوجة ثانية، ومن عجيب الأمر أنه لا يوجد مجتمع بشري على ظهر الأرض لا من حيث المكان ولا الزمان منذ أن خلق الله الأرض وحتى الآن لا يوجد مجتمع بشري ليس فيه تعدد نساء للرجل، لا يوجد، لكن الفرق في الحلال، يعني أوروبا مليئة بالزنا، أمريكا مليئة بالزنا، أفريقيا مليئة بالزنا، آسيا مليئة بالزنا، لا يوجد مجتمع واحد ليس فيه ذلك، كل ما في الأمر أن الإِسلام حوّله لشيء منضبط لا عربدة.
نسمع رجلًا يقول: أنا لا أدري كم امرأة عاشرت ربما ٦٠ أو ٧٠ وعندي أبناء في كل أنحاء العالم وأظن أن هذا الشخص معروف، هذا الشخص قال ممكن يكون عندي ٥٠ أو ٦٠ ابنًا ولا أعرفهم، هذه عربدة ..
стр. 111
فالإِسلام لما وجد هذه الحالة، ورأى أن الرجل كان يتزوج بالمئات قصر هذا الأمر .. فالبشر مخلوقون بهذه الصورة، لا يوجد مجتمع لا تعدد للنساء فيه إطلاقًا، ومع ذلك بقي النبي ﷺ متزوجًا من زوجة واحدة فقط طوال شبابه، منذ أن تزوج وهو شاب صغير في العشرينات حتى سن ٥٣ سنة، ثم تزوج بأخريات لأهداف تتعلق بالرسالة، إنما ظل حوالي ٢٥ سنة ربع قرن من الزمان وكان في سن العشرينات والثلاثينات والأربعينات والخمسينات محتفظًا بزوجة واحدة فقط ومكتفيا بها، والأصل أن العاطفة تتوجه إلى زوجة واحدة، وترتبط بزوجة واحدة، وتأنس بها، وهناك حديث صحيح يقول فيه ﷺ :"إن خير المسلمين سوف يتزوجون بأكثر من زوجة" (رواه البخاري).
لذلك قلت إن المسألة نسائية، الزوجة الأولى سبقت إلى المكان، فلا تريد أن تدخل غيرها، إنما لو أنها وجدت نفسها ستكون عانسًا فإنها تطلب أن تكون الزوجة الثانية والثالثة والرابعة.
ولذلك في كل تعدد رباعي امرأة ترفض التعدد، وثلاثة يقبلون التعدد، يبقى حتى عند النساء ثلاثة أرباع النساء مع قضية التعدد، والربع فقط هو الذي ضدها.
стр. 112
لذلك ليست المسألة مسألة رجل وأمرأة، ليس الصراع بين رجال ونساء، وإنما هو كما ذكرت قضية نسائية داخلية، هن يخترن.
ويحدث أنه حتى في التعد العادي وليس بعد الحروب النساء أكثر من الرجال، والسؤال: من الذي خلق الرجال؟ من الذي خلق النساء؟ من الذي قدر العدد؟ من الذي يعرف أن النساء سيكونون مثلاً على سبيل المثال ٣.٥ مليار، والرجال ٢.٥ مليار، إذن هناك عجز في عدد الرجال، لذلك يقدر الله هذا الأمر على هذا النحو ..
ثم مع ذلك يأتي الإسلام ليقول من لم يعدل بين زوجاته جاء يوم القيامة وشقه مائل؛ لأنه لم يعدل بين زوجاته.
لهذا نحن لابد أن نعلم أن الذين حاولوا أن يحاصروا التعدد أباحوا الزنا، ولقد سمعت بنفسي يومًا من وزير العدل في إحدى الدول يقول ما المشكلة إذا سمحنا للولد أو الزوج الذي تنكد عليه زوجته أن يذهب إلى بيت دعارة .. يفرج فيه عن نفسه ثم يعود إلى حياته مرة أخرى .. يا للعجب .. وزير العدل يقول هذا الكلام، يقول. نبيح الزنا، ونحرم تعدد الزوجات، كما في تونس فجور الحكم يجعل الأمر فظيعًا، فالحكم القانوني عندهم أن تعّدد الزوجات جريمة، قُبض على واحد مرة بتهمة تعدد الزوجات، ومهدد بدخول السجن، فجاء المحامي وقال له: لا والله هذه ليست زوجته، نحن لا نفعل هذه الجريمة .. إنما
стр. 113
هي صديقته، داعرة وعاهرة، حكم القاضي بالبراءة .. هذه قضية حقيقية.
إذن الإسلام حينما يدقق إنما يقول إن تعدد الزوجات هو ضرورة، ضرورة؛ لأن المرأة فعلًا وهذا معروف أن كل عصارة قلبها واهتماما متوجهة لأولادها، ولذلك لن أذكر أن أوقات الحيض، وأوقات النفاس، أحيانًا تطول، ونحن نعرف أن فترة العذر الشهري تصل عند بعض، النساء إلى ١٤ و ١٥ يومًا، فيعاني الرجل معها، والمجتمع فيه ما ترون وإلى جانب أن فترة النفاس قد تطول أكثر من شهرين وأكثر، وحتى في حالة الرضاعة والولادة وأحيانًا المرأة تسأل وتقول أنا مر عليّ سنتان أو ثلاث وأربع وخمس ولم أصم رمضان، سنة كنت أرضع وسنة كنت حاملاً، وسنة متعبة، فماذا أفعل؟ وحتى إذا انقضى ذلك تكون مهتمة بابنها لدرجة أنها ترى مصالح ابنها فيطيش عقلها، ولا تنتبه أن عليها أعباء أخرى، يحدث هذا، ولا نزال نقول إن الزواج بواحدة هو الأصل النفسي، لكن يحدث هذا فكيف أظلم الرجل ظلمًا متمكنا؟
فالمسألة ليس فيها ظلم للرجل أو ظلم للمرأة، المسألة حوائج، والمسألة كما ذكرت مقررة مجتمعيًا، المجتمع البشري الإنساني العالمي يعلمها وإكرام المرأة يأتي في ديننا تحت شعار "لا يكرمهن إلا كريم ولا يهينهن إلا لئيم" ..
стр. 114
إذن لا يمكن أبدًا أن نتصور أن في هذا عدوانًا، ولكنه رعاية لخلق يعلم خالقه نوازعه، وإلا فلو أبيتم فارضوا عن انتشار الزنا وانتشار الاغتصاب وانتشار الأبناء غير الشرعيين، وعن .. وعن .. ارضوا عن الفساد، إن ترضوا عنه فإن الله لا يرضى عن الفساد ولا عن الفسوق ولا عن العصيان.
ومع ذلك فإنه يجوز للمرأة أن تشترط في عقد الزواج ألا يتزوج عليها زوجها غيرها، وفي هذه الحالة يحرم عليه التعدد، لكن معظم النساء لا يفعلن ذلك، ولن يفعلن لأنهن لو فعلن فلن يجدن من يتزوجهن، ومعظم النساء حتى ولو فعلن هذا فالرجل سيقول لا .. لن أقبل بهذا، وذلك لأن المرأة نفسها تعرف أن اشتراطها هذا سيكون ضد مصلحتها ..
стр. 115
لا يتوقف أمر الدين
على المعجزات
стр. 116
لا يتوقف أمر الدين على المعجزات
في يوم من الأيام جاءنى شاب، وشعرت وكأن عاطفته سوف تفيض من صدره، وهو يقول إن المشركين كذابون، وقد طلبوا أن يروا معجزات حتى يؤمنوا، لكن هل المعجزات انتهت؟
إن الله تعالى رب العالمين، ولا يعجزه شيء، وقدراته مطلقة، لماذا لم يشبعهم بالمعجزات؟ كل معجزة يطلبونها يعطيها لهم، على الأقل إبطالًا لحجتهم، وحتى لا يبقى عندهم شيء يقولونه، ثم يقول الشاب: ولكنني على العكس أشعر أن القرآن الكريم يرفض أن يطلعهم على المعجزات، يعني يطلبون شيئًا فيرفض القرآن أن يريهم إياه، يطلبون معجزة أخرى فيرفض الإسلام أن يعطيها لهم، معجزة ثالثة، فأشعر أن الكافرين كما لو كانوا يقيمون الحجة على الإِسلام، وليس الإسلام هو الذي يقيم الحجة عليهم، يقولون: يا رب لقد طلبنا أن نرى معجزة محددة ولم تعطنا إياها .. حتى لو كانوا سيكذّبون، فماذا كنا سنخسر؟
طبعًا هو لا يقول هذا إستدراكاً على الله تعالى، ولا يقول ذلك من
باب محاسبة الله، ولكن هو يريد أن يفهم، وهذا مشروع، فإن الله لا
يُسأل عما يفعل، والله يفعل ما يريد، ويحكم ما يريد .. لكن أنا كمسلم
стр. 117
محب لديني وغيور عليه، أتساءل حين يقول كافر أنا أريد أن أرى كنزًا نازلاً من السماء، لماذا لا ينزل الله عليه كنزًا من السماء ويكون قد أبطل حجته؟
والحقيقة أن هذا فعلًا موجود في آيات القرآن، بالفعل هذا صحيح، إن الكفار طلبوا أمورًا معينة، فمثلًا ذهبوا إلى النبي ﷺ وقالوا له: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، أنزِل نارًا من السماء تأكل القربان، إذا فعلت ذلك نؤمن بك، وإن لم تفعل ذلك لن نؤمن .. وإذا بالقرآن يرفض، فلماذا؟
ثم قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ [الإسراء]، وهم في بلد صحراوي والماء قليل، فإذا أردت أن نؤمن بك فجّر لنا ينبوعًا من الأرض، ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١)﴾ [الإسراء] أرنا شيئًا غير معتاد، أو ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾ [الإسراء] .. أو أمر آخر، ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] وإذا بالإسلام يرفض، ويقول: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ..
стр. 118
لماذا لم يستجب لهم الله؟
ولقد صعد النبي ﷺ إلى السماء فعلًا في رحلة الإسراء والمعراج، ونزّل الله عليه آيات ونزل بها، فلماذا لم يرد عليهم، وتقول لهم: إن ما طلبتموه قد حدث فعلًا؟ والعجيب أن هذه الآيات وردت في سورة الإسراء، والسورة أولها ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] تتكلم الآية عن الإسراء، تلك الرحلة العظيمة التي لا مثيل لها، وفي وسط السورة تذكر أن الكفار طلبوا هذا، والإِسلام يرفض أن يريهم إياها .. فلماذا؟
ثم طلبوا شيئًا آخر: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]، لماذا لم يقل لهم الرسول ﷺ لقد أراكم الله الملائكة في بدر، لقد رأوا جبريل أتى يسأل النبي ﷺ ما الإِسلام، وما الإيمان، وما الإحسان، ومتى الساعة، وما أشراطها.
السبب أن تجارب البشر قبل الإِسلام أثبتت فعلًا أن البشر لا تنفعهم المعجزات إذا كانوا يريدون الكفر، ومقاييسهم فاسدة، المعجزات لم تنفع معهم، لم تصلح.
مثلًا في قصة سيدنا صالح أرسل الله مع صالح ناقة فاهمة، تعرف كيف تتفاوض مع البشر وتقسّم بينهم، فلما أيقنوا بالآية ورأوا أن الآية بينة وواضحة جدًا قتلوا الناقة، عقروها وذبحوها، هل آمنوا بها؟ كلا
стр. 119
بل أكثر من ذلك حين سخر الله الجن لسليمان، كفروا بسليمان، فماذا يريدون أكثر من ذلك؟ ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وإبراهيم ﵇ أخرجه الله تعالى من النار، َ وَقال للنار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩] ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء]، ومع ذلك بمجرد أن خرج من النار أصر قومه على كفرهم.
وموسى أحيا لهم الميت، ضربه بالبقرة فأحياه لهم، ومع ذلك كانت النتيجة ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] .. فالآيات لا تأتي معهم بأي نتيجة، أكثر من ذلك ما حدث مع عيسى ﵇ فإن الله جعله يحيى الموتى بإذنه، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذنه، ويعلم بعض الغيب بإذنه، فماذا فعلوا بعد هذه الآيات المعجزة؟ ما كان منهم إلا أنهم طلبوا أن يقتلوه وأن يصلبوه.
إذن الآيات لم تأتِ بنتيجة مع الكفار، إنهم بمجرد أن يتبين لهم صواب الآية يكفرون بصاحبها على الفور.
حتى من ذكرهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣] كانت
стр. 120
الإجابة عليهم، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣].
إذن فالآيات لا تفيد معكم أنتم تقتلوق الأنبياء، أنتم تفكرون وتركزون عقولكم ثم تطلبون شيئًا محددًا فيأتيكم ثم تقتلون من جاءكم به ..
إذن بالعكس فإن الآيات اتضح أنها لا تنفع، معنى ذلك أن الله عندما كان ينزل الآيات، حاشاه ذلك سبحانه، كان مخطئًا، معنى ذلك أن الله لم يكن يعلم أن الآيات لم تكن تنفع فكان ينزلها ثم اكتشف- حاشاه ذلك أن الآيات لا تنفع فامتنع، لا ..
وإنما معناه أن الآيات لازمة فعلًا، المعجزات لازمة بالفعل .. لكن لازمة لصنف معين من البشر وهو الذي يكون لديه مقاييس؛ لأنه ليس كل من يقول إنه رسول الله سيُصدق، فربما أتى من يدعي ذلك، فلابد أن يُقدم له معجزة أو دليل، فإذا قُدم وكان مستقيم المقاييس متجردًا، ليس عنده هوى ولا عداوة، فإنه سيؤمن بأن المعجزة بينة .. لكن إذا كان سيئًا ومهما فعلت معه لن يؤمن مثل اليود، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، ومع ذلك كفروا به، مع علمهم اليقيني به؛ لذلك فإن المعجزة ضرورة ولكن لصنف من البشر يتسم بكونه مستقيمًا متجردًا، مستقيم المقاييس، ولا تلزم الصنف الفاسد.
стр. 121
لهذا فإن الإِسلام رفض أن تكون طريقته مع الصنف الفاسد أنهم يطلبون فيعطيهم يكفرون، هات لي المعجزة الفلانية، فأعطيك إياها، فتكفر، هات .. وفي المقابل كفر ..
رفض الإسلام هذا المنهج، وإنما قال لقد أرسلت إليكم معجزات محددة وبعدها هناك حساب بيني وبينكم.
أنا الآن طلبت معجزة فرفضها الإسلام، رفض أن يعطيني إياها، وثانية وثالثة ورابعة وخامسة، إذن فمإذا عندك؟ وما هو الإسلام؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح، مادمت رفضت كل معجزة أطلبها، كيف أعرف؟ هذا هو السؤال .. إن رفض الإِسلام أن يعطيهم هذا الذي طلبوه التواءً، ألجأهم إلى أن يقفوا ويقولوا قل لنا ما عندك، ليسمعوا، وهذه روعة الديق الخاتم؛ لأن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن كلها كتب الله، ولكن فيها مراحل للبشر، هناك مرحلة قديمة ومرحلة متوسطة ومرحلة جديدة، فمرحلة الإسلام مرحلة النضج النهائي للبشر، فالقرآن هو آخر كتاب أنُزل وآخر وحى سيستمر الأمر به إلى يوم القيامة .. فلابد أن يدرب البشر على درجهّ من الارتقاء والاستدلال، ارتقاء إقامة الحجة.
قال لهم تعالوا نتناقش، أضرب لكم بعض الأمثلة .. على سبيل المثال عندما قالوا هل يعقل أن يرسل الله وسولًا من البشر، لماذا لم يرسل ملكًا، فالإسلام رد على هذه الجزئية قائلاً لهم: لقد أرسلت
стр. 122
الرسول من البشر؛ لأنكم بشر، فأرسلت رسولًا لتروا كيف يطبق الإِسلام، فلو كان الرسول ملكًا ويقوم الليل ستقولون إنه ملك، والملائكة يسبحون الله بالليل والنهار لا يفترون، لكن أنا لا أستطيع أن أصلي قيام ليل ولو لمدة ساعة في اليوم، فستجد نفسك لا تنتفع بالرسول، لكن عندما تجد من يقوم الليل من البشر، تقول: نعم، إنما أنا بشر مثلكم، كل ما في الأمر أن الوحي ينزل عليّ، يُوحى إلى فالله تعالى قال هذا، قال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء] فأرسل لهم بشرًا يسوق إليهم منطق الرسالة.
أيضًا لما وجدوا الرسول- ﷺ يبيع ويشتري ويتزوج وينجب وينزل الأسواق، قالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] فرد عليهم الإِسلام يقول لهم، أتريدون شيخًا يرتدي العمة والقفطان، ويقول للناس: قال الله، وقال الرسول، ولا ترون معاملاته لتعرفوا التطبيق العملي كما عرفتم الكلام النظري، فقد يقول كلامًا ولا يطبقه ..
إن شرط الفقيه أن يكون عالمًا بأمور الدنيا ويعرف الأوزان والأسواق والتجارات، الفقه معناه إلمام بالواقع كما هو إلمام بالأحكام التي جاءت في الكتاب والسنة .. فبدأ الإِسلام يقول لهم إن كل الأنبياء من قبل كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، فهي سنة دائمة.
стр. 123
كل القضايا التي طُرحت طرحها الإِسلام بهذه الصورة، حتى إنهم لما قالوا أنت كذاب، وقالوا أنت مجنون، وأنت مفترٍ، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [النحل] إنك تؤلف من عند نفسك، فقال لهم ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾ [الملك: ٢٨].
إن قضيتكم ماذا ستفعلون في أنفسكم؟ الكافر سيُعذب والمؤمن سينعم، دعك مني، لا تشغل نفسك بي أنت ماذا ستفعل بقضيتك؟
إذن الإِسلام قال لهم إذا كنتم أصحاب منطق فافهموا، واتركوا ما تطلبونه من اللجاجة .. لذا قال لهم الإِسلام كلمة في غاية الجمال، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] تعالوا نتفق ألا نعبد إلا الله، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا، أي أندادًا من دون الله، لا تعبد بشرًا مثلك، تعالوا واسمعوا، تعال أنت وزوجتك وأولادك، وأنا وزوجتي وأولادي ونقف جميعًا ثم نبتهل إلى الله أن ينزل لعنته على من يكذب منا ويظلم ويفتري، فخافوا وارتعبوا؛ لأنهم يعلمون أن هناك إلهًا، ولو فعلوا ذلك لأنزل الله ما يحرقهم كما وردا حديث النبي ﷺ .
فبدأ الإِسلام يخرجهم من اللجج والمناقشة إلى القول الفصل، حتى تكون مرحلة النضج البشري إلى يوم القيامة ..
стр. 124
لكن المفاجأة، أن كل ما طلبه هؤلاء الكفار من آيات ومعجزات سواءً حسية أو غير حسية، ملموسة تحسها بجوارحك وتلمسها، أو تبصرها أوتسمعها، كل ذلك جاء عن طريق النبي- ﷺ ..
ومن أمثلة ذلك أنه "جاء الرسول- ﷺ رجل وقال له: كيف أعلم أنك رسول الله؟ فقبض له حفنة من الحصى في الأرض، وقربها من أذنه فسمع الحصى يقول: سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم في يد النبي ﷺ وفي واقعة أخرى" قال: كيف أعلم أنك رسول الله؟ قال: ما الذي معك؟ وكان معه حيوان (ضب) يجره بحبل، فقال له: هذا الحيوان الذي معك يشهد لي بأني رسول الله، قال: كيف؟ فقال للضب: من أنا أيها الضب؟ قال: أنت محمَّد رسول الله- ﷺ " ..
وهذه أشياء حسية، فلماذا لم يقل القرآن لقد أريناكم؟ لأن هذا ليس منطق القرآن وهذه ليست المعجزات المعول عليها في الإِسلام تلك الرسالة الخاتمة.
стр. 125
بين
المعجزة والكرامة
стр. 126
بين المعجزة والكرامة
إن مما يجب علينا كمسلمين وهو مما يُعبد به الله أن نفهم الإِسلام، حتى لا يضرنا أعداؤنا إذ يفسدون علينا الدين بشيء لا نفهمه.
إن هناك إشكالية تحدث، فنحن كثيرًا ما نسمع مَن يقول: إن كل نبي من الأنبياء إنما جاء بمعجزة لتدل على أنه نبي، ويقول إن عيسى كان يُحي الموتى بإذن الله، وكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وإن موسى كان يضع يده في جيبه فتخرج بيضاء للناظرين من غير سوء، وإنه كان يلقي العصى فتتحول إلى حية يضرب بها الأرض فتتحول إلى بحر، والبحر إلى أرض، ويقول إن صالحًا كانت معه ناقة، وإن كل نبي من الأنبياء كانت عنده معجزة يقدمها لقومه، وإن سليمان أجرى الله له الريح، وداود طوّع الله له الحديد وألانه له ..
إذن المعجزات دليل النبوات، ومع ذلك فنحن نعلم أن المسيخ الدجال سيأتي قبل يوم القيامة يشير إلى المطر أن ينزل فينزل، ويشير إلى الأرض الخربة أن تعمر فتعمر، ويشير إلى الأرض العامرة لتخرب
стр. 127
فتخرب، ويمضي في الأرض مسرعًا .. وهذه كلها معجزات، فلماذا لا نصدقه ونقر بمعجزاته؟
لماذا نصدق الأنبياء بما جاءوا به من معجزات، فإذا جاء المسيخ الدجال بالمعجزات نقول لا تصدقوه؟
هل تريدون منا أن نصدق الأنبياء بشأن معجزاتهم وما يقوله العلماء من أن ما محدث مع أولياء الله الصالحين ليس معجزة تغير الدين، في حين أنني أرى واحدًا في المنام يمشي على الماء، أو يطير في الهواء، إنسان يراني لأول مرة ثم يقول لي كلامًا وهو لا يعرفني وإذا بي أجده كلامًا صحيحًا، وقد حدث ما أخبر به، فكيف لا أتخذه وليًا؟
لماذا يقف العلماء موقفًا مضاداً من الكرامات والأولياء مثل سيدي أحمد البدوي وسيدي الشعراني وإبراهيم الدسوقي وغيرهم ومن الطرق الصوفية عامة؟
وكذلك يقول العلماء يجب تصديق المعجزات، فإذا جاء السحر على يد الإنس أو الجن مثلما تعلمه الناس على يد هاروت وماروت وهو يمثل خوارق، فلم لا نصدقها ونعتقد فيما جاء به السحر؟
ولتوضيح ما سلف نلفت الأنظار إلى أنه يجب أن نعلم أن ثمة فارقًا بين المعجزة التي جاء بها الأنبياء ونحن مطالبون كمسلمين أن نصدقها وبين كل هذه الأمور، ما هو الفرق الرئيسي؟
стр. 128
الفرق أن كل هذه الأمور التي ذكرتها أمور لها قواعد تُتعلم، فالسحر مثلًا يمكن للإنسان الذي يريد أن يتعلمه أن يذهب إلى السحرة ويتعلم السحر، وهناك كتب كثيرة تعلّم الناس كيف يقع السحر، والساحر الكبير يعلم الساحر الصغير، فالسحر عبارة عن كلمات وطلاسم تُقال فيتم بها السحر.
ولذلك فإن سليمان ﵊ حين مات فإن الجن وجدوا أنفسهم قد ذلوا، فأرادت الشياطين أن تدافع عن نفسها، فأعلنوا أن سليمان كان يملكهم لأنه كان ساحرًا يعرف السحر ويسخّر به الجن، وبدأت الشياطين يقولون بأنه كان ساحرًا، ولذلك قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
فلكي يدافع الله عن المعجزة التي يرسلها مع الأنبياء، ذكر تعالى أن صفة المعجزة الأساسية أنها لا تُتعلم، إنها إنما تكون على سبيل خرق العادات وخرق القدرات، ولا يستطيع أحد أن يفعلها، أما السحر فقد أرسل الله به ملكين من الملائكة واحد اسمه هاروت والثاني اسمه ماروت وجعلهما ينزلان في صورة رجلين من البشر، ليقولا للناس إن سليمان لم يملك الجن والإنس وكل ما حوله لأنه كان ساحرًا، فهذه ليست حقيقة، وما السحر إلا علم، ومن أراد أن يتعلمه فنحن سنعلمه له، ولكن نقول لكم لا
стр. 129
تتعلموه لأنه مضر وكفر، ولكن سنعلمكم السحر حتى لا تقولوا إننا نمنعكم من تعلمه، وكي تعلموا أن سليمان لم يكن ساحرًا، فتدركون الفارق بين المعجزة والسحر ..
إننا لو أحضرنا عباقرة العالم فلن يستطيعوا أن يرموا عصا ويحولوها إلى ثعبان، لكن الساحر يستطيع أن يسحر أعين الناس فترى العصا ثعبانًا، لذلك فإن سحرة فرعون أسلموا وآمنوا بموسى على الفور، لماذا؟
لأنهم رأوا شيئًا لا يُتعلم، الثعبان يلقف ما يأفكون، فهذا شيء غريب عليهم وليس من قبيل السحر تمامًا، فلابد أن يكون معجزة .. إن الله تعالى ذكر نبأ سحرة فرعون ليبين الفارق بين المعجزة والسحر. أما المسيخ الدجال فلا يزال السؤال قائمًا ما الذي يجعلني أؤمن بموسى لمعجزاته، وعيسى لمعجزاته، وصالح لمعجزاته، وسليمان لمعجزاته، وداود لمعجزاته، وأكفر بالمسيخ الدجال برغم معجزاته؟!
إن مشكلة العقل المسلم أنه لا يربط بين الجزئيات، الفهم والفكرة عنده عبارة عن جزر منفصلة، فمثلًا يجب إدراك العلاقة بين الكرم والإسراف، أو بين العفو والانتصار للنفس، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى].
стр. 130
والإجابة واضحة وهي أن كل نبي من الأنبياء حين قدّم معجزته قال إن هذه المعجزة ليست من عندي وإنما هي من عند الله، وكل نبي عندما قدّم معجزته قدمها على أنها دليل على النبوة، أما المسيخ الدجال فإنه يدعي الألوهية، وليس النبوة، فيقول أنا الله، ويدعي أن المعجزة من عند نفسه، أما الأنبياء فهم يختلفون عنه فمثلًا سيدنا عيسى ﵊ يُروى عنه أنه كان إذا خلق الطير ونفخ فيه وصار طيرًا وطار هذا الطير فإنه يموت بعد يوم واحد، فاشتكى عيسى ﵇ إلى الله ، وقال يا رب إن الطير التي أخلقها تموت في يوم واحد، وبقية الطير تحيا، فقال له الله : يا عيسى إني أذنت لك بخلقها ولم آذن لك برزقها، قال تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، إنك خلقتها، لكنني لم آذن لك أن تحفظ حياتها وأن ترزقها، وأن تكفل استمرار عيشها، فماتت.
أما المسيخ الدجال فإنه يزعم شيئًا لا يناسب المعجزة، وهو أنه إله .. فما الفرق؟
الفرق أن سيدنا عيسى كان يخلق من الطين كهيئة الطير، ولكن يظل ضعيفًا، يجتمعون عليه يريدون قتله فيرفعه الله إليه، ومحمد
стр. 131
- ﷺ عنده معجزة ولكن ينام وينسى ويُجرح، ويجوع، وفيه ضعف ..
إذن قمة المعجزة ووجه العظمة فيها أنها قوة مع ضعيف، يرسلها الله لضعيف لتكون آية قوة خارقة، لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها، فيقال إن هذا الضعيف معه آية قوة، وهي ليست من عنده، وإلا كان قويًا في كل شيء، إنما هي من عند الله فآمنوا بالله، فهي دليل إيمان بالله، أما المسيخ الدجال فيقول هذه معجزتي، وأنا الله، فيرسل الله عليه من يكشف أنه كذاب ودجال وأنه ضعيف، وهو سيدنا عيسى، الذي يقتله برغم قدرات المسيخ الدجال الكبيرة.
إن المعجزات قد تكون تقدمًا علميًا، وقد تكون تسخير جن أو أي شيء آخر، وبرغم قدرة المسيخ الدجال فإن فيه آية الضعف، عينه طافية ممسوخة، أعور، وعلى جلده نتوءات، ومكتوب على جبينه بنتوء الجلد أنه كذاب، يقرؤها كل أحد ..
وعليه فكل رسول عنده معجزة قوية وهو شخص ضعيف، ولذلك لا يقول أنا رب، وإنما يقول أنا عبد وأنا ضعيف والله هو القوي وهذه المعجزة إنما هي من عند الله فاّمنوا بالله.
стр. 132
ثم تأتي مسألة الكرامات والأولياء، ونحن نعلم أن في الكرامة في الإسلام ثابتة، والرسول ﷺ يقول: "كان في الأمم قبلكم محدثون (أي أصحاب إلهامات) وإن يكن منهم أحد في أمتي فعمر بن الخطاب"، وهناك أناس لديهم كرامات، مثل من يمشي على الماء، أو يطير في الهواء، أو يسمع إنسان كلامًا من شخص في بلد تبعد عنه آلاف الأميال، لا مانع من وجود ذلك ومن حدوثه، بل إن القرآن ذكر عن العبد الصالح في سورة الكهف الذي ذكرت السُّنة أن اسمه (الخضر)، هذا العبد الصالح رأى ولدًا يلعب في الشارع فرأى أنه سيكون عاقًا وكافرًا في المستقبل، بإذن من الله تعالى وعلم أطلعه عليه، قال تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ [الكهف] فقتل الخضر هذا الغلام، فهذه كرامة منحها الله لرجل صالح، آتاه الله رحمة من عنده وعلمه من لدنه علمًا، قالوا اسمه العلم اللدني ..
إذن الكرامة ثابتة، بل إن الحضر ﵇ رأى أمورًا بإلهامات من الله كثيرة، والرسول ﵊ يقول: "رحم الله موسى لو صبر لرأى عجبًا".
ونعلم أنه ورد عن بعض الصحابة أنهم كانت تأتيهم قطوف العنب وما بمكة كلها حبة عنب واحدة، ومريم كانت تأتيها الفاكهة في غير
стр. 133
أوانها، قالى تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧].
إذن ما الفرق بين المعجزة الخاصة بالنبي والكرامة الخاصة بالولي؟
هناك فارق كبير، وهو أن المعجزة تأتي على سبيل أنها خارقة لقدرات البشر، معجزة لقدرات البشر، لا يستطيعونها، ولا يستطيعون تقليدها، ويستطيع النبي الذي سيقت معه هذه المعجزة أن يقدمها كلما طلبها كدليل على دعوته.
فسيدنا موسى لما جُمع له السحرة قال لهم موعدكم يوم الزينة وأن يُحشر الناس ضحى، وذهب ومعه العصا، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه].
أما الكرامات فإن صاحبها لا يملكها، ولا يقدمها على سبيل الإعجاز، ولا على سبيل التحدي، فالسيدة مريم لم تقل إنني سآتي لكم بفاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف لتصدقوا كذا، لا .. وإنما الكرامة نوع من الإكرام لولي من الأولياء، نوع من إفاضة الخير
стр. 134
عليه، أو ليرى الناس ذلك، ولذلك سيدنا عمر بن الخطاب قال: لو وجدتم الرجل يطير في الهواء أو يسير على الماء فحكّموا عليه كتاب الله ..
لماذا؟ لأن هذه الكرامات لا تجعل لصاحبها استثناء، مثل من يقال له لماذا لا تحج؟ فيقول: حي .. هناك قوم يريدون الحج فيذهبون إلى الكعبة، وقوم يريدون الحج فتأتي الكعبة إليهم .. ما هذا؟ إنه نقض لفريضة الحج وركنية الحج.
لا يصلح أن تنقض فريضة الحج ولا ركن الحج، وإنما الكرامة كرامة لا تُوظف ولا تُستغل ولا يُستفاد منها ..
لا تُستغل في دعوة فلا يقال عنها إنها على سبيل التحدي، كما ذكرنا عن مريم أنها لم تقل إنني سآتيكم بالفاكهة فآمنوا معي، لا .. وإنما هي كرامة لمريم، والصحابي الذي كانت تأتيه قطوف العنب وما بمكة حبة عنب لم يقل إنني أفضل منكم، وعمر بن الخطاب الذي سمع أو رأى الجيش بقيادة رجل اسمه سارية، رآه من بعيد والجيش في الشام، وسيدنا عمر في المدينة، ورأى الجيش يكاد تقع به الحيلة، فقال عمر: يا سارية، الجبل الجبل .. أي الجأ إلى الجبل، وإذا بسارية الشام يسمع صوت عمر ويفعل هذا، إنها كرامة لعمر وكرامة لسارية، ولم يقل أحد
стр. 135
والله أنا أفضل من كذا، وإنما عمر بن الخطاب كما يروون حين قال كلامًا لا يعجب إحدى النساء قامت المرأة وقالت: لا ليس لك هذا، أيعطينا الله ويمنعنا عمر، ولما طلب أن يجلد أكثر من الحد قام له عليّ وقال له: ليس لك هذا، وإنما الحدود يشرعها الله ، وعندما أخذ يقول اسمعوا وأطيعوا، قام له واحد وقال: لا سمع لك ولا طاعة، لماذا؟ لأن قماش جلبابه أكثر، فمن أين أتى به؟
فلابد من تحكيم شرع الله في أصحاب الكرامات ..
إذن نحن نصدّق ونؤمن بمعجزة النبي ﷺ وبمعجزات الأنبياء جميعًا؛ لأنها تساق على سبيل التحدي، ولا أحد يستطيع أن يتعلمها، ولأنها تُعجز قدرات البشر أن يأتوا بمثلها، وأنهم ممكنون منها من أجل نصرة الدعوة.
أما السحر فعلم يُتعلم وتسخير للجن، والجن يفعلون هذا مع البشر وليس في هذا أي إعجاز، أي أحد يمكنه أن يتعلم الطلاسم من الجن وهؤلاء كفار، يدخلون النار ويُعذبون، وبالنسبة للمسيخ الدجال فإنه لا ينطبق عليه وصف المعجزة، لأنه متلبس بالضعف والنقص، ومع ذلك يدعي الألوهية.
فالمعجزة حق، والإيمان بالنبيين حق ..
стр. 136
أسأل الله أن يأخذ بأيدينا إليه أخذ الكرام عليه برحمته وفضله ومنّه وإكرامه ورضوانه، وأن يجعلنا من الذين يستبصرون بدينهم، ومن الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
стр. 137
العلاقة
بين
القدر والدعاء
стр. 138
العلاقة بين القدر والدعاء
من الأمور التي يوجه الناس أسئلة بشأنها إلى العلماء وإلى الدعاة في كل مكان ما يتعلق بالموقف من القدر والدعاء.
القدر ينزل من عند الله ، والله له قدره، فيمرض هذا الإنسان ويطول مرضه، أو يمرض هذا الإنسان ويقصر مرضه، فأين الدعاء إذن؟
إنني إذا دعوت الله وقلت: يا رب اشفني فشفاني، فكان معنى هذا أن القدر الذي قدره الله على الإنسان أن يطول مرضه لا معنى له، وقد رد هذا المرض، وارتفع القضاء ..
وإذا كان الدعاء لا يؤدي إلى نتيجة فمعنى ذلك أن الدعاء لا قيمة له، ولا عبرة به .. بل القدر هو الذي ينفذ ..
وتأتي آيات تؤكد ذلك، إذ تؤكد أن قدر الله ماض، وأن قدره لا راد لقضائه.
إن المسألة ليست كذلك بالمرة، وإنما هي إرادة الله للبشر .. والسؤال: ما هي إرادة الله للبشر؟
стр. 139
إرادة الله للبشر أن يستقيموا، وأن يعبدوا الله، وأن يتوبوا إلى الله .. فالنبي- ﷺ يقول: "الدعاء هو العبادة" (رواه الترمذي).
إذن النبي- ﷺ يقول لنا ما من مشكلة نتعرض لها حتى ولو بسيطة إلا وحلها الدعاء.
وكما ورد في الحديث أن الله تعالى يحب العبد اللحوح في الدعاء، ويغضب الله على العبد الذي لا يسأله، وإرادة الله- أن يحرك في المسلم نزعة التوجه إلى الله، ونزعة اللجوء إلى الله.
ونحن في العصر الحالي الذي نعيش فيه نجد معظم الناس مشغولين بموضوع الأخذ بالأسباب، وبأمور الدنيا المادية والمصلحة الشخصية، مشغولين بالأسباب، ولكن أي شخص هذا الذي عندما تحدث له مشكلة يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: اللهم إني ألجأ إليك في هذا الأمر يا رب العالمين، اللهم إني أستغيث بك؟ إنها مسألة نادرة إلا من رحم الله ..
يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، فإرادة الله هي الخير.
فأراد الله تعالى لسهام القدر أن يستقبلها المسلم بالدعاء، ولذلك قال تعالى على بعض الناس الذين إذا انقطعت بهم الأسباب دعوا الله:
стр. 140
﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] ليس أمامه سبيل حينئذ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
فجعل الله القدر لكي يشعر الإنسان بحاجته إلى الله أحيانًا، لأن القوة أحيانًا تسبب الطغيان، ألم يقل فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر: ٢٩] وقال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات]، لكنه عندما وجد نفسه يغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].
إن فرعون أعلن إسلامه نتيجة هذا الاعتصار، صحيح كان الأوان قد فات، فالله قال له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس]، إذن كانت نتيجة ما حدث له أنه لجأ إلى الله ..
وهذا حال فرعون وغيره كقارون، أما حال المسلم الصالح الذي ينسى الله فإن الله تعالى يرسل إليه ما يذكره، فجاء القدر من هذه الناحية ..
وهناك اختلاف بين القضاء وبين القدر، يعني القضاء والقدر ليسا معنى واحدًا، وإنما الله تعالى قد يبرم أمرًا أن يمرض فلان، ثم ينزل المرض فعلًا، فقبل نزول المرض هناك أمر قرره الله، وبعد نزوله نفذ
стр. 141
هذا الأمر، فهما مرحلتان وليسا مرحلة واحدة، فإن الله وهو يقدّر القدر قضى- على هذا القدر بأن يكون له ما يرده، يُنزل الله القدر فيرجع القدر ويتوقف، هل توقف رغمًا عن الله؟ كلا وحاشا لله .. إنما هو توقف بإرادة الله للقدر، قال النبي ﷺ : "لا يرد القدر إلا الدعاء" (رواه الترمذي)، ليحيي قلب المؤمن باللجوء إلى الله، وبالدعاء إلى الله، حيث لا يرد القدر إلا الدعاء.
فإذا نزل القدر بمرض مثلًا ثم قلت: اللهم اشفني، فشفاك الله فقد أراد الله تعالى لهذا القدر أن يتوقف عند هذا الحد، ويأتي قائل ويقول: ولكن الله كان يعلم أن المرض سوف يستمر يومين ثم أدعو فيستجاب لي، فهو أمر مكتوب من البداية ..
هناك فارق بين العلم وبين الجبر .. يعني أن يعلم الله أن فلانًا سيمرض ثم يشفى، غير أن يكتب عليه أن يمرض أبد الدهر، هذا شيء وهذا شيء ..
فمثلاً، لو أن مدرسًا في مدرسة قال لتلميذ: والله يا بني لن تنجح هذه السنة ولن تفلح .. ثم رسب هذا التلميذ، فليس معنى هذا أن المدرس هو الذي جعله يرسب، وإنما هو عرف من مستواه، وربما يجتهد هذا التلميذ يومين أو ثلاثة قبل الامتحان بعد أن تنتهي الدراسة ويذاكر وينجح ..
стр. 142
جائز أن يذاكر الولد قبل الامتحان مباشرة ويتصادف قدرًا أن يأتي سؤال الامتحان فيما قرأه الولد .. وينجح .. أو أن يدخل الامتحان ويغش الإجابة وينجح بالغش، لكن إذا كان المدرس هو المراقب في لجنة الامتحان ومنع الغش، إذن وقتها لن يستطيع الولد أن يغش وسيرسب ..
فليس معنى ذلك أن المدرس المراقب هو من جعله يرسب هنا تزايد قدرات المدرس فيصبح مدرسًا ومراقبا وإذا كان هذا المدرس أبا الولد فهو يعلم حاله في المنزل أيضًا فيصبح المدرس أبًا ومراقبًا، ثم مصححًا، فقدرات الله على البشر تجعلله يعرف ما يدور بخاطرهم، وما يحدث لهم.
وقد ذكرت الأبحاث الطبية الحديثة اليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين أنه حتى إذا حدث للإنسان سعادة أو شقاء أو رغبة أو تطلع يحدث تغيرا الدم، يعني أحيانًا يأخذون تحليلاً فيفاجؤون أنه حدثت أمور في الدم، حتى الماء، حتى كوب الماء أمامك شكل جزيئاته تتغير وحتى الشجر والنبات، يعني تبين أن هناك تغيرًا ماديًا في جسم الإنسان ودمه وفي الزرع وفي الحيوان نتيجة الأمور المعنوية.
فكذلك الله- يعرف سلفًا ما سيكون من البشر، كما لو دخلت أنا لمكان ليلًا ومعي كشاف وفتحته فعرفت الأماكن حولي، فلما عرفتها جئت في الصباح أعرف كل شيء؛ لأنني كشفت المكان بالليل ..
стр. 143
فالله- يعرف هذا، ويعرف أن عبده فلانًا سيدعوه، والدعاء هو العبادة أو الدعاء هو مخ العبادة.
إذن الله- علم من عبده أنه سيدعوه، ومن لا يدعو يغضب الله عليه، وينزل قدره، ويستمر هذا القدر فيمرض هذا العبد أو يفقر هذا العبد أو كذا ..
والسؤال: هل دائمًا يستجاب الدعاء؟
لا .. قد أظل أدعو، وأقول: يا رب اشفني .. اشفني .. اشفني .. ولا أشفى لا قدر الله، والسبب أن الدعاء له مواصفات إذا كانت صحيحة يستجاب له .. يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وهذا وعد من الله، إذن ما الذي يجعل الدعاء لا يُستجاب؟ إن ما يجعل الدعاء لا يستجاب أن الله وضع للدعاء شروطًا، منها أن الله لا يتقبل الدعاء من قِبَل لاه غافل، أي من شخص- والعياذ بالله- يمسك بزجاجة الخمر ويقول: ربنا يهدينا يا سيدي، كلام يقوله دون أن يعزم، دون أن يوقر الله.
وأنا أستشعر من هذا المعنى أن المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه، كأنه يسخر من الله، يمسك بيده المعصية وهو يدعو الله- أن يتوب عليه منها.
إذن الدعاء لابد له من صفات، هذه الصفات أن يكون متوجهًا إلى الله وبانتباه القلب وأن يقلع صاحبه عما يناِقض هذا الدعاء وأن يختار
стр. 144
أوقات الصلاح وأن يكون من أصحاب الطاعة والعبادة، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] ..
فنحن أحيانًا ندعو الله بطريقة لا يكون الدعاء بها صحيحًا فلا يستجاب، وهناك أيضًا دعاء يكون ضد قدر الله، يعني مثلا لو أنا قلت: اللهم اهد الناس جميعًا، فهذه دعوة لا تصلح؛ لأن اللِّه قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] إنما الله تعالى شاء أن تكون له المشيئة، وأراد أن تكون لة الإراد، وأن يعطيهم الاختيار، فلا يأتي أحد في دعائه يريد أن يغير قدر الله، فيقول: يا رب اهد الناس جميعًا، لا .. لن يستجيب الله لك.
ولذلك حذر النبي ﷺ من الذين يعتدون في الدعاء، وهو من يدعو بأمور لا تليق بالله ، لذا أحيانًا لا يستجاب للدعاء ولا يتحقق للإنسان ما يريده.
وهذا حال من يدعو بأمور لا تليق بالله ..
إذن لماذا لا يستجاب للذي يدعو بما يليق لكنه لا يستجاب له أيضًا؟
وهؤلاء نذكّرهم أنه عندما يأتيك ابنك الصغير ذو الثلاث أو الأربع سنوات، واضعًا على كتفيه ملابس تجعله مثل الخفاش أو الطائر أو (سوبر مان) ويريد أن يمشي فوق سور السطوح، ويطير في الجو، كما يطير (سوبر مان) في أفلام الكارتون، هذا الابن مهما بكى ومهما
стр. 145
فعل فلن تسمح له أن يطير، رغم أنه قال لك: لا ... لابد أن أفعل .. أنا أريد، وأيضًا لو أرإد أن يمسك شيئا مثل الصودا الكاوية ظنًا منه أنها لبن فعندما تأتي الأم لتأخذها منه يبكي، ومهما بكى فالأم لا تعطيه الصودا الكاوية لأنها تحميه وتخاف عليه.
إن الله تعالى قد يحمي عبده المؤمن .. فالله تعالى يقول: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ أحيانًا يستجعل الشر ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] فالله رفيق بهؤلاء العباد، رحيمّ رؤوف، حنان منان، فيمنعهم هذا ويعطيهم بديلًا للشر الذي طلبوه.
وفي الحديث القدسي أنه يستجاب للعبد بإحدى ثلاث، يعني الله تعالى يجعل الاستجابة بصورة من ثلاث صور .. الصورة الأولى: وهي المعروفة أن يعطيه ما دعا به .. يا رب أعطني فيعطيه ..
والصورة الثانية ألا يعطيه، ولكن يكشف عنه من البلاء بقدر ما
دعا، مثل أصحاب السفينة وما فعل الرجل الصالح إذ أفسد لهم
السفينة وخرقها وكانوا متضايقين، ولكن لو كانت سليمة لغصبت
السفينة كلها، لأن الملك كان يأخذ كل سفينة سليمة اغتصابًا، ولكن
لأنه أفسدها بقيت لهم، وبعد ذلك أصلحوها بلوحين من خشب.
следующие страницы →