Полный текст (173 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
منتهى الوضوح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا في سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة]، ثم يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] أي نقوم بالبر معهم، كأن نعطيهم هدية .. نهنئه بزواج ابنته .. أعاونه في إصلاح سيارته .. أعاونه في البناء .. وكل لون من ألوان البر، من يمرض أزوره، سواء كان يهوديًا أو كافرًا أو ملحدًا، يقول الله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً﴾ [الأحزاب: ١٩] كما يقول: ﴿يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] ما دام لا حرب ولا قتال ولا ظلم منهم، إذن ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة].
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ [الممتحنة: ٩] وكما يقول علماء التفسير وعلماء اللغة العربية، جملة ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ﴾ أسلوب حصر وقصر، يعني لا ينهاكم الله منهم إلا على الفئة التي سأذكرها لكم صفاتها، هذه
стр. 72
هي الفئة التى سأقول لكم عنهم يقول: (﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩]
إذا كان اليهود قد أخرجوكم من أرض فلسطين والجولان وسيناء ومن الأردن ولبنان، فإن الله لا ينهاكم عمن أخرجكم فقط وإنما عمن ظاهره، أي ساعده أيضًا على إخراجكم ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي إياكم أن تتولوهم أي يكون بينكم وبينهم ولاية، يقول الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٢] أي يتقربون إليهم ويتخذون عندهم الوسيلة ويبتغون إرضاءهم، ويكون بينهم صلة، يقول الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥٢] يندمون على تصورهم أن هؤلاء الناس يمكن أن يأتي الخير من طرفهم، أو من علاقتهم بهم.
لذلك ربطت هذه الآيات عداوتنا لهؤلاء لا بسبب أنهم يهود أو نصارى أو ملحدون، وإنما بسبب أنهم يعادوننا، يحرموننا حقوقنا، يخرجوننا من أرضنا، يعتدون علينا، وبعد ذلك لن تجد آية واحدة في القرآن تقول لك عادهم إذا تركوا المعاداة، وإنما أن نبرهم ونقسط إليهم.
стр. 73
وإذا كان هؤلاء ناس لا يحاربوننا ولا يحبوننا، فهل نعاقبهم بسبب عدم حبهم لنا؟
بالطبع لا .. إذا اقتصرت كراهيتهم على العاطفة ودواخل نفوسهم.
وبهذا تتضح الصورة، وهي كالآتى: إن الإِسلام قد أمرنا ألا نحرمهم حقوقهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، سواء كان كافرًا أو مسلمًا أبلغه مأمنه، أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم لا تنقصوا لهم عهودهم، وإنما "من آذى ذميًا أو أنتقصه شيئًا من حقه كنت خصمه يوم القيامة، ومن كنت خصمه خاصمته" (رواه الطبران) .. والقاعدة أن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وقال القرآن في شأن النبي ﷺ : ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ..
ولذلك عندما يقف الإعلام العالمي، ويقول لي: أيها المسلم إن عندك ثقافة الكراهية، أقول له: أنا آسف جدًا، أنت تريد من هؤلاء أن يكرهوني وأن يعملوا ضدي وأن أحبهم، بل القرآن قال لي: إن انفصل كفرهم عن العداوة ضدي، فإنني لن أعاديهم، وإنما أنا أعاديهم؛ لأنهم يعادونني وليس الأمر متعلقًا بثقافة الكراهية.
стр. 74
ولذلك ما يحدث الآن من ضرب العالم الإِسلامي، لدرجة أن الشريعة الإِسلامية غير مطبقة في أي بلد، وأنه إذا طبقت حدث حصار لها، وأن المسلمين لا يمكّنون من شرائعهم، ولا من ثرواتهم، ولا من أرضهم، فإذا تضايق المسلمون من هذا قلتم عنهم إنهم يطبقون ثقافة الكراهية، إنما هذه الثقافة هي ثقافة الحب والمودة، وجمع الناس على كلمة سواء، وترك العداوات والبغضاء بينهم، وما إلى ذلك، وإنما إذا أصروا على الكفر فإننا نكره كفرهم ..
ولذلك يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤]،وهذا يعني أن الدين حبيب لنا وهؤلاء أيضًا أحبه، لكن العبرة من الأحب؟ من الذي أنصره على من؟ يقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] فكان قول هؤلاء إن الإِسلام يزرع بينكم وبين الآباء كل هذه العداوة، يزرع بينكم وبين الإخوان، وبينكم وبين العشيرة .. نقول لهم اقرأوا الآية .. الآية تقول:
стр. 75
﴿مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فلو أن أبي أمسك السيف، وحاشاه ذلك، لو أن والدي أمسك السيف يريد أن يضرب عنق النبي ﷺ أأدافع عن أبي أم أدافع عن النبي؟ هنا تأتي الفكرة.
إن الإِسلام دين منطقي والآيات واضحة، ولكن الذين يقرأون الآيات بعيدًا عن سياقها، ويريدون أن يلقوا في روع الناس كلامًا غير حقيقي لا طاقة لنا بهم، بالعكس النبي ﷺ أطلق الناس، وقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" قبل أن يسلموا، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، ولكن قبل أن يسلموا أطلقهم جميعًا، وعكرمة بن أبي جهل قد جاء للنبي- ﷺ فأحسن النبي- ﷺ إليه مع أنه كان كافرًا، لدرجة أن زوجته قالت: إن عكرمة خائف أن يجيء، وأنا لو كنت مكان الرسول ﷺ لكنت قلت لهم وماذا أفعل له؟ ولكن النبي ﷺ فك عمامته وقال لها: خذي هذه علامة .. عمامة الرسول- ﷺ يأخذها شخص كافر، وأبوه كافر وهو أبو جهل، فلما رآها دخل وأسلم وحسن إسلامه وصار من كبار الصحابة.
стр. 76
إن الإِسلام يحب الناس، ويحرص عليهم، ولكن إن كانوا محاربين له فلا يطلب منا أن نكون أهل غفلة ونحبهم وهم يكرهوننا ..
стр. 77
لله في خلقه شئون
стр. 78
لله في خلقه شئون
لا شك أن من فضل الله تعالى على الإنسان أن تستقر عنده معالم التوحيد، ومعاني الإيمان بالله رب العالمين، فإذا استقرت عنده معالم التوحيد، فإنه يشعر تلقائيًا بالعداوة الشديدة جدًا لكل ما هو شرك، ولكل ما هو كفر، ولكل ما هو نقيض للتوحيد، فيكره عبادة الحجر، ويكره عبادة الشجر، ويكره عبادة الجن، ويكره عبادة البشر، ويكره عبادة الملائكة، ويُعبد الله وحده لا شريك له.
لهذا فإن الذين رباهم الإِسلام على التوحيد هم أنفسهم الذين يخرجون لنا بأسئلة بعد ذلك يقولون يا جماعة فسروا لنا بعض الظواهر التي قد لا نفهمها، فنحن نعرف أن الإِسلام قد حمل على الوثنية، وعلى الشرك وما إلى ذلك، ولكننا أحيانًا ننظر إلى بعض الآيات في القرآن الكريم فنجدها تأمرنا بأن نطوف بجبل، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، أطوف بجبل!! أطوف بحجر!! أصلي وراء مقام إبراهيم، يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ..
стр. 79
يقول البعض أنا لا أفهم كيف أبطل الإِسلام عبادة الأوثان ثم يأمرنا بالطواف بالكعبة، وبالصفا والمروة وبئر زمزم، ورمي الجمرات، كيف يمكنني أن أوفق بين هذا وذاك؟!
الحقيقة أن الله له في خلقه شؤون، وهو يعلمنا التوحيد، ويمنعنا من الفساد، الإِسلام لم يطلب مني أن أكون عدوًا للحجر، إنما المسلم الذي فهم ذلك اشتط في الأمر، الإِسلام أمرني أن أكون عدوًا للمعنى الموجود، هبل هذا حجر، ولكن أنا لست ضد الحجر، أنا ضد أن يكون إلهًا.
لذلك أراد الإِسلام أن يقول لي: لا، أنت ستكون مع الله، ولكنك لا تعادي الحجر؛ لأن هذا الحجر ينطق يوم القيامة، وقد أخبر النبي ﷺ أن المؤذن عندما ينادي للصلاة لا يسمعه حجر، ولا شجر، ولا وبر، ولا مدر إلا شهد له يوم القيامة، ويكرر ما يقوله.
إذن هذه كائنات تعبد الله بل هذه الأرض كائن حي، الله تعالى يقول عنها: إنها تحدّث يوم القيامة أخبارها، ويقول: إنها تبكي.
يقول تعالى مخبرًا عن حال بعض الناس بعد موتهم: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾ [الدخان].
стр. 80
إذن السماء والأرض تبكيان إذا مات من كان يصلي فإن موضعه الذي كان يصلي عليه يحن ويئن ويبكي؛ لأنه فقد الطاعة, لأنه عندما كان يسجد لله ويقول سبحان ربي الأعلى، كانت تسمعه الأرض لذا فهي تبكي موته، فهذه الأرض ليست عدوًا، والحجر الموجود في في الأرض ليس عدوًا، إنما هو حبيب وسيشهد لي يوم القيامة.
لذلك جاءت شرائع الإِسلام تعادي الحجر؛ لأنه عُبد من دون الله، وأرادت شرائع الإِسلام أن تقول لنا: لا تعادوا الحجر لذاته.
وهو نفس الحال مع الذين عبدوا الملائكة، فهل أنت تعادي الملائكة، بالعكس الملائكة أولياؤنا، وشرط في عقيدتنا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهناك أناس عبدوا عيسى ﵇، فهل أنا أعادي المسيح؟ بالعكس، أنا لن أدخل الجنة إلا إذا آمنت بعيسى المسيح ﵇ وبأنه رسول الله، وكلمه الله وروح الله كما وردت أوصافه في القرآن في الكريم، فهو عبد لله رب العالمين.
فأنا في كل هذه المراحل مع الله، ومع الملائكة، ومع المسيح، لا أعادي ما عُبد من دون الله، بل من عُبد من دون الله [ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر] كانوا أناسًا صالحين، أليس كذلك؟ ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح] فنجد أناسًا يقولون أنا أكره هؤلاء الناس جدًا، والصحيح ألا نكرههم
стр. 81
فهم كانوا، عباداً صالحين، وأولياء لله، لكن عندما ماتوا عبدهم ضعيفوا الإيمان، فنحن نكره عبادتهم، ولكن نحبهم؛ لأنهم أولياء صالحون.
اليوم عندما يذهب الناس لضريح الحسين، أو ضريح إبراهيم الدسوقي أو ضريح السيدة نفيسة أو ضريح السيدة زينب، ويفعلون مظاهر الشرك والوثنية والكفر التي تُفعل، حيث يتمسحون بالضريح، ويقبلونه، ويطلبون منه قضاء الحوائج، هذه كلها أفعال شركية .. لكن هل معنى هذا أن أكره الحسين أو أكره السيدة زينب أو السيدة سكينة؟
بالعكس أنا أحبهم؛ لأنهم من الصالحين، ومن أولياء الذي الصالحين، ولا نزكي على الذي أحدًا، ومن أهل البيت فلا نكرههم، ولكن نكره من جعلهم آلهة ..
إذن فموقف الإنسان من الحجارة أنه ليس عدوًا للحجر، وإنما هو عدو للمعنى الذي أسدله البشر ظلمًا وعدوانًا وكفرًا وشركًا واعتداءً على هذه الأحجار.
لذلك يعامل الله ﵎ في شعائر الحج بشرًا، فالله هو الذي خلق البشر، وهو يعلم ما الذي يصلحهم، وهو يعامل البشر بصفتهم، هل تعرفون ما هي صفات البشر أو من صفاتهم الجوهرية الأساسية في هذا الأمر؟
стр. 82
إن البشري إذا تركته لفكرة عقلية فقط دون تدريب بدني، وجسدي، وعملي، وممارسة، فإن الفكرة العقلية تظل تخفت، وتضمر، وتصغر حتى تتلاشى أو تصبح شيئًا لا يُحس، إِنما كل فكرة عند البشر تريد لها أن تقوى لا بد أن تجعل لها تدريبًا عمليًا ..
كل حياة البشر كذلك، يعني حتى في العلاقة بين الزوج وزوجته لا يظل يحبها وتحبه طوال العمر إلا إذا كان بينهما شعيرة اللقاء الجسدي، الجماع بما فيه من لذة ومتعة، وأيضًا في الفسحة أو في النزهة، أنت تذهب للبحر وتلعب كرة وتتمشى وهذا تدريب، وتشغيل للبدن، حتى في التسوق، أنا أريد أن أشتري رابطة عنق، والزوجة تريد فستانًا، والولد يريد حذاء، فيقول الأب سأشتري لكم كل هذا .. لكنهم يقولون: لا، نحن نحب أن نخرج ونشاهد الأشياء بأنفسنا فهم يريدون أن يروا وينتقوا فيعودون سعداء بالفكرة نفسها أنهم ذهبوا للتسوق ..
المصريون أحيانًا يقولون عن السائحيين إنهم مجانين فهم يأتون من آخر الدنيا لكي يشاهدوا الهرم، والهرم ليس إِلا حجارة، كانوا يستطيعون أن يقرأوا عنه ويشهدوا الصور، لكنهم يذهبون ليروه بأنفسهم ..
إذن هذه سنة بشرية أن البشري الذي يرى غير البشري الذي لا يرى، البشري الذي يعايش غير البشري الذي لا يعايش ..
стр. 83
وأذكر في إحدى المرات في المرحلة الثانوية أن أستاذ الكيمياء في المدرسة أعطانا معادلة أنه إذا وضعت السائل الأول على السائل الثاني يحدث التفاعل ويخرج السائل الثالث ولونه أزرق، ثم أخذنا إلى العمل، وقال: انظروا يا أولاد، السائل الأول الذي لا لون له، وهذا السائل الثاني الذي لا لون له، وسأضع السائل الذي لا لون له على السائل الذي لا لون له، وستفاجؤون بسائل أزرق يكون نتيجة التفاعل الكيميائي، انظروا، فوضع السائل الأول على السائل الثاني وكلنا يتوقع الزرقة، فإذا بنا أمام سائل أحمر، فضج الفصل كله بالضحك، وبعد أن ضحكنا ملء أفواهنا، قال الأستاذ: أرجو ألا تنسوا أبدًا هذه التجربة، ثم قال: أنا لم أخطئ فقد تكوّن فعلًا السائل الأزرق ولكن نظرًا لأننا قمنا بعمل التجربة في الهواء الطلق فقد تفاعل السائل الأزرق مع الأكسجين الموجود في الجو فنشأ السائل الأحمر، وأنا أتذكر هذا الكلام حتى الآن، ربما أكون نسيت ما هو السائل الأزرق وما السائل الأحمر، ولكن لا أنسى أبدًا هذه التجربة .. لأنني لم أذاكرها في الكتاب فقط وإنما شاهدت تلك التجربة بعيني واختلطت بمشاعري وضحكات زملائي وكلام الأستاذ ..
وهذا بالضبط ما أراده الله تعالى، فالله يريد أن يحفر بعمق شيئًا مهمًا داخل النفس البشرية، وهذا الشيء هو أحداث حياة سيدنا إبراهيم، أحداث الملة الإبراهيمية، يقول الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
стр. 84
أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، يعني رأس المال العقدي عند المسلمين هو اتباع ملة إبراهيم، فأراد الله لكل مسلم ألا يقرأ في الكتب في بيته عند أهله عن هذه الأحداث، وإنما أن يعايشها بنفسه، بجسده، برجله، ويده، وأعصابه، وفكره، وبنظره، وبسمعه، ويسمع التلبية ويرى وهكذا، فالله يحفر العقيدة والملة، ومن أوضح الأمثلة على ذلك الصفا والمروة، ما هي الصفا والمروة، ماذا يعني الطواف بالصفا والمروة؟ وكيف يكون؟
إن الصفا والمروة قصة كبير، حيث بني الله للبشر بيتًا هو الكعبة والمسجد الحرام، وهو أول بيت وضع للناس، وبناه بأيدي الملائكة، ثم انطمس المسجد الحرام، ولم يعد أحد يعرف أين مكان بيت الله، والله يريد أن يجلّي البيت الحرام مرة أخرى للرحلة النهائية في الكون، بعد الذين ماتوا بالحجارة، وماتوا بالصيحة، والصاعقة، والطوفان، وبالخسف جاءت المرحلة التي ليس فيها إهلاك، وهي التي تبدأ من مرحلة سيدنا إبراهيم واستمرت ..
فالله يريد أن يخرج البيت الحرام للناس مرة أخرى، ولكن هناك مشكلة كبيرة وهي أن الوثنية والأصنام والأوثان تملأ الدنيا، فهل يرجع البيت الحرام ثم ظل الشرك؟
إن الله يريد التوحيد، مكانًا وزمانًا وأشخاصًا، فإذا بالله يرسل الضعيفَين هاجر وإسماعيل الصغير، وهما ذوا حيلة بسيطة؛ ولذلك
стр. 85
أوصى الله بالرحمة بالأرملة؛ لأن المرأة مهما كانت قوية، فهي بعد فقد زوجها تنتابها حالة من حالات الضعف البشري لذا لا بد من الرحمة بها كائنة ما كانت الظروف واتقوا الله رب العالمين.
فأرسل المرأة والصغير واللذين أرسلهما الأب إبراهيم الذى ظل طوال عمره يتمنى الذرية الطيبة، يقولى: يا رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء، ولقد تزوج من سن ٢٠ سنة وظل يطلب من ربه الذرية سنين طوالًا، يقال إنه رُزق بإسماعيل في سن ١٢٠ أو ١٤٠ سنة، ورغم ذلك أول ما أنجب أمره الله أن يذهب بولده إلى الصحراء حيث لا ماء، ولا زرع، ولا شيء إطلاقًا، فيقين إبراهيم أولًا، وإذعانه لله والطاعة ثانيًا، وهذا من كمال الإيمان، ذهب بهما، واستجابت له زوجته وقالت له. آلله أمرك بهذا؟
إذن توكل على الله، اتركنا هنا في هذا الضياع، فإن الله لن يضيعنا برغم كل ما نحن فيه .. لكن الأمور استحكمت، وعطشت المرأة، وظلت عطشانة حتى نفد اللبن من ثدييها، فأصبح الولد لا يرضع، وعطش هو الآخر، وقد اقترب أطلاك، ورغم ضعفها فقد ظلت تسعى بين الصفا والمروة؛ لأنها كلما ذهبت إلى المروة سمعت صوتًا كصوت الماء عند المروة، فتجري إلى المروة، فإذا وصلت المروة أحست صدى صوت وكأنه آت من هناك، فتعود، وظلت كالمجنونة وهي راشدة، كالمجنونة لأنها تبحث عن الماء، فلما عجزت تمامًا بكل قواها
стр. 86
أن تجد قطرة ماء أنبت الله الماء بعيدًا عنها بقدم الطفل الصغير، فظهر بئر زمزم الذي يُجري ماءً إلى يوم القيامة، فأراد الله بكل ذلك أن يسعى الإنسان في الحياة، إن الله تعالى لم يترك الناس يطوفون بالصفا والمروة فقط، وإنما جاء في مكان ما بين الصفا والمروة أقرب إلى الصفا، وأمرهم أن يهرولوا عندها، وهو ما بين المشي والجري، حتى نتحرك ونعايش ما حدث فعلًا.
وأنا شخصيًا أكثر ما يبكيني في شعائر الحج لحظة الهرولة، أشعر أنني أجري وأهرول بين الناس، وأنا ربما أريد أن أسير بتأنٍ، ولكنني أفعل ذلك عبودية لله؛ لأن أم إسماعيل فعلت هذا ليحيي الله بها الملة، وليكون المسجد الحرام، وليعاد بناؤه، وليتفجر الماء، وليأتي الناس من كل مكان.
إن الله أراد للعبد أن يعايش التجربة، وقس على هذا كل شيء من طواف، وسعي، والحجر الأسود، ورمي الجمرات .. لكن رمي الجمرات على سبيل المثال معناه أن الفتنة التي كان الشيطان يريد أن يبثها في إبراهيم أفشلها له إبراهيم بإيمانه، فانتقل إلى إسماعيل فأفشلها إسماعيل، فقال له: لا .. فقال له الشيطان: أتترك أباك الرجل الخرف يقتلك؟! إنه يبلغ ١٥٠ سنة، وسيذبحك، راجعه، فما من إسماعيل إلا أن رجمه، فذهب إلى أم إسماعيل فرجمته، وهنا تشعر بقوة الإيمان أمام وسوسة الشيطان للبشر.
стр. 87
فالفكرة إذن هي إحياء ومعايشة، ثم لا بد أن يكون واضحًا أن الإحياء والمعايشة بأن المسلم لا يعبد الحجر الأسود، ولا يعبد أحجار الكعبة، ولا غيرها .. وإنما يعاملها كعبيد لله ..
فأنا لا أعظّم شجرة الرضوان، ولا أعتبرها كفرًا، وهناك شجرة اسمها شجرة ذات أنواط، شجرة ذات أنواط هذه كانت تُعبدا الجاهلية، وقد قُطعت في الإِسلام، وهي شجرة أخرى غير شجرة الرضوان، فالإِسلام الذي أعلى من شأن بيعة تحت شجرة، هو الذي حمل على عبادة شجرة، والإِسلام الذي حمل على عبادة هبل واللات والعزة كحجارة، هو الذي قال: إن تقبيل الحجر الأسود والتزام أحجار الكعبة هي سنة للمعنى الذي فيها، والذي قال: إن عبادة فرعون كبشر تجعلني عدوًا لفرعون، وهو الذي قال: أنا أحب المسيح، فرعون عُبد، والمسيح عُبد .. لكن المسيح أنا أحبه برغم أنه عُبد؛ لأنه قال: أنا عبد الله، أما فرعون فقال: أنا ربكم الأعلى، فأنا أكرهه.
إذن أنا لا أحب البشر لذاتهم، ولا أكرههم لذاتهم، لا أكره النبات لذاته، ولا أحبه لذاته، كذلك لا أكره الحجر لذاته ولا أحبه لذاته .. بل هذا الحجر يشهد لي عند الله تعالى الذي ذكر أن الأرض تبكي لموت الصالحين، بمفهوم المخالفة حين قال: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾ [الدخان: ٢٩]
стр. 88
لذلك أرى أن شعائر الحج فيها معنيان: معنى المعايشة بالبدن، يعني مثلًا في المزدلفة، ما قبل المزدلفة أرض الحل، وما بعد المزدلفة أرض الحرم، فأنا حين أدخل إلى أرض الحرم يوقفني الله، ويقول لي: بت هنا هذه الليلة، بت في العراء، المبيت بالمزدلفة، لماذا يارب؟ لتشعر بأنك داخل إلى أرض مقدسة، وهي محرمة قد حرمها الله، وجعل اقتلاع الزرع منها محرمًا كما حرّم فيها الصيد، يريد الله سبحانه أن تحس وتشعر فسماها المشعر الحرام، المشعر، الذي يأتيك بالشعور .. فهل سأشعر بكل ذلك في ٥ دقائق؟ والجواب: لا .. لا بد من المبيت، طوال الليل والصبح أذكر الله، يقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، لبيلك اللهم لبيك .. لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، أنا عبدك وأنت ربي، نعمك عليّ كثيرة يارب، يارب .. فإذا ما تحملتَ كل ذلك أحسست بالشوق إلى الله، وحينها تدخل الحرم بشعور يختلف ..
إذن المسألة ليست مسألة حجارة ولا أماكن ولا أشياء، وإنما شعور القلب بالرحمة وبالإقبال على الله.
اللهم أذقنا حلاوة الإيمان، وأشعرنا به يا أرحم الراحمين .. اللهم آمين.
стр. 89
عصمة الأنبياء
стр. 90
عصمة الأنبياء
إن الحديث عن عصمة الأنبياء، وعن نضج مشاعرهم البشرية، لهو جزء من الأسوة الحسنة، والله تعالى قد أبقاها فيهم من أجل أن يشعروا بالشوق، وبالخوف، وبالحنين، وبالفزع، وبالغضب حتى يكونوا أسوة للبشر، فلو جمدت قلوبهم ومشاعرهم لما أمكن أن يكونوا أسوة للبشر أبدًا، وهم من أجل هذا تعلموا بالشرع وبالوحي كيف يهذبون هذه المشاعر، وعلّموا هذا لأممهم، وكذلك الحال مع النبي ﷺ حيث علمه الله فعلم البشر.
ولكن يأتي سائل، ويقول: ولكنني أقف أمام أمور في القرآن لا تندرج تحت هذا، ولا أفهمها ولا أقبلها، فيوسف الصديق يقبل مراودة المرأة، ويوشك أن يقع معها في الفحشاء، وفي الزنا، وفي العلاقة الآثمة .. لولا الظروف الطارئة التي حدثت فمنعت عنه ذلك، يعني لولا ذلك لوقع معها فيكون هناك نبي قد وقع والعياذ بالله في الزنا، نبي يفعل ذلك؟! لا أستطيع أن أتقبل ذلك، كيف يقول الإِسلام هذا؟!
ثم غير ذلك، هناك أشياء أخرى مثل اتهام سيدنا يوسف مثلًا لإخوته بالسرقة، يقول الله تعالى: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾
стр. 91
[يوسف: ٧٠]، يقول لهم يوسف: أنتم سرقتم رغم أنه يعرف أنهم لم يسرقوا وإنما فعل ذلك فقط حتى يستطيع أن يأخذ أخاه أسيرًا، ويقبض عليه، ويحبسه ليضمه إليه، لقد فعل هذه الحيلة، فكيف يفعل ذلك وهو نبي ومعصوم من الخطأ؟!
ويقول قائل آخر، ليس يوسف وحده، وإنما إبراهيم، إبراهيم (خليل الرحمن) يعبد الشمس، ويعبد القمر، ويعبد الكواكب، فلما رأى القمر قال هذا ربي، فلما رأى الشمس قال هذا ربي، فهل هذا معقول؟! كيف يعبد الشمس والقمر والنجوم والكواكب ثم يهتدي بعد ذلك؟! كيف يكون هذا، ويفعل ذلك؟! كيف يسجد لهذه الأشياء! وهل هذا السجود مباح أم غير مباح؟
الحقيقة أن هذا الكلام معناه أننا نحتاج أن نتعلم العلم، علم التفسير، ونتعلم القرآن ونفهمه؛ لأن من يقول هذا الكلام شخص لا حول له ولا قوة، حظه من العلم قليل .. وقبل أن أتكلم في القواعد العامة أريد أن أرد على هذه الأمثلة؛ لأنني أثرت شبهة لذا يجب أن أرد عليها أولاً وإلا تكون هناك مشكلة.
يوسف ﵇ لم يقع في الفاحشة، ولم يفكر، ولم يستجب حتى للمرأة، يوسف رفض وأبى تمامًا من أول لحظة لآخر لحظة، وإنما
стр. 92
عدم معرفتنا بكلمات اللغة العربية التي أوقعتنا في هذا اللبس، يقول الله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [يوسف: ٢٣]، ثم يحكي القرآن ويقول: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، أناس كثيرون يظنون أن (همت به وهم بها) بمعنى أنه كان ينوي أن يقع معها في علاقة خاطئة، من الذي قال هذا؟
كلمة ﴿وَهَمَّ﴾ تعني أنه ينوي أن يفعل شيئا، فكلمة يهم وحدها لا تكفي، لابد من كلمة وراءها تفسرها، همّ بماذا؟ من همّ بحسنة ثم لم يفعلها .. ومن همّ بسيئة ثم لم يفعلها .. هممت أن أضرب .. هممت أن آكل .. هممت أن أسافر، بماذا هم؟
فلابد من الكلمة التي وراءها، لكن قوله (همّ بها) ليست بمعنى أنه همّ أن يقع بها .. ولقد فسرت آيات القرآن نفسها.
وقبل التطرق لتفسير آيات القرآن، أحذر من الإسرائيليات؛ لأن منهج بني إسرائيل هو إهانة الأنبياء، فعقيدة اليهود من بني إسرائيل كعقيدة منهجهم .. إهانة الأنبياء والتحقير من شأنهم، هذا مبدأ من مبادئ العقيدة عندهم ..
стр. 93
فهم مثلًا يقولون إن يعقوب هو إسرائيل، وإنه صار إنسانًا عظيمًا جدًا، وأخذ النبوة بالقوة، كيف؟ وهذه الواقعة يهينون بها الله ، والله لا يُهان حاشاه ذلك، ولكنهم يقصدون ذلك، حيث يدّعون أن الله رفض أن يعطي يعقوب النبوة والرسالة؛ لأنه كان سيعطيها لأخيه الكبير، لأنه كانت سنة الله في أنبياء بني إسرائيل أن يبارك الأخ الأكبر فجعله هو النبي، وأخوه الكبير كان اسمه عيسو، فقرر الله أن يكون عيسو نبيًا، إلا أن يعقوب كان بصيرًا، فعرف أن الله ينزل بالليل ليتفقد أحوال العباد، فترصد له خلف شجرة، فلما رآه قادمًا من بعيد نظر إليه فعرفه، فانقض عليه وأنشب أظافره في عنقه وظل يصارعه وقال له: باركني، فقال له: لقد باركت أخاك عيسو، فقال له: لا، أنا الذي أستحق النبوة، فقال له: لا، عيسو، قال: لا، أنا، يقولون: فظلا يتعاركان وربنا يقول: يا يعقوب أتركني سيطلع الصبح، والعباد سيستيقظون ويجدون ربهم هكذا .. فيقول له يعقوب: لن أتركك إلا بعد أن تباركني، فظل الرب- في زعم هؤلاء المخبولين - ظل هكذا (أستغفر الله، والله ما أريد أن أقول هذا فما يليق، ولكن على كل حال الواقعة تنطق بهذا) فعندما وجد الرب الصبح قد أوشك على الطلوع، قال له: اذهب فقد باركتك، فتركه يعقوب بعد أن كان قد صرعه وأوقعه في الأرض ..
стр. 94
أي خبل هذا .. ويقولون: إن الله ففير ونحن أغنياء، ويد لله مغلولة، ما كل هذا؟! حاشا لله.
ولهم رأي في الأنبياء شديد، فيرون مثلًا أن أحد الأنبياء كان يضاجع ابنته في الحرام، وحملت منه، وغير ذلك كثير.
وقد يسأل سائل: نحن كثيرًا ما نحذر من الإسرائيليات، فلماذ نذكرها؟!
ذلك لأن قصة سيدنا يوسف حسب معظم المصادر والتي تعتمد بشكل أساسي على الإسرائيليات قد جعلت الناس يتصورون أن يوسف أوشك أن يقع بالمرأة، وكتب التفسير عندنا مليئة بالإسرائيليات، لذلك لا يصح أن ننظر إلى الإسرائيليات بشكل مطلق، فهؤلاء القوم قصدوا إهانة الله، وإهانة النبيين، ولا يعرفون لهم توقيرًا ..
لقد تمثل موقف الإِسلام من روايات بني إسرائيل أنه لا يصدقها، ولكنه لا يقول إنها كاذبة إلا إذا خالفت الوحي؛ لأنها قد تكون من التوراة أو الإنجيل قبل التحريف، فلا نصدقها ولا نكذبها، ولكن لا نحولها لجزء من أفهامنا ونذكرها في التفسير ونقول حدث كذا، فهذا حرام.
стр. 95
وبالنسبة لقصة سيدنا يوسف ﵇ فإن الدليل على أن كلمة (هَمَّ) ليست أنه همَّ بالفحشاء ما في ذكره صريح القرآن، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ﴾ [يوسف: ٢٤]، [شيئين، وليس شيئًا واحدًا] ﴿السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾،ولكن العطف يقتضي المغايرة، فالفحشاء غير السوء، وما هو السوء؟
إن الذي حدث وكما ورد في الروايات أنها وهي زوجة هذا الكبير وهو رجل من علية القوم تعرض نفسهما على عبد لها، صحيح هو عبد لكنه جميل ولطيف وشاب .. إلا أنه خادم بالنسبة لها، فقالت له: تعال وراودته عن نفسه بكلمات حلوة وتكسر وما إلى ذلك، فلما وجدت عينيه قد حملقتا وأنه رفض وغضب وقال: معاذ الله، ماذا تفعلين؟ شعرت بانهزام وانكسار نفسها وأنها أهينت، فمن شدة الغيظ ضربته، فهمت به، هو في البداية قال: راودته عن نفسه، غير همت به، همت به لتضربه، القرآن يقول: ولقد همت به، يعني قامت عليه.
إذن لو كان الأمر نفس المعنى فهو تكرار، الله تعالى يقول: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٢٣]، ثم قال (همت به) أي قامت إليه
стр. 96
لتضربه، فلما قامت إليه لتضربه هم بها ليدفعها عن نفسه، مثل قوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] (فهمَّ بها) ليدفعها عن نفسه، فحدثت بينما مشاجرة وهي سيدة وهو عبد فصار يُخشى على يوسف من أمرين، من السوء ومن الفحشاء، ومن الضرب أن يصيبه سوء بهذا الضرب، وبهذه الإهانة، وبأن تضربه بأي شيء فهذه السيدة المتحكمة تضرب خادمها، ففيها إهانة، فخشي على يوسف السوء وخشي عليه الفحشاء، فالله تعالى لكي يصرف المشاجرة عنه ولكي يصرف في نفس الوقت الوقوع في الفاحشة، فجاءهم برهان ربه، والذي هو على الراجح والذي أراه عند كثيرين من المفسرين هو بوق العزيز عندما حضر، أو شيء ما يدل على حضور العزيز سمع الأبواق أو ما يدل على حضوره .. فالمرأة خافت على نفسها أن تُفضح، ويوسف وجدها فرصة أن يهرب .. ولماذا نرى أن برهان ربه هو برهان العزيز، قبل هذه الآية بقليل استخدم القرآن كلمة الرب دلالة على الملك، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣] يقول: أنا لن أخونه بالغيب لأنه ربي، يعني مالكي، كما يقول: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]، وقال: ﴿أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١]، أي يسقي مالكه، الرجل الذي يملكه، فكلمة رب ظلت تُذكر في سورة
стр. 97
يوسف على أنها تعني ذلك الرجل الذي يملك يوسف، فلما يقول: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، يعني الدليل على قدوم موكب صاحب البيت، فلما رأى الدليل على قدوم موكب صاحب البيت أسرع الاثنان إلى الباب، وإلا فإن يوسف لو أنه بدأ يستجيب للمرأة، وبدأ يخضع لها، وسمعا ما يدل على أن صاحب البيت قادم، أكان الاثنان سيجريان إلى الباب حتى يفضحا نفسيهما، أم يجريان إلى أي مكال ليختبئا فيه؟!
إذن جريهما إلى الباب للقاء الملك معناه حدوث اختلاف بينهما، ألا ندرك ذلك؟
لو كان يوسف والمرأة متفقين، وبدأت الملاطفة بينهما وكما يقول الأسرائيليون -والعياذب لله- أنه بدأ يخلع ملابسه ليقبل عليها، لو كان كذلك لاختفى من العزيز، والديل الأقوى على ذلك قوله النساء اللاتي قطّعن أيديهن: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١]، بل شهادة المرأة نفسها: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢]، لو كانت المرأة رأته وقد بدأ يخلع ملابسه ليقبل عليها ما قالت. ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾، وإنما كانت تقول: ولقد راودته عن نفسه ولولا الظروف لوقع بي.
стр. 98
فالأدلة -وبصريح الآيات- تذكر أن يوسف قد استعصم، والمرأة شهدت بذلك، والنساء شهدن له بذلك، والجري إلى العزيز معناه ذلك، وكذلك شهادة قريبها، الذي قال: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ [يوسف]، وسيدنا يوسف قال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦]، وأنا كنت أفر منها، فالرجل قال: لا، ما دامت ملابسه قد مزقت من الخلف فإنها قد شقت ملابسه من الخلف، إذن حين يقول المولى ﵎: "نصرف عنه السوء" أي هو الضرب حيث إنه كان يجري منها وهي تجذبه؛ لأنها أدركت أنه يريد أن يفر لوكب الملك، ولو كانت تشده وهو أمامها لتقبل عليه لتقبله لتمزق القميص من الأمام، إنما الدليل على أن السوء معناه الضرب والمشاجرة أن قميصه مُزق من الخلف؛ لأنه كان يجري نحو الملك.
إذن يوسف ﵇ لم يُقبل على المرأة، ولم يوشك، ولم يفكر ولم يسترخِ ولم يستجب ولم يضعف، وإنما ظل قويًا مستعصمًا، ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣]، فاستعصم ورفض في كل لحظة، لولا أراجيف الإسرائيليين التي هم عليها، ولولا ضعف اللغة العربية وعدم فهمنا لها، لعلم الناس أن الهم بالضرب، والهم بالشجار كما ورد بالقرآن، فالآيات تقول ذلك، وأظن أن الأمر واضح.
стр. 99
كذلك نفس الأمر بالنسبة لسيدنا إبراهيم ﵊ فإن الله تعالى نفى عنه بعبارة خاصة به، عبارة جاءت له هو خصيصًا، قال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، وهذا طبيعي لأن كل الأنبياء لم يكونوا من المشركين، لكن هذه الآية لم تُذكر في غيره من الأنبياء، فالقرآن لم يذكر ذلك عن موسى أو عن عيسى أو سليمان أو داود أو يونس أو أيوب أو هارون أو صالح أو زكريا أو يحيى أو نوح أو أي نبي.
لم يقل هذا إلا عن إبراهيم فقط، لأنه ذكر أشياء وقصصًا ستجعل الناس يظنون أن إبراهيم كان في لحظة من اللحظات مشركًا، فأراد القرآن أن يقول بهذا اللفظ، (ولم يك) ونحن نعلم أن الفعل المضارع حين تدخل عليه لم، تحوله إلى أنه يفيد الماضي، فأقول مثلًا أنا لم أحضر، أحضر فعل مضارع، لكن لم أحضر تعني أنا لم أحضر من قبل، لم أر، يعني لم أر قط في الماضي، فحينما يقولى الله : ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .. يعني ليست هناك لحظة واحدة سابقة على لحظة القول كان فيها إبراهيم مشركًا، حتى في واقعة الشمس والقمر والكوكب، لأنه قال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فلو كان إبراهيم مشركًا في هذه اللحظة لما صدق عليه "لم يك".
стр. 100
ولم يقل القرآن: وما كان من المشركين، أو أنه ليس من المشركين، وإنما قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [كان رجلًا عظيما كبيرًا] ﴿قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ﴾ [قط، ولا في أي لحظة] ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]. ولكن ماذا عن واقعة الشمس؟.
إن ما فعله إبراهيم هو أنه استصحب منطق المشركين ليبين لهم خطأهم، ماذا تعبدودن؟! الكوكب .. نعم، هذا عظيم فعلًا، إنه يلمع وجميل .. وبالفعل لا يوجد مثله، أعبده؟ أنا موافق، فهذا ربي، فلما أفل قال: أنا أريد ربنا الآن، قالوا له: ربنا لا يوجد الآن لأن وقته بالليل، ولا يوجد في النهار، قال: لا، هذا لا يصلح، وذهب لعبدة القمر، وذهب لعبدة الشمس، ولعبدة البشر ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وذهب لعبدة الصنام، قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، فعندما كسر كل الأصنام، وقالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٥٩] كان المفترض أن يقول إبراهيم: هؤلاء لا يفعلون شيئًا، وإنما قال: بل فعله كبيرهم، ولكن هذا شكله كذب، وإنما بيّن الله ﵎ بكلمة عظيمهّ ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣] يعني إبراهيم لم يفعل ذلك كذبًا، ولا مخالفة، ولا انحرافًا، وإنما هو اتبع طريقة للحجة نحن أذنا له بها
стр. 101
وآتيناه إياها، ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام].
ولذلك ورد عن الإِمام أبي حنيفة قصة لطيفة، حيث إنه كان على موعد مع جماعة من الملحدين ليناظرهم، فتأخر عليهم، فقالوا: انظروا، أبو حنيفة الذي كان ينوي أن يعلمنا الإِسلام خاف منا، ولم يستطع مواجهتنا، جاء متأخرًا، وجاء أبو حنيفة وقال لهم: معذرة، تأخرت عليكم، ولكنني عندما أردت أن أعبر النهر إليكم لم أجد سفينة، ثم فجأة وجدت الأمواج ترمي الأخشاب، ثم استقامت تلك الأخشاب من تلقاء نفسها، ثم صنعت سفينة ثم جاءتني فركبتها فجئت إليكم، فقالوا: ما هذا؟ أأحضرتم لنا شخصًا مجنونًا؟ وهذا بالطبع لم يحدث، ولكن أبا حنيفة ألّف هذه القصة ليقول لهم لا صنعة بغير صانع، لا مركب بغير صانع، وبالتالي لا كون بغير خالق وهو الله ، أبو حنيفة كان يكذب؟ لا، وإنما كان يسير وفق ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ كذلك في واقعة يوسف- ﵊ فإن الله تعالى قال: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦]، فما فعله كان بمشيئة من الله .. إذن لا بد أن نفقه ديننا، وأن نفقه أن الأنبياء هم الأكرمون، وأن الله تعالى يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [مريم: ٥٨] وأن الله
стр. 102
أتم عليهم فضله، وأنهم على الجادة، وأنهم معصومون، وأن ما جرى من سوء فهم عند المسلمين لآيات القرآن إنما هو في حقيقة الأمر ضعف منا.
وأختم حديثي عن عصمة الأنبياء بلفت الأنظار إلى الخشية من الله، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] يعني لا يخشى الله من العباد إلا من كان عالمًا، والعالم يعني أنت، مَن تعلم آيات القرآن وفهمها فهمًا صحيحًا وهذا لا يعقله إلا العالمون، حيث إن العلم الخشية، والخشية من الله تعالى لا تتحقق إلا بهذا التناول لآيات الله، فاستقيموا على هذا المنهج، واستمروا عليه، ولعل الله أن يفتح لنا أبوابًا تصل بنا إلى رحمة الله .
стр. 103
تعدد الزوجات
стр. 104
تعدد الزوجات
إن تعدد الزوجات لا نناقش فيه الله في حكمه أبدًا، ولا يمكن أن يناقش عبد ربه في حكمه إلا كفرًا، وإنما نحن نتدبر الآيات، ونفهمها كما أمرنا ربنا ، والفارق كبير حيث إن من يتدبر هو إنسان يقدم في الإيمان أولًا والإذعان، ويعلم أن ما يقوله الله حق، وأن القرآن كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه كتاب مطهر مبرأ وأنه الخير للبشر، وأنه كتالوج البشر .. ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن] وأن هذا القرآن الكريم إنما هو إنقاذ للبشرية، وأن الذي شرعه هو وحده الذي يعلم، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]، من الذي يعلم؟ هل الإنسان أعلم أم الله؟
نحن نوقن بذلك ونسلم به، ثم نتناول الحديث عن تعدد الزوجات؛ لنتدبر، ولنفهم، ولنتعظ .. أما الذين يقولون لله لن نطبق أمرك إلا بعد أن نفهم، فهؤلاء حتى ولو طبقوا كفار، وحتى ولو فهموا كفار؛ لأنهم عبدوا عقولهم لا ربهم، عبدوا اقتناعهم لا ربهم ..
стр. 105
بينما المسلم يعبد الله بأن يسلم له، اقتنعت أم لم تقتنع .. أنا مُسلم، ولكنني أفهم بعد ذلك من أجل أن أتعايش مع الشرع وأفهمه ..
هذا هو ديننا، من أراد أن يؤمن فليؤمن، ومن أراد أن يكفر فليكفر، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] .. ليس الكفر هو عدم العلم بالله، إنما الكفر قد يكون علمًا ورفضا، مثل إبليس هو يعلم ربه علم اليقين، يقول له: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ [ص: ٨٢]
.. بعزتك لأغوينهم، تجعل عزة الله مقابلها أنك تغوى عباد الله .. إذن نحن نسلم لله رب العالمين.
إن الآيات التى سأطرحها في الحقيقة تناولها صعب، صعبًا نفسيًا، وليس علميًا؛ لأنها تتعلق بتعدد الزوجات، وتعدد الزوجات قضية تؤذي مشاعر نصف الخلق، النساء، وتؤذي مع المرأة أحيانًا أباها وأخاها وأمها، فهي قضية تثير المشاكل، وفي نفس الوقت يلتقطها أعداء الإِسلام ليغزلوا حولها وينسجوا، لكنني أتناول ما يقع في سمع المسلم من آيات، فتأتي امرأة فتقول: القرآن واضح جدًا وضوح الشمس في رابعة النهار، القرآن يقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ثم واحدة لمن لا يستطيع.
стр. 106
إن الذي لا يقدر أن يعدل ويقيم العدل بين النساء يتزوج واحدة، ثم يأتي في نفس السورة، في أول سورة النساء، فيقول: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] ..
إذن من لا يستطيع أن يقيم العدل والقسط والمساواة بين النساء فليكتفِ بزوجة واحدة، وهنا يقول إنك لن تستطيع العدل بين النساء مهما كنت حريصًا عليه ..
إذن الحكم واضح جدًا، ما دمتم لن تستطيعوا أن تعدلوا ولن تستطيعوا فالحكم واضح جدًا وهو الاكتفاء بزوجة واحدة .. فهل هذا صحيح؟
في الحقيقة هذا غير صحيح، وكما ذكرنا أننا نحرر الحكم الشرعي كما أراده الله، وليس كما يريده رجل أو كما تريده امرأة، الحقيقة أن هذه الآية من سورة النساء التي تقول: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ جاءت في سياق مهم جدًا، سياق الرجل الذي يكون متزوجا باثنتين مثلًا ويحب واحدة منهما، ويميل إليها ميلًا شديدًا، ويتجه إليها اتجاهًا شديدًا فيظل يميل إليها، ويتجه إليها حتى يشعر بنشوز أو إعراض عن الأخرى تمامًا، فنزلت الآية لتدافع عن المرأة المهملة، المرأة التي يتم إهمالها، فكانت الآية دفاعًا عن المرأة التي
стр. 107
تُهمل، قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء] ثم قال للرجال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [فلم يعقب على ذلك بقول فلا تعددوا، وإنما قال] ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] فما معنى ذلك؟
إن العدل له مجالان وليس مجالًا واحدًا، المجال الأول العدل المادي، وهو العدل في الإنفاق، والعدل في الأوقات التي يقضيها معهما فيساوي بينهما في الوقت وأيضًا في الفسح وفي الطعام والكساء وكذلك في الذهاب لأسرتها وهكذا ..
إنما هناك العدل الآخر وهو العدل القلبي .. في امرأة أدخل عندها فتكون لطيفة مبتسمة، هناك زوجة تجهز لزوجها حكايات وروايات لكي تأسر لبه وتجعله مرتاحًا إلى الجلسة معها، وزوجة تعد لزوجها مشاكل ومشاجرات، تقول له: أرأيت ما حدث اليوم؟ لا بد أن تجد تصرفًا في أمر كذا وكذا، فهو يعدل بينهما .. لكنه يأنس بجلسة هذه أكثر، ويحبها أكثر .. حتى وإن كان مكرًا أو دهاءً مال إليها، فالإِسلام
стр. 108
فرض على الرجل - وهذا في الحقيقة شيء مهم جدًا- فرض عليه العدل في الأمور التي يملكها حتى في الجماع وقد لا يكون الجماع بالتساوي تمامًا، ولكن بشرط ألا يقصد أن يوفر قوته من امرأة لامرأة أخرى، وإنما في الأمور القلبية التي، لا يستطيعها.
لذلك كان النبي ﷺ يقول: "اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيها لا أملك" ..
إن قضية الغيرة قضية بشريهّ، فمثلًا لو رزقت أسرة بطفل يهتمون به ويطعمونه ويكسونه ويفرحون به ويلاعبونه .. ثم حملت الأم ورزقت بطفل ثانٍ، تجد الطفل الأول يغار غيرة شديدة من أخيه، ويضربه، ويمكن أن يدفعه من السرير ليسقطه على الأرض، وأظن أن الناس كلهم يعلمون ذلك، أن الطفل الأول يغار من الثاني، فهل معنى ذلك أن نحرّم الطفل الثاني؟
بل في المكتب الموظف الأول الذي ظل موظفًا تحت يديه ١٠ أو ١٥ سنة ثم نما العمل فأتيت بموظف آخر، الموظف الأول يغير من الثاني، بل لو أن هناك رئيس جمهورية عين نائبًا له، وأظن هذه وقائع مشهورة ومعروفة والناس يفهمونها جيدًا ولا داعي للأسماء، نائب رئيس جمهورية منفرد، ثم مرة أخرى أصدر الرئيس قرارًا بتعيين نائب ثان له وأصبح هناك نائب أول ونائب ثان، فتجد أن النائب الأول
стр. 109
يتمزق غيظًا من النائب الثاني، معنى ذلك أن أحرم في المكتب أن أعين موظفًا ثانيًا، أو لا أنجب ولدًا ثانيًا، وأحيانًا والد الزوجة يغير من والد الزوج أو العكس، أو أم الزوجة تغير من أم الزوج، تقول لك: أول يوم رمضان عليك أن تفطر عندنا، لكن الجماعة الآخرين يريدوننا أن نفطر عندهم .. فهذه مسائل موجودة، فهل نقتل أبا الزوج وأبا الزوجة، أو نقتل الأولاد، أو نقتل نواب رئيس الجمهورية، أو الموظفين؟
إن كل ما في الأمر أن الشخص الذي يسبق إلى مكان يريد أن يحتل هذا المكان ولا يريد أحدًا بجانبه .. وهذه سنة بشرية ..
ولذلك أنا دائمًا أقول إن تعدد الزوجات ليس قضية بين رجل وامرأة، إنها قضية نسائية نسائية، إنها قضية عند المرأة ..
في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية كان التعداد أن الرجل الواحد يقابله ست نساء، فلو أن كل امرأة تزوجت رجلًا صار هناك خمس نساء عانسات.
لذلك عندما تأتي على امرأة وتقول لها أنت تكبرين وسنك أصبحت ٤٠، ٤٥، ٥٠، ٥٥، ٦٠ سنة وأنت وحدك، هل تفضلين أن تكوني زوجة ثانية أم تكوني عانسًا؟
стр. 110
إن الرجل ليس لديه مشكلة، هو في كل وقت معه امرأة، لكنك أنتِ أيتها المرأة في حالة عدم التعدد فإنكِ امرأة ليس عندها رجل، فأصبح الرجل في حالة عدم التعدد رجلًا عنده امرأة على كل حال، والمرأة امرأة ليس عندها رجل، وهنا المشكلة.
ولذلك في بعض بلاد الخليج نشأت جمعيات نسائية تضغط على النساء، تقول لها: حرام أن تبقى في المجتمع هذه النسبة من العنوسة والضياع .. اقبلي أن تكون هناك زوجة ثانية، ومن عجيب الأمر أنه لا يوجد مجتمع بشري على ظهر الأرض لا من حيث المكان ولا الزمان منذ أن خلق الله الأرض وحتى الآن لا يوجد مجتمع بشري ليس فيه تعدد نساء للرجل، لا يوجد، لكن الفرق في الحلال، يعني أوروبا مليئة بالزنا، أمريكا مليئة بالزنا، أفريقيا مليئة بالزنا، آسيا مليئة بالزنا، لا يوجد مجتمع واحد ليس فيه ذلك، كل ما في الأمر أن الإِسلام حوّله لشيء منضبط لا عربدة.
نسمع رجلًا يقول: أنا لا أدري كم امرأة عاشرت ربما ٦٠ أو ٧٠ وعندي أبناء في كل أنحاء العالم وأظن أن هذا الشخص معروف، هذا الشخص قال ممكن يكون عندي ٥٠ أو ٦٠ ابنًا ولا أعرفهم، هذه عربدة ..
следующие страницы →