← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 98123

شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح

ابن مالك

Полный текст (280 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شَوَاهِد التَّوضيح وَالتَّصحيح لمشكلات الجامع الصَّحيح تأليف جَمال الدين بن مالك الانَدلسىِ المتوفى سنة ٦٧٢ هـ تَحقيق الدكتور طَه مُحسِن مكتبة ابن تيمية

стр. 2

شَوَاهد التَّوضيح والتَّصحيح لمشكلات الجامع الصحيح

стр. 3

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ الطبعة الثانيةْ ١٤١٣ هـ

стр. 4

الاَّهداء الى ام عُمرَ ومضرَ وعائشة

стр. 5

بِسم اللهِ الرحمِن الرَحيِم. المُقَدمَة أشهر النحاة الذين عرفهم تاريخ النحو العربي في القرن السابع للهجرة وما بعده أبو عبد الله جمال الدين محمد بن مالك الطائي، المولود في الأندلس سنة ست مئة للهجرة، والمتوفى في دمشق سنهَ اثنتن وسبعين وست مئة للهجرة، بعدما ترك مصنفات في العربية ونحوها، نالت شهرة عريضة، وشغل بها الدارسون من بعده، وظلت أساسًا لأكثر الدراسات النحوية الى اليوم. وكّتابه "شواهد التوضيح والتصحيع لمشكلات الجامع الصحيح" من خيرة الكتب التي تكشف عن اسلوبه في النقاش، وتبين سعهَ افقه واحاطته بشواهد اللغة. وهو من أبرز الاصول في موضوع الاحتجاج بالحديث الشريف فِى الدراسات النحوية، ولا يستغني عن الرجوع اليه باحث في هذا الجانب من لغة القران الكريم. طبع الكتاب لأول مرة في إله آباد بالهند عام ١٣١٩ هـ. ثم نشره عن هذه النسخة المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي بعدما خرّج نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف ومجموعة من شواهد الشعر وضبطها. وخلال مطالعتي للكتاب أحسست وأنا أنعم النظر في بحوثه بأنَ ثمة نصوصًا ناقصة وألفاظًا محرفة، وتصحيفات شوهت آراء مؤلفه، وأوقعته في مَظِنّة ارتكاب الخطا. فدفعني هذا الى معارضة المطبوع على بعض مخطوطاته، وخلصت بعد المقابلة الى صحة ما رأيت، فرحت اسجل ما وجدته يخدم الكتاب من التقويم والاصلاح، حتى تجمعت ملاحظات أستطيع تلخيصها في الامور الآتية: الأمر الأول- سقوط ألفاظ وعبارات بسبب انتقال البصر أو رداءة الأصل أو عدم الدقة في النقل. والثاني- وقوع أخطاء تتصل برسم الحروف وشكلها، وتحريف كلمات شوهت المتن. والثالث- ورود شواهد على غير جهتها التي هي مراد المؤلف في الاحتجاج، على الرغم مما بذله المحقق في تخريجها.

стр. 6

والأمر الرابع- إثبات المحقق زيادات في المتن من غير أن ينبه عليها. وظهرت أكثرها في عنوانات الأبحاث وتسلسلها؛ لأن ابن مالك لم يضع شيئًا منها لكتابه كما دلت المخطوطات. وكانت العنوانات غير دقيقة أحيانا؛ لأنها لم تنبى عن حقيقة البحوث، ولم تحددها بصورةٍ جامعة. وهي إلى ذلك تضمنت أخطاءً علمية ولغوية، مع اضطراب ترتيبها أحيانًا، وعدم جريانها على سنن واحد في البحوث من حيث الطول ومن حيث المادة. وقد نبهت على أكثر ما وقع في المطبوعة من التحريف والوهم في مقال لي (١) كانت الغاية منه خدمة الكتاب، وبيان حقيقة نشرته، ليكون الباحثون على بينة من الأمر، ولكيلا يقعوا في أخطاء ليسوا عارفين بها, ولا ينسبوا إلى ابن مالك مالا يرتضيه من آراء (٢). فالنص الصحيح والاستنباط الدقيق متلازمان في البحث العلمي تلازم الروح والجسد، لا يستغني أحدهما عن الآخر. وكم من رأي ضعيف نُسب إلى عالم بسبب الاعتماد على كتاب لم تتوفر له الخدمة عند التحقيق والطبع. ومن هنا وجدت الأسباب داعية إلى اعادة تحقيق هذا السفر النفيس بعدما توفر من مخطوطاته مايوجب القيام بالعمل. ودفعني إلى ذلك أكثر انقضاء ما يزيد على ربع قرن على صدور نشرة المرحوم محمَّد فؤاد عبد الباقي. وخلال هذه الفترة طبعت جملة من مصنفات ابن مالك، وظهرت أصول جديدة، ومراجع متعددة في الدرس النحوي وشواهده، يمكن الركون إليها في تخريج الآراء والنصوص، وضبط الشواهد، لكي يخرج النص بالمنزلة التي تليق به. قدمت بين يدي" شواهد التوضيح" دراسةً ابتدأتها بتحقيق اسم الكتاب،

стр. 7

ونسبته إلى ابن مالك، ثم بينت دوافع تأليفه وزمنه ومادته، وتكلمت على منهج الكتاب واسلوبه، ودرست شواهده وطريقة الاستشهاد فيه. ووضحت بعد ذلك قيمة الكتاب، وأبديت بعض المآحْذ عليه. ثم ختمت الدراسة بوصف المخطوطات المعتمدة، وطريقتي في التحقيق وخلصت من ذلك الى ايراد النص محققًا ومقابلًا على أربع مخطوطات، متبعًا الطريقة العلمية، ومستفيدًا من تجربتي في هذا الميدان. وقصرت تعليقاتي على ما يخدم المتن من الإيضاح دون إثقاله بحواش لايفيد منها الباحث أو القارئ. ولم أجد بي حاجة إلى التعريف بمؤلفُ الكتاب "جمال الدين بن مالك". فهو صاحب "الألفية" و"التسهيل". وشهرته تغنى عن التعريف به. ولا اريد أن اكرر ما ذكره الباحثون قبلي، وبسطوا القول فيه؛ فقدْ عَرَّفوا بحياته وبآثاره في مقدمة كتبه التي قاموا بتحقيقها. وبعد: فهذا كتاب "شواهد التوضيح والتصحيح" اقدمه إلى القارئ الكريم بثوب جديد. وقد بذلت في سبيل اخراجه اخراجًا صحيحًا ما يحتمله جهدي، وأعطيته الوقت ما ملكت، ولم أضن عليه بالاخلاص والصبر والوقت. وأملي كبير في ان أكون قد وفقت إلى اسكمال ما كان في طبعته السابقة من نقص أو قصور. ولا يفوتني في الختام ان ازجي خالص شكري، وجزيل ثنائي إلى أخي الأستاذ الدكتور حسين تورال، الذي أرسل الىّ مخطوطتين من "شواهد التوضيح" كتبت إحداهما عام ثمان وستين وست مئة، في عصر المؤلف ابن مالك. وقد تجشم عناء تصويرهما من مكتبات تركيا. فرفع فى مبادرته هذه الحرج الذي كان يخامرنى حين انهيت التحقيق على المخطوطتين العراقيتين، وجعلني أطمئن إلى ان ما اعتمدت عليه من المخطوطات الأربع يكفي لاخراج النص اخراجًا صحيحًا. ومن الله استمد التوفيق والرشاد. الدكتور طه محسن عبد الرحمن بغداد - وزارة التربية

стр. 8

اسم الكتاب ونسبته إلى ابن مالك نص المؤلف في الصفحة الأولى من الكتاب على اسمه فقال: (هذا كتاب سميته شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح). وذكرت المراجع التىِ استعنتُ بها هذا الاسم. واتفقت عليه مخطوطات الكتاب التي نظرت فيها، إلا واحدة هي مخطوطة مكتبة الأوقاف المرقمة (٦٥٨١)، إذ كتب اسم الكتاب في صفحة العنوان منها (التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح). وسقوط كلمة "شواهد" هنا سهو من الناسخ؛ لأنه أثبتها في الصفحة الأولى من المخطوطة نفسها في قول ابن مالك (هذا كتاب سميته شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح). وقد يختصر العنوان فيقتصر على "شواهد التوضيح". ومثل هذا الاختصار شائع في عنوانات الكتب الطويلةِ عند القدماء والمحدثين. وأما نسبته إلى ابن مالك فلم أجد خلافًا فيها. ولم تصادفني صعوبة في تحقيقها. فالمصادر القديمة التي ذكرت الكتاب متفقة على نسبته إليه، وذكر اسمه على المخطرطات التي قرأت عنها في الفهارس، أو التي اطلعت عليها. وليس فيها ما يخالف ذلك. ويؤيد صحة هذه النسبة ما نقله الباحثون على اختلاف عصورهم من الكتاب معزوًا الي مؤلفه. ووجدت النصوص المنقولة في هذه الأصول مطابقة لما في "شواهد (٣) التوضيح". وأضيف إلى ما ذكرت من الأدلة التطابقَ الواضح بين اسلوب الكتاب وآراء مؤلفه وشواهده مع ما يرد من ذلك في مصنفات ابن مالك الأخرى الثابتة له، مثل "شرح تسهيل الفوائد" و"شرح عمدة الحافظ" وغيرهما.

стр. 9

دوافع تأليف الكتاب بعد أن هاجر ابن مالك من الأندلس وإستقر بدمشق، اشتهر بنبوغه وتمكنه من الدراسات اللغوية والنحوية. فطلب إليه فضلاء المحدثين والحفاظ أن يوضح ويصحح لهم مشكلات ألفاظ وروايات وردت في كتاب "الجامع الصحيح" لأبي عبد الله البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هـ. فأجابهم إلى ذلك، ووضحها وصححها في أحد وسبعين مجلسًا. (٤) وفي ذلك يقول ابن مالك (وكان السماع بحضرة جماعة من الفضلاء، ناظرين في نسخ معتمد عليها، فكلما مر بهم لفظ ذو إشكال بينت فيه الصواب، وضبطته على ما اقتضاه علمي بالعربية، وما افتقر إلى بسط عبارة، وإقامة دلالة أخرت أمره إلى جزء أستوفي فيه الكلام مما يحتاج إليه من نظير وشاهد، ليكون الانتفاع به عامًا، والبيان تامًا إن شاء الله تعالى). (٥) ومن هذا الكلام نفهم أن "شواهد التوضيح" هو الجزء الذي قام يستوفي الكلام فيه على ما يحتاج إلى شاهد ونظير. ولكن الذى ينعم النظر فى مباحث الكتاب يستطيع ان يضيف دافعًا آخر، وهو تصدِّي ابن مالك لمناقشة مسائل كانت في الغالب محل خلاف بين النحاة، وأنه رغب في أن يسدّ خللًا رآه في مناهج الذين لم يستقروا الكلام العربي كما يجب، أو اطرحوا كثيرًا من الشواهد النثرية الفصيحة، ولاسيما التي احتفظت بها كتب الحديث وكتب غريبه، فلم يكن له يدّ من تصحيح ما ذهبوا إليه، منطلقا من نصوص "البخاري"، لما له من إحترام وإكبار في نفوس المسلمين. وأرى أيضًا أن المؤلف حاول أن يقرر مسائل نحوية لم يتسنَّ له ان يضم أكثرها إلى أبواب كتب النحو ذات المنهج التقليدى المعروف، فأدرجها في هذا المصنف. ومنها موضوعات تتصل بعلم المعاني، مثل مسائل الاستفهام والجواب وعود الضمائر ومعاني الحروف وغيرها.

стр. 10

زمن تاليف الكتاب ليس بين ايدينا ما يحدد السنة التي أنهى المؤلف وضع كتابه فيها. إذ لم أظفر بما يدل على ذلك أو يشير إليه. ولكن الباعث الأهم الذي ذكرته في دوافع التأليف يقول إلى القول بأنه من مصنفات ابن مالك المتأخرة؛ ذلك لأنه جاء نتيجة قيامه بالاشراف على مقابلة مخطوطات "الجامع الصحيح" (٦) بطلب من العالم المحدث شرف الدين اليونيني (٦٢١ هـ - ٧٠١ هـ) (٧)، مما حبب إليه جمع الملاحظات اللغوية والنحوية التي عنّت له في أثناء المجالس الاحدى والسبعين، وتعضيد مسائلها بالشاهد والدليل، ثم ضمّنها كتابًا مستقلا. وفي ذلك يقول القسطلاني (كان الجمال بن مالك لما حضر عند المقابلة المذكورة إذا مر من الألفاظ ما يتراءى أنه مخالف لقوانين العربية قال للشرف اليونيني: هل الرواية كذلك؟ فان أجاب بأنه منها شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه، ومن ثم وضع كتابه المسمى بـ "شواهد التوضيح") (٨) ومن الثابت إلاَّ ينهض بمثل هذا العمل الدقيق إلا عارف بالنحو، متمكن من اللغة، مشهور بين الناس بضبطه وعميق عرفانه بالعربية. ولا يتم ذلك إلا بعد أن سارت مؤلفاته في الآفاق واشتهرت. ونلمح في الكتاب آراء المؤلف النحوية واللغوية واضحة جلية، فيها نضج، وتتسم استنتاجاته بالدقة، ويبدو تمكنه من الاستدلال بالشواهد المستفيضة، ومناقشة آراء أكابر النحاة بالحجة المبيّنة.

стр. 11

مادة الكتاب تبين مما تقدم أن ابن مالك كان يريد من وراء الكتاب في ظاهر الأمر الاحتجاج لما ورد من مشكلات في ألفاظ حديث "الجامع الصحيح" للبخاري والاستدلال على فصاحتها وموافقتها لكلام العرب، وتوجيه اعرابها على وفق القواعد النحوية. وقد بلغ ما احتج له أو وجه إعرابه مئة وثمانين حديثًا. وهذا يعني أن مادة الكتاب تنحصر في موضوعات اللغة العربية، إذ بلغ ما ورد منها فيه حوالي مئة وستين مسألة ما عدا المكرر منها، وهو يزيد على العشر. وتحظى مادة النحو بالنصيب الأوفر من الشرح، إذ لم تزد مسائل الصرف على السبع، وما يتعلق باللغة وتفسير اللفظ ورد في أربعة مواضع، وما عدا ذلك فهو يختص بالموضوعات النحوية. فالكتاب إذن من مصادر الدراسةة النحوية المفيدة التي امتازت بجديتها، وتكمن اهميتها في الاستعانة بنصوص الحديث والاحتجاج به، والاعتماد عليه في بناء الأحكام اللغوية. منهج الكتاب وأسلوبه صدّر المؤلف كتابه بعبارة (هذا كتاب سميته شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح) من غير أن يضع له مقدمة يبين فيها منهجه وطريقته ودوافع تأليفه. وإذا كان الكتاب يخلو من التبويب ومن تقسيم الموضوعات إلى الفصول أو ما يشبهها، فانى أرى أن عدد المجالس التي أتم بها المؤلف الأشراف على مقابلة مخطوطات "الجامع الصحيح" هي التي تركت أثرها في تقسيم الكتاب على واحد وسبعين بحثا تخلو كلها عن العنوانات ومن التسلسل العددي. ولأجل التفريق بين كل بحث والذي يليه فقد كان المؤلف يفتتح كل بحث بلفظ "ومنها" ثم يأتي بنصوص "صحيح البخاري" التي يراها مشكلة، وبعدها يوجه إعرابها مبتدئًا كلامه بلفظ "قلت".

стр. 12

وهذه الطريقة -أعني "منها ... " ثم "قلت ... "- هي التي اطردت من أول الكتاب حتى آخر بحث فيه. وبلغ ما اختاره من المشكل مئة وثمانين نصًا (٩) منها سبعون حديثًا للنبي ﷺ ، وتسعون من كلام الصحابة، وحديث واحد لعمر بن عبد العزيز من التابعين، وما بقي فهو من كلام ورقة بن نوفل وأبي جهل وهرقل وصاحبة المزادتين وغيرهم ممن عاصر النبي ﷺ أوجاء بعده بقليل. والجامع لهذه النصوص كلها ورودها في "صحيح البخاري" على أنها مشكلة في رأي ابن مالك (١٠)، سواء أكانت في رواية واحدة أم جاء إشكالها بسبب الاختلاف الواقع في روايات النسخ المخطوطة للجامع الصحيح. وكان المؤلف يذكر الاختلاف في الروايات أحيانًا، ويترك ذكره في أغلب الأحيان. وطريقة البحث بجملتها تقوم على إثبات نص الحديث وتعيين محل الاشكال فيه، ثم يوجه المؤلف اعرابه مستعينا بالتمثيل والاحتجاج بالنصوص الفصيحة، مقدمًا شواهد النثر على النظم، وذلك واضح من طريقته وبعض اشاراته، كقوله (والجواز أصح من المنع, لضعف احتجاج المانعين وصحة استعماله نثرًا ونظمًا) (١١) وقوله: (وحذف كان مع اسمها وبقاء خبرها كثير في نثر الكلام ونظمه، فمن النثر قول النبي ﷺ ... ومن النظم قول الشاعر ... ) (١٢). وإذا تنوعت الشواهد على المسألة الواحدة نراه يقدم نصوص القرآن والقراءات على غيرها، ويقدم في الغالب شواهد الحديث على أقوال العرب والنظم، ويقدم أقوال العرب النثرية على شعرهم. وربما يكتفي عند إلاحتجاج على مسالةٍ ما بالقرآن وحده، أو بالحديث دون غيره، أو بأقوال العرب، أو بأبيات من الشعر فقط. وسأفصل هذا الجانب في بحث "الاستشهاد" إن شاء الله.

стр. 13

ولا يستطيع القارئ أن يفهم المقصود من "المشكل" عند المؤلف، لأنه لم يبينه في الكتاب، وليس في المنهج الذي سارعليه ما يفسره. واذا جاز أن اوضح معناه هنا، بعدما أبهم تعريفه، فاني أرى أنه النص الوارد على خلاف الاستعمال المطرد للاسلوب العربى، وجاء على وفق ما منعه النحاة أو حكموا على مثله بالضرورة أو الشذوذ، أو لم ينبهوا على وروده في الكلام. وهذا المفهوم لا ينطبق على كل الأحاديث التي تصدى المؤلف لتوجيه إعرابها، وتصويب إشكالها، لأن كثيرًا منها ورد على وفق الاستعمال الصحيح المطرد عند العرب، ولم يختلف النحاة في استقامة اسلوبها. وبسبب اغفال تحديد مفهوم "المشكل" وجدت المؤلف يسلك طرائق في التعامل مع الأحاديث التي صدر بها البحوث: فهو تارة يتصدى لتصحيح توجيهات اعرابية فيها خلاف بين النحاة، متخذًا من نص البخاري وسيلة الى ذلك، مثل مناقشة اعراب "يا" في قول ورقة بن نوفل (يا ليتني)، أهي للنداء أم للتنبيه، وذلك في البحث الأول. والمعروف أن "يا ليتني" اسلوب عربى لا إشكال فيه، والخلاف بين النحاة فيه شكلي ليس غير. وينسى أحيانا أن عمله هو الاحتجاج لما يورده مشكلًا من الحديث، فيعد الحديث الذي يثبته ابتداءً شاهدًا نحويًا، يجيز به ما يشبهه من أساليب، من غير أن يعضد ذلك الحديث بالشواهد الاخرى على حسب المنهج الذي يدل عليه عنوان الكتاب. ومن ذلك اتخاذ الحديث (ما إحبّ أنه يحوّل الى ذهبًا) شاهدًا على استعمال "حوّل" بمعنى "صيّر" (١٣). وقد يتخذ من الأحاديث منطلقا الى بحث نحوي لم يجده تامًا في كتاب قبله، فيفصل الكلام عليه، ويناقش النحاة فيه، ويلوح هذا في البحث الرابع، وهو موضوع اتصال الضمائر وانفصالها، وليس فى أحاديثه التي عدها مشكلة ما يخالف الاستعمال الفصيح. ويتصدى أحيانا اخرى لتفسير ألفاظ من الناحية اللغوية حسب، من غير أن يقدم الشواهد عليها، كما فعل في تفسير لفظ "أضيبع" في البحث السادس والخمسين، والفعل "صُرف" في البحث الخامس والستين. وربما يتعرض لبيان الأوجه الاعرابية الجائزة في لفظ من ألفاظ الحديث بينما

стр. 14

المروي منها وجه واحدٌ أو وجهان. كما نجده في لفظ "يغتسل" في البحث السادس والخمسين، ولفظ "يحبسها" في البحث الستين. وقد يتخذ من الحديث دليلًا على جواز بعض الاستعمالات التي منعها نحويون قصرت جهودهم عن الاستقراء الصحيح، فيقدم الأدلة على ذلك، مثل البحث الثاني "في وقوع الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا". وربما يوجه اعراب بعض الأحاديث ويصحح إشكالها، ويحتج لها، وهو الهدف الذي وضع الكتاب من أجله، ودلّ عليه عنوانه. * * * * * استعرض ابن مالك مجموعة من آراء النحاة واللغوين، وناقش طائفة منها. ويأتي في مقدمة الذين أخذ عنهم أو رد عليهم: سيبويه "ت ١٨٠ هـ" ذكره في اثني عشر موضعًا، والأخفش "ت ٢١٥ هـ" ذكره في عشرة مواضع وهما بصريان، يليهما الفراء "ت ٢٠٧ هـ" ذكره في ستة مواضع. ثم الكسائي "ت ١٨٣ هـ" والمبرد "ت ٢٨٢ هـ" ثم الفارسي "ت ٣٧٧ هـ" وابن جني "ت ٣٩٢ هـ" والزمخشري "ت ٥٣٨ هـ". وذكر مرة واحدة كلًا من ابى عمرو بن العلاء "ت ١٥٩ هـ" والخليل "ت ١٧٥ هـ" ويونس بن حبيب "ت ١٨٢ هـ" وقطرب "ت ٢٥٦ هـ" والرماني "ت ٣٨٤ هـ" وابن السيد البطليوسي "ت ٥٢١ هـ" وابن الشجري "ت ٥٤٢ هـ" وابن خروف "ت ٦٠٦ هـ". وربما استعمل عبارات عامة، مثل "النحوين" و"أكثر النحوين" و"بعض النحويين" و"البصريين" و"الكوفيين" و"أكثر الناس" ... وليس من شك في أن المؤلف استفاد من مصادر متنوعة في النحو واللغة والقراءات والتفسير والحديث وغيرها مما أعانه على النقاش والحجاج. ولكنه لم يذكر من أسماء المصادر إلا القليل؛ لأنه اكتفى بذكر مؤلفها. ويتفرد من مصادر النحو "كتاب سيبويه" الذي اعتاد أن يشير إليه باسم مؤلفه، أو يذكر عنوان الباب الذي يقتبس منه، زيادة في التثبت. ومن كتب الحديث إضافة إلى "الجامع الصحيح" للبخاري يبرز "جامع المسانيد" لابن الجوزي "ت ٥٩٧ هـ" الذي استعان بأحاديثه في عشرة مواضع، و

стр. 15

"غريب الحديث" الذي لم يذكر مؤلفه، اضافة إلى ذكره رواة الحديث كالدارمي "ت ٢٥٥ هـ" وابن ماجة "ت ٢٧٣ هـ" وأبي داود "ت ٢٧٥ هـ" والترمذي "ت ٢٧٩ هـ" الذين نقل عنهم قول النبي ﷺ (يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدّث بحديث من حديثي ... ) (١٤). ومن كتب التفسير ذكر "الكشاف" للزمخشري مرتين. وذكر من كتب القراءات "المحتسب في تبيين وجود شواذ القراءات" لابن جني مرتين أيضًا. ولا يعني اعتماده على هذا العدد من "المؤلفين أن كتابه صار كدسًا لنصوص منقولة يملأ بها فراغًا عند التصنيف، وإنما كان يلخص الفكرة الواردة في الكتاب المتقدم، ويشير إليها إشارة دقيقة ومختصرة. وصفحات الكتاب التي تتردد فيها الأسماء كلها شواهد على هذه الطريقة التي برزت من خلالها آراء ابن مالك معضدة بالأدلة والبراهين من كلام العرب. ولم يلجأ إلى النقل الحرفي -إذا استثنينا الشواهد- إلا في ثلاثة مواضع، أخذ في كل منها اسطرًا من كتاب سيبويه اقتضى المقام الاحتكام إلى كلامه حرفيًا. (١٥) وعلي الرغم من أن الكتاب يختص بموضوعات اللغة العربية ألا أن المؤلف لم يضع منهجا معينا لدرس مسائلها، فلا هو جمع مسائل كل موضوع وخصص لها بحثا مستقلًا على وفق ما نجده في الكتب النحوية، ولا هو اقتفى أثر البخاري في تبويب "الجامع الصحيح" الذي هو محور الدراسة. وإنما كان يختار حديثًا مشكلا يشرحه في بحث مستقل أوحديثين أوثلاثة، ربما يصطفي عشرة أحاديث من أبواب متفرقة من "صحيح البخاري" ويدرجها في بحث واحد. ومن هنا يتبين سبب التفاوت بين البحوث من حيث الطول. فبينما نجد بحثًا في صفحة واحدة، درست فيه مسألة واحدة، يلقانا بحث شغل ست صفحات أو سبعًا، تكلم فيه المؤلف على مسائل متعددة قد تبلغ العشرة أحيانًا، وتتضح هذه الظاهرة أكثر فيما بعد البحث الخمسين. والمسائل المندرجة في البحث الواحد تفتقد في الغالب وحدة الموضوع الذي يجمعها، فهي أشتات من موضوعات نحوية جاءت نتيجة تنوع الأحاديث البخارية المختارة، وربما تجتمع مسائل اللغة والصرف والنحو معًا.

стр. 16

وعلى سبيل المثال ضم البحث الخامس والستون سبع مسائل منها: - استعمال "في" بمعنى باء المصاحبة، - ومعنى الفعل "صُرَف" واشتقاقه. - وحذف المجزوم بـ "لا" التي للنهى. - ومجيء "مفعول" ولا فعل له. وهذه مسائل في اللغة والصرف والنحو لا تربطها وشيجة، ولا تعود إلى باب واحد من أبواب العربية، بل ترجع إلى أبواب متعددة. وأدى ذلك إلى تبعثر مسائل الموضوع الواحد، وتشتيت المادة النحوية في أبحاث عدة، فالناظر إلى المسائل الخاصة بحروف الجر ومعانيها يجد أنها درست في البحث الثامن عشر والحادي والثلاثين والسابع والثلاثين والثامن والأربعين والخامس والستين والسابع والستين والتاسع والستين. وقل مثل هذا فيما يتعلق بموضوع الشرط والجواب والعطف والضمائر والاستثناء والأحرف المشبهة بالفعل، وغيرها مما تفرق بيانه في أبحاث الكتاب. (١٦) وحاول المؤلف أن يربط بين موضوعات الكتاب، فكان يشير أحيانًا إلى المباحث المتقدمة دون أن يكرر ذكرها بقوله (وقد تقدم الكلام على هذا) أو بما يشبهه. (١٧) وهذه طريقة علمية كان يحسن أن يسير عليها باطراد لكي يحقق الغرض من الاختصار الذي توخاه في الكتاب (١٨). ولكني وجدته في أحيانٍ عدة يكرر شرح مسائل كان الأولى تجنب إعادتها ثانية. ومن أمثلة المكرر عنده: - تأنيث الضمير العائد على مذكر. شرحه في البحثين السابع والعشرين والحادي والاربعين - وحذف همزة الاستفهام. تضمنه البحثان الثامن والعشرون والحادي والأربعون. - وإفراد المضاف إلى المثنىّ وتثنيته وجمعه. يضمه البحثان الرابع عشر والسادس والستون.

стр. 17

- واخلاء جواب "لو" من اللام. ذكر في البحثين الستين والسبعين. - واستعمال "في" للسببية، ورد في البحثين الثامن عشر والتاسع والستين. وتقودنا ظاهرة التكرار إلى بيان سمة اخرى برزت من خلال الشرح، وهى استطراد المؤلف وخروجه من مسألة إلى اخرى بسبب الشبه بينهما، حتى ولو كان الحديث الذي ذكره مشكلًا لا يمت إلى الثانية بسبب. وهذا واحد من الأسباب التي وسعت حجم الكتاب. فمن ذلك انتقاله إلى الكلام على استعمال "إذا" بمعنى "إذ" بعد أن شرح استعمال "إذ" دالة على الاستقبال بمعنى "إذا" في قول ورقة بن نوفل (يا ليتني أكون حيًا اذ يخرجك قومك) (١٩) وعندما يشير إلى تقدير "كان" في الحديث (ما يسرني أن لا يمر علي ثلاث ... ) يقول بعد ذلك (واشبه شى بحذف "كان" قبل "يسرني" حذف "جعل" ... ). ثم يشرح الموضوع ويحتج له (٢٠). وتكون استطراداته أحيانًا مختصرة وسريعة، كإشارته وهو يذكر التضمين في قول أبي بكر ﵁ (وما عسيتهم أن يفعلوا بى). فيقول (ونظير تضمين "عسى" معنى "حسب" تضمين "رحُب" معنى "وسع"، في قول من قال: "رحبكم الدخول في طاعة الكرماني"). (٢١) ويتنبه أحيانًا على أنه خرج عن الموضوع المحدد، فيعتذر مستدركًا بأن المقام تطلب ذلك، كقوله وهو يشرح مسوغات الابتداء بالنكرة (وإنما ذكرت من القرائن ما يناسب "إذا" و"الواو" في كون النحويين لا يذكرونه، ولم أقصد استقصاءها، إذ لا حاجة إلى ذلك في هذا المختصر). (٢٢) * * * * * أما لغة الكتاب فهي لغة سهلة، بعيدة عن التكلف والتعقيد، تمتاز بالدقة في التعبير، والسلامة اللغوية، مع الاحترازات المتكررة، وتجنب التعميم في الأحكام، كقوله في اجراء المعتل مجرى الصحيح (ومن هذا على الأظهر قول النبى ﷺ : من أكل

стр. 18

من هذه الشجرة فلا يغشانا). (٢٣) وقوله وهو يتكلم على "ربَ" (والتصحيح أنّ معناها في الغالب التكثير). (٢٤) واستمع إليه وهو يقرر تعدي الفعل "شبه" إلى مشبه به ومشبه دون باء، فيقول (وقد كان بعض المعجبين بآرائهم يخطئ سيبويه وغيره من أئمة العربية في قولهم "شبه كذا بكذا" ويزعم أن هذا الاستعمال لحن، وأنه لا يوجد فى كلام من يوثق بعربيته، والواجب ترك الباء). ثم يقول (وليس الذي زعم صحيحًا، بل سقوط الباء وثبوتها جائزان. وسقوطها أشهر في كلام القدماء، وثبوتها لازم في عرف العلماء). (٢٥) وقد دلّ الاستقراء على صواب هذا الكلام، ودقة قائله. وهذه الدقة في عبارات ابن مالك هي التي جعلتها تقترب أحيانًا الي القواعد العامة، والقوِانين في أصول العربية. ومن هذه العبارات ما يأتي: - (ولأن الشيء انما يجوز حذفه مع صحة المعنى بدونه إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه مستعملا فيه ثبوته) (٢٦) - (جعل الكلام خبرًا بمعنى النهي جائز). (٢٧) - (أكثر ما يجري المعتل مجرى الصحيح فيما آخره ياء أو واو). (٢٨) - (إلا عدول عن الاتباع عند صحة السماع). (٢٩) - (العامل لا يحذف ويبقى عمله إلا إذا اطرد ثبوته). (٣٠) - (الحكم قد يستحق بجزء العلة) (٣١) وخلاصة القول أن اسلوب المؤلف سليم واضح، ليس فيه غموض، ومسائله مفهومة في عرضها وأفكارها. ولكن الكتاب يفتقد المنهج العلمي الذي اعتدنا أن نلاحظه في كتب ابن مالك الأخرى، وليست كل مادته مطابقة لعنوانه "شواهد التوضح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح". وهو أقرب إلى "المجموع"

стр. 19

النحوي منه إلى الكتاب المنهجي، مع ما فيه من الفوائد الجليلة، والأراء الجديدة. وربما كان هذا الوصف يخامر ذهن مؤلفه وهو يقرر المسائل، إذ صرح في واحد من بحوثه قائلا (وقد تقدم في هذا المجموع الاستشهاد على وقوع ذلك بعد النهي) (٣٢) الشواهد والاستشهاد في الكتاب أجمع الذين ترجموا لابن مالك على أنه كان حريصًا على العلم وحفظه، كثير المطالعة، لا يكتب شيئًا من محفوظه حتى يراجعه في محله، وكان لا يُرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرئ. ويكفي دليلًا على ذلك أنه حفظ يوم وفاته ثمانية شواهد. (٣٣). و (كان يضرب به المثل في دقائق النحو، وغوامض الصرف، وغريب اللغات، وأشعار العرب، مع الحفظ والذكاء, والورع والديانة، والتحري لما ينقله، والتحرير فيه). (٣٤) وكانت له مشاركة في القراءات والتصنيف فيها. (٣٥)، وهو من الذين عنوا بالحديث الشريف في وقته. (٣٦) قال عنه السيوطي "ت ٩١١ هـ": (وكان أمة في الاطلاع على الحديث، فكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فان لم يكن فيه شاهد عدل إلى الحديث، فان لم يكن فيه شاهد عدل الى أشعار العرب). (٣٧) إن هذه الصلة الوثيقة بالتراث الأدبي الذي انكب على تدبره وحفظه , والتراث النحوي الذي خلفه السابقون مكنته من توسيع دائرة الاستشهاد؛ لأنه لم يقف عندما تركه النحاة الذين تقدموا عليه، بل أضاف شواهد كثيرة إلى ما عرف قبله. ويستطيع القارئ أن يقف في كل صفحة من صفحات الكتاب على نصوص

стр. 20

من القرآن الكريم والحديث الشريف ومن أشعار العرب وأقوالها. ومن خلال ذلك تتجلى قابليته المتميزة ومقدرته على استخدام هذه النصوص بطريقة نحن أحوج ما نكون إليها مادمنا نسعى إلى تيسير لغتنا. وفيما يأتي عرض موجز للأنواع التي استدل بها على ذلك الترتيب: القرآن الكريم وقراءاته: استند ابن مالك إلى الذكر الحكيم في الاحتجاج للمسائل التي عرض لها، وتوجيه مشكل النصوص التي اختارها. وكان يهرع إليه ما وجد إلى ذلك سبيلًا، حتى بلغت شواهده وأمثلته مئة واثنتين وعشرين آية، منها خمس عشرة آية مكررة. وهو يأخذ بظاهرها, ولا يؤثر التأويل والتقدير. ومن أمثلة ذلك تجويزه استعمال "من" في ابتداء غاية الزمان، قال (وهو ما خفي على كثر النحويين فمنعوه تقليدًا لسيبويه في قوله: وأما "من" فتكون لابتداء الغاية في الأماكن). (٣٨) واستدل بقوله تعالى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾. (٣٩) وهو مذهب الكوفيين، وتأول البصريون "من أول يوم" على تقدير: من تأسيس أول يوم. (٤٠) واهتمامه بالقراءات جعله يعتمد عليها بكثرة، إذ بلغ احتجاجه بها في خمسة وأربعين موضعًا، صرح بأسماء أصحابها في أربعين موضعًا. ومن ذلك أنه أيد بقراءة حمزة من السبعة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٤١) بجر لفظ "الأرحام" جواز العطف على ضمير الجر بغير إعادة الجار، وهو مما منَعه البصريون ورفضوا شواهده. (٤٢) ونظير هذا تجويزه نصب المضارع بعد الفاء في جواب "لعل". وهو مما لم يجوزه البصريون. (٤٣) وحجته في ذلك قراءة عاصم ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ

стр. 21

الذِّكْرَى﴾. (٤٤) وقراءة حفص (﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ (٤٥) ولم يعتمد المؤلف على السبعة فحسب، بل أخذ بقراءة غيرهم، أمثال طلحة بن مُصرف وأبي العالية وابن محيصن وأبي رجاء العطاردى. وربما أورد القراءة وهي شاذة محتجا لما ذهب إليه ومدعيا القياس عليها. ومن ذلك تاييده بقراءة الأعمشى ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرَ﴾ (٤٦) بالنصب جواز النصب على اضمار "أنْ". (٤٧) وتجويزه حذف همزة الاستفهام في غير الشعر إذا كان معنى ما حذفت منه لا يستقيم إلا بتقديرها خلافًا لسيبويه. (٤٨) وأستدل على ذلك بنصوص، منها قراءة ابن محيصن ﴿سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم﴾. (٤٩) بهمزة واحدة. إن ما ذكرته كان فى معرض التمثيل ليس غير، لبيان أنه كان يحتج بالقراءات حتى ولو خالفت المشهور من آراء العلماء من غير تأويل في الغالب. وعلى كثرة ما أورد منها لا نجده يضعفها أو يرد شيئًا منها كما هو مذهب أهل البصرة، ,وانما أخذ بها، سواء منها ما كان صادرًا من القراء السبعة أم العشرة أم كان من الشواذ، فهي مصدر من مصادر الشواهد النحوية، يسشهد بها في تأييد مذهبه ويقيس عليها، باستثناء موضعين. (٥٠) ولم يتردد في اتباع ما يقضي به المنطق المعقول (من التعويل على اللفظة الواحدة تاتى في القرآن ظاهرها جواز ما يمنعه النحاة، فيعول عليها في الجواز ومخالفة الأئمة. وربما رجح ذلك بأبيات مشهورة). (٥١) الحديث الشريف: يعد ابن مالك في طليعة النحاة الذين استندوا إلى الحديث الشريف في تاييد.

стр. 22

القواعد النحوية، بل هو أول من توسع في الاستشهاد به، حتى صار من مميزات مذهبه النحوي. ومن ثم اقيم عليه النكير، ورمي بالخروج عن سنن النحوينِ المتقدمين. (٥٢) وليس هذا مجال البحث عن اختلاف العلماء في الاستشهاد بالحديث، ولا هو مجال الكلام على موقف النحاة ومناقشتهم فيما قبلوه منه وما رفضوا الأخذ به، فقد سجلت فيه البحوث والمصنفات. (٥٣)، ولكن المقصود بيان موقف ابن مالك منه في "شواهد التوضيح". إن عنوان الكتاب يشير قبل كل شيء إلى أنه شواهد لنصوص في "صحيح البخاري" أراد المؤلف أن يوجه إعرابها، وينظر لها بكلام العرب الفصحاء. فكان من هذه النظائر الحديث الشريف. وبلغ ما استشهد به منه اثنين وثمانين حديثًا. (٥٤) عزا المؤلف اثني عشر منها إلى مواضعه من كتب الحديث التي يأتي في مقدمتها "جامع المسانيد" لابنٍ الجوزي، وروى ابن مالك واحدًا منها بسنده، واستطعت إرجاع ستين نصًا إلى صحيح البخاري، واثني عشر نصًا وجدتها في كتب الحديث الأخرى. مثل "المسند" لأحمد بن حنبل، و"الموطأ" لمالك، وصحيح مسلم والترمذي وسنن ابن ماجة وأبي داود، وغيرها مما هو مبين في الحواشي. وبقي حديثان لم أتمكن من الوقوف عليهما في كتب الحديث المتيسرة: أولهما- (فإن الله ملككم إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم) (٥٥).

стр. 23

والثاني- (المرء مجزيَ بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر). (٥٦) ولسيبويه نص شبيه بهذا منقول عن العرب. وهو الوارد فى قوله: (وذلك قولك: الناس مجزيون بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر). (٥٧) ولعل ابن مالك يقصد هذه العبارة فنسبها إلى النبي ﷺ سهوًا. إنّ الأحاديث المشكلة عنده هي في الوقت ذاته نصوص فصيحة يمكن الاعتماد عليها في الاحتجاج. لذلك وجدت المؤلف يستند إليها في مواطن عدة لتقرير قواعد نحوية خالف بها بعض المتقدمين من النحاة. (٥٨) ومن هنا أستطيع أن أضيف الىٍ عدد الأحاديث الشواهد كل الأحاديث المشكلة؛ لأنها عنده فصيحة لغةً ونحوًا. لقد كان موقف ابن مالك هذا فريدًا بالقياس إلى من سبقه، وكان يكرر التصريح باهمية اتخاذ الأحاديث شواهد لدعم الآراء النحوية. لذلك وجدنا في الكتاب تصريحًا متكررًا بفصاحة الحديث وصحة لغته. ومن عباراته في هذا الباب: - قوله وهو يرجح اتصال الضمير في نحو "كنته" (وأما مخالفة السماع فمن قبل أن الاتصال ثابت في أفصح الكلام المنثور كقول النبي ﷺ لعمر ﵁: إن يكنه فلن تسلط عليه، وان لا يكنه فلا خير لك في قتله). (٥٩) - وقوله في وقوع خبر "كاد" مقرونًا بـ (أن) (فإذا انضم إلى هذا التعليل استعمال فصيح ونقل صحيح كما في الأحاديث المذكورة تأكد الدليل، ولم يوجد لمخالفته سبيل). (٦٠) وهذه النظرة في الاحتجاج بالحديث مكنته من أن يعرض آراءه بدقة، يرجح ويتخير، ويتخذ لنفسه موقفًا خاصًا على وفق ما يمليه عليه اجتهاده، ويهديه إليه تفكيره، مستهديا بما ارتضاه من شواهد، بلا تعصب لمذهب معين، فهو مع الشاهد أينما يكن. ومن الأمثلة التي كان فيها الحديث حكمه الفيصل:

стр. 24

- جواز ثبوت الخبر بعد "لولا" (وهو ما خفي على النحويين إلا الرماني وابن الشجري) (٦١) - وجواز حذف الموصول لدلالة صلته أو بعضها عليه، وهو (مما انفرد به الكوفيون ووافقهم الأخفش. وهم في ذلك مصيبون .. وأحسن ما يستدل به علىٍ هذا الحكم قوله ﷺ : مَثل المهجر كالذي يهدي بَدَنة، ثم كالذي يَّهدي بقرة، ثم كبشًا ثم دجاجة، ثم بيضةً". (٦٢) - و (صحة العطف على ضمير الرفع المتصل غير مفصول بتوكيد أو غيره، وهو مما لا يجيزه النحويون فى النثر إِلا على ضعف، ويزعمون أن بابه الشعر، والصحيح جوازه نظمًا ونثرًا، فمن النثر ما تقدم من قول علي وعمر ﵄ ... ). (٦٣) هذه أمثلة من فيض الآراء التي بثها في الكتاب، واحتج لكل منها بحديث أو أكثر مرتضيا القَياس عليها، وما لم يقس عليه- مع ندرته- فهو مؤول غالبًا، كقوله ﷺ في صفة الدجال (وإن بين عينيه مكتوب كافرً) وفي رواية رفع (مكتوب) أوله على حذْف اسم "إِن" وما بعد ذلك جملة في موضع رفع خبرها. (٦٤) ومهما يكن من شيء، فابن مالك انفرد عمن سبقه من النحاة حين احتج لمجموعة مسائل بأكثر من مئتين وستين حديثًا، متوسعا في هذا الشأن توسعًا نفس فيه عن العربية بعض الشيء. وكان مجمع اللغة العربية معضدًا لهذا المذهب، إِذ جاء ضمن أبحاثه في الموضوع ما يأتي (وخلاصة البحث أنا نرى الاستشهاد بألفاظ ما يُروى في كتب الحديث المدونة في الصدر الأول، وإن اختلفت فيها الرواية, ولا يُستثنى إِلا الألفاظ التي تجيء في رواية شاذة أويغمزها بعض المحدثين بالغلط أو التصحيف غمزًا لا مرد له). (٦٥)

стр. 25

الشعر: وطبقًا للقاعدة التى سار عليها في الاحتجاج فقد قبل الشعر واعتدّ به. وبلغ ما ذكره في الكتاب مئتين وعشرين شاهدًا. وكان يستشهد أحيانًا للمسالة الواحدة بأبيات عدة، كي يؤكد صحة ما ذهب إليه. قال في جواز وقوع الشرط مضارعًا والجواب ماضيا (والنحويون يستضعفون ذلك، ويراه بعضهم مخصوصًا بالضرورة. والصحيح الحكم بجوازه مطلقًا، لثبوته في كلام أفصح الفصحاء، وكثرة صدوره عن فحول الشعراء). (٦٦) ثم يستشهد بثمانية أبيات. وقال فى العطف على ضمير الجر بغير اعادة الجار (وهو ممنوع عند البصريين إلا يونس وقطربًا والأخفش. والجواز أصح من المنع، لضعف احتجاج المانعين، وصحة ْ- استعماله نظمًا ونثرًا). (٦٧)، ثم يسششهد بستة ابيات من النظم. وهو لا يُعنى بذكر المصادر التي استقى منها شواهده الشعرية. (٦٨)، كما أنه ترك أكثرها بلا نسبة إلى قائليها، إذ بلغ ما لم ينسبه إلى قائل مئة وثمانية وستين شاهدًا، واستعمل عند ايرادها عبارة عامة، مثل (كقول الشاعر) أو (كقول الأخر). وتلك طريقة سار عليها نحاة كثيرون (٦٩). ودرج المؤلف على أن يذكر البيت بتمامه، ولكنه اجتزأ موطن الشاهد في عشرة مواضع من الكتاب، مكتفيا بذكر شطر أو أقل من الشطر. (٧٠) واظهرت الدراسة أنه تعدّى ما في كتب النحو من شواهد إلى مصادر اللغة والأدب ودواوين الشعر وكتب الحديث والسير والبلاغة. وبلغت الأبيات التي لم أقف عليها في كتب النحو قبله حوالي مئة وعشرة شواهد، منها أكثر في ستين رددها النحاة الذين نقلوا منه وشرحوا مصنفاته.

стр. 26

وعلى الرغم من الجهود التي بذلتُها في تخريج الشواهد وٍ نسبتها إلى قائليها، إلا أنني لم أستطع أن أجد مصدرًا ولا قائلا لحوالي ثلاثين نصًا مما جاء في "شواهد التوضيح" ولعل المؤلف تفرد باستنباط القواعد منها، وإذا تمكنا من معرفة قائليها أو مصادرها فإنها بلا شك ستضيف شواهد جديدة لم تكن معروفة عند النحاة إلى ما عرف منها قبلًا. إن هذه الظاهرة لفتت انتباه القدامى قبلنا، حتى قال فيه السيوطي (وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو فكانت الأئمة الأعلام يتحيرون فيه، ويتعجبون من أين يأتي بها). (٧١) ولذا فليس غريبًا أن يكرر بعض الذين جاؤوا من بعده وناقشوا آراءه مثل قولهم (أنشده ابن مالك ولا أعرف هذا البيت إلا من جهته) (٧٢) ان كثرة احتجاجه بالشعر لا يعني أنه اعتمد عليه اعتمادًا زائدًا دون النثر كما فعل غيره من النحاة، (٧٣) بل كان يؤيد القواعد بالنثر كما أيدها بالشعر. وهى طريقة مطردة في الكتاب، ومنهج سليم مستحسن. (٧٤) أقوال العرب ولغاتها: أورد ابن مالك أربعة وثلاثين شاهدًا من أقوال العرب لم ينسب أكثرها إلى قائل معين. وكان يمهد لها بعبارة (قول بعض العرب). وأسند رواية إحدى عشرة عبارة منها إلى علماء اللغة. مثل أبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب وسيبويه والكسائي والفراء والأخفش. وتمكنت من تخريج أكثرها في كتب النحو واللغة. وكونت هذه العبارات رافدًا آخر من روافد إلاحتجاج عنده، عزز بها آراءه من غير نظر إلى مذهب من رواها، بصريًا كان أم كوفيًا. لأن الشاهد عنده حجة ما رواه نحوي أو لغوي.

стр. 27

واحتلت اللهجات القبلية مكانًا واضحًا بين شواهد الكتاب وأمثلته ونصوصه التي اعتمد عليها المؤلف في الاستنباط والاحتجاج ووضع القواعد والأحكام. وجاء ذكره للغات الفصيحة في ثمانية عشر موضعًا من ضمنها ثلاثة مكررة. ومن خلال شرحه يتضح أنه يصرح تارة بأسماء القبائل، وينسب إليها لغاتها، مثل لغة قريش والحجاز وربيعة وكنانة ولغة بني الحارث بن كعب ولغة بني تميم وبني سليم اللتين تكرر ذكرهما في الكتاب. وهؤلاء جميعًا فصحاء موثوق بعربيتهم. وتارة اخرى يقف عند قوله (وهي لغة مشهورة) أو (وهي لغة معروفة) أو (من العرب ... ) أو (على هذه اللغة جاء ... ) إلى غير ذلك من اصطلاحات الرواية والسماع. المنهج العام للاستشهاد في الكتاب: مكن ابن مالك سعة ثقافته، وتنوع مصادرها، وكثرة محفوظه من رسم منهج متميز في الاستدلال بالشواهد والقياس عليها. وأهم ملامح هذا الاتجاه احترامه الشديد للسماع. وهذا الاحترام هو الذي حمله في كثير من الاحيان على قبول الشواهد من القراءات غير المشهورة أو الشاذة، ومن الشعر وأقوال العرب والحديث الشريف. قاعدته في ذلك (لا عدول عن الأتباع عند صحة السماع). (٧٥) ولم يتردد عن مخالفة بعض الأصول التي وضعت سابقًا لأجل أن تتفق مع الشاهد. وحتم عليه أخذه بالشواهد والقياس عليها مخالفة نحاة التزموا بمقاييس لا يؤيدها السماع أو الاستدراك عليهم، فقد صرح بمخالفة "أكثر النحويين"، (٧٦) ومخالفة البصريين (٧٧) وسيبويه (٧٨) والفراء. (٧٩) وقد يوحي إليه السماع برأي جديد لم يتنبه عليه النحاة، كمذهبه في وجوب حذف اللام الفارقة إذا كان بعد ما ولي "إن" المخففة نفي واللبس مأمون، محتجًا بقول الشاعر: (٨٠)

стр. 28

ان الحق لا يخفى على ذي بصيرة ... وإن هو لم يعدم خلافَ معاند وقول الآخر: أما إن علمتُ الله ليس بغافل ... لهان اصطباري أن بليت بظالم وإلى جانب السماع فانه اتخذ القياس دليلًا دعم به جملة من آرائه، وجعله أداة يستند إليها في مناقشاته النحوية، ويبني عليها أحكامه، والمسائل التي أيدها بالقياس مع قلتها (٨١) لا يجيز فيها إلا ما كان معضدًا بالسماع، وليس في الكتاب موضع واحد يعتمد فيه القياس الذي لا يؤيده شاهد أو أكثر وكان يريد من وراء الاختيارات التيسير والتسهيل على الدارس، وهما من سمات مذهبه النحوي. وقد صرح في مناسبات بأنه اختار هذا الرأي لأنه الأسهل، أو لبعده عن التكلف. (٨٢) ونعى على نحاةٍ كانوا يخالفون المنقول من كلام العرب، ويعدونه ضرورةٍ فيضيقون واسعًا. يقول مثلًا في مسألة حذف الفاء مع المبتدأ من جواب الشرط: (ومن خصّ هذا الحذف بالشعر حاد عن التحقيق، وضيق حيث لا تضييق. بل هو في غير الشعر قليل، وهو فيه كثير) (٨٣) ويقول في مسألة حذف الفاء من جواب "أما" (وقد خولفت القاعدة في هذه الأحاديث، فعلم بتحقيق عدم التضييق، وأن من خصه بالشعر أو بالصورة المعينة من النثر مقصر في فتواه، وعاجز عن نصرة دعواه). (٨٤) لقد شمل قياسه النحوي الشائع من كلام العرب وغير الشائع، وكان لا يرفض في الغالب النادر ولا القليل، فربما اكتفى بشاهد واحد واستنبط منه قاعدة وقاس عليها. (٨٥) وأعفاه هذا من التأويل النافر والتمحل البعيد، فانه قليلًا ما نجده يؤول شاهدًا أو يحمله على الشذوذ والضرورة.

стр. 29

أقول قليلًا؛ لأن الكتاب لم يخل من الحكم على نصوص بالضرورة أو الشذوذ. أما الشذوذ فلم يتجاوز الحكم به المواضع الآتية: ١ - دخول لام الابتداء على خبر "كان". (٨٦) ٢ - وقوع خبر (عسى) و (كاد) مفردًا، وخبر (جعل) جملة اسمية وفعلية فعلها ماض مصدر بـ "كلما" و"إذا" (٨٧) ٣ - سد الحال مسد الخبر مع صلاحيتها لأن تجعل خبرًا. (٨٨) ٤ - إثبات ألف "ما" الاستفهامية بعد حرف الجر. (٨٩). ولاحظت أنه حين حكم على شواهد هذه المسائل بالشذوذ لم يعلل ما ذهب إليه، وهو خلاف المنهج الذي سار عليه وارتضاه في بحوث الكتاب. وإذا وجدت له عذرًا في الموضع الأول والثانى؛ لأن لكل منهما شاهدًا فردًا. فلست متفقا معه في الأخيرين، ولا سيما الرابع الذي ذكر له ستة شواهد فصيحة. في حين قاس في مواضع على شاهد واحد. ولكىِ يتضح الأمر أكثر أنقل نص عبارته إذ يقول (وشذّ ثبوت الألف فى "بما أهللت" و "لا يبالي المرء بما أخذ المال" و"إني لأعرف مما عوده" لأن "ما" في المواضع الثلاثه استفهامية مجرورة، فحقها أن تحذف ألفها، فرقا بينها ويين الموصولة. هذا هو الكثير .. ونظير ثبوت الألف في الأحاديث المذكورة ثبوتها في "عمّا يتساءلون" (٩٠) على قراءة عكرمة وعيسى. ومن ثبوتها في الشعر قول حسان ﵁: على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرغ فِى رماد وقول عمر بن أبى ربيعة: عجبًا ما عجبت مما لو ابصر ... ت خليلي ما دونه لعجبتا لمقال الصفى فيما التجني ... ولما قد جفوتنا وهجرتا وفي عدول حسان عن "علام يقوم يشتمني" وعدول عمر عن "ولماذا" مع

стр. 30

امكانهما دليل على أنهما مختاران لا مضطران). (٩١) وفي تعليقه على البيتين إشعار بأن هذا الاستعمال خارج عن الشذوذ إلى الندرة. وهو وأيضًا يقودنا إلى معرفة مذهبه في "الضرورة"، فهي عنده - كما يبدو- مالا مندوحة للشاعر عن النطق به. (٩٢) ويجلي هذا المعنى أكثر تعقيبه، وهو يحتج لاقتران خبر "كاد" بـ "أن" على قول الشاعر: أبيتم قبول السلم منا فكدتم لدى الحرب أنْ تغنوا السيوف عن السلِّ يقول (وهذا الاستعمال مع كونه في شعر ليس بضرورة، لتمكن مستعمله من أن يقول: أبيتم قبول السلم منا فكدتم لدى الحرب تغنون السيوف عن السلّ) (٩٣) ولا أريد مناقشة رأيه هذا، فلذلك موضع آخر، ولكني أرى أنه يبتعد عن الحكم على النصوص بالضرورة ما وجد إلى ذلك سبيلا. ولذلك لم يصرح بها إِلا في ثلاثة مواضع اشتملت على خمسة ابيات. (٩٤) وهي إذا قيست بوفرة النصوص قليلة جدًا. وهذا يدل على أنه يتجنب التعميم في الأحكام، ويلتزم غالبًا الدقة في صوغها، مع الاحترازات المتكررة. فهو يكثر في نعت الشواهد من لفظ (الغريب والنادر والقليل والضعيف والأكثر والأفصح والفصيح والأشهر ... )، ولكل من هذه الألفاظ قيمته ودلالته على الحكم الذي ورد فيه. ومن الأمثلة التي تؤيد هذا الزعم: - قوله (وفي "فما جعل يشير" غرابة؛ لأن أفعال الشروع إن صحبها نفي كان مع

стр. 31

خبرها، نحو: جعلت لا ألهو. وقد ندر في هذا الحديث دخول "ما" على (جعل). (٩٥). - وقوله (وفي "ليُمشطنّ" شاهد على وقوع الجملة القسمية خبرًا ... وهذا في خبر "كان" غريب. وإنما يكثر في خبر المبتدأ ... وفي "ليردُ علىّ أقوام" شاهد على وقوع المضارع المثبت المستقبل جواب قسم غير مؤكد بالنون، وفيه غرابة، وهو مما زعم أكثر النحويين أنه لا يجوز إلا في الشعر ... والصحيح أنه كثير في الشعر قليل في النثر). (٩٦) - وقوله (وأمر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيح قليل في الاستعمال). (٩٧) أخلص من هذا إلى أن لابن مالك وجهة اختص بها في الاستدلال بالشواهد. وله كما يرى بعضهم (طريقة سلكها بين طريقي البصريين والكوفيين. فان مذهب الكوفيين القياس على الشاذ، ومذهب البصريين اتباع التاويلات البعيده التى يخالفها الظاهر، وابن مالك يعلم بوقوع ذلك من غير حكم عليه بقياس ولا تأويل، بل -أي قليلًا- يقول: إنه شاذ أو ضرورة، كقوله فى التمييز: والفعل [ذو] التصريف نزرا سبقًا) (٩٨) وهذا أسلوب علمي نعته ابن هشام الأنصارى (ت ٧٦١هـ) بقوله: (وهذه الطريقة طريقة المحققين وهي أحسن الطريقتين) (٩٩) قيمة الكتاب يعد "شواهد التوضيح" من أهم مصنفات ابن مالك التي تكشف عن أسلوبه في النقاش والحجاج، ومعالجة المشكلات اللغوية، وتبين سعة أفقه وإحاطته بشواهد النحو واللغة. وهو أول كتاب يختص الحديث الشريف، بالدراسة من الوجهة النحوية

стр. 32

جاعلًا من "صحيح البخاري" محورًا للبحث ومناقشهّ آراء المتقدمين من النحاة. فامتاز عن غيره من الأصول بهذه الخصيصة، (١٠٠) مع كثرة شواهده ووفرتها قياسًا الي ما في مصنفات ابن مالك الأخرى. ولم يتهيأ لكتاب نحوي في مثل حجم "شواهد التوضيح" ما تهيأ له من النصوص، إذ ضم -على صغر حجمه- سبع مئة وثلاثين شاهدًا ما بين آية وحديث ومنظوم ومنثور من كلام العرب. وفيه انفرد المؤلف بذكر أبيات من الشعر كثيرة، استدل بها على قواعد نحوية، فاستدرك على النحاة جملة من القواعد، وكثيرًا من الشواهد، ونفّس عن العربية بعض الشيء. ومن محاسن منهجه في الاستشهاد أن نصوص النثر تتكافأ ونصوص الشعر أو تزيد عليها، وهي طريقة تخالف ما جرى عليه أكثرالنحاة حين اهتموا اهتمامًا زائدًا بأبيات الشعر. والاعتماد على النصوص الوفيرة والاسلوب العربي السليم وسم الكتاب بالسمة التطبيقية الوصفية التي ترفض الاقتصار على التعليل والتأويل غالبًا، وتتوخى التسهيل والتيسير. وكان لهذا المنهج تأثير واضح في كثير ممن جاء بعده من النحاة الذين أخذوا بشواهده ورددوها في كتبهم واثقين بها. وكثيرًا ما يجد المطالع فيها عبارات تنسب النصوص إلى ابن مالك. مثل قولهم (أنشده ابن مالك) و (ذكره ابن مالك) و (استدل بقوله) و (مثل بقوله ﷺ ). (١٠١) ويلقي الكتاب الضوء على الصلة بن النحو والتفسير، فقد إنتشرت

стр. 33

الآيات في أكثر مباحثه وما من آية منها إلا وفيها وجه أو أكثر من وجوه الاعراب. على أن صلة الكتاب بتفسير الحديث الشريف تكون أشد وأوثق اذا ما عرفنا أنه ألف لتَصحيح الاشكالات الواردة في ألفاظ حديث "الجامع الصحيح" للبخاري. ومن هنا وجد فيه شراح هذا السفر الجليل وغيره أصلًا مهمًا يعينهم على شرح الأحاديث المشكلة وبيان أوجه رواياتها ولغاتها واعرابها. (١٠٢) والنتيجة التي يخرج بها قارئ الكتاب هي أن ابن مالك كان مجددًا في هذا الميدان، ولم يكن مقلدًا لمن تقدم عليه من النحاة، مشهورًا كان أم مغمورًا, لأنه لم يكتف بما وجده من نصوص في كتب هؤلاء، بل راح يُفلّى الدواوين وكتب الأدب والبلاغة واللغة والسيَر، ويلتقط منها ما لم يصل إليه غيره من الشواهد وهذا المذهب في الاحتجاج عامة وبالحديث الشريف خاصة لقي قبولًا حسنًا لدى علماء وباحثين محدثين، ضموا صوتهم إلى صوته في هذا الاتجاه (١٠٣) مآخذ على الكتاب أن ما ذكرته من قيمة الكتاب وما سجلته من محاسنه لا يعفينىِ بن بيان بعض الهفوات التي وقع فيها ابن مالك خلال التأليف وبدت في منهج البحث، وهاك ملخصًا بأهمها: ١ - لم يقم المؤلف كتابه على منهج واضح، ولم تتبين الطريقة السوية فى البحث على الرغم من أهمية الموضوع الذي تصدى لمعالجته ودقة المعلومات فيه فلا هو درس المسائل على حسب الموضوعات النحوية، ولا هو اقتفى أثر البخاري في

стр. 34

تبويب "الجامع الصحيح". وبسبب غياب المنهج الواضح فقد توزعت مسائل الموضوع الواحد على أكثر من باب، وكان بامكانه أن يلم شعث ما تشابه إلى نظائره في بحوث موحدة. ٢ - اعتمد المؤلف في مواضع كثيرة عند نقل الحديث، مشكلًا كان أم شاهدًا على مخطوطات "الجامع الصحيح" ورواياتها المتعددة, ويبدو أنه تعدى الاستفادة من النسخة "اليونينية" المقابلة على مخطوطات معتمدة إلى نسخ اخرى قد يكون ما فيها من خلاف هو من باب التحريف أو التصحيف في النقل والنسخ. ثم عدّ ما نقله حجة دعم بها قاعدة نحوية، حتى إني لم أجد بعض الروايات مشتملةً على موطن الشاهد لا في النسخة اليونينية ولا في شروح البخاري المطبوعة. (١٠٤) ٣ - ويشبه هذا تصرف ابن مالك في مجموعة من الأحاديث المشكلة المنقولة من "الجامع الصحيح" وعدم اثبات الفاظها بدقة. فقد رأيته عند النقل يحذف بعض الكلمات أو يزيد، أو يغير النصَ، أو يقدم أو يؤخر في العبارة، أويلفق بين روايتين للحديث، أو ينسبه إلى غير قائله سهوًا. (١٠٥) وربما يورد في المشكلة أحاديث ليست فى الجامع الصحيح. (١٠٦) ٤ - تقدم أن ابن مالك امتاز على غيره بكثرة الشواهد والنصوص الشعرية التي احتج بها. وعلى ما اتسم به هذا المنهج من محاسن إلا أن اغفاله نسبتها إلى الصادر أو إلى قائليها أو رواتها قد يشير حولها شبهة يجب أن يبرأ منها المؤلف. وهذه الشواهد الجديدة من الكثرة بحيث لا يمكن اهمال أمرها، حتى إني لم أجد قائلًا لثلاثين منها ولا مصدرًا ذكرها، على الرغم من النقيب عنها في الكتب المتنوعة. ومثل هذا اعتماد المؤلف روايات يتيمة لبعض النصوص وأتخاذها حجة على ما ذهب إليه، مع كون النص يخالف المشهور المروي في كتب اللغة والأداب.

стр. 35

وعلى سبيل المثال احتج بقول عدي بن زيد: بيد أن الله قد فضلكم ... فوقِ من أحكأ صلبا بازار على استعمال "بيد" متلوة بـ "أن" المشددة. (١٠٧) ولم اقف على ما ذكره أبن مالك واحتج به. والرواية في جميع المصادر التي ذكرت البيت هي: "أجلَ أن". (١٠٨) إن هذه الهنات تتلاشى تجاه المحاسن إلتى انطوى عليها "شواهد التوضيح" وهي لا تحط من قيمته، ولا تنقص من قدره. وحسب صاحبه أن يكون قد قدم للناس أثرًا نفيسًا فيه من الجديد شيء كثير، وأنه سيبقى مصدرًا لكل من يهمه أمر الحديث الشريف ودرسه من الوجهة اللغوية والنحوية. مخطوطات الكتاب المعتمدة رجعت في التحقيق إلى اربع مخطوطات رمزت لكل منها بحرف وهي: المخطوطة (أ): وهي محفوظة في خزانة المكتبة القادرية ببغداد برقم (ف ٨٦١ س ٤٧٦). وتقع في (٣٢ ورقة = ٦٤ صفحة). في كل صفحة منها واحد وعشرون سطرًا. ويشتمل السطر الواحد على (١٣ - ١٥) كلمة. وعلى حواشيها تعليقات في تفسير ألفاظ وتوضيح معان، وتصحيح كلمات تنبه الناسخ على سقوطها من المتن بعد المقابلة. وفي الجهة العليا من اليمين أثر رطوبة لم يؤثر في الكتابة، وقد سجلت لفظة "ومنها" المكررة في أول كل بحث بالمداد الأحمر تنبيها على بدايته. كتبت المخطوطة بخط النسخ المقروء، وكانت ضمن مجموع في عدة رسائل، ثم افردت وحدها كما دلت على ذلك صفحة العنوان التى سجل عليها (مجموع فيه "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" لابن مالك الطائي. و

стр. 36

"كنز الراغبين الصفاه في الرمز المولد المحمدي والوفاه" و"الفضائل والشمائل والمعجزات والدلائل وما فاق به الاواخر والأوائل" للناجوي. و"قلائد العقيان فيما يورث الفقر والنسيان" للناجي- كذا). وبعدها سجلت عبارات، منها (الحمد لله قارح الهم، نظر فيه داعيًا لمالكه بطول الارتقاء المملوك الأصغر أحمد بن محمَّد بن عمر غفر الله ذنوبه وستر ... عيوبه) ثم (الحمد لله. يقول كاتبه أحمد بن إسماعيل الصبيبي غفر الله له مترحمًا على الشيخ الامام العالم العلامة عالي الجناب لاهداء الشيخ امام الدنيا والدين) يلي ذلك نقل من كلام ابن كمال باشا. أتم نقل المخطوطة يوم الاثنين خامس عشر ذي القعدة عام خمسة وسبعين وثمان مئة إسماعيل بن محمَّد بن إسماعيل بن أحمد بن علي بن أبي بكر بن سالم بن عبد العزيز الصبيي (١٠٩) من نسخة كتبت بخط أحمد بن يحيى بن محمَّد بن أحمد الأنصاري الغرناطي المشهور بالرفاء. (١١٠) وهذه الثانية المنقولة منها نسختنا المعتمدة مقابلة مرتين ومنقولة في يوم الاثنين الثامن عشر من شوال عام ثمانية وسبع مئة من نسخة بخط شمس الدين أبي عبد الله محمَّد بن غالب بن يونس بن شعبة الأنصاري الجياني. وعليها خط المؤلف ابن مالك الاندلسي وإجازته. قدمت هذه المخطوطة وفضلتها عند المقابلة لما وجدت فيها من مميزات الضبط. المخطوطة "ب ": وهي ضمن مجموع رقمه (٢٩٥٩) في مكتبة ولي الدين باستانبول، يشتمل على كتابين مخطوطين بخط ناسخ واحد هما: "شواهد التوضيح" لابن مالك، و "غريب الحديث" للثقفي. ويبدأ "شواهد التوضيح" بالورقة الأولى وينتهي بوجه الورقة الثالثة والستين، فهو في (٦٣ ورقة-١٢٥ صفحة) في كل صفحة تسعة عشر سطرًا، ومعدل ما يشتمل عليه السطر الواحد حوالي عشر كلمات. كتبت المخطوطة بخط النسخ المعتاد الواضح في عصر المؤلف، بدلالة العبارة

стр. 37

الموجودة في أول الكتاب التي يقول فيها الناسخ واصفًا مؤلف الكتاب (أعاد الله من بركاته، ومتع المسلمين بطول حياتة). وتخلو خاتمّة "شواهد التوضيح" من تاريخ النسخ، إلا أننا نجد الناسخ- ولم يذكر اسمه- يصرح في آخر المجموع الذي هو اخر كتاب "غريب الحديث" للثقفي بأنه نسخ الكتاب عام ثمان وستين وست مئة فيقول (تم الكتاب بحمد الله ومنه، وصلاته على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم، وذلك بمدينة القدس الشريف بدار الحديث الشرفية في سادس شهر رمضان المعظم سنة ثمان وستين وست مئة). وعلى حواشي المخطوطة تعليقات أكثرها في تفسير ألفاظ غريبة وردت في شواهد الشعر، وبعضها استدراك للساقط من المتن تنبه عليه الناسخ بعد مراجعة النص. وعلى الرغم من أنّ هذه النسخة هي أقدم مخطوطات الكتاب وأنها كتبت في عصر مؤلفه إلا أنني بعد قراءتها قراءة دقيقة وجدت أنها لا ترقى إلى مستوى مخطوطة المكتبة القادرية من حيث، الصحة والتمام، وذلك أنى لاحظت عليها ما ياتى: ١ - أن الساقط منها أكثر مما سقط من نسخة "أ" فقد سقطت منها الورقة الثانية بتمامها, وسقطت ستة أسطر من الورقة "٤٠ ظ " وسطران من الورقة "٤٦ و" وتكرر سقوط ألفاظ وجمل أشرت اليها في حواشي المتن المحقق. ٢ - بدا أن الناسخ غير دقيق أحيانًا في الرسم والنقل ومعرفة اللغة، إذ اختلف رسمه لبعض الألفاظ، وأضاف الفاظًا من عنده، وأخطأ في كتابة كلمات. ومن أبرز ذلك: أ- كتب الظاء ضادًا أحيانًا مثل (نضائر- نظائر) و (نضير = نظير) ينظر الورقة (١٠ظ) و (١٧ ظ) ب- رسم الألف ياء تارة وألفأ تارة اخرى في لفظ واحد، مثل- كلمة "هذا" كتبه تارة" هاذا" وتارة "هاذى" وحسبك أن لفظ "كذا" وودت برسمين في جملة واحدة، ,نحو (شبه كذا بكذى). ج- تصرف أحيانًا بزياد ة ألفاظ، مثل الوارد في الورقة (٢١ ظ) من قول حسان: (أمن يهجو رسول الله ﷺ منكم ... ويمدحه وينصره سواء) د- رسم لفظ (النحويين والكوفيين) مخالفًا للقاعدة النحوية في عدة مواضع، مثل هذه الجمل: (مما انفرد به الكوفيين) و (والكوفيين يخالفونهم) و (مما زعم أكثر النحويون) و (مما خفي على أكثر النحويون).

стр. 38

لهذه الأسباب ولغيرها لم أعتمد نسخة "ولي الدين" هذه أصلًا في التحقيق على الرغم من أنها أقدم النسخ، وأنها كتبت في عصر المؤلف، فقدمت عليها مخطوطة المكتبة القادرية "أ". المخطوطة "ج ": وهي المحفوظة في خزانة مكتبة الأوقاف العامة ببغداد تحت رقم ٦٥٨١ وتشتمل على (٦٢ ورقة = ١٢٤ صفحة) قياس ١٨× ١٣ سم. كتبت بخط النسخ الواضح من غير أن ترقم صفحاتها. وسجلت تعليقات على بعض الألفاظ، وأرقام لتسلسل البحوث في الحواشي. أتم نسخها في نهار الخميس خامس شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وثمان مئة حمزة بن أحمد بن علي الحسيني الشافعي، وهو من علماء القرن التاسع الهجري. ولد في شوال سنة ثمان عشرة وثمان مئة بدمشق، ونشأ بها، فحفظ القرآن ومجموعة من كتب الفقه والاصول والحديث والقراءات والنحو، وأخذ عن شيوخ بلده، ثم ارتحل إلى القاهرة غير مرة وحج مرارًا، ودرس بالعمادية، وتصدر بجامع بني أمية. وكانت وفاته ببيت المقدس في ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وثمان مئة بعد ما خلف جملة مصنفات، منها "بقايا الخفايا" استدرك فيه على "خبايا الزوايا" للزركشي. و "الإيضاح على تحرير المشتبه" للنووي، و"طبقات النحاة واللغويين" و"الذيل" على طبقات تقي الدين بن قاضي شهبة، و "فضائل بيت المقدس" و"المنتهى في وفيات أولى النهى" وغيرها. (١١١) المخطوطة "د ": وهي في مكتبة (رئيس الكتاب) باستانبول تحت رقم (١٨٠) في (٥٨ ورقة = ١١٦ صفحة). تشتمل الصفحة الواحدة على تسعة عشر سطرًا. ومعدل ما يشتمل عليه السطر الواحد حوالي عشر كلمات. كتبت بخط النسخ المعتاد، وجاء في آخرها: (وكان الفراغ منه يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الآخر سنة أحد وعشرين وثمان مئة، والحمد لله وحده. وكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى محمَّد بن عبد الله بن

стр. 39

الفجر ... ). على حواشي المخطوط تعليقات قليلة، قسم منها إشارة إلى ألفاظ وردت مخالفة للمتن في نسخة ثانية، وكأنما هي مقابلة عليها. وتبين لي أن هذه المخطوطة سقطت منها ورقتان هما السابعة والخمسون والثامنة والخمسون. ولم يتنبه مرقم الصفحات على ذلك فاجرى الترقيم على سنن واحد. ومباحث الكتاب في هذه النسخة تبدًا بكلمة "قال" بدلًا من "قلت" التي درج المؤلف على تصدير بحوثه بها بعد الأحاديث، ثم غيرها الناسخ إلى "قلت" من البحث الثالث عشر، ثم صيّرها من البحث الرابع والأربعين "قال" ثم صيرها "قلت" من البحث التاسع والأربعين، ثم يثبت الناسخ لفظ قال من البحث الرابع والخمسين، ثم يعود إلى لفظ "قلت" من البحث الستين إلى نهاية الكتاب. وتتساوى هذه المخطوطة مع المخطوطة "ج" في الصحة، ولذلك جاءت بعدها في الترتيب. * * * * * وأما مطبوعة "شواهد التوضيح" التي أخرجها محمَّد فؤاد عبد الباقي عام ١٩٥٧ فإن ما فيها من الأخطاء والتحريفات والنقص والزيادة صيّر أمر الاعتماد عليها غيرَ مجدٍ. وأرى أن المخطوطات الأربع كافية لإخراج نص صحيح من الكتاب بعدما استفرغت ما في الوسع من أجل تحقيق هذا السفر النفيس. * * * * * وهناك مخطوطات اخرى موزعة في مكتبات العالم لم أستفد منها في التحقيق، لتعذر حصولي على ما طلبته منها، أو لقلة فائدة بعضها الآخر. وهذه المخطوطات توجد في المكتبات الآتية. (١١٢) ا - المكتبة الظاهرية بدمشق رقم ١٠١ حديث. ٢ - مكتبة المجمع العلمي العربي بدمشق، رقم ٢٩.

стр. 40

٣ - مكتبة جاريت رقم ١٣٥. ٤ - مكتبة حسن حسني عبد الوهاب بتونس رقم ٣٨٩. ٥ - مكتبة الاسكوريال رقم ١٤١. ٦ - المكتبة البلدية بالاسكندرية رقم ٢٠٠٥. ٧ - المكتبة الآصفية رقم ٢٤٧ حديث. ٨ - مكتبة القرويين رقم ١٤٣٨. ٩ - مكتبة رشيد افندي باستانبول رقم ١١١٧/ ٥. ١٠ - مكتبة بروسه خراتشي زاده رقم ٢٧١/ ١. ١١ - مكتبة ييل رقم (١٥٤). ١٢ - مكتبة بنكيبور رقم ١٥١. ١٣ - مكتبة الأوقاف بالرباط رقم (١٣٣) ورقم (٩٥١). ١٤ - مكتبة الكتاني رقم ٤٦٧. ١٥ - مكتبة المتحف العراقي ببغداد رقم ١٠٢٨٤، وهي مخطوطة حديثة. ١٦ - مكتبة الخزانة العامة برباط الفتح رقم ٩٥١ د/١. عملي في التحقيق ترسمت في إخراج الكتاب خطى المحققِين الذين سبقوني في هذا الميدان، مع الأخذ بتوجيهات الباحثين في قواعد إخراج النصوص والاستفادة من خبرتي وتجربتي. ووضعت نصب عيني الخصائص التي امتاز بها "شواهد التوضيح" عن غيره من المصنفات مادة وطريقة تأليف. وهذه الميزات هي التي اضطرتني أحيانًا إلى الاجتهاد في تخريج مشكل نصوص البخاري، وتصحيح ألفاظه، وإن كانت طريقتي في الجملة لا تخرج عن الحدود المرسومة لخدمة الكتاب خدمة علمية. وفيما يأتي أوجز أهم الخطوات التي اتبعتها: أولًا- لم أتخذ واحدة من النسخ المعتمدة أصلًا. وإنما سرت في إثبات المتن على طريقة اختيار الأصوب والأحسن والأكثر مناسبة. ثم أشرت إلى ما يخالفه مما ورد في النسخ في الحاشية، مع الأخذ بنظر الاعتبار تسلسل النسخ الأربع في التفضيل، مقدمًا المخطوطة "أ" على غيرها، وواضعًا أرقامًا تدل على بداية كل صفحة من
следующие страницы →