يحملُ على رأسه مالُه الذي سرقَه. ويُحتملُ أنْ تكونَ تلك الشاةُ والإِبل مما لم تؤد زكاته، أو من الخيانة والسَّرقة. والمصنفُ أخرج بعده حديثَ النقديْن، وهذا في السوائم. وظني أن المعاصي تركبُ العاصي يوم القيامة، كما أنها ركبتْه في الدنيا، تذهب به إلى أين شاءت، وكذلك الطاعات، تنقلبُ له مراكبَ يركَبُها، كما أنها ركبت عليه في الدنيا، فساقته حيث شاءت، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١].
١٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِى شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلَا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآيَةَ. أطرافه ٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٦٩٥٧ - تحفة ١٢٨٢٠
١٤٠٣ - قوله: (مُثِّل له يوم القيامة ماله شُجاعًا)، لعل بين المال والشجاع مناسبةٌ، فإنَّ الحياة توجد كثيرًا على الكنوز المدفونة، واشتهر ذلك عند أهل العرف أيضًا اشتهارًا لا يسع إنكاره. ولعل المال لهذه المناسبة ينقلبُ حيةً في المحشر له زَبِيْبتَان. وسمعت عن ثقةٍ أنَّ في العرب حيةً تكون على رأسها قرنان، ويمكن أن تكون الزَّبِيْبتَان هما هذان القرنان (أنا مالك) هذا هو التمثيل: كقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] ففيه تمثَّل الملك (١).
٤ - باب مَا أُدِّىَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ
لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ».
١٤٠٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ أَخْبِرْنِى قَوْلَ اللَّهِ (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ. طرفه ٤٦٦١ - تحفة ٦٧١١ - ١٣٣/ ٢
١٤٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ الأَوْزَاعِىُّ أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِى الْحَسَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». أطرافه ١٤٤٧، ١٤٥٩، ١٤٨٤ - تحفة ٤٤٠٢
стр. 1157
١٤٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ سَمِعَ هُشَيْمًا أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِى ذَرٍّ - رضى الله عنه - فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا قَالَ كُنْتُ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، قَالَ مُعَاوِيَةُ نَزَلَتْ فِى أَهْلِ الْكِتَابِ. فَقُلْتُ نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ. فَكَانَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ فِى ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ - رضى الله عنه - يَشْكُونِى، فَكَتَبَ إِلَىَّ عُثْمَانُ أَنِ اقْدَمِ الْمَدِينَةَ. فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَىَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِى قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ لِى إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا. فَذَاكَ الَّذِى أَنْزَلَنِى هَذَا الْمَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَىَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ. طرفه ٤٦٦٠ - تحفة ١١٩١٦
١٤٠٧ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِىُّ عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ جَلَسْتُ. وَحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِىُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْىِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لَا أَدْرِى مَنْ هُوَ فَقُلْتُ لَهُ لَا أُرَى الْقَوْمَ إِلَاّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِى قُلْتَ. قَالَ إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا. تحفة ١١٩٠٠ - ١٣٤/ ٢
١٤٠٨ - قَالَ لِى خَلِيلِى - قَالَ قُلْتُ مَنْ خَلِيلُكَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا». قَالَ فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِىَ مِنَ النَّهَارِ وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرْسِلُنِى فِى حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِى مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَاّ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ». وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا. لَا وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ . أطرافه ١٢٣٧، ٢٣٨٨، ٣٢٢٢، ٥٨٢٧، ٦٢٦٨، ٦٤٤٣، ٦٤٤٤، ٧٤٨٧ تحفة ١١٩٠٠
قيل: إن النبي ﷺ قبل نزولِ النُّصُب والمقادير، كان يوظف عليهم قِطعة من المال حسب الحاجة، وكانت تصرفُ في مهمات الإِسلام، فلما جاء الله بتفاصيل الزكاة، وافترضت عليهم، وَسَّع لهم في هذه الأموال، هكذا يُعلم من كلامِ ابن عمر ﵁.
ثم الناسُ في تفسير الكنز على أنحاء، فقال معاوية ﵁: إن الكنز هو المال الذي لم تؤد زكاته. وقال أبو ذر ﵁: إن المال الفاضل عن حاجته كنزٌ مطلقًا، سواء أدَّى زكاته، أو لا. وأقول اتباعًا لبعض السلف: إنه اسم للمال الذي لم تؤد زكاته، ولا الحقوق المنتشرة فيه. والأقرب عندي أن يفوضَ تفسيرهُ إلى العرف، ويترك إلى رأي المبتلى به. وترجمته: خزانة.
стр. 1158
ولا يمكنُ تحديدُه أصلا، كلفظ التبذير، والإِسراف، والتوكل، كلها مما يعلمها أهل العرف، ويتعسرُ حدودها، ولا أعرف زمانًا من عهد النبوة افترض عليهم صرْفَ جميعِ المال، إلا أنه إذا لم يكن يبق في بيت المال شيءٌ، ودعت الحاجة، فحينئذٍ يجبُ عليهم أن ينفقوا بكل ما يمكن، وهذه المسألة إلى الآن، فالوعيد في النص عندي منصرفٌ إلى كل ما يُطلقون عليه كنزًا في العرف، ولعله هو مذهب أبي ذر ﵁. وأتردَّدُ فيما يُنقل عنه. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
ويُحكى أن أبا ذر ﵁ لما احتُضِرَ، جعلت امرأتُه تبكي، فسأل عن بكائها، فقالت: إني أبكي لأنك ممن صحب رسول الله ﷺ وتموت الآن، ولا أجد ما أكفِّنُك فيه، فقال: إذا متُّ، فاطلُعي على تلول، ونادي بذلك، يعينُك أحدٌ فطلعت، فإذا هي بقافلةٍ فيها ابنُ مسعود ﵁، فلما أخبرَ الخبرَ بكى، وأعطى عِمَامته، فكانت كفنه رضي الله تعالى عنه.
٥ - باب إِنْفَاقِ الْمَالِ فِى حَقِّهِ
١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِى قَيْسٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «لَا حَسَدَ إِلَاّ فِى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِى الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». أطرافه ٧٣، ٧١٤١، ٧٣١٦ - تحفة ٩٥٣٧
١٤٠٩ - قوله: (لا حسد) ... إلخ. وتأويله مشهورٌ قلتُ: ولا أجد شيئًا أربى وأنمى من العِلم، فإنه يحملُ إلى الآفاق في زمنٍ يسيرٍ.
٦ - باب الرِّيَاءِ فِى الصَّدَقَةِ
لِقَوْلِهِ تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما -: ﴿صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] لَيْسَ عَلَيْهِ شَىْءٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ ﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ النَّدَى.
قوله تعالى: (﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾)، ولما كانت الصدقات تحبط بهذين نبَّه عليهما القرآن.
٧ - باب لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا يَقْبَلُ إِلَاّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
لِقَوْلِهِ ﴿* قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣].
حَتَّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا الْعَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا فَلَيَقُولَنَّ بَلَى. ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَلَيَقُولَنَّ بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَاّ النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَاّ النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». أطرافه ١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢ - تحفة ٩٨٧٤٢
١٤١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ». تحفة ٩٠٦٧ - ١٣٦/ ٢
قوله تعالى: (ويربى الصدقات)، يعني أن الله يمحقُ رِبَاكم، ويعطي الرِّبا من جانبه على صدقاتكم، وهو إلى سبع مئة ضِعف، إلى ما شاء الله تعالى، فإن كنتم تحبون الربا، فخذوه عني، وتصدقوا في سبيلي وفسره العامةُ: أن الله تعالى لا يُبارِكُ فيما أخذتموه من الربا، وإنما يبارِكُ لكم فيما أنفقتم في سبيل الله. وليس بجيد عندي، بل مخُّ الآية هو النهي عن الربا المعروف، والحثُّ على أخذ الربا من عنده تعالى، فمن أخذه من الله فسيأكله رَغيدًا، ومن أخذه من الناس يقع في نهر الدم، ثم لا يقدرُ أن يخرج منه إلى قيام الساعة.
ومما ينبغي أن لا يُذْهلَ عنه أن نَظْم القرآنِ لا يؤدي المرادَ فقط، بل ينبِّهُ على الحقائق، ويرمُزُ إليها، فعلى المترجِمِ له بلغةٍ أخرى أن يراعي ذلك النظم، ثم ينظرُ إلى لغة أخرى، أنها هل تؤدي مُؤدَّاه أو لا، ومن لا يبالي بذلك ربَّما يُغيرُ المراد، حتى يوجبُ تغييرَ تلك الحقائقِ المرموزِ إليها؛ وإنما تُحس مضرَّتَه عند إلحاد ملحد. كما وقع في لفظ: التوفي والخلو، فإن الناس تسامحوا في بيان معناهما، فانبعث أشقاهم، وجعل يدَّعي أنه المسيح الموعود، بئست أمٌّ ولدته، ويا ليتها لم تلدْه.
قوله: (والله لا يحبُّ كلَّ كفارٍ أَثيم) ودَلالته على رفع الإِيجاب الكلي، مع أن المرادَ منه السَّلبُ الكلي. وتعرَّض إليه التَّفْتَازاني في «المُطَوَّل» فلم يؤد حقه (١).
١٤١٠ - قوله: (كما يُربي أحدكم فلوه)، ذكر فيه صورة التَّضعيف، يعني أنك إذا أنفقت في سبيل الله درهمًا، فالله تعالى يُربِّيْه لك حتى يكون رَبَّاه أضغافًا مضاعفة، فيضعفه شيئًا فشيئًا حتى يبلغَ يوم الحشر إلى هذا القدر، فهو كتربية الفَلُو، لا أنه يُضعَّف لك دُفعة واحدة، فافهمه،
стр. 1161
فإن تشبيهات الأنبياء ﵈ ليست بهينة، بل تبني على الحقائق، فهذه هي الحقيقةُ التي أُريدت أن تكشفَ بها، ولعلك تفهم الآن ما لطف قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] فكما تتدرج الحبة الواحدة إلى هذه الحَبَّات، كذلك صدقتُك تربَّى من عند الله، وتكون أضعافًا مضاعفةً، حتى تبلغَ نهايته بقدر الإِخلاص، إلى ما شاء الله أن تبلغ.
١٠ - باب اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَالْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ، وَإِلَى قَوْلِهِ ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٥ - ٢٦٦]
١٤١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِىُّ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَىْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا مُرَائِى. وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا. فَنَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] الآيَةَ. أطرافه ١٤١٦، ٢٢٧٣، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩ - تحفة ٩٩٩١
١٤١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَتَحَامَلَ فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ. أطرافه ١٤١٥، ٢٢٧٣، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩ - تحفة ٩٩٩١
١٤١٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ سَمِعْتُ عَدِىَّ بْنَ حَاتِمٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». أطرافه ١٤١٣، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢ - تحفة ٩٨٧٢
١٤١٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِى شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ «مَنِ ابْتُلِىَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَىْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ». طرفه ٥٩٩٥ - تحفة ١٦٣٥٠
قال بعضهم: معناه أن اتقوا النار، وإن بقي عليكم شِقُّ تمرة لأحد من ذوي الحقوق، فأدوه أيضًا، فإن هذا القدرَ من الحقوق أيضًا يوجب النار، فاتقوها بأدائه. وقيل: إن النار إنما وجبت لأجل المعاصي، فخلصوا أنفسَكُم منها، ولو بشق تمرة، فإن التَّصدقَ بمثلِهِ أيضًا
стр. 1162
ينفعكم. فالموجبُ للنارِ في الصورة الأولى إمساكُ شقِّ التمرة، والنجاة بأدائها. والموجب لها في الصورة الثانية معاصيه التي اقترفها. وشقُّ التمرة لتخليص نفسه عنها.
فالحاصل أن فيه أن التصدق بمثل هذه مفيدٌ لدفع النار، وليس فيه أن عدمَ التصدق به يُوجب النار، وبينهما بَوْن بعيد (١) فبكلمة طيبة (شرافت كا كلمه)، يعني: كلمة الشرافة.
قوله: (وتثبيتًا من أنفسهم) (ثابت قدمى - جى كى حوصله وإلا أندرسي دكماكاتا نهين) تحامل: حمل الوِقر بالمشقة.
١١ - باب أَىُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، وَصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ
لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] الآيَةَ. وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤] الآيَةَ.
١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ». طرفه ٢٧٤٨ - تحفة ١٤٩٠٠ - ١٣٧/ ٢
أي الحريص على المال. واعلم أن القياسَ يقتضي أن لا تعتبرَ الوصيةُ أصلا، لأنه لمّا أشرَف على الموت خَرَجَ المالُ عن مِلْكِهِ، وتحوَّل إلى مِلك الورثة، لكن الشرعَ منَّ علينا، فاعتبرها في الثلث، فهي من المَبَرَّات لا غير.
١٢ - بابٌ
١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبِىِّ ﷺ أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا قَالَ «أَطْوَلُكُنَّ يَدًا». فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. تحفة ١٧٦١٩
١٤٢٠ - قوله: (أينا أسرعُ بك لحوقًا)، كأنهنَّ كنَّ على طمعٍ من أن يلحقْنَه أولًا.
стр. 1163
قوله: (فأخذوا قصبة يذرعونها) ... إلخ، وذلك بعد ما خرج من عندهن (١)، ولو كان بين يديه لما كان فيه قلق أيضًا، فإنَّ المقصودَ كان هو الإِخفاء، والإِبهام على السنة في مثل تلك الأبواب، فطاح ما كفر به هذا اللعين، فإنَّ من أصوله أن الأنبياء ﵈ قد لا يفهمون ما يُوحى إليهم أيضًا والعياذ بالله. نعم، هذا من دَجَلِهِ، والذي ينبغي عليه الاعتقاد أن أنباءهم لا يشوبها كذب، فلا يغلَطُون فيها، ولا يُغالَطُون، وإنما هو طريق من لا يخبر إلا بالدَّخ، فيخلِطُ معه ألف كذبة من عند نفسه، فإنْ وجدتَ في موضعٍ نقصًا أو زيادةً من أخبار الرسل، فإنما هو من جهة الرواة، ولكونها منقولة بطريق خبر الآحاد، فلا يُؤْمَنُ بكونها من لفظ النبي ﷺ لا أن أخبار الأنبياء ﵈ قد تشتمل على الغلط، ونعوذُ بالله من الزَّيغ، وأن عدمَ القطعيات بالظنيات ليس من دأب الإِنسان.
وأما قصة الحُدَيْبِيَة فهي أيضًا مما تمسك بها على كفره، مع أنه لم يرد فيها توقيت، ولا أنه سافر لذلك. وأما الرجاء والقصد، فليس من الأخبار في شيء، فإنَّ النبيَّ ﷺ أخبر أبا بكر ﵁ بغلبة الروم، فرجى أبو بكر ﵁ أن يكون هذا في المدة التي مادَّها، ثم لم تُغلب الروم فيها. ولذا قال له عمر ﵁: ومتى قال النبيُّ ﷺ إنها تكون في تلك السنة؟، فالأخبارُ عن الأنبياء ﵈ لا يحملُ الغلط أصلا، نعم، الرجاء والقصد أمر آخر، فإنَّ بناءهما يكونُ على الأسباب الظاهرة.
والحاصل: أن الأمة إذا أجمعتْ على صِدق أخبار الأنبياء ﵈، فخلافُه بنوعٍ من الحيل، والتمسك بالمحتَمَلات كفرٌ بحتٌ.
١٣ - باب صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ
وَقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤].
стр. 1164
١٤ - باب صَدَقَةِ السِّرِّ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ». وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
بحث العلماءُ في المفاضلة بين صدقةِ العلانية والسر، وكذا في الجهر بالقرآن والإِسرار به. وفي الفقه أن الأفضل في الزكاة والفرائض أن يجهرَ بها، وفي النافلة أن يسر بها. قلتُ: ليس لها ضابط كليُّ، والأقرب أن يقسم على الحالات، فتارة كذا، وتارة كذا، «حتى لا تعلم شماله»، وعند مسلم: «حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله»، وهو قلبٌ من الراوي قطعًا.
١٥ - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِىٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ
وهو معتبر عندنا أيضًا بشرطِ التَّحري. وتمسك له البخاري ﵀ بقصة رجلٍ من بني إسرائيل، وهذا طريقه فيما قصها الله علينا من أمورهم، كما في «الحسامى»، أن شرائعَ مَنْ قبلنا حجةٌ، بشرط عدم النَّسخ، بل طريقة تمسُّكه أوسع منه، فيتمسك بالعمومات والإِطلاقات كثيرًا، بل لا بأس عنده من التمسك بالوجوه الفاسد المذكورة في كتب الأصول. ثم إن مسألة الحنفية في الزكاة، ولا يعلم ههنا أنها كانت زكاةً أو صدقةً نافلة، والمصنف ﵀ لرفعه محله لا يُبالي بهذه الأمور، فيتمسك بالنافلةِ للفرض، وبالعكس، لما علمت أن طريق الاستدلال عنده أوسعُ من الكل.
١٤٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدَىْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدَىْ غَنِىٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِىٍّ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِىٍّ. فَأُتِىَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِىُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ». تحفة ١٣٧٣٥ - ١٣٨/ ٢
١٤٢١ - قوله: (أما صدقتك على سارق، فلعله أن يستعف عن سرقته)، وحاصله أنه كَفى للصدقةِ وِجْهنُه من الخير، ولا يشترط أن يكون خيرًا من كل جهة.
١٦ - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
١٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ أَنَّ مَعْنَ بْنَ
стр. 1165
يَزِيدَ - رضى الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَبِى وَجَدِّى وَخَطَبَ عَلَىَّ فَأَنْكَحَنِى وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، - وَ- كَانَ أَبِى يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِى الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ». تحفة ١١٤٨٣
وفي «الهداية»: أن التصدق على ابنه لا يُعتبر، وراجع كلامَه للفرق بين الغنى، والابن. والفرقُ عندي أنهم أداروا الفقر والغنى، على العلم فقط، دون الواقع بخلاف تحقيق الأصول والفروع، فإنهم فهموا أنه لا تعسُّر في معرفتهم، فينبغي أنْ يُدار على الواقع، وإنما يُقطعُ النظرُ عن الواقع، ويُدار على العلم فيما تعسر الاطلاع على حقيقته. ولما كان المتصدَّقُ عليه ابن الرجل، أو أباه لم يتعسر له تحقيق الواقع؛ فأديرَ الأمرُ عليه، ولذا لم يعتبروه إذا ظهر أنه ابنه.
أما المصنف ﵀ فذهب إلى الاطلاق، فلعله لا فرقَ عنده في الصورتين. أما الحديث فلا يردُ على الحنفية، لأنه لا دليلَ فيه على أن صدقته كان فريضة، أو نافلة، فإن كان الثاني فلا تُنكره أيضًا، كما عرفت آنفًا. ثم لا بد له أن يعتبرَ التَّحري، وإن لم يذكره في اللفظ، فإن إضاعَته تُوجب إلفاءَ قيد الفقر المنصوص، فإنَّه إن كان التصدقُ جائزًا على الغني تحرى بكونه فقيرًا، وإلا لزمَ أن لا يكون الفقرُ شرطًا، وتصح الزكاة للفقير وغيره سواء، وهذا بالطلٌ قطعًا، فقيدُ التَّحري وإن لم يكن مذكورًا في عبارة المصنف ﵀، لكنه لا بدَّ منه.
والحاصل: أن المصنف ﵀ ذهب إلى التوسيع، ولم يفرق بين الغني، وبين الأصول والفروع، ثم ينبغي للأصوليين أن يُمعِنُوا أنظارهم في هذا الحديث، أنه هل يفيدُ جواز المشي على التَّحري عند إبهام الحال أم لا؟ واختلفوا في القبلة عند عدم التَّبيُّن، أنها جهة التَّحري، أو الكعبة شرفها الله تعالى. وثمرتُه تظهرُ فيما إذا ظهر الخطأَ بعد الصلاة، فذهب جماعة ممن قال: إنها الكعبة شرفها الله تعالى، إلى أنه يُعيدها، ومن قال: إنها جهة التَّحري، ذهب إلى أنه لا يعيدها، والأول منسوب إلى المالكية.
١٤٢٢ - قوله: (لك ما نويت) فيه تقسيمه على الجهات، كما فعل في التصدق على القريب، حيث اعتبر فيه الجهتان، فجعل فيه أجران: أجرُ التصدق، وأجرُ صِلة الرَّحم، وهذا من علوم النُّبوة.
١٧ - باب الصَّدَقَةِ بِالْيَمِينِ
١٤٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَاّ ظِلُّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». أطرافه ٦٦٠، ٦٤٧٩، ٦٨٠٦ - تحفة ١٢٢٦٤
كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». أطرافه ١٤٢٧، ١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦ - تحفة ١٣٣٤٠
أي ينبغي له أن يتصدَّق، ويتركَ الغنى خلفه، وليس له أن يتصدقَ بكله، هكذا فهمه الشارحون.
أقول: وله معنى آخر أيضًا، وهو أن للرجل استظهارًا بالمال وإعانةً منه، فينبغي أن يتصدقَ بحيث لا يفوتُ عنه هذا الاستظهار (١).
قوله: (وهو رد عليه)، فالمصنف ﵀ ردَّ جميعَ تصرفاتِ المديونِ من العتق، والهبة، والصدقة إذا لم يقض دينه.
قلتُ: إن كان مرادُه بالردِّ عدم القَبُول، فهو من باب الآخرة، فلا يكونُ في كلام المصنف دليلا على بطلان تلك التصرفات، فيجوز كون بعضها صحيحًا في الدنيا، مع كونه مردودًا في الآخرة، نعم إن كان مراده الردَّ باعتبار عدم الصحة، ففيه دليلٌ على بطلانها عنده لأن الصحةَ والبطلانَ من أحكام الدنيا، وفصَّل فيها إمامنا ﵀ أيضًا، فراجعه من الفقه.
قوله: (يريد إتلافها)، يعني إنَّ السخاوةَ مع ركوب الديون ليس من النية الصحيحة في شيء، وإنما السبيل أن يقضي دَيْنه أولا، ثم ينفقُ ما شاء.
قلتُ: وهذا أيضًا ليس بمطَّردٍ، فإنَّ التصدقَ بجميع المال قد يعد محبوبًا، كما تصدق أبو بكر ﵁ بجميع ماله، وإن كانت الضابطةُ العامةُ هي التصدق عن ظهر غنىً.
قوله: (إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله)، ولعله استشارةٌ لا نذر.
١٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ». أطرافه ١٤٢٦، ١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦ - تحفة ٣٤٣٣
١٤٢٨ - وَعَنْ وُهَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - بِهَذَا. أطرافه ١٤٢٦، ١٤٢٧، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦ - تحفة ١٤١٦١
стр. 1168
١٤٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِىَ الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِىَ السَّائِلَةُ». تحفة ٧٥٥٥، ٨٣٣٧ - ١٤٠/ ٢
١٤٢٧ - قوله: (اليد العليا خير من اليد السفلى). وفي شرحهما أقوال: فقيل: المتعففة والسائلة. وقيل: المعطية والآخذة. وقيل: الأُوْلى يد الله، والثانية يد المخلوق. والأحاديث وردت بكل منها، إلا أنَّ الرواةَ قد وقع منهم الخلطُ في بعض المواضع، فذكروا أحدهما موضع الآخر، كما في الرواية الآتية، فجعل اليد العليا المعطية، والسفلى السائلة، مع أنه رُوعي فيه الطباق، والمنفقة تقابلُها الآخذة، كما أن السائلَة تقابلُها المتعففة.
ثم الذي يخطرُ بالبال أن الثالثَ ليس شرحًا للحديث، بل هو مضمون مستقل، أدرجه الشارحون في جملة الشروح، نظرًا إلى مجردِ لفظ اليد. والله تعالى أعلم بالصواب.
قوله: (ومن يستعفف يعفه الله) أي من يتكلف العِفَّة، جعلها الله له مَلَكَة. وههنا بحث للعقلاء: أن الأخلاق والمَلَكات هل تكون فطريةً، أو مكسوبةً؟ وبحث عليه الدَّوَّاني أيضًا. والذي يظهر أنها فطريةٌ، كما يدل حديث وفد عبد القيس، لما تسارع شُبَانهم إلى النبي ﷺ وتركوا رَوَاحِلَهم غير معقولة، وتخلف عنهم رئيسهم الأشَج، فعقل رِكابهم، واغتسل، ثم حضرَ مجلس النبي ﷺ فبشَّرَه النبيُّ ﷺ بالخصلتين: الحلم. والأناة، وأخبر أنهما فطريتان فيه.
قلتُ: ونقلُ الجبل عندي أهون من تغير الجِبِلَّة، اللهم إلا أن يكون من الألوف واحدٌ ذو حظٍ، ممن أكرمه الله فتغيرت جِبِلتُه برياضات ومجاهدات، وقليلٌ ما هم.
٢٠ - باب الْمَنَّانِ بِمَا أَعْطَى
لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢] الآيَةَ.
ولما كان من دأب المُعطِي أنَّه قد يَمن بما أعطى على مَنْ أعطى، وذلك يُحبِطُ أجره. فأصلحه الشرع، ونبه عليه لئلا ينقُضَ غَزْلَه.
٢١ - باب مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا
١٤٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ - رضى الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِىُّ ﷺ الْعَصْرَ، فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ لَهُ فَقَالَ «كُنْتُ خَلَّفْتُ فِى الْبَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُهُ». أطرافه ٨٥١، ١٢٢١، ٦٢٧٥ - تحفة ٩٩٠٦
стр. 1169
١٤٣٠ - قوله: (كنت خلفت في البيت تبرًا من الصدقة) وإنما تسارع إلى إنفاقه، مع أنه لم يكن من مال نفسه، لئلا يمضي عليه اليوم، فيكون عنده من الدنيا شيء. والنهار الشرعي ينتهي بالعصر. ولذا تتعاقبُ فيه الملائكة، والتفصيل مر من قبل.
٢٢ - باب التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهَا
١٤٣١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَدِىٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، ثُمَّ مَالَ عَلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى الْقُلْبَ وَالْخُرْصَ. أطرافه ٩٨، ٨٦٣، ٩٦٢، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥ - تحفة ٥٥٥٨
وهذا أيضًا بابٌ يختلفُ باختلاف الأزمان، فالأولى في بعضها عدم التحريض.
١٤٣١ - قوله: (فصلى ركعتين لم يصل قبلُ ولا بعدُ) وهو المذهب عندنا، واعتَرضَ عليه مولانا عبد الحي ﵀ أنه لا دليل فيه للحنفية، لأنه يدل على نفي الصلاة لا على نفي جوازها.
قلتُ: كيف! ولما احتمل عدم صلاته نفيَها اتفافًا، ونفيها على أنها ليست بجائزة، جاز للمجتهد أن يحملَه على أحدهما، ولا محذورَ في ترجيح المجتهد لأحد الاحتمالين في النص، ولا يجبُ إقامةُ الدليل على ترجيح المحتملات، فإنه يكفي له اجتهاده أيضًا، ولا يعد هذا خلافًا للنص قطعًا. كيف والنص قد احتَمَله فحمَلَه عليه، وإنما يتردد فيه من لا يفرق بين المنصوص والاجتهاديات.
١٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِى مُوسَى عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ». أطرافه ٦٠٢٧، ٦٠٢٨، ٧٤٧٦ - تحفة ٩٠٣٦
١٤٣٢ - قوله: (اشفعوا) ... إلخ، وأصوب الشروح: أن اشفعوا أنتم، ولا تترقبوا أن أقضي على وَفْق شفاعتكم، فإنَّ الله يقضي على لساني ما شاء، فقد أخالفكم أيضًا، ولكن لكم أجرُ الشفاعة في الصورتين، فلا تضيعوه، وقد جعل بعضهم قوله: (ويقضي الله) ... إلخ، جملة مستأنفَة، بمعنى أن ما يُجري الله على لساني يكون صوابًا كله، وهذا مرجوح.
١٤٣٣ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ لِى النَّبِىُّ ﷺ «لَا تُوكِى فَيُوكَى عَلَيْكِ». أطرافه ١٤٣٤، ٢٥٩٠، ٢٥٩١ - تحفة ١٥٧٤٨
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ عَنْ عَبْدَةَ وَقَالَ «لَا تُحْصِى فَيُحْصِىَ اللَّهُ عَلَيْكِ». تحفة ١٥٧٤٨
١٤٣٣ - قوله: (لا توكي فيوكى عليك)، ولا بد فيه من لِحاظ الشرائط والموانع، إلا أن
١٤٣٦ - قوله: (أسلمت على ما سلف من خير) أي إنما تشرَّفتَ بالإِسلام، لمَلَكاتٍ كانت في نفسك من قبل، فلتلك الملكات مدخلٌ في إسلامك. وراجع أبا داود كتاب الجهاد من حديث صخر.
(والمعروف) ... إلخ، واعلم أن المعروفَ والمنكَر لم يحددهما الشارع، وتركهُمَا على العُرْف، فالمعروف [بهلا ما نسى]، والمنكر [إيذادهي].
٢٦ - باب أَجْرِ الْخَادِمِ إِذَا تَصَدَّقَ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ غَيْرَ مُفْسِدٍ
١٤٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ». أطرافه ١٤٢٥، ١٤٣٩، ١٤٤٠، ١٤٤١، ٢٠٦٥ - تحفة ١٧٦٠٨ - ١٤٢/ ٢
١٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِى يُنْفِذُ - وَرُبَّمَا قَالَ يُعْطِى - مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلاً مُوَفَّرًا طَيِّبٌ بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِى أُمِرَ لَهُ بِهِ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ». طرفاه ٢٢٦٠، ٢٣١٩ - تحفة ٩٠٣٨
٢٧ - باب أَجْرِ الْمَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ أَوْ أَطْعَمَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ
١٤٣٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ تَعْنِى إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا. أطرافه ١٤٢٥، ١٤٣٧، ١٤٤٠، ١٤٤١، ٢٠٦٥ - تحفة ١٧٦٠٨
١٤٤٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِذَا أَطْعَمَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ». أطرافه ١٤٢٥، ١٤٣٧، ١٤٣٩، ١٤٤١، ٢٠٦٥ - تحفة ١٧٦٠٨
١٤٤١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ فَلَهَا أَجْرُهَا، وَلِلزَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ». أطرافه ١٤٢٥، ١٤٣٧، ١٤٣٩، ١٤٤٠، ٢٠٦٥ - تحفة ١٧٦٠٨
ولا يذهب أحدٌ من لفظ المثْلِ إلى المساواة فإن أجر كل منهم بحسَبِ عملِهِ، ولما كان الفعلُ من جنسِ واحدٍ جُوزيَ كلُّ منهم من أجرِ ذلك الجنس. ولكنه على قدر عملِهِ. وقد سبرتُ
стр. 1172
الشرعَ فعلمتُ أن الفعلَ الواحدَ إذا تقوّم من متعدد، فإِنه يُطلق على كلِّهم اسمًا واحدًا، كما مر في الحديث السابق. «فهو أحد المتصدقين». فجعل الخازن أيضًا متصدقًا.
إنصات المقتدي خلف الإمام
وهو معنى قول صاحب «الهداية»: إن حظ المقتدي من القراءة هو الإِنصات - يعني أن القراءةَ فعلٌ واحدٌ يتقوَّمُ من الجماعة - بمعنى أنه لا بد له لتكميله شيءٌ من الإِمام، وشيء من المقتدين.
ثم يتم هذا الفعل من المجموع، فالقراءة تكونُ من الإِمام. ولكنها لا تتم ما دام يقرأ المقتدي، فعليه أن ينصتَ ليتمكن الإِمامُ من قراءته، بدون مُنازعة، فالقراءة فعلٌ واحدٌ يتحصَّلُ من المجموع، فهذا قارىءٌ، وهذا منصت لقراءته، فكأن إنصاتَه استظهارٌ لها. فحظُّ المقتدي منها هو الإِنصات، فالقراءة على ما هي عليه، إنما تتحصَّلُ من المجموع من حيث المجموع، وهي من هذه الحيثية فعلٌ واحد، وإن تركَّبَ من الفعلين عند التحليل، أعني قراءةَ الإِمام، وإنصاتَ المفتدي، إلا أنها عند التركيب فعلٌ واحد، وعلى هذا النظر، لو شئتَ سميتَ المفتدي أيضًا قارئًا، إلا أن حظَّهُ منها هو الإِنصاتُ، فافهم، ولا تعجل في الردّ والقَبُول.
٢٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]
«اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا».
١٤٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى أَخِى عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى مُزَرِّدٍ عَنْ أَبِى الْحُبَابِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَاّ مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا». تحفة ١٣٣٨١
قوله: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾) ... إلخ، واعلم أنك قد عرفتَ منا فيما سبقَ أنَّ الكفرَ قد يُزاد على الكفر المكتسب نِقمةً وعذابًا، فكذلك الحسناتُ أيضًا، يمكن أن تُزاد عليها جزاءً ورحمة، فإنَّ العبد إذا أحسنَ طاعة ربه، فالله يزيدُ له حسنًا على حُسْنِهِ، ويوفقه لليسرى والحسنات الأخرى. ولا بُعد أن تكونَ في تلك الآية إشارةٌ إليه. ثم يدخل فيها مسألة التقدير، وأجاد فيه الشاه عبد القادر ﵀ في «الفوائد»، فراجعها من الكهف، من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
والذي نلقي عليك شطرًا مما سَنَحَ لنا، أن الأسبابَ والمُسبِّبَات كلها إنما هي باعتبار حسّنا وحِسْبَتِنا في ذلك العالم، فهذا مؤثرٌ، وهذا متأثرٌ، أما بالنظر إلى عالَم الغيبْ - فلا مؤثِّر هو، إلا أن مشاهدتنا لمّا اقتصرت على هذا العالم فقط، ولم تتجاوز إلى عالم الغيب وإنما عرَّفَناه من
стр. 1173
جهة الشرع فقط. نزل التكليف أيضًا بحسب ذلك العالم، فالعالم الذي فيه التكليف فيه التأثير، والتأثر أيضًا، وما ليس فيه تأثيرٌ إلا للَّه الواحد القهار، ليس فيه تكليفٌ، فمن أتى بأحكام أحد العالَمين على الآخر، فقد ضلّ وغوى.
ومن أظلم ممن خَرَقَ العالمَ المشهودَ، وجعل يبحثُ فيه عن أحكام الرب الودود. فالإِيرادات التي تعرِض على مسألة التقدير، كلُّها نقضٌ لمشاهدة نفسه عند التحقيق. ألا ترى أن الرجلَ لا يتعطَّلُ عن الأسباب لدُنياه، فإذا عرضت له الآخرة تمسَّك بالتقدير، وخَرَق ما شاهده من تأثير الأسباب، ودخل في عالمٍ آخر، وإلى بما فيه، وتعلَّل منه، مع كونه في هذا العالم، وصدق الله العلي العظيم: ﴿وَكَانَ الإِنْسَنُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلًا﴾ (الكهف: ٥٤)، فلو فعل مثلَه في دُنياه، فلم يأكل، ولم يشرب، ولم يكتسب مالا، ولم يرفع إلى الأسباب رأسًا، لكان لنا محل صبر، ولكنه لمَّا تظهر له الدنيا، يرى أن الأسباب هي المؤثرة الحقيقية، وإذا لاح له من أمر الآخرة شيءٌ زَعَمها معطلةً لا تأثيرَ فيها، فيا لجَوْرِه:
*أصمْ عن الشيءِ لا أُريدُه ... وأسمعُ خلقَ اللهِ حينَ أُريدُ
فيرى الأسبابَ أكسدُ شيءٍ لعُقباه، وأنفق شيءٍ لدنياه، فيا ويلاه ويا ويلاه.
قوله: (اللهم اعط منفق مالٍ خلفًا) أي بدلا عنه.
١٤٤٢ - قوله: (اللهم اعط ممسكًا تلفًا) أي اجعل التَّلفَ في ماله، فلا يحصل له غير النقصان.
٢٩ - باب مَثَلِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ
١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ». وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَاّ سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِىَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَاّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ». تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ فِى الْجُبَّتَيْنِ. أطرافه ١٤٤٤، ٢٩١٧، ٥٢٩٩، ٥٧٩٧ - تحفة ١٣٥٢٠، ١٣٧٥١، ١٣٥١٧ - ١٤٣/ ٢
١٤٤٤ - وَقَالَ حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسٍ «جُنَّتَانِ». وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى جَعْفَرٌ عَنِ ابْنِ هُرْمُزٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «جُنَّتَانِ». أطرافه ١٤٤٣، ٢٩١٧، ٥٢٩٩، ٥٧٩٧ - تحفة ١٣٦٣٨، ١٣٥١٧ ل
٣٠ - باب صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
стр. 1174
قوله: (وتعفو أثره)، أي تمحو آثار أقدامه، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ والظاهر أنها التجارة، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] كالعُشْر وغيره. ثم إن القرآن عمّم مما خرج من الأرض، ولم يُشر إلى نصابٍ فيه، فدل على مسألةِ الحنفيةِ من وجوبِ العُشر في كل ما خرج، قليلا كان أو كثيرًا. ولذا صرح ابن العربي أن الأسعدَ بالآية في هذا الباب هم الحنفية (١).
стр. 1175
...........................
стр. 1176
٣١ - باب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ
١٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ». فَقَالُوا يَا نَبِىَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ «يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ». قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ». قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ. قَالَ «فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ». طرفه ٦٠٢٢ - تحفة ٩٠٨٧
١٤٤٥ - قوله: (ليمسك عن الشر) يعني إن عَجَزَ أن يأتي بصدقة وُجُودية، فلا يعجِزُ عن سلبية، وفيه تنزيل من فن البديع، كما في قوله:
*وخيل قد دلفت لهم بخيل ... تحية بينهم ضربٌ وجيعُ
ليس فيه تشبيه الضرب الوجيع بالسلام، بل فيه تنزيله مكان السلام، وعليه قوله ﷺ «منْ لم يتغن بالقرآنِ فليس مِنَّا»، يعني مَنْ لم يجعل القرآنَ مكان غنائه، فهو كذا، فينبغي للإِنسان أن يريحَ قلبَهُ بالقرآن، مكان الغناء، فإنَّ من سجية الإِنسان أنه إذا ضَجِر يُسلي همومَه بنحو الغناء، فعلَّمَه الشرعُ أن الذي يَليقُ به أن يطلبَ سكون قلبِهِ وراحته من القرآن، مكان الغناء، وسمَّاه بعضهم ادّعاءً، وليس بجيد، ولو سَمَّاه قيام الشيء مَقَام غيره لكان أدلّ على مُرَاده.
٣٢ - بابٌ قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَمَنْ أَعْطَى شَاةً
١٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ - رضى الله عنها - مِنْهَا فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «عِنْدَكُمْ شَىْءٌ». فَقُلْتُ لَا إِلَاّ مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ فَقَالَ «هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا». طرفاه ١٤٩٤، ٢٥٧٩ - تحفة ١٨١٢٥
قوله: (ومن أعطى شاة) ... إلخ، إنما ذكرها تبعًا للحديث على عادة المصنف ﵀، في تراجمه. وكَرِه الحنفية أن يعطيَ أحدًا قَدْر النِّصاب، وراجع تفصيله من الفقه، فقد بلغت مَحِلَّها، فهو على وزان قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] يعني أن تلك الشاة قد قطعت المسافة التي وجبتْ لها.
وحاصله: أنك أديتَ زكاتَه، وما جاء قبلنا فهو هدية. وفيه دليلٌ على أنَّ تبدلَ المِلك يُوجبُ تبدل العين، ولكنه ليس بمطَّردٍ، وفيه استثناء. ففي «البداية» من البيوع الفاسدة: أن المشتري لو ربح بالمبيع في البيع الفاسد لا يَطيبُ له نفعه، بخلافِ البائع فيما ربح في الثمن، فإِنه يطيب له، ثم ذكر الفرق بينهما. وراجع ترجمة الشاه ولي الله «للموطأ» من البيوع، فإنه حرَّر
واعلم أن أداءَ السِّنِّ المُسمَّى في الشرع صحيح بالإِجماع، وإنما الخلافُ في دفع القِيَم، فجاز عندنا الاستبدال بالقيمة، إلا في الهدايا والضحايا، كما في «الكنز»، وذلك لأن المقصودَ ههنا الإِراقة، وذا لا يحصل بالقيمة. وإليه مال البخاري كما صرح به ابن رشيد في تراجمه، والشيخ ناصر الدين بن المُنَيِّر، والحافظ في «الفتح».
قوله: (قال معاذ لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب: خميص، أو لبيس هناوا في الصدقة مكان الشعير والذرة) قال الحافظ: إنه لم يكنْ زكاة: بل كان جِزْية. قلتُ: بل ذِكرُ الشعير والذرة تُشعِرُ بكونها مسألة العُشْر دون الجِزْية، ومسألة العُشْر والزكاة عندنا واحدة. والظاهرُ أنها كانت صدقةُ الفِطْر، ولا بأس بها عند المصنف ﵀ على ما علمتَ من توسُّعِهِ في الاستدلال، فساغ له أن يتمسك من الاستبدال في صدقة الفِطْر على جَوَازِ الاستبدال في الزكاة أيضًا.
قوله: (وأما خالد فقد احتبس أدراعه) وهذه القِصة طويلة، وفيها وقْفُ المنقولِ، فيُحمل على ما اختارَه محمدٌ: أنه صحيح بشرائطه في الفقه. أو يقال: إنه إرصاد، وهو غير الوقف، ثم الإِرصاد وإن لم يبوِّبوا له، لكنه مذكورٌ في ذيل المسائل، ومعناه حبسُ شيءٍ لمصالح، كالخيل وغيره. ثم ليس فيه ما يدلُ على أنَّ الوقفَ عدَّ من زكاته أولا، بل فيه أن خالدًا ليس عنده شيء تجبُ عليه الزكاة، فلم تطلبون منه الزكاة؟ لا أنه كان وَقَفَ مالَه فاعتد عن زكاته، فإِنها مسألة أخرى، لم يبحث عنها ههنا.
(ولم يستثن) ... إلخ، أي لم يفصل، وجعلها كلها سواءً. ثم إن المصنف أخرج حديثًا يدلُ على الاستبدال صراحةً، ولكنه لا يردُ على الشافعية: فإِنَّهم قالوا: إن هذا الاستبدال جائز لورودِ النص به، وإنما أنكروا في غير ما ورد به النص، فأوجبوا فيه العَين خاصَّةً، ولم يجيزوا بالاستبدال، إلا أن المصنف تمسك به على العموم. ثم إن حديث محمد بن عبد الله هذا عن أبيه، أخْرَجَه المصنفُ، ولم يخرجه مسلم، لأن عبد الله بن المثنى الأنصاري منسوبٌ إلى سوء حِفْظِه، وهو من أخصِّ تلامذة زُفَر، فيمكنُ أن يكونَ قويًا عنده، أو يكون اعتمد على فقاهتِهِ.
١٤٤٨ - قوله: (عشرين درهمًا أو شاتين)، وثبت من تلك المُعادلة أنَّ الحسابَ فيه تقريبي.
٣٥ - باب لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ
وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ مِثْلُهُ.
١٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ حَدَّثَنِى ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا - رضى الله عنه - حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضى الله عنه - كَتَبَ لَهُ الَّتِى فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ». أطرافه ١٤٤٨، ١٤٥١، ١٤٥٣، ١٤٥٤، ١٤٥٥، ٢٤٨٧، ٣١٠٦، ٥٨٧٨، ٦٩٥٥ تحفة ٦٥٨٢ - ١٤٥/ ٢
стр. 1179
٣٦ - بابٌ مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ: إِذَا عَلِمَ الْخَلِيطَانِ أَمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا. وَقَالَ سُفْيَانُ لَا يَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً، وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً.
١٤٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ حَدَّثَنِى ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضى الله عنه - كَتَبَ لَهُ الَّتِى فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ». أطرافه ١٤٤٨، ١٤٥٠، ١٤٥٣، ١٤٥٤، ١٤٥٥، ٢٤٨٧، ٣١٠٦، ٥٨٧٨، ٦٩٥٥ تحفة ٦٥٨٢
قال الجمهور (١): إن المرادَ من المتفرقِ والمجتمعِ بحَسَب المكان، أي ما كان متفرقًا في
стр. 1180
المكان، لا ينبغي له أن يُجمعَ في مكان واحد، وكذلك ما كان مجتمعًا في مكان لا ينبغي له أن
стр. 1181
يُفرِّقه في أمكنته. وذلك لأن الجمعَ والتفريقَ بحسَبَ الأمكنة مؤثرٌ عندهم في زيادة الواجب ونقصانه.
стр. 1182
وتفصيله: أن أربعينَ شاةً لو كانت بين رجلين مناصفةً تجبُ عليها شاةٌ واحدةٌ عند
стр. 1183
الجمهور، بشرط الاتحاد في الأشياء التِّسع المذكورة في كتبهم. من الراعي والمَرْعى والمحلب
стр. 1184
وغيرها، حتى لو كانت أربعون شاة لأربعين رجلا، وكانت متحدة في الأشياء التِّسع تجبُ فيه شاة واحدة أيضًا.
ثم اختلفَ هؤلاءِ في اشتراط النِّصاب لكلَ وعدمهِ، فَنَفاهُ الشافعي، كما عرفت من المثال المذكور. واعتبره مالك، فلا يجب عنده في الصورة المذكورة شيء ما لم يكن عند كل منهما نصاب تامٌّ. وأما عند الحنفية، فلا عبرة بالاتحاد في هذه الأشياء، ولا تأثيرَ له، وإنما الاعتبارُ بالمِلك. ويُسمَّى الأول بخُلطَةِ الجِوار، فإِنها ليست بخُلطة في الحقيقة، وإنما اعتبرت من جهة المكان، فنسبت إليه، وإنما تصح هذه الخُلطة عندهم عند الاتحاد في الأشياء المذكورة، ويُسمَّى الثاني بخُلطة الشُّيوع، وهي الخُلطة بحَسَبِ المِلك، فإذا كانت لرجلين ثمانون شاة، وليست بمُتَميزة في الأَملاك، تجبُ فيها شاتان عندنا.
ونقَّح بعضهم الخلاف المذكور بأنَّ الزكاةَ عند الجمهور على القطائع، وعند الحنفية على الملاك. وتمسك الجمهور بالحديث المذكور، فإنَّه يدُل على أنَّ الجمعَ والتفريقَ بحَسَبِ المكان مؤثرٌ، ولذا نهى عنهما. فأجاب عنه الحنفية، وقالوا: معناه عندنا: «لا يجمع بين متفرق»، أي
стр. 1185
باعتبار المِلك، فإذا كان المِلكُ متفرِّقًا لا يُجمع، كخمسٍ من الإِبل لرجلين، وحال عليها الحول، فلا يجعلها المُصَّدِق كملك رجلٍ واحدٍ، لتجبَ عليه الصدقة، فحملوه على خُلطة الشُّيوع.
١٤٥٠ - قوله: (خشية الصدقة)، والخشيةُ خَشْيتان: خشيةُ السَّاعي، وخشية المالك. وكذلك النهيُ نهيان: النهي عن جمعِ المتفرِّق، والنهيُ عن تفريق المجتمع، فحصل من ضربِ الاثنين في الاثنين أربعة أقسام: النهيُ عن جمع المتفرقِ للساعي والمالك، وكذلك النهيُ عن تفريق المجتمع لهما.
مثال الأول: كخمس من الإِبل بين اثنين، وحال عليها الحولُ، وأراد الساعي أن يأخذ منها الصدقة، فجمع بين المِلكين، وعدَّهما كملكِ رجلٍ واحدٍ، ليس له ذلك.
ومثال الثاني: كثمانين من الغنم بين رجلين، فأراد أن لا تجب عليهما إلا شاة واحدة، فجعل مِلكاهما كمِلك رجلٍ واحدٍ، لتتغيَّرَ الفريضةُ من شاتين إلى شاة واحدةٍ، ليس لهما ذلك.
ومثال الثالث: كان لرجلٍ واحدٍ ثمانون شاة، - أي مجتمعة - في مِلكِ رجلٍ واحد، وأراد السَّاعي أنْ يأخذ منها شاتان، فجعلها كأنها في مِلكِ رجلين ليس له ذلك.
ومثال الرابع: كان لرجل أربعونَ شاةً، فأراد أنْ لا تجبَ عليه الصدقةُ، فجعلها كأنها في مِلك رجلين ليس له ذلك. ولعلك علمتَ منه النهي في الحديث، يصلح أن يكونَ للساعي، أو للمَالك، أو لكليهما، على مختارِ الحنفية (١).
قوله: (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) أي إذا حضر الساعي بعد تمام الحول، فإِنه يأخذُ الواجبَ من المجموع، ولا ينتظرُ تقسيمَهما، ولكن على الخليطين أنْ يتراجعا بينهما بحَسَبِ الحساب. مثلا: لو كان بين رجلين إحدى وستون إبلا: ست وثلاثون سهمًا منها لواحد، والباقي للآخر، فجاء السَّاعي وأخذ بنتُ لَبُون ممن كان له ستٌّ وثلاثون سهمًا، وبنت مَخَاض ممن كان له خمس وعشرون سهمًا، فإنَّهما يتراجعان بينهما، فإن كلَّ ما يأخذُه الساعي يكون مشتركًا بينهما بهذه النِّسبة، فيجب على مَنْ له ستٌ وثلاثون سهمًا أنْ يردَّ خمسًا وعشرين من بنتِ اللَّبُون إلى صاحبه، وكذلك يجبُ على صاحبه أن يردَّ ستًا وثلاثين سهمًا من بنت المَخَاض إلى صاحبه. ولعلك فهمت منه أن التراجُعَ يستقيمُ على مذهبنا أيضًا.
وابن حزمٍ لما لم يُدرك حقيقةَ مذهب أبي حنيفة ﵀ زعم أن التراجعَ لا يَستقيمُ على مذهبنا. بل أقول: إنه أصدقُ على مذهبنا، فإنَّ الزكاة عند الجمهور على القطائع، فالنصابُ في
стр. 1186
الصورة المذكورة عندهم واحدٌ، والواجبُ فيه عندهم الجَذَع، فيأخذه الساعي، ويرجع صاحب الجَذَع على الآخر بقدر حصة، فإِن الجَذَعَ على هذا التقدير ليس مشتركًا بينهما لعدم الشركة ملكًا، بل ذهبَ من واحدٍ منهما، فيرجع مالكه على صاحبه بقدر ما أدى عنه لا محالة، وحينئذ لم يصدق التفاعل، فإِنه يقتضي الشركة في الفعل، ولا رجوعَ ههنا. إلا من جانبٍ واحد، وهو مالك الجَذَع.
أما على مذهبنا فالتفاعل على ظاهرها، كما علمت، فيلزمُ عليهم أن يأخذوا التفاعلَ باعتبار اختلاف الأزمان، أي قد يرجع هذا على هذا، وقد يرجع ذلك على هذا، فإنَّ الواجبَ الذي أخذه مالكٌ قد يكون مِلكًا لهذا، وقد يكون مِلكًا لذلك، وكل من يكون له الملك يرجع على صاحبه، فاستقام التراجع على مذهبهم أيضًا. إلا أنه بنوع من التأويل، وهو صادق على مذهبنا بدون كُلفة. وراجع الأمثلة من قاضي خان. وأما ما في الحواشي فهو مثال على مذهب الشافعية.
والحاصل: أن الجمهور أخذوا القِطعتين في خُلطة الجِوَار (١). والحنفيةَ حملوها على خُلطة الشُّيُوع، فوقعوا في بُعدٍ من ألفاظ الحديث. فإنَّ الجمعَ والتفريقَ لا يتبادرُ منه إلا ما كا بحسَبِ المكان، ولا يأتي هذا التعبير في الجمع والتفريق مِلكًا، فأقول: إن الجملة الأولى في خُلطة الجوار، كما قالها الشافعية. والثاني: في خُلطة الشيوع، فَوَافقتُهم في التعبير، وخالفتهم في المسألة، بأن النهيَ عن خُلطة الجِوَار عندهم لكونها مؤثرًا. وقلتُ: بل لكونها مفضيًا إلى التخليط والتلبيس في الحساب، فإنَّ الشياه إذا كانت ترعى في مراعي مختلفة، فجمعها في مرعىً واحد لا يُوجب ذلك تغييرًا في الفريضة أصلا لكنه فعلُ لغوٍ لا فائدةَ فيه. نعم، ربما أمكن أن يفضي إلى التخليط في الحساب، فنُهي عنه. وأما عند الجمهور فالنهيُ عنهما لكونهما مؤثرين في تغيير الفريضة، على ما علمت تفصيلَه.
وأما الجملة الثانية فقد أخذتُها في خُلطة الشُّيُوع، وإنما حملني على هذا الفك تغاير شاكلتي الجملتين، فإنَّ الظاهر أنه موضعُ الإِضمار، لمضي ذكر الخليطين قبل ذلك، فينبغي أن يكون: وهما يتراجعان بالسوية، ولكنه وضع المُظْهَرَ موضع المُضْمَرَ، وعبَّر عنهما بالخليطين، فاستبان لي أن الأولى في خُلطة الجِوَار، والثانية في خُلطة الشُّيُوع.
قوله: (قال طاوس وعطاء: إذا علم الخليطان أموالهما فلا يجمع مالهما) أراد به نفيَ خُلطة الجِوَار، واعتبار الخُلطة باعتبار المِلك.
стр. 1187
قوله: (وقال سفيان: لا تجب حتى يتم لهذا أربعون، ولهذا أربعون) وهو وإن كان يحتملُ الشرحين، فإنَّ بعض القائلين بخُلطة الجِوَار أيضًا شرطوا النِّصاب، فإنْ كان الواجبُ عنده في الصورة المذكورة شاةً واحدةً، فهو مذهب الآخرين، وإن كان شاتين ففيه مُوَافقةٌ للحنفية، لكن ما يظهر بعد التعمُّقِ فيما قاله الطحاوي في «مشكله» من مذهب سفيان: أن سفيانَ موافقٌ للحنفية، فعليه ينبغي أن يُحمل كلامُه. وإليه ذهب البخاري وابن حزم، كما يظهر من كلام ابن رشد في «قواعده» ونقل العيني أيضًا عبارةَ ابن حزم، إلا أنها غير مفصِحة (١).
واعلم أنَّ الحديثَ صريحٌ في أنَّ الهجرة من دار الحرب إلى دار الإِسلام لا تجبُ مطلقًا، وإن كانت عزيمةً إذا وُجِدَ دارُ الإِسلام على وجهه. أما القرآنُ فإِنَّه استمر بالذمِّ على تاركها، وذلك لأن من دأب القرآن أنه إذا استحبَّ أمرًا استمر بمدحه، وكذا بالذم على تاركه. نعم، يُوميءُ إلى الجوازِ من عَرْض كلامه، كالهجرة، فإنَّه كرِه تركَهَا، فاستمر بالذم على مَنْ تَرَكَها، ومع ذلك أشار إلى الجوازِ في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فترشَّح منه أن المؤمنَ له أن يَمكُثَ في دار الحرب، فإنْ قُتِلَ، ففيه الحكم المذكور، فالمقصودُ منه ذكر الكفارة، والمرموزُ جَوَازُ المُكْثِ في دار الحرب، وهذا بخلاف دأب الحديث، فإنَّه قد يصرحُ بالجائزات أيضًا، وإن لم تكن مرغوبةً عنده.
قوله: (من وراء البحار) وهذا كقولنا في العُرف: (سات سمندريار).
٣٨ - باب مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ
١٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ حَدَّثَنِى ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا - رضى الله عنه - حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضى الله عنه - كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ «مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَاّ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ، وَيُعْطِى شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِى مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ». أطرافه ١٤٤٨، ١٤٥٠، ١٤٥١، ١٤٥٤، ١٤٥٥، ٢٤٨٧، ٣١٠٦، ٥٨٧٨، ٦٩٥٥ تحفة ٦٥٨٢ - ١٤٦/ ٢
وقد مر أن المصنفَ جَوَّز الاستبدال بالقيمة، وأنه أخرجَ فيه عن الأنصاري، وهو عبد الله بن المُثَنَّى - حنفيُ المذهب - ونُسِبَ إلى سوءِ الحفظ، وكان عنده حديث طويل في باب الزكاة، فَبسَطَ المصنفُ ﵀ قِطعاته في هذا الباب. ثم قيل: إنه لِمَ ذكر - بنتَ المَخَاض - في حديثه؟ والجواب: أن المصنف قاسَهُ على بنتِ اللَّبُون، وإنما لم يُخرِّج حديث بنتِ المَخَاض مع كونه عنده، كما في صدر الصحيفة، ليدل على أنَّ المسألةَ أعمُّ منه.
٣٩ - باب زَكَاةِ الْغَنَمِ
١٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الأَنْصَارِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ حَدَّثَنِى ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضى الله عنه - كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ:
٤٢ - باب لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِى الصَّدَقَةِ
١٤٥٨ - حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِىٍّ عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا - رضى الله عنه - عَلَى الْيَمَنِ قَالَ «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً ﴿تُؤْخَذُ﴾ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ». أطرافه ١٣٩٥، ١٤٩٦، ٢٤٤٨، ٤٣٤٧، ٧٣٧١، ٧٣٧٢ - تحفة ٦٥١١
٤٣ - باب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ
١٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةَ الْمَازِنِىِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ». أطرافه ١٤٠٥، ١٤٤٧، ١٤٨٤ - تحفة ٤١٠٦ - ١٤٨/ ٢
١٤٥٤ - قوله: (فإذا زادت على العشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة). واعلم أن الفريضة في مئة وعشرين، حِقتان بالإِجماع. ثم اختلفوا: فعندنا تُستأنَفُ الفريضةُ - كما في الأول - إلى مئة وخمسين، إلا أنه لا تجبُ فيه بنتُ لَبُون وجَذَعة، ففي كل خمسٍ شاة إلى مئة وخمس وأربعين مع الحِقتين؛ فإذا صارت خمسًا وأربعين بعد المئة تجب فيها حِقتان، وبنتُ مخَاض. وفي مئة وخمسين ثلاث حِقَاق، هذا هو الاستئنافُ الأول، ثم تُستأنَفُ الفريضة، وتجبُ فيها بنتُ لَبُون أيضًا، على خلافِ الاستئناف الأول. ففي مئة وخمس وسبعين ثلاث حِقَاق وبنت مَخَاض. وفي مئة وستٍ وثمانين ثلاث حِقَاق وبنتُ لَبُونَ.
وفي مئة وست وتسعين أربع حِقَاق إلى مئتين، ثم تُستأنَفُ الفريضة، كما بعد مئة وخمسين، فتجبُ في كلِّ خمسٍ شاةٌ، فإذا صارت مئتين وخمسًا وعشرين، ففيها أربعُ حِقَاق وبنتُ مَخَاض، وكذلك في ستٍ وثلاثين بنتُ لَبُون إلى ستٍ وأربعين، ثم إلى خمسين حِقَة، ففي مئتين وخمسين خمس حِقَاق، وهكذا إلى ما لا نهاية له، فيدورُ الحسابُ على الخمسينيات، وتجبُ في كل خمسين حِقَّة، وكذلك في كل أربعين بنت لَبُون، إلا أنها تجبُ على ستٍ وثلاثين، وتبقى إلى ست وأربعين، فلا يدورُ الحسابُ عليه.
إذا علمتَ هذا، فاعلم أنَّه لا ريبَ في أن الحديثَ أقربُ إلى مذهب الأئمة الثلاثة، فإنَّ الفريضة عندهم بعد مئة وعشرين تتغيرُ على كل أربعين إلى بنتِ لَبُون، وعلى كل خمسين إلى حِقَّه، فإذا صارت مئة وثلاثين تجبُ بنتا لَبُون وحِقَّة، لاشتمالها على أربعينتين وخَمْسِينة، ثم إذا صارت مئة وأربعين تجبُ حِقَّتان وبنت لَبُون، لاشتمالها على أرْبعينَةٍ وخَمْسينتين، فإذا دار الحسابُ بعد
стр. 1195
مئة وعشرين على الأربعينيات والخمسينيات إلى الأبد، تَبَادر منه أن يكون هو مراد الشارع. نعم لو انقطع في موضع لكان محل رِيْبة، فإذا استمرّ، ولم ينقطع في موضع، علمنا صحتَه. وأما على مذهبنا فالحديث - وإن كان صادقًا أيضًا - لكنه على مذهبهم أصدق، والحقُّ أحقُّ أن يُتبع.
وتفصيله: أن قوله: «في كل خمسين حِقَة»، مطَّردٌ على مذهبنا أيضًا، إلا أن قوله: «في كل أربعين بنت لَبُون» ينتقضُ في موضع - وهو الاستئناف الأول - لما عرفت أنها ليست عندنا في الاستئناف الأول بنت لَبُون أصلا، ثم إنها وإن كانت في الاستئناف الثاني لكنَّ الفريضةَ لا تدورُ على الأربعين عندنا، فتجبُ بنت لَبُون من ستٍ وثلاثين إلى ست وأربعين، والأربعون واقع في البَيْن، فقوله: «في كل أربعين بنت لبون»، وإن صدق على مذهبنا أيضًا لكنه ليس بلطيف، لأنه لا يظهرُ لتخصيص هذا العدد معنىً، لكونها واجبةً فيما دونه، وفيما فوقه أيضًا؛ ويمكن أن يُجاب عنه أن بيانَ النُّكتة ليس بضروري، وكفى له الصدق مطلقًا.
ألا ترى إلى قوله ﷺ في نِصَاب الشِّيَاه: «فإذا زادت، فثلاث شياه إلى ثلاث مئة»، مع أن ثلاث مئة ليس بمدارٍ، لأن الواجبَ إلى تسعٍ وتسعين، وثلاث مئة هو الثلاثُ بعينِها، فكذلك نقول في الأربعين، فإنَّ بنتَ اللَّبُون تذهب إلى ست وأربعين، فهذا صادقٌ، وإن لم تكن فيه نُكتةٌ. فإن قلت: إن الحِقَّة عندنا تجبُ من ستٍ وأربعين إلى خمسين، فلم يبق في قوله: «في كل خمسين حِقَّة» أيضًا لطفٌ على مذهبنا، فلا بد له من نُكتةٍ. قلتُ: إن الأمرَ كما زعمت، فإن الحِقَّة تجبُ من ستٍ وأربعين، وتذهب إلى خمسين، إلا أن الفريضةَ لما كانت تعودُ من الخمسين، أحال عليه، لُيعلم محلُّ الاستئناف، فلطف على مذهبنا أيضًا.
نعم بقي شيءٌ في قوله: «في كل أربعين بنتُ لَبُون»، فإنه وإن كان صادقًا على مذهبنا - كما عرفتَه - لكنه لا لطفَ فيه، فقيل في جوابه: إنه ليس من الضروريات أن تذكرَ له نُكتةٌ، وصِدْقُه على مذهبنا يكفي للخروج عن عُهْدَةِ قولِه ﷺ كما علمت آنفًا، على أنه لا دليل في قوله ﷺ على كونه مدارًا، ولذا تَرَكَ ذكرَه في بعض الروايات، واكتفى بالخمسين.
فأخرج الطحاوي في «معاني الآثار» وهذه صورة إسناده: حدثنا سليمان بن شُعيب - تلميذُ الإِمام محمد، ثقة - حدثنا الخَصِيْبُ بن ناصح - فيه لِيْنٌ - حدثنا حمَّاد بن سَلمَة، قال: قلت لقيس بن سعد - قاضي مكة: أكتب لي كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - قاضي المدينة - فكتبه لي في ورقة، ثم جاء بها وأخبرني أنه أخذه من كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم (١)، وأخبرني أن النبي ﷺ كتَبه لجده عمرو بن حزم في ذكر ما يخرج من فرائض