الغِفَاري قال: كان قَتْلَى أُحُد يُؤتَى بِستعة وعاشرُهم حمزةُ ﵁. فيصلِّى عليهم رسولُ الله ﷺ ثُمَّ يُحملون. ثُم يُؤتَى بتسعةٍ فَيُصلِّي عليهم وحمزةُ مكانَه، حتى صلَّى عليهم رسولُ اللَّهِ ﷺ ولخَّص الذهبيُّ كتاب البيهقي - ولم يُطبع - ومرَّ فيه البيهقي على رواياتِ الطحاوي تلك، وظن أسانيدَه مستقيمةً ولم يَرَ فيها بأسًا.
قلت: ولعلَّه تَرك حمزةَ ﵁ مكانَه في كلِّ مرةٍ لمزيدِ البركة، فإِنَّه يُبعث يومَ القيامةِ سيدَ الشهداءِ وإن كفت الصلاة مرةً أيضًا. ثُم عند أبي داود في باب الشهيد يُغَسَّل عن أنس: «أنَّ النبي ﷺ مرَّ بحمزةَ ﵁ وقد مُثِّل به، ولم يُصَلِّ على أَحَدٍ من الشهداء غيرِه». ومرادُه أنه لم يُصلِّ مستقِلا إِلا على حمزةَ ﵁ كما علمت. فإِنَّه لما كان موجودًا في كلِّ مرةٍ، وكان الآخَرُون يحملونَ واحدًا بَعْد واحدٍ، فكأنَّه صلَّى عليه مستَقِلاّ ولم يُصَلِّ على غيره. كذلك وسأل ابنُ الماجِشُون مالِكًا ﵀ عن الصلاةِ على النبيِّ ﷺ فأجاب: أنَّه صلَّى عليه كما صلَّى على حمزة ﵁. وفي السِّير: أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى عليه عِدَّةَ صلواتٍ. فسأله ابنُ الماجِشون مِن أين تقول هذا؟ فسرَد مالك رحمه الله تعالى إسنادَه. وقد استوفينا دلائلُه فيما ألقيناه في درس الترمذي.
أما وَجْه الخلافِ في الصلاةِ عليهم مع كونِ المسألةِ مما يَكْثُر بها البلوى: أنَّ الأَصْلَ في هذا البابِ هو غزوةُ أُحُد، وقد جُمِعَ فيها رجالٌ في صلاةٍ، فعدها بَعْضِهم صلاةً، ولم يعتبرْها بعضُهم لعدم كونها على الشاكلة المعروفةِ، فإِنَّها لم تكن عليهم فُرَادَى فُرَادَى، على أنَّ الشهداءَ يفقدون من المعركة كثيرًا كما يكون اليوم أيضًا، فلا يُصلَّى عليهم. فإِذا صُلِّي على البَعْضِ دون البَعْضِ سرى الخلافْ أَلا ترى أن مالكًا رحمه الله تعالى بنى تفصيلَه في الصلاة كلَّه على شهداءِ أُحُدٍ فندخل في ضمان الله تعالى كما دخلوا، ونستغني عن الصلاةِ كما استغنوا. وإنْ خرجنا إليهم انتفت تلك المظلوميةُ ولا نكون في معنى شهداء أُحُدٍ، وحينئذٍ يُصلَّى على قتلانا.
٧٣ - باب دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِى قَبْرٍ
١٣٤٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ. أطرافه ١٣٤٣، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩ - تحفة ٢٣٨٢
وإنما احتاجوا إليه لكثرة القَتْلى، وإِلا فالجَمْع لا يجوزُ.
стр. 1122
١٣٤٦ - قوله: (ولم يُغَسِّلْهُم) وترجمته (غسل نه دلوايا) واعلم أن التعديةَ في اللغة الفارسية تحصل بزيادة حَرْفٍ على الفعل اللازم، كقولهم: (خوردن وخورانيدن). فليُبْحث في الصَّرف أنَّ مِثْل هذه التعديةِ توجدُ في لغة العرب أيضًا أم لا؟ ولا أراها ثابتةً فيها ولكن ترجمت التفعيل ههنا على طريق التعدية في اللغة الفارسية، يقال: «غسله ««أوسكو غسل دايا وغسَّله» «أوسكو غسل دلوايا». والغَرَض مِن هذا التفتيشُ أنه لو ثَبت في الصَّرْف هذا النوعِ من التعدية لكان للمالكيةِ وَجْهٌ في تأويلهم حديثَ التأمين. فإِنَّهم يقولون: معنى قوله: «إذا أَمَّن الإِمام» «وجب أمام آمين كهلوائي». وقد مرَّ تفصِيلُه وليس فعْلٌ في لغةِ العرب عندي يدل على تسخير أحدٍ بهذا الفِعْلِ بِعَيْنه.
٧٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ
١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «ادْفِنُوهُمْ فِى دِمَائِهِمْ». - يَعْنِى يَوْمَ أُحُدٍ - وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. أطرافه ١٣٤٣، ١٣٤٥، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩ - تحفة ٢٣٨٢
٧٥ - باب مَنْ يُقَدَّمُ فِى اللَّحْدِ
وَسُمِّىَ اللَّحْدَ لأَنَّهُ فِى نَاحِيَةٍ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ. (مُلْتَحَدًا) مَعْدِلاً، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا.
١٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ وَقَالَ «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. أطرافه ١٣٤٣، ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩ - تحفة ٢٣٨٢
١٣٤٨ - وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ «أَىُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَقَالَ جَابِرٌ فَكُفِّنَ أَبِى وَعَمِّى فِى نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ. أطرافه ١٣٤٣، ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٥٣، ٤٠٧٩ - تحفة ٣٠٠٥ ب
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنِى الزُّهْرِىُّ حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ جَابِرًا - رضى الله عنه. تحفة ٢٣٨٢
٧٦ - باب الإِذْخِرِ وَالْحَشِيشِ فِى الْقَبْرِ
١٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِى، أُحِلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى
قوله: (هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ) والصحيحُ «غير هُنَيَّةِ من أُذْنِه».
٧٨ - باب اللَّحْدِ وَالشَّقِّ فِى الْقَبْرِ
١٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ ثُمَّ يَقُولُ «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ فَقَالَ «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. أطرافه ١٣٤٣، ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ٤٠٧٩ - تحفة ٢٣٨٢
إن كان المرادُ من الغيرِ بني إسرائيل فالحديثُ يدلُّ على مزيدِ تأكيد اللحد، وإن كان المرادُ أَهْلَ مكةَ فَيَخِفُّ الأَمْرُ.
٧٩ - باب إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِىُّ فَمَاتَ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِىِّ الإِسْلَامُ ؟
وَقَالَ الْحَسَنُ وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَالْوَلَدُ مَعَ الْمُسْلِمِ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - مَعَ أُمِّهِ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ. وَقَالَ الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى.
يعتبر عندنا بإسلام الصبيِّ المُميِّز ولا يُعتبرنا بارتداده، وعند الشافعيةِ رحمهم اللَّهُ تعالى لا يُعتبر بإِسلامه أيضًا. وكنتُ أَتحيرُّ أنَّهم ماذا يقولونَ في إسلام عليَ ﵁، فإِنَّه أسلم صبيًّا يدلُّ عليه قولُه:
لقد سَبَقْتُكُم على الإِسلام طُرَّا
ثم رأيت في "السنن الصُّغْرى" للبيهقي: وفيه أن الأحكام قبل الخَنْدَق كانت منوطةً بالتمييز وبعدَه نِيطَتْ بالبلوغ. وعليٌّ ﵁ في مَنْ دَخل في الإِسلام قَبْل الخندقِ، فظهر الجوابُ عنه. ثُم إنَّ المسألةَ فيمَنْ كان أبواه كافرَيْنِ. أَما إذا كان أبواه مُسلِمَيْن فلا اختلاف فيه. وشَنَّع بعضُهم على الحافظ ابن تيميةَ رحمه الله تعالى بأنه لا يعتبِرُ إسلامَ عليٍّ ﵁.
قلت: لم أجِدْه في تصانِيفه. ثُم رأيتُ الشِّبلي نسبَ إلى الحافظِ ابن تيمِيةَ رحمه الله تعالى
стр. 1125
أنه قائلِ بإِسلام مَن صَدَّق النبيَّ والقرآنَ وإن بقي على اليهودية. ولم أجِدْه أيضًا في تصانيف ابن تيميةُ رحمه الله تعالى، ولعلَّه أيضًا افتراءٌ عليه.
قوله: (وكانَ ابنُ عباسٍ ﵁ مع أُمِّهِ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ) لأَنَّ أُمِّه أسلمت مِن قبل، حتى قيل: إنها أسلمت بعدَ خديجةَ ﵂، ولم يكنِ العباسُ أظهرَ إسلامَه بَعْدُ. فكان ابنُ عباس ﵄ مع أُمِّه وكانت خيرَ الأَبوينِ دِينًا.
قوله: (الإِسلامُ يَعْلُو ولا يُعْلَى) هذا باعتبار التشريع ظاهرٌ، وأما باعتبارِ التكوين ففيه تفصيلٌ.
١٣٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِى مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِىُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ «تَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ». فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِىِّ ﷺ أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَضَهُ وَقَالَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ. فَقَالَ لَهُ «مَاذَا تَرَى». قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِى صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ» ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ «إِنِّى قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا». فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ». فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - دَعْنِى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِى قَتْلِهِ». أطرافه ٣٠٥٥، ٦١٧٣، ٦٦١٨ تحفة ٦٩٩٠
١٣٥٤ - قوله: (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسولُ اللَّهِ) وغ» رَضُ المصنِّف رحمه الله تعالى أن ابنَ صَيَّاد لو شَهِدَ برسالَتِه، لحَكَم عليه بالإِيمان، مع كونه صبيًّا إذ ذاك.
قوله: (فقال عُمرُو ﵁ دَعْنى يا رسولَ اللَّهِ أَضرِبْ عُنْقَه ... ) إلخ. وإنَّما لم يذره النبيُّ ﷺ فيقتله، لأنه كان حينئذٍ صبيًّا كما في الحديث. والوَجْه الثاني ما بيَّنه بنفْسِه الشريفة: وهو أنَّه: «إنْ يكن هو فلن تُسلَّط عليه «. وفيه سرٌ عظيم ينبغي الاطلاع عليه:
فاعلم أنَّ التكوينَ قد يناقِضُ التشريعَ، لأن التكوِينَ ليس تحتَ التكليفِ. فلو انكشفَ التكوينُ على أَحَدٍ لا يتغيَّرُ به التشريعُ أصلا، فلو كُشِف لأَحَدٍ أنَّ فلانًا يُخْتم له على الكفر - والعياذ باللَّهِ لا يجوزُ له أن يُعامل معه معاملةَ الكفار في الحالة الراهنة. وهو الذي عَرَض لعليَ ﵁ حين سأله ابنُ الكواء: أنه يُفتح له أو لا؟ قال: لا. قال: فَلِمَ تُحارِب إذَن؟ قال: إِني مأمورٌ. يعني به أنَّ التكوينَ وإن كان جرى بالهزيمة أَلا أَنَّ التشريعَ على مكانه لا يتغيرُ به، كما لو لم يُكْشَف عليه.
فلا ينبغي لأَحَدٍ أن يعملَ بالتكوينِ إِلا للنبيُّ خاصَّةً، فإِنَّه قد يأخذُ جِهةَ التكوينِ أيضًا كما أخذ في قَتْل الدجَّال. وهو الذي راعاه في قِصَّة رَجُلٍ اعترضَ على تقسيمِ رسولِ الله ﷺ فقال:
стр. 1126
هذه قسمةُ لم يُرَد بها وَجْهُ اللَّهِ - والعياذ باللَّه - ولما قال عمرُ ﵁: دَعْني أَضْرِبْ عُنُقَ هذا المنافق. قال: «لَعلَّه يخرجُ من ضِئضِىءِ هذا رجالٌ يقرأونَ القرآن لا يجاوِزُ حناجِرَهم». فلم يقتله، والسِّرُّ فيه أنَّ النبيَّ ﷺ إذ يخبرهم بأمر بنفسه يناسِب له أن يراعيه، فإِنه إِذا أخبرَ أن عيسى ﵇ يَقْتُلُ الدجَّال (١) يناسِب له أَن لا يتولى قَتْلَه بنفسه، وإِذا أخبر أنه يخرج منه قومٌ كذا، ناسب له أن لا يستبيحَ بَيْضَتَهُم. فهذا عملٌ بالتكوين وذا لا يناسبِ إِلا للنبيِّ خاصَّةً.
قوله: (آمَنْتُ باللَّهِ ... ) إلخ. وإِنَّما لم يتوجه لجوابه صراحةً تصغيرًا لأَمْرِه، وتَوجَّه إلى ما يليقُ بِشَأنِه على حَدِّ قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٢].
قوله: (يَأتيني صَادِقٌ وَكَاذِبٌ ... ) إلخ. وهذا هو شَأنُ الكُهان.
стр. 1127
قوله: (خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ) وهذا أصلٌ عظيمٌ أن لا تَخْلُيطَ في أنباءِ المرسلين، بخلاف الدجاجِلَةِ والكهانِ، فإِنَّهم يَخْلِظون بين الحقِّ والباطل.
قوله: (هو الدُّخُّ) واتفق الشارِحون على أنه كان خبأ له الآية: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]. ثُمَّ قيل: إنه اطلع عليه لاستراقها إبليس، وإلقائها عليه. قلت: لا حاجةَ إلى هذا العُذْر، بل الكَهَانَة قد تكون فِطْريةً كما ذكره ابن خَلْدُون. ثم ذَكَرَ العلومَ التي لها دَخْلٌ في اكتساب المغيبات. فالأنبياءُ ﵈ يُوحَى إليهم، والكُهان أيضًا تلقى في نفوسهم أشياءُ ناقصةٌ غير أنه لا يوثَقُ بها لبناءِ أَكْثَرِها على الكذب، بخلاف أنباء المرسلين، فإِنَّهم يَحْكُونِ عن الأَصْلِ، فلا تحتمل الكَذِبَ أصلا. ومرَّ عليه الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى وقال: المرادُ به أَني أرى شيئًا كالدخان، وفي الحديث: «أن عَرْشَ إبليسَ على الماء، فلعلَّه رأى شيئًا عليه عَرْشُ إبليس. قلت: وتجلَّى الربُّ مَجْدُه لما كان في الضبابة جعل يَحْكي عنه وجلس في الدُّخِّ فإِنه أيضًا كالضبابة.
قوله: (إنْ يكن هو ... ) إلخ. وفي «الفتح» روايةٌ أنَّ قَتْله قَدَرٌ على يَدِ المسيح ﵇. وهذا الآخر الزنيم لعين القاديان يَزْعُم أن النبيَّ ﷺ لم تُكْشف عليه حقيقةُ الدَّجَّال كما هي - والعياذ بالله، ولا يَدْري أن قولُهُ: إن يكن هو ليس للشك بل هو على حد قوله: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وإنما يخرجُ التعبيرُ هكذا حيثُ يقصد إبرازُ الجزء الواحد على طريق الضابطة الكلية، فتأتي فيه العبارةُ كما ترى. أو كقوله في المُحَدَّث: «إنْ يكن من أمتي أَحَدٌ فَعُمَر» - أو كما قال، ويجيءُ تحقيقُه إن شاء الله تعالى.
وفي البخاري تَصريحٌ بأنه كان يَعْلم أنَّ ابن صَيَّاد لم يكن الدجَّالَ الأكبرَ، كما في الجهاد. وفي «مصنف عبد الرزاق»: «أيُّها الناسُ إنَّ ابنِ صَيَّاد ليس الدجَّال الأكبر» - وفيه قال: أكثرَ الناسُ في مُسَيْلمةَ قبل أن يقولَ رسولُ الله ﷺ فيه شيئًا. فقال رسول الله ﷺ إنَّه كَذّابٌ بين ثلاثينَ دجالا، يخرجون بين يَدَي المسيح». فالثلاثون مقيَّدُون بهذا القيد، ويمكن أن يكونَ بعده ﵊ أيضًا دجَّالون آخَرُون. وحينئذٍ لا تعارُض بين الأحاديثِ المتعارضة في عدد الدَّجَاجِلَة. فإِنَّ بعضَها فيمَن يظهَرُون قَبْله ﵊.
قوله: وآخرون فيمن يخرجون بعده والأمر عند الله تعالى «يختل» داؤ كرنا.
١٣٥٥ - وَقَالَ سَالِمٌ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَقُولُ انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ الَّتِى فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ فَرَآهُ النَّبِىُّ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، يَعْنِى فِى قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ أَوْ زَمْرَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ يَا صَافِ - وَهْوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ - هَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ . فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ». وَقَالَ شُعَيْبٌ فِى حَدِيثِهِ فَرَفَصَهُ رَمْرَمَةٌ، أَوْ زَمْزَمَةٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ الْكَلْبِىُّ وَعُقَيْلٌ رَمْرَمَةٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ رَمْزَةٌ. أطرافه ٢٦٣٨، ٣٠٣٣، ٣٠٥٦، ٦١٧٤ - تحفة ٦٩٩٠، ٦٨٠٧، ٦٩٣٢، ٦٨٤٩، ٦٨٨٩ - ١١٨/ ٢
стр. 1128
١٣٥٥ - قوله: (لبيَّن) ليس معناه أنه بَيَّن بلسانه، بل غَرضُه أَن لو تَرَكْته لانكشف أَمْرُه.
١٣٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ غُلَامٌ يَهُودِىٌّ يَخْدُمُ النَّبِىَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِىُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ «أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ». طرفه ٥٦٥٧ - تحفة ٢٩٥
١٣٥٦ - قوله: (فقال: أَطِع أبا القَاسِم، فأَسْلَم) ولعلَّه لم يبلغ الحُلْم إذ ذاك. ولما أَسْلَم قبل أن يُغَرْغِر اعتُبر إسلامُه.
١٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَأُمِّى مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ، وَأُمِّى مِنَ النِّسَاءِ. أطرافه ٤٥٨٧، ٤٥٨٨، ٤٥٩٧ - تحفة ٥٨٦٤
١٣٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، يَدَّعِى أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّىَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الآيَةَ. أطرافه ١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩ - تحفة ١٤٦٠١ أ، ١٩٣٤٥ ب
١٣٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ). أطرافه ١٣٥٨، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩ - تحفة ١٥٣١٧ - ١١٩/ ٢
حديث أبي هريرة في أن: «كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرِة»
واعلم أنَّ الحديثَ المذكورَ لم يَزْل معركةً من زمنِ الأئمة، حتى سُئل عنه عبدُ الله بنُ المبارك، ومحمدُ بن الحسن. ونَقل أبو عبيد (١) - وهو تلميذ محمد - كلماتٍ عن شيخه في شرح
стр. 1129
هذا الحديث ينبغي أن يراعيها الباحِثُ أيضًا. وبحث عليها الحافِظُ ابن القيم رحمه الله تعالى في «شفاء العليل» على نحو ثماني وريقاتٍ، وجزم بأن المرادَ مِن الفطرة الإِسلامُ. وادَّعَى أنه
стр. 1130
هو عُرْف القرآنِ والحديث.
وحينئذٍ حاصل الحديث: أن كلَّ مولودٍ ولو كانت في بيت كافر فهو محكومٌ عليه بالإِسلام عنده حتى يتكلمَ، أو يبلغَ الحِنْث، كذا يُستفاد من حديث «مسلم». فإِن قلتَ: فما بال صِبيان المشركين الذين ماتوا في صِباهم لا يصلَّى عليهم، فإِنَّهم حينئذٍ مُسلمون.
قلتُ: لأنَّ هذا الحديث وَرَد في النجاة وعدمِها، فهو من باب الآخرة دون أحكام الدنيا، فلا يصلَّى عليهم في الدنيا، ويُحْكَم عليهم بالإسلام باعتبار الآخرة، وينجون من عذابِ الله. واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] حيث جعل فيه الفطرة دينًا. قلتُ: ليس فيه ادَّعاه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] ذلك الدِّين القيِّم. فجعل فيه الأمْرَ التكويني وهو كونُ عِدّة الشهور إثنا عشرَ شهرًا دَيْنًا، وحكم بأن النسئة خلافُ الدَّين. فالصوابُ عندي أنَّ الفِطرة من مقدِّمات الإسلام لا عَيْنه. فهي جِبِلَّة متهيئةٌ لقبولِ الإسلام (١) وبعبارةٍ أُخْرى هي استعدادُ في الولد له بُعْد من الكفر وقُرْب من الإسلام. وبعبارةٍ أُخْرَى هي عبارةٌ عن خلوٍ بُنيتهِ عَمَّا يَحُثُّهُ على الكُفْر.
وحينئذٍ حاصلُ الحديث: أنَّ الوَلَد المولودَ مِنْ بطن كافرٍ ليس في بُنْيتِهِ جزءٌ من الكُفْر. ولولا القوادِحُ ولاموانِعُ لبقي أَقْرَبَ إلى الإيمان، وأَقْبَل له، وليس فيه حُكْم بالإسلام، وأي فائدة في الحُكْم بالإسلام، ثُمَّ الحُكْم باليهوديةِ والنَّصرانية بعد بُرْهة. وهذا الاستعدادُ القريبُ هو الذي سمَّاهُ اللَّهُ دِينًا في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ إلخ وفي الحديث (٢) أيضًا ما يدلُّ على هذا المعنى، فإنَّ النبيَّ ﷺ سَمِعَ في سَفَر صوتَ راعٍ يقولُ: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ فقال: على الفطرةِ، فإنَّها كلمةٌ يعتقِدُ بها العرب أيضًا. ولما شَهِد بالتوحيد والرسالةِ قال خرج من النار. فتبيَّن أنَّ الفِطْرةَ غيرُ الإيمان. فإنَّه لم يَحْكُم عليه بالنجاةِ اللازمة للإيمان ما لم يَسْمع منه الشهادتينِ مع حُكْمه عليه بكونِهِ على الفِطْرة. فالفطرةُ شيءٌ لا يوجِب النجاةَ، بخلافِ الشهادتين فهي مقدِّمةٌ للإيمان، كالأمانة فإنها ليست بإيمانٍ أيضًا، بل مقدمةٌ له وهي عبارةٌ عن عَدَم خداع أحدٍ، ومنه اشتقَّ الإيمانُ وهو معنى قوله: «لا إيمانَ لِمَنْ لا أمانةَ له». وهو المرادُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] ... إلخ وقد قررناه فيما سِبق.
فإن قلت: إن الفطرة إذا كانت عبارة عن الجبلة المذكورة وجب أن يكون أعداد المسلمين أزيد من أعداد الكفار مع أن الأمر بالعكس. قلت: أما سمعت منا فيه قيد انتفاء الموانع والقوادح فكثرة إعدادهم لكثرة الموانع فإذا كثرت الموانع تخلف عنه ترتب النتائج.
стр. 1131
فسبب الإسلام وإن وجد إلا أن المسبب لم يوجد لأجل المانع لا أن الفطرة لم تكن سببا إلا ترى في الأدوية كيف يتخلف عنها فوائدها لأجل هذه الموانع، فإن قلت: إنَّ الفطْرةَ إذا لم تكن عينَ الإسلام لم يكن في الحديث مَدْحُ الإسلام، مع أنَّ المسوقَ له ذلك. قلت: كيف لا؟ مع دلالته على أنه ليس في فِطرةِ الإِنسان شيءٌ يخالِفُ الإِسلام، أو يَجُرُّه إلى الكُفْر: بل فيها ما يُبْقى به أَقْرَبَ إلى الإِسلام وأَقبلَ له، لولا العوائقُ فهو مَدْحٌ عَظِيم. وهو معنى قولهم: إنَّ الإِسلام دينٌ فِطْري، فإِنْ قلت: إنَّ الفِطْرة إذا كانت عبارةً عن الاستعداد فهو الطَّرفان فما بقي مَدْحُ الإِسلام.
قلت: بلى ولكنَّ استعدادَ الإِسلام قريبٌ، واستعدادَ الكُفْر بعيدٌ لكونِه من جهة الموانِع. فهو مَدْحٌ للإِسلام أي مدح، ولا سيما إذا اسُتدل عليه بِتَمْثيل البهيمة، فإِنْ قلت: فما معنى قولهه صلَّى ﷺ «إِنَّ الشقاوةَ والسعادةَ في بَطْن الأم» - بالمعنى، وقول الخَضِر ﵇: «طبع يوم طبع كافرًا».
قلت: إن الشقاوةَ والسعادةَ أقربُ إلى التقدير، وهو نحوٌ من عِلْمه تعالى، فيُقَدِّر باعتبارِ ما يؤولُ إليه الحالُ من الكَفحر والإِيمان، والفِطرةُ أقربُ إلى الحسِّ على ما عرفت: أنها عبارةٌ عن خُلُوِّها عما يحضُّه على الكُفْر وعدم اشتمالِها على جُزءه من الكُفْر والإِيمان حِسًّا، فليس في بُنيتِه ومادتِه ما يوجِبُ الكُفْر، وبعبارةٍ أُخْرى أنَّ الْفهطرة تلبس بهيئةٍ لو استُبقي عليها لم يَعْدِل إلى الكُفْر فَخُلُوّه عن الكُفْر مُطْلقًا هو المسمَّى بالفِطْرة، وهو المقدمةُ للإِسلام، وهذا أَمْرُ غير التقدير، بخلاف الشقاوةِ والسعادةِ، فإنَّها عبارةٌ عمَّا عَلِمه اللهُ مما يأتيه بعد البلوغ من حسنة أو سيئة، فإِن أحسنَ إِسلامه يُقَدَّرُ له السعادةُ، وإن أساء تُقَدَّرُ له الشقاوةُ، فيهما يحتمعان مع الفِطْرةِ على حَدِّ قولهم: إنَّ في الهَيُولَى استعدادًا لجميع صُوَر النوعيةِ، مع أنها لا تتناوبُ عليه إلا صورةً بعد صورة، وتكونُ كلُّ منها معدةً للأُخْرى، ولا يمكنُ اجتماعُهَا لتضادها، فإنَّها جواهرُ عندهم. والجواهر عنده متضادةٌ فلا يمكن تواردها إلا بالتناوب، كالماء فإنه يتكون من هواء، فما دام اتصفَ بالصورةِ المائية لم يمكن أن يتصَفَ بالصورةِ الهوائية، إلا أن فيه استعدادً بعيدًا لتلك الصورةِ أيضًا. فإذا سخن الماءُ ازدادَ فيه استعدا الصورةِ الهوائية شيئًا فشيئًا، فإذا تمَّ استعدادُهَا الصورةَ الأُولى وتلبَّس بالأُخْرى.
ولي فيه نَظْم:
*ولادَ الوليد على فِطْرةٍ ... كتكريرِ لَفْظٍ بلا فائدة
*فأبدوا قيودًا وأبديتُهُ ... عرا عن الكُفْرِ أو زائدِهِ
يعني به أن الفطرةَ بمعنى الخِلْقة لغةً، فلا فائدة في ذِكْرِهَا بدون قَيْد، فإنَّه على وزان قولهم: «كلُّ مولودٍ يُخلق على الخِلْقة» ولا معنى له، فلذا أبديتُ فيه قَيْدًا ليكونَ مُفِيْدًا، وهو الخِلْقَةُ المتهيأةُ للإِسلام والخاليةُ عن الكُفْر.
*كجرةٍ تُكْسَرُ من صدمة ... وإلا فتبقى مدى زاهده
стр. 1132
فالفِطْرة كالقارورة إن حَفِظتها من التصادم تبقى في يدكِ سالمةً أبدَ الدهر، وإن تغافلت عنها تَتَكَسّر بأدنى صَدْمة تُصِيْبُهَا.
ثم ذكر الشيخُ الفَرْقَ بين الفطرةِ ولاشقاوة. فقال:
*فكان الشقيُّ على فِطْرةٍ ... وأمَّا الشقاءُ ففي عائده
فالشَّقْيّ أيضًا كان على الفِطْرة في بدءِ أمره، لكنَّه لما لم يَحْفَظهَا وغيرها صار مآلُهُ إلى الشقاوةِ، فالفِطْرة لا تناقِضُ الشقاوةَ، ألا ترى أن الحديثَ بنفسه حَكَم على كلِّ مولودٍ بالفِطْرة، ثُمَّ ذَكَرَ شقاوتهم وهو اليهودية والنصارنية، فدل على أنَّ الشقاوةَ لا تصادِم كونَه على الفِطْرة فافهم. وقد نبهناك فيما مرَّ أن التعدية في العربية هل تثبتت على طريق الفارسية أيضًا أم لا؟ بأن تدل على تسخيرِ أحدٍ بذلك الفعلِ واستعمالِهِ به، كما إذا أَمَّن عند المالكيةِ (جب آمام آمين كهلواوى). قال أبو حَيّان: إنَّ تعديةَ الأفعالِ مطردٌ والتفعيل سماعي. وقال بعضهم: إنهما مُطردان. وقال آخرون: إنهما سماعيان، ولكن ينبغي أن يُنْظر في معنى التعدية ماذا أرادوا به والذي أرى أنَّ التعديةَ بهذا المعنى ليس عندهم إلا ما مرَّ في قوله: «لم يغسلهم» من التفعيل، وكذا في قوله: «يَهوَّدانه وينصَّرانِه» فلينظر فيه.
وحينئذٍ فحاصل الحديث: أنَّ كلَّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة باعتبار الأَصْل. وأمَّا يهوديتُهُ ونصرانيتُهُ فباعتبار جَعْل الوالدَين وتغييرِهم خَلْقَ الله وَمَسْخهم فِطْرَتَه لا باعتبار الأصل، فإنْ قُدِّر ذلك حتى آلَ إليه الحالُ سُمِي بالشقاوةِ.
فإن قلت: إنَّ الفطرةَ إذا كانت مقدِّمة للإيمان دون الإيمان بعينه، لم يتناسب مقابلَتُهُ بالأديان كالهيوديةِ والنصرانيةِ، فدلَّ على أنها عينُ الإِسلام، لأنَّه أيضًا دِيْنٌ فَصَحَّ التقابل. قلت: بل التقابل صحيحٌ على ما قلت أيضًا، لأن المعنى أن الولد كان قريبًا من الإسلام، فَضَيَّع والداه فِطْرَته فأضاعوه، وأيّ شيءٍ أضاعوا. فإن قلت: إن الحديث يقتصر حينئذٍ على أحكام الدين عبدت فطرتهم. وأما من استمروا على فِطْرتهم كَذَرَاري المسلمين فلا يكونُ لهم فِيْهِ حُكْم.
قلتُ: بلى، ولكنَّ الحديثَ لم يُسق لهم، وإنما سِيق لِمَنْ صاروا إلى الكُفْر بعد التبديل كما ترى في المُشَبَّه به، ففيه أيضًا بيانُ المُغَيِّراتِ. وحينئذٍ تَبيَّن لك أنه لا ينبغي فيه ذِكْر الإسلام، فإنَّه ليس من المُغَيِّرات.
قوله: (﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾) [الروم: ٣٠] نهى في صورة الخَبَر. والمعنى أنَّ عَدَم التبديلِ كان الدِّيْنَ القَيِّم ولكن الناس يشاقونه ويخالفَونه، وإلا فالتبديل مُشَاهد. فإن قلت: يلزمُ على ما اخترتَ مِنْ تفسير الفطرةِ نحاةُ أولاد المشركين كافَّةً، فإنَّهم ماتوا على الفِطْرة قبل طُرُو التبديل.
قلتُ: النجاةِ تدورُ على الشقاوةِ والسعادةِ وهي في عِلْم الله لا على الفِطْرة فقط، وإن كانت الفطرةُ دخيلةً أيضًا إلا أنَّ المدار على الشقاوةِ والسعادة السابقتين على الفطرة لما قد علمت أنهما من التقدير، وهو نَحْوٌ من العِلْم السابق على الكل. ولذا ذكر في الحديث إنتاج
стр. 1133
الحيوان، وكونه سليمًا وهذا كلَّه في الْخِلْقة ولم يذكر القَدَر فاعلمه.
ومنهم مَنْ قال: إن الفطرةَ هي قولهم: قالوا: بلى. قلتُ: إنْ أرادوا به القَصْر عليه فليس بجيدٍ، وإن أرادوا أنه أيضًا من جزئياتٍ الفطرةِ فصحيحٌ. فإنَّ الإسنانَ مفطورٌ على الإقرار بالربوبية، وفيه أقوالٌ أُخَرُ ذكرها الشارحون فراجعها. وسيجيء البحثُ على نجاتهم وعدمِها فيما يأتي والله تعالى أعلم.
٨٠ - باب إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ
١٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَبِى طَالِبٍ «يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمَا وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ﴾ الآيَةَ. أطرافه ٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١ - تحفة ١١٢٨١
ويعتبر فيه إذا قالها قبل النَّزْع، فإن دَخل في الغرغرة فهو إيمانٌ اليأس، وهو غير معتبر عند الجمهور. ونُسِب إلى الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى أنَّه اعتبر إيمانَ فِرَعون. قال الشَّعْرَاني: وهذا مدسوسٌ والشيخُ رحمه الله تعالى بريءٌ منه.
قلتُ: بل هو مختارُ الشيخِ رحمه اللَّهُ تعالى وليس بمدسوسٍ، وقد نَقَل بحرُ العلوم في «شرح المثنوي» عباراتٍ عديدةً للشيخ رحمه الله تعالى تدلُّ على هذا المعنى. ومرادُ الشيخ رحمه الله تعالى عندي أن قوله بتلك الكلمةِ اعتبر من حيثُ كونُهُ إيمانًا، لا من حيث كونُ توبةً.
وليُعلم أنَّ في قِصَّة فرعونَ إشْكَالا وهو: أنَّ في الحديث: أن فرعونَ لما أرادَ أنْ يقول: لا إله إلا الله، دسَّ جبرائيلُ ﵇ في فِيه الطِّيْنَ كي لا تدرِكَه الرحمةُ. وهو في الظاهر رضاءٌ بالكُفْر نعوذُ باللَّهِ من ذلك. وأجاب عنه الشيخ الآلوسي رحمه الله تعالى في «تفسيره» وحاصله: أنَّه يجوزُ التمني بموتِ كافرٍ شديدٍ في الكُفْر إذا كان المسلمون يتأذون منه. ونقله عن «مبسوط» خَواهِرَ زَادَه روايةً عن أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى.
قلتُ: بل المسألةُ موجودةٌ في نَفْس القرآنِ. قال تعالى حكايةً عن موسى ﵊: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. ثُمَّ إنَّ ظاهرَ القرآن أنَّه تكَلَّم بتلك الكلمةِ وإنَّما لم تُعتبر منه لكونِهِ إيمانَ اليائس، وإنَّما خشي
стр. 1134
جبرائيلُ ﵇ نظرًا إلى سِعَة رَحْمَتِهِ تعالى، فإنه أُمكن أن يُغْفَر له خَرْقًا للعادة. ثُم أقول: إن الكلمة التي قالها فِرعون وهي: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] لا تتعينُ إيمانًا في حال الاختيار أيضًا إلاّ أن ينوي بها ذلك. فإنَّه أحاله على بني إسرائيل، فإنْ أراد بتلك الجملةِ إيمانَه فذاك، وإلا فتحتَمِل معانٍ أُخْرى أيضًا.
وكتب السُّيوطي رحمه الله تعالى رسالةً في تأييد الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى. وَرَدَّ عليه القاري رحمه الله تعالى وسمَّاهَا: «فِرّ العَوْن من مُدَّعي إيمانِ فرعونَ»، وقد شدَّد في اسمه جدًا. فإن قلت: وعلى هذا ينبغي أن يُعتبر إيمانُ قوم يونس ﵇ أيضًا، فإنَّه كان عند مشاهدةِ العذاب. قلتُ: أمَّا أولا: فلأنَّهم قد استثناهم القرآنُ بِنَفْسه فلا يقاس عليهم. وأما ثانيًا: فبالفَرْق بينهم وبين فرعونَ، فإنَّه آمن حينَ أحاط به عذابُ الاستئصال، وهؤلاء آمنوا بمجردِ الرؤية قَبْلَ أن يدخلوا في العذابِ. وسيجيءُ تحقيقُ الكلام في التفسير أبسطَ منه.
٨١ - باب الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ
وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِىُّ أَنْ يُجْعَلَ فِى قَبْرِهِ جَرِيدَانِ. وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ رَأَيْتُنِى وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِى زَمَنِ عُثْمَانَ - رضى الله عنه - وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِى يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ أَخَذَ بِيَدِى خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِى عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِى عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ.
١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِى كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». أطرافه ٢١٦، ٢١٨، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥ - تحفة ٥٧٤٧ - ١٢٠/ ٢
والجريد هو الغُصْن التي جردت عنها أورَاقُهَا. وفي «الدر المختار»: إنَّ إنباتَ الشجرةِ مُسْتحبٌّ. وقال العيني رحمه الله تعالى: إن إلقاءَ الرياحين ليس بشيءٍ، ولم يَمْنع عن إنباتِ الشجرةِ. وفي «العالْمكِيرية»: أنَّ إلقاءَ الرياحين أيضًا مُفِيد: قلتُ: والاعتماد على ما ذكره العيني (١).
стр. 1135
قوله: (أَشَدَّنا وَثْبَةً الَّذِي يَثْبِ قَبْرَ عثمانَ بن مَظْعون رضي الله تعالى عنه). قيل: يُفْهم منه أَنَّ قَبْرَ عثمانَ ﵁ كان مرفوعًا ولم يكن لاصِقَا بالأرض. قلتُ: لم لا يجوز أن يكونوا يثِبون في الطُّوْلِ لا في العرض؟ ولو فَرَضْنا أنَّ هؤلاء الصبيانَ كانوا صغارًا فيتعذَّرُ عليهم الوُثوبُ عرضًا أيضًا. قال الشيخ ابن الهُمام رحمه الله تعالى: كُره أَنْ يُرْفَع القَبْرُ فَوْقَ شِبْر.
قوله: (فَأَجْلَسَنِي على قَبْر) والجلوسُ على القَبْر مكروهٌ تحريمًا عند ابن الهُمَام رحمه الله تعالى كما في «الفتح»، وتنزيهًا كما في «الطحاوي»، واختار الطحاوي أن النهيَّ عنه فيما إذا جلَس للبَوْل والغائط، وإلا فلا. قلتُ: بل النهيُ مطلقٌ، فالجلوس عليه خلافُ الأَوْلى.
قوله: (وكان ابنُ عمرَ رضي اللَّهُ تعالى عنهما يَجْلِسُ) إلخ ... المرادُ الاتكاءُ دونَ الجلوسِ عليه.
٨٢ - باب مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج: ٤٣] الأَجْدَاثُ: الْقُبُورُ. ﴿بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]: أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أَيْ جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ، الإِيفَاضُ: الإِسْرَاعُ. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ: ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾: [المعارج: ٤٣] إِلَى شَىْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ، وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ. ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] مِنَ الْقُبُورِ. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] يَخْرُجُونَ.
١٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِى جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فِى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِىُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَاّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَاّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً». فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ. أطرافه ٤٩٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٨، ٤٩٤٩، ٦٢١٧، ٦٦٠٥، ٧٥٥٢ - تحفة ١٠١٦٧
يعني أنَّ الموعظةَ ليست من الأذكار والأشغال المكروهة عند القبر.
١٣٦٢ - قوله: (بَقِيْع الغَرْقَد) أي مَقْبرة أَهْلِ المدينة، وهو غيرُ بَقِيع المُصَلَّى.
قوله: (مِخْصَرَة) من الخاصرة.
قوله: (مَنْفُوسَةٍ) ولا يدرى أن روح طبي أَوْ غيره ولا ريب في كونِ الروح الطبية منفوخةً، أما الروحُ المجردةُ فليت بمنفوخةٍ، بقي البَدَنُ المِثالي فلينظر فيه.
стр. 1136
«كلُّ مُيسَّرٌ لِما خُلِق له» (١) وهذه الجملةُ جزيلةٌ المعنى فليُمْعَن النَّظرُ فيها. وحاصل الجواب: أن الإنسان مختارٌ في عالم الشهادة، ومجبورٌ بالنَّظر إلى عالم الغيبِ الذي تحقَّق بالأدلةِ المسعية، وإلا فنحن مختارون في العالم المشهور قطعًا، ولا خبرَ لنا بعالمٍ غيرِهِ. فافعلوا الخير وامتنعوا عن الشرِّ في موطن الاختيار. فإن المسبوقَ بالخير لا يأتي منه الشرُّ والمسبوقُ بالشر لا يأتي منه الخيرُ أصلا، ولا يُيسر للسعيدِ إلا الأعمالُ الصالحةُ، وللشقيِّ إلا الأعمالُ الطالحةُ. فقولُكُم: «أفلا ندع العمل في غير محلِّهِ، فإنكم إن سَبَق لكم الخيرُ لا يُيسر لكم إلا هو، فإيَّاه تعملون. وكذا إن قُدِّر لكم الشرُّ لا ييسر لكم إلا هو، ففيه تقتحمون. فليس الخيرُ والشرُّ من عندِ أنفسكم وإنما استُعملتم به فعملتُم. وهذه الجملُ بهذه السذاجةِ لا يمكنُ أن تخرج إلا من صاحبِ النُّبوةِ.
٨٣ - باب مَا جَاءَ فِى قَاتِلِ النَّفْسِ
١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ». أطرافه ٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦١٠٥، ٦٦٥٢ - تحفة ٢٠٦٢
١٣٦٤ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ - رضى الله عنه - فِى هَذَا الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ اللَّهُ بَدَرَنِى عَبْدِى بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ
стр. 1137
الْجَنَّةَ». طرفه ٣٤٦٣ - تحفة ٣٢٥٤ - ١٢١/ ٢
١٣٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الَّذِى يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِى النَّارِ، وَالَّذِى يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِى النَّارِ». طرفه ٥٧٧٨ - تحفة ١٣٧٤٥
وفي فِقْه الحنفية لا يُصلِّي عليه العلماء، ومَنْ صار مُقْتَدىً للناس - بالفتح - وهكذا قاتل الوالدين والباغي، لأنه لم يبق من تعزيرِهم عندنا شيءٌ غير الصلاة، فليس عليهم تعزير.
١٣٦٣ - قوله: (ومَنْ حَلَف بملةٍ غيرِ الإسلام) .. إلخ. وصورته أن يقول: إنْ فعل كذا فهو يهوديٌّ، أو نصراني، وهو عندنا يمينٌ منعقِدٌ، فإن حَنِث كفَّر. وقد صرَّح سيبويهٍ أن الشرط والجزاء أيضًا يُسمَّيانِ حَلِفًا. فإن فَعَله وهو يدري أنه يصيرُ به يهوديًا صار كافرًا، وإلا فلا، إلا أنه تَبْقَى الشَّناعةُ على حالِهَا. والصورة الثانية: أن يجعلها محلوفًا به، فيقول باليهودية والنصرانية: لأفعلن كذا، وحينئذٍ معنى قوله: «كاذبًا» أنه ليس قلبِهِ تعظيمُها، إلا أنه تكلَّم بما دلَّ على التعظيمِ.
١٣٦٤ - قوله: (بَدَرَني عبدي): أي صورةً، وإلا فهو مَيِّتٌ على أَجَلِه.
قوله: (وعُذِّب بها في نارِ جَهنَّمِ). وفيه زيادة أيضًا وهي: خالدًا مُخَلَّدًا فيها». وعلَّل الترمذي هذا اللفظَ في «جامعه» ولا وَجْه له. إِلاّ أنَّ قاتلَ النَّفْس ليس له الخُلودُ إجماعًا، فاضْطُر إلى التأويل. قلت: وليس مرادُ الحديثِ تخليدَه بعد الحَشْر كما فُهِم، بل معناه أنه يُعَذّب به إلى الحَشْر، كذلك فالتخليد راجِعٌ إلى القيد، أي التوجاء والخنق والطعن مثلا، أي لا يزال يَفْعلُ هذه الأفعالَ ما دام يكونُ في جهنَّم، وليس راجِعًا إلى المُكْث في النَّار ليلزم خلودُه في النَّار، إنَّما هو خلودُ الفِعْل ما دام في النَّار، فافهمه. وقد شيَّدْناه بنظائره كما سيجيء.
٨٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ
رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
١٣٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنهم - أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِىَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّىَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّى عَلَى ابْنِ أُبَىٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا - أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ «أَخِّرْ عَنِّى يَا عُمَرُ». فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ «إِنِّى خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّى إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا». قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَاّ يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]
стр. 1138
قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. طرفه ٤٦٧١ - تحفة ١٠٥٠٩
١٣٦٦ - قوله: (خُيِّرْتُ). وقد علمت أنه مِن باب تَلَقّي المخاطَب بما لا يَترقَّب.
قوله: (﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾) [التوبة: ٨٤] واستنبط منه الحافظ ابن تيميَّة رحمه الله تعالى أنَّ القِيام على القَبْر جائِزٌ في نَظَر القرآن، ولذا نهى عنه، فثبتت زيارةُ القُبور في حوالي بلده.
٨٥ - باب ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ
١٣٦٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ «وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - مَا وَجَبَتْ قَالَ «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِى الأَرْضِ». طرفه ٢٦٤٢ - تحفة ١٠٢٧
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِى الْفُرَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِىَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِىَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِىَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا فَقَالَ وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ». فَقُلْنَا وَثَلَاثَةٌ قَالَ «وَثَلَاثَةٌ». فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ «وَاثْنَانِ». ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ. طرفه ٢٦٤٣ - تحفة ١٠٤٧٢ - ١٢٢/ ٢
وفائدة الثَّناء على الميتِ لو كانت لكانت أنا. ويعلم من «الفتح» (١) أنَّ فيه سببيَّة أيضًا.
وَالْعَشِىِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». طرفاه ٣٢٤٠، ٦٥١٥ - تحفة ٨٣٦١
٩٠ - باب كَلَامِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَنَازَةِ
١٣٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِى قَدِّمُونِى. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا. يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلَاّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ». طرفاه ١٣١٤، ١٣١٦ - تحفة ٤٢٨٧ - ١٢٥/ ٢
أي التابوتِ.
٩١ - باب مَا قِيلَ فِى أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
١٣٨١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَاّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ». طرفه ١٢٤٨ - تحفة ١٠٠٥
١٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا تُوُفِّىَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِى الْجَنَّةِ». طرفاه ٣٢٥٥، ٦١٩٥ - تحفة ١٧٩٦
وانعقد الإِجماع على نجاةِ أولادِ المسلمين. وقال مولانا النانو توي رحمه الله تعالى: أن مُقتعضَى الأدلةِ التوقُّفُ فيهم أيضًا. أَمَّا أولادُ المشركين فتوقَّف فيهم أبو حنيفةَ رحمه الله تعالى. وصرَّح النَّسفيُّ في «الكافي»: أن المرادَ منه نجاةُ بَعْضِهم وهلاكُ بَعْضِهم لا عدمُ العِلْم. وهو مذهبُ مالِك كما صرَّح به أبو عمرو في «التمهيد». وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى كما صرح به الحافظ. وعن أَحمد رحمه الله تعالى فيه روايتان: إحداهما بالتوقف على وَفْق الآخرين، والأُخرى بالنجاةِ. واختار الثانيةَ ابنُ القيِّم رحمه الله تعالى في «شفاء العليل». وسيجيء تفصيلُ المذاهب في الباب التالي.
٩٢ - باب مَا قِيلَ فِى أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ
١٣٨٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ
стр. 1143
جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم - قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ «اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». طرفه ٦٥٩٧ - تحفة ٥٤٤٩
١٣٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ ذَرَارِىِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». طرفاه ٦٥٩٨، ٦٦٠٠ - تحفة ١٤٢١٢
١٣٨٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ». أطرافه ١٣٥٨، ١٣٥٩، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩ - تحفة ١٥٢٥٨
واعلم أنهم اختلفوا في أولاد المشركين: فَنُقِل عن أبي حنيفة ﵀ التوقَّفُ. وصَرَّح النسفيُّ في «الكافي»: أن المرادَ بالتوقف في الحُكْم الكلي، فبعضُهم ناجٍ وبعضُهم هالكٌ، لا بمعنَى عدمِ العِلْم أو عدم الحُكْمِ بشيءٍ. وهو مذهب مالك، صرَّح به أبو عمرو في «التمهيد». وإليه ذهب الشافعي كما صرَّح به الحافظ. وعن أَحمد روايتان. واختار الحافظ ابنُ القيِّم النجاةَ كما في «شفاء العليل»، وهو الذي نَسَبه إلى ابن تيميةَ. ولكنَّ المنقولَ عنه عندنا هو التوقُّفْ كما في «فتاواه».
فلا أدري أتعددت الرواياتُ عنه، أو وقع منه في النَّقْل سَهْوٌ؟ وذَهَب الحمَّادانِ، والسُّفّيانانِ، وعبدُ اللَّهِ بن المُبارك، والأَوْزَاعيُّ، إسحاق بن رَاهُويه كلّهُم إلى التوقُّف. ثم جاء الأشعريُّ واختار النجاةَ. ثُم جاء الشافعية واختاروا قول الأشعريِّ وشهروه، ونوَّهُوا بِذِكْره، حتى إِنَّ النوويَّ لم يَنْقل فيه مذهبَ الشافعيِّ وتَرَك ذِكْره رأسًا، واختار النجاةَ تَبَعًا للأَشعريِّ. وإليه ذهب الحافظ وعزاه إلى البخاريِّ رحمهما الله تعالى أيضًا. والذي عندي أنه وَافق المتوقِّفين كما يُعلم من كتاب القَدَر. وعند ابنِ كثير في سورة «بني إسرائيل»: أَنَّ مذهبَ الأشعريِّ أيضًا هو التوقُّفُ. وإذن لا أَدري كيف نُقِل عنه قولُ النجاة. ولا أَقَلَّ مِن أنه تعارُضُ النَّقْل عنه. هذا في ذَرَارِي المُشْرِكين. أما ذَرَاري المسلمِين فَمُقْتَضَى الدليلِ أَن يُتوقَّفَ فيهم أيضًا إلا أن الإِجماع قد قام بنجاتِهم. وحسنئذٍ معنى قوله: «الله أَعلمُ بما كانوا عاملين» في حَقِّهم أنه قد شاءَ عَمَلَ الخيرِ منهم وسبق ذلك منهم. فهو إبهامٌ في اللَّفْظ مع التَّعْيين في الخارج.
١٣٨٤ - قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ بما كانوا عَامِلين). قلت وهذا نَصٌّ في الباب الذي لا مَهْرب عنه ولا مَعْدِلَ. فإِنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عنهم، ثُم أجابهم بالتوقُّف فيهم. فالمسئلة هي التوقُّف، وما يُخالِفُه من المُبهَمات ينبغي تأويلُه قطعًا. وأَوَّله مَنِ اختار النجاةَ بتأويلٍ رَكِيكٍ لا يُعبأ به، فقال: إنَّ الحديثَ أَحالهم على العمل، وإذ لم يوجدُ منهم عملُ الشَّرِّ فينجون لا محالةَ. قلت: كلا، بل الحديثُ أحالَ على العِلْم بالعمل دونَ العَمَلِ نَفْسِه. فهذا الحديثُ يقطع عِرْقَ العمل.
فإِنْ قلت: إِنَّ المُمهّدَ في الشَّرْع أنَّ الهلاكَ والنجاةَ يدوران على العمل. قلت: فَمَنْ قال
стр. 1144
لك هذا؟ بل كما أنَّ النجَاةَ بالعملِ ضابِطةٌ في العاملين، كذلك النجاةَ أو الهلاكَ بالاستعدادِ ضابِطةٌ أُخْرى. وهذا فِيمَن لم يُدْرِكوا زَمَنَ العملِ. وأيُّ بُعْدٍ في تَرتُّب الثمرةِ على الاستعداد، فَمَن يكون فيه استعدادُ الخيرِ ينجو، ومَنْ يكون فيه استعدادُ خلافِه يَهْلِك، فالفَضْلُ كما يكونُ بالعمل كذلك يكونُ بما سَبَق في علم الله. وكذلك ينبغي أن يكونَ، فإِن العمل إنما يكون مِمَّن أدركوا زمانَه. وأما مَنْ لم يدرِكوا زمانَه فليس فيهم إِلا الاستعدادُ، وما علمه الله منهم فعليه الفَصْلُ فافهم، ولا تعجل فإِنَّ على أَثَرِ عَجَلةٍ كَبْوةً. على أنَّه ذكر في «الفتح» امتحانُ أهلِ الفَتْرة والمجانين، فيقال لهم: أن ألقوا أَنْفُسَكم في النار، فمن يَفْعل ينجُوا، ومنْ يأَتي يَهْلِك. فكذلك يمكنُ أن يكونَ للصبيان أيضًا عملٌ في المَحْشَر يُناط به هلاكُهُم ونجاتُهم، والله أعلم.
٩٣ - باب
١٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ «مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا». قَالَ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا، فَقَالَ «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا». قُلْنَا لَا. قَالَ «لَكِنِّى رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِى فَأَخَذَا بِيَدِى، فَأَخْرَجَانِى إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ - قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى إِنَّهُ - يُدْخِلُ ذَلِكَ الْكَلُّوبَ فِى شِدْقِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ مَا هَذَا قَالَا انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ، فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَا انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ. فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَا انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِى فِى النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِى فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِى فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ. فَقُلْتُ مَا هَذَا قَالَا انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِى أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِى فِى الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلَانِى دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِى مِنْهَا فَصَعِدَا بِى الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِى دَارًا هِىَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ. قُلْتُ طَوَّفْتُمَانِى اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِى عَمَّا
стр. 1145
رَأَيْتُ. قَالَا نَعَمْ، أَمَّا الَّذِى رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِى رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالَّذِى رَأَيْتَهُ فِى الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ. وَالَّذِى رَأَيْتَهُ فِى النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا. وَالشَّيْخُ فِى أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِى يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ. وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِى دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِى فَإِذَا فَوْقِى مِثْلُ السَّحَابِ. قَالَا ذَاكَ مَنْزِلُكَ. قُلْتُ دَعَانِى أَدْخُلْ مَنْزِلِى. قَالَا إِنَّهُ بَقِىَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ». أطرافه ٨٤٥، ١١٤٣، ٢٠٨٥، ٢٧٩١، ٣٢٣٦، ٣٣٥٤، ٤٦٧٤، ٦٠٩٦، ٧٠٤٧ تحفة ٤٦٣٠ - ١٢٧/ ٢
أحال الفَصْل إلى الناظرين ولم يترجم بشيءٍ، وذَكَر مادته فقط.
١٣٨٦ - قوله: (والصِّبْيانُ حَوْلَه فأولادُ النَّاس) ومِن هنا فَهِم الحافظُ أَنَّ البخاريَّ رحمه الله تعالى اختارَ النجاة، لأَنَّ أولادَ الناس الذين حَوْلَه لا يكونون إِلا مَنْ هو ناج.
أقول: وفي لفظٍ آخَر من هذه الرواية: أنَّ هؤلاء الصبيانَ كانوا بعضَهم لا كُلَّهم. فلم تثبتِ النجاةُ مطلقًا، ولا كلام في نجاةِ البعض، وإنَّما الكلامُ في نجاة الكَلِّ. وذا يْثبُتُ لو ثَبَت كونُ مَنْ حوله كلَّهم، ولم يثبت.
١٣٨٦ - قوله: (ويَلْتَئِم شِدْقُهُ) وهكذا يَصْنع به إلى القيامة. وهو معنى قوله: «خالدًا مخلدًا» على ما مر معنا تحقِيقه ولم يدركِ الناسُّ مرادَه فاضطروا إلى إِعلالٍ وتأويلٍ.
فائدة:
واعلم أَنَّ أَقْربَ نظيرٍ لِعذابِ القَبْر عندي ما يحُسُّه المرء في رؤياه. والعذاب اسمٌ لنَوْعٍ مِن الإِدراك والإِحساس، ولا يكون إِلا حِسِّيًا في العالم الّذي يكون فيه. فإِنَّ ما يراه صاحبُ الرؤيا فهو حسيٌّ في حقه وإن لم يكن في حقِّنا. كذلك العذابُ أيضًا حسيٌّ في حقِّ مَنْ يعذِّب وإنْ لم يكن في حَقِّ مَنْ هو ليس في عالِمه. لا أريد به أن العذابَ خياليٌّ فقط، فإِنَّه زندقةٌ وإِلحاد، ونعوذُ بالله العظيم من الزَّيْغ وسوءِ الفَهْم.
١٣٨٦ - قوله: (شَيْخٌ وصِبْيانٌ). قلت: ولا دليلَ فيه على الاستغراقِ مع التصريح بلفظ: «أَكَثْرَ الصِّبْيان» في هذه الرواية بعينها. وهل أَدْرَكْت مرادَه؟ فأسمع: إنّ معناه أَني رأيتُ عنده من الصِّبيان ما لم أَرَ مِثْلَهم في موضِعٍ من تَطْوافي هذا. وقد فَهِمه الطِّيبيُّ ولم يُدْرِكه الحافظ رحمه الله تعالى، وإنَّما كان هؤلاء عندَه لكونهم على الفِطْرَةِ. ولإِبراهيمَ ﵊ مزيدُ اختصاصٍ بها، حتى يقال للحنفية دينُ الفِطْرة، أَلا ترى أنه كيف أجاب أباه «آزَرَ» مِن فطرتِه مع كونِه صبيًا إذ ذاك. فلما ظهرَ له مزيدُ اختصاص بالفِطْرة ناسبَ أن يكونَ مَنْ ماتوا على الفطرةِ عنده.
стр. 1146
٩٤ - باب مَوْتِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ
١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أَبِى بَكْرٍ - رضى الله عنه - فَقَالَ فِى كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِىَّ ﷺ قَالَتْ فِى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا فِى أَىِّ يَوْمٍ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ فَأَىُّ يَوْمٍ هَذَا قَالَتْ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ أَرْجُو فِيمَا بَيْنِى وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ اغْسِلُوا ثَوْبِى هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِى فِيهَا. قُلْتُ إِنَّ هَذَا خَلَقٌ. قَالَ إِنَّ الْحَىَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. أطرافه ١٢٦٤، ١٢٧١، ١٢٧٢، ١٢٧٣ - تحفة ١٧٢٨٩
قال السيوطي رحمه الله تعالى: إنه أفضلُ الأيام للموت، لأَنَّ النبيَّ ﷺ تُوُفِّي فيه وإن كان أفضلُ الأيام مطلقًا هو الجمعةَ.
٩٥ - باب مَوْتِ الْفَجْأَةِ؛ الْبَغْتَةِ
١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِى هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها -. أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ إِنَّ أُمِّى افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا قَالَ «نَعَمْ». طرفه ٢٧٦٠ - تحفة ١٧١٩٣
واعلم أن موتَ الفَجْأةِ مما وَقَع منه الاستعاذةُ في الأحاديث، ومع ذلك هو موتُ الشهادةِ. فهو مما يليقُ منه الاستعاذةُ من جهة أنَّ المرءَ لا يَقْدِر فيه على الوصية وغيرها مما لا بُدَّ له منه. وإذا أصيبَ بها بسببٍ سماويَ فإِنَّه موجب للشهادة كرامةً من اللَّهِ. ولا يحسبنَّ رجلٌ أَنَّ كل ما يوجِبُ الشهادةَ يكونُ مطلوبًا لا محالةَ. فإِنَّ ما لا يكونُ مطلوبًا قد يوجِب الشهادةَ كموت الفجأة (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٤ - كِتَابُ الزَّكَاة
١ - باب وُجُوبِ الزَّكَاةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما -: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ - رضى الله عنه - فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ. تحفة ٤٨٥٠
١٣٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِىٍّ عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا - رضى الله عنه - إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِى أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». أطرافه ١٤٥٨، ١٤٩٦، ٢٤٤٨، ٤٣٤٧، ٧٣٧١، ٧٣٧٢ - تحفة ٦٥١١ - ١٣٠/ ٢
١٣٩٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ رضى الله عنه أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ أَخْبِرْنِى بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِى الْجَنَّةَ. قَالَ مَا لَهُ مَا لَهُ وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَرَبٌ مَالَهُ، تَعْبُدُ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ». وَقَالَ بَهْزٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو.
تحفة ٣٤٩١ طرفاه ٥٩٨٢، ٥٩٨٣ - تحفة ٣٤٩١
١٣٩٥ - قوله: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله) واختلف في أنَّ الكفار مخاطبون بالفروع، أم لا، مع الاتفاق على أن ثمرته لا تظهر إلا في الآخرة، فلا قضاء عليهم للصلوات والصيام الماضية عند المثبتين أيضًا، وتمسك النافون بهذا الحديث، فإن النبيَّ ﷺ أمر معاذًا أن يدْعُوهم إلى الفروع، بعد أداء الشهادة والإِيمان. وليس بصحيحٍ، فإنَّ ترتيبَ التعليم عند الفريقين كذلك، فيكون تعليمُ الإِيمانِ أولا، ثم الأعمال ثانيًا. وقد مرّ أن المختار عندي أنهم مخاطبون بالفروع، اعتقادًا وأداءً، وتظهر ثمرته في الآخرة.
стр. 1151
قوله: (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، تمسَّك به ابن الهُمَام على أن الفقراءَ مصارفُ الزكاة، لا مستحقوها، ولذا لم يُفصِّل بين صِنفٍ وصنف. وراجع «شرح الوقاية». وهو وإن كان أصوليًا، لكنه ليس كابن الهُمَام، فإنه أحذقُ منه، لكنَّ كلامَه هنا صواب، فراجعه.
الصواب: أنها فُرضت بمكة، إلا أن نَصْبَ النُّصُب والمقادير كان بالمدينة، ونحوها صدقة الفطر، والجمعة، فكلها فُرِضتْ بمكة. ثم فُصِّلت بالمدينة، لا كما في «الدر المختار»: أنها فُرضت بعد الهجرة بالمدينة.
قوله: (قال ابن عباس). وكان المصنفُ أخرَجَه نحوه في أوائل الصلاة أيضًا. وغرضُه أن الصلاة والزكاة كانتا في جميع الأديان السماوية، نعم اختلفت طُرُقها وتفاصيلها.
١٣٩٧ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ دُلَّنِى عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا». تحفة ١٤٩٣٠ - ١٣١/ ٢
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى حَيَّانَ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو زُرْعَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا.
١٣٩٧ - قوله: (لا أزيد على هذا)، وفي بعض الألفاظ: «لا أتطوع»، كما أخرجه المصنفُ في الصوم، وفي «المستدرك»: «هل قبلهنَّ شيء أو بعدهنّ»؟، قال: «افترض الله صلاة خمسًا» - بالمعنى، وقد مرّ محملُه عندي، أنه محمولٌ على خصوصيته.
١٣٩٨ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَىَّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَاّ فِى الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَىْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ - وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ وَأَبُو النُّعْمَانِ عَنْ حَمَّادٍ «الإِيمَانِ بِاللَّهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ». أطرافه ٥٣، ٨٧، ٥٢٣، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٣٦٩، ٦١٧٦، ٧٢٦٦، ٧٥٥٦ تحفة ٦٥٢٤
١٣٩٨ - قوله: (شهادة أن لا إله إلا الله) وعقد بيده، والعقدُ دلَّ على أن ذكرَ الشهادة ليس للاستئناف، بل معدودٌ من الأربعِ الموعودة. وقد مرّ تفصيله في كتاب الإِيمان.
١٣٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِى حَمْزَةَ عَنِ
стр. 1152
الزُّهْرِىِّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ. فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَاّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ». أطرافه ١٤٥٧، ٦٩٢٤، ٧٢٨٤ - تحفة ١٠٦٦٦، ١٤١١٨
١٤٠٠ - فَقَالَ وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِى عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَاّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِى بَكْرٍ - رضى الله عنه - فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. أطرافه ١٤٥٦، ٦٩٢٥، ٧٢٨٥ - تحفة ٦٦٢٣
١٣٩٩ - قوله: (كفر من كفر) ... إلخ، نقل النَّووي عن الخَطَّابي (١) أن الارتدادَ قد كان
стр. 1153
عمَّ بلادَ العربِ كُلَّها. وهذا النقلُ فضلا عن كونه مضرًا، خلافُ الواقع. وقد مر مني عن ابن حَزْم: أنه لم يرتدَّ إلا شِرْذِمةٌ قليلةٌ منهم، نعم قالوا: لا نؤدي الزكاة إلى أبي بكرٍ ﵁، فقال بعضهم: إن أمر الدعاء كان مختصًا بالنبيِّ ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وليس ذلك لأحدٍ بعدَه، ومن تكونُ صلاتُه سكنًا لهم بعدَه؟.
والحاصل: أنهم أبَوْا أن يؤدوا زكاة أموالهم إليه، وأن يجعلوه أميرًا، بل قالوا: منا أمير،
стр. 1154
ومنكم أمير، فيكون لكل قبيلة أمير، وتؤدي الزكاة إليه، وهذه بغاوة لا ارتداد. فالصواب أنه لم يرتدَّ منهم إلا بعضُ من لحق بمُسيلِمة، وإنما أجمل فيه الراوي، لأن محطَّ كلامِهِ، بيان ما جرى بين أبي بكر وعمر ﵄، لا بيان تفاصيلهم، فلفَّه في قوله: «كفر من كفر».
ثم حاصل مناظرتهم على ما نصحَّحها القوم أن عمر ﵁ حمل قوله ﷺ «حتى يقولوا لا إله إلا الله على العموم، فلا يجوزُ قتال من قال ذلك كائنًا من كان، وفهمَ أبو بكر ﵁ أن الامتناعَ عن أداءِ الزكاة أيضًا يُحلُّ القتلَ، لقياس جامعٍ بين الامتناع عن الزكاة، والامتناعِ عن الشهادة.
وملحظهما عندي أرفعُ من مصطلحات الفِقه، وقد مرّ منه شيء، والتفصيل في رسالتي «إكفار الملحدين في شيء من ضروريات الدين». ثم إن تأخُّرَ عمر ﵁ لم يكن لعدم تنقيحِ مناط التكفير عنده، كيف وقوله: «من فرق بين الصلاة والزكَاة» يدل صراحةً على أن تركَ الصلاة كان من مُوجبات القَتْل عندهما بالاتفاق، فإن إكفارَ مَنْ أنكر ضروريات الدين من ضروريات الدين، وليس معنى قول عمر ﵁: «حتى يقولوا: لا إله إلا الله»: إن السيف يرفعُ عنهم بعد تلك الكلمة، وإن أنكروا شيئًا من ضروريات الدِّين، وهل يقوله إلا مصاب، فكيف بعمر ﵁!
ولكنه كان لمَا أشرنا إليه من قبل، فتذكره: «لو منعوني عَنَاقًا» قيل: إنه لا يؤخذُ في باب الزكاة إلا الثَّنيّ، فما معنى قوله: «عناقًا»؟ فإنه اسم لما أتى عليه أربعة أشهر، نعم يضم عند تكميل النصاب، فقيل في جوابه: إن «لو» ههنا للفرض. وقيل: إن الكبار إذا ماتت قبل حَوَلان الحول، وبقيت الصغار، ففيها ثلاث روايات عن إمامنا: الأولى: سقوط الزكاة عنها، والثانية: الأخذ بواحد منها، وحينئذٍ صح أخذ العَنَاق أيضًا، والثالثة: أنه يجب عليه الثَّنِيّ، ويؤديه بعد الشراء. ثم في بعض الألفاظ: «لو منعوني عقَالا». بدل: «العَنَاق». فقيل: هو على المبالغة. وقيل: كان من عاداتهم أنهم إذا أَعطُوا السِّنَّ الواجب أعطوا معه حَبَلَه أيضًا. فإِعطاء العِقَال، وإن لم يذكر في الفقه، إلا أن عُرْفَهم كان كذلك. وقيل: العِقَال: اسم لزكاة السَّنَة. وقيل: يُطلق العِقَالُ على العُرُوض أيضًا، فهو مقابل للنقد:
*أَتانا أبو الخَطَّابِ يضرِبُ طَبْلَه ... وَرُدّ ولم يأخذ عِقَالا ولا نَقْدًا
٢ - باب الْبَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
١٤٠١ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ قَالَ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَايَعْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. أطرافه ٥٧، ٥٢٤، ٢١٥٧، ٢٧١٤، ٢٧١٥، ٧٢٠٤ - تحفة ٣٢٢٦ - ١٣٢/ ٢
٣ - باب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
стр. 1155
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
واعلم أن الزكاة في الفقه: في السوائم، ومال التجارة، والنقديْن، فحسب. فاعتبروا النمو بنحويه: أعني حقيقة، أو تقديرًا. فالنقد هو النَّماء كله، بخلاف العُروض، فليس النماء فيه إلا بنية التجارة، وهو النماء الحكمي. ويُعلم من الأحاديث أنَّ في المال حقوقًا واجبةً أخرى، إلا أنها منتشرة، كما يدل عليه قوله: «ومن حقها أن تُحلبَ على الماء»، وبوّب عليه الطحاوي أيضًا.
والعلماء بحثوا في وجوب حقِّ غير الزكاة، فأنكره الأكثرون، وهو عندي ثابت، إلا أنه غير متعيّن، فهو إما من ملحقات الزكاة، أو يجبُ عند الحوائج، ولو ادَّعيت أن إطلاقَ الزكاة إنما كان على مجموع ما عليهم من الزكاة، وتلك الحقوق، فلا بعد أيضًا.
ثم إنهم ماذا يقولون في الآيات التي نزلت في الزكاة بمكة، مع اتفاقهم على أن الزكاة فرضت بالمدينة؟ وهل المخرَجُ عنها إلا بأنها كانت منتشرةً بمكة، وأُطلق عليه لفظ الزكاة، ثم ماذا يقولون في الآيات التي وردت في ذم البخل؟، وهل البخلُ يقتصرُ على عدم أداء الزكاة، فإن كانت الزكاة واجبة بمكة، وأُطلقتْ على الحقوق المنتشرةِ أيضًا، وكان البخلُ على عرْفهم لا على منعِ الزكاة فقط، ثبت أنَّ في المالِ لحقوقًا سوى الزكاة أيضًا، أي الزكاة المصطلحة، وأن الامتناع عن تلك الحقوق أيضًا بخل، وجالبٌ للوعيد، وحيئذٍ يَخرُجُ غير واحدٍ من الآيات عن التأويل، ولم تبق حاجةٌ إلى حملها وقصْرِها على منعِ الزكاة فقط (١).
١٤٠٢ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «تَأْتِى الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا، عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِى الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا». وَقَالَ «وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ». قَالَ «وَلَا يَأْتِى أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ. وَلَا يَأْتِى بِبَعِيرٍ، يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ». أطرافه ٢٣٧٨، ٣٠٧٣، ٦٩٥٨ - تحفة ١٣٧٣٦، ١٣٧٧٦
١٤٠٢ قوله: (شاة يحملها على رقبته)، وهو السنة في السارق في بلدتنا، فإنه يُجاء به
стр. 1156
يحملُ على رأسه مالُه الذي سرقَه. ويُحتملُ أنْ تكونَ تلك الشاةُ والإِبل مما لم تؤد زكاته، أو من الخيانة والسَّرقة. والمصنفُ أخرج بعده حديثَ النقديْن، وهذا في السوائم. وظني أن المعاصي تركبُ العاصي يوم القيامة، كما أنها ركبتْه في الدنيا، تذهب به إلى أين شاءت، وكذلك الطاعات، تنقلبُ له مراكبَ يركَبُها، كما أنها ركبت عليه في الدنيا، فساقته حيث شاءت، وهو تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١].
١٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِى شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلَا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآيَةَ. أطرافه ٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٦٩٥٧ - تحفة ١٢٨٢٠
١٤٠٣ - قوله: (مُثِّل له يوم القيامة ماله شُجاعًا)، لعل بين المال والشجاع مناسبةٌ، فإنَّ الحياة توجد كثيرًا على الكنوز المدفونة، واشتهر ذلك عند أهل العرف أيضًا اشتهارًا لا يسع إنكاره. ولعل المال لهذه المناسبة ينقلبُ حيةً في المحشر له زَبِيْبتَان. وسمعت عن ثقةٍ أنَّ في العرب حيةً تكون على رأسها قرنان، ويمكن أن تكون الزَّبِيْبتَان هما هذان القرنان (أنا مالك) هذا هو التمثيل: كقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] ففيه تمثَّل الملك (١).
٤ - باب مَا أُدِّىَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ
لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ».
١٤٠٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ أَخْبِرْنِى قَوْلَ اللَّهِ (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ. طرفه ٤٦٦١ - تحفة ٦٧١١ - ١٣٣/ ٢
١٤٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ الأَوْزَاعِىُّ أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِى الْحَسَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». أطرافه ١٤٤٧، ١٤٥٩، ١٤٨٤ - تحفة ٤٤٠٢
стр. 1157
١٤٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ سَمِعَ هُشَيْمًا أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِى ذَرٍّ - رضى الله عنه - فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا قَالَ كُنْتُ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، قَالَ مُعَاوِيَةُ نَزَلَتْ فِى أَهْلِ الْكِتَابِ. فَقُلْتُ نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ. فَكَانَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ فِى ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ - رضى الله عنه - يَشْكُونِى، فَكَتَبَ إِلَىَّ عُثْمَانُ أَنِ اقْدَمِ الْمَدِينَةَ. فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَىَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِى قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ لِى إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا. فَذَاكَ الَّذِى أَنْزَلَنِى هَذَا الْمَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَىَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ. طرفه ٤٦٦٠ - تحفة ١١٩١٦
١٤٠٧ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِىُّ عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ جَلَسْتُ. وَحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِىُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْىِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لَا أَدْرِى مَنْ هُوَ فَقُلْتُ لَهُ لَا أُرَى الْقَوْمَ إِلَاّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِى قُلْتَ. قَالَ إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا. تحفة ١١٩٠٠ - ١٣٤/ ٢
١٤٠٨ - قَالَ لِى خَلِيلِى - قَالَ قُلْتُ مَنْ خَلِيلُكَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا». قَالَ فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِىَ مِنَ النَّهَارِ وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرْسِلُنِى فِى حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِى مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَاّ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ». وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا. لَا وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ . أطرافه ١٢٣٧، ٢٣٨٨، ٣٢٢٢، ٥٨٢٧، ٦٢٦٨، ٦٤٤٣، ٦٤٤٤، ٧٤٨٧ تحفة ١١٩٠٠
قيل: إن النبي ﷺ قبل نزولِ النُّصُب والمقادير، كان يوظف عليهم قِطعة من المال حسب الحاجة، وكانت تصرفُ في مهمات الإِسلام، فلما جاء الله بتفاصيل الزكاة، وافترضت عليهم، وَسَّع لهم في هذه الأموال، هكذا يُعلم من كلامِ ابن عمر ﵁.
ثم الناسُ في تفسير الكنز على أنحاء، فقال معاوية ﵁: إن الكنز هو المال الذي لم تؤد زكاته. وقال أبو ذر ﵁: إن المال الفاضل عن حاجته كنزٌ مطلقًا، سواء أدَّى زكاته، أو لا. وأقول اتباعًا لبعض السلف: إنه اسم للمال الذي لم تؤد زكاته، ولا الحقوق المنتشرة فيه. والأقرب عندي أن يفوضَ تفسيرهُ إلى العرف، ويترك إلى رأي المبتلى به. وترجمته: خزانة.
стр. 1158
ولا يمكنُ تحديدُه أصلا، كلفظ التبذير، والإِسراف، والتوكل، كلها مما يعلمها أهل العرف، ويتعسرُ حدودها، ولا أعرف زمانًا من عهد النبوة افترض عليهم صرْفَ جميعِ المال، إلا أنه إذا لم يكن يبق في بيت المال شيءٌ، ودعت الحاجة، فحينئذٍ يجبُ عليهم أن ينفقوا بكل ما يمكن، وهذه المسألة إلى الآن، فالوعيد في النص عندي منصرفٌ إلى كل ما يُطلقون عليه كنزًا في العرف، ولعله هو مذهب أبي ذر ﵁. وأتردَّدُ فيما يُنقل عنه. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
ويُحكى أن أبا ذر ﵁ لما احتُضِرَ، جعلت امرأتُه تبكي، فسأل عن بكائها، فقالت: إني أبكي لأنك ممن صحب رسول الله ﷺ وتموت الآن، ولا أجد ما أكفِّنُك فيه، فقال: إذا متُّ، فاطلُعي على تلول، ونادي بذلك، يعينُك أحدٌ فطلعت، فإذا هي بقافلةٍ فيها ابنُ مسعود ﵁، فلما أخبرَ الخبرَ بكى، وأعطى عِمَامته، فكانت كفنه رضي الله تعالى عنه.
٥ - باب إِنْفَاقِ الْمَالِ فِى حَقِّهِ
١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِى قَيْسٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «لَا حَسَدَ إِلَاّ فِى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِى الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». أطرافه ٧٣، ٧١٤١، ٧٣١٦ - تحفة ٩٥٣٧
١٤٠٩ - قوله: (لا حسد) ... إلخ. وتأويله مشهورٌ قلتُ: ولا أجد شيئًا أربى وأنمى من العِلم، فإنه يحملُ إلى الآفاق في زمنٍ يسيرٍ.
٦ - باب الرِّيَاءِ فِى الصَّدَقَةِ
لِقَوْلِهِ تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما -: ﴿صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] لَيْسَ عَلَيْهِ شَىْءٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ ﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ النَّدَى.
قوله تعالى: (﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾)، ولما كانت الصدقات تحبط بهذين نبَّه عليهما القرآن.
٧ - باب لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا يَقْبَلُ إِلَاّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ
لِقَوْلِهِ ﴿* قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣].
حَتَّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا الْعَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا فَلَيَقُولَنَّ بَلَى. ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَلَيَقُولَنَّ بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَاّ النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَاّ النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». أطرافه ١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢ - تحفة ٩٨٧٤٢
١٤١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ». تحفة ٩٠٦٧ - ١٣٦/ ٢
قوله تعالى: (ويربى الصدقات)، يعني أن الله يمحقُ رِبَاكم، ويعطي الرِّبا من جانبه على صدقاتكم، وهو إلى سبع مئة ضِعف، إلى ما شاء الله تعالى، فإن كنتم تحبون الربا، فخذوه عني، وتصدقوا في سبيلي وفسره العامةُ: أن الله تعالى لا يُبارِكُ فيما أخذتموه من الربا، وإنما يبارِكُ لكم فيما أنفقتم في سبيل الله. وليس بجيد عندي، بل مخُّ الآية هو النهي عن الربا المعروف، والحثُّ على أخذ الربا من عنده تعالى، فمن أخذه من الله فسيأكله رَغيدًا، ومن أخذه من الناس يقع في نهر الدم، ثم لا يقدرُ أن يخرج منه إلى قيام الساعة.
ومما ينبغي أن لا يُذْهلَ عنه أن نَظْم القرآنِ لا يؤدي المرادَ فقط، بل ينبِّهُ على الحقائق، ويرمُزُ إليها، فعلى المترجِمِ له بلغةٍ أخرى أن يراعي ذلك النظم، ثم ينظرُ إلى لغة أخرى، أنها هل تؤدي مُؤدَّاه أو لا، ومن لا يبالي بذلك ربَّما يُغيرُ المراد، حتى يوجبُ تغييرَ تلك الحقائقِ المرموزِ إليها؛ وإنما تُحس مضرَّتَه عند إلحاد ملحد. كما وقع في لفظ: التوفي والخلو، فإن الناس تسامحوا في بيان معناهما، فانبعث أشقاهم، وجعل يدَّعي أنه المسيح الموعود، بئست أمٌّ ولدته، ويا ليتها لم تلدْه.
قوله: (والله لا يحبُّ كلَّ كفارٍ أَثيم) ودَلالته على رفع الإِيجاب الكلي، مع أن المرادَ منه السَّلبُ الكلي. وتعرَّض إليه التَّفْتَازاني في «المُطَوَّل» فلم يؤد حقه (١).
١٤١٠ - قوله: (كما يُربي أحدكم فلوه)، ذكر فيه صورة التَّضعيف، يعني أنك إذا أنفقت في سبيل الله درهمًا، فالله تعالى يُربِّيْه لك حتى يكون رَبَّاه أضغافًا مضاعفة، فيضعفه شيئًا فشيئًا حتى يبلغَ يوم الحشر إلى هذا القدر، فهو كتربية الفَلُو، لا أنه يُضعَّف لك دُفعة واحدة، فافهمه،