أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا نَسِىَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». طرفه ٦٦٦٩ - تحفة ١٤٥٥٣
ذَهَبَ مالكٌ إلى الفرق بين النَّفل والفرض، فمن أكل ناسيًا في الصِّيامِ الفرضِ والواجبِ، وَجَبَ عليه القضاء. وإن كان صومًا نفلا، فلا قضاءَ عليه. وعندنا، وعند الشافعيِّ: ليس عليه قضاء مطلقًا، لا في الفريضة، ولا في النافلة، وصومُه تامٌّ بخلاف النسيان في الصلاة. فإن أكل أو شَرِبَ ناسيًا، وهو يُصَلِّي فَسَدَت صلاتُه، والفرق في الفِقْهِ.
٢٧ - باب السِّوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ لِلصَّائِمِ
وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَسْتَاكُ، وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِى أَوْ أَعُدُّ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ». وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَلَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ». وَقَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ يَبْتَلِعُ رِيقَهُ.
١٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ حَدَّثَنِى الزُّهْرِىُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ رَأَيْتُ عُثْمَانَ - رضى الله عنه - تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا، ثُمَّ قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِى هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَىْءٍ، إِلَاّ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». أطرافه ١٥٩، ١٦٠، ١٦٤، ٦٤٣٣ - تحفة ٩٧٩٤ - ٤١/ ٣
اختار المصنِّفُ مذهبَ الحنفية، ولم يفرِّق بين ما قبل الزَّوَالِ وبعده.
قوله: (قال عَطَاءٌ، وقَتَادَةُ: يَبْتَلِعُ رِيقَه). قال الشيخ ابن الهُمَام: إن جمع ريقَه في فمه، ثم ابتلعه كُرِهَ، وإلا لا.
٢٨ - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ» وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ الْحَسَنُ لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ، وَيَكْتَحِلُ. وَقَالَ عَطَاءٌ إِنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِى فِيهِ مِنَ الْمَاءِ لَا يَضِيرُهُ، إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ، وَمَاذَا بَقِىَ فِى فِيهِ، وَلَا يَمْضَغُ الْعِلْكَ، فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ لَا أَقُولُ إِنَّهُ يُفْطِرُ. وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ فَإِنِ اسْتَنْثَرَ، فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ، لَا بَأْسَ، لَمْ يَمْلِكْ.
стр. 1404
٢٩ - باب إِذَا جَامَعَ فِى رَمَضَانَ
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَإِنْ صَامَهُ». وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِىُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ يَقْضِى يَوْمًا مَكَانَهُ.
١٩٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ حَدَّثَنَا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ أَخْبَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - تَقُولُ إِنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ إِنَّهُ احْتَرَقَ. قَالَ «مَالَكَ». قَالَ أَصَبْتُ أَهْلِى فِى رَمَضَانَ. فَأُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ، يُدْعَى الْعَرَقَ فَقَالَ «أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ». قَالَ أَنَا. قَالَ «تَصَدَّقْ بِهَذَا». طرفه ٦٨٢٢ - تحفة ١٦١٧٦
ذَهَبَ الجمهورُ إلى أن من جَامَعَ في رمضانَ، فعليه القضاءُ والكفَّارةُ. واختار البخاريُّ أن لا قضاءَ عليه، وعليه الكفَّارة. وأمَّا في غيره، فلا قضاءَ ولا كفَّارةَ عند المصنِّفِ. وأوجبهما أبو حنيفة، ومالك في الأكل والشُّربِ أيضًا. خلافًا للشافعيِّ، وأحمد. أمَّا انتفاءُ القضاء عنده، فلِمَا روى الترمذيُّ: «أن من أَفْطَرَ متعمِّدًا يومًا من رمضانَ من غير رُخْصَةٍ، ولا مرضٍ، لم يقضِ عنه صوم الدَّهْرِ كلِّه، وإن صامه». وأمَّا انتفاءُ الكفَّارةِ، فلكونها تعزيرًا. والأصلُ فيه الظِّهَار، فإن الشَّرْعَ أَوْجَبَ فيه صيامَ شهرين متتابعين تَعْزِيرًا، لمَّا قال مُنْكَرًا من القول وزُورًا. ولذا يجبُ عليه قضاؤه عند الجمهور، فإن القضاءَ للصَّوْمِ الذي أفسده. وأمَّا صيامُ شهرين متتابعين فتعزيرٌ لِمَا فعله، وليس بدلا عن صومه الذي أَفْسَدَهُ.
فإذا عَلِمْتَ أن الكفَّارة بالصِّيام تعزيرٌ، وليس بدلا عن الصوم، عَلِمْتَ أنها لا تنبغي أن تَجِبَ في الأكل والشرب، لأن التعزيرَ لا يجري فيه القياس، كما في الحدود، فتَقْتَصِرُ على موردها، لا سِيَّما إذا كان الأكلُ والشربُ أخفَّ من الجِمَاع أيضًا. هذا تقريرُ كلامه مع الجمهور. وحينئذٍ لا يَرِدُ عليه أن الصِّيامَ إذا صار كفَّارةً عن الجِمَاع - وهو أشدُّ - فليكن عن الأكل والشرب بالأَوْلى، فإنهما أخفُّ.
وتقريرُ الجواب أن الكفَّارةَ بالجماع ليست للتلافي، بل هي تعزيرٌ له. فكما أن الصِّيامَ ليست كفَّارةٌ له في الأكل والشربِ عندكم أيضًا، كذلك في الجِمَاع أيضًا، إلا أنا قلنا بها في الجِمَاع للنصِّ، تَعْزيرًا لا تكفيرًا، ولا قياسَ فيه.
قلتُ: وهذا يُؤَيِّدُ الحنفيةَ: أن الكفَّارات عند البخاريِّ زواجرُ لا سَوَاتِر، كما قاله الشافعيةُ، وقد مرَّ الكلامُ فيه في الإِيمان.
ثم اختلف الجمهورُ فيما بينهم في إيجاب الكفَّارة بالأكل والشرب بعد اتفاقهم في إيجابها بالجِمَاع: فذهب مالك، وأبو حنيفة إلى إيجابها فيهما. وذهب أحمد، والشافعيُّ إلى أنها بالجِمَاع خاصةً.
стр. 1405
قلتُ: والأصلُ أن الأئمةَ اختلفوا في تنقيح مناطه (١): فذهب أحمد، والشافعيُّ إلى أن إيجابَ الكفَّارة فيه لأجل الجِمَاع من حيث كونه جِمَاعًا. وقال أبو حنيفة، ومالك: بل لكونه مُفْطِرًا. ولا فرقَ بين الأكلِ، والشربِ، والجِمَاع في حقِّ الإِفطار، فيستوي في حقِّ الكفَّارة أيضًا. ولا عِبْرَةَ بكون الجِمَاع أغلظَ من غير هذا الوجه. ولعلَّك عَلِمْتَ مما قُلْنَا، أن إيجابَ الكفَّارة بالأكل والشرب ليس من جهة القياس، بل لتنقيح المناط، وهو غير القياس، كما مهَّدْنَاه في المقدمة. وأمَّا حديثُ الترمذيِّ، فَمَحْمَلُه عند الجمهور الفضلُ دون الفِقْهِ، أي من أفطر يومًا من رمضان، فإنه لا يُدْرِكُ فضله، وإن صَامَ الدَّهرَ. وليس فيه: أنه لا يَسْقُطُ عنه قضاؤه أيضًا.
والحاصلُ: أن لا كفَّارةَ عليه عند المصنِّف بالأكل والشرب، وعليه الكفَّارةُ بالجِمَاع تعزيرًا. ولا قضاءَ عنده في الفصلين، ولا تَحْسِبْ أنه تخفيفٌ وتهوينٌ منه، بل هو تشديدٌ في غايته. كما قال إمامُنا الأعظم: أن لا حدَّ على اللُّوطي، وذلك لأنه عَدَّه أشنعَ من الزاني، فأغلظَ له في العقوبة، فيفعل به الإِمامُ ما شاء من الحَرْقِ، وهَدْمِ البناء عليه، وغير ذلك. وكما قال ابن حَزْم: من ترك الصلاة متعمِّدًا فلا قضاءَ له، فهذا أيضًا تشديدٌ.
قوله: (وقال سعيدُ ... إلى قوله: يقضي يومًا مَكَانَهُ) ... إلخ، أخرج المصنِّفُ آثارًا متعارضةً. ففي الأول: أن لا قضاءَ عليه، وفي الثاني: أن عليه القضاء، وذلك لعدم جَزْمِهِ بالقضاء.
стр. 1406
فإن قُلْتَ: كيف وأنه قد جَزَمَ بعدم القضاء في صدر الصفحة قال أبو جعفر (١) - وهو ورَّاق البخاري: سألتُ أبا عبد الله البخاري، إذا أفطر يُكَفِّرُ مثل المكورة؟ قال: لا، أَلا ترى الأحاديث: لم يَقْضِهِ، وإن صام الدهرَ اهـ.
قلتُ: لا تنافي بين عدم الجَزْمِ باعتبار وجوب القضاء وعدمه، وبين الجَزْمِ بعدم إنابته مناب صوم رمضان باعتبار الثواب.
ومُحَصَّلُ الكلام: أن مرادَ البخاريِّ لا يتقرَّرُ إلا بعد الإِمعان في أمور: الأول: أن الكفَّارة عنده تعزيرٌ، وأنها ليست إلا بالجِمَاعِ، وأنه لم يَحْكُمْ بشيءٍ من إيجاب القضاء وعدمه (٢).
٣٠ - بابٌ إِذَا جَامَعَ فِى رَمَضَانَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَىْءٌ، فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ
واعلم أن الترتيبَ في الكفَّارة بين الإِعتاق، والصوم، والإِطعامُ واجبٌ عند الجمهور، وهو نصُّ الحديث. إلا أن مالكًا تفرَّد (٣) فيه، وقال بالتخيير، والظاهرُ أنه مذهبٌ مرجوحٌ. ويمكن العُذْرُ لمالك أن يكونَ الترتيبُ المذكورُ عنده محمولا على الذكر فقط، فلا يَجِبُ في الحكم. مع أن الحديثَ وَرَدَ عند الطحاويِّ، وغيرِه بحرف التخيير أيضًا، عن أبي هُرَيْرَة: «أن النبيَّ ﷺ أمره أن يكفِّرَ بعِتْقِ رقبةٍ، أو صيامِ شهرين متتابعين، أو إطعام سِتين مسكينًا». اهـ.
١٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ «مَا لَكَ». قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِى وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا». قَالَ لَا. قَالَ «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ». قَالَ لَا. فَقَالَ «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا». قَالَ لَا.
стр. 1407
قَالَ فَمَكَثَ النَّبِىُّ ﷺ ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ - قَالَ «أَيْنَ السَّائِلُ». فَقَالَ أَنَا. قَالَ «خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ». فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِى، فَضَحِكَ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». أطرافه ١٩٣٧، ٢٦٠٠، ٥٣٦٨، ٦٠٨٧، ٦١٦٤، ٦٧٠٩، ٦٧١٠، ٦٧١١، ٦٨٢١ تحفة ١٢٢٧٥ - ٤٢/ ٣
١٩٣٦ - قوله: (فهل تَسْتَطِيعُ أن تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْن)، وفي روايةٍ عند البزَّار - في جوابه: «هل لَقِيتَ ما لَقِيتَ إلا من الصيام». اهـ؛ فتجري فيه خِلافيَّةٌ أخرى، وهي أن شدَّةَ الشَّبَقِ عذرٌ، أو لا؟ فأَنْكَرَهُ الحنفيةُ، وقال به الشافعيةُ. فالحديثُ حُجَّةٌ علينا، فإن النبيَّ ﷺ عدَّه عذرًا للعدول عنه إلى الإِطعام. وهو عندي محمولٌ على خصوصيته، كما أن كفَّارتَه بالمقدارِ المخصوصِ مختصٌّ به عند آخرين أيضًا. فعند أبي داود، عن الزُّهْرِيِّ: «إنما كان هذا رخصةً له خاصةً»، وهكذا عند الدَّارَقُطْني. وأجاب عنه الطحاويُّ: أن النبيَّ ﷺ لمَّا عَلِمَ حاجةَ الرجل أعطاه ما أعطاه من التمر يَسْتَعِينُ به فيما وَجَبَ عليه، لا على أنه جميعُ ما وَجَبَ عليه. كالرجل يَشْكُو إلى الرجل ضَعْفَ حاله، وما عليه من الدَّيْن فيقول: خذ هذه العشرة دراهم، فَاقْضِ بها دَيْنَكَ. ليس على أنها تكون قضاءً عن جميع دَيْنِهِ، ولكن على أن يكونَ قضاءً بمقدارها من دَيْنِهِ اهـ.
ولك أن تقول: إنه كان أعرابيًا لم يكن له علمٌ بكثير من الحلال والحرام، وقد عَلِمْتَ أن الجهلَ كان عُذْرًا في بَدْء الشرع، فَتَسَامَحَ عنه النبيُّ ﷺ وجعل شِدَّةَ الشَّبَقِ عذرًا في حقِّه، واكتفى بذلك المِكْتَل كَفَّارةً في حقِّه. ومآلهُ إلى التخصيص مع بيان السبب له، وقد قرَّرناه في مواضعَ شتَّى. وإنما لم يَعُدَّ الحنفيةُ شِدَّة الشَّبق عذرًا، لأنه يُوجِبُ فتح باب الجنايات، فإن لكلِّ أحدٍ أن يتمسَّك به، ويَهْتِكَ حرمات الله تعالى، فَحَمَلُوه على الخصوصيّة (١).
٣١ - باب الْمُجَامِعِ فِى رَمَضَانَ، هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ ؟
١٩٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ الأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِى رَمَضَانَ. فَقَالَ «أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟». قَالَ لَا. قَالَ «فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟». قَالَ لَا. قَالَ «أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟». قَالَ لَا. قَالَ فَأُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَهُوَ الزَّبِيلُ - قَالَ «أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ».
стр. 1408
قَالَ عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ «فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». أطرافه ١٩٣٦، ٢٦٠٠، ٥٣٦٨، ٦٠٨٧، ٦١٦٤، ٦٧٠٩، ٦٧١٠، ٦٧١١، ٦٨٢١ - تحفة ١٢٢٧٥
ولم يَذْهَب إليه أحدٌ من الأئمة الأربعة، وإنما ترجم به البخاريُّ، تَبَعًا للحديث. ووضع حرف الاستفهام، كأنه لا يَحْمِلُهُ على نفسه، ويوجِّه الناظرَ إليه.
٣٢ - باب الْحِجَامَةِ وَالْقَىْءِ لِلصَّائِمِ
وَقَالَ لِى يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَاّمٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ. وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَحْتَجِمُ، وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ. وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى لَيْلاً. وَيُذْكَرُ عَنْ سَعْدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأُمِّ سَلَمَةَ احْتَجَمُوا صِيَامًا. وَقَالَ بُكَيْرٌ عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَا تَنْهَى. وَيُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مَرْفُوعًا فَقَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ. وَقَالَ لِى عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ. قِيلَ لَهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ. تحفة ١٤٢٦٥، ١٧٩٦١ أ، ١٨٥٦١
١٩٣٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ احْتَجَمَ، وَهْوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهْوَ صَائِمٌ. أطرافه ١٨٣٥، ١٩٣٩، ٢١٠٣، ٢٢٧٨، ٢٢٧٩، ٥٦٩١، ٥٦٩٤، ٥٦٩٥، ٥٦٩٩، ٥٧٠٠، ٥٧٠١ - تحفة ٥٩٨٩ - ٤٣/ ٣
قوله: (ويُرْوَى عن الحسن) ... إلخ، والمصنِّفُ مرَّضَه، مع أن الحديثَ صحيحٌ في الخارج.
لم يَذْهَب إلى الإِفطار من الحِجَامة أحدٌ من الأئمة غير أحمد، فقيل: معنى قوله: «أفطرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ»: أي كادا أن يُفْطِرَا. أمَّا الحاجمُ، فلخوف دخول الدم في جوفه. وأمَّا المحجوم، فلضَعْفِهِ. وأجاب عنه الطحاويُّ: أن النبيَّ ﷺ رأى رجلين يَغْتَابَان، فقال: «أفطر الحاجمُ والمحجومُ»، وذلك لأجل الغيبة، وهي أَكْلُ اللحم بالنصِّ. وإنما عبَّر عنهم بالحاجم، لكونهما يَفْعَلان الحِجَامة ساعتئذٍ، فكان وصفًا عنوانيًا لهما، لا أنها كانت عِلَّةً للحكم.
وهذا كما تقول: فَسَدَت صلاةُ هذا الفاسق، لا تُرِيدُ أنها فَسَدَت لفِسْقِهِ، بل الفِسْقُ عنوانٌ له، أمَّا فسادُ صلاته، فبأمرٍ ارتكبه في خلال صلاته. وكذلك فيما نحن فيه، أن الرجلين لمَّا كانا مَشْغُولَيْن في الحِجَامة، وكانا يَغْتَابَان، قال لهما النبيُّ ﷺ «أفطر الحاجمُ والمحجومُ»، فلا يَدُلُّ على أن عِلَّةَ الحكم هو الحِجَامة. نعم لمَّا حَذَفَ السببَ المذكورَ من صدره تُوُهِّمَ أنه كُلِّيةٌ، مع أنه كان واقعةً جزئيةً، والمناط فيها ما قلنا، دون الحِجَامة.
قلتُ: الرواية التي تَدُلُّ على كونها واقعةً ضعيفةٌ جدًا. وفي البخاريِّ عن أنس أنه سُئِلَ:
стр. 1409
«أَكُنْتُم تَكْرَهُون الحِجَامةَ؟ قال: لا، إلا من أجل الضَّعْف»، وهذا يُمْكِنُ أن يكونَ إشارةً إلى التأويل المشهور، أو بيانًا للواقع.
واعلم أن هناك حديثًا في «المسند» لأبي يَعْلَى، وهو في «المسند» لأبي حنيفة أيضًا: «أن الوضوءَ ممَّا خَرَجَ، والفِطْرَ ممَّا دَخَلَ»، ومقتضاه أن لا تكون الحِجَامةُ مُفَطِّرَةً، لأنها لم يَدْخُل منهاشيءٌ، فَيُحْتجُّ بها على خلاف ما اختاره أحمد.
قلتُ: ويمكن عندي أن يكونَ ممَّا خرج أيضًا شيءٌ من الفساد، كما في الاستقاء، فإنه يُوجِبُ الفسادَ مع عدم دخول شيءٍ فيه، فكذلك يمكن أن يكون خروجُ الدم أيضًا مُفْسِدًا، ولو في الجملة. وكما في الفِقْهِ أن من بَاشَرَ امرأته فأنزل، فَسَدَ صومُه، مع أنه ليس فيه دخول شيءٍ، ولكن لا يُدْرَى أن الحكمَ بالفساد فيه لأجل المُبَاشرة، أو خروج المنيِّ. فإن كان الثاني، فهو نظيرٌ ثالثٌ للفساد ممَّا خَرَجَ. على أن للملائكة مُنَافرةً تامةً من الدماء، ولذا قالوا: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] أَلا تَرَى أن الصومَ لا يَجُوز للطامث، مع عدم دخول شيءٍ فيه؟ فإذا عَلِمْنَا الفسادَ كلاًّ، أو بعضًا مما خَرَجَ أيضًا، وَسِعَ لنا أن نقولَ به، فيما نحن فيه، لا سيَّما إذا كانت الملائكةُ تتأذَّى منه. ورأينا أن الشريعةَ قد تَعْتَبِرُ بالأشياء التي تُؤْذِي الملاكةَ أيضًا.
ولولا الأحاديث دَلَّت على عدم الفساد من جانبٍ آخر، لادَّعَيْتُ أن الحِجَامةَ مُفْسِدَةٌ في أحكام الدنيا أيضًا. إلا أن الدلائلَ لمَّا قامت على خلافه، اكتفيتُ بالفساد الأخرويِّ، وجعلتها كالغِيبة مُفْسِدةً في النظر المعنويِّ، مُحْبِطَةً للثواب فقط، وإن لم تكن مُفْسِدةً في الحكم.
١٩٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ احْتَجَمَ النَّبِىُّ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ. أطرافه ١٨٣٥، ١٩٣٨، ٢١٠٣، ٢٢٧٨، ٢٢٧٩، ٥٦٩١، ٥٦٩٤، ٥٦٩٥، ٥٦٩٩، ٥٧٠٠، ٥٧٠١ - تحفة ٥٩٨٩
١٩٤٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِىَّ يَسْأَلُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ قَالَ لَا. إِلَاّ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ. وَزَادَ شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ . تحفة ٤٤٨
١٩٣٩ - أمَّا قوله: (احتجم النبيُّ ﷺ وهو صائمٌ)، فعلَّله الإِمامُ أحمد، وبَسَطَه ابن عبد الهادي. وملخَّصُهُ: أن الاحتجامَ المذكورَ كان في حال الإِحرام، ولم يَثْبُتْ إحرامه في رمضانَ، وإذن لا يكون صومه هذا إلا نفلا. مع أنه لا دليلَ فيه على عدم قضائه أيضًا، على أن قضاءَ الصومِ النفلِ مُجْتَهَدٌ فيه. وبعد اللَّتَيَّا والتي لمَّا صَحَّ الحديثُ فيه، وذهب إمامٌ ذو شأنٍ إلى ظاهره، بلا تأويلٍ فيه، التزمتُ أن في الحِجَامة إفطارًا في النظر المعنويِّ، وإن لم يكن في النظر الفقهيِّ. كيف لا وأنه تلطَّخ بالدماء، وتجنَّب من سِمَات الملائكة، وتزيَّ بغير زِيِّهم في شهر التقوى. وقد قرَّرْنَاه مِرَارًا.
٣٣ - باب الصَّوْمِ فِى السَّفَرِ وَالإِفْطَارِ
١٩٤١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِىِّ سَمِعَ
стр. 1410
ابْنَ أَبِى أَوْفَى - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِى». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ. قَالَ «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِى». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ. قَالَ «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِى». فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَا هُنَا، ثُمَّ قَالَ «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ عَنِ ابْنِ أَبِى أَوْفَى قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى سَفَرٍ. أطرافه ١٩٥٥، ١٩٥٦، ١٩٥٨، ٥٢٩٧ - تحفة ٥١٦٣
١٩٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِىَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَسْرُدُ الصَّوْمَ. طرفه ١٩٤٣ - تحفة ١٧٣١٩
١٩٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِىَّ قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ أَأَصُومُ فِى السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ. فَقَالَ «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ». طرفه ١٩٤٢ - تحفة ١٧١٦٢
٣٤ - بابٌ إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ
١٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِى رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ. أطرافه ١٩٤٨، ٢٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩ - تحفة ٥٨٤٣
وههنا مسألتان: الأولى: أنه لا يَجُوز له الإِفطار في يوم خروجه. فإذا خرج من بيته مُرِيدًا مدَّة السفر، فله أن لا يَصُومَ من الغدِ إن شاء. والثانية: أن المسافرَ إذا لم يترخَّص برخصة الله، وعَمِلَ بالعزيمة وصام، ليس له الإِفطار قبل الغروب من ذلك اليوم إلا بعُذْرٍ، وعليه أن يتِمَّ صومَه ذلك. وقال الآخرون: إنه جائزٌ، كما جاز له أن لا يصومَ ابتداءً، فهكذا بقاءً. وحديثُ الباب واردٌ علينا. وأجاب عنه بعضُهم: أن النبيَّ ﷺ أمرهم بالفِطْرِ لما رأى بهم من المَشَقَّة. فقيل عليه: وهل كانت المشقَّةُ بلغت من كلِّهم مبلغ الإِفطار؟ فلم يُجِبْ عنه ابن الهُمَام.
قلتُ: والإِفطارُ عندنا جائزٌ للغُزَاة، تحصيلا للقوة بدون تفصيلٍ، فنظر النبيُّ ﷺ إلى مشقَّتهم، مع إشرافهم على القتال، فأمرهم بالفِطْر لذلك. فأخرج الترمذيُّ في الجهاد، عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، قال: «لما بَلَغَ النبيُّ ﷺ عام الفتح مرَّ الظَّهْرَان، فآذَنَنَا بلقاء العدو، فأمَرَنَا بالفِطْرِ، فأَفْطَرْنا أجمعين»، إلا أنه ينبغي أن يُمْعَنَ النظرُ في أن حديثَ أبي سعيدٍ هذا، وما رواه ابن عباس واقعةُ يومٍ واحدٍ، أو اثنين.
стр. 1411
٣٥ - بابٌ
١٩٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ - رضى الله عنه - قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِى يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَاّ مَا كَانَ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ وَابْنِ رَوَاحَةَ. تحفة ١٠٩٧٨ - ٤٤/ ٣
٣٦ - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، وَاشْتَدَّ الْحَرُّ «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِى السَّفَرِ»
١٩٤٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِىُّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهم - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا، وَرَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ «مَا هَذَا». فَقَالُوا صَائِمٌ. فَقَالَ «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِى السَّفَرِ». تحفة ٢٦٤٥
ذهب داود الظاهريِّ إلى أن الصومَ في السفر باطلٌ لأجل هذا الحديث. وذهب الفقهاءُ الأربعةُ إلى أنه أفضلُ لمن استطاع، ولم يَشُقَّ عليه. وأجاب الجمهورُ عن الحديث المذكور بأنه محمولٌ على المَشَقَّة، كما أشار إليه البخاريُّ في الترجمة، ودَلَّ عليه مَوْرِدُ نطقه.
قلتُ: وقد أَصَابُوا في ذلك، إلا أنهم لم يَذْكُرُوا وِجْهَةَ التعميم في الحديث، أيَّ عمومٍ، فإنه يَدُلُّ على أن الصومَ في السفر ليس من البِرِّ في شيءٍ. وقد عضَّ به الظَاهريُّ بالنواجذ، وقضى بمقتضاه. قلتُ: وانكشف عندنا من غير واقعةٍ واحدةٍ أن الصومَ في السفر جائزٌ، وإذن فليس مَدَار المسألة على التعبير. نعم نَطْلُب له وجهًا، فإن انكشف فيها، وإلا فالمسألةُ بحالها، فإن التعاملَ أبينُ حُجَّةً. ولم أَرَ أحدًا منهم توجَّه إلى بيان وجه هذا التعبير، وها أنا ذا أُلْقي عليك ما سَنَحَ لي فيه، وقد وَعَدْنَاك في الإِيمان: أنا نَذْكُرُ لك في الصيام سرَّ نفي البِرِّ عمَّا يكون من أبرِّ البرِّ.
فاعلم أن الحديثَ مُقْتَبَسٌ من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلخ، وفي مثله ينبغي النظر في المُقْتَبَس عنه، لأن المُقْتَبَس يكون تابعًا له في التعبير. وإذن التعميمُ في قوله ﷺ ليس قَصْدِيًّا وابتدائيًّا، بل جاء لحال الاقتباس. نعم، يكون مقصودًا في المُقْتَبَس عنه.
فأقولُ: إن النصَّ وَرَدَ لإِصلاح الطبائع السافلة التي تكون لهم بالأمور الصغار عنايةٌ، ولا تكون لهم بالأمور المهمَّة عباية. كما ترى اليهودَ، فإن جُلَّ بحثهم كان مقصورًا على أمر التحويل، وأن القِبْلَةَ هي بيت الله، أو بيت المقدس، ولا يَدْرُونَ أن التوجُّهَ ليس لكون الله سبحانه في تلك الجهة ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فليس هذا بأمرٍ أهمّ. ولم يكن لهم بحثٌ عمّا هو مِلاك الأمر ومَدَارُ النجاة، وهو الإِيمان بالله، والإِيمان بالرسول، فينبغي لهم أن
стр. 1412
يَهْتَمُّوا بهذا البرِّ الذي لا برَّ فوقه، لا أن يَشْغَفُوا بما لا يُغْنِيهم، ويَلْهُوا عما يعنيهم.
وهكذا فيما نحن فيه، شقَّ على بعضهم الفِطْرُ، وهم في شهر رمضان، فلم يُفْطِرُوا حتى غُشِيَ عليهم، ولم يَنْظُرُوا إلى أن الصومَ بهذه المشقَّة يوجبُ النقصانَ في كثيرٍ من الفرائض. فالذي ينبغي أن يُرَاعَى الأهمُّ فالأهمُّ، ويُعْمَلَ بالرُّخَصِ عند تعسُّر العمل بالعزيمة. وبعبارةٍ أخرى: إن قلَّة الفِقْه مع حُسْنِ النيَّة قد يُوجبُ الاهتمام في الأمور اليسيرة، والتغافُل عن الأمور العظيمة. وهذا الاهتمامُ والاحتياطُ قد يَعُودُ وَبَالا في حقِّه، فنبَّه عليه الشرعُ، أن يقدِّم الأقدمَّ فالأقدمَّ. وفي مثله يأتي هذا التعبير قال الجامع: وكان الشيخُ يترجمه في لغتنا الأُرْدِيّة (اسمين نيك بخت بيوقوف كى اصلاح هى) ولعلّك عَلِمْتَ منه أن نفيَ البرِّ في النصِّ مَقْصُودٌ ومرادٌ، وفي الحديث اقتباسٌ منه، والكلامُ في مثله إنما يجري في الأصل المُقْتَبَس عنه.
٣٧ - باب لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِىِّ ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِى الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ
١٩٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. تحفة ٧٣٧
والعجبُ من الشيخ النووي أنه ذكر مع هذه القطعة قطعةَ إتمام الصلاة في السفر وقَصْرِها أيضًا، ثم عَزَاه إلى مسلم، مع أنه ليس فيه اسمُها ولا رَسْمُها. وهذا نصُّه في باب صلاة المسافرين وقصرها: واحتجَّ الشافعيُّ ومُوَافِقُوه بالأحاديث المشهورةِ في «صحيح مسلم»، وغيره: أن الصحابةَ رضي الله تعالى عنهم كانوا يُسَافِرُون مع رسول الله ﷺ فمنهم القاصرُ، ومنهم المُتِمُّ، ومنهم الصَّائِمُ، ومنهم المُفْطِرُ، لا يَعِيبُ بعضُهم على بعضٍ. اهـ.
٣٨ - باب مَنْ أَفْطَرَ فِى السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ
١٩٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ فَأَفْطَرَ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِى رَمَضَانَ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. أطرافه ١٩٤٤، ٢٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩ - تحفة ٥٧٤٩
٣٩ - باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ: نَسَخَتْهَا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥].
стр. 1413
وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى لَيْلَى حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِى ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ تحفة ١٥٦٢٤ - ٤٥/ ٣
١٩٤٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَرَأَ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾. قَالَ هِىَ مَنْسُوخَةٌ. طرفه ٤٥٠٦ - تحفة ٨٠١٨
وقد مرَّ مِنَّا تحقيقُ الآية قريبًا. وحاصلُه: أنها ليست بمنسوخةٍ بالكليَّة، بل مُحْكَمَةٌ في بعض الجُزْئيَّات بعد. وأرى جزئيات الفِدْية في المذاهب الأربعة، وليست تلك إلا لهذه الآية. وهذا كما قرَّرت في آية الوضوء: أن الواو في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] للمعيَّة المَحْضَة، بمعنى أن لمسح الرأس مَعِيَّةً مع الأَرْجُلِ، سواء كانت المَعِيَّة بالغَسْل، أو المسح. والمَعِيَّة المطلقة تحتملهما، فهذا أيضًا إبقاء لأُنْمُوذَج المسح بالأَرْجُل، ولو في حال التخفيف. ولولاه لارْتَفَعَ حكمُ المسح بالأَرْجُل عن القرآن رأسًا، وإنما بقي فيه لمثل هذه الإِشارات. وأيضًا قد بيَّنا لك فيما قدَّمنا أن الفِدْيَةَ مُتَرَتِّبَةٌ على عدم الصوم، والمعنى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ولم يَصُومُوا ... إلخ، وإنما حَذَفَهُ من اللفظ، ولم يَذْكُرْهُ لكونه غير مرغوبٍ عنده.
وأجد صنيعَ القرآن أنه إذا كَرِهَ شيئًا تَرَكَ ذِكْرَهُ، وذلك لكونه في الذُّرْوَة العُلْيَا من الفَصَاحَةِ، فلا يَتْرُكُ مساغًا للطبائع المتكاسلة. وقد ذَهَبَ بعضُ الملاحدة إلى بقاء الفِدْيَةِ مطلقًا، تمسُّكًا بهذه الآية. وأجاز للمُطِيقِين أيضًا أن لا يَصُومُوا رمضانَ، ويُؤَدُّوا عنه الفِدْيَةَ. ما حمله عليه إلا الإِلحادُ، واللعبُ بالشريعة، واتباعُ الهوى، وإراحةُ النفس.
قلتُ: ولم يُذْكَرْ في هذه الآية الإِفطار أيضًا، فعليه أن يَلْتَزِمَ الصومَ والفِدْيةَ معًا. فإن الآية لم تَحْكُمْ بالفطر للمُطِيقِين، ولكنها أَوْجَبَتْ عليهم الفِدْيَةَ، والصومُ بحاله، فَلْيَقُلْ بهما.
نعم حديث الباب يُخالِفُ ما قرَّرْتُ سابقًا، من أنها في الأيام البِيضِ، فإنه يَدُلُّ على أنها في رمضانَ. والمسألةُ إذا كانت مختلفةً بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فلا بَأْسَ أن يُؤْخَذَ بأحد جوانبها. فلنا أن نَعْمَلَ بما اختاره مُعَاذ، مع كونه أعلمَ بالحلال والحرام، وقد مرَّ وجهُ الجمع أيضًا.
قوله: (قال أبو الزِّنَاد: إن السُّنَنَ) ... إلخ، في «الأشباه والنظائر»: من كَثُرَتْ عليه الفوائت، ولم يَجِدْ وقتًا لأدائها مع السُّنَنِ يترك السُّنن، ويأتي بالفوائت، وإنما يهتمُّ بالأقدمِّ فالأقدمِّ - بالمعنى -.
٤٠ - باب مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾
стр. 1414
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِى صَوْمِ الْعَشْرِ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ. وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ الإِطْعَامَ إِنَّمَا قَالَ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
١٩٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - تَقُولُ كَانَ يَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِىَ إِلَاّ فِى شَعْبَانَ. قَالَ يَحْيَى الشُّغْلُ مِنَ النَّبِىِّ أَوْ بِالنَّبِىِّ ﷺ . تحفة ١٧٧٧٧
٤١ - باب الْحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِى كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْىِ، فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنِ اتِّبَاعِهَا، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِى الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِى الصَّلَاةَ.
١٩٥١ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِى زَيْدٌ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ، وَلَمْ تَصُمْ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا». أطرافه ٣٠٤، ١٤٦٢، ٢٦٥٨ - تحفة ٤٢٧١
فإن أخَّر في الأداء حتى هَجَمَ عليه رمضانُ آخر، يَصُومُ ويَفْدِي عن كل يومٍ عند الشافعيِّ، وعندنا لا فِدْيةَ عليه، ويقضي فقط. نعم أَسَاءَ في التأخير، وبه قال المصنِّفُ. وفي «فتح الباري»: إن الطَّحَاوِيَّ أقرَّ في كتابه في اختلاف الفقهاء: أن بعضَ الصحابة كانوا يَفْدُون أيضًا. فدَلَّ على أنه جَنَحَ أيضًا إلى أداء الفِدْيَة، فلا بُدَّ أن يُقَالَ باستحبابها. والبخاريُّ وإن ذهب إلى عدم الاستحباب، كما هو المشهورُ من مذهبنا، لكنه أين يَقَعُ هذا من آثار الصحابة. وحديثُ الباب لا يَدُلُّ إلا على أدائه قبل دخول رمضان فقط (١).
٤٢ - باب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ.
ذَهَبَ أحمدُ إلى جواز النيابة في صيام النَّذْرِ، ولم يجوِّزها في رمضانَ. قال المحدِّثُون: ومذهبه أقربُ من الحديث، لما في «البخاري» وتصريحه بكونها صيامُ نذْرٍ. ولا نِيَابةَ عندنا مطلقًا، وهو القول الجديد للشافعي، وإن رجَّحَ النوويُّ القديمَ. وذلك لأنه من العبادة البدنيَّة،
«من ماتَ وعليه صيامُ شهرٍ، فَلْيُطْعِمْ عنه مكان كل يومٍ مسكينًا». اهـ. إلا أن الترمذيَّ لم يُحَسِّنْهُ، وحسَّنه القرطبيُّ، كما نقله العيني.
قلتُ: والظاهرُ أن الحديثَ ليس قابلا للتحسين، لأن في إسناده محمدًا، وهو ابن أبي لَيْلَى، كما صرَّح به الترمذيُّ في «جامعه». ثم رأيتُ التصريحَ به في «السنن الكبرى» في مَوْضعَيْن. وابن أبي لَيْلَى اثنان: الأول: عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، وهو ثقةٌ. والثاني محمد بن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، ويُقَالُ له أيضًا: ابن أبي لَيْلَى، وهذا الذي اختلفوا فيه، وقد حَسَّنَ البخاريُّ حديثَهُ في أبواب السفر، كما عند الترمذيِّ. وفي «تذكرة الحفاظ»: أنه من رواة الحِسَان. قلتُ: وقد جَرَّبْتُ منه التغيير في المتون والأسانيد، فهو ضعيفٌ عندي، كما ذَهَبَ إليه الجمهورُ.
وبالجملة من حسَّن الحديثَ المذكورَ، ظنَّ أن محمدًا هو ابن سِيرِين. وإذن تحسينُ القرطبيِّ غير مقبولٍ عندي، إلا أن يكونَ عنده إسنادٌ غير هذا. أمَّا الجوابُ عندي، فلا أقولُ: إن المرادَ من الصَّوْمِ هو الإِطعام، وإنما عبَّر بالصوم مشاكلةً. بل أقولُ: إنه ينبغي أن يُصَامَ عنه إثابةً، ويُطْعَم مكان كل يومٍ مسكينًا أيضًا، قضاءً ممَّا عليه.
فالحاصل: أن الحديثَ محمولٌ على الإِثابة دون النِيَابة، والتعبيرُ المذكورُ يُصْلحُ لهما بدون تأويلٍ، لأنهما نِيَّتان. أي قد يكونُ الصومُ عن أحدٍ بنية الإِثابة، وقد يكون بنية النِيَابة، ولا يَتَلَفَّظُ بها أصلا، فَيُقَال في الإِثابة أيضًا: صَامَ عنه، كما يُقَال في النِيَابة بدون فرقٍ. أمَّا حديثُ: «لا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ»، فهو محمولٌ على النِيَابة، فلا تنافي بين الحديثين. وبعبارةٍ أخرى: إن الإِثابةَ والنِيَابةَ من أنظار الفقهاء، وليست مما يَدُلُّ عليه اللفظ بمدلوله اللُّغَوِيِّ، بل هي أمرٌ وراء الهيئة التركيبية تُفْهَمُ عنها، ولا تكون مدلولةً وضعًا. وإنما كرَّرْناه لئلا تظنُّه تأويلا، كيف ولا بحثَ للغويَ من أنظار الفقهاء، فلا يقولُ فيهما إلا أنه صَامَ عنه. ثم إنه انْعَقَدَ الإِجماعُ في باب
стр. 1417
الصلاة: أن لا نِيَابةَ فيها، وحينئذٍ فالأقربُ أن يكونَ في باب الصيام أيضًا.
وفي «البحر» من باب الحجِّ عن الغير: أن كلَّ عبادةٍ بدنيةٍ تجري فيها الإِثابة، أي إيصال الثواب إلى الغير. ثم قِيلَ: إنها تَجُوزُ في الفرائض والنوافل مطلقًا. أمَّا في الفرائض، فيكون الثوابُ لغيره، وإن لم يَسْقُطْ عنه الفرض. وقيل: إنها في النفل فقط. ثم قيل: إن الإِثابة إنما تكون للميت فقط. وقيل: للميت والحيِّ كليهما.
وبالجملة الحديثُ المذكورُ محمولٌ عندي على الإِثابة، ولا يَأْبَاهُ لفظ «عن»، فإنه يُسْتَعْمَلُ في الإِثابة أيضًا.
٤٣ - باب مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ
وَأَفْطَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ.
١٩٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». تحفة ١٠٤٧٤
١٩٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِىُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى سَفَرٍ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ «يَا فُلَانُ قُمْ، فَاجْدَحْ لَنَا». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمْسَيْتَ. قَالَ «انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ أَمْسَيْتَ. قَالَ «انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا». قَالَ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا. قَالَ «انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا». فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ، فَشَرِبَ النَّبِىُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». أطرافه ١٩٤١، ١٩٥٦، ١٩٥٨، ٥٢٩٧ - تحفة ٥١٦٣ - ٤٧/ ٣
١٩٥٤ - قوله: (إذا أَقْبَلَ الليلُ من ههنا إلى قوله: فقد أَفْطَرَ الصَّائِمُ)، وفي كُتُبِ الفِقْهِ: أن رجلين كان أحدهما عل رأس المَنَارة يرى الشمس، والآخر على سطح الأرض، وقد غَابَتْ عن نظره أنه يَصِحُّ الإِفطار للثاني، دون الأول. وظاهرُ اللفظ أنه أَفْطَرَ بعد غروب الشمس أكل شيئًا أو لا، فيكون حكمًا من قِبَل الشارع. فإن أَمْسَكَ بعده، لا شيءَ ولا أجرَ فيه. وقال ابن تَيْمِيَة: إن الوِصَالَ إلى السَّحَر مُسْتَحَبٌّ. وثَبَتَ عن أبي بكرٍ: أنه كان يُوَاصِلُ إلى ثلاثة أيام. وعن ابن الزُّبَيْرِ: أنه كان يُوَاصِلُ إلى تسعة أيام. ويُعْلَمُ من طريق الرُّوَاة أنه كان عادةً لهم. وحينئذٍ شرحه عنده: أنه جَازَ لك الإِفطار بعد الغروب. وأمَّا قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ (البقرة: ١٨٧)، ففيه غايةُ التَّحَتُّم. وأمَّا من تحرَّى الفضلَ، فله أن يُمْسِكَ إلى السَّحَرِ.
٤٤ - باب يُفْطِرُ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ
١٩٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
حتى نَظُنَّ أن لا يُفْطِرَ منه شيئًا، وكان لا تَشَاءُ تَرَاهُ من الليل مُصَلِّيًا إلا رأَيْتَهُ، ولا نَائِمًا إلا رَأَيْتَهُ) ... إلخ، واعلم أن النبيَّ ﷺ لم تكن له عادةٌ مستمرةٌ في صيام الشهر، فتارةً صام فَسَرَدَ، وأخرى أفْطَرَ فَتَوَالَى، ومن ههنا جاء التعبيرُ المذكورُ. ثم إن الراوي ذكر نحوه في صلاته أيضًا، وذلك لا يَسْتَقِيمُ في الثُّلُث الأخير، فإنه كان من عادته إحياؤه، والاستراحة في السُّدُس الأخير، نعم يُمْكِن صدقه في فروع الليل وأوساطه.
١٩٧٣ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسًا رضى الله عنه عَنْ صِيَامِ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ وَلَا مُفْطِرًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مِنَ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَاّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أطرافه ١١٤١، ١٩٧٢، ٣٥٦١ - تحفة ٦٨٢ - ٥١/ ٣
١٩٧٣ - قوله: (خَزَّةً) [الخَزُّ]: حيوان في بلاد رُوس، تتخذ الفَرْوُ من جلده، وليس بالحرير، نعم القَزُّ حريرٌ.
٥٤ - باب حَقِّ الضَّيْفِ فِى الصَّوْمِ
١٩٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَلِىٌّ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رضى الله عنهما - قَالَ دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ يَعْنِى «إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا». فَقُلْتُ وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ قَالَ «نِصْفُ الدَّهْرِ». أطرافه ١١٣١، ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧ تحفة ٨٩٦٠
وفي «المنتقى» أن الضِّيَافةَ عُذْرٌ مبيحٌ للفِطْرِ للضيف، والمُضِيفِ جميعًا.
٥٥ - باب حَقِّ الْجِسْمِ فِى الصَّوْمِ
١٩٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رضى الله عنهما - قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ». فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ». فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَىَّ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ «فَصُمْ صِيَامَ نَبِىِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ». قُلْتُ وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِىِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ قَالَ «نِصْفَ الدَّهْرِ». فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ يَا لَيْتَنِى قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِىِّ ﷺ . أطرافه ١١٣١، ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧ تحفة ٨٩٦٠
стр. 1423
١٩٧٥ - قوله: (فإن لجسدكَ عليكَ حقًّا) ... إلخ، يعني أن أداءَ حقوق الله مع مراعاة حقوق النفس من مَعَالي الهِمَمِ. أمَّا الاجتهادُ في العبادة حتى يُجْهِدَ نفسه، فليس بكمالٍ.
٥٦ - باب صَوْمِ الدَّهْرِ
وقد مرَّ منا التنبيهُ على أن صومَ الدهر أن يَصُومَ السنةَ كلَّها غير الأيام المنهية، مع الفِطْرِ بعد الغروب. فهو غيرُ الوِصَال، فإنه وصالُ صومٍ بصومٍ، بدون الإِفطار. ولا خلافَ في كونه جائزًا وموجبًا للأجر، وإنما الخلافُ في أن الأفضلَ صومُ داود، أو صومُ الدهر؟ فالأفضلُ عندنا: صومُ داود، وعند الشافعيِّ: صومُ الدهر. وعامةُ الأحاديث حُجَّةٌ للحنفية، وأقلُّها حُجَّةٌ لهم. والحقُّ أن لا فَضْلَ في الأحاديث، لأن من يَرَى صَومَ الدهر مفضولا يحتجُّ بالنفي، وهو قوله: «لا صَامَ ولا أَفْطَرَ»، ومن يَرَاهُ أفضل يَحْمِلُهُ على الشَّفَقَةِ، فأي فصلٍ هذا؟.
ووقع في بعض كُتُبِ الحنفية أنه مكروه، وكذا يوم عاشوراء منفردًا، مع كونه عبادةً عظيمةً، وكفَّارةً لسنةٍ واحدةٍ. قلتُ: كيف وقد صامه النبيُّ ﷺ عشر سنين، فهل يَجْتَرِىءُ أحدٌ أن يَحْكُمَ بالكراهة على أمرٍ فعله النبيُّ ﷺ وهل يُقْصَرُ النظر في مثله على قوله: «لأَصُومَنَّ التاسعة»، أو يُنْظَرُ إلى فعله في الغابر أيضًا. والذي ينبغي: أن لا يُقْطَعَ النظرُ عمَّا فَعَلَهُ في الغابر أيضًا. وكذلك صومُ الدَّهْرِ عِبادةٌ إجماعًا، إلا أنه مفضولٌ عندنا، مع الجواز بلا كراهةٍ. وهكذا فَعَلَهُ صاحبُ «الدر المختار» في غير واحدٍ من العبادات، فأطلق عليها الكراهة، مع كونها مفضولةً فقط. وهكذا فَعَلَهُ النوويُّ، فقال: إن التمتعَ والقِرَانَ مكروهان مع كونهما عبادتان بلا خِلافٍ. ولعلَّهم أَطْلَقُوا المكروهَ على معنى المفضول. وأجدُ في باب الصيام أنهم أَطْلَقُوا المكرورهَ على المفضول أيضًا. نعم ما أطلقوا عليه من المكروه في باب الصلاة، فهو كذلك في نفس الأمر.
١٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّى أَقُولُ وَاللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ، مَا عِشْتُ. فَقُلْتُ لَهُ قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى. قَالَ «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ». قُلْتُ إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ». قُلْتُ إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهْوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ». فَقُلْتُ إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ». أطرافه ١١٣١، ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧ - تحفة ٨٦٤٥، ٨٩٦٠ - ٥٢/ ٣
١٩٧٦ - ثم إن قوله: «ثلاثة من كلِّ شهرٍ، كصيام الدهر» - بالمعنى، لا يقومُ حُجَّةً للحنفية، لأن قولَهُ: كصيام الدَّهْرِ، وَقَعَ مَعْرِضَ التشبيه، فهو لِحَاظٌ ذهنيٌّ. والذي ينبغي للمُشَبَّه به أن يكونَ أقوى، سواء كان بَحَسَبِ الخارج، أو بحَسَبِ الذِّهن. وقد مرَّ منَّا غير مرةٍ واحدةٍ أن أخذَ المسائل من التشبيهات تمسُّكٌ ضعيفٌ جدًا. أَلا تَرَى إلى قوله في باب الزكاة: «من كلِّ أربعين دِرْهَمًا دِرْهَمٌ»، بيانٌ للحساب، والنظر فقط. أي خمسة دراهم في مائتي دِرْهمٍ بهذا النظر، وبهذا الحساب. فلم يَذْهَبْ هناك أحدٌ إلى أنه يَجِبُ في أربعين دِرْهَمًا دِرْهمٌ.
стр. 1424
وهذا الذي رُوعِيَ في باب الوتر، حيث جعل الواحدةَ وترًا، لكونها موترًا ووترًا في لِحَاظٍ ذهنيَ، فإن الوِتْرِيَّةَ في ثُلُث الوتر ليست إلا من قبلها، وذلك في لِحَاظِ الذهن، فلا يُوجِبُ قطعها عمَّا قبلها. ومَنْ قطعها عمَّا قبلها، أراد التنبيه على هذا اللِّحَاظ، فجعلوه مسألةً (١).
والحاصلُ: أن صيامَ الدَّهْرِ في حديث الباب وقع في مَعْرِض التشبيه، فهو على لِحَاظ ذهنيَ، كوجوب دِرْهمٍ في الأربعين في باب الزكاة، وكواحدة الوتر في بابه كلُّ ذلك لِحَاظٌ ذِهْنيٌّ. فإن سَمَحَتْ به قريحتُكَ، فَقِسْ عليه قوله ﷺ «فإنه لا صلاةَ لمن لم يَقْرأْ بها»، فإنه أيضًا لِحَاطٌ ذهنيٌّ. أَلا تَرَى أنه نهى عن صيام الدهر، ثم نزَّل الثلاث من كل شهرٍ منزلة صيام الدهر، فهل تراهما يلتقيان على نقطةٍ واحدةٍ؟ كيف وإن حديثَ النهي يُوجِبُ الكفَّ عنه، وحديث التشبيه يقتضي فضله أيّ فضلٍ.
والوجه فيه: أن حديثَ النهي وَرَدَ على شاكلة بيان المسألة، وحديث التشبيه تنزيليٌّ، وكاشفٌ عن لِحَاظ ذهنيَ فقط. فهكذا في حديث عُبَادة: «نهاهم أولا عن القراءة خلف الإِمام، وقال: فلا تفعلوا - أي القراءة خلف الإِمام - ثم استثنى منه الفاتحة، وقال: إلا بأمِّ القرآن». فهي على الاباحة، بل الإباحةُ المرجوحةُ قطعًا، ولا رائحةَ فيه للوجوب. ثم علَّله، وقال: فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»، فهل يناسب عندك تعليل الإباحة بما يفيد الوجوب وهل هذا إلا تناقضٌ؟ بل المعنى أنه حَكَمَ أولا بإِباحة الفاتحة، ثم ذَكَرَ لها لِحَاظًا ذهنيًّا، ووصفًا اعتباريًا، أوجب تحمُّلها للمقتدي، وقراءته إيَّاها في موضعٍ وَجَبَ له الإِنصات.
واللِّحَاظُ الذهنيُّ لا يَجِبُ أن يتحقَّقَ في ذلك الموضع بخصوصه. بل كون الفاتحة بهذا الوصف، وإن كان باعتبار المُنْفَرِدِ أو الإِمامِ، جوَّزَ لنا أن نُلاحِظَ فيها هذا المعنى، ونقول بجواز قراءتها للمقتدي، نظرًا إليه.
وقد صرَّح أحمدُ عند الترمذيِّ، وسُفْيَان، عند أبي داود: أن قوله ﷺ «لا صلاةَ لمن لم يَقْرَأْ بأمِّ القرآن»، في حقِّ المنفرد، فتحقَّق هذا الوصف في المُنْفَرِد، ولِحَاظُه في حقِّ المقتدي أيضًا. ولعلَّك فَهِمْتَ الآن أن اللِّحَاظَ الذهنيَّ غيرُ الحكم، فإن الحكمَ مسألةٌ، واللِّحَاظُ الذهنيُّ اعتبارٌ مَحْضٌ. ومن لا يفرِّق بين هذين يَخْبِط خَبْطَ عشواء، ويجعل اللِّحَاظَ حكمًا ومسألةً، ويَقَعُ في الأغلاط (٢).
стр. 1425
وقد ذَكَرْتُ في رسالة «الفاتحة خلف الإمام»: أن في الأحاديث أشياء بقيت في اللِّحَاظ، ولم يَظْهَرْ بها العملُ كما سَمِعْتَ. ومن الحنفية من تمسَّك بقوله ﷺ «من صَامَ الدَّهر ضُيِّقَتْ عليه جهنم» هكذا ذكره الحافظُ في «الفتح» روايةً عن ابن خُزَيْمة. قلتُ: وهذا خطأٌ. فإن في الحديث وعيدًا عظيمًا على هذا التقدير، فكيف يكون في حقِّ صوم الدهر، فإنه جائزٌ عندنا أيضًا. ورَامَ الحافظُ التقصِّي عنه. وقال: معناه إن جهنَّمَ تَبْتَعِدُ عنه، ولا يَزَالُ كذلك حتَّى يتنحَّى هكذا. وطُولِبَ أنه ينبغي أن يكونَ لفظُ الحديث على هذا التقدير: ضُيِّقَتْ عنه، مكان عليه، وعَجَزَ الحافظُ عن جوابه.
قلتُ: والحلُّ أنه على حدِّ قوله: ضاقت الجُبَّة على فلانٍ، إذا قَصُرَتْ عن جسده، ولم تَصْلُحْ له. فالمعنى: أن جهنمَ تَضِيقُ دونه، فلا تَسَعُ له، كما أن الجُبَّةَ الصغيرة تَضِيقُ على الجسد، وهو مآلُ قوله: «الصومُ جُنَّةٌ». وحينئذٍ ففي الحديث وعدٌ عظيمٌ، وفضلٌ كبيرٌ لمن صام الدهر، حتى إن جهنَّمَ مع سَعَتِهَا ضيِّقةٌ لمثله، ولا تَصْلُح له، فكيف يَدْخُلُها، فإنه ذو جُنَّةٍ؟ وكيف تَقْرُب صاحب المِجَنَّة!.
ثم اعلم أن صومَ الدهر في التنزيل جاء على أنحاءٍ شتَّى، وفي بعضه يَسْتَقِيمُ حساب الحسنات بعشرٍ أمثالها، كثلاثٍ من كلِّ شهرٍ، وفي بعضه لا، فتنبَّه.
تنبيهٌ: واعلم أن كثيرًا من باب الفضائل يَرِدُ بها الأحاديثُ القوليةُ. ولا يَردُ بها الفعل، وليس يَلْزَمُ أن يَعْمَل بكلِّ فضيلةٍ كلُّ أحدٍ. ولكن فضيلةٌ وفضيلةٌ، ورجلٌ ورجلٌ. فالأذانُ ذكرٌ، وموجبٌ للفضل، إلا أن له رجالا، وكذلك الإِمامةُ أيضًا فضيلةٌ، ولها أيضًا رجالٌ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
قوله: (لا أَفْضَلَ من ذَلِكَ)، قاله في صيام داود، وذلك لتَجَاذُب الأطراف في صيام الدهر، فلا يُريدُ أن يرغِّب فيه، ولا يريد أن يَنْهى عنه صراحةً. فلذا لم يأمره به في جواب قوله: «إني أُطيقُ أكثَر من ذلك»، ولا نهى عنه صراحةً، ولكن قال: لا أفضلَ من صيام داود، وهو دَأْبُ البُلَغَاء في مثل هذه المواضع.
٥٧ - باب حَقِّ الأَهْلِ فِى الصَّوْمِ
رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
١٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَطَاءً أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - بَلَغَ النَّبِىَّ ﷺ أَنِّى أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّى اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَىَّ، وَإِمَّا لَقِيتُهُ، فَقَالَ «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّى وَلَا تَنَامُ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا». قَالَ إِنِّى لأَقْوَى لِذَلِكَ. قَالَ «فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇». قَالَ وَكَيْفَ قَالَ «كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى». قَالَ مَنْ
стр. 1426
لِى بِهَذِهِ يَا نَبِىَّ اللَّهِ قَالَ عَطَاءٌ لَا أَدْرِى كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ». مَرَّتَيْنِ. أطرافه ١١٣١، ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧ تحفة ٨٦٣٥
١٩٧٧ - قوله: (لا صَامَ من صَامَ الأَبَدَ): وذكروا له عِدَّةَ معانٍ، ويمكن أن يكونَ معناه: أن التَّعَهُّدَ به عسيرٌ، بل متعذرٌ، كما كان عبد الله بن عمرو يقول بعد ما كَبِرَ: «يا ليتني قَبِلْتُ رخصة النبيِّ ﷺ فما ضَعِفْتُ عنه في تلك الأيام أيضًا، وإن أحَبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُهَا».
٥٨ - باب صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ
١٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ». قَالَ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا» فَقَالَ «اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِى شَهْرٍ». قَالَ إِنِّى أُطِيقُ أَكْثَرَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ فِى ثَلَاثٍ. أطرافه ١١٣١، ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧ تحفة ٨٩١٦
١٩٧٨ - قوله: (حتى قال: في ثلاثٍ)، ولم يَرِدْ في الأحاديث أقلُّ منه، مع أن العلماءَ والصُّلَحَاء قد قرؤوا القرآن كلَّه في أقلَّ منها أيضًا.
٥٩ - باب صَوْمِ دَاوُدَ ﵇
١٩٧٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِى ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمَكِّىَّ - وَكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِى حَدِيثِهِ - قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ لِى النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ». فَقُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ». قُلْتُ فَإِنِّى أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ «فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى». أطرافه ١١٣١، ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧ تحفة ٨٦٣٥ - ٥٣/ ٣
١٩٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِىُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو الْمَلِيحِ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِى فَدَخَلَ عَلَىَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ، وَصَارَتِ الْوِسَادَةُ بَيْنِى وَبَيْنَهُ. فَقَالَ «أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ». قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «خَمْسًا». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «سَبْعًا». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «تِسْعًا». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «إِحْدَى عَشْرَةَ». ثُمَّ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ ﵇ شَطْرَ الدَّهْرِ، صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا». أطرافه ١١٣١، ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧ تحفة ٨٩٦٩
١٩٧٩ - قوله: (نَفِهَتْ له النَّفْسُ)، أي عَجَزَت. وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص
стр. 1427
هذه عند النَّسائي مُخْلَطَةٌ عظيمةٌ، فَلْيُتَنَبَّهْ، إلا أن ضيقَ الوقت لا يرخِّص لي أن أَذْكُرَهَا مُفَصَّلَةً (١).
لَمْ يَخْفَ عَلَىَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّى خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا». فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ أطرافه ٧٢٩، ٧٣٠، ٩٢٤، ١١٢٩، ٢٠١١، ٥٨٦١ - تحفة ١٦٥٥٣ - ٥٩/ ٣
٢٠١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ يَزِيدُ فِى رَمَضَانَ، وَلَا فِى غَيْرِهَا عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّى أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّى أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّى ثَلَاثًا. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ قَالَ «يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَىَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِى». طرفاه ١١٤٧، ٣٥٦٩ - تحفة ١٧٧١٩
وقد مرَّ منا التحقيقُ في القيام في كتاب الإِيمان: أن المقصودَ منه القيام للصلاة، أو إحياء الليل فحسب.
٢٠١٠ - قوله: (فقال عُمَرُ: إني أرى لو جَمَعْتُ هؤلاء على قارِىءٍ واحدٍ) ... إلخ. قد مرَّ الكلامُ على جملة أجزاء هذا الحديث، فلا نُعِيدُه.
واعلم أنه ذَهَبَ جماعةٌ من الحنفية إلى أن التراويحَ في البيت أفضل (١) لمن كان حافظَ القرآن، ومن لا يكون كذلك، فالأفضل له أن يَحْضُرَ الجماعةَ يستمع الذكر. وذَهَبَ جماعةٌ إلى أن الفضلَ في حضور الجماعة مطلقًا. وجَنَحَ الطحاويُّ إلى الأول، وهو الأرجح، فإنه ثَبَتَ عن كِبَار الصحابة أنهم كانوا يُصَلُّونها في البيت. وهذا عمر لم يكن يُصَلِّيها بالجماعة، مع كونه أميرًا، فكان ينبغي له أن يَخْرُجَ إليهم، فإن الإِمامةَ إذ ذاك كانت مختصةً بالأمير. نعم ينبغي للعلماء أن لا يُفْتُوا به، فإن من لا يأتي الجماعةَ يُوشِكُ أن لا يصلِّيها رأسًا. وهذا هو الحال في السُّنن، فإن الأفضلَ فيها أن تُصَلَّى في البيوت، إلا أنه ينبغي الفَتْوَى بأدائها في المسجد، لئلا يَحْتَالَ المُتَكَاسِلُون في تركها. وثَبَتَ عن عليَ أنه أمَّ بالكوفة في التراويح.
وأمَّا عددُ ركعات التراويح، فقد جاء عن عمر على أنحاءٍ، واستقرَّ الأمر على العشرين مع ثلاث الوتر. ويُعْلَمُ من «موطأ مالك»: أنه خفَّف في القراءة، وزاد في الركعات بتنصيف القراءة، وتضعيف الركعات. وبعد ما تَلَقَّتْهُ الأمةُ بالقَبُول، لا بحثَ لنا أنه كان ذلك اجتهادًا منه، أو ماذا؟ ومَن ادَّعى العملَ بالحديث، فأَوْلَى له أن يُصَلِّيها حتى يخشى فوت الفلاح، فإن هذه صلاة النبيِّ ﷺ في اليوم الآخر. وأمَّا من اكتفى بالركعات الثمانية، وشذَّ عن السواد الأعظم (٢)، وجعل يَرْمِيهم بالبدعة، فَلْيَرَ عاقبته، والله تعالى أعلم.