لَمْ يَخْفَ عَلَىَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّى خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا». فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ أطرافه ٧٢٩، ٧٣٠، ٩٢٤، ١١٢٩، ٢٠١١، ٥٨٦١ - تحفة ١٦٥٥٣ - ٥٩/ ٣
٢٠١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ يَزِيدُ فِى رَمَضَانَ، وَلَا فِى غَيْرِهَا عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّى أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّى أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّى ثَلَاثًا. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ قَالَ «يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَىَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِى». طرفاه ١١٤٧، ٣٥٦٩ - تحفة ١٧٧١٩
وقد مرَّ منا التحقيقُ في القيام في كتاب الإِيمان: أن المقصودَ منه القيام للصلاة، أو إحياء الليل فحسب.
٢٠١٠ - قوله: (فقال عُمَرُ: إني أرى لو جَمَعْتُ هؤلاء على قارِىءٍ واحدٍ) ... إلخ. قد مرَّ الكلامُ على جملة أجزاء هذا الحديث، فلا نُعِيدُه.
واعلم أنه ذَهَبَ جماعةٌ من الحنفية إلى أن التراويحَ في البيت أفضل (١) لمن كان حافظَ القرآن، ومن لا يكون كذلك، فالأفضل له أن يَحْضُرَ الجماعةَ يستمع الذكر. وذَهَبَ جماعةٌ إلى أن الفضلَ في حضور الجماعة مطلقًا. وجَنَحَ الطحاويُّ إلى الأول، وهو الأرجح، فإنه ثَبَتَ عن كِبَار الصحابة أنهم كانوا يُصَلُّونها في البيت. وهذا عمر لم يكن يُصَلِّيها بالجماعة، مع كونه أميرًا، فكان ينبغي له أن يَخْرُجَ إليهم، فإن الإِمامةَ إذ ذاك كانت مختصةً بالأمير. نعم ينبغي للعلماء أن لا يُفْتُوا به، فإن من لا يأتي الجماعةَ يُوشِكُ أن لا يصلِّيها رأسًا. وهذا هو الحال في السُّنن، فإن الأفضلَ فيها أن تُصَلَّى في البيوت، إلا أنه ينبغي الفَتْوَى بأدائها في المسجد، لئلا يَحْتَالَ المُتَكَاسِلُون في تركها. وثَبَتَ عن عليَ أنه أمَّ بالكوفة في التراويح.
وأمَّا عددُ ركعات التراويح، فقد جاء عن عمر على أنحاءٍ، واستقرَّ الأمر على العشرين مع ثلاث الوتر. ويُعْلَمُ من «موطأ مالك»: أنه خفَّف في القراءة، وزاد في الركعات بتنصيف القراءة، وتضعيف الركعات. وبعد ما تَلَقَّتْهُ الأمةُ بالقَبُول، لا بحثَ لنا أنه كان ذلك اجتهادًا منه، أو ماذا؟ ومَن ادَّعى العملَ بالحديث، فأَوْلَى له أن يُصَلِّيها حتى يخشى فوت الفلاح، فإن هذه صلاة النبيِّ ﷺ في اليوم الآخر. وأمَّا من اكتفى بالركعات الثمانية، وشذَّ عن السواد الأعظم (٢)، وجعل يَرْمِيهم بالبدعة، فَلْيَرَ عاقبته، والله تعالى أعلم.
أَبِى فَرْوَةَ سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى فَرْوَةَ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالْمَعَاصِى حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ». طرفه ٥٢ - تحفة ١١٦٢٤ - ٧٠/ ٣
وقد تكلَّمنا عليه في كتاب الإِيمان، ونبَّهناك على أن الحديثَ جليلٌ لاشتماله على ضابطةِ الحلال والحرام من قِبَلِ صاحب الشرع. ولاحَظَّ فيه للآخرين، فإنا لا ندري ماذا أُرِيدَ بكون الحلال والحرام بيِّنًا. فإنا كثيرًا ما نجدهما غير بيِّنين، تجري فيهما الأفكار، وتختلف فيهما الأنظار. وصنَّف فيه الشوكانيُّ رسالةً، وليس لها مُحَصِّل غير حلِّ الألفاظ، وذلك القدر هو المرجو من أمثاله لا غير.
٣ - باب تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِى سِنَانٍ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الْوَرَعِ، دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ.
ولعَمْرِي أن المصنِّفَ أَبْدَعَ في التراجم، فبوَّب أولا في تفسيره ليتعيَّن مِصْدَاقه في ذهنك، ثم بوَّب بما يُسْتَحَبُّ التجنُّب عنها، ثم بوَّب بالوساوس، لِيَدُلَّ على الفرق بين الشُبُهَات والوساوس. فإن الاحتراز عن الشبهات استبراء للدِّين، والاعتداد بالوساوس إفسادٌ له. ثم إن ما ذكره المصنِّف من تفسيره عن حَسَّان ليس تفسيرًا له، فإن قوله: «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ»، لم يُفِدْ له شيئًا، وإنما دَلَّ حسانٌ على صورة العمل فقط، لا أنه شَرَحَ الحديث. وراجع لتحقيقه «عقيدة الإِسلام»، وأَوْفَى منه من حاشيته «تحية الإِسلام». وأخرجه التمذيُّ أيضًا، وفيه: «وبين ذلك أمورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لا يدري كثيرٌ من الناس أَمِنَ الحلال أم من الحرام». اهـ.
وهذا يَدُلُّ على أن المرادَ من الاشتباه: الاشتباهُ في الأوصاف، والحكم. وفي «الفتح»: إن المُشَبَّهَاتِ هي المباحات. فقد اعتبرها بحسب الحقيقة دون الحكم. فإن حكمَ المباحات معلومٌ. والمعنى أن من أتى سائر المباحات حتى لم يَبْقَ بعدها إلا المحرَّمات، أَوْشَكَ أن يَقَعَ فيها، فلا بُدَّ لاستبراء الدِّين إن يَتْرُكَ حصةً من المباحات أيضًا. بخلاف ما عند الترمذيِّ، فإنه يَدُلُّ على أن المرادَ به الاشتباهُ في الحكم، فافهم. وقد مرَّ الكلامُ على لفظ المُتَشَابِه، والمُشَبَّه، والمُشْتَبِه في كتاب الإِيمان. فإن التَّشَابُهَ يقتضي عدم علم المراد كالمُتَشَابِهَات في القرآن. ومقتضى الثاني: الإِشارةُ إلى القياس الفِقْهِي. ومقتضى الثالث: عدم علم الحكم.
٢٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
كانوا يَزْنُون بامرأةٍ واحدةٍ، فإذا أَتَتْ بولدٍ وادَّعَاهُ واحدٌ منهم، ثَبَتَ عندهم نَسَبُهُ منه، وكان يُلْحَقُ به فإذا أشرف عُتْبَة على الموت - وهو الشقيُّ الذي أُصِيْبَ منه النبيُّ ﷺ ما أُصِيبَ يوم أحدٍ، ومات على الكُفْر - أَوْصَى أخاه سعد بن أبي وقَّاصٍ على عادتهم في الجاهلية: أنه زَنَى بوليدة زَمْعَة، وولدها منه، ليأخذه بعد وفاته، فإنه ابن أخيه. فلمَّا وَلَدَتْهُ، أراد سَعْدُ أن يأخذَ ابن أخيه. وأبى عبد بن زَمْعَة أن يُعْطِيه، فإنه كان أخوه وابن أبيه، فَتَخَاصَمَا في ذلك إلى النبيِّ ﷺ وقصَّا عليه أمرهما، فقال النبيُّ ﷺ لعبد بن زَمْعَة: «هو لك»، ثم قال: «الولد للفِرَاش، وللعاهر الحجر». ولمَّا كانت تلك الوليدة فِراشًا، ومملوكةً لزَمْعَة، أَسْلَمَ وَلَدَها إلى أخيه، ولم يُلْحِقْهُ بعُتْبَة، وأمر لسَوْدَة بنت زَمْعَة أن تَحْتَجِبَ من هذا الولد الذي ادَّعاه عُتْبَة أنه منه. هذا مُلَخَّص ما في الحديث.
стр. 1455
فاختلفت فيه أنظار الأئمة، فقال الشافعيةُ: معنى قوله: «هو لك»، أي «هو أخوك» كما في رواية البخاريِّ في المغازي. وقال الحنفيةُ: معناه هو لك، أي مِلْكًا، لا أنه أخوك نَسَبًا، كما في «مسند أحمد»، والنَّسائي «ليس لك بأخٍ»، وصحَّحه الذهبيُّ في «الميزان» في ترجمة يوسف بن عدي. وذلك لأنهم اخْتَلَفُوا في ثبوت النَّسَبِ من السُّرِّيَّة، هل تُشْتَرَطُ له الدعوى أو لا.
فذهب الحنفيةُ إلى أن فِرَاشَهَا ضعيفٌ، فلا يَثْبُتُ النَّسَبُ منها إلا إذا ادَّعاه المَوْلَى. فإذا فعله صارت له أم ولد، وحينئذٍ لا يَحْتَاجُ إلى دعوةٍ لكونها فِرَاشًا متوسِّطًا إذ ذاك. أمَّا إذا كانت قِنَّة، ولم تَصِرْ أم الولد، فلا يَثْبُتُ النَّسَبُ منه بدون الدعوة.
وذهب الشافعيُّ إلى أنه لا حاجة إلى الدعوة بعد التحصين، وهو عنده: أن يَحْبِسَها في البيت، ولا يَدَعَها تتبرَّج تبرُّج الجاهلية. وراجع تفسيره عندنا من «مبسوط السَّرَخْسِي»، فإنه لم يحقِّقه غيره وحينئذٍ يَثْبُتُ نَسَبُه من غير دعوةٍ، لكون الظاهر كونه منه دون غيره، فَيَثْبُتُ عندهم النسب في الصورة المذكورة، ويكون قوله: «هو أخوك»، محمولا على ظاهره. أمَّا قوله: «ليس لك بأخ»، فهو عندهم معلولٌ، أعلَّه البيهقيُّ. وأمرُ الاحتجاب عندهم محمولٌ على الاحتياط.
والحاصل: أن النبيَّ ﷺ مشى في حق عبد على القضاء، فَيَتَوَارَثُ منه. وعلى الدِّيانة في حقِّ سَوْدَة، فأمرها بالحجاب، وأمر كلاًّ منهما ما كان أَصْلَح لهما. وقال الحنفيةُ: إنه لم يُرِدْ بقوله: «وهو لكَ أخٌ» أخوة النسب، كيف وأنه قال لسَوْدَةَ: «احْتَجِبي منه»، مع أنها كانت بنت زَمْعَةَ أيضًا، وهل يُمْكِنُ أن يكون هذا الولد أخًا لعبد بن زَمْعَةَ، ثم لا يكون أخًا لسَوْدَةَ بنت زَمْعَة؟ وهل يُنَاسِبُ الأمر بالحِجَاب، بعد كونه أخًا في حقِّه خاصةً، فَيُؤْخَذُ به. أمَّا تَعَلُّلهم بالإِعلال، فلا يُسْمَعُ بعد تصحيح الذهبيِّ، وتأييد لفظ البخاريِّ: «احْتَجِبي»، فإنه في معنى قوله: «ليس لك بأخٍ».
والحاصلُ: أن نَسَبَهُ لم يَثْبُتْ عندنا من زَمْعَةَ، لكونها وَلِيدَةً له، ولا يَثْبُتُ النَّسَبُ منها بدون الدعوة، ولم تُوجَد. وكذا لم يَثْبُت من عُتْبَةَ، وإن ادَّعاه لكونه زانيًا، وللعاهر الحجر بنصِّ الحديث. وقال مولانا شيخ الهند: إن لفظَ الراوي أيضًا يَدُلُّ على أنه فَهِمَ عين ما فَهِمَهُ الحنفية، فإنه قال: ابن وَلِيدَة زَمْعَةَ، ولم يَقُلْ: ابن زَمْعَةَ، مع أن الظاهرَ ابن زَمْعَةَ، فنسبتهُ إلى أمِّهِ أوضحُ القرائن على أن نَسَبَهُ لم يَثْبُتْ من أبيه في ذهن الراوي أيضًا.
والحاصلُ: أن اللفظَ الواحدَ يُؤَيِّدُ الحنفية. والآخر الشافعية. ومرَّ عليه الشيخُ ابن الهُمَام في «التحرير»، وقال: لِمَ لا يجُوزُ أن تكونَ تلك الوليدة أم ولده؟ كما يُشْعِرُ به لفظ «الوليدة»، وهي مشتقةٌ من الولد، فهي حقيقةٌ في أم الولد، وإطلاقها في القنة توسُّعٌ، وحينئذٍ لا بأس بثبوت النَّسَبِ منه عندنا أيضًا.
قلتُ: ولكن يُشْكِلُ عليه لفظ: «ليس لك بأخ» فإنه صريحٌ في عدم ثبوت النسب المُسْتَلْزِم لعدم كونها أمَّ الولد. ولذا ترجمته في «الهندية» (باندى)، لا بأم الولد. قلتُ: وتَتَبَّعْتُ له تفسيرَ ابن جرير، فوجدت فيه: أن تلك الوَلِيدة كانت من بغايا مكة، فأين الشافعية، وأين ثبوت النَّسَبِ؟ فإنه يُبْنَى عندهم على التحصين، وإذا انعدم التحصين، انْعَدَمَ ما يُبْنَى عليه. وتكلَّم الشيخ
стр. 1456
عمرو بن الصلاح من جانب الشافعية كلامًا جيدًا، نقله الحافظ في «الفتح»، فراجعه.
قوله: (عَهِدَ إليَّ)، أي على طريقهم في الجاهلية في ادِّعَاءِ النَّسَبِ، وإن لم يَثْبُت النَّسَبُ بذلك الطريق في الإِسلام.
قوله: (عبد بن زَمْعَةَ)، هكذا في عامة النسخ - بحذف همزة الإِبن - وعليه الاعتماد، وفي بعضها بإِثباتها، والظاهر أنه عطفُ بيانٍ لا خبر مبتدأ، أي هو ابن زَمْعَةَ.
(أنواع الفراش عند الحنفية)
قوله: (الوَلَدُ للفِرَاشِ)، والفراشُ عند الحنفية على ثلاثة أنحاءٍ: قويٌّ، ومتوسِّطٌ، وضعيفٌ. فالقويُّ ما يَثْبُتُ فيه النَّسَبُ من غير دعوةٍ، ولا يَنْتَفي بالنفي إلا بعد اللِّعان. والمتوسِّطُ ما لا يحتاج لثبوت النَّسَبِ إلى دعوةٍ مع انتفائه بالنفي بدون اللِّعان. والضعيفُ ما لا يَثْبُتُ فيه النَّسَبُ بدون دعوةٍ، وينتفي بالنفي، ولكن يَجِبُ على المولى دِيَانةً أن يدَّعي نَسَبَهُ إذا عَلِمَ أنه منه. والأول: فراشُ المنكوحة، والثاني: فراش أم الولد، والثالث: فراش الأَمَةِ. وقالوا: إن نَفْسَ النكاح في المنكوحات فِرَاشٌ، فكأن الفِرَاشَ عندهم صار عَلَمًا للنكاح.
ويَلْزَمُ عليهم إثبات النَّسَبِ فيما إذا نَكَحَ المغربيُّ مشرقيةً، ولم يُفَارِق واحدٌ منهما مكانه، ثم أَتَتْ بولدٍ لستة أشهرٍ مع عدم إمكان العُلُوق منه، وهم يَلْتَزِمُونه. وذلك لأن ثبوتَ النَّسَبِ يُبْنَى على ثبوت الفِرَاشِ بالنصِّ، وهو النكاحُ. فإذا ثَبَتَ النكاحُ، وأتت بولدٍ في مدَّةٍ يَحْتَمِلُ أن يكونَ منه، يَلْزَمُهُ نَسَبُهُ لأجل الفِرَاشِ. واستبعد الشافعيةُ، مع أنهم أقرّوا بأن المنكوحة تَصِيرُ فِرَاشًا بمجرد عقد النِّكاح، ولكنهم شَرَطُوا إمكان الوَطْء، أيضًا بعد ثبوت الفِرَاش. فإن لم يُمْكِنْ، كما في الصورة المذكورة، لم يُلْحِقُوا نَسَبَهُ منه لعدم إمكان كونه منه.
والحديثُ حُجَّةٌ لنا، لأنه جَعَلَ النَّسَبَ تابعًا للفِرَاش، وهو مُقْتَضَى العقل والنقل. أمَّا النقلُ، فكما عَلِمْتَ. وأما العقلُ، فلأنه ليس على القاضي أن يُحَقِّقَ إمكان المخالطة بين الزوجين. أمَّا النكاح، فمبناه على الإِعلان، فلا عُسْرَ في تحقيقه، بخلاف المخالطة، فإن مبناه على السرِّ، وليس عليه تحقيق تلك الأشياء التي قد لا يَطَّلِعُ عليه خواصُّ أهل البيت أيضًا. ثم إنه ماذا يكون باشتراط الإِمكان، لاحتمال أن يكونا التقيا في محلَ، ثم لم يُجَامِعْهَا الزوجُ، وأَتَتْ بولدٍ في تلك المدَّة، أو جامعها ولم تَحْمِلْ منه، وزَنَتْ - والعياذ بالله - وعَلِقَت منه.
فهذه الاحتمالات لا تَنْقَطِعُ أبدًا، وإن تفاوتت قوَّةً وضعفًا. فالذي يَدُور عليه أمر النَّسبِ هو الفراشُ. وليس على القاضي أن يتجسَّسَ سرائر الناس. ثم إنهم غَفَلُوا عن بابٍ آخر. ولو نَظَرُوا إليه لَمَا كان لهم فيه محل استبعادٍ، وهو: أن الشرعَ أَوْجَبَ على الزوج أن يُلاعِنَ امرأته إذا عَلِمَ أن حملَها ليس منه، فَوَجَبَ عليه اللعان في الصورة المذكورة. وإذا شدَّد فيه على الزوج من جانبٍ، خفَّف في ثبوت النَّسَبِ - لأجل الفراش - من جانبٍ آخر.
وما أحكم وأحسن هذه الوتيرة، لو كانوا يفقهون. فإن الحنفية لمَّا رأوا أن الشرعَ قد راعى هذا الجانب في بابٍ آخرَ بنفسه، لم يَزِيدُوا قيدًا آخر من عند أنفسهم، لأنه يُوجِبُ هَدْرَ هذا الباب. وبعبارةٍ أخرى: إن النَّسَبَ في الصورة المذكورة لا يَثْبُتُ عندنا أيضًا، إلا أن نفْيه عند الشافعية لانتفاء شرط الإِمكان، وعندنا لوجوب اللِّعان، فينتفي منه بعد لِعَانِهِ. فإذا تَرَكَ الزوجُ ما
стр. 1457
أَوْجَبَ عليه الشرعُ بنفسه، فما للقاضي أن لا يُلْحِقَ نسبه منه، فإنه رَضِيَ بالضرر، فأَوْلَى أن يَقْطَع عنه النظر.
وقد شَغَبَ الناسُ في تلك المسألة، ولم يَفْهَمُوا حقيقةَ الحال، وكيف يَجْلِبُون علينا مع أن إطلاقَ الحديث للحنفية؟ كما أقرَّ به النوويُّ. ولكنَّ الأسفَ أن الحنفيةَ إن أخذوا بظاهر الحديث، يُورَدُ عليهم بأنهم جَمَدُوا على الظاهر. وإن نَظَرُوا إلى المعنى، يُطْعَنُ عليهم بأنهم يَتْركُون ظاهرَ الحديث. والعجب من الشيخ محي الدين النوويّ رحمه الله تعالى حيث قال: إن مذهبَ الإِمام ضعيفٌ، ظاهرُ الفساد، ولا حُجَّةَ له في إطلاق الحديث، لأنه خرج على الغالب، وهو حصول الإِمكان عند العقد. اهـ. وأقضى العجب من قوله، كيف قال: إنه ظاهرُ الفساد، مع إقراره بكون ظاهر الحديث شاهدًا لنا. وأمَّا جوابه عنه، فذلك أمرٌ لا يَعْجِزُ عنه الفحولُ.
ومحصِّلُ الكلام: أن الولدَ لمَّا كان للفِرَاش، ولم تكن الوليدةُ ههنا فِرَاشًا لأحدٍ، لم يَثْبُتْ نَسَبُ ولدها من أحدٍ. وقال الشافعيةُ: إنها كانت فراشًا لزَمْعَةَ، فثبت نَسَبُهُ منه لقوله: «الولد للفراش».
ثم ههنا بحثٌ، وهو أنه هل يَجُوزُ تخصيص المورد عن عموم اللفظ؟ والذي يَظْهَرُ أنه لا ضابطةَ له، بل قد يُخَصَّصُ، وقد لا يُخَصَّصُ، حسب ما لَصِقَ بالمقام. فلا يُقَالُ: إن قوله ﷺ «الولد للفراش»، وَرَدَ في هذا الولد، فالمورد هو هذا الولد، ثم أنتم لا تُثْبِتُون نَسَبَهُ من أحدٍ ولا تَجْعَلُون الوليدةَ فراشًا لأحدٍ، فذلك تخصيصُ المورد من عموم اللفظ، مع أن الظاهرَ أن العمومَ إذا وَرَدَ في قصة يَتَنَاوَلُه لا مَحَالَةَ. فإنا قد قُلْنَا لك: إنه لا كُلِّية فيه، وغرضُ البخاريِّ من ذلك: أن النبيَّ ﷺ أمر كلاًّ منهما ما كان بيِّنًا له، فإن الحلالَ بيِّنٌ والحرامَ بيِّنٌ، فجعله أخًا لعبد على إقراره، وأمر سَوْدَةَ بالاحتجاب لإِمكان عُلُوقه من عُتْبَة. فتنزَّه عنه، وذلك طريق استبراء الدين. وهل للقافة والشَبَهِ اعتبارًا أو لا؟ فاعتبره الشافعية شيئًا، وعندنا لا عِبْرَة بهما. والشَبَهُ وعدمه عندنا سواءٌ، وهكذا ينبغي.
٢٠٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ «إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرْسِلُ كَلْبِى وَأُسَمِّى، فَأَجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ، وَلَا أَدْرِى أَيُّهُمَا أَخَذَ. قَالَ «لَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الآخَرِ». أطرافه ١٧٥، ٥٤٧٥، ٥٤٧٦، ٥٤٧٧، ٥٤٨٣، ٥٤٨٤، ٥٤٨٥، ٥٤٨٦، ٥٤٨٧، ٧٣٩٧ تحفة ٩٨٦٣ - ٧١/ ٣
٢٠٥٤ - قوله: (سَأَلْتُ النبيَّ ﷺ عن المِعْرَاض) واعلم أن صيدَ البندقية حلالٌ عند المالكية، خلافًا للآخرين، لأن رصاصَ البندقية لا تَجْرَحُ، ولكنه يَجْرَحُ من شِدَّة الضرب، فيكون كالوَقِيذِ.
وقد فصَّلته في صورة رسالةٍ مستقلةٍ حين سألني عنه بعضُ الناس في المدينة المنورة، زادها الله شرفًا.
стр. 1458
٤ - باب مَا يُتَنَزَّهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ
٢٠٥٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ «لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا». وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «أَجِدُ تَمْرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِى». طرفه ٢٤٣١ - تحفة ٩٢٣، ١٤٦٨٧، ١٤٨٠٠ ب
ذكر المصنِّفُ في هذا الباب بعضَ الشُّبُهَات ليتوسَّلَ بها إلى نظائرها، ولم يُعْطِ ضابطةً كليةً. ولذا قلتُ: إن حديثَ «الحلالُ بيِّنٌ ... » إلخ، جزيلُ المعنى، ولكن للمجتهدين كالشافعيِّ، وقد مرَّ عليه في «الأم» فليراجع، فإن تلخيصَ كلامه عسيرٌ.
٥ - باب مَنْ لَمْ يَرَ الْوَسَاوِسَ وَنَحْوَهَا مِنَ الْمُشَبَّهَاتِ
٢٠٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ شُكِىَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ الرَّجُلُ يَجِدُ فِى الصَّلَاةِ شَيْئًا، أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ قَالَ «لَا، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». وَقَالَ ابْنُ أَبِى حَفْصَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ لَا وُضُوءَ إِلَاّ فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ. طرفاه ١٣٧، ١٧٧ - تحفة ٥٢٩٩
٢٠٥٧ - حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِىُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِىُّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ قَوْمًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِى أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ». طرفاه ٥٥٠٧، ٧٣٩٨ - تحفة ١٧٢٣٥
أراد الفرق بين الوَسَاوِسِ والشُّبُهَات، لدفع ما كاد أن يَسْبِقَ إلى الأذهان: العمل بالوَسَاوِسِ أيضًا. فنبَّه على أنه يَعْمَلُ بالشُّبُهَات، فَيَحْتَرِزُ عنها دون الوَسَاوِس، فإِنها لا عِبْرَةَ بها.
٢٠٥٦ - قوله: (حتى يَسْمَعَ صَوْتًا) ... إلخ، فهذا الحديث سيِقَ لهَدْرِ الوَسَاوِس، ومعناه: أن الرجلَ إذا تَوَسْوَسَتْ نفسه أنه أحدث أو لم يُحْدِثْ، فإنه لا يَعْمَلُ به، بل بالتيقُّن، وهو في سماع الصوت، أو وجدان الريح. فسماع الصوت مُكنَّى به، وتحقُّق الحدث، مُكَنَّى عنه.
الفرقُ بين الكِنَايَةِ والمَجَازِ، والتَّعْرِيضِ
واعلم أنه تعسَّر الفرق عليهم بين الكِنَايَة، والمَجَاز، لم يتنقَّح عند كثيرٍ منهم بعدُ، وقد تعرَّض إليه الزمخشريُّ تحت قوله تعالى: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] إلخ، وهو أحْذَقَ في هذا الباب، ولكن قلَّ من أدركه، فقال: الكِنَايَةُ: أن تَذْكُرَ الشيءَ بغير لفظه الموضوع له، والتعريضُ: أن تَذْكُرَ الشيءَ وتَقْصِد غيره.
وحاصله: أن اللفظَ في الكِنَاية لا يَخْرُجُ عن معناه الموضوع له، وإنما التصرُّف فيه أنك تَطْلُبُ له عنوانًا، فتحمله عليه مع عدم كونه موضوعًا له، نحو: كثيرُ الرماد، للسَّخِيِّ، فإنك ما
стр. 1459
أَخْرَجْتَ اللفظ عن معناه الموضوع له، ولكنك حملته على معنىً لم يكن وُضِعَ له، فإنك حملته على السَّخِيِّ، مع أنه لم يُوضَعْ له. بخلاف المجاز، فإنه إخراجٌ للفظ عن معناه الموضوع له بالكُلِّية، ثم استعمالٌ له في غير المعنى الموضوع له. ففي المَجَازِ تصرُّفان: الأول: إخراجه عن معناه، ثم استعماله في غير ما وُضِعَ له. وبعبارةٍ أخرى: أن اللفظَ في الكناية، وإن لم يُسْتَعْمَلْ في معناه الموضوع له، لكنه لا يَخْرُجُ عمَّا وُضِعَ له أيضًا، بخلاف المجاز.
فقولك: كثيرُ الرماد في زيد كثير الرماد، لم يُسْتَعْمَلْ فيما وضِعَ له، لأنه لم يُسْتَعمَلْ لكثرة الرماد، بل السَّخَاء، ولم يُوضَع له، ولكنه لم يِنْسَلِخْ عن معناه أيضًا، بل جعلتَ كثرةَ الرماد عنوانًا للسخاء بنوع استلزامٍ، وإن لم يَكُنْ ذلك عنوانًا له بحسب الحقيقة. بخلاف المجاز، فإن اللفظَ يَخْرُجُ فيه عن معناه بالكلية.
أما التعريضُ فبمَعْزِلٍ عنهما، فإن اللفظَ لا يعخْرُجُ فيه عن معناه، كما أنه لا يكون عنوانًا لمعنى لم يُوضَعْ له، كما في «الكناية»، ولكنه يكون فيه انتقال إلى المعنى المراد من جهة المقام، والقرائن، نحو قولك: جِئْتُ لأُسَلِّمَ عليك، وتريد السؤال. وهذا الذي أراده الزَّمَخْشَريُّ من قوله: الكنايةُ أن تَذْكُرَ الشيءَ بغير لفظه الموضوع له، كما رأَيْتَ في المثال المذكور. فإنك أردت السخاءَ من كثرة الرماد، ولم يُوضَعْ له. فليس التصرُّف في الكناية إلا بهذا القدر فقط. وهذا الذي نعني من قولنا: إن اللفظَ في الكِنَايَةِ يكون عنوانًا لمعنى، مع عدم كون هذا العنوان موضوعًا لهذا المعنى، وإنما تَحْمِلُهُ عليه بنوع استلزام، وهذا لا يُوجِبُ خروج اللفظ عن معناه.
وبعبارةٍ أخرى: إن في الكناية يتحقَّق المُكَنَّى به، والمُكَنَّى عنه كلاهما، فلا نُخْرِجُ اللفظ عن معناه. فإنك إذا كَنَّيْتَ السخاءَ بكثير الرماد، فكثير الرماد، وإن لم يكن موضوعًا له، لكنه متحقِّق أيضًا، كما أن السَّخَاءَ متحقِّقٌ. بخلاف المجاز، فإنه لا يتحقَّق فيه المعنى الموضوع له، ولا يَصْدُق اللفظ على المعنى إلا بالخروج عمَّا وُضِعَ له. فيتحقَّقُ في المجاز المعنى المجازي فقط، بخلاف الكناية، فإنه يتحقَّقُ فيه كلاهما.
الفرقُ في الكِنَايَةِ عند علماء الأصول، وعند علماء البلاغة
ثم اعلم أن علماءَ الأصول قسَّمُوا اللفظَ إلى: صريحٍ، وكنايةٍ، باعتبار استتار مراده ووضوحه. فيكون اللفظُ عندهم مستعملا في المعنى الموضوع له، وهو المعنى المراد عندهم. بخلاف الكناية عند علماء المعاني، فإن اللفظَ عندهم لا يكون مستعملا في المعنى المراد، بل يكون طريقُ عبورٍ إلى المعنى المراد. أَلا ترى أن كثيرَ الرماد لم يُقْصَدْ منه كثرة الرماد في نفسه، بل هو نحو طريق عبورٍ إلى المعنى المراد. ومن ههنا تبيَّن كون الكنايات بَوَائِن عندنا، ورَوَاجِع عند الشافعية. فإنهم جَعَلُوا الكنايات كناياتٍ على طريق علماء المعاني، فقالوا: نحو قولك: أنتِ بائنٌ كِنَايةً عن قولك: أنتِ طالقٌ، والطلاق منه ليس إلا رَجْعِيًّا، فكذا بأنتِ بائنٌ أيضًا.
وقُلْنَا: إنه كنايةٌ على اصطلاح علماء الأصول، فهو عاملٌ بلفظه، ومُسْتَعْمَلٌ في حقيقته،
стр. 1460
وحقيقةُ البينونة لا تتحقَّق في الرواجع، فلا تَقَعُ منها إلا بائنة، نعم تتنوَّعُ إلى بَيْنُونَةٍ حقيقةٍ، وغليظةٍ. وإنما سَمَّيناها كناياتٍ مع كونها عواملَ بموجباتها، لاستتار المراد لا غير. فلا تَفْهَمُ من لفظ: أنتِ بائنٌ، إنكِ أيّ البَيْنُونَتَيْن أَرَدْتِ؟ أَمِنْ أوليائها، أو من الزوج، أو غيرهما؟ فإذا لم يَنْكَشِفْ مراده سمَّيناها كنايات لذلك. فلا فرقَ بين الصريح، والكناية إلا بحَسَبِ وضوح المراد في الأول دون الثاني.
إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن التوفِّي في الموت كناية أصولية، فهو حقيقةٌ بجتة، لأن معناه أخذ الشيء وافيًا وذلك يتحقق في الموت أيضًا. إلا أن العوامَّ لا يُراعون هذه الدقائق، فيفهمون أن لفظ التوفِّي إذا استُعمل في الموت، فكأنه خرج عن معناه الموضوع له، وليس كذلك. ولذا قال أبو البقاء في الكُلِّيات»: التوفِّي: الإماتة، وقبض الرُّوح، وعليه استعمال العامة. أو الاستيفاء، وأخذ الحق، وعليه استعمالُ البُلَغَاء.
واعلم أن ما يدّعيه هذ اللعين أن التوفِّي معناه الموت حقيقةً، فجهلٌ قطعًا، كيف ولا تتمكَّن العرب من أن تَسْتَعْمِلَهُ في الموت بحسب عقيدتهم، وإنّما علَّمه القرآن، فمن تعلَّمه منه. قال تعالى في سورة السجدة: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة: ١٠ - ١١]، وقد تحيَّر المفسِّرون في وجه الردِّ عليهم، حيث أَنْكَرُوا البعثَ بالموتَ، فردَّ عليهم بالتوفِّي، فما تقريرُ هذا الردِّ؟ وقد تنبَّه له الشاه عبد القادر، وقرَّرَهُ حسنًا. والرازي أيضًا في «تفسيره».
وحاصلُ كلماتهما: أنهم فَهِمُوا بحسب عقائدهم السيئة، أن الإِنسانَ بعد الموت يَتَلاشَى في الأرض، ولا يَبْقَى من رَسْمِهِ واسْمِهِ شيءٌ، فاسْتَبْعَدُوا البعثَ، لأن المعدومَ لا يَعُودُ عندهم. فأخبرهم الله تعالى بحقيقة الموت، لِيَنْهَدِمَ مبناهم الفاسد من الأصل، فقال: إن الموتَ ليس إعدامًا كما فَهِمْتُم، بل هو عبارةٌ عن التوفِّي، فَيُؤْخَذُ شيءٌ دون شيءٍ، فالجسدُ يَتَلاشَى إلا عَجْبَ الذَّنَب، والروحُ تَبْقَى، فكان الجُزْءَان مَحْفُوظَيْن عند ربك، ففي الموت استيفاءٌ لا أنه إعدامٌ، فإذا كان الجسدُ والروحُ في حِفْظِهِ هان عليه التركيب ثانيًا، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. فتلك الحقيقة هدى إليها القرآن، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، فأين كان لهم أن يَسْتعمِلُوه في الموت، وإنما اشتهر إطلاقه في الموت من الدورة الإِسلامية، تعلُّمًا من القرآن. فليس التوفِّي هو الموت، بل يَحْصُلُ الموت بالتوفِّي. ولمَّا كان معناه مفهومًا وحقيقةً، لا عينًا حِسِّيًا لِيُشَاهَدَ، لم يتميَّز معنى الموت من التوفِّي.
وهذا كما قال قدماء النحاة: إن أسماءَ المعاني ليست أمرًا مُبْصَرًا، وكما قالوا: إن الأسماءَ إمَّا أسماءُ أشباحٍ، أو أسماءُ أفعالٍ، والقسم الثاني لا يُدْرَكُ بالبصر. فهكذا التوفِّي ليس أمرًا مُبْصَرًا، كالقبض في الفِقْهِ. فلذا لم يتعيَّن بَعْدُ، فقيل: بالقبض حقيقةً، وقيل: برفع علائق المالكية، وقيل: برفع المَوَانِع، كما سَتَعْلَمُ.
والحاصلُ: أن كم من ألفاظٍ وضعها أهلُ اللغة لدفع حوائجهم، فَيُطْلِقُون، ويُرِيدُون
стр. 1461
معانيها. وإن لم تتفتَّح حقائقها بعدُ عندهم، كلفظ التوفِّي، فإن تعيينَه حقّ التعيين عسيرٌ. وذلك لكونه أمرًا معنويًا لا حِسِّيًا. نعم اشتهر لفظ التوفِّي الآن في العُرْف في معنى الموت، كالمجاز المتعارف.
والحاصلُ: أن التوفِّي إنما استعمله في معنى الموت القرآنُ لمعنىً راعاه ولحقيقةٍ أراد التنبيه عليها. ثم تَوَهَّمَ الآن أنه استعمالٌ عند أهل اللغة، مع أنه لم يَخْطُرْ ببالهم استعماله فيه، وإن كان صالحًا له، وإنما نَوَّره القرآن، فشَاعَ في الموت لهذا.
ثم لا بأس أن نَذْكُرَ حَلَّ إشكالٍ آخرَ في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]. قال الجمهور: الضميرُ في المجهول نائبُ فاعله. وقيل: بل الجار والمجرور يَقُوم مقام النائب. وأنكره السُّهَيْلي، والجمهور.
قلتُ: والضمير فيه عندي راجعٌ إلى عيسى ﵊، على خلاف ما قاله المفسِّرُون، فإنهم قالوا: إن المرجع هو الرجل المُشَبَّه. قلت: وليس التشبيه ههنا على حدِّ تشبيه علماء البيان الذي يستدعي مُشَبَّهًا ومُشَبَّهًا به، بل بمعنى التصوير، والتمثيل كما يُقَالُ: تُصُوِّرَ زيدٌ في المرآة - على صيغة المجهول - فكما صَحَّ هذا القول مع عدم الطرفين ههنا كذلك، صَحَّ إرجاعُ الضمير في ﴿شُبِّهَ﴾ إلى عيسى ﵊. وتفصيلُه: أن زيدًا وشَبَحَهُ، وإن تَغَايَرَا حقيقةً، لكن أهل العُرْف يعتبرونهما واحدًا. فنقول: صَوَّرْتُ زيدًا، مع أنك لا تُصَوِّرُ إلا شبحه، وصورتُه لا نفسه. وكذلك يُقَالُ: تُصُوِّرَ زيدٌ في المرآة، مع أنه لا يكون فيها إلا شَبَحُهُ، وصورته لا عينه.
وحينئذٍ حاصلُ معنى: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾، أي أُقِيمَ لهم شبح عيسى ﵊. ولكن لا يُقَالُ فيه في العبارة إلا شُبِّهَ عيسى ﵊، لِمَا عَلِمْتَ أنهما وإن كانا مُتَغَايِرَين حقيقةً، لكن تلك الإثنينية لا تَظْهَرُ في اللفظ فالمرجعُ على طريق النحاة هو عيسى إليه الصلاة والسلام نفسه، ومِصْدَاقُه هو الصورة، كما عَلِمْتَ في قولهم: تُصُوِّرَ زيدٌ في المرآة، فإن نائبَ الفاعل عند النحاة هو زيدٌ، ولكن مِصْدَاقُه ليس إلا شَبَحَهُ وصورته. وكما في قولهم صوَّرْتُ زيدًا، المفعول في اللفظ هو زيدٌ، وأمَّا في المِصْدَاق فليست إلا صورته. فكما أن المتحقِّقَ في المثالين هو اثنان، ثم لم تَظْهَرْ الإثنينية في اللفظ، كذلك فيما نحن فيه. وهو الذي أراده الراغبُ من عبارته: مُثِّلَ لهم، لمن حَسِبُوه عيسى ﵊. فأظهر فيها الإثنينية في اللفظ، مع كون مراده ما ذكرنا. فإنه اعْتَبَرَ التشبيهَ تمثيلا وتصويرًا، كما قُلْنا، ولا تكون فيه الإثنينية في العبارة.
فالحاصلُ: أنه من باب إقامة مثال الشيء مقام نفسه بإِيجاده، لا أنهما كانا موجودين من قبل، فَشَبَّه أحدهما بالآخر. فالتصويرُ بابٌ آخر، ومنه «المُصَوِّرُ» من أسماء الله تعالى، أي المُوجِدُ، لا أنه يُشَبِّهُ شيئًا بشيءٍ، وهو قولُ الشاعر:
* أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا، فكأنما ... تُمثَّلُ لي لَيْلَى بكلِّ مَكَانٍ؟
واعلم أن إبراز الفعل مجهولا للطيِّ إلى الداخل. وإخراجه معروفًا لنَشْرِه إلى الظاهر. فأبرزه الشاعرُ مجهولا لطيِّ طرفي التشبيه إلى الداخل.
стр. 1462
ثم إن ههنا دقيقةً أخرى، وهي: أن شَرْعَنَا قد تحمَّل وجود الكتابيِّ. وأمَّا عيسى ﵊، فلا يتحمَّل اليهوديةَ والنصرانيةَ بعد نزوله، كما أخبر به النبيُّ ﷺ «أنه يَضَعُ الجِزْيَةَ، ولا يَقْبَلُ منه إلا السيف، أو الإِسلام». فأحاديثُ نزوله ﵊ ليست في الحقيقة تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] إلخ، فإن محصِّلَ تلك الأحاديث الإِخبارُ بأمورٍ عديدةٍ تَقَعُ في زمانه، وإن تحقَّق لهم المعرفةُ الحقَّةُ في ضمنها أيضًا. أمَّا القرآنُ، فهو بصدد إخبار إيمانهم قصدًا دون الإِخبار بإِيمانهم الذي يَحْصُلُ في ضمن هذه الأشياء.
فإِن قُلْتَ: إن القرآن قد أخبر بإيمانهم، مع إخبار الأحاديث أن اليهود لا يؤمنون به، ويُقتَلون مع الدّجّال.
قلت: أمَّا الدَّجالُ فليس من أهل الكتاب قطعًا، ولم نجد في حديثٍ من الأحاديث أنه يدعو إلى التوراة والإِنجيل. وأمَّا من اتَّبَعُوه من اليهود، فأيضًا كذلك. أن اليهودَ اسمٌ للنَّسْلِ، دون المذهب، فالذين يُقْتَلُون معه لَيْسُوا من أهل الكتاب. ثم إيمان أهل الكتاب هذا ليس مما يكون لرجلٍ من الأمة بالنبيِّ، بل هو ما يَحْصُلُ في ضمن أفعاله، وليس ذلك إلا المعرفة. وحاصلُه: أن إيمانهم به ما كان بالغيب يَنْقَلِبُ إلى الشهادة. وحينئذٍ يَعْلَمُون أن الذي آمنوا به هو ذلك، وبعد الشهادة لا يَبْقَى أحدٌ منهم إلا يَحْصُلُ له الإِيمان بالشهادة.
ثم ما اشتهر على الأَلْسِنَةِ: أن دينَ الإِسلام يُبْسَطُ في زمن عيسى ﵊ على البسيطة كلِّها، ليس في الأحاديث، والذي فيها: أنه لا يَقْبَلُ اليهودية والنصرانية بعد نزوله من حيث المسألة، فَيُنْقِذُ نفسه من أسلم، ويُقْتَلُ من أبى، وهذا أيضًا حيث يَغْزُو نبيُّ الله عيسى ﵊. وملخَّص الأحاديث: أن اليومَ تجري الأديان الثلاثة، فإذا نزل عيسى ﵊ لا يُقْبَلُ إلا الإِسلام، وحينئذٍ يكون الدينُ كلُّه لله. فهذا بيانٌ للمسألة، لا إخبارٌ بما يكون في الخارج. فيجوز أن يبقى الكفرُ والكُفَّارُ أيضًا، لكن إن يَبْلُغَ إليهم عيسى ﵊ لا يُقْبَلُ منهم إلا دين الإِسلام، لا الجزية، كما هو اليوم.
ويُسْتفَادُ من الأحاديث: أن الغَلَبَةَ المعهودةَ إنما تكون في الشام ونواحيه حيث يَنْزِلُ عيسى ﵊، وفساد يَأْجُوج ومَأْجُوج أيضًا في هذه الأطراف، والجزيرة الطبرية أيضًا نحو الشام.
وبالجملة لم نَجِدْ في حديثٍ أن عيسى ﵊ أيضًا يَدُورُ في الأرض، كدور الدَّجَّال، فلا تكون غلبةٌ موعودةٌ إلا في موضع نزوله. أمَّا سائر البلاد، فمسكوتٌ عنها، والله تعالى أعلم ما يكون فيها.
فهذه عِدَّةُ تحقيقاتٍ أهديناها إليك لتُمْعِنَ فيها النظر، ولا تُسْرِعُ في الرَّدِّ والقَبُول، فإن الإِنسانَ فُطِرَ على أنه إذا عُرِضَ له أمرٌ لم تُسْمِعْهُ أذناه رَدَّه، والله تعالى الملهم للصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 1463
نَظْرَةٌ أخرى إلى معنى التَّوَفِّي
واعلم أن نسبةَ المفهوم إلى المِصْدَاق قد تكون كنسبة الإِنسان إلى زيد، فإن زيدًا عينٌ مُبْصِرٌ وُضِعَ بإِزائه هذا المفهوم، وهو ذاتيٌّ له. وقد تكون كنسبة الضاحك إلى زيدٍ، فإنه خارجٌ عن حقيقته، عَرَضيٌّ له، إلا أنه ذاتيٌّ للحصَّة التي عُرِضَتْ له من الضَّاحِكِيَّة. فمن قال: إن الضَّاحِكَ عَرَضِيٌّ له، نَظَرَ إلى زيد الكل، ومن جَعَلَهُ ذاتيًا له، نَظَرَ إلى حصة الضَّاحِكِيَّة. وهذا معنى ما قالوا: إن الكليَّ نوعٌ لحصصه، فإنه وإن كان عَرَضيًّا للكلِّ، ولكنه ذاتيٌّ للحصَّة في الكلِّ من هذا الكليِّ كما أن الضَّاحِكِيَّةَ متحقِّقةٌ في زيدٍ، ولا ريب أن هذا الكليَّ ذاتيٌّ لها.
فالحاصلُ: أن الإِنسانَ، والضاحك وإن كانا مُتَغَايِرَاين مفهومًا، لكنهما متَّحِدَان مِصْدَاقًا. وذلك لأن مِصْدَاقَهُمَا لمَّا كان عينًا مُبْصِرًا لم يَتَحَصَّل فيه التَّغَايُر، واتحدا في المِصْدَاقِ.
هذا في أسماء الأعيان، أمَّا في أسماء المعاني، فلا تَغَايُرَ بين مفاهيمها ومصادقيها، فما هو مفهومه؟ هو مِصْدَاقُه، والذي هو مِصْدَاقُه هو مفهومُه وحقيقتُه. بخلاف أسماء الأعيان، فإن المفهومَ والمِصْدَاقَ فيها مُتَغَايِرَان.
إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن التَّوَفِّي من أسماء المعاني، فمفهومُه ومِصْدَاقُه واحدٌ. فمن قال: إن مِصْدَاقَه الموتُ، أو الرفعُ، فقد حَادَ عن الصواب، لأن له حقيقةً ومفهومًا في الخارج، وهو مِصْدَاقُهُ، وهذا المفهوم زائدٌ على معنى الموت، والرفع. نعم أينما يتحقَّقُ الموت أو الرفع، يتحقَّق هناك التوفِّي أيضًا لا بمعنى أن الموتَ أو الرفعَ هو التوفِّي، بل بمعنى أنه حقيقةٌ جامعةٌ مع الموت والرفع. فهو متحقِّقٌ في هذين بحقيقته التي هي حقيقتُه، وهي زائدةٌ على الموت. وتوضيحُهُ: أن التوفِّي وُضِعَ للأخذ وافيًا، وهذا المعنى يتحقَّق ويجتمع مع الموت والرفع أيضًا، بمعنى أن الأخذَ يتحقَّقُ في الموت والرفع أيضًا. فالتوفِّي له مفهومٌ، وله مِصْدَاقٌ في الخارج، وكذا الموت والرفع، لهما مفهومان ومِصْدَاقان، ومفاهيمُ الكلِّ ومصاديقها مُتَغَايِرَةٌ. وليس كأسماء الأعيان، فإنها تَتَغَايَرُ مفهومًا، وتتحد مِصْدَاقًا. بخلاف أسماء المعاني، فإن مفاهيمها إذا كانت هي مصاديقها لَزِمَ التَّغَايُرُ بين مصاديقها لا مَحَالَةَ.
فمن قال: إن مِصْدَاقَ التوفِّي والموت، أو التوفِّي والرفع واحدٌ، فقد أخطأ، لأن مِصْدَاقَ التوفِّي هو مفهومُه، وهو متحقِّقٌ في الخارج بحقيقته ومعناه، وهكذا الموت والرفع. نعم يُقَالُ: إن التوفِّي مجامعٌ للموت أو الرفع، متى تحقَّق الموتُ أو الرفعُ، تحقَّق معه التوفِّي أيضًا. فما قاله الرازي: إن التوفِّي نوعٌ، والموتَ والرفعَ من جزئياته، كلامٌ ظاهريٌّ. أو يكون أراد منه ما قُلْنَا. والتحقيقُ أن التوفِّي أمرٌ زائدٌ على معناهما، نعم قد يتحقَّقُ مع الموت، وقد يتحقَّقُ مع الرفع، فله مفهومٌ مُغَايِرٌ، ومِصْدَاقٌ مُغَايِرٌ، إلا أنه لمَّا كان من أسماء المعاني لم يتبيَّن التَّغَايرُ إلا بالاعتبار.
ثم اعلم أن البليغَ إذ يختارُ عنوانًا، يختاره لمعنى يُرَاعِيهِ ويَقْصِدُهُ، ولا يكون ذلك عنده على طريق البَخْتِ والاتفاق، فتركُ ذلك العنوان إفسادٌ لمعناه المقصود. فإذا قال البليغُ: إن فلانًا
стр. 1464
أجاب ربَّا دعاه، أو لبَّى داعي الأجل، أو هلك، أو مات، أو توفِّي، إلى غير ذلك من العنوانات، يريدُ بتلك العنوانات معاني خاصة. والتركُ لعنوانه المختار، والنزول إلى الغرض، لا يكون إلا من الجاهل، فإنه إخلالٌ لمراده. أَلا ترى أن في قوله: أجاب ربًا دعاه من التشريف ما ليس في قوله: هَلَكَ. فترجمتُه بالهلاك إعدامٌ، وإفسادٌ للمعنى المراد، وهذا هو الفرق بين البليغ والسوقيِّ.
وهذا معنى ما قاله أبو البقاء في «كلياته»: التوفِّي الموتُ، وعليه استعمالُ العامة، وأخذُ الشيء وافيًا، وعليه استعمال الخاصة. أراد بذلك أن السوقيَّ لا يُبَالي بالفروق الدقيقة، ولا يُرَاعي المعاني المقصودة، بل يَنْزِلُ إلى الغرض، فَيُنْزِلُ الكلامَ من الأوج إلى الحضيض. أما البليغُ، فينظر في الفروق، ويَعْبُرُ العنوانات، ويُرَاعي المعاني المقصودة، ويَحْمِلُ الكلامَ على ما سُبِكَ له.
وهذا الأمرُ أهمُّ في القرآن، لبلوغه من البلاغة الذروة العليا، فإنه يُؤَدِّي الحقائقَ الغامضةَ في ضمن الألفاظِ المُوجَزَةِ، كما رَأَيْتَ أنه نبَّه على حقيقة الموت من لفظ التوفِّي. وكذلك في كل موضعٍ يكون فيه لفظٌ من القرآن، تكون فيه حقيقةٌ مقصودةٌ لا تتأدَّى إلا به، فإذا بُدِّل ووُضِعَ مكانه آخر، فَسَدَ المعنى، وهذا أحدُ وجوه الإِعجاز في القرآن عندي. والعلماء ذَكَرُوا إعجازه في الكلام المُرَكَّب، وادَّعَيْتُ إعجازه في المفردات أيضًا، ولقد أَدْرَكْتُهُ أو بعضَه، ولا أقول ذلك إلا بعد الذَّوْق والوجدان، لا بِحَسَبِ الاعتقاد والتقليد فقط.
ولذا أقول: إن ترجمة قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] مميتك، لا يَلِيقُ بمرامي القرآن، فإنه تَرَكَ لفظ الموت قَصْدًا. ألا ترى أن اليهودَ كانوا بصدد قتله، وكانوا يُهَدِّدُونه به، فهل يُنَاسِبُه التبشير بالتوفِّي أو الإِنذار بالموت. ورَحِمَ الله الزمخشريَّ حيث كان أعلم الرجال بهذا الموضوع، ففسَّره بقوله: مُسْتَوْفي أجلك. ومعناه: إني عَاصِمُكَ من أن يَقْتُلَكَ الكفار، ومُؤَخِّرُك إلى أجلٍ كتبته لك، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنفك، لا قتلا بأيديهم. اهـ.
فأخذه أولا بمعنى استيفاء، ثم فصَّل ما تضمَّنه لفظ التوفِّي، وجعل الموتَ حَتْفَ أنفه من مراميه. يعني به: أن التوفِّي تبشيرٌ من عصمته بالقتل، وإيذانٌ بأن الموتَ متى ما يأتي عليه يأتي من جهته تعالى، لا من أيدي هؤلاء الملاعنة. ثم قال الزمخشريُّ: وقيل: يُمِيتُكَ في وقتك بعد النزول. فانظر كيف جعل معنى الموت مقابلا لمعنى استيفاء الأجل، مع أنه قد دَرَجَ فيه الموتَ بنفسه من قبل، وذلك لأنه أبقى اللفظَ على مدلوله، وهو استيفاءُ الأجل. ثم لفُّ الموت والرفع، وغير ذلك في مرتبة الغرض.
فالحاصل: أنه سلَّم الموتَ في مرتبة الغرض، ومرضَه في مرتبة المدلول. ثم قوله: «معناه» على حدِّ قولنا: «وحاصل الكلام». ولفظ الغرض أيضًا ليس بجيدٍ، فاحفظه. وإن عَجِزْت أن تَفْهَمَهُ، فلك العذرُ فإن صيدَ الظباء ليس بهيِّنٍ.
٢٠٥٧ - قوله: (سَمُّوا الله عَلَيْهِ وكُلُوْه)، ومرادُه: أن احملُوا حالهم على ما يَلِيقُ بالمسلمين، وأَحْسِنُوا الظنَّ بهم، وأتُوا أنتم بما هو سُنَّةٌ لكم، وهو التسميةُ عند الأكل. لا أن
стр. 1465
التسميةَ عند الأكل تُجْزِيءُ عن التسمية عند الذبح، وهذا كمال البلاغة. ومن لا يدري مخاطبات البلغاء، يَقَعُ في الخبط (١).
٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا﴾ [الجمعة: ١١]
٢٠٥٨ - حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمٍ قَالَ حَدَّثَنِى
стр. 1466
جَابِرٌ - رضى الله عنه - قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ عِيرٌ، تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا، حَتَّى مَا بَقِىَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِلَاّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً فَنَزَلَتْ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. أطرافه ٩٣٦، ٢٠٦٤، ٤٨٩٩ - تحفة ٢٢٣٩
وقد مرّ منا بيانُ الوجه في انفضاضهم، وتركهم إياه قائمًا، فإنه مُسْتَبْعَدٌ من الصحابة رضي الله تعالى عنهم جدًا. ثم إن زُرَارَة بن أبي أَوُفَى، أو مسلم بن يَسَار، - الشك من الجامع - فكان إذا سَمِعَ الأذان وضع المِطْرَقَةَ كما هو، ولم يكن يَضْرِبُها، وإن كان رفعها للضرب.
٧ - باب مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيْثُ كَسَبَ الْمَالَ
٢٠٥٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «يَأْتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِى الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ». طرفه ٢٠٨٣ - تحفة ١٣٠١٦ - ٧٢/ ٣
٨ - باب التِّجَارَةِ فِى الْبَرِّ وَغَيْرِهِ
وَقَوْلِهِ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. وَقَالَ قَتَادَةُ كَانَ الْقَوْمُ يَتَبَايَعُونَ، وَيَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ.
٢٠٦٠، ٢٠٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ قَالَ كُنْتُ أَتَّجِرُ فِى الصَّرْفِ، فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ - رضى الله عنه - فَقَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ . وَحَدَّثَنِى الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَامِرُ بْنُ مُصْعَبٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا الْمِنْهَالِ يَقُولُ سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَا كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَ «إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلَا يَصْلُحُ». الحديثان ٢٠٦٠، ٢٠٦١ - أطرافهما في: ٢١٨٠،٢١٨١، ٢٤٩٧، ٢٤٩٨، ٣٩٣٩، ٣٩٤٠ - تحفة ٣٦٧٥
وفي نسخة: بالراء المهملة وهي الأقربُ، لأنه بوَّب بُعَيْدَه بالتجارة في البحر.
٢٠٦٠، ٢٠٦١ - قوله: (إن كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلا بَأْسَ، وإن كَانَ نَسَاءً فلا يَصْلُحُ) ... إلخ، واعلم أن المُوءَجَّلَ في الفِقْهِ لمَّا كان واجبًا في الذِّمة من الديون والحقوق، والمشارُ إليه لما كان موجودًا سواء كان في المجلس أو لا، ولم يُدْرِكْهُ الناسُ، فَفَهِمُوا أن المُؤَجَّلَ ما لا يكون موجودًا في المَجْلِسِ، وليس بصحيحٍ. فالذي لا بُدَّ منه في البيع هو التعيين، أي إيراد العقد على شيءٍ موجودٍ، وإن لم يكن عندهما في المَجْلِسِ إلا في الصَّرْفِ، فإنه يُشْتَرَطُ فيه القبض. أمَّا كونه في المجلس، فليس بضروريَ في عامة البيوع، فاعلمه.
وبعبارةٍ أخرى: إن المرادَ بالدَّيْنِ في الفِقْه: ما لا يكون موجودًا في مَجْلِسِ العقد، ولا في
стр. 1467
بيته، ومن العين: ما كان موجودًا، إمَّا في بيته أو في المَجْلِسِ. أمَّا القبضُ بالبراجم، فهو شرطٌ في بيع الصَّرْف خاصةً. وقد زَعَمَ بعضُهم أن الدَّيْنَ ما لا يكون موجودًا في مَجْلِسِ العقد، وإن كان موجودًا في بيته. وهو خلاف مرادهم، فافهم.
٩ - باب الْخُرُوجِ فِى التِّجَارَةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
٢٠٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِىَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولاً فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ فَقَالَ أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ائْذَنُوا لَهُ قِيلَ قَدْ رَجَعَ. فَدَعَاهُ. فَقَالَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ. فَقَالَ تَأْتِينِى عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ. فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ، فَسَأَلَهُمْ. فَقَالُوا لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَاّ أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ. فَذَهَبَ بِأَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ. فَقَالَ عُمَرُ أَخَفِىَ عَلَىَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلْهَانِى الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. يَعْنِى الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ. طرفاه ٦٢٤٥، ٧٣٥٣ - تحفة ١٠٦٠١، ٤١٤٦
٢٠٦٢ - قوله: (فقال: كُنَّا نُؤمَرُ بذلك، فقال: تأْتِنِي على ذلك بالبَيِّنَة) ... إلخ، قال البخاريُّ أراد عمر التثبُّت، لا أن يُخْبِرَ بخبر الواحد. وكذلك في «موطأ مالك» قال عمر لأبي موسى: «أمَّا إني لم أَتَّهِمْكَ، ولكني خَشِيتُ أن يتقوَّلَ الناسُ على رسول الله ﷺ . اهـ. فَدَلَّ على أنه ليس فيه مسألةُ العبرة بالخبر الواحد، وعدمها، بل أراد مزيد التثبُّت. كيف وقد رواه عمر بنفسه عند الترمذيِّ، ولكن لمَّا لم تكن عنده زيادةُ الاستئذان ثلاثًا، أراد أن يتثبَّتها. وأخرجها البخاريُّ مُفَصَّلا، وفيه: قال رسولُ الله ﷺ «إذا استأذن أحدُكم ثلاثًا، فلم يُؤْذَنْ له» ... الحديث.
حكاية: ذكر الطبرانيُّ حكايةً في زيادة الثقة: أن عالمًا ادَّعى أنها تُعْتَبَرُ على الإِطلاق، وأَنْكَرَهَا آخرُ، فقال من أعوان المُثْبِت واحدٌ، فَقَذَفَهُ بالأحجار حتى دفعه من المسجد. فكان المُثْبِتُ إذا لَقِيَ المُنْكِرَ يَسْأَلُه: أن الزيادةَ مقبولةٌ أو لا؟ فَيُجيبُه أمَّا بالحجر والآجُرِّ، فتفيد العلمَ والعملَ كليهما.
١٠ - باب التِّجَارَةِ فِى الْبَحْرِ
وَقَالَ مَطَرٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِى الْقُرْآنِ إِلَاّ بِحَقٍّ ثُمَّ تَلَا ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤] وَالْفُلْكُ: السُّفُنُ، الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ سَوَاءٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَمْخَرُ السُّفُنُ الرِّيحَ وَلَا تَمْخَرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ إِلَاّ الْفُلْكُ الْعِظَامُ.
٢٠٦٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِى
стр. 1468
هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، خَرَجَ فِى الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ بِهَذَا. أطرافه ١٤٩٨، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٣٤، ٦٢٦١ - تحفة ١٣٦٣٠ - ٧٣/ ٣
وأكثرُ أئمة اللغة إلى أن البحرَ يختصُّ بالبحر المالح، وقد وَرَدَ الحديث: «بأن تحت البحر نارًا»، مع وجود حاجة السفر فيه. وفي مثله تَتَعَارَضُ الأدلة، وتتجاذب الأطراف، فَيَرِدُ النهيُ والإِباحةُ كلاهما. أما الذهيُ، فنظرًا إلى المخاوف والمهالك، وأمَّا الإِباحةُ، فبالنظر إلى الحاجات. ولذا بوَّب البخاريُّ بجواز التجارة فيه.
قوله: (ومَا ذَكَرَهُ الله في القُرْآن) ... إلخ، أي لمَّا ذكرها القرآنُ في موضع الامتنان، فلا يكون إلاّ حقًّا وجائزًا.
قوله: (وقال مُجَاهِدُ: تَمْخَرُ السُّفُنُ الريحَ، ولا تَمْخَرُ الريحَ من السُّفُنِ، إلا الفُلك العِظَامُ) اهـ. قوله: «الريحَ»: مفعول به، و «السفُنُ»: فاعلٌ، وكذلك «الريح» في الجملة الثانية: مفعولٌ. وحاصل ماذكره مجاهد في تفسيره قوله: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] أن شقَّ الريح إنما يَظْهَرُ في السُّفُن العِظَامِ، وإلا فالصِغَار منها أيضًا تَشُقُّهَا عند جريها وسيرها، وإن لم يَظْهَرْ كظهوره في السُّفُنِ العِظَامِ. فلا حاجةَ إلى التقييد بالعِظَامِ، فإنه لا ريب في شقِّ الصِغَارِ أيضًا، وإن لم يَظِهَر.
١١ - بابٌ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. وَقَالَ قَتَادَةُ كَانَ الْقَوْمُ يَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ.
٢٠٦٤ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ - رضى الله عنه - قَالَ أَقْبَلَتْ عِيرٌ، وَنَحْنُ نُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ الْجُمُعَةَ، فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلَاّ اثْنَىْ عَشَرَ رَجُلاً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) أطرافه ٩٣٦، ٢٠٥٨، ٤٨٩٩ - تحفة ٢٢٣٩
١٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]
٢٠٦٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا». أطرافه ١٤٢٥، ١٤٣٧، ١٤٣٩، ١٤٤٠، ١٤٤١ - تحفة ١٧٦٠٨
٢٠٦٥ - قوله: (لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا). قلتُ: وإنما نبَّه عليه، لأن الصدقةَ
стр. 1469
الواحدةَ عملٌ واحدٌ، فإذا اشترك فيه متعدِّدٌ، فلعلَّه يُوَزَّعُ أجرها عليهم، ويكون لكلَ منهم بقدر نصيبه من ذلك الأجر. فقال: إنه ليس كذلك، بل في الصدقة الواحدة أجورٌ بقدر عامليها. نعم فيها تفاوتٌ باعتبار أعمالهم، فمنهم من هو خازنٌ، ومنهم من هو مُنْفِقٌ، ومنهم من هو مالكٌ. ومن الخازن إلى المالك فرقٌ جليٌّ، فكذلك في أجورهم. ولكن يَحْصُلُ لكلَ منهم أجره، لا أنه يُعْطِي ذلك الأجر بنقصِ أجد أحدٍ منهم.
٢٠٦٦ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ». أطرافه ٥١٩٢، ٥١٩٥، ٥٣٦٠ - تحفة ١٤٦٩٥
٢٠٦٦ - قوله: (عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ)، أي من غير أمره الصَّريح. فإنها إذا أَنْفَقَتْ مع منعه إيَّاها، لا يَحْصُلُ لها أجرٌ. إنما الأجرُ فيما إذا أَنْفَقَتْ من حَبِّها، مع أنه لم يأمرها زوجُها، وقد عَلِمْتَ أيضًا أنها إن تُنْفِقْ لم يمنعها زوجُها.
قوله: (نِصْفُ أَجْرهِ) ... إلخ، وهذا باعتبار أجر الرجل، فإن أجرَها الأصليَّ بالنسبة إلى أجر الرجل نِصْفٌ. أما المرأةُ، فلها تمام أجرها، والتنصيف بالنظر إلى أجر الزوج.
١٣ - باب مَنْ أَحَبَّ الْبَسْطَ فِى الرِّزْقِ
٢٠٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى يَعْقُوبَ الْكِرْمَانِىُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ حَدَّثَنَا يُونُسُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». طرفه ٥٩٨٦ - تحفة ١٥٥٥
٢٠٦٧ - قوله: (من سَرَّهُ أن يُبْسَطَ له رِزْقُهُ، أو يُنْسَأَ له في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)، ومعنى السببية بين الصدقة وزيادة العمر: أن لأقربائه وذوي رَحِمِهِ دَخْلٌ في وجوده، فإذا خَدَمَهُمْ وتصدَّق عليهم بُورِكَ في عمره.
والحاصل: أن لوجودهم دَخْلٌ في وجوده، فلمواساته أيضًا يكون تأثيرًا في زيادة عمره، بقيت مسألةُ طول العمر، فكلُّها في المواطن التحتانية. أمَّا في أم الكتاب، فالأمرُ واحدٌ بلا زيادةٍ ونقصانٍ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]، فالمحوُ والإِثباتُ في موضعٍ، والأجل المُسَمَّى في موضع آخر (١).
٢٠٧٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنْ ثَوْرٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ - رضى الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». تحفة ١١٥٥٧
٢٠٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّ دَاوُدَ ﵇ كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَاّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». طرفاه ٣٤١٧، ٤٧١٣ - تحفة ١٤٧٢٩ - ٧٥/ ٣
٢٠٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ». أطرافه ١٤٧٠، ١٤٨٠، ٢٣٧٤ - تحفة ١٢٩٣٠
٢٠٧٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ». طرفاه ١٤٧١، ٢٣٧٣ - تحفة ٣٦٣٣
٢٠٧٠ - قوله: (لمَّا اسْتُخْلِفَ أبو بَكْرٍ)، واعلم أن أبا بكر، وإن أكل من بيت المال قدر قُوتهِ، لكني أقطع على أنه قضاه بنَقِيرِه وقِطْمِيرهِ. أمَّا عمرُ فقد كان أَوْصَى بأن يُقْضَى عنه كل ما أخذه من بيت المال. وأمَّا عثمانُ، فكان غنيًا لم يكن له حاجةٌ، إلى بيت المال. وأما عليُّ، فقد كان يَقُمُّ بيت المال حتى تَغْبَرَّ لحيته المباركة، وكانت كثيفةً جدًا. فمرّ به رجلٌ مرةً. وكان يَقُمُّ بيت المال. فقال: لو استأجرتَ له رجلا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أفعله حتى يبقى بي رمقٌ من الحياة. فسبحان الذي اصطفى لنبيه هؤلاء النُّجَبَاء، الذي ما أقلَّت مثلهم الغبراء، ولا أظلَّت الخضراء:
*من البِيضِ الوجوه، نجومُ هدىً ... لو أنك تَسْتَضِىء بهم أَضَاؤُا
*هُمُ حَلُّوا من الشرفِ المُعلَّى ... ومن حَسَبِ العَشِيرَةِ حيثُ شاؤُا
ثم رأيت في «تذكرة»: أن نبيَّ الله سليمان ﵇ كان يَنْسِجُ المَكاتِل، ومن ذلك كان قُوتُه، وكان داود ﵊ يَعْمَلُ بيديه الدُّرُوعَ، كما نصَّ عليه القرآن.
٢٠٧١ - قوله: (أَرْوَاحٌ) أي: الرائحةُ الكريهةُ.
١٦ - باب السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِى الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِى عَفَافٍ
٢٠٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ
стр. 1472
«رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى». تحفة ٣٠٨٠
قوله: (السَّمَاحة) - "دل مين وسعت هونى أورسخت كيرى نه كرنى".
قوله: (في عَفَافٍ) يعني (دوسرى كى آبروريزى نه كرنى) أي هو الاتقاء عن هَتْكِ عِرْض أحدٍ.
١٧ - بابُ مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا
٢٠٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ أَنَّ رِبْعِىَّ بْنَ حِرَاشٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ - رضى الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَالُوا أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا قَالَ كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِى أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ قَالَ قَالَ فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ». وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ عَنْ رِبْعِىٍّ «كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ». وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِىٍّ. وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِىٍّ «أُنْظِرُ الْمُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ». وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِى هِنْدٍ عَنْ رِبْعِىٍّ «فَأَقْبَلُ مِنَ الْمُوسِرِ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ». طرفاه ٢٣٩١، ٣٤٥١ - تحفة ٣٣ ١٠
١٨ - باب مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا
٢٠٧٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ». طرفه ٣٤٨٠ - تحفة ١٤١٠٨
ثم ترجم المصنِّفُ بعده: باب من أنظر معسرًا، وذلك لاختلاف لفظ الحديث عنده، ففي لفظٍ: «ويَتَجَاوَزُوا عن المُوسِر»، وفي لفظٍ: «فإذا رأى مُعْسِرًا، قال لفتيانه: تَجَاوَزُوا عنه». ففيه التَّجَاوُزُ عن المُعْسِر، وهذا دَأْب المصنِّف: أن الحديثَ إذا اخْتَلَفَتْ ألفاظه، ولم يترجَّح عنده واحدٌ منهما، يُتَرْجِمُ عليه باللفظين، والفصلُ عندي في نحو هذه المواضع: أن يُؤْخَذَ بما كان أقرب إلى الوجدان، ولا يُعْبَأُ بما سواه. كما أن الظاهرَ مع التَّجاوُزِ لفظ: «المعْسِرِ»، فَيُحْمَلُ ذكر المُوسِرِ على تصرُّف من أحد الرواة، لأن المُعْسِرَ هو الذي يَحْتَاجُ إلى التجاوز عنه دون المُوسِر.
ولذا ترى في لفظ نُعَيْم بن أبي هِنْدٍ، عن رَبْعِي عنده: «فأَقْبَلُ من المُوسِر، وأَتَجَاوَزُ عن المُعْسِر»، فلا ينبغي في مثل هذه المواضع تراجم مختلفة. وإنما يَفْعَلُ مثله حيث لا يُمْكِنُ الترجيح فيه، كما في قوله: «إذا أمَّن الإِمامُ فأمِّنُوا»، وفي لفظٍ: «إذا امَّن القاريء» ... إلخ. فالفصلُ فيه مُشْكِلٌ، فإن الإِمامَ مختصٌّ بالصلاة، والقاريء يكون في الخارج أيضًا، ولا يتبيَّن لفظ النبيِّ ﷺ من غيره، فإن فيهما معنىً صحيح، بخلاف الاختلاف في المُعْسِرِ والمُوسِرِ.
стр. 1473
١٩ - باب إِذَا بَيَّنَ الْبَيِّعَانِ، وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا
وَيُذْكَرُ عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ كَتَبَ لِى النَّبِىُّ ﷺ «هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ، لَا دَاءَ، وَلَا خِبْثَةَ، وَلَا غَائِلَةَ». وَقَالَ قَتَادَةُ الْغَائِلَةُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإِبَاقُ. وَقِيلَ لإِبْرَاهِيمَ إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّى آرِىَّ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ فَيَقُولُ جَاءَ أَمْسِ مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ الْيَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ. فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ لَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً، يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً، إِلَاّ أَخْبَرَهُ.
٢٠٧٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَالِحٍ أَبِى الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ رَفَعَهُ إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا». أطرافه ٢٠٨٢، ٢١٠٨، ٢١١٠، ٢١١٤ - تحفة ٣٤٢٧ - ٧٦/ ٣
وفيه تغليبٌ كما في القَمَرَيْنِ.
قوله: (هذا ما اشْتَرَى محمدٌ رسولُ الله من العَدَّاءِ بن خالِدٍ) ... إلخ. وعند الترمذيِّ في باب ما جاء في كتابة الشروط: «ما اشترى العَدَّاءُ بن خالد بن هَوْذَة من محمد رسول الله ﷺ .. » إلخ. والصواب عندي ما في الترمذيِّ، لأن المعروفَ في الكتابة أن تكونَ من جهة البائع دون المشتري، إلا أن يكون العِوَضَان عروضًا.
قوله: (النَّخَّاسِينَ) أي الدلال في الدَّوَاب.
٢٠ - باب بَيْعِ الْخِلْطِ مِنَ التَّمْرِ
٢٠٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ، وَهْوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ، وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ». تحفة ٤٤ ٢٢
٢١ - باب مَا قِيلَ فِى اللَّحَّامِ وَالْجَزَّارِ
٢٠٨١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِى شَقِيقٌ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ اجْعَلْ لِى طَعَامًا يَكْفِى خَمْسَةً، فَإِنِّى أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِىَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَإِنِّى قَدْ عَرَفْتُ فِى وَجْهِهِ الْجُوعَ. فَدَعَاهُمْ، فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فَأْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ». فَقَالَ لَا، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ. أطرافه ٢٤٥٦، ٥٤٣٤، ٥٤٦١ - تحفة ٩٩٩٠
بنفسه، أو أَطْعَمَ غيره أيضًا سواء. فالوعيد على نفس هذا الفعل، وما ذكره الشارحون في شرحه، فهو خِلافُ الواقع عندي.
وحاصلهُ: أنه يُلْعَنُ في ربًا واحدٍ عشرةُ نفرٍ، حسب أوزارهم خِفَةً وشدَّةً.
قوله: ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ... إلخ، واستدلَّ منه ابن حَزْم على أن الشياطين لا تَسْرِي في أجساد الإِنسان، وإنما لهم لَمَمٌ به. واختار الغزاليُّ: أن لها سِرَايةً أيضًا. أقولُ: وهما عندي وجهان: وأمَّا وجه الخبط فإن أكل الربا يَمْسَخُ الفطرة السليمة، ويُؤَثِّرُ فيها حتى يكاد يُعْمِيها، فإذا عَمِيَتْ تَخْبِطُ خَبْطَ العَشْوَاء لا مَحَالة. ثم إن الأرواحَ الخبيثةَ أيضًا قد تُؤْذِي الإِنسان، وفي ذلك حكاياتٌ.
٢٥ - باب مُوكِلِ الرِّبَا
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ .
٢٠٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُ أَبِى اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا، وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ. أطرافه ٢٢٣٨، ٥٣٤٧، ٥٩٤٥، ٥٩٦٢ - تحفة ١١٨١١ - ٧٨/ ٣
٢٠٨٦ - قوله: (فأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ). واعلم أن اللهَ تعالى بثَّ في العالم أعمالا خسيسةً ونفيسةً، وخَلَقَ على مثلها أرواحًا، فالطيبةُ منها تَمِيلُ إلى النفيسة. والخبيثةُ تَرْغَبُ في الخسيسة، وهذا من باب نظام العالم. أمَّا الشرعُ فإنه لا يُرَغِّبُ إلا فيما فيه فَضْلٌ، وهذا كما قال النبيُّ ﷺ «إن العُرَفَاء في النار»، مع أنه لا بدَّ من العِرَافةِ أيضًا، فإن نظامَ العالم لا يستوي بدونها.
والحاصلُ: أن طبائعَ الناس تَتَفَاوَتُ على حسب تَفَاوُت الأعمال، خِسَّةً ودناءةً، كَرمًا وفضلا، فَيَرْغَبُ إليها كلٌّ منهم حسب فطرته، مع أن الشرعَ لا يحثُّهم إلا على الخير. ومن ههنا عَلِمْتَ أن الشرعَ ليس في نقاضة النظام، فالنظامُ يبقى على طريقه، كما أن الشرعَ يأْمُرُ وينهى على طريقه. ألا ترى أن اللهَ يدعو إلى دار السلام، مع عِلْمِهِ أن كثيرًا منهم لا يُلْقُون لدعوته بالا، فَيُلْقَوْن في جهنَّم على وجوههم. فاللهُ سبحانه لا يَزَالُ يدعو على ما يَليقُ بشأنه، مع أنه سَبَقَ القول منه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، فهذا بنظامٍ، وذلك تشريعٌ.
وبالجملة إن الأطراف تتجاذب في نحو هذه المواضيع، كما في الحِجَامة فإِنه نهى عنها، ومع ذلك قد أعْطى أجرتها بنفسه النفيسة أيضًا. فالدَأْبُ فيه: أن لا يزالَ النطقُ بالهجو، ويَخْرُجُ الجواز من الأطراف، كفعله تارةً وتارةً. وهذا هو طريقُ القرآن مُطَّردًا، فإِنه إذا كَرِهَ شيئًا اطَّرد