← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 98124

فيض الباري على صحيح البخاري

الكشميري

Полный текст (3 525 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأوثق كتاب في النحو الرَّضِيّ، وأما باعتبار جمع المسائل فالأُشْمُوني، وأما كتاب سِيَبَويْه فهو «الكتاب»، إلا أنه عسير جدًا. وعلَّق عليه السَّيْرافي حاشية، وهو إمام النحو، فما يذكره يكون صحيحًا إلا أن إدراك مدارك سيبويه بعيد من شأنه. ٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا». طرفه ٦١٢٥ - تحفة ١٦٩٤ ٦٩ - (يحيى بن سعيد) هذا هو القطَّان إمام الجرح والتعديل وأول من صنف فيه، قاله الذهبي. وكان يفتي بمذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى وتلميذه وكيع بن الجراح تلميذ للثوري وهو أيضًا حنفي. ونقل ابن معين: أن القطان سئل عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فقال: ما رأينا أحسن منه رأيًا وهو ثقة. ونقل عنه أني لم أسمع أحدًا يجرح على أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فعُلم أن الإمام الهُمام رحمه الله تعالى لم يكن مجروحًا إلى زمن ابن معين رحمه الله تعالى. ثم وقعت وقعة الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وشاع ما شاع وصارت جماعة المحدثين فيه فرقًا. وإلا فقبل تلك الوقعة توجد في السلف جماعة تفتي بمذهبه، ويحيى بن معين أيضًا حنفي، وعندي رسالة الذهبي وهو حنبلي الاعتقاد وشافعي المذهب وفيها: أنه كان حنفيًا متعصبًا، ولعل وجهه أن ابن معين جرح على ابن إدريس الشهير بالإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وما قيل إنه غير الشافعي رحمه الله تعالى فليس بشيء، والحق عندي أنه وإن جرح عليه لكنه غير مناسب له فإن الشافعي رحمه الله تعالى له شأن لا يدركه ابن معين رحمه الله تعالى. ثم إن الدارقطني قد أقرَّ: أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى أسن منهم، وأنه لَقِيَ أنسًا رضي الله تعالى عنه، وإنما الخلاف في روايته عنه. وجمع ابن جرير في كتاب «اختلاف الفقهاء» فقه أبي حنيفة والأوزاعي والشافعي رحمهم الله تعالى، ولم يأتِ بفقه أحمد رحمه الله تعالى ولا بمناقبه فسئل عن وجهه، فقال: إني جمعت فيه مذاهب الفقهاء ومناقبهم وأذكر مناقبه حين أذكر مناقب المحدثين، وأصرَّ على ذلك حتى استشهد بسببه. وكذا أبو عمر المالكي أيضًا ذكر مناقب هؤلاء الأئمة الثلاثة ولم يذزكر مناقب أحمد رحمه الله تعالى، والبيهقي أيضًا لم يقدح في أبي حنيفة رحمه الله تعالى مع كونه متعصبًا، كما ذكره الشيخ شمس الدين في «الغاية»: أني سمعت من مشايخي أنه متعصب، ومر عليه ابن السبكي فقال: إن سمعت أن لحوم العلماء مسمومة من يأكله يموت. قلت: هو كذلك لكن من الطرفين ثم لم أر محدثًا فقيهًا أو فقيهًا فقط، يقدح في أبي حنيفة رحمه الله تعالى. نعم من كان منهم محدثًا فقط فإنه جرح عليه ثم إنه نقل عن أبي داود ما يدل على أنه من معتقدي أبي حنيفة رحمه الله تعالى حيث قال: رحم الله أبا حنيفة كان إمامًا. وأما البخاري فإنه يهجوه. وأما النسائي فقد ضعفه وشدد في حسن بن زياد، وقال: إنه كذَّاب وهو خلاف الواقع، وأما مسلم فلا يدري حاله غير أن الجارود رفيق سفره حنفي وأدبه العربي

стр. 177

أعلى من مسلم. وكان مسلم يستعين منه في أشياء. وأما التِّرمذي فهو ساكت. وأما ابن سيد الناس والدُّمياطي فإنهما في ثلج الصدر عن الإمام ويوقرانه ويبجلانه حتى أنه مرّ على إسناد فيه الإمام الأعظم فصححه. وأما العراقي فلا يدري حاله إلا أن سلسلة تلمذته انتهت على المارديني وهو حنفي، فالله أعلم أنه هل تأدب لهذا التلمذة أم لا. بقي الحافظ ابن حجر، وهو ضَرُّ الحنفية بما استطاعه حتى أنه جمع مثالب الإمام الطحاوي والطعون فيه، مع أن أبا جعفر الطحاوي إمام عظيم لم يبلغ إلى أحد من أئمة الحديث خبره إلا حضره عنده بمصر وجلس في حلقة أصحابه وتتلمذ عليه. والحافظ البدر العيني أسنّ من الحافظ ابن حجر، وقد سمع عليه ابن حجر حديثًا من مسلم، وحديثين من مسند أحمد (١). (قال يسروا الخ .. ) أخذ المضمون طردًا وعكسًا وهو من باب المحسنات. ١٣ - باب مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً ٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِى كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِى مِنْ ذَلِكَ أَنِّى أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّى أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. طرفاه ٦٨، ٦٤١١ - تحفة ٩٢٩٨ يريد أن مثل هذه التعينات لا تُعَدُّ بِدعةً، والبدعة عندي ما لا تكون مستندةً إلى الشرع، وتكون ملتبسةً بالدين، ولذا يقال إن الرسوم التي جرت في المصائب بدعة دون التي في مواضع السرور، كالأنكحة وغيرها فإن الأولى تُعَد كأنّها من الدين فتلتبس به بخلاف الثانية. والسر فيه أن رسوم المَسَرات أكثرُهَا تكون من باب اللهو واللعب فلا تلتبس بالدين عند سليم الفطرة، بخلاف رسوم نحو الموت فإن غالبَهَا يكون من جنس العبادات فيتحقق فيها الالتباس. فائدة: وفي محق الرُّسُومات كتاب للشاه إسماعيل رحمه الله تعالى سماه: «إيضاح الحق الصريح» وهو أجود من كتابه «تقوية الإيمان» فإنه يحتوي على مضامينَ علمية، وكتابه «تقوية الإيمان» فيه شدة فَقَلَّ نفعه، حتى إن بعض الجهلة رموه بالكفر من أجل هذا الكتاب. قلت وجميع ما فيه موجود في كتاب «الاعتصام» للشاطبي رحمه الله تعالى. والله الهادي إلى الصواب. أما محمد بن عبد الوهاب النَّجْدِي فإنه كان رجلًا بليدًا قليلَ العلمِ، فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر ولا ينبغي أن يقتحم في هذا الوادي إلا من يكون متيقِّظًا متقِنًا عارفًا بوجوه الكفر وأسبابِهِ.

стр. 178

١٤ - باب مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ الفقه والفهم والفكر والعلم والمعرفة والتصديق كلها ألفاظ متقاربة لا مترادفة، فالفقه: أن يفهم غرض المتكلم صحيحًا. والفكر: "انديشيدن". والفهم: "فهميدن". والعلم: "دانستن". والمعرفة: "شناختن". والتصديق: "باوركردن". فهذه فروق نبه عليها أهل اللغة لا يُهتدى إليها بعد صرف الأعمال. ٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِى، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ». أطرافه ٣١١٦، ٣٦٤١، ٧٣١٢، ٧٤٦٠ - تحفة ١١٤٠٩ - ٢٨/ ١ ٧١ - قوله: (إنما أنا قاسم والله يُعطي). واعلم أن النبي ﷺ في النَّظر المعنوي ليس بقاسمٍ كما أنه ليس بمعطٍ فإن الأمورَ كلَّها إلى الله سبحانه فمنه الإعطاء ومنه القسمة. وإن نظرت نظرًا صوريًا فهو معطٍ أيضًا كما أنه قاسمٌ، فكيف هذا التقسيم في القسمة والإعطاء بين الله ورسولِهِ فإنه يؤدِّي إلى اعتبار جهة الصورة والمعنى معًا. ثم تبيَّن لي أنه راعى جهة الصورة فقط في الجملتين كلتيهما؛ لأن الحديث واردٌ على طور أهل العرف وهم لا يعتبرون في الإعطاء الفاعلَ الحقيقيَّ، بل ينسبونَه إلى الناس فيقولون: زيد أعطى كذا. وموجبه أن يعزوَ إلى نفسه الإعطاء أيضًا كالقِسمة ويقول وأنا أُعطِي. إلا أنه نسبه إلى الله تعالى؛ لأنه عارضته جهة أخرى، وهي أن المُعطي يكون عاليًا مستقلًا عند أهل العرف، والقاسم آلة، والآخذ سافلًا، واليدُ العليا خير من اليد السفلى، فأبقى الاستقلال لصاحب القوة وهو الله سبحانه. ونسب إلى نفسه ما ناسب ضعفه، فإن الإنسان خُلِق ضعيفًا فراعى الأدب في القرينتين، لا أنه راعى مسألة توحيد الأفعال. ثم رأيت في كلام الحافظ ابن تيميّة ﵀: أن الأنبياء ﵈ لا يملكون شيئًا حال حياتهم كما أنَّهم لا مِلْك لهم بعد وفاتهم، واستُدِلَّ عليه بهذا الحديث، وقال: «إنه قاسم لا غير ولا مِلْكَ له أصلًا. فحينئذٍ بقي الحديث على ظاهره بدون تأويل. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] الخ، فإنه روعِيَتْ فيه جهة الصورة والمعنى معًا وله وجهٌ أيضًا. (ولن تزال ... إلخ) واختلف في تعيين مصادقِهِ وكلٌّ ادّعى بما بدا له. قلت: كيف مع أنه منصوصٌ في الحديث وهم المجاهدون في سبيل الله؟ ثم رأيت عن أحمد ﵀ أن تلك الطائفة إن لم تكن من أهل السنة والجماعة فلا أدري من هي؟ ولم أكن أفهم مراده لأنك قد علمت أنها المجاهدون بنص الحديث. ولا يمكن عنه الغفلة لمثل أحمد ﵀ فكيف قال إنها أهل السنة والجماعة؟ ثم بدا لي مراده: وهو أن المجاهدين ليسوا إلا من أهل السنة، فعلمت أنه عيَّنَهم من تلقاء جهادهم لا من جهة عقائِدِهم، ويشهد له

стр. 179

التاريخ فإنه لم يُوفَّق للجهاد أحد غيرُ تلك الطائفة. وأكثر تخريب السلطنة الإسلامية كان على أيدي الروافض خذلهم الله ولعنهم. ومعنى قوله: (ولن تزال): أي لا يخلو زمان إلا وتوجد فيه تلك الطائفة القائمة على الحق لا أنهم يكثرون في كل زمان ولا أنهم يغلبون على من سواهم كما سبق إلى بعض الأفهام، حتى أن غلبة الدين في زمن عيسى ﵊ عندي ليس كما اشتهر على الألسنة بل الموعود هو الغلبة حيث يظهر ﵊ وفيما حواليه. أما فيما وراء ذلك فلم يتعرض إليه الحديث، والعمومات كلها واردة في البلاد التي يظهر فيها ولا تتجاوز فيما وراءها، وإنما هو من بداهة الوهم والسبق إلى ما اشتهر بين الأنام. علي بن المَدِيني: قال البخاري: وما استحقرت نفسي بين يدي أحدٍ مثل ما استحقرتُ بين يديه. ١٥ - باب الْفَهْمِ فِى الْعِلْمِ ٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ لِى ابْنُ أَبِى نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَاّ حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَأُتِىَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ». فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِىَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «هِىَ النَّخْلَةُ». أطرافه ٦١، ٦٢، ١٣١، ٢٢٠٩، ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٥٤٤٨، ٦١٢٢، ٦١٤٤ - تحفة ٧٣٨٩ ٧٢ - (مجاهد) وعند الطحاوي بإسنادٍ صحيح أنه صحب ابن عمر ﵁ عشر سنين ولم يره يرفع يديه مع أن ابن عمر ﵁ هو الذي رفع لواء رفع اليدين فاحفظه فإنه مهم جدًا. ١٦ - باب الاِغْتِبَاطِ فِى الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَقَالَ عُمَرُ تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا. وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ في كبر سنهم. ٧٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِىُّ قَالَ سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِى حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا حَسَدَ إِلَاّ فِى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِى الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». أطرافه ١٤٠٩، ٧١٤١، ٧٣١٦ - تحفة ٩٥٣٧ وترجمته، "ريس كرنا". وهو غير الحسد لأن المعتبر في الحسد تَمَنِّي زوال النعمة عن الغير بخلاف الغِبْطة. ٧٣ - (قبل أن تُسَوَّدوا) ليس من المعارضة في شيء بل هي من باب التكميل أو الاحتراس، زاده البخاري من قبله.

стр. 180

فائدة واعلم أن الشيخ جلال السُّيوطي ﵀ صنّف كتابًا في المعاني والبيان وسماه «عقود الجمان» وهو وإن كان كتابًا حسنًا إلا أنه لم يستوعب المسائل. وهكذا «المُطَوَّل». وأقول بعد التجربة كالعيان: إن كثيرًا من المسائل من تلك الأبواب تُسْتَنْبَط من الكشاف، ما شممت رائحةً منها في أحدٍ من الكتب في هذا الفن، وأظن أنها تبلغ إلى نصف ما في كتب القوم فعلى المتبصِّر أن يتفحَّصَ كتابه طلبًا لتلك المسائل. (على غير ما حدثناه) يريد أنه بلغ سفيان من طريقين والذي ههنا هو من طريق إسماعيل بن أبي خالد. (الحكمة) ونُقِل في «البحر المحيط» في تفسيرها نحوٌ من أربعة وعشرين معنىً، وفسرها الدَّوَّاني في شرح العقائد الجلالي: "درست كارى وراست كردارى"، وهو مراد السيوطي ﵀ بإتقان العمل. وفي «فتح العزيز»: أنها حكمة أحكام الشرع. وطرد ابن كثير في تفسيرها على أنها السنة. وما تحقق لي هو: أن الحكمة أمر غير النبوة وغير أمور الوحي بل هي مما يتعلق بأمور الفهم، والتمييز من باب الكلمات التي تضرب بها الأمثال، فإنها لا تكاد تكذب وتكون مفيدة جدًا، كذلك الحكمة تُلقى في قلوبِ الخاشعينَ الزاهدينَ في الدنيا وتكون كلماتهم نافعة للناس، فهي من باب المقولات المفيدة يستفيد بها الناس في أعمالهم وفصل أَقْضِيَتِهِم. (يقضي). واعلم أن الفتوى غير القضاء فإن الفتوى يقتضي علم المسألة فقط والقضاء يقتضي علم الواقعة أيضًا، فهو يستدعي علمين بخلاف الفتوى فإنها تجري على الفروض المجردة ولا تعلق له بما في الواقع، والقضاء يجري على الوقائع فقط ولا تعلق له مع الفروض المقدرة فاعلمه، وسيجيءُ تفصيلُ الفرق بينهما أَزْيَدَ من هذا. ١٧ - باب مَا ذُكِرَ فِى ذَهَابِ مُوسَى ﷺ فِى الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. ٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِىُّ فِى صَاحِبِ مُوسَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ إِنِّى تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِى هَذَا فِى صَاحِبِ مُوسَى الَّذِى سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِىَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «بَيْنَمَا مُوسَى فِى مَلإٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ مُوسَى لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ

стр. 181

إِلَى مُوسَى بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِى الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ [الكهف: ٦٣ - ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا. فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِى قَصَّ اللَّهُ فِى كِتَابِهِ». أطرافه ٧٨، ١٢٢، ٢٢٦٧، ٢٧٢٨، ٣٢٧٨، ٣٤٠٠، ٣٤٠١، ٤٧٢٥، ٤٧٢٦، ٤٧٢٧، ٦٦٧٢، ٧٤٧٨ - تحفة ٣٩ - ٢٩/ ١ ٧٤ - (تمارى هو والحُرُّ) هذا الحرُّ تابعيٌّ، ووجه التَّماري: أن الحرَّ كان عالمًا بالتوراة، ولم تُذْكَر تلك القصة فيها. (في صاحب موسى) واعلم أنه يُعلم من هذا الطريق أن التماري في صاحب موسى من هو خضر أو رجل آخر؟ ويُعلم من طريق آخر أنه في تعيين الذاهب نفسه أنه موسى بن عمران أو موسى بن يوسف؟ أقول: وكلاهما صحيحان، والاختلاف باعتبار الرَّجلين فمع رجل في الذاهب ومع آخر في صاحبه، ولا وهم ولا اضطراب. (قال موسى: لا) وصدق موسى، لأنه كان نبي الوقت وهو يكون الأعلم في أمته قطعًا، إلا أنه أخذ عليه مؤاخذة لفظية حسب منزلته، حيث كان الأنسب له والأليق بشأنه أن يكل العلم إلى الله ، ويتحرَّز عن الافتيات على الله صورةً، والادعاء ظاهر وتلك المناقشات لا تزال تجري مع الأنبياء ﵈ دون سائر الناس. ثم صيغة التفضيل في السؤال والجواب على العرف لا على طور أهل المعقول على حد قولهم: فلان أعلم بغداد فلا ضيق فيه. (فجعل اللَّهُ له الحوتَ آيةً ... إلخ) وإنما أَبْهَمَ على موسى سبيله ولقيه تبكيتًا ومعاتبةً وإظهارًا لقصور علمه في كل موضع وكل مكان، ولذا ألقى عليه النسيان مرتين. (إذا فقدت) وقد كان أوصى به يوشع ﵊ ولم يكن نبيًا بعد. (﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ﴾) نسبة النسيان إلى الشيطان كنسبة التثاؤب إليه، فهذه من الأمور الطبيعية نسبت إليه لمناسبة بينهما وبين الشيطان. وقد ثبت النسيان خمس أو أربع مرات عن النبي ﷺ أيضًا. فدلَّ على أن النسيان لا يكون عن تسلط الشيطان دائمًا. ونسيان يوشع ﵇ أيضًا من هذا القبيل، وإنما نسب إليه لما بينا، على أنه لا دليل على أنه كان نبيًا إذ ذاك، نعم لو ثبت كونه نبيًا لأشكل النسيان من جهة الشيطان ولكن إذا قلنا إنه من الأمور الطبيعية لم يرد شيء. (فوجدا خَضِرًا) عند مسقط الفرات في خليج فارس في العراق كذا قيل. قلت: والصحيح عند «أيلة» ويقال لها الآن «العقبة» في الجانب الغربي في الشام، وصَحَّف بعضُهُم فكتب أبله وهو غلط. ولعل لقاءه خَضِرًا في مدة إقامته بسيناء بعد العبور عن البحر. أما البحث في أن خضرًا كان نبيًا أم لا فلا أحب أن أقتحم فيه، غير أنه كان حاملًا

стр. 182

لنحوٍ من العلم وهو العلوم التكوينية، وموسى ﵇ كان حاملًا لنحوٍ آخر وهو علوم الذات والصفات وعلم الشريعة وهو العلم الأعلى والمقصد الأسنى، بخلاف العلم الأول فإن كماليته في جانب الحق لا في جانب الخلق، وقد جُرِّب أن كشوف أهل التصوف من غير العلماء أكثرَها تكون في الأمور التكوينية. أما أهل العلم منهم فأكثرُها تتعلق بالأمور الإلهية، كالشاه ولي الله رحمه الله تعالى والشيخ الأكبر رحمه الله تعالى فإن كشوفهما تتعلق بحلِّ مسائل الصفات وغيرها، ونعمت الكشوف هي. وإنما أظهر أعلمية الخضر ﵇ مع كونه مفضولًا، لأن موسى ﵇ كان معاتَبًا ومناقَشًا به إذ ذاك، ولو انعكس الأمر لأظهر أعلميةَ موسى ﵇، ولما علم خضر من حاله لم يقُل إلا ما حكاه النبيّ ﷺ عنه من قوله أنت على علم ... إلخ. ولعلك علمتَ من هذه القصة ما قَدْرُ عِلْمِ العبد بجنب علم الله تعالى حيث أن موسى ﵇ مع كونه نبيًا لم يكن عنده علمٌ من الجزئيات الحقيرة بل لم يستطع أن يصبر على جزئي واحد من هذا العلم، وصدق خضر ﵇: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] فكأنه لم يخلق لهذا النحو من العلم. وهذا الذي علمته كان من أمر موسى وخضر ﵉. أما خاتم الأنبياء ﵈ فإنه تمنّى أن يكون موسى ﵇ صَبَر ليعلم من عجائب قصصهما أزْيَدَ من هذا فكأنه أيضًا لم يكن أوتي تلك العلوم فهذه عقيدة موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم في علم الله تعالى. ولقد صدق الله تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فالعبد عبد وإن عُرِجَ به فوق السموات العلى، والله تعالى سبحانه وراء الوراء وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. فائدة قد صنف الشيخ تقي الدين السبكي في الرد على الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى رسالة سماها ب «الاقتناص في الفرق بين القصر والاختصاص»، وقال فيها: إن التقديم لا يفيد القصر بل يفيد الاختصاص والفرق بين القصر والاختصاص أن الاختصاص اسم لإفادة الشيء بخصوصه بخلاف القصر فإنه اسم للإثبات والنفي جميعًا، وأحاله السبكي والزمخشري ولم أره في كلام الزمخشري. ١٨ - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ» يريد أنه غير مُضبِط بل مُختلِف باختلاف الأشخاص والأزمنة. وقصة العارف الجامي وذهاب أبيه إياه إلى درس العلامة الحيدرة في صباه مشهورة، وقد أحفظ أنا أيضًا كثيرًا مما وقع لي في صِغَري كالواقع اليومي. ٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ضَمَّنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ». أطرافه ١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠ - تحفة ٦٠٤٩

стр. 183

٧٥ - (اللهم علمه ... إلخ) وكان النبي ﷺ ذَهب لحاجته فلما رَجَعَ ورأى ماءًا موضوعًا للوضوء استحسن خدمَتَهُ وفَرِحَ على فَرطِ (١) ذكائه وفهمه، فدعا له فجعله الله تعالى تَرْجَمَان القرآن ببركةِ دعاءِ نبيه ﷺ ومن بركة دعائه أنه لما ذهب إلى اليمن، وألقى عليهم تفسير سورة البقرة، قال المسلمون هناك: إنه لو سمعه اليهود والنّصارى لآمنوا كلُّهم. ١٩ - باب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ ٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِى الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَىَّ. أطرافه ٤٩٣، ٨٦١، ١٨٥٧، ٤٤١٢ - تحفة ٥٨٣٤ ٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِى الزُّبَيْدِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ عَقَلْتُ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِى وَجْهِى وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ. أطرافه ١٨٩، ٨٣٩، ١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢ - تحفة ١١٢٣٥ ٧٦ - (إلى غير جدار) واعلم أنه اختلف البيهقي والبخاري في وضع الترجمة على هذا اللفظ، فترجم البيهقي بنفي السُّتْرَة، والبخاري فيما سيأتي بإثباتها، وهذا يُبْنَى على الغور في معنى الغير. قال الشيخ العيني: إن غير في اللغة العربية قد يكون للنّعت فيقَدَّر له المنعوت، أي إلى شيء غير جدار. وقد تستعمل في الاستثناء فتنسلخ عن معناه. وتفصيل الفرق أنه إذا كان للاستثناء فهو للإخراج عن حكم ما قبله فقط بدون تعرُّضٍ إلى بيان المغايرة بينه وبين ما قبله، فمعنى قولك جاءني القومُ غيرُ زيد على الاستثناء إخراج زيد عن حكم المجيء لا بيان المغايرة بين القوم وزيد ... فيمكن أن يكون زيد مغايرًا للقوم، وأن لا يكون، ومعنى قولهم: جاءني رجل غيرُك، بيان المغايرة أي أن الجائي لم يكن أنت بل كان مغايرًا منك فقط، فلفظ غير إذا كان للنّعت فهو لبيان مغايرةِ ما قبله مما بعده، وإن تبعه النفي لزومًا، فإن الجائي إذا كان رجلًا مغايرًا منك فلم يكن أنت قطعًا وإذا كان للاستثناء فهو للإخراج عن الحكم فقط، ولذا قالوا: إن «إلا» في قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلخ بمعنى غير، ومعنى الكلمة أنه لو

стр. 184

لم يكن الله سبحانه وإن كان غيره واحدًا كان أو ألفًا لفسدت السموات والأرض، فهو الذي أمسك السموات والأرض أن تزولا، فهو قيام السموات والأرض ولو لم يكن الله بفرض المحال لزالتا عن مكانهما، ولئن زالتا لم يكن أحد ليمسكهما من بعده. وغفل بعض الناس عنه فذهب يزعم أن معناها بطلان التعدد فقط، والتحقيق أنه لبيان فساد العالمين على تقدير وجود أحد غيره تعالى ولو كان واحدًا أو ألفًا. إذا علمت معنى غير فاسمع أن البخاري أخذه للنعت، فمعناه أنه صلّى إلى شيءٍ مغايرٍ للجدار فثبتت السُّترة ولكنّها لم تكن جِدارًا بل كانت شيئًا مغايرًا له. وأخذ البيهقي بمعنى النفي المحض فمعناه أنه كان يصلي ولم يكن بين يديه جدارٌ، ولفظ غير وإن كان يستعمل للنفي المحض أيضًا، سيما إذا تقدّمته لفظة «من» و «إلى» كما في «المطول» لكن ما اختاره البخاري أوْلَى وعليه تظهر فائدة التعرّض إلى نفي الجِدار وخاصة، لأنه إذا لم يكن هناك جدار ولا غيرُهُ فالتعرض إلى نفيه خاصة لغو. (وأرسلت الأتان ... إلخ) وفي بعض طرقه أنه مرَّ بين يديهم راكبًا ورأيت في بعض الشُّرُوح مسألة وهي: أن رجلًا لو مرَّ راجلًا وراءَ الإمام أثم وإن كان راكبًا فلا. قلت: ولا يتأتّى هذا على مذهبنا فإن المعتبر عندنا في المرور هو المحاذاة، فإذا حاذى أعضاء المارّ أعضاءَ المصلِّي أو عضوًا منه اإثِمَ بدون تفصيلٍ بين الرُّكوب وعدمه. وأجاب بعضهم على ما اختاره البخاري من ثبوت السُّترة، أن مروره كان من وراء السُّترة. قلت: نعم هذا الكلام يأتي على مسائلنا أيضًا بشرط أن يكون مروره خارج السترة، وفي كتب المالكية أن سترة الإمام ما كان بين يديه من خَشَبٍ أو رُمْحٍ أو غيرِهِما، ثم الإمام بنفسه سُترة للقوم، ويلزم منه أنه لو مرَّ أحدٌ داخلَ السترة قُدَّام الإمام فلا شيء عليه؛ لأن الإمام نفسَه سُتْرةٌ للقوم، فكأنه لم يمرّ بين أيديهم. قلت: وهذا صادق في حق القوم أما في حق الإمام فلا يَصْدُق على مذهب المالِكيّة أيضًا، فإنه قد مرّ بين الإمام وسُتْرَتِهِ وإن لم يمرّ بين القوم وسترتهم. وإنما لا يكون مُرُورُهُ بين يدي الإمام إذا فُرِضَ مُرورُهُ وراءَ السترةِ مع أنه قد فُرِضَ مرورُهُ أمام الإمام، فيكون مارًّا بين يدي الإمام وإن لم يكن مَارًّا أمام القوم، فإن الإمام سترةٌ لهم على مذهب المالكية بخلافه على مذهبنا فإنّه يأثم مطلقًا؛ فإن سترة الإمام هي سترة للقوم وليس الإمامُ نفسُهُ سترةً للقومِ، فيكون المرورُ داخلَ السترةِ أمامَ الإمام كالمرورِ بين أيديهم بدونِ السُّترةِ، فإن حُكْمُهَا فيما وراءَها فقط. قوله: (مجة مجها) هذه مُطَايَبَةٌ منه ﷺ ٢٠ - باب الْخُرُوجِ فِى طَلَبِ الْعِلْمِ وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِى حَدِيثٍ وَاحِدٍ. ٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِىٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ قَالَ الأَوْزَاعِىُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 185

أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِىُّ فِى صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ إِنِّى تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِى هَذَا فِى صَاحِبِ مُوسَى الَّذِى سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ فَقَالَ أُبَىٌّ نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ «بَيْنَمَا مُوسَى فِى مَلإٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ مُوسَى لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى ﷺ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِى الْبَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِى كِتَابِهِ». أطرافه ٧٤، ١٢٢، ٢٢٦٧، ٢٧٢٨، ٣٢٧٨، ٣٤٠٠، ٣٤٠١، ٤٧٢٥، ٤٧٢٦، ٤٧٢٧، ٦٦٧٢، ٧٤٧٨ - تحفة ٣٩ - ٣٠/ ١ (ورحل ... إلخ) وقصته أنه رحل من المدينة إلى الشام حتى إذا بَلَغ الشام سأل الناس عن بيته فوصل إليه وناداه على بعيره، وكان عبد الله بن أنيس في عِلْيَتِهِ فأخرج رأسه من عِلْيَةٍ ورأى جابرًا رضي الله تعالى عنه، فقال جابر ﵁: سمعت أن عندك حديثًا عن النبي ﷺ فحدثني به؟ فحدثه، فأخذه جابر رضي الله تعالى عنه وصرف عنان بعيره إلى المدينة ولم ينزل عن بعيره، فَأَصرَّ عليه عبد الله بن أنيس أن يَنْزِلَ من بعيره ويُقِيْمُ عنده فأبى، ورجع القَهْقَرَى. والحديث الذي رحل جابر لأجله مذكور في حاشية الصحيح وفيه: فيناديهم بصوت .... إلخ. ٢١ - باب فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ ٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «مَثَلُ مَا بَعَثَنِى اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِىَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِى دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِى اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ. قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ، وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِى مِنَ الأَرْضِ. تحفة ٩٠٤٤ وعَلَّمَ من المجرد معناه "جانا". والقياس أن يكون معنى عَلَّم من التفعيل جنوايا إلا أن ترجمته سكهلايا؛ لأنه لا سبب للعلم إلا التعليم، وأتردد في أن هذا النوع من التعدية ثابت في لغة العرب أم لا؟ وقد أقرَّ به المالكية في قوله ﷺ إذا أَمَّنَ الإمام وقالوا معناه: إذا يحمِلُكُم الإمام على التأمين.

стр. 186

الغيث "فريادرس"، ويقال للماء الذي تَخْضَرّ به الأرض وينبت به الكلأ والعشب. والعشب عام للرَّطْبِ والكلأ، ثم إن كتابة الهمزة بعد الألف غلط بل ينبغي أن تكتب فوق الألف هكذا «الكلأ» ولم تكن الهمزة في لغة العرب حتى أحدثها الخليل. («أمسكت الماء ... إلخ») يعني فيها قابلية الإمساك دون الإنبات، وأَمْرُ التَّطبيق بين المُشَبَّه والمُشَبَّه به سهلٌ، فليراجعه من الشروح والحواشي. ٢٢ - باب رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَقَالَ رَبِيعَةُ لَا يَنْبَغِى لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَىْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ. ٨٠ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا». أطرافه ٨١، ٥٢٣١، ٥٥٧٧، ٦٨٠٨ - تحفة ١٦٩٦ ربيعة وهو ربيعة الرائي شيخ مالك رحمه الله تعالى، وأكثر فقه مالك رحمه الله تعالى منه. وحُكِي أن ربيعة تعلّم الفقه على أبي حنيفة رحمه الله تعالى. والرأي عند السلف بمعنى الفقه، وشاع في المتأخرِّين بمعنى القياس حتى أن بعض الشافعية يُلَقِّبون الحنفية بأهل الرأي هجوًا لهم ولا يدرون أنه في الحقيقة مدحٌ لهم؛ لأن محمد بن الحسن هو أول من فَصَلَ الفقه من الحديث ودونه ولذا نسب إلينا الفِقْه ولُقِّبْنَا بأهلِ الفِقْه وأهل الرأي. فأهل الرأي بمعنى مؤسس الفقه ومدونه لا بمعنى القائِس والقائِفِ ليكون هجوًا كما راموه ثم إن كلًا منهم أفرزوا فِقْهَهُمْ من الحديث ودَوَّنوه على حِدَة، إلا أنه بقي العارُ علينا كقولهم: البادي أظلم، وإلا فمن في المذاهب من ليس فقهه مفرزًا من الحديث؟ فأي اعتراض علينا؟ ثم في الكُتُب أن مُدَوِّن علمِ أصولِ الفقه هو الشافعيّ رحمه الله تعالى. قلت: وعندي ثبت من التاريخ أنه أبو يُوسُف رحمه الله تعالى، وكان يُنَبِّه المحدثين في إملائه على بعض قواعد أصول الفقه. وفي «الجامع الكبير» أيضًا حِصَّةٌ منه: إلا أن رسالة الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى، لما كانت مُدَوَّنَةً مطبوعةً وأذاعها الشافعية، اشتُهِرَ أنّه مُدَوِّنُ أصولِ الفقه. والحنفية لما لم يرفعوا إليه رأسهم خَمَلَ ذكرُ أبي يُوسُف رحمه الله تعالى في هذا الباب. ثم عند البخاري أن رفع العلم إنما يكون برفع العلماء ولا يُنْتَزَعُ انتِزَاعًا، وعند ابن مَاجَه (١) بإسناد صحيح عن زياد بن حبيب «أنه يُنْزَعُ من الصُّدُور في ليلة» والتوفيق بينهما أن أوّل أمرِ الرَّفْعِ يكونُ كما في البخاري وهو برفعِ العلماءِ، ثم إبَّان الساعةِ يكونُ كما عند ابن ماجه أي يُنْتَزَع عن الصدور نزعًا، فلا تعارض لاختلاف الزمانين.

стр. 187

(أن يُضَيِّعَ نفسه) قالوا: معناه أن يَقْعُد في زاوية بَيْتِهِ ولا يُفشي العِلْمَ؛ فإنْ قُعُود العالم بلا فائدة هو ضياعُهُ، ويمكن أن يكونَ مرادَهُ أن يَذِلَّ نفسه. أي فلا يذهب مذهبًا يوجِبُ ذُلَّ العلم. ٨٠ - قوله: (يُشْرَب الخمر) في القدوري: الخمر هي عصيرُ العنب إذا غلا واشتَدّ وَقَذَفَ بالزَّبَدِ. ولم يدرك عامةُ الناس معنى الاشتداد والصواب أن معناه ما نقول في محاوراتنا «يه أجا اته- كيا» أي صلح للاستعمال فبلوغها إلى ذلك الحد هو الاشتِدَار وهذا هو المُرادُ مما فسّروا به. ٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ». أطرافه ٨٠، ٥٢٣١، ٥٥٧٧، ٦٨٠٨ - تحفة ١٢٤٠ - ٣١/ ١ ٨١ - («أن يقل العلم») وفي نُسْخَة على حاشية النَّسائي: يَكْثُر العلم. وهو أيضًا صحيح، فإنه يكون كثيرًا كمًا وقليلًا كيفًا كما نشاهد في زماننا فإن العلماء مع كثرتهم قليلون فهي كثرةُ قِلَّةٍ، قال المُتَنَبِّي: *لا تكثر الأموات كثرة قلة ... إلا إذا شقيت بك الأحياء (تَكْثُرُ النساء) وهذا أيضًا قد تحقق في زماننا حيث يزيد عددهُنَّ على الرجال. (حتَّى يكون لخمسين) وأشكل على الحافظ هذا العدد. قلت: وفي متن الحديث من طريق آخر قيد ذهل عنه الحافظ ويرتفع به الإشكال رأسًا وهو «القيِّمُ الواحدُ الأمين» فالواحد الأمين اليوم أيضًا أعزّ وأنْدَر. ٢٣ - باب فَضْلِ الْعِلْمِ والفضل في أول الكتاب كان بمعنى الفضيلة. وههنا بمعنى ما بقي كما تقول فضل الوضوء. وإنما تَرْجَمَ به لمعنى الاستغراب فيه، فإن العلمَ يُعْطَى ثم لا يَنْقُص منه، كما أن النبي ﷺ أعطى فضل لَبَنِهِ ولم يَنْقُصْ من علمه شيء، بخلاف الأشياء إذا يُعْطَى منها فإنها تنقص ولا كذلك العلم. ٨٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّى لأَرَى الرِّىَّ يَخْرُجُ فِى أَظْفَارِى، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ». قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْعِلْمَ». أطرافه ٣٦٨١، ٧٠٠٦، ٧٠٠٧، ٧٠٢٧، ٧٠٣٢ - تحفة ٦٧٠٠ ٨٢ - (ليث بن سعد) وهو إمام مصر. قال الشافعي رحمه الله تعالى وهو عندنا ليس بَأَدْوَنَ

стр. 188

من مالك رحمه الله تعالى إلا أن أصحابه أَضَاعُوه. وقال ابنُ خَلِّكان في تاريخه: إني رأيت في بعض الكُتُب أنه حنفيٌّ. عند الطحاوي في «باب القراءة خلف الإمام» إسناد فيه ذلك الليث وهذه صورته: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال أخبرني الليث عن يَعْقُوب - وهو أبو يوسف - عن النُّعمان - أي أبي حنيفة - عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» فهذا الإسناد أيضًا قرينة على كونه حنفيًا لكونه تلميذَ أبي يوسف. قال الليْثُ: إني كنت أَسْمَع اسم أبي حنيفة رحمه الله تعالى وكنت مولعًا بِلُقِيِّهِ فوجدتُهُ بمكة قد أكب عليه الناس يستفتونه فبينما هم كذلك إذا أتاه آتٍ واستفتاه في حاجته فعَجِبْتُ على جوابه بداهَةً. قوله: (لأرى الرِّيَّ) وهذا من باب المحاورات فلا يقال إنه كيف رأى الرِّيُّ مع كونه غير مرئي؟ حكاية: ذكر الشيخ الأكبر حكاية عن بَقي بن مَخْلَد في «الفصوص» أنه رأى في المنام أن النبي ﷺ سقاه لبنًا فاستقاء بعدما استيقظ تصديقًا لرؤياه، فخرج اللبن في قَيْئِهِ. قال الشيخ الأكبر: كان هو العلم فلو كان تَرَكَه لكان أَحْسَن، ولكنه لما استقاء تحوَّل العلم إلى صورة اللبن: قلت: ولا بأس فإنه لو قُدِّرَ له من العلم النَبَوِيّ حِصّة يفوز بها ولا يَخِيْبُ منها بالاستقاء كما أن النبي ﷺ أعطى الفضل ولم ينقص من علمه شيء. (من هو بقي) كذلك بقي وإن استقاء اللبن لكنه لا ينقص من علمه الذي قُدِّرَ له وبَقِي محدِّثٌ جليلُ القَدْرِ من تلامذة أحمد رحمه الله تعالى، وصَنَّف في الحديث كتابًا جمع فيه ثلاثينَ ألف حديث (٣٠.٠٠٠) كذا ذكره الذهبي. وبَقِي من معاصري البخاري وقد أخذ عن أحمد كثيرًا ولعله تَعَلَّم منه حين كان أحمد رحمه الله تعالى يجلس للدرس. ثم لما أَتَتْ عليه الحوادثُ في خَلْقِ القرآن تَرَكَهُ، وكان البخاري بَلَغَهُ مرة وهو صغير السن ثم رحل إليه بعد أن كان أحمد ترك الدرسَ، ولذا لم يخرِّج عنه البخاري إلا ثلاثة أو أربعة أحاديث منها. وكتاب بَقِي هذا لم يَفُزْ به الذهبي. والذهبي ممن قيل في حقه أنه لو أقيم على أكْمَةَ والرّواة بين يديه يعرف كلًا منهم بأسمائِهم وأسماءِ آبائهم. ويتلو كتابَ بَقِي «مسند أحمد» فإنه جمع أربعين ألف حديثٍ، ثم «كنز العمال» فإن فيه أيضًا ذخيرة عظيمة للأحاديث. ٢٤ - باب الْفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا ٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. فَقَالَ «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ». فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ. قَالَ «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». فَمَا سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ شَىْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَاّ قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ. أطرافه ١٢٤، ١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨، ٦٦٦٥ تحفة ٨٩٠٦

стр. 189

ناظِرْ إلى حديث النهي عن جعل ظهر الدابة منبرًا فإما أن يمشي راكبًا أو ينزلَ ثم يتكلم بحاجته فيقول البخاري: إن الفُتْياشيءٌ يسيرٌ وليس تحت النهي. وقوله: (وغيرها) وقد استفدتُ من عادةِ البخاري أن الحديث إذا اشتمل على جزء مخصوص ويكون الحكم عامًا عنده فيصنع البخاري هناك هكذا، ويضع لفظَ «أو غيرها» دفعًا لإيهام التخصيص وإفادة للتَّعميم ثم لا يخرِّج له دليلًا فيما بعد. فالمصنف رحمه الله تعالى ههنا أخرج من الحديث مسألة الدابة فقط، وإنما أضاف أو غيرها إفادة لتعميم الحكم فهذا فقه وبيان مسألة احتراسًا. فطلب الدليل على هذا الجزء في كلامه بعيدٌ عندي. ثم كونه ﷺ على الدابة مذكورٌ في هذا الحديث بعينه إلا أنه في غير طريقه. وهذا أيضًا من دَأْبِهِ حيثُ يضعُ التَّرْجَمَةَ ويكونُ اللفظُ المُتَرْجَمُ عليه في طريق آخَر، ويُخَرِّجُهُ في موضعٍ آخر ويتركه ههنا عمدًا تعميةً وإلغازًا، وربما لا يكون ذلك اللفظُ في كتابه بل يكونُ في الخارج ومع ذلك يُتَرْجِمُ على الحديث ناظرًا إلى هذا اللفظ. ٨٣ - قوله: (اذبح) والأمر ههنا للإبقاء يعني ذبح هو نى ذى، واعلم أن في يوم النحر أربعة أفعال الرَّمي والذَّبح والحلق والطَّواف. ثم لا ترتيب في الطواف؛ فإنه عبادة في الأحوال كلِّها وليس بجناية. والنحر ليس بواجب على المفرد، نعم يجب الترتيب بين الرمي والحلق مطلقًا، وبين الذبح والحلق على القارن والمتمتع فقط. ولم يُعلم بعد أن هذا الرجل كان قارنًا أو مفردًا، فإن كان مفردًا فأبو حنيفة رحمه الله تعالى أيضًا يقول كما في الحديث يعني أنه لا شيء عليه؛ لأن ذلك الذَّبح الذي قُدِّمَ عليه الحَلْق ذَبْحٌ غير واجبٍ ولكن كان أفضل له أن يُقَدِّمَ الذَّبْحَ قبل الحَلْقِ ولكنه إذا قَدَّمَ الحَلْقَ أَجْزَأَهُ ولا شيء عليه، إلا أن في بعض ألفاظِهِ ما سُئِل عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال افعل ولا حرج. والصور كلُّها سبعةٌ مذكورةٌ في الفقه، وفي بعض الصور يتعين الدم عندنا. وأجاب عنه الطحاوي بأن قَوْلَه «لا حَرَجَ» هو على الإثم أي لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا لأنكم فعلتموه على الجهل منكم لا على التعمد فلا جناح عليكم في ذلك. واستَشْهَدَ بروايةٍ فيها: «فجاءه رجل فقال يا رسول الله: لم أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قبل أن أذبح» فدلَّ على أنهم كانوا جاهلين لا متعمدين. وبروايةٍ أخرى فيها: «وتعلموا مناسككم فإنها من دينكم». وبرواية أخرى فيها: «قد رَفَع الله الحرج عن عباده إلا من اقْترضَ من أخيه شيئًا ظُلمًا، فذلك الذي حَرِجَ وهَلَك». ورواية أخرى نحوُها وهي عند أبي داود أيضًا فدَّلَّ على أنّه أراد نَفْيَ الإثم دونَ الجزاء. وهذا من خصائص الحج فإن الشارع يأمر فيه بشيء ثم يوجب معه الجزاء أيضًا، وإلا فقد يَتَخَايَلُ أن بَيْنَ امتِثَال الأمرِ وبين إيجابِ الجزاءِ تَنَاقُضٌ فاعلمه. والذي تحقق عندي أن يُلْتَزَمَ أن الجزاءَ أيضًا سَقَطَ عنه كما سَقَطَ الإِثْمُ لعذر الجهل؛ فإنه إذا لم يُشْعِرْ ينبغي أن لا يكونَ عليه حرجٌ أصلًا كما قال أحمد رحمه الله تعالى: إن أحدًا لو خالف الترتيبَ بين هذه الأفعال جاهلًا لا يجبُ عليه الجزاء، والجهل في فقهنا لا يكاد أن يكون عذرًا بخلاف الآخرين فإنهم اعتبروه كثيرًا واعتبره البخاري أكثر كثيرًا.

стр. 190

قلت: وما تحكم به شريعة الإنصاف أن الأمر بين تَضْيِيْقِ الحنفية وتوسيعِ البخاري فينبغي أن يُعْتَبَر بالجهلِ أكثر مما اعْتَبَرَ به الحنفية رحمهم الله تعالى، وأن لا يُوَسَّع فيه كما وَسَّعَ البخاري رحمه الله تعالى. ثم إن الحنفية عدُّوه عذرًا عند ذكر عوارض الأهلية في أصول الفقه، وأَخْمَلُوا ذكرَه في كتب الفقه، والأحاديث مشحونة بكونه عذرًا. فكان المناسب أن يستعملوه في فقههم ويَعْتَبِرونه عُذْرًا في مسائلهم أيضًا، لا سيما في عهده ﷺ فإنه كان زمان انعقاد الشريعة، والقومُ أُمِيُّون إذ ذاك وكم من أشياء تُتَحَمَّل في الابتداء ولا تُتَحَمَّل فيما بعد، وليس هذا تغييرُ مسألةٍ مِنِّي بل هو تغييرُ تَعْبِيرٍ وعنوانٍ، فإنه لو عَمَّمْتَ اعتبارَ الجهل في ظَرْفٍ فقد قَصَرْتَه على عهده ﷺ من طرفٍ آخر، فصارَ مآلُهُ أنه غير مُعْتَبَر بعدَه ﷺ إلا بقدرِ ما اعتبره فقهاؤُنا. وهذه الواقعة واقعة عهده ﷺ فلو اعتبرناه عذرًا ونفينا عنه الجزاء والإثم لا يكون خلافًا للمذهب فإن مسألة إيجاب الجزاء على من خالف الترتيب لمن كان بعد عهدِهِ ﷺ ولا تجري على الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإنما كان الصحابة في عهد النبوة فالمسائل المبسوطةُ في فقهنا لمن أراد اقتداء الإمام الهُمَام لا للصحابة الكرام. نعم فيه نفع وهو أنه لا نحتاج في الحديث إلى تأويل، ونخرج عنه كَفَافًا. ونِعْمَ ما قال الغزالي رحمه الله تعالى: أن الخبر الواحد كان نَاسِخًا للقاطعِ في زمنه ﷺ لأنه كان عندهم ذريعة التحقيق، ولذا تَحوَّلوا إلى بيت الله يخبر الواحد فإنّه كان عندهم خبره من قبل وكان الزمان زمان الرسالة، فأمكن تحقيقه أيضًا. أما فيما بعده فلا سبيل إلى تحقيق الخبر وتَثْبِيْتِهِ فيبقى ظَنِّيًا فلا يكون ناسخًا، فكما فَصَّل الغزالي رحمه الله تعالى في نسخ القاطع بِخَبَرِ الواحدِ وفَرَّقَ بين عهده ﷺ وبعدَ عَهدِهِ، كذلك فَصَّلْتُ في عبرةِ الجهلِ. وهذا تَصَرُّفٌ عقليٌّ اعتبرناه لنستريح عن الجواب والله أعلم بالصواب. ٢٥ - باب مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بِإِشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأْسِ ٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ فِى حَجَّتِهِ فَقَالَ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ وَلَا حَرَجَ. قَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ وَلَا حَرَجَ. أطرافه ١٧٢١، ١٧٢٢، ١٧٢٣، ١٧٣٤، ١٧٣٥، ٦٦٦٦ - تحفة ٥٩٩٩ ٨٥ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ عَنْ سَالِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ. أطرافه ١٠٣٦، ١٤١٢، ٣٦٠٨، ٣٦٠٩، ٤٦٣٥، ٤٦٣٦، ٦٠٣٧، ٦٥٠٦، ٦٩٣٥، ٧٠٦١، ٧١١٥، ٧١٢١ - تحفة ١٢٩١٢ يعني به أن الإشارة هل هي معتبرةٌ أم لا؟ فالمصنِّف رحمه الله تعالى جعل الإشارة والكلام في باب الطلاق سواء، وعَرَضَ إلينا بعدم اعتبارِها.

стр. 191

قلت: إنما ننكر الإشارة في المعاملات والحُكْم دون الأمور الأُخَر، ولم يأت المصنِّف رحمه الله تعالى بشيء يدلُّ على عِبْرَتِهَا في الحُكْم، وما ذكره ليس من باب الحُكْم بل من باب الفتوى فلو اعتمد أحدٌ على أحدٍ فذا جائز له، وإن أراد أن يُلْزِمَ عليه حجةً فكلا. والبخاري يجعلها حجةً في أبوابٍ شتّى كما سيجيء، وما استُدِلَّ به كلِّه في الأمور البَيْنِية دون الحُكْم فلا تقومُ حجةٌ علينا. وفي: «الأشباه والنظائر» أنه لو قال رجلٌ لجماعةٍ: من كان منكم طلْقَ امرأتَهُ فَلْيَنْكُسُ رأسه فَنَكَسُوا رؤوسهم، لا تَطْلُقُ امرأةُ واحدٍ منهم؛ وهذا لأن الإشارة لم تعد حجة عندنا. ٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِىَ تُصَلِّى فَقُلْتُ مَا شَأْنُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ. قُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا، أَىْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَاّنِى الْغَشْىُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِى الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ النَّبِىُّ ﷺ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ «مَا مِنْ شَىْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَاّ رَأَيْتُهُ فِى مَقَامِى حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَأُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِى قُبُورِكُمْ، مِثْلَ - أَوْ قَرِيبًا لَا أَدْرِى أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ - أَوِ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِى بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ. ثَلَاثًا، فَيُقَالُ نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - أَوِ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِى أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ لَا أَدْرِى، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ». أطرافه ١٨٤، ٩٢٢، ١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١، ١٢٣٥، ١٣٧٣، ٢٥١٩، ٢٥٢٠، ٧٢٨٧ - تحفة ١٥٧٥٠ - ٣٢/ ١ ٨٦ - قوله: (أسماء) الأخت الكبيرة لعائشة رضي الله تعالى عنها. قوله: (الكسوف) في السنة التاسعة بعد الهجرة يوم تُوفي إبراهيم ﵇. قوله: (وهي تصلي) قال الحافظ رضي الله تعالى عنه: أنها اقْتَدَتْ من حُجْرَتها. قلت: وهذا الاقتداء صحيح عندنا أيضًا فإنه يكفي لِصِحَّةِ الاقتداء علم انتقالات الإمام، ولكن لا أدري مِنْ أين أخذه الحافظ رحمه الله تعالى. غير أني رأيتُ في «المُدَوَّنَةِ» أن أمهاتِ المؤمنين كُنَّ يقتدينَ يومَ الجمعة مِنْ حُجْرِهِنَّ. قوله: (فقالت: سبحان الله) والذِّكر عندنا ليس بمفسِدٍ بحال، وظاهرُ عباراتِهم تُشْعِر بأن الذِّكْرَ بأي لسان كان، فإنه لا يُفْسِد الصلاة. وينبغي عندي أن يَقْتَصِر عدمُ الفسادِ على العربية والفارسية فقط. نعم يكره في بعض الأحوال. قوله: (فجعلتُ أَصُبُّ ... إلخ) فعُلِم أن الصلاةَ لا تُفْسِدُ من مثلِ هذا العمل القليل. واعلم أن الغَشْيَ في القلب، والجنون والإغماء في الرأس. قوله: (إلا أريته) وفي واقعةٍ أُخرى أنه رأى الجنة والنار ممثَّلَتَين في الجدار، والرؤية في

стр. 192

كلا الموضعين من رؤية عالَمِ المِثَال. وفيه الكمية دون المادية كَشَبَحِ المرآة، فالعوالم متعدِّدة وهو رب العَالَمِيْن، كما أن الوجود متعدد عند الفلاسفة خارجي وذهني. وأنكر المتكلمون الثاني، نعم عندهم نحوٌ آخر من الوجودِ يسمّى بالتقديري وعند الدَّوَّاني نحوٌ آخر يسمى الدهري. فكذا عالم المثال أيضًا نحوٌ من الوجود. ثم إن عالمَ المثال ليس اسمًا للحيِّز، بل هو اسم لنوعٍ من الموجودات، فأمكن أن يكونَ في هذا الحيِّز أشياء من عالم المثال. ثم اعلم أن ما يَرَوُنَه الأولياء من الأشياء قبل وجودها في العالم لها أيضًا نحو من الوجود، كما أن أبا يزيد البِسَطامي رحمه الله تعالى لما مرَّ من جانب مدرسةٍ وهَبَّتْ ريحٌ قال: إني أجد منها ريحَ عبدٍ من عباد الله، فنشأ منه الشيخ أبو الحسن الخرقاني. وكما قال النبي ﷺ «إني أجد نفس الرحمن من اليمن» فنشأ منه الأويس القرني. فهذا أيضًا نحوٌ من الوجود وذكر الشيخ الأكبر أن الشيء إذا نزل من العرش فلا يمرّ بموضعٍ إلا ويأخذ حُكْمه وما من شيءٍ، يَنْزِل على الأرض إلا ويكونُ على السماء الدنيا قبل نزوله بسنة. قلت: وهذا من أمور الغيب لا يعلمها إلا الله، ولكني أُسَلِّم أن الأشياء تنزل من السماء لما في الحديث أن البلأَ ينزل من المساء ويَعْرِجُ الدعاء من الأرض فلا يَزالُ يدافِعُ أحدُهُما الآخرَ إلى يوم القيامة فلا يَنْزِلُ هذا ولا يَعْرِج هَذا بل يبقى معلقًا أبد الدهر. قوله: (المسيح) أصله عِبْري من «الماشيح» أي المبارك وليس عربيًا، فاشتقاق أمثالِ تلك من العربية لا يَصِحّ. قيل: إن لقب الدجال المَسِّيْح بتشديد السين. قلت: بل لقبهما هو المسيح، ووجه الاشتراك في اللقَّب أن كلاهما قد أخبرا عن مَجِيْئِهِمَا في الكتب السّالِفة، فلما جاء المسيح المبارك جعله اليهود مسيحَ الضَّلالة والدجَّال وصاروا له أعداءً والعياذ بالله. ولما يَخْرُج الدجَّال يجعلونَه المسيحَ المباركَ. ولذا يكون أكثر اتباعه اليهود فجاء الاشتراك لهذا، ولذا ترى في الأحاديث المسيحَ مقيدًا بالدجّال تارةً والضلالةِ تارةً وبلفظِ الهُدى أخرى؛ ليحصلَ التمييزُ بينهما. وراجع الفوائد للشاه عبد القادر رحمه الله تعالى فإنه أشار إليه. قوله: (بهذا الرجل) إشارة إلى الحاضر في الذهن، كما في تنوير الحوالك شرح الموطأ لمالك رحمه الله تعالى للسيوطي رحمه الله تعالى. قوله: (نم صالحا) يُستفاد منه أن القبورَ معطَّلةٌ عن الأعمال مع أن كثيرًا من الأعمال قد ثبتت في القبور كالأذان والإقامة عند الدارمي، وقراءة القرآن عند الترمذي، والحج عند البخاري، وراجع له «شرح الصدور» للسيوطي رحمه الله تعالى. وهكذا في القرآن إيهام الجانبين ففي سورة يس: ﴿مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] وهذا يدل على أنه لا إحساس في القبر وكلُّهم نائِمون. وفي آيةٍ أخرى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] فهذه تدل بخلافه، والوجه فيه عندي: أن حالَ البرزخ تختلف على حسب اختلاف عمل العاملين في حياتهم، فمنهم نائمون في قبورهم، ومنهم متلذِّذون فيه، وإنما عُبِّرتْ الحياةُ البرزَخِيَّة بالنوم لأنه لم يكن له لفظ في لغة العرب يؤدي مؤدَّاه، ويصرِّح عن معناه وضعًا، فاختير اللفظُ الموضوعُ لنظيره تفهيمًا، فلا شيء أشبه بالحياة البَرْزَخِيَّة من النوم. ولذا جاء في

стр. 193

الحديث «النوم أخ الموت» فالنوم أشبه الأشياء بالموت، ولذا أَدْخَلَ القرآنُ النومَ والموتَ تحت لفظٍ واحدٍ وهو التَّوَفِي، ثم فرق بينهما فدل على أن فيهما بعضُ اشتراك وبعض امتياز قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ [الزمر: ٤٢] إلخ (١)، والحاصل أن البَرْزَخَ اسم لانقطاع حياة هذا العالمَ وابتداءِ حياةٍ أخرى وكذلك النوم فيه أيضًا نوعُ انقطاعٍ عن هذا العالم. قوله: (أما المنافق أو المرتاب) هكذا في أكثر الروايات، وفي البعض «أو الكافر» ونُسْخَةٌ فيه «والكافر» بدون الترديد. ومن ههنا قام البحث في أن السؤال مخصوص بالمنافق أو يُسأل الكافر المجاهر أيضًا؟ ومقتضى تلك النُّسخة أن يكونَ السؤال عن المنافق والكافر كليهما. وتَعرَّضَ إليه السيوطيّ في «شرح الصدور» (٢) فقيل: إن السؤال يختص بمن تَزَيّا بِزَيِّهِ ويَدَّعي الإسلام ويلتبس به. أما الكافرُ

стр. 194

المجاهر فلا التِبَاس فلا سؤال فإنه للتمييز. وقيل: إن الكافرَ أَوْلى بالسؤال. والتَّرْدِيد في

стр. 195

الرِّوايات من الراوي، وكلامُ الحافظ ابن القيِّم رحمه الله تعالى في «كتاب الروح» يُشْعِرُ بأن السؤال مخصوصٌ بالمُنَافِقِ فقط. أما النُّسخة عند البخاري بحرفِ الجَمْعِ فلا ينبغي أن يُدَار عليها المسألة؛ لأن في أكثرها التَّرديد، والكلامُ مستوفٍ في كتبِ الكلام. والمختارُ عندي أن السؤال يكونُ من الكافر أيضًا. ثم السُّؤالُ عندي يكونُ بالجَسَدِ مع الرُّوْحِ كما أشار إليه صاحب «الهداية» في الإيمان. وقال الصوفية: إنه بالجسد المثالي دون التُّرابي. قال العارف الجامي رحمه الله تعالى: إن الغالبَ في هذا العالم أحكامُ الأجسادِ، وأحكامُ الرُّوحِ مستورةٌ لظهورِ الجسد وخفاءِ الروحِ، وينعكس الحالُ في البرزخ وتظهر أحكام الروح. أما المحشر فيتساوى فيه الحُكْمَان والله تعالى أعلمَ. ولا بُعْد في تعذيب الجسد بعد تَمَزُّقِهِ فإنه يُبْنَى على عدم الشُّعُور في الجمادات وهو في حيِّز الخفاء، وقد تناقض فيه كلام الصدرِ الشيرازي فيلوحُ من بعضِ كلامه نفيُ العلمِ عنها، ومن البعض ثبوتُ العلمِ لها. والتحقيق عندي: أن الشعور البسيط ثابت لها قطعًا كما حَقَّقَهُ المحقِّقُون وتفصيله أن الشيرازي قال مرة: إن العلم كما لا يكون إلا بعد التجريد من جانب المعلوم كذلك لا يَتَحَقَّق إلا بعد التجريد من جانب العَالَم أيضًا، ولذا أنكر أن يكونَ القلبُ عالمًا ومدركًا. وقال في موضع آخر: إن العلم عين الوجود وهذا مناقضٌ للأول كما ترى، وإذ قد ثَبَتَ الشُّعُورُ البسيطُ في الجمادات عندي فلا بِدَعَ في تعذيبِ ذراتِ الجسمِ في محالِّها وتعيينِ الوضعِ ليس بلازمٍ فتُعَذَّبُ كلُّ ذرةٍ في مكانِهَا، والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٦ - باب تَحْرِيضِ النَّبِىِّ ﷺ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالْعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ قَالَ لَنَا النَّبِىُّ ﷺ «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَعَلِّمُوهُمْ». ٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ قَالَ كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوُا النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ «مَنِ الْوَفْدُ - أَوْ مَنِ الْقَوْمُ». قَالُوا رَبِيعَةُ. فَقَالَ «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ - أَوْ بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى». قَالُوا إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَىُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَاّ فِى شَهْرٍ حَرَامٍ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ. قَالَ «هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ». قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ». وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ. قَالَ شُعْبَةُ رُبَّمَا قَالَ النَّقِيرِ، وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرِ. قَالَ «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ». أطرافه ٥٣، ٥٢٣، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٣٦٩، ٦١٧٦، ٧٢٦٦، ٧٥٥٦ تحفة ٦٥٢٤ - ٣٣/ ١

стр. 196

٨٧ - (وربما قال النقير) والشك في الأصل بين المزفت والمقير، لا في النقير، ففيه مسامحة. يعني إذا لم يكن عنده علمٌ يرتحلُ لتحصيلِهِ. قال الدَّوَّاني في «شرح العقائد»: يجب على الناس إقامة عالمٍ على المسافة الغدوية ليرجع إليه الناس في أمور دينهم، وإلا فهم آثمون. قوله: (عبد الله) وهو ابن المبارك بعد مقاتل في جميع المواضع. قوله: (زوجة) ولم يثبت في اللغة بالتاء وإنما هو زوج للقبيلتين. قوله: (وقد قيل ... إلخ) أي كيف تباشرها؟ وقد قيل: إنها أختك من الرضاعة. واعلم أنهم اختلفوا في نصاب شهادة الرضاعة، فقال أحمد رحمه الله تعالى: شهادة المُرضعة تكفي لإثباتها. وعندنا حجُتها حجةُ المالِ كما في «الكنز». وقد وقع فيه التعارض في قاضيخان، ففي باب المحرمات: أنها لو شهدت بها قبل النكاح تُقبلُ وبعده لا. وفي الرِّضاع خلافُهُ. وقاضيخان أرفعُ رُتبةً من صاحب «الهداية». قال العلامة القاسم بن قُطْلُوبُغَا في كتاب «الترجيح والتصحيح»: أنه من شيوخِ صاحب «الهداية» ومن أجله عُلماءِ الترجيح. والحاصل أن الحديث واردٍ علينا. والجواب عندي: أن الحديث محمول على الدِّيانة دون القضاء، وشهادة المرضعةِ معتبرةٌ دِيانةً عندنا أيضًا، كما في «حاشية البحر» للرملي شيخ صاحب «الدر المختار». والخير الرملي آخر أيضًا من علماء الشافعية، وهو أيضًا صاحب الفتوى. أنها تُقبل دِيانة لا حكمًا. وهو مُرادُ الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى بما في «الفتح»: أنها تُقبل تَنَزُهًا. ولا بِدْع فيه فإن الحديث كما يتعرض لمسائل القضاء، كذلك يتعرض لمسائل الدِّيانة أيضًا، وهذا كثير فيه، ولكن غفل عنه الناس. ثم إنه لا بد أن تعلمَ الفرقَ بين الدِّيانة والقضاء. الفرقُ في معنى الدِّيانة والقَضَاء واعلم أنهم فسروا الدِّيانة بما بينَّه وبين الله، والقضاءَ بما بينه وبين الناس، وفَهِمَ منه بعضُهم أن الدِّيانة تقتصر على معاملةِ الرجل نفسه، فإذا شَاعَ وبلغ إلى ثالثٍ خَرَجَ عن معنى الدِّيانة إلى القضاء، وهذا غَلَطٌ فاحِش، فإن مدار الديانة والقضاء ليس على الاشتهار وعدمِهِ، بل يبقى الأمرُ تحتَ الديانة ما لم يُرفع إلى القاضي، وإن كان اشتهرَ اشتهارَ الشمس في رَابِعَةِ النهار، فإذا رُفَع إليه فقد خرج عن الدِّيانة ودخل تحتَ القضاء، ولو لم يسمَعَهُ قرينك. ثم إن القاضي من تولى من جهةِ الأمير لتنفيذِ الأحكام وإجرائها، بخلاف المفتي فإنه يُعْلِمُ مسائلَ الشريعة عند الاستفتاء ولا يحتاجُ إلى نَصْبِ الأمير، ولا له إجراء الأحكام. وقد علمتَ مرةً فيما سبق أن المفتي يحتاجُ إلى علمِ المسألةِ فقط، ويجيبُ على الاحتمالات والتقديرات أيضًا. مثلًا لو كان الأمرُ كذلك كان الجوابُ ذلك بخلاف القاضي فإنه يحتاجُ إلى علم الوَاقعةِ، ولا تعلُّقَ له بالتقديرات، فإنه نُصِبَ لإجراءِ المسائل، ولا يكون إلا بعد التحقيق عما في الواقع.

стр. 197

إذا علمت هذا فاعلم أن مسائلَ الدِّيانات كلها يُفتي بها المُفتي ولا يحكم بها القاضي، وهكذا مسائل القضاء، يَحكم بِهَا القاضي ولا عَلاقةَ بها للمُفتِي، فإن الدِّيانة والقضاءَ قد يتناقضان حكمًا، أي يكون حُكم الدِّيانة نقيض ما في القضاء. وقد صرحوا أنه لا يجوز لأحدِهِما أن يحكمَ بحكمِ الآخر، والمُفْتُونَ اليوم غافلون عنه، فإن أكثرهم يفتونَ بأحكامِ القضاء. ووجه الابتلاء فيه: أن المذكور في كتب الفقه عامةً هو مسائل القضاء، وقَلَّما تُذكرُ فيها مسائلُ الدِّيانة. نعم، تذكر تلك في المبسوطات، ولا تُنَال إلا بعد تدرُّبٍ تامٍ، ولعل وجهته أن القاضي في السلطنة العثمانية لم يكن ينصبُ إلا حنفيًا، بخلاف المفتيين فإنهم كانوا من المذاهب الأربعة، وكان القاضي الحنفي يُنَفِّذُ ما أفتُوا به، فشرع المُفْتُونَ تحرير حكم القضاء لينفِّذ القاضي، فاشتهرت مسائل القضاء في الكتب، وخملت مسائل الديانة، ثم لا يجبُ أن تتفقَ الديانة والقضاء في الحكم بل قد يختلفان. ففي «الكنز»: إن ولدتِ ذكرًا فأنت طالقٌ واحدة، وإن ولدتِ أُنثى فثنتين، فولدتهُما ولم يُدرَ الأول تَطلقُ واحدةً قضاءً. وثِنتين تنزهًا، أي ديانة. فههنا أخذ القاضي بالجانب المتيقن والمُفتي بالأحوط. ولو قال في هذه المسألة بعينها: إن ولدتِ أُنثى فثلاثة، فولدتهُما، فهي ثلاثةٌ دِيانةً وواحدةٌ قضاءً، فاختلفَ الحكمان حِلًا وحُرْمةً. ثم الأحوطُ ههنا واجبٌ كما صرحوا به، لا أنه مُستحبٌ، وهكذا الإقالة في الغرر الفعلي واجبةٌ عندنا دِيانة وليست بمستحبة. فظهر أن الدِّيانةَ لا تكونُ مستحبةً كما زعم أن العمل بالقضاء يكون واجِبًا، وبالديانةِ يكون مستحبًا، فليس الفرقُ بينهما من هذه الوجوه. ثم لي ترددٌ ههنا وهو أنك قد علمتَ أن الديانةَ والقضاء قد يتخالفان حِلًا وحُرمةً، فإن عَمِلَ الرجلُ المُبتلى به بالديانة وكانت الديانةُ فيه مثلًا أنه حرامٌ، ثم رَفَعهُ إلى القاضي فحكم بالحل، فهل يرتفعُ من قضائه تلك الديانة أم لا؟ وهل يصيرُ هذا الأمرُ حلالًا له بقضاء القاضي بعد ما كان حرامًا له؟ فلا نَقْل فيه عندي غيرُ جُزئيةٍ واحدةٍ تُروى عن صاحبيه وهي: أن الزوجَ الشافعيُ إن طلق امرأته الحنفية طلاقًا كِنائيًا، ثم أراد الرجوع لأن الكنايات رواجعُ في مذهبه، وأبت أن ترجع إليه لأنها بوائنُ عندها، فإن حكم القاضي الشافعي بالرجوع نفذَ ظاهرًا وباطنًا، ويصح رجوعه. وليست عندي ضابطةٌ كليةٌ يُستفاد منها أنه متى ترتفع الديانة من القضاء ومتى لا ترتفع. ولذا أترددُ في ارتفاع الكراهةِ ديانةً فيما حَكَمَ القاضي بالرجوع في الهبة عند ارتفاع الموانعِ السبعة، لأن القضاء بالرجوعِ مع بقاءِ الكراهة ديانةً أيضًا ممكنٌ، ولكني مترددٌ فيه. والذي يظهر أنه يرتفع تارةً، وتارةً لا يرتفع. وأول ما تنهبتُ على الفرقِ بين القضاء والديانة من كلام التَّفْتَازاني في «التلويح» لما ذكرَ صاحب «التوضيح» مسألة الاستعارة بين السببِ والحكم في باب الحقيقة والمجاز، وقال: لو نوى بالشراء الملك وبالعكس يُصدَّقُ فيما عليه ولا يصدق فيما له. قال التفتازاني: وفيما له

стр. 198

أيضًا دِيانة يُفتي به المُفتي ولا يحكمُ به القاضي. ففهمتُ منه أن القضاءَ أمرٌ غير الفتوى. ثم لم أزل أفتشُ عن هذا الفرق في عبارات الفقهاء حتى وجدتُ في أصول العِمَادي لابن أبي صاحب «الهداية» مقدمةً مُمهدةً لذلك وقد بسطه الطحاوي في «مشكل الآثار» أيضًا وهذا الفرقُ معتبرٌ في المذاهب الأربعة. ففي قصة امرأة أبي سفيان: «خذي ما يكفيك وولدك». وبحث عليه النووي هل كان هذا قضاءً أو فتوى؟ فإن كان الثاني فإنه يصحُ أن يفتَى به كل عالمٍ، وإن كان الأولُ فإنه لا يجوز إلا للقاضي. وعند الطحاوي ما يدلُ على أن هذا الفرق كان دائرًا في السلف أيضًا: حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن عطاء عن السائب قال: سألت شُرَيحًا. فقال: إنما أقضي ولستُ أفتي. وهذا صريحٌ في أن القضاءَ غيرُ الإفتاء. وأن القاضي لا يجوزُ له أن يحكم بالدِّيانة ما دام قاضيًا وجالسًا في مجلس القضاء، فإذا تحوَّل عنه والتحقَ بسائرِ الناس، فإنه مفتىٍ كسائرهم ويسوَّغُ له ما يسوغ لهم. فالحاصل: أن الزوجَ إن استقينَ بخبرِ المرضعةِ جَازَ له أن يقبلَ شهادتها، ويعملُ بالديانة ويفارِقَها، فإن بلغَ الأمرُ إلى القضاء لا يجوز له أن يحكم بتلك الشهادة. ومن ههنا تبيَّن أن مراد ابن الهُمَام رحمه الله تعالى من التنزه والتورع: الكراهةُ تنزيهًا دون الاحتياط فقط. ٢٧ - باب الرِّحْلَةِ فِى الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ ٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِى حُسَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِى إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنِّى قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِى تَزَوَّجَ بِهَا. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِى وَلَا أَخْبَرْتِنِى. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ». فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. أطرافه ٢٠٥٢، ٢٦٤٠، ٢٦٥٩، ٢٦٦٠، ٥١٠٤ - تحفة ٩٩٠٥ ٨٨ - قوله: (ففارقها) لعله بالتطليقِ لأنه لم يثبت كونُها مرضعةً بعدُ، وإنما الفسخُ فيما لو تحققَ كونها مرضعة. وإن كان المرادُ أنه فارقَها بأمر النبي ﷺ فلينظر فيه المجتهد أنَّ حكمَهُ هذا كان قضاءً أو دِيانةً. ومسائلنا تقتضي أن تكون ديانة، والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٨ - باب التَّنَاوُبِ فِى الْعِلْمِ ٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ ح قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى ثَوْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِى مِنَ الأَنْصَارِ فِى بَنِى أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهْىَ مِنْ عَوَالِى الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْىِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِى الأَنْصَارِىُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِى ضَرْبًا شَدِيدًا. فَقَالَ أَثَمَّ هُوَ فَفَزِعْتُ

стр. 199

فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِىَ تَبْكِى فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ لَا أَدْرِى. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ «لَا». فَقُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ. أطرافه ٢٤٦٨، ٤٩١٣، ٤٩١٤، ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣ تحفة ١٠٥٠٧ ٨٩ - قوله: (بني أمية) محلَّةٌ من المدينة. قوله: (أطلقكن) هذه قصة طويلة والإيلاءُ فيه لغويٌ، وغرضُ المصنف رحمه الله تعالى إثباتُ التناوب بين عمر والأنصاري، لأن عمر ﵁ كان نَكَحَ خارجَ المدينةِ، فكان يَحضُرُ المدينةَ انتيابًا. ٢٩ - باب الْغَضَبِ فِى الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ ٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِى خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فِى مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ». أطرافه ٧٠٢، ٧٠٤، ٦١١٠، ٧١٥٩ - تحفة ١٠٠٠٤ - ٣٤/ ١ ٩٠ - قوله: (لا أكاد أدرك ... الخ) أي هو يُطوِّلُ الصلاة، فلا يُصلي الناسُ بصلاتِهِ لأجل تطويله. ثم إنه ﷺ غضب عليه لمخالفته الفطرةَ السليمة، فإنه طَوَّلَ الصلاةَ على من كانوا عمالًا وأصحاب نوَاضَح، وهو غير مناسب عقلًا ولا يحتاجُ إلى كثير فكرٍ، فكان عليه أن يراعيَهُ من فِطْرَتِهِ السليمة، ويصلي بهم كما كان النبي ﷺ يصلي بهم في تمام. والحاصل أن النبيَّ ﷺ لم يكن يغضب إلا عند هتكِ حرمةٍ من حُرُمَات الله، أو عند مخالفةِ البَدَاهَة، وصريح السفاهة، فإذا كان موضعَ عذرٍ أو موضعَ اجتهادٍ كان أسمحَ الناس. قال الحافظ: إن هذا الرجل أبي. ٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدِينِىُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ «اعْرِفْ وِكَاءَهَا - أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا - وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ». قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ - أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ - فَقَالَ «وَمَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ «لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ». أطرافه ٢٣٧٢، ٢٤٢٧، ٢٤٢٨، ٢٤٢٩، ٢٤٣٦، ٢٤٣٨، ٥٢٩٢، ٦١١٢ - تحفة ٣٧٦٣ ٩١ - قوله: (اللقطة) بفتح القاف أفصح، وهي مبالغةُ اسم الفاعل، ولقطة اسم مفعول

стр. 200

كاللقمة والأكلة. ثم اعلم أن الوعاءُ اسم للظرفِ والخِرْقة التي على فمها يقال لها: العِفَاص، والخيطُ الذي يُشد به الخِرْقة يقال له: الوِكَاء. قوله: (سنة) واختلفت الروايات في «المبسوط» و «الجامع الصغير» في تقدير مدَّةِ التعريف؟ ففي «الجامع الصغير»: أنها سنة. وفي «المبسوط»: أنه بقدر ما يرى، وهو أسهل في الأحاديث. قوله: (ثم استمتع بها) ويجوز الاستمتاعُ بها للفقير والغني عند الشافعية. وعندنا للفقير فقط. وأجاب صاحب «الهداية» عن استمتاعِهِ مع كونهِ غنيًا أنه كان بإذن الإمام، وهذا جائز عندنا وغَلِطَ في شرح مرادِهِ صاحب «العناية» وهو شيخ الشيخ ابن الهمام. وإن كان كتابه أرفع من «العناية» حيث علل بكونه محلًا مجتهدًا فيه. والقضاءُ إذا لاقى محلًا مجتهدًا فيه يصير مُجمعًا عليه، فهذا الشارح صَرَفَه إلى باب آخر مع أن صاحب «الهداية» قد جوَّزَ الاستمتاع به على المذهب. ثم اتفقت الحنفية والشافعية على أنه لو أقامَ المالكُ عليه البينةَ وجبَ عليه ردُّهُ. ونُسِبَ إلى داودٍ الظاهري والبخاري أنه لا حق له في ماله بعد السنة، ويصيرُ بعدها مِلكُ الملتقط بتًا. واعلم أن العمل بمذهبه خاصة إنما هو قبل حكم القاضي، فإذا حكم القاضي بأمر وجبَ العملُ بحكمِهِ ولو من أي مذهب كان، فالذي هو رافعٌ لاختلافِ المذاهبِ الأربع عند الفقهاءِ هو القضاءُ. ٩١ - قوله: (حتى احمرت) وإنما غضِبَ عليه لأن السؤالَ كان مخالفًا للفِطرة السليمةِ، فإن الزمان كان زمان الديانة، والبعير مما لا يُخاف عليه السَّبُعُ، ولا يعجز عن الماء والكلأ، فلا حاجة إلى التقاطه. أما الآن فقد انقلب الزمان ظهرًا لبطن فينبغي أن يلتقطَ البعيرُ أيضًا. ٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ «سَلُونِى عَمَّا شِئْتُمْ». قَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِى قَالَ «أَبُوكَ حُذَافَةُ». فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ مَنْ أَبِى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ». فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِى وَجْهِهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ . طرفه ٧٢٩١ - تحفة ٩٠٥٢ كُلُّ سفيان بعد محمدِ بن كثير هو الثَّوري، لا ابن عُيَيْنَة. ٩٢ - قوله: (حدثنا محمد بن العلاء) وهذا غير واقعة الكسوف التي مثلت فيها الجنة والنار. قوله: (فلما أكثر عليه) أي بعض المخلصين بلا وجه وجيه وبعض المنافقين تعنتًا. قوله: (مَنْ أبَى) فسمّى أباه فارتفعت شبهة الناس عنه، وفي الشروح: أن الرجل لما رجع

стр. 201

إلى بيته لامَتْهُ أمهُ وقالت: ما رأيت ولدًا أعق منك، ما أعلمك أني ما فعلت في الجاهلية، أفكنت مفضحي بين الناس، قال: والله لو ألحقني النبي ﷺ بغير أبي لالتحقت به. قوله: (سلوني) وكان هذا غضبًا منه وسَخْطَةً، ولم يفهمه أحدٌ غير عمر رضي الله تعالى عنه فقال ما قال. وإنما غضبَ النبيُّ ﷺ لكونه شارعًا بُعثَ لتعليم الشرائع، فجعلَ بعضُهُم يسألونه عن المغيبات، وكذلك بعض المنافقين سألوه سخرية فقط. وحاصلُ مقالة عمر رضي الله تعالى عنه أنَّا نكتفي للنجاةِ بالإيمان بالله ورسوله ... إلخ، ولا نحتاج إلى أسئلة سواه. قلت: وكان مناسبًا أن يقعَ في حياتِهِ مثْلُ تلك الواقعةِ مرةً ليُعلَم أنه أيضًا تحت القدرةِ الإلهية أن يخبرَ رسوله بكل ما استخبَرُوه، ويلقمُ في أفواهِ المتعنتينَ حجرًا. ثم اعلم أن في طرقه: «والقرآن إمامًا»، وتتبعتُ إمامتَه في التنزيل أيضًا فلم أجد غير قوله تعالى: ﴿كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً﴾ وهذا كتاب. ومر عليه الطيبي في «حاشية الكشاف» وفهم لطفَه ولم يذقه أحدٌ غيرَه. ومعناه عندي أن كتابَ موسى مع جلالة شأنه يكتنه إمامته وكونه رحمة. وهذا أيضًا كتابٌ مثله في كونه إمامًا ورحمة، ولكنه بلغَ في كونه إمامًا ورحمة مبلغًا لا تُكتنه نهايته. ثم إنه إذا كان إمامًا فلا يكون مأمومًا ومقتديًا، فلا يقرأه المقتدي. وعند أبي داود أن رجلًا قرأ بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ خَلْفه ﷺ . والظاهر أنه لم يقرأ الفاتحة فلما فرغَ النبيُّ ﷺ قال: «ما لي أُنازعُ القرآن» بصيغة الواحد المتكلم المجهول، وهذا في واقعة الظهر، فلو كانوا كلُّهم قارئين لَمَا كان لتخصيص المخالجةِ بنفسه معنىً، فإن المخالجةَ حينئذٍ تكون مع جميعِ القارئين لا مع النبي ﷺ فقط، فدل على أنه كان هو القارىء فقط، ولم يكن هناك قارىء من المقتديين غير هذا الرجل. ولعله أيضًا لم يقرأ بالفاتحة بل قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ فكان أمرُ القراءة عنده بالفاتحة وغيرها سواء. وكيفما كان جاءت قراءتُهُ تحت الإنكار لِعِلةِ المنازعة والمخالجة، فلا ينبغي أن يقرأ خلف القارىء، فإن الصراطَ المستقيمَ الاستماعُ والإنصات عند القراءة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وهو وإن كان في الجهرية، لكنَّ الحديثَ صريحٌ في السرية، والمنازعةُ تحصل فيهما. وسيأتي التفصيل في موضعه. ٣٠ - باب مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَوِ الْمُحَدِّثِ ٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ مَنْ أَبِى فَقَالَ «أَبُوكَ حُذَافَةُ». ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ «سَلُونِى». فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، فَسَكَتَ. أطرافه ٥٤٠، ٧٤٩، ٤٦٢١، ٦٣٦٢، ٦٤٦٨، ٦٤٨٦، ٧٠٨٩، ٧٠٩٠، ٧٠٩١، ٧٢٩٤، ٧٢٩٥ - تحفة ١٤٩٣ وإنما ترجمَ المصنفُ بلفظ الإمام لأن في طرق هذا الحديث: «وبالقرآن إمامًا»، ولمّا كان هذا مُوهمًا للتخصيصِ احترس وأضاف قوله: أو المحدث ليندفعَ التخصيصُ.

стр. 202

٣١ - باب مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ فَقَالَ «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ». فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «هَلْ بَلَّغْتُ». ثَلَاثًا. ولعله ناظرٌ إلى مقولةِ الخليل النَّحوي في جزء القراءة «يكثر الكلام ليفهم ويعلل ليحفظ». وقد كنت أظنُ أنه وَقَعَ فيه القلب. والأصل أن الكلامَ يُكثرُ ليحفظ، لأن التعليل أنفعُ للفهم، والتكرارُ أعونُ للحفظِ، حتى طالعت نُسخًا عديدة لذلك ولكن وجدتُ في جميعها كذلك، ثم بدا لي أن التعليلَ معينٌ في الحفظ أيضًا، كما هو مُعينٌ في الفهم، وكذلك التكرارُ أيضًا له دخل في الفهم كما يُعلم بالتجربة. قوله: (هل بلغت) وإنما كرره مبالغةً وتهويلًا، وإنما جعلهم شَاهِدينَ لجحود الأمم يوم الدين، فاحْتِيْجَ إلى شاهد، فجعل اللَّهُ سبحانه أيضًا شاهدًا وهو على كل شيء شهيد. وليس فيه إساءةُ أدبٍ، كما أن التسمية والاستعاذةَ قبل الخلاء ليست بإساءة، لأن الحفظَ لا يحصلُ إلا ببركة اسمه تعالى. ٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا. طرفاه ٩٥، ٦٢٤٤ - تحفة ٥٠٠ - ٣٥/ ١ ٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا. طرفاه ٩٤، ٦٢٤٤ - تحفة ٥٠٠ ٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. طرفاه ٦٠، ١٦٣ - تحفة ٨٩٥٤ ٩٤ - قوله: (عبدة) وفي نُسخة لصمدة وهو غلطٌ من الكاتب. قوله: (سَلَّم) قيل: الأول للاستئذان، والثاني للقاء، والثالث للتوديع. قلت: ولعل الظاهر أن يكونَ التثليث باعتبار مروره على الناس كما هو المعتاد في زماننا أيضًا، وإنما اكتفى بالثلاثِ لكونِهِ شارعًا تضبط أقوالهُ وأفعاله، فاختار الوسط إلا أني لا أتيقنُ به لفقدان النقل. وحاصله: أنه ﷺ إذا كان يمر على جماعة عظيمة لم يكن يكتفي بسلام واحدٍ بل كان يُسلمُ مرةً في الأول، ثم إذا بلغ في الوسط سَلَّم، ثم إذا بلغ في الآخر سَلَّم. أما الأحاديث في التوديع فهي في «كنز العمال» فليراجعها.

стр. 203

٣٢ - باب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ ٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ سَلَامٍ - حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِىُّ حَدَّثَنِى أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ ﴿يَطَؤُهَا﴾ فَأَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ». ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَىْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ. أطرافه ٢٥٤٤، ٢٥٤٧، ٢٥٥١، ٣٠١١، ٣٤٤٦، ٥٠٨٣ - تحفة ٩١٠٧ ٩٧ - قوله: (ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب) ... إلخ أجرُ الإيمان بنبيِّهِ وأجر الإيمان بالنبي ﷺ قوله: (يَطَؤُهَا) أي بملك اليمين. قوله: (أدبها) التأديب تهذيب "دادان". قوله: (ثم أعتقها) وقد ذكرتُ ههنا أمورٌ فاختلف الشارحون في التعيين - منها: قلت: والأوجهُ أن الأمورَ المذكورة إلى الإعتاق عملٌ واحد والأمورُ بعد الإعتاق عمل آخر. فالأجرانِ على الإعتاق بما فيه وعلى النكاح، لأن الإعتاقَ عبادٌ مستقلةٌ. وسائرُ الأمور المذكورة قبلَه تمهيداتٌ له، وكذا التزوُّجُ بعد الإعتاق أيضًا عبادة مستقلة أخرى، فالأجران على هذين العملين. ثم ههنا عَوِيْصَةٌ وهي: أن المرادَ من أهل الكتاب ماذا؟ إن كان اليهودُ فهو صعبٌ من حيث أنهم كفروا بعيسى ﵇، وصاروا كفارًا وحبطَ إيمانُهُم، فكيف يستحقون الأجرين. لأنه لم يبق حينئذٍ من عملهم غيرُ الإيمان بالنبي وهو عملٌ واحدٌ فلا يستحِقون عليه إلا أجرًا واحد. وإن قلنا: إن المراد منهم النصارى كما يؤيده ما عند البخاري: «رجل آمن بعيسى» بدل قوله: «من أهل الكتاب» فدل على أن المراد منهم النصارى فقط دون اليهود، فهو أصعبُ لأن الحديثَ مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] وإنه نَزَلَ في عبدِ الله بن سلام وأصحابه باتفاق المفسرين، وكان يهوديًا فعُلِم أن لهم أيضًا أجرين فيدخلون تحت أهل الكتاب أيضًا ولا بد. قلت: ولا ريب في أن الحديث عام لليهود والنصارى، أما ما ورد في لفظ البخاري: «رجل آمن بعيسى»، فإنه يجعل تابعًا لما في أكثر الروايات: «رجل من أهل الكتاب» ويحملُ على اقتصارٍ من الراوي. والأصل كما ذكره آخرون ولا ينبغي أن تُدارَ المسألة على ألفاظِ بعض الرواة، سيما إذا وردت مخالفة للأكثرين. فهذه قضية أبهمت على الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حتى استقر رأيه على ما نُقِلَ عن الكِرْمَاني أن الأجرينِ لا يختصانِ بأهل الكتاب، بل كل من آمن بنبينا ﷺ ولو بعد الكفر الصريح حتى المجُوسي والوَثني، فإنه أيضًا يُحْرِزُ الأجرين.

стр. 204

قلت: هذا كلامٌ باطلٌ، فإنه خلاصةَ الحديثِ الوعدُ بالأجرين على العملين، وليس الكفرُ الصريحُ من البرِّ في شيء يستحقُ عليه الأجر، فلم يبق حينئذٍ إلا عملٌ واحد وهو الإيمان بالنبي ﷺ وهو وإن كان من أبرِّ البرِّ وأزكى الأعمال، وأسنى المقاصد، لكنه عملٌ واحد لا يستحقُ عليه إلا أجرًا واحدًا. نعم، أجرُهُ يكون وِزَانُ عمله وهذا أمرٌ آخر. وعندي حديثٌ صريحٌ في أنَّ الآيةَ عامةٌ، وأن الأجرين بالإيمان بنبيه وبالإيمان بالنبي ﷺ فعند النسائي في تأويل قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] في حديث طويل فقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] أجرين: بإيمانهم بعيسى وبالتوراة وبالإنجيل، وبإيمانهم بمحمد ﷺ .. إلخ، فهذا أوضحُ دليلٍ على أن الأجرين على العملين من إيمانهم بعيسى وبمحمد ﷺ ولما عجز الحافظ رحمه الله تعالى عن الجواب التزم هذا الباطل. والذي عندي هو أنَّ عبد الله بن سلام وأمثاله أيضًا يَستحقُّونَ الأجرين، والذين دخلوا تحت النصِّ داخلون في قوله: «أهل الكتاب» أيضًا، ولا يردُ شيءٌ، لأن الذين كفروا بعيسى ﵊ وحَبِطَ إيمانهم، فإنهم الذين بُعث عيسى ﵊ فيهم، ودَعَاهم إلى شريعته، أي بني إسرائيل، فلما أبوَا هلكوا كما قصَّهُ اللَّهُ سبحانه، أما يهود المدينة فلم تبلغ دعوتُهُ إليهم، ولا وُجد منهم الانحراف عنها، وإنما أمرُهُم كما في التاريخ أنهم فروا من الشام إلى العرب حين اجتاحهم «بخنتصر» وبعد فرارهم بمئتين سنة بُعث عيسى ﵊ في الشام. فالذين تمت عليهم الدعوةُ بالتوحيد والشريعة جميعًا هم يهودُ الشام، أما يهود المدينة فلم تصل إليهم الدعوة أصلًا. كما في «الوفا» أنه وُجِد في جانب من المدينة حجر عند تلَ مكتوبٌ عليه: هذا قبرُ رسولُ رسول الله عيسى ﵇، جاء للتبليغ فلم يُقدَّر له الوصول إليهم. وقد وقع فيه تحريفٌ في «تاريخ الطبري» فسقط لفظ: الرسول، وصارت صورته هكذا: هذا قبرُ رسول الله عيسى، وكثيرًا ما يسقطُ اللفظُ المكرر عند الكتابة ويتكرر اللفظ الواحدُ. فشغب به الطائفة الباغية قاديانية وزعمت أنه أصرحُ دليل لهم على وفاة عيسى ﵇. وهذا هو دَيْدَنُ الزائغين من بدء الزمان، يستفيديون من أغلاطِ الرواة وتحريفِ الناسخين، ويتَّبِعُون ما تشابه منه، وأما الرَّاسخون في العلم فيتبعون المحكمات ويأخذون العلم من مكانه، قاتلهم الله ما أجهلهم أيتمسكون بما في الطبري ولا يستحيون أن تلك الواقعة بعينها موجودةٌ في «الوفاء» وفيه رسول رسول الله عيسى، فطاح ما ركبوا عليه من الجهل. وقد حقق أهل أوربا مجيء حواريين في الهند أيضًا، وقالوا: إنهما دُفِنا في بلدة مدارس، وكذلك حواريان مدفونان في إيطاليا، وحواري في تبت. وهكذا ثبتَ ذهابهم إلى يونان وقسطنطينة، أيضًا. والذي يدلك على أنهم لم يذهبوا إليهم من عند أنفسهم بل بعثهم عيسى ﵇: أن النبي ﷺ لما كتب كُتبًا إلى النَّجاشي والمُقَوْقَس ودُومة الجندل وغيرهم قال لأصحابه: «إني أبعثُكم كما بَعثَ عيسى ﵇ الحواريين».

стр. 205

فنشأ منه جهلٌ آخر للنصارى، فإنهم استدلوا به على عمومِ بعثة عيسى ﵇، وقالوا: إنها لو لم تكن عامة لما بعث الحواريين إلى الأطراف، ولم يعلموا أن الدعوة إلى التوحيد لا تختص بنبي دون نبي، بل تجوزُ لهم الدعوةُ إلى الشريعة أيضًا إذا لم يكن فيهم نبيٌ. فأهل المدينة لم يكن لهم نبيٌ إذ ذاك وكانوا من بني إسرائيل، وهو رسولٌ إلى بني إسرائيل بنص القرآن، فلو كان دعاهم إلى شريعتِهِ لما كان فيه بأسٌ أيضًا، ولكنهم لم تبلغ إليهم دعوته. وإذا كان أمرُهم ذلك، فالمسألة فيهم عندي أنه لو كان أحد منهم على دينٍ سماوي من قبلُ كعبد الله بن سلام، فإنه كان على اليهودية، ولم تشملهم دعوة عيسى ﵇ بخصوصها، ينبغي أن يكون ناجيًا. نعم، لو كان في الشام لما احتاج إلى خصوص الدعوة وكفته دعوة عامة، وهذا لم تبلغه الدعوةُ ولم يكن من سكان الشام وكان على دينٍ حقٍ فيكون ناجيًا، لأنه لم يلتزم شريعة عيسى ﵇ لعدم المطالبة من جهته لا للإباء منه. نعم، يخرج عن هذا الاستحقاق من كانت دعوتُهُ بلغت إليه ثم ردها. أما إذا كان قومُهُ يدعى في الشام وهذا كان غافلًا عن دعوته لعدم علمه، فإنه بعد الإيمان بالنبي يستحق الأجر مرتين إن شاء الله تعالى وكفاه التصديق إجمالًا. ويتضحُ ذلك كل الاتضاح بعد البحث في معنى عموم، البعثة فاعلم: أن النبي ﷺ مبعوثٌ إلى كافة الناس بلا خلاف. ثم قيل: إن إبراهيم ونوحًا ﵉ أيضًا كذلك، فإنه يقال لنوح: إنه أولُ نبيَ ﷺ في الأرض. فتصدى العلماءُ لجوابه، لأن البعثةَ العامة قد عُدَّت من خصائصه ﷺ وتوجه إليه الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح» والسيوطي رحمه الله تعالى في «حاشية النسائي» ولكنهما لم يذكرا وجهًا قويًا. والذي ظهر لي: أن بِعثة الأنبياء كلهم عامة في حق التوحيد كما صرح به ابن دقيقٍ العيد، بمعنى أنه يجوز لهم أن يدعو إليه من شاؤوا سواء كانوا مبعوثين إليهم أم لا. ويجبُ على القوم إجابة دعوتهم ولا يسعُ لهم الإنكار بحال، فإن أنكروا استحقوا النار. بقي أنه ماذا معيار بلوغ الدعوة وأنه هل يُشترط التبليغ إلى كل نفس أو مصر على رؤس الأشهاد؟ أو كفى له التبليغ إلى من حَضَرَه، فذلك مما لا علم لنا به. وإذًا فالتعبيرُ الأوفى أن يقال: إن مَنْ تحقق التبليغُ فيهم بأي نحو كان فإنه يُعَدُّ كافرًا بالجحود، سواء كان ذلك النبي بُعث إليهم أم لا. ثم إن كانوا متعبدين بشريعة سماوية من قبل لا يجبُ عليهم الدخول في شريعته. ما لم تبلغهم الدعوة إلى الشريعة أيضًا، فإن بَلَغتْ وجب التعبدُ بها أيضًا، ويحمل ذلك على نسخ شريعة المدعو له، فإن لم تكن عندهم شريعة سماوية من قبل، وجبَ عليهم الدخول في شريعته بدون دعوة إليها، هذا فيمن بلغت إليهم دعوة نبي بخصوصها. وأما الذين لم تبلغ إليهم الدعوة بخصوصها، ولكن بلغ إليهم خبر ذلك النبي كسائر الأخبار تحمل من بلد إلى بلد، يجب عليهم الإيمان به أيضًا، فإن آمنوا به نَجوا وإن أبَوا هلكوا، وتكون معاملتهُم مع ذلك النبي كمعاملتنا مع سائر الأنبياء ﵊، أعني التصديق فقط. ولا يجبُ عليهم التعبدُ بشريعته بمجرد بلوغ خبره إذا كانوا على شريعة نبي من

стр. 206

قبل. وهذا كلُّه قبل هذه الشريعة الآخرة، وأما بعدها فلا يسعُ لأحدٍ الانحراف عنها بحال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وبالجملةِ دعوةُ التوحيد لا تختصُ بنبي دون نبي، بل هي عامة مطلقًا. وأما الدعوة إلى شريعته فخاصة بالنبي ﷺ بمعنى أنه يجب أن يدعوَ إليها جميع من في الأرض، وقد تمت على أيدي الخلفاء الراشدين. وأما سائر الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام فكانت دعوتهم إلى شرائعهم مقصورة على أقوامهم وتبليغُ من سواهم كان في اختيارهم، ولم يكن فريضة عليهم. والسر في شُهرةِ عموم بِعثة هذين النبيين أنه لم يُبْعث لمناقضةِ الكفر غيرُ هذين. أما موسى وعيسى عليهما الصَّلاة والسَّلام فإنهما بُعثا إلى بني إسرائيل وكانوا مسلمين نَسَبًا فإنهم من أولاد يعقوب ﵊، بخلاف نوح ﵊ فإنه أول من ناقض الكفر، ولذا لقِّب بني الله، وكذلك إبراهيم ﵊ أول من رد على الصابئين وأسس الحنفية. والنبي إذا رد على شيء يكون عامًا لجميع البلاد وهذه مقدمةٌ ينبغي أن يُبحث عنها أن النبي إذا ردّ على شيءٍ فهل يقتصرُ ردُّه على من بُعث إليهم أو يعمُ لمن في الأرض. وهذا في باب العقائد ظاهر، فإنها مشتركة في الأديان كلها فيعم الرد قطعًا، وأما في الشريعةِ ففيه نظرٌ، فالعموم من هذه الجهة، وللقومِ أجوبةٌ أخرى فليراجعه من «الفتح» (١). إذا علمتَ هذا فاعلم أن عبد الله بن سلام إنما هو ممن بلغ إليه خبر عيسى ﵊، ولا نظن بمثل عبد الله بن سلام إلا أن يكون صَدَّقَه لما قد علمنا من سلامة فطرتِهِ حين حضر بمجلس النبي ﷺ وانطلق لسانُهُ بعد نظرة، بأن هذا الوجه ليس بوجه كذاب فلا نسيءُ به الظن. ولا نقول: إنه لم يصدقه، فإذا كان كذلك فقد كفاه عن عهدة الدخولِ في شريعته، لأنه لم تبلغ إليه الدعوة إلى شريعته وإن بلغ إليه خبره كما علمت، نعم لو كان بلغ إليه وصي عيسى ﵊ ودعاه إلى شريعته، لوجب عليه الدخول في شريعته أيضًا، ولكنه لم يصل إليه ومات دونه فكفَاهُ تصديقهُ به لإحراز أجر إيمانه. وحينئذٍ بقاؤُه على اليهودية وعمله بالتوراة لا يمنعُ عن تحصيل الأجر، فلما ظَهَر النبي ﷺ وآمن به أيضًا حصل له الأجر مرتين، لأنه أحرز إيمانَه مرة من قبلُ، وهذا إيمانٌ ثانٍ فيحصل له الأجر أيضًا. نعم، الذين كانوا في الشام وأنكروا به لا يحصلُ لهم بالإيمان بالنبي ﷺ إلا أجرٌ واحد، بخلاف مَنْ كانوا في المدينة، فإنه ليس عليهم إلا التصديق لعدم بلوغ دعوة الشريعة إليهم، وكانوا على دين سماوي من قبلُ فيُحرزُون الأجر مرتين. فإن قلت: وفي المعالم أن عبد الله بن سلام جاء النبي ﷺ مع ابن أخيه، وقال: لو آمنت

стр. 207

بجميعِ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام غير عيسى فهل يكفى ذلك للنجاة؟ فقال النبي ﷺ «كلا»، أو كما قال. وهذا يدلُ على أنه لم يؤمن به أيضًا. قلت: أولًا: إن إسناده ساقطٌ. وثانيًا: إن سؤاله من باب الفَرض. وتحقيق المسألة لا أنه يُخبرُ عن حالهِ، بل يريد أنه لو فَعَلَه أحدٌ هل يُعتبر منه أم لا؟ وثالثًا: أنه لما آمن بعيسى ﵊ إجمالًا لعدم التفصيل عنده، ثم عنده التوراة من قبل إمامًا ورحمة. وهذه الشريعة الكاملة الجامعة الآن، فهل يجبُ عليه الإيمانُ بها تفصيلًا بعد هاتين أم لا؟ فهذا أيضًا احتمال من الاحتمالات. والحاصل: أنه إذا ظهر أمرهُ ونيتُهُ من الأحاديث القوية فلا نتركه لروايات ساقطةٍ ولا نُسيءُ به الظن ونأولُ فيما وردَ خلافه. وبعد هذا التحقيق انحلت العقدة التي عرضتْ على الحافظ رحمه الله تعالى فألجأتهُ إلى التزام باطل، والحمد لله. ثم قال قائل: إن مسألة إحراز الأجرين ينبغي أن تكون مقتصرةٌ على زمانِ عدم التحريف، فأما إذا حرفوا كتبهم وبدلوا كلام الله من بعد ما عَقَلُوه فلا ينبغي أن يحصل لهم الأجران. قلت: وهذا القائل خالفَ نصَ الحديث، فإن حديثه ﷺ إنما كان لأهل زمانه، وحالُهم إذ ذاك معلومٌ. والذي عندي أن يُفصَّلَ في التحريف، فإن كان بلغَ تحريفُهم إلى حد الكفر البواحِ، ينبغي أن لا يحصل لهم الأجر مرتين، وإلا فالأمر كما في الحديث. نعم، يمكن اختلاف كلمات الكفر في الشريعتين كلفظ: الابن، فإنه مستعمل في الكتب السابقة بأي تأويل كان، وهو كفر في شريعتنا مطلقًا، فينبغي رعايته أيضًا. وراجع بحثه من «فتح العزيز» من تفسير قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٨] إلخ من أن التأويلَ الباطل هل يُفيد شيئًا أم لا؟ فإن النصارى كفار قطعًا، لكنهم كذلك يدَّعون التوحيد أيضًا. والشريعة الغراء قد اعتبرت به بعض اعتبار، حيث ميَّزَهَم عن سائر الكفار في جواز المُنَاكحات مع نسائهم وأكل ذبائحهم. فإذا خفف اللَّهُ فيهم في أمور الدنيا لرعايةِ دينٍ سماوي، فلا بُعد أن يغمض عنهم في الآخرة أيضًا ويمنحهم أجرهم مرتين بعبرة إيمانهم الأول أيضًا لمجرد ادعائهم. فإن قلت: إن الأجرين لهؤلاء الثلاثة فقط أو لغيرهم أيضًا، فالجواب كما قاله السيوطي رحمه الله تعالى في نظم له: أنهم يبلغون إلى اثنين وعشرين نوعًا. ومن ههنا ترددت أن هذا العدد محصورٌ أو فيه أمرٌ جامع، وما تحصل لي هو أن كلَّ عمل عُرِضَ على بني إسرائيل فقصَّروا فيه، فإن حافظنا عليها فلنا فيه الأجران. كما عند مسلم في صلاة العصر: «إنها صلاة فُرضت على مَنْ قبلكم، فإن حافظتم عليها فلكم أجران» - بالمعنى. وكما أن بني إسرائيل كانوا يغسِلون أيديهم قبل الطعام، فلو غسلناها قبل الطعام وبعده فلنا أجران الترمذي. فإن قلت: إذا كان الأجران على العملين فأي فائدة في ذكر هذه الثلاثة؟ فإن كلَّ من يعملُ عملين يستحق أجرين. قلت: إنما خصَّصها لانضباطها والاعتداد بحالها. والحكم الشرعي إنما يجيءُ في نوعٍ أو في صِنْفٍ منضبط لا في الأشخاص، فإن ورد في شخص يعد من خصوصيته ولا يعم. ومن ههنا بحث في الأصول، أنه هل يجوز خلوّ حكم شرعي من الحكمة. ونسب إلينا أنه يجوز كما في استبراء البِكْر، فإن البكر لا شبهةَ فيها للعلوق، فلاستبراء فيها خال عن

стр. 208

الحكمة ظاهرًا، ومر عليه شارح «الوقاية» وقال: إن ما يجبُ هو أن لا يخلو صِنْفٌ منضبط عن الحكمة، لا أنه يجب وجودُها في كل جزء. وحينئذٍ فخلوّ هذا الجزئيِّ بخصوصه عن الحكمة لا يضرنا. ولم يقدر الشارحُ على غير هذا الجواب. وعندي جوابُهُ لكنَّ الوقتَ لا يتحملُ بيانه وقد فَصَّلتُهُ في بَرْنَامجي. وقد يقال: إن في هذه الثلاثة إشكالًا ولا يتبادرُ الذهنُ إلى حصول الأجرين فيها، فإن المنساقَ إلى الذهن أن الإيمان طاعةٌ واحدةٌ، وإنما الفرقُ في الفروع، فاعتبار هذا الإيمان وهذا الإيمان ربما يفضي إلى التعجب، فتعرَّض إليه الحديث بأن الإيمان وإن كان واحدًا إجمالًا، لكنه لما تعلق بنبيَ بخصوصه تفصيلًا، ثم تعلق بنبي آخر كذلك صار متعددًا باعتبار الشخص، فإنه إذا آمن بنبي فهذا عملٌ، ثم إذا آمن بنبي آخر في زمانه فهذا عمل آخر متجددًا. وكذلك يتوهم أن العبدَ عبدٌ لمولاه، فلعله لا يستحق الأجرَ في خدمته، وكذلك التزوج لنفعه فلا يكونُ عليه الأجر أيضًا. وقد يقال: إنه خصَّصَها بالذكر لأجل التنبيهِ والتحريضِ على هذين العَمَلين، فإن جمعهما عسير، لأن الكتابي إذا آمن بنبيه فالإيمان بالنبي ﷺ يَشُقُّ عليه. فنبه على أنه بهذا الإيمان لا يُحرمُ عن أجر إيمانه، بل يبقى إيمانُهُ معتبرًا ومأجورًا عليه كما كان، بل يضعَّفُ أجره فيحصل مرتين. وكذلك العبدُ إذا اشتغل بخدمة مولاه، ربما لا يجدُ وقتًا لأداء الصلوات ولا أقل من أن يتعسر عليه، فحرَّضَهُ على أن يؤديَ حق الله أيضًا ليحصل له الأجران. وهكذا الأمر في تزوج الجارية، فإن الطبائعَ الفاضلةَ نافرةٌ عنها، فحرَّضَ على إعتاقِها والتزوج منها، ليحصل له الأجران. وتوهَّم بعضهم أن العبدان صلى فله أجران على صلاته، وليس كذلك، بل الأجران على العملين: أجرٌ على خدمةِ مولاه، وأجر على أداء الصلاة (١).

стр. 209

٣٣ - باب عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ ٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِى طَرَفِ ثَوْبِهِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ . أطرافه ٨٦٣، ٩٦٢، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥ - تحفة ٥٨٨ ٣ ٣٤ - باب الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ ٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِى عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ». طرفه ٦٥٧٠ - تحفة ١٣٠٠١ - ٣٦/ ١ يريدُ أن التبليغَ لا يختصُ بالرجال، بل يعم النساءَ أيضًا. وكان هذا يومُ عيدٍ، ولعل التحريض كان في صدقَةِ الفِطر. قوله: «شنف» (بالى) قرط (در) أسعد الناس (يعني كسكى قسمت مين آب كى شفاعت زيادة بريكى). ٩٩ - قوله: (خالصًا) وأكثرُ الأحاديث ساكتةٌ عن هذا القيد، وهو معتبرٌ قطعًا. والخُلوصُ

стр. 210

في اللغة: ما لا غِش فيه. وفي الاصطلاح: قريب من معنى الحنيف، ثم لا تعارضَ بينه وبين ما رُوي: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فإن الأول فيمن يدخل في الشفاعة. والثاني فيمت يظهرُ في حقِّه النفع الكثير. وكذا لا يخالفُ ما عند البخاري ومسلم: «أن قومًا يخرجون بلا عمل عَمِلُوه بقبضة الرحمن ولا يكونُ خروجهم بيد النبي ﷺ فإنه يدل على أن شفاعته مختصةٌ بالعاملين. وأما الذين لا عملَ لهم فإنهم يخرجونَ بقبضة الرحمن، ولا تنفع الشفاعة فيهم مع وجود كلمة التوحيد عندهم. قلنا: إن الشفاعة نفعت لهم أيضًا، بيد أنَّ الرحمنَ توكَّل بإخراجهم ولم يفوضه إلى أحد، فهؤلاء أيضًا يخلصون عن النار ببركة الشفاعة، إلا أنهم لا يخرجونَ بيده الكريمة، بل يتولاهُم الرحمن بنفسه وقد بينا سره في كتاب الإيمان (١). ٣٥ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّى خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَاّ حَدِيثَ النَّبِىِّ ﷺ ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا. ١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». قَالَ الْفِرَبْرِىُّ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ. طرفه ٧٣٠٧ - تحفة ٨٨٨٣ قوله: (أبو بكر بن حزم) قاضي المدينة "دروس" وحقيقته الفَنَاءُ بعد البِلى تدريجًا "يعني برانا بن بيدا هونا أو رفنا هوتى جانا". والتحقيق عندي: أن كل شيء يمر عليه الزمان فإنه يندرسُ ويفْنَى تدريجًا، أي يَبْلى فيبلى ثم يَفْنى. ولذا ترى الأجساد أنها تندرسُ لأنها يمر عليها الزمان. ولما كان الله لا تبلغُ شائبةُ الاندارس إلى جَنَابِ قُدْسِهِ، كان عاليًا عن الزمان أيضًا.

стр. 211

قوله: (وكتب عمر بن عبد العزيز) وهو أولُ من تهيأ لجمع العلم. قوله: (ينزعه) أي لا يسلب ما كان حاصلًا من قبل. قوله: (الفِرَبري) رحمه الله تعالى هو من تلامذة البخاري. وليس هذا من عبارة البخاري، إنما ألحقها صاحب النُّسخة، فهذا الإسناد عند الفِرَبري من غير طريق البخاري، وكثيرًا ما يفعله الفربري، فإنه كلما يجدُ إسنادًا غير إسناد البخاري يأتي به أيضًا. ٣٦ - باب هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِى الْعِلْمِ ١٠١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ الأَصْبَهَانِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ. قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِىِّ ﷺ غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَاّ كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاثْنَيْنِ فَقَالَ «وَاثْنَيْنِ». طرفاه ١٢٤٩، ٧٣١٠ - تحفة ٤٠٢٨ ١٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِىِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ «ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ». طرفه ١٢٥٠ - تحفة ٤٠٢٨، ١٣٤٠٩ - ٣٧/ ١ ١٠١ - (أبو سعيد) اسمه: سعيد بن مالك. قوله: (من نفسك) يعني اجعل لنا يومًا من نفسك ومن عندك، لأنه لا يليقُ بنا أن نُعيِّنَه من عندنا. قوله: (واثنين) عطفُ تلقين، وأثبت الحافظ رحمه الله تعالى أنه حكم الواحد أيضًا، فإن مفهومَ العدد لا يعتبر إجماعًا، نعم قد يعرضُ للمتكلم اعتباري في الذهن يكون سببًا لذكر العدد المخصوص، ولا يكون مدارًا للحكم. وفي الحديث فيه قيد وهو «لم يبلغَ الحنث» والحِنْثُ في اللغة: ناشايان كام والمراد منه البلوغ، فلو كانوا بالغين فكذلك أيضًا، إلا أنَّ نفعَ الصبيان لعصمتهم وشفاعتِهم، ونفعَ البالغين لمزيدِ التأسفِ على وفاتهم والصبر عليهم. ٣٧ - باب مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ ١٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَاّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ». قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ فَقَالَ «إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ». أطرافه ٤٩٣٩، ٦٥٣٦، ٦٥٣٧ - تحفة ١٦٢٦١

стр. 212

هذا هو الترتيب الصحيح. ويردُ عليه سؤال عائشة ﵂. وحاصلُ جوابِهِ ﷺ أن الحسابَ اليسيرَ هو العَرْضُ فقط، والعذابُ لمن نُوقِش فيه. وانعكس الترتيب في بعض طرقِهِ كما يأتي في الصفحة الآتية. فقدم فيه قوله: «من نوقش عذب» ولا يتأتى عليه سؤالُ عائشة رضي الله تعالى عنها، فإنه لم يقل بالعذاب لمن حوسب، وإنما أخبرَ به لمن نُوقش، فلا سؤال، فاحفظه ولا تغفُل. فإن الحديثَ إذا وردَ بألفاظٍ مختلفةٍ فليؤخُذ بجميع ما ورد من طرُقِهِ ثم ليخْتَر أقربَ ألفاظه وأعجبها إلى الذوق والتبادر، فإن الرواية بالمعنى فاشيةٌ، والتغييرَ من الرواة معلومٌ. قوله: (إنما ذلك العَرْض) واستفدتُ منه أنه يجوزُ للتفهيم تغييرُ عُنوانَ القرآن، كما غيره النبي ﷺ من الحساب اليسير إلى العَرْض، وهذا مهم فاعلمه. ثم العَرْض غير التعليم، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١] فآدم معلَّم والملائكة معروضٌ عليهم. ولم يعلمهم من أسمائها شيئًا فلا إشكال في حديث عَرْض الأعمال. ٣٨ - باب لِيُبَلِّغِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدٌ عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ ائْذَنْ لِى أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِى، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَاىَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِى فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ». فَقِيلَ لأَبِى شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالَ أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. طرفاه ١٨٣٢، ٤٢٩٥ - تحفة ١٢٠٥٧ قوله: (أبو شريح) صحابي. (عمرو بن سعيد) والي المدينة من جهة يزيد: ولم يذكر المحدثون سُوء حاله، إلا أني رأيت حكايةً بالإسناد تدلُّ على شَقَاوتَه، حتى أخشى عليه سلبَ الإيمان، فلا أدري هل خفيتْ عليهم أو ماذا؟ وكيفما كان ذِكرُهُ ههنا في ذيلِ القصة لا أنه راوي الحديث ليعدّ من رواة الصحيح. ثم إن المسألة عندنا فيمن جَنَى خارج الحرم، ثم التجأ إليه، أنَّ جنايتَه لو كانت في

стр. 213

الأطراف يُقتصُ منه في الحرم. فكأنها جعلت في حكم الأموال. وإن كانت في النَّفْس لا يُقتص منه في الحرم، ويُلجأ إلى الخروج حتى يُقتص منه. وعند الشافعية يقتص في الحرم، فحَرُمةُ الحرمِ أزيدُ عندنا من الشافعية. وتمسك الحافظ رحمه الله تعالى بقول عمرو بن سعيد. قلت: وأنا راض على هذا التقسيم، فإن الصحابيَّ في هذا الحديث يُوافقَنا في المسألة. ١٠٤ - قوله: (ولا يعضد) وراجع لتفصيله «شرح الوقاية» من الجاف والمنكسِرِ والنابت بنفسه، وعدمُ كونه مما ينبتُهُ الناس. قوله: (ساعة من نهار) وهي من طلوع الشمس إلى الغروب كما في «مسند أحمد». قوله: (الخَرْبَة) في الأصل سرقة الإبل، ثم عمَّم. وفي بعض النُّسخ: الخزية بمعنى رسوائي وراجع «دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة للحبيب» فإنه تكلم في هذا الحديث كلامًا حسنًا. وكتب أن الإمامَ أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد فَهِمَه حق الفهم، وكان مصنفه من علماء السند، وأصله من الكشمير، وأجازه الشاه ولي الله قُدِّس سره بالكتابة، وحرر له أني أجيز لك ولمن كان لها أهلًا من أهل بلدك - وقد تكفل بطبعه غير المقلدين في زماننا، لأن مصنف الدراسات أيضًا لم يكن مقلدًا، إلا أنه لم يكن متعصبًا مثل هؤلاء، فإذا وجد كلمةَ حقٍ أقرَّ بها كما فعل ههنا - فإنه مدح الإمام على أنه هو الذي أدى حق الحديث وعمل به بدون تخصيص ولا تأويل. قوله: (إن الحرمَ لا يعيذُ عاصيًا) قلت: هو من باب كلمةِ حق أريدَ بها الباطل، فإنه لا يصدُقُ على ابن الزبير أصلًا، بل يصدقُ عليه وعلى يزيد. وملخص القصة أن معاويةَ ﵁ لما ولى يزيد أنكرَ عبد الله بن الزبير وأصحابَه أن يُبَايعوه ورحلَ عبد الله بن الزبير ﵁ إلى مكة، فاستخلف بعدَه مروان، ثم عبد الملك، فولى عبد الملك الحجاج المبير ظالمُ هذه الأمة، فتولى قتْلَ ابن الزبير ﵁ وفعلَ ما فعل، وأحرقَ قرنًا كَبْش إسماعيل ﵊، وتهدمت حِصةٌ من البيت أيضًا، والعياذ بالله. ١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ - عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ. أطرافه ٦٧، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧ تحفة ١١٦٨٢ - ٣٨/ ١ ١٠٥ - قوله: (وكان محمد) جملةٌ معترِضةٌ ومعناها: تصديقُ ما أخبرَ به النبي ﷺ من أنه وَقَعَ كما أخبر. وثبت أن رُبَّ غائبٍ أحفظ من السامع. ٣٩ - باب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ - ١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى مَنْصُورٌ قَالَ سَمِعْتُ

стр. 214

رِبْعِىَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا تَكْذِبُوا عَلَىَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ». تحفة ١٠٠٨٧ ١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِنِّى لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ. قَالَ أَمَا إِنِّى لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». تحفة ٣٦٢٣ ١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنَسٌ إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَىَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». تحفة ١٠٤٥ واعلم أنَّ الجمهورَ على أن الكذبَ على النبي ﷺ عمدًا من أشدِّ الكبائر. وذهب أبو محمد الجُويني - من كبار الفقهاء - إلى أنه كفرٌ. وأيَّده من المتأخرين الشيخ ناصر الدين بن المنير وأخوه الصغير زين الدين بن المنير. وأما من فرق بين الكذب عليه والكذب له تمسكًا، بقوله: من تكذب عليّ فإنه جاهل، فإن الكذب كيف كان ليس له في حال بل هو عليه في كل حال فلا يجوزُ الكذبُ في الترغيب والترهيب أيضًا. والكذب بكسر الذال اسمٌ، وبسكونها مصدرٌ. قال العيني: من ذكر حديثًا موضوعًا بدون ذكر وضعِهِ أو غَلِط في الإعراب فهو أيضًا تحت هذا الوعيد. قال الحافظ في «الفتح»: إن هذا الحديث ثابت عن ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ قلت: وهو عندي عن خمسينَ منهم. والحاصل: أنه حديثٌ متواترٌ قطعًا. فائدة واعلم أني لم أجد أتقن في باب النقل من المحدثين، ثم الفقهاء، ثم أهل اللغة فإنهم لا يأتون بحديث لا يكون له أصلٌ في كتب الحديث. وأما الذين أشربت قلوبهم فنَّ المعقول فإنه تبيَّن بعد الاستقراء أنهم لا عِلم لهم بأن الحديث ما هو؟ وأن البحثَ عن الأسانيد ماذا؟ ولكنهم إذا سمعوا الناس قالوا في كلام: إنه حديث، جعلوا يقولون: إنه حديث وإن كان موضوعًا. ١٠٩ - حَدَّثَنَا مَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ يَقُلْ عَلَىَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». تحفة ٤٥٤٨ ١٠٩ - قوله: (مكي بن إبراهيم) وهو حنفيٌ من أصحاب أصحاب أبي حنيفة ﵀. وهذا أول الثلاثيات عند البخاري، وهي أزيدُ عند الدارمي منه، فإن الدارميَّ أكبر سنًا منه، وشيء منها عند ابن ماجه أيضًا وليست عند أحد من الصحاح غيرهما. وفي «مسند الإمام أبي

стр. 215

حنيفة» الثنائيات أيضًا. وقد مرَّ أنه تابعيٌ رؤيةً وتبع التابعين رِوَايةً، فإنه ثبتَ رؤيتُهُ أنسًا رضي الله تعالى عنه عند الكل. وادَّعى العيني أنه رأى سبعة من الصحابة. وردها العلامة قاسم بن قُطَلُوبُغَا وقال: إنه لم يثبت له غير رؤية أنس ﵁. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: إن العلامة قاسم مُتقنٌ وهو في اصطلاحهم من لا يغلطُ في إسماء الرواة وألفاظ الحديث. قلت: بل هو حافظ، وإن لم يكن مثل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. ثم إن «مسند الإمام» إنما جُمِعَ بعده، والمتداول في الأيدي هو «مسند الخوارزمي» وهو المشهور ب «مسند الإمام». وقد كان جَمْعَهَ عشرة من الناس منهم حفاظ، ثم جمعَ الجميعَ الخوارزمي ثم جمع «مسنده» أربعة من الأئمة أيضًا: منهم أبو بكر المقرىء، وأبو نُعيم الأصْبَهاني وهذه المسانيد مفقودة كلها. وأحسن ما يمكن جمع مسنده من أمالي أبي يوسف رحمه الله تعالى، وكان يملي في زمان قضائه. وقد حضرَ في مجلس إملائه أحمد رحمه الله تعالى وابنَ معين أيضًا وعن ابن مَعين عندي أن أبا يوسف رحمه الله تعالى كان يحفظُ في زمن حفظهِ ستين حديثًا في مجلس واحد، وليس في «الجامع الصغير» حصة من الأحاديث. نعم، في «المبسوط» حصة منها، لكن الآفة فيها أن الطابع لم يميز فيما بين كلام محمد وكلام الشارح، وكذا حذف الأسانيد فتعطلت عن الفائدة. ١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى حَصِينٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «تَسَمَّوْا بِاسْمِى وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى، وَمَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِى، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِى صُورَتِى، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». أطرافه ٣٥٣٩، ٦١٨٨، ٦١٩٧، ٦٩٩٣ - تحفة ١٢٨٥٢ ١١٠ - قوله: (تسموا باسمي ... إلخ) كان دأب العرب أنهم إذا دعوا أحد أو أرادوا توقيره، دعوه بكنيته دون اسمه، وعليه ما جاء في الحديث أن رجلًا دعا أحدًا بأبي القاسم، فالتفت إليه النبي ﷺ فقال الرجل: إني لم أردكَ، فنهى النبي ﷺ أن يُكْتَنَى أحد، يكنيته لئلا يحصلَ الالتباس، ولذا قال بعض العلماء: إن النهى مقتصر على زمانه، سواء تَكنَّى منفردًا أو مع اسمه الشريف. وفي المسألة أقوال عديدة ذكرها الشارحون. قوله: (من رآني في المنام ... إلخ) والمعنى: من تعلقت رؤياه بي فهو تعلق صحيح، أي من تعلقت رؤياه بي في اعتقاده فهي رؤيا صحيحة، كذا قال صاحب «القوت». واعلم أن اختُلف في رؤيته ﷺ ومراد الحديث. فقال بعضهم: إنه مخصوصٌ بما إذا رآه في حليته المباركة، واعتبر هؤلاء أطوارَ الحلية ولم يجوزوا المخالفة ولو بشعرة، فإن كان رآه في حليةِ صباه ينبغي أن تطابق بما كانت حليته فيه، وكذا في حلية الشباب والشيخوخة. ونقل البخاري عن ابن سِيرين في كتاب الرؤيا أنه كان يسأل الرائي عن حليته التي رآه فيها، فهذا دليلٌ على اعتباره أطوار الحلية، وهذه الجماعة قليلة.
следующие страницы →