← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 98124

فيض الباري على صحيح البخاري

الكشميري

Полный текст (3 525 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قوله: (وكتب عمر بن عبد العزيز) وهو أولُ من تهيأ لجمع العلم. قوله: (ينزعه) أي لا يسلب ما كان حاصلًا من قبل. قوله: (الفِرَبري) رحمه الله تعالى هو من تلامذة البخاري. وليس هذا من عبارة البخاري، إنما ألحقها صاحب النُّسخة، فهذا الإسناد عند الفِرَبري من غير طريق البخاري، وكثيرًا ما يفعله الفربري، فإنه كلما يجدُ إسنادًا غير إسناد البخاري يأتي به أيضًا. ٣٦ - باب هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِى الْعِلْمِ ١٠١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ الأَصْبَهَانِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ. قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِىِّ ﷺ غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَاّ كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاثْنَيْنِ فَقَالَ «وَاثْنَيْنِ». طرفاه ١٢٤٩، ٧٣١٠ - تحفة ٤٠٢٨ ١٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِىِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ «ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ». طرفه ١٢٥٠ - تحفة ٤٠٢٨، ١٣٤٠٩ - ٣٧/ ١ ١٠١ - (أبو سعيد) اسمه: سعيد بن مالك. قوله: (من نفسك) يعني اجعل لنا يومًا من نفسك ومن عندك، لأنه لا يليقُ بنا أن نُعيِّنَه من عندنا. قوله: (واثنين) عطفُ تلقين، وأثبت الحافظ رحمه الله تعالى أنه حكم الواحد أيضًا، فإن مفهومَ العدد لا يعتبر إجماعًا، نعم قد يعرضُ للمتكلم اعتباري في الذهن يكون سببًا لذكر العدد المخصوص، ولا يكون مدارًا للحكم. وفي الحديث فيه قيد وهو «لم يبلغَ الحنث» والحِنْثُ في اللغة: ناشايان كام والمراد منه البلوغ، فلو كانوا بالغين فكذلك أيضًا، إلا أنَّ نفعَ الصبيان لعصمتهم وشفاعتِهم، ونفعَ البالغين لمزيدِ التأسفِ على وفاتهم والصبر عليهم. ٣٧ - باب مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ ١٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَاّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ». قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ فَقَالَ «إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ». أطرافه ٤٩٣٩، ٦٥٣٦، ٦٥٣٧ - تحفة ١٦٢٦١

стр. 212

هذا هو الترتيب الصحيح. ويردُ عليه سؤال عائشة ﵂. وحاصلُ جوابِهِ ﷺ أن الحسابَ اليسيرَ هو العَرْضُ فقط، والعذابُ لمن نُوقِش فيه. وانعكس الترتيب في بعض طرقِهِ كما يأتي في الصفحة الآتية. فقدم فيه قوله: «من نوقش عذب» ولا يتأتى عليه سؤالُ عائشة رضي الله تعالى عنها، فإنه لم يقل بالعذاب لمن حوسب، وإنما أخبرَ به لمن نُوقش، فلا سؤال، فاحفظه ولا تغفُل. فإن الحديثَ إذا وردَ بألفاظٍ مختلفةٍ فليؤخُذ بجميع ما ورد من طرُقِهِ ثم ليخْتَر أقربَ ألفاظه وأعجبها إلى الذوق والتبادر، فإن الرواية بالمعنى فاشيةٌ، والتغييرَ من الرواة معلومٌ. قوله: (إنما ذلك العَرْض) واستفدتُ منه أنه يجوزُ للتفهيم تغييرُ عُنوانَ القرآن، كما غيره النبي ﷺ من الحساب اليسير إلى العَرْض، وهذا مهم فاعلمه. ثم العَرْض غير التعليم، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١] فآدم معلَّم والملائكة معروضٌ عليهم. ولم يعلمهم من أسمائها شيئًا فلا إشكال في حديث عَرْض الأعمال. ٣٨ - باب لِيُبَلِّغِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدٌ عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ ائْذَنْ لِى أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِى، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَاىَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِى فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ». فَقِيلَ لأَبِى شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالَ أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. طرفاه ١٨٣٢، ٤٢٩٥ - تحفة ١٢٠٥٧ قوله: (أبو شريح) صحابي. (عمرو بن سعيد) والي المدينة من جهة يزيد: ولم يذكر المحدثون سُوء حاله، إلا أني رأيت حكايةً بالإسناد تدلُّ على شَقَاوتَه، حتى أخشى عليه سلبَ الإيمان، فلا أدري هل خفيتْ عليهم أو ماذا؟ وكيفما كان ذِكرُهُ ههنا في ذيلِ القصة لا أنه راوي الحديث ليعدّ من رواة الصحيح. ثم إن المسألة عندنا فيمن جَنَى خارج الحرم، ثم التجأ إليه، أنَّ جنايتَه لو كانت في

стр. 213

الأطراف يُقتصُ منه في الحرم. فكأنها جعلت في حكم الأموال. وإن كانت في النَّفْس لا يُقتص منه في الحرم، ويُلجأ إلى الخروج حتى يُقتص منه. وعند الشافعية يقتص في الحرم، فحَرُمةُ الحرمِ أزيدُ عندنا من الشافعية. وتمسك الحافظ رحمه الله تعالى بقول عمرو بن سعيد. قلت: وأنا راض على هذا التقسيم، فإن الصحابيَّ في هذا الحديث يُوافقَنا في المسألة. ١٠٤ - قوله: (ولا يعضد) وراجع لتفصيله «شرح الوقاية» من الجاف والمنكسِرِ والنابت بنفسه، وعدمُ كونه مما ينبتُهُ الناس. قوله: (ساعة من نهار) وهي من طلوع الشمس إلى الغروب كما في «مسند أحمد». قوله: (الخَرْبَة) في الأصل سرقة الإبل، ثم عمَّم. وفي بعض النُّسخ: الخزية بمعنى رسوائي وراجع «دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة للحبيب» فإنه تكلم في هذا الحديث كلامًا حسنًا. وكتب أن الإمامَ أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد فَهِمَه حق الفهم، وكان مصنفه من علماء السند، وأصله من الكشمير، وأجازه الشاه ولي الله قُدِّس سره بالكتابة، وحرر له أني أجيز لك ولمن كان لها أهلًا من أهل بلدك - وقد تكفل بطبعه غير المقلدين في زماننا، لأن مصنف الدراسات أيضًا لم يكن مقلدًا، إلا أنه لم يكن متعصبًا مثل هؤلاء، فإذا وجد كلمةَ حقٍ أقرَّ بها كما فعل ههنا - فإنه مدح الإمام على أنه هو الذي أدى حق الحديث وعمل به بدون تخصيص ولا تأويل. قوله: (إن الحرمَ لا يعيذُ عاصيًا) قلت: هو من باب كلمةِ حق أريدَ بها الباطل، فإنه لا يصدُقُ على ابن الزبير أصلًا، بل يصدقُ عليه وعلى يزيد. وملخص القصة أن معاويةَ ﵁ لما ولى يزيد أنكرَ عبد الله بن الزبير وأصحابَه أن يُبَايعوه ورحلَ عبد الله بن الزبير ﵁ إلى مكة، فاستخلف بعدَه مروان، ثم عبد الملك، فولى عبد الملك الحجاج المبير ظالمُ هذه الأمة، فتولى قتْلَ ابن الزبير ﵁ وفعلَ ما فعل، وأحرقَ قرنًا كَبْش إسماعيل ﵊، وتهدمت حِصةٌ من البيت أيضًا، والعياذ بالله. ١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ - عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ. أطرافه ٦٧، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧ تحفة ١١٦٨٢ - ٣٨/ ١ ١٠٥ - قوله: (وكان محمد) جملةٌ معترِضةٌ ومعناها: تصديقُ ما أخبرَ به النبي ﷺ من أنه وَقَعَ كما أخبر. وثبت أن رُبَّ غائبٍ أحفظ من السامع. ٣٩ - باب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ - ١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى مَنْصُورٌ قَالَ سَمِعْتُ

стр. 214

رِبْعِىَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا تَكْذِبُوا عَلَىَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ». تحفة ١٠٠٨٧ ١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِنِّى لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ. قَالَ أَمَا إِنِّى لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». تحفة ٣٦٢٣ ١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنَسٌ إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِى أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَىَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». تحفة ١٠٤٥ واعلم أنَّ الجمهورَ على أن الكذبَ على النبي ﷺ عمدًا من أشدِّ الكبائر. وذهب أبو محمد الجُويني - من كبار الفقهاء - إلى أنه كفرٌ. وأيَّده من المتأخرين الشيخ ناصر الدين بن المنير وأخوه الصغير زين الدين بن المنير. وأما من فرق بين الكذب عليه والكذب له تمسكًا، بقوله: من تكذب عليّ فإنه جاهل، فإن الكذب كيف كان ليس له في حال بل هو عليه في كل حال فلا يجوزُ الكذبُ في الترغيب والترهيب أيضًا. والكذب بكسر الذال اسمٌ، وبسكونها مصدرٌ. قال العيني: من ذكر حديثًا موضوعًا بدون ذكر وضعِهِ أو غَلِط في الإعراب فهو أيضًا تحت هذا الوعيد. قال الحافظ في «الفتح»: إن هذا الحديث ثابت عن ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ قلت: وهو عندي عن خمسينَ منهم. والحاصل: أنه حديثٌ متواترٌ قطعًا. فائدة واعلم أني لم أجد أتقن في باب النقل من المحدثين، ثم الفقهاء، ثم أهل اللغة فإنهم لا يأتون بحديث لا يكون له أصلٌ في كتب الحديث. وأما الذين أشربت قلوبهم فنَّ المعقول فإنه تبيَّن بعد الاستقراء أنهم لا عِلم لهم بأن الحديث ما هو؟ وأن البحثَ عن الأسانيد ماذا؟ ولكنهم إذا سمعوا الناس قالوا في كلام: إنه حديث، جعلوا يقولون: إنه حديث وإن كان موضوعًا. ١٠٩ - حَدَّثَنَا مَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ يَقُلْ عَلَىَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». تحفة ٤٥٤٨ ١٠٩ - قوله: (مكي بن إبراهيم) وهو حنفيٌ من أصحاب أصحاب أبي حنيفة ﵀. وهذا أول الثلاثيات عند البخاري، وهي أزيدُ عند الدارمي منه، فإن الدارميَّ أكبر سنًا منه، وشيء منها عند ابن ماجه أيضًا وليست عند أحد من الصحاح غيرهما. وفي «مسند الإمام أبي

стр. 215

حنيفة» الثنائيات أيضًا. وقد مرَّ أنه تابعيٌ رؤيةً وتبع التابعين رِوَايةً، فإنه ثبتَ رؤيتُهُ أنسًا رضي الله تعالى عنه عند الكل. وادَّعى العيني أنه رأى سبعة من الصحابة. وردها العلامة قاسم بن قُطَلُوبُغَا وقال: إنه لم يثبت له غير رؤية أنس ﵁. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: إن العلامة قاسم مُتقنٌ وهو في اصطلاحهم من لا يغلطُ في إسماء الرواة وألفاظ الحديث. قلت: بل هو حافظ، وإن لم يكن مثل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. ثم إن «مسند الإمام» إنما جُمِعَ بعده، والمتداول في الأيدي هو «مسند الخوارزمي» وهو المشهور ب «مسند الإمام». وقد كان جَمْعَهَ عشرة من الناس منهم حفاظ، ثم جمعَ الجميعَ الخوارزمي ثم جمع «مسنده» أربعة من الأئمة أيضًا: منهم أبو بكر المقرىء، وأبو نُعيم الأصْبَهاني وهذه المسانيد مفقودة كلها. وأحسن ما يمكن جمع مسنده من أمالي أبي يوسف رحمه الله تعالى، وكان يملي في زمان قضائه. وقد حضرَ في مجلس إملائه أحمد رحمه الله تعالى وابنَ معين أيضًا وعن ابن مَعين عندي أن أبا يوسف رحمه الله تعالى كان يحفظُ في زمن حفظهِ ستين حديثًا في مجلس واحد، وليس في «الجامع الصغير» حصة من الأحاديث. نعم، في «المبسوط» حصة منها، لكن الآفة فيها أن الطابع لم يميز فيما بين كلام محمد وكلام الشارح، وكذا حذف الأسانيد فتعطلت عن الفائدة. ١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى حَصِينٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «تَسَمَّوْا بِاسْمِى وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى، وَمَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِى، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِى صُورَتِى، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». أطرافه ٣٥٣٩، ٦١٨٨، ٦١٩٧، ٦٩٩٣ - تحفة ١٢٨٥٢ ١١٠ - قوله: (تسموا باسمي ... إلخ) كان دأب العرب أنهم إذا دعوا أحد أو أرادوا توقيره، دعوه بكنيته دون اسمه، وعليه ما جاء في الحديث أن رجلًا دعا أحدًا بأبي القاسم، فالتفت إليه النبي ﷺ فقال الرجل: إني لم أردكَ، فنهى النبي ﷺ أن يُكْتَنَى أحد، يكنيته لئلا يحصلَ الالتباس، ولذا قال بعض العلماء: إن النهى مقتصر على زمانه، سواء تَكنَّى منفردًا أو مع اسمه الشريف. وفي المسألة أقوال عديدة ذكرها الشارحون. قوله: (من رآني في المنام ... إلخ) والمعنى: من تعلقت رؤياه بي فهو تعلق صحيح، أي من تعلقت رؤياه بي في اعتقاده فهي رؤيا صحيحة، كذا قال صاحب «القوت». واعلم أن اختُلف في رؤيته ﷺ ومراد الحديث. فقال بعضهم: إنه مخصوصٌ بما إذا رآه في حليته المباركة، واعتبر هؤلاء أطوارَ الحلية ولم يجوزوا المخالفة ولو بشعرة، فإن كان رآه في حليةِ صباه ينبغي أن تطابق بما كانت حليته فيه، وكذا في حلية الشباب والشيخوخة. ونقل البخاري عن ابن سِيرين في كتاب الرؤيا أنه كان يسأل الرائي عن حليته التي رآه فيها، فهذا دليلٌ على اعتباره أطوار الحلية، وهذه الجماعة قليلة.

стр. 216

وعممها بعضهم وقالوا: إن المرئي هو النبي ﷺ في أي حلية كان إذا كان عنده أنه رآهُ، ولم يعتبروا المطابقةَ بين الحلية المرئية والحلية التي هي حليتُهُ. ولما ضيَّق الأولونَ في رؤيته وقيدوها بتقييداتٍ وسعَوا في اعتبار أقواله الحُلمية، بخلاف الجمهور فإنهم إذا وسَّعوا في أمر الرؤية ضيَّقوا في اعتبار تلك الأقوال، ولكنها تُعرضُ على الشريعة عند جميعهم، فإن وافقت قُبلتِ وإلا لا. وما ذكره النووي رحمه الله تعالى مضرٌ جدًا، لأن ما أخبر النبي ﷺ به هو في رؤيته، ولم يخبرنا بأنه يقول له ويكلمه أيضًا، فما ثبتَ عنه يقظةً لا يُترك بما رئي منامًا. وأيضًا النائم ليس على يقينٍ من كلامه ولا من كلام تلك الصورة المُرتبة، وليست تلك صورةٌ بصرية، بل رؤيا حُلمية، وأكثر الناس لا يعرفون حقيقتها، فلذا لا يجبُ الأخذ بها. ولكن إذا لم تخالف حكمًا ظاهرًا من الشرع حَسُن العملُ بها أدبًا مع صورته ﷺ أو مِثالها. ولا ندَّعي أنه قاله ﷺ في الواقع، ولا أنه خاطبه، ولا أنه انتقل من مكانه، ولا أنه أحاط علمه الشريف بذلك البتة، وإنما الله أراه إياهُ لحكمةٍ علمها. وراجع له «شرح منهاج السنة» للسبكي. وفيه حكاية ذكرها الشيخ عبد الحق رحمه الله تعالى: أن رجلًا رأى النبي ﷺ في المنام يقول: اشرب الخمر، وكان الشيخ علي المتقي حيًا إذ ذاكَ وهو حنفي، شيخ لمحمد طاهر صاحب «مجمع البحار»، وهو أيضًا حنفي كما صرح به هو بنفسه في رسالة خطية، وسها مولانا عبد الحي رحمه الله تعالى حيث عده من الشافعية ومن مصنفات شيخه «كنز العمال» رتب فيه كتاب السيوطي رحمه الله تعالى «جمع الجوامع» - فأجابه: أن النبي ﷺ إنما قال: لا تشرب الخمر، ولكن الشيطان لَبَّس عليك، والنوم وقت اختلال الحواس. فإذا أمكن في اليقظة أن يسمعَ رجلٌ بخلاف ما قاله القائل لعلة في الخارج أو من جهته، ففي النوم أولى. والدليل عليه أنك تشرب الخمر، فأقر به، وقال: نعم إني أشرب الخمر. وعندي أنه قال له: اشرب الخمر تعريضًا على حاله القبيح، ويفهم هذا المعنى من لهجة المتكلم وكيفية تكلمه، فاللفظ الواحد قد يكون لمعناه، وقد يكون للتعريض. ثم التعريض قد يكون قوليًا وقد يكون فعليًا، يُعرف ذلك بالقرائن. وقالت هذه الطائفة: إن الحلية تُنبىء عن حال الرائي، فإن كان حاله حسنًا يراه في حالة حسنة، وإلا ففي غير ذلك. وفيه أيضًا حكاية أن رجلًا رآه ﷺ وعلى رأسه القَلنسوة الإنكليزية، فاستوحش منه، وكتب إلى مولانا الكنكوهي رحمه الله تعالى، فكتب إليه أنه إشارة إلى غلبة النصرانية على دينه. ثم التحقيقُ أن رؤيتَه ﷺ لا تتعين في رؤيةِ عين الذات المباركة، فإن الأحوال في رؤية الشخص مختلفة، فربما نرى شخصًا من الأحياء ولا يكون له علمٌ برؤيتنا ولو كان في المنام عين ما في الخارج لكان عنده شعور بها، فالمرئيُ إذًا والله تعالى أعلم قد يكونُ صورةً مخلوقة لله تعالى على مِثال تلك الصورة، أي أنه تعالى يخلق حقيقة على مثال صورتِهِ وروحانيته أرانا إياها وأوقع في نفسنا مخاطبتها إياها، وقد تكونُ روحه المباركة بنفسها مع البدن المثالي. ثم قد تكون يقظَةً أيضا كما أنها قد تكون منامًا.

стр. 217

ويمكن عندي رؤيته ﷺ يقظةً (١) لمن رزقه الله سبحانه كما نقل عن السيوطي رحمه الله تعالى - وكان زاهدًا متشددًا في الكلام على بعض معاصريه ممن له شأن - أنه رآه ﷺ اثنين وعشرين مرة وسأله عن أحاديث ثم صححها بعد تصحيحه ﷺ وكتب إليه الشاذلي يستشفع به ببعض حاجته إلى سلظان الوقت، وكان يوقِّره فأبى السيوطي رحمه الله تعالى أن يشفع له، وقال: إني لا أفعلُ وذلك لأن فيه ضررُ نفسي وضررُ الأمة، لأني زرتُهُ ﷺ غير مرة ولا أعرفُ في نفسي أمرًا غير أني لا أذهب إلى باب الملوك، فلو فعلتُ أمكن أن أحرم من زيارتِهِ المباركة. فأنا أرضى بضررِك اليسير من ضررِ الأمة الكثير. والشعراني رحمه الله تعالى أيضًا كتب أنه رآه ﷺ وقرأ عليه البخاري في ثمانية رفقة معه، ثم سمَّاهم وكان واحد منهم حنفيًا وكتب الدعاء الذي قرأه عند ختمِه. فالرؤية يقظة متحققة وإنكارُهَا جهلٌ. ثم عند مسلم في لفظ آخر: «فسيراني في اليقظة» ولعله حديث آخر ومضمون آخر يقتصر على حياته ﷺ وفيه تبشير بالصحابية لمن كان رآه في المنام، ولكن الراوي شك فيه وقال: أو فكأنما رآني، فوقع التردد في أنهما حديثان أو واحد. ونقل العيني رحمه الله تعالى فيه زيادة أخرى «فإني أرى في كل صورة» وهي تضرُ الطائفة الأولى فإنها تُشعر بالتعميم وأن لا تخصيصَ بحلية دون حلية. أقول وظاهرُ حديث البخاري يؤيد الطائفة الأولى، سيما إذا كان من لفظه: فإن الشيطان لا يتكونني، وحينئذٍ صرفُ هذه الزيادة عن ظاهرها أولى، فإنها لا توازي حديث البخاري. وشرحُهَا عندي دفع استبعاد، وهو أن النبي ﷺ إذا كان في المنام هو ولم يتمكن الشيطان من تمثله، فكيف تكون رؤيته في زمان واحدٍ لأشخاصٍ عديدة في أمكنة كذلك. والجواب: أنه ممكنٌ لأنه يُرى في كل صورة. أما أن تلك صورة مثالية أو عينه ﷺ فهو تابعٌ لمنامه قد تكون كذا وقد تكون كذا (٢).

стр. 218

ثم اعلم أن الأحاديث عامةٌ في الرؤيا تنبىء عن التقسيم الثنائي: الرؤيا من الله، والحُلُم من الشيطان. وشرحه العلماء بأن ظاهرَه إن كان خيرًا فهو من الله، ويَسألُ عن تعبيره. وإن كان مشوهًا فهو تحزينٌ من الشيطان ولا يَسأل عن تعبيره وأمره كما في الحديث. وفي بعض الأحاديث التقسيم الثلاثي أيضًا: تحديث النفس، وتخويفٌ من الشيطان، وبشرى من الله، وقد كنت مدةً طويلةً أظن أن حديث الباب يبنىء عن التقسيم الثنائي، فإذا انتفى الحُلم تعيَّنَ أن يكونَ من الله تعالى، وهذا معنى قوله: «فقد رآني» أي رؤياه صحيحة وحق ومن الله لانتفاء مَدْخليَّة الشيطان منها، لأنه لا يمكنُ أن يتمثل به ﷺ . أما الحظورُ بالبالِ أنه رآه أو انتقاشُ صورتِهِ المباكرة بتكررِ الخيال، فهما خارجان عن مصداق الحديث، فلم يدخلا تحت الشرط، فكذا في الجزاء أيضًا وإن كانا واقعين في الخارج. وبين الانتقاش والخطور فرق، فإن الرؤية في الأول متحققةٌ ولو كانت من أجل تصوره، ولا رؤية في الثاني غير الخطور بباله أنه رآه. ثم تبين لي بعد مرور الزمان أنه ينبىء عن التقسيم الثلاثي. والحديثُ لا يصرحُ إلا بانتفاء الحُلم فيه، فلا يمكنُ في رؤيته مَدْخليَّةُ الشيطان. نعم، يمكن أن يكون على طريق تحديث النفس أيضًا وحينئذٍ معنى قوله: «فقد رآني» أي تارة على طريق الرؤيا الإلهية، وأخرى على طور تحديث النفس، فبقي هذان الاحتمالان داخلين تحت مِصداق الحديث. وعلى الشرح الأول لم يكن فيه ألا احتمالُ كونِها من الله، سواءٌ كان ذلك رؤية لشخصه أو مثاله. والآن انفسحَ الأمرُ وأمكنَ أن يكونَ على طريق تحديث النفس أيضًا. بقي الشق الرابع، وهو رؤيته على سبيل الخُطور، فهو خارجٌ عن قضيةِ الحديث مطلقًا، فإنها ليست برؤيته أصلًا، فلا يدخل تحت الشرطِ فكيف في الجزاء فإن قوله: «فقد رآني» يُصدَّق فيمن تحققَ فيه الشرط، وهو قوله: «من رآني في المنام» ورؤيته على سبيل الخطور ليست من الرؤية في شيء. وهكذا أخرجه السبكي أيضًا. وجملةُ الأمر أن ما بدا لي بعد مضي الدهر هو أن الحالَ في رؤيته ﷺ على ثلاثة أنحاء كما هو عندهم في الرؤيا العامة، وإن كنتُ أظن أولًا أنه على خلافها من كونه مبنيًا على التقسيم الثنائي. وبالجملة أن الرؤية قد تكونُ عنايةً من جهته ﷺ وتلك هي أعلاها، وقد تكون تلك على المثال دون الشخص بعينِهِ، وكلتاهما داخلتان في قضية الحديث أما الرؤية على طريق الخُطور بالبال، فقد أخرجه السبكي رحمه الله تعالى. بقي تحديثُ النَّفْسِ فهو داخلٌ بعد كما ظهر آخرًا. وإنما اخترتُ هذا الشرحَ لأني رأيت الحالَ في الخارج كذلك، فلما أمكن شرحُ الألفاظ بما يطابق الخارج رأيته أولى. وتفصيله: أن القوةَ الخياليةَ بتكررِ الخيال، وممارستها قد تُحِدثُ في النفس صورةً، ولا يكون هذا إلا تصرفًا منها كما اشتهر في المثل في بلادنا: أن الهرةَ لا ترى في نومها إلا لحمًا، فإنها تحبُّه وتمارسه حتى لا تكاد تغيب عن ذهنها صورتُهُ، فتلك هي رؤياها في نومها كما هي في اليقظة، فكذلك حالُ من أُغرِمَ بحب النبي ﷺ وأكثر ذكره وطال فيه فِكرُه، ولم يزل مشغولًا به في اليقظة، فربما

стр. 219

يصوِّر في نومه ما عَلِق به قلبه في اليقظة، فهذا أمرٌ ممكنٌ، بل واقعٌ ونوعُ بشارةٍ له أيضًا، فإن هذا الخيال وإن لم تكن له حقيقة لكنه مبارك. والحاصل أن رؤياه ﷺ قد تكون كرامةً من الله تعالى، وهو بشرى المؤمن حقيقة، وقد تكون على طور تحديث النفس، فهذا أيضًا نوع بِشارة، وإن كانت ضعيفة ولذا يشتركُ فيها الصالح والطالح، ولو كان مع ذلك عناية من جانبه تعالى، فالأمر أعلى؛ وأما على طريق تحزين الشيطان فهذا أبعد وأبعد، نعم، يتحقق ذلك في الرؤيا العامة، هكذا حققه الشيخ المجدد السَّرهندي رحمه الله تعالى وأعلى درجته في عليين وبعدَه الشيخ ميرزا جان جانان الشهيد والشاه رفيع الدين رحمهما الله تعالى، فإنهم كلهم كانوا قائلين بالرؤية الخيالية أيضًا. ولعَمري أنه مذهبٌ محكمٌ مطابقٌ بما في الواقع، والله تعالى أعلم. ٤٠ - باب كِتَابَةِ الْعِلْمِ ١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ قُلْتُ لِعَلِىٍّ هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ قَالَ لَا، إِلَاّ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ قُلْتُ فَمَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. أطرافه ١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣، ٦٩١٥، ٧٣٠٠ تحفة ١٠٣١١ واعلم أن الاهتمام في عهده ﷺ كان بجمعِ القرآن فقط، ولم تكن هممهم مصروفةً إلى جمع الأحاديث، بل كانوا يحفظونَها عن ظهرِ قلب، إما بالألفاظ بعينها إن أمكن، وإلا فبالمعنى مع إبقاء المراد على حاله. ثم جَمَعَ أبو بكر الصديق مما تفرق من القرآن في مقام واحد، ثم أخذ عنه عمر ﵁ نقولًا في زمان خلافته. أما عثمان ﵁ فكتب جميع ما كان قرأه جبرئيل على النبي ﷺ في العَرْضَةِ الأخيرة وأرسل نقوله إلى البلاد وما كانت عندهم من القراءات المختلفة أمر بحرقها لئلا يَشقَّ الناسُ عصاهم في أمر القرآن. ثم إنه ثبت عنه النهيُ عن كتابة الحديث وثبت عنه الإجازة أيضًا لبعض أصحابه ﷺ فقد رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: إني لا أعلمُ أحدًا أحفظُ لحديث رسول الله ﷺ مني غير عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فإنه كان يكتب ولا أكتب (١)، فكان عبد الله بن عمرو بن العاص جمع أحاديثه ﷺ في كتاب وسمَّاه الصادقة.

стр. 220

وأخرج الطحاوي عن عمر ﵁ أنه أراد أيضًا جمعَ الأحاديث واستخار إلى شهرٍ، فاستقر رأيهُ على أن لا يجمعها وقال: إني سمعت قومًا نزلت عليهم الصحيفةُ فكتبوا حديثَ نبيِّهم وانهمكوا فيها، حتى غَفَلوا عن صحيفتهم فضاعت، فرأى أن لا يجمع. ثم أول من صنف فيه من التابعين الزُّهْري، فجمع فيه السير والمغازي. ثم صنف ابن جُرَيج في زمن عبد الملك. وجمع مالك رحمه الله تعالى في «الموطأ» المرفوع مع الآثار. ثم جرَّد أحمد رحمه الله تعالى المرفوع من الآثار مع عدم التميز بين الصحيح والسقيم، حتى ظهر البخاري وصنف «صحيح البخاري» مميِّزًا بين الصحيح وغيره. حتى قيل في حقه: إنه أصحُّ الكتبِ بعد كتاب الله تعالى، ثم صنف الناس كتبًا تَتْرى على اختلافهم إلى أن بلغ الأمر كما ترى. قلت: وإن جَمْعَ الأحاديث في زمنه ﷺ وإن كان أحسنَ في بادىء الرأي، إلا أن المرضِيَّ عند ذلك كان أن لا تدونَ الأحاديثُ مثل تدوين القرآن، ولا تحفظُ حفظه، ولا تنتهي في الحتم نهايته، ولا تبلغُ في الاهتمام بألفاظها مبلغَه، ولا ينفي عنه الاختلاف والشبهات نفيها عنه، بل تبقي في مرتبة ثانوية يمشي فيها الاجتهادُ، وتفحصُ العلماء، وغور الفقهاء، وبحث المحدثين لينفسح عليهم أمر الدين، ويتوسع عليهم من كل جانب، وصدق حيث قال: «إن الدين يُسر» ثم رأيت أثرًا عن الزهري في كتاب «الأسماء والصفات» قسم فيه الوحيَ وقال: إنه لا يُكتب منه إلا قسم واحدٌ، فعلمتُ أن انضباطَ نوعٍ دون نوع في زمنه ﷺ كانت هي المسألة، لا أن عدم كتابة الأحاديث كانت اتفاقًا فقط. قوله: (ولا يقتل مسلم بكافر) وبظاهره أخَذَ الأئمة الثلاثة وقالوا: إن المسلم لا يقتل بكافر حربيًا كان أو ذِميًا. وخالفهم أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الذِّمي وقال: إن المسلم يقتل بالذمي وإليه ذهب داود الظاهري وأبو بكر الضحاك في كتاب الديات، وأبو بكر هذا بعد البخاري بزمن قريب. قلت: والمستأمنُ أيضًا كذلك فيقتلُ بالمستأمن أيضًا، وإن كان بعض عبارات الفقه يُوهم بخلافه، لكنَّ المذهبَ ما قررنا. واحتج الأئمة رحمهم الله تعالى بقوله: «لا يقتل مسلم بكافر» ونقل الحافظ في «الفتح» أن زفرَ رحمه الله تعالى قيل له: إنك تقولُ بقتل المسلم بالذمي مع أن الحدود مُندرئةٌ بالشبهات، وأي شبهةٍ أقوى من أن يقتصَّ من المسلمِ بالذمي مع قوله ﷺ «لا يقتل مسلم بكافر» فرجع عنه وقال: أشهد أني رجعت عن هذه المسألة. وأجاب عنه

стр. 221

الطحاوي (١) أن المرادَ من الكافرِ هو الحربيُّ دون الذمي، بقرينة قوله: «ولا ذو عهد في عهد»

стр. 222

وشرحه بأن المسلمَ لا يُقتل بكافرٍ ولا يقتلُ ذو عهدٍ في عهده بكافر أيضًا. وحينئذٍ وجب أن يرادَ من الكافر الحربيُ فقط، ليستقيم التقابل بين ذي العهد والكافر. وقال الشافعية: إن في الحديث قطعتين: الأولى في حكم القِصاص، أي لا يقتصُ من المسلم بقتل كافر حربيًا كان أو ذميًا. وأما القطعة الثاني فلم تُذكر لحكم القصاص بل لحكمِ المعاهد، أي أنَّ القصاص وإن لم يجب لقتله، ولكن قتلُهُ حرامٌ، فلا يقتلُ ذو عهدٍ في عهده، كما في حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا قال: «إلا من قَتَلَ نَفْسًا مَعَاهِدًا له ذِمَّة الله وذِمَّة رسُولِهِ، فقد أخفر ذمة الله فلا يُرَح رائحة الجنة .. إلخ»، وهذا الحديث سِيق لبيان حِرمَةِ قتله، لا لأجل القِصاص. فكذلك القِطعة الثانية في حديث الباب إنما سيق لبيانِ حرمةِ قتلهِ، وليست مرتبطة بما قبلها، وحينئذٍ يمكنُ أن يكونَ معنى الحديث: أن المسلم لا يُقتلُ بحال بكافر، سواءٌ كان الكافر حربيًا أو ذميًا. أما ذو عهد فإنه لا يقتلُ أيضًا، لأنه حَرَامٌ قتله، فلم يتعين مرادُهُ فيما ذكره الطحاوي وبقي الأمر في التردد بعد. وأجاب عنه الشيخ ابن الهُمَام (١) أن الحديثَ إنما ورد في دماء الجاهلية وذهولها. والمعنى أن مسلمًا بعد إسلامه لا يقتلُ في قصاص كافرٍ قَتَلَه في الجاهلية، فدعاوي الجاهلية لا يرافع بها بعد الإسلام. قلت: وهذا لطيف جدًا: فإنه قطعة من خُطبة النبي ﷺ خَطَبها في فتح مكة. وإعلانُ هذه المسألة هو الذي يناسبُ المحلَ والمقامَ. وقد ورد عند البخاري حديث آخر عن ابن عباس، وشرحه العلماء بعين هذا، وفيه أنه قال: «أبغض الناس عند الله ثلاثة: مبتغ في الإسلام سنة لجاهلية، ومطالب دم امرىء بغير حق ... إلخ». قال العلماء: إنه في دماء الجاهلية فلا يُبعد أن يكونَ هذا الحديث أيضًا في دمائها كما ادَّعاه الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى. والجواب (٢) عندي: أنَّ حقنَ دمَ الذميِّ مستفادٌ من عهده بالمسلمين، حيث لم يعاهده

стр. 223

إلا على حفظِ دمهِ ومالهِ. وعند الترمذي: أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا. فالمعاهدة لا تقع إلا على حفظِ دمه وعِرضِهِ ومالِهِ. فمن قتله من المسلمين فقد أَخْفَرَ ذمة المسلمين وافْتَاتَ عليهم، فيكون ناقضًا لذمتهم لأنهم ما عاهدوه إلا على أن دمَه يكون كدمهم، فلو لم يُقتل بقتلِهِ بَطَلَ معنى المُعاهدة فيُقتلُ لأجل معاهدتِهم إياه لا أصالة، فكأن قتل المسلم بالذمي من لوازِمِ عقد الذمة. وحينئذٍ معنى الجملة الأولى: «لا يقتل مسلم وذمي بكافر، وإنما أخرجنا لفظ الذمي في العبارة فقد بيانًا لحكمه، لأنه بعد عقد الذمة دَخَلَ في أحكام المسلمين في الدنيا لا أنه مقدَّرٌ ليكون تأويلًا. ومعنى القطعة الثانية كما ذكره الآخرون. وبهذا الطريق حصل الجواب عن الحديث مع بقاء موافقتهم في الشرح. ومن ههنا ظهر الجوابُ عما أُورِدَ على زفر رحمه الله تعالى فإن له أن يقول: يقتل لِخَفْره ذمة المسلمين وإزالةِ عصمتِها لا أصالة. ولي طريق آخر لم يسلكه أحدٌ، ويقتضي تمهيدَ مقدمة: وهي أن بيت الله كان تحت ولاية جُرْهم الذين تزوَّج فيهم إسماعيل ثم بقي كذلك في ذريتهم إلى زمان ثم تحول إلى يد خُزاعة، وليسوا بقريش، فإن لَقَبَ قريش شرع من قُصَيّ. واخُتِلف في خُزاعة أنهم كانوا مُضَرِيين أم لا؟ ثم لما صارت الولاية إلى قريش أخرجوا خزاعة ففروا إلى حوالي مكة وسكنُوا فيها، فعُلم منه أنه كانت عداوةٌ بين قريش وخُزَاعة من زمان طويل، فلما وقعَ صُلح الحُدَيْبِيَة دخل بنو خُزاعة في العهد مع النبي ﷺ وكان النبي ﷺ ارتضع فيهم ودخل بنو بكر أو بنو ليث - هكذا يشك الراوي - مع قريش. ومضى عليه زمان حتى وقعت حربٌ بين بني خُزَاعة وبين بني بكر حليف قريش فأعانهم قريش على خلاف المُعَاهدة ونقضوها وقتلوا رجلًا من خزاعة، فجاء خزاعةُ وافدين إلى النبي ﷺ وقد أخبره الله سبحانه عنهم قبل مجيئهم وكان يتوضأ وهو يقول: «سأنصر خزاعة». فسألته عائشة ﵂ ممن تكلم يا رسول الله؟ قال: يجيء وَفْدُ خزاعة فلما جاؤا وقَصُّوا عليه القِصة وعدهم بالنُّصْرِة، وغزا قريشًا مع عشرة آلاف من صحابته وحاربهم من الطلوع إلى الغروب، وهي الساعة التي أَحلت له ﷺ فلما فتحت مكة أعلن النبي ﷺ بالأمن وكان رجل من بني بكر - أو ليث - يجيء إلى النبي ﷺ ولا يدرى أنه كان يريد الإسلام أم لا؟ فقتلته خُزَاعة بقتيل لهم على بني بكر - أو ليث - كما كانت عادتُهم في الجاهلية، فأُخبرَ به النبي ﷺ فَرَكب راحلتَه مُغضَبًا وخَطَبَ: أن الله تعالى حبس عن مكة القَتْل أو الفيل». قال

стр. 224

محمد، أي البخاري: اجعلوه كذلك على الشك فإني سمعت من شيخي هكذا إلى أن قال: «فمن قتل قتيلًا فهو بخير النظرين» ... إلخ. وكانت هذه واقعةٌ قَتَلَ مَسلمٌ ذميًا، لأن الرجل وإن لم يكن ذميًا لكنه كان في حكمهم، لأنه لما أمر بالكفِّ عن القتال وأمن الناس فدخل هذا الرجل أيضًا في أمنه، والنبي ﷺ ذَكَرَ فيه القصاصَ صراحةً، فإن النظرة الواحدةَ هي القصاصُ، فمورد الحديثِ يُقوي مذهبنا ويلزم عليهم أن يخصِّصوا النصَّ بما وراء المورد، فلا يكون له حكم في المورد. وهذه المسألة اختلف فيها الأصوليون: أنه هل يجوز إخراج مورد الحديث عن حكم النص أولًا؟ والظاهرُ أنه لا يجوز، فعليهم أن يخصُّوا النصَّ بما وراء المورد. وإنما لم يقتص منه النبي ﷺ مع جَوَازِه لأنه أعذره، وكان الموضِعُ تسامحٍ وإغماض، لأن إعلان الأمن كان عن قريب، واحتملت المدة أن لا يشيعَ خبرُهُ ولا يصل إلى الأطراف أو يقال: إنه عَفَى عنه، وهذا جائز بشرطِ عدم الخُصومة والمراضاة، كما في فقهنا: أن المستحب للقاضي أن يدعوهم إلى الصلح أولًا كالتحكيم. وفَعَلَه عمر ﵁ في الحقوق المالية كثيرًا. وإنما أدى الدية من قِبَلَ نفسه إطفاءًا لنار الفتنة. ثم عند الترمذي في كتاب الديات ما هو أصرح منه في شموله سبب الورود أيضًا. عن أبي شُريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: «ثم إنكم معشر خُزَاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل، وإني عاقلته فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين الخيرتين ... إلخ» فهذا يدل على أنه كان ينبغي أن يقتصَّ منه إلا أنه أغمض عنه لمصلحةٍ رآها. ثم إن الحافظ نقل رواية عن الواقدي واستدل منه لمذهبه، إلا أنه لم يُسمِّه، فقلت: سبحان الله، وهل يُستدل بمثل الواقدي في أحكام الفقه؟ ولو فعله حنفيٌ لبقي عليه عارهُ أبدَ الدهر. وتحصل من المجموع أربعة أجوبة: الأول: أن المراد من الكافر هو الحربي دون الذمي، بقرينة مقابلته بالذمي. والثاني: أن الحديث في وضع دماء الجاهلية. والثالث: أن الذمي في حكمِ المسلم في النفس فقط والمال بنص الحديث وبالعهد فيدخل في المسلم بهذا الاعتبار. والرابع: أن النبي ﷺ أعلنَ في خُطبته بالقِصاص بين المسلم والذمي، فاعلمه. ١١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِى لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِىُّ ﷺ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ - أَوِ الْفِيلَ شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِى أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا

стр. 225

وَإِنَّهَا سَاعَتِى هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَاّ لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ اكْتُبْ لِى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ «اكْتُبُوا لأَبِى فُلَانٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَاّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِى بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِلَاّ الإِذْخِرَ، إِلَاّ الإِذْخِرَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يُقَالُ يُقَادُ بِالْقَافِ. فَقِيلَ لأَبِى عَبْدِ اللَّهِ أَىُّ شَىْءٍ كَتَبَ لَهُ قَالَ كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ. طرفاه ٢٤٣٤، ٦٨٨٠ - تحفة ١٥٣٧٢ - ٣٩/ ١ ١١٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ أَخْبَرَنِى وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ أَخِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّى، إِلَاّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. تحفة ١٤٨٠٠ ١١٢ - (قوله: ولا تحل لأحد بعدي) وهذا تكوينٌ ولا يخالفُ تسلط الكفارِ على مكة في زمان، لما في «الجامع الصغير»: أن مكةَ لا يُحِلها أحد حتى يُحلِها أهلها. قوله: (ولا تلتقط) وإنما عَدَلَ إلى المجهول لكونِهِ أبلغَ من المعروف ههنا، لدَلالته على انتفاء الفعل رأسًا. وهو حكم لُقطَةِ الحرم عند الشافعي رحمه الله تعالى، أي من التقطها يجبُ عليه التعريف دائمًا لقوله: «إلا لمنشد». وعندنا حكمُها حكمُ سائر اللقطات. وإنما خصَّها بالذكر للاعتناء بشأنها، لأنه يمكن أن يفهمَ ناظرٌ عدم الإنشاد فيها، فإنه محل مجتمعُ فيه الناس من كل فجٍ عميقٍ، فلعله لا يظهر فيه للإنشاد كثيرُ فائدة لرجوع الناس إلى أوطانهم. فقال إن فيها الإنشاد أيضًا. قوله: (فمن قُتِل) يعني أن المسألةَ بعد اليوم تكونُ كذلك، كما هو صريح عند الترمذي وقد مر وإنما سامح في هذه الواقعة لما مر من قبل. قوله: (إما أن يقاد من أقاد) بمعنى قصاص دلوانا ويقاد يعنى قصاص دلوائى جائين وبظاهره أخذ الشافعي رحمه الله تعالى. وموجِبُ القتلُ عنده على التخيير: إما القصاص، وإما الدِّية. وعندنا: موجبُ العمد هو القصاص فقط. وإنما يُرجع إلى الدِّية بالمراضاة، فلو عفا الأولياء عن القِصاص أو سكتوا ثم طالبوا الدِّية بعد بُرهة ليس لهم شيء، وإنما عليهم ذِكْرُ مالِ الصلح في المجلس. قلت: والحديثُ صادقٌ على مذهبنا أيضًا فإنه جاز له أن يقتصَّ منه وأن يأخذ الدِّية عندنا أيضًا، وإنما لم يذكر رضا القاتل لأن رضا القاتل ببذل المال عن نفسه أمر بديهي والعسر إن كان ففي رضا أولياء المقتول على الدية فإنهم يأخذون المال بدل النفس. ومعلوم أنَّ النَّفْسَ أعز. ولذا لم يذكر شرط الرضا في القاتل، وإنما لا أدخل في هذا الباب لأنه من باب التفقه. ثم

стр. 226

الحافظ العيني رحمه الله تعالى أطال الكلامَ ههنا وقال: إنه ليس فيه تخيير للأولياء، بل فيه تعريضٌ لهم بالأخذ بالأحسنِ والأصلح، ومراده أن خذوا بما كان أحسنَ وأصلح أما إنه خيرهم مستقلًا أو برضا القاتل؟ فإنه أمرٌ بمعزلٍ عن الحديث. وراجع كلامه إن شئت. قوله: (إلا الإذخر) وهو نوع من النبات مرجياكند وفي الفنجابى كترن بالنصب على الاستثناء. وعند ابن مالك يجوز الرفع أيضًا، وتقديره إلا الإذخر فإنه مُستثنى، وحينئذٍ المستثنى جملة كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] وبه يندفع الإشكال عن الآية. وقد مر الكلام عليها. ولعل إجازته واستثناؤه بالوحي. وليعلم أن تلكَ الصحيفة كانت عند أبي بكر ﵁، ثم عند عمر ﵁ كما عند الترمذي في الزكاة وكانت في قِرَاب السيف، وكانت فيها أحكام الزكاة كما في البخاري أيضًا. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» بإسناد جيد، يدل على أنها كانت فيها مسائل الزكاة على وفق مذهب الحنفية، إلا أن الحافظ لما جمعَ أحكام تلك الصحيفة أغمضَ عن تلك المسائل ولم يلتفت إليها، فعفى الله عنه حيث أخفى شيئًا كان فيه منفعةٌ للحنفية. ثم هذا من دأبي القديم أني إذا أجدُ أمرًا في البخاري ولو كان مُجملًا، ثم أجد تفصيلُهُ في غيره أضيفُ ذلك التفصيلَ إليه، وعلى هذا ادَّعى أن مذهبَ الحنفية في باب زكاة الإبل ثابتٌ من البخاري. ١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِىِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ «ائْتُونِى بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ». قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ «قُومُوا عَنِّى، وَلَا يَنْبَغِى عِنْدِى التَّنَازُعُ». فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ. أطرافه ٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦ - تحفة ٥٨٤١ ١١٤ - قوله: (فخرج) ولعل خروجه فيما بعد، لا عند واقعة القُرِطاس، لأن ابن عباس لم يكن هناك كما عند البخاري في موضع آخر، كأن يقول ابن عباس ﵁ ... إلخ. وهو الصواب فالمرادُ من الخروج ههنا خروجُه إلى تلامذته، وهذا وإن كان خلافَ الظاهر لكنه يجبُ المصيرُ إليه. ٤١ - باب الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ ١١٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ اسْتَيْقَظَ النَّبِىُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ «سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ

стр. 227

الْخَزَائِنِ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِى الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِى الآخِرَةِ». أطرافه ١١٢٦، ٣٥٩٩، ٥٨٤٤، ٦٢١٨، ٧٠٦٩ - تحفة ١٨٢٩٠ - ٤٠/ ١ العِظة: التذكير للغير. والعلم: التذكير لنفسه. والمصنف رحمه الله تعالى يُشير إلى قوله ﷺ «لا سمر بعد العشاء ... إلخ» ويقول: إن العلم والعظة ليس من السمر، فيجوز. قوله: (صدقة) هو محدث متشدد في حق الحنفية، وراجع له نيل الفرقدين. ١١٥ - قوله: (ذات ليلة) قال الرضي: إن كلمة ذات مؤنث ذو، وتكون صفةً لموصوف محذوف، أي مدة ذات ليلة. وقال العيني رحمه الله تعالى: إنها مقحمة زعمًا منه أنها بمعنى الحقيقة. قلت: وما اختاره الرضي أقرب، فإنه في هذا الباب أحذق. قوله: (ماذا أنزل) وهذا من باب تجسد المعاني، ثم ما رآه النبي ﷺ فهو أيضًا نحو من الوجود كالتقدير، فعلى هذا ما يقدر في ليلة البراءة هو أيضًا نحو من الوجود. وقد مر سابقًا أن للوجود أنحاءً من الجسماني، والرُّوحاني، والمِثالي، والعلمي، والذر، والتقديري كلها وجودات لشيءٍ واحد. وكذا كل وجود عالم برأسه، فهذه سبع وجودات (١) وسبع عوالم، وهو الله سبحانه رب العالمين. وسيجيء تحقيقُ عالمِ الذر بما لم يقرعُ سمعك إن شاء الله تعالى. وبه ينحلُ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «أن الله خلق سبع أرضين» إلخ وقد أشكل على الناس. وألف مولانا محمد قاسم النانوتوي فيه رسالة مستقلة. والوجه عندي: أن الحديث تعرَّض إلى أنحاء وجُودات الشيء، فالشيء واحدٌ وهو متعددٌ بتعدُدِ الوجُودات، لا أنها أشخاصٌ متعددة وأشياء كثيرة فافهم، وستنفعك هذه الإشارة إن شاء الله تعالى. قوله: (صواحب الحجر) جمع حُجْرة، ثم إن كانت مُسَقَّفةً فهي بيت، وإلا فحجرة. وصرح السَّمْهُودي في «الوفا» أن لكل من أزواجه ﷺ كانت حجرة وبيتًا. قوله: (رب كاسية عارية) بفقدان العمل ولباسِ التقوى ذلك خير، وهي إن كانت مرفوعة فهي جواب رُبَّ، وإن كانت مجرورةً فجوابه محذوف. ٤٢ - باب السَّمَرِ في الْعِلْمِ ١١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ وَأَبِى بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِىُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِى آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». طرفاه ٥٦٤، ٦٠١ - تحفة ٦٨٦٧، ٨٥٧٨

стр. 228

وإطلاق السمر في العلم كإطلاق التغني في القرآن، وإلا فالسمر لا يكون إلا في غير العلم كالقصص والحكايات. وقال النبي ﷺ «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» وألطفُ شروحِهِ ما ذكره ابن العربي: أن مراده وضعُ القرآن موضعَ الغناء واختياره مكانه، فإن الغناءَ ألذُ عند عامة الناسِ، والمطلوب تركه، فإذا تركه لا بد أن يضعَ مكانه شيئًا آخر يتلذذُ به، فعلى المؤمن الخاشع أن يجعلَ القرآنَ مقامَه ويتنزه قلبه به، ويتركَ ما لا يعنيه، ويشتغل بما يعنيه. ومن لم يفعل كذلك واشتغل باللهو والغناء وأضاعَ فيه وقته وجعلَ القرآن خلفَ ظهره، فإنه ليس منه ﷺ وليس على طريقه. قوله: (أرأيتكم) قال النُّحاة: ضميرُ المنفصلِ فيه تأكيدٌ للمتصل. ومعناه: أرأيتم ومحصلُه أخبرني على حد قول سعدى في بوستان. *"دو لشكر بهم برزدنذا زكمين ... توكفتى زدند آسمان برزمين" يعني: لو كنتُ هناك لقلتُ هذا وكذلك معناه، لو كنت فرأيت فأخبرت. ١١٦ - قوله: (لا يبقى) ... إلخ وقد وقعَ في شرحه أغلاطٌ. ومعناه: أن كل من كان موجودًا في وقت تكلمه على وجه الأرض فإنه لا يتجاوزُ عن هذه المدة، فالذين وُلدُوا بعد هذه، لم يدخلوا تحت هذه المقُولة، وكذا لا حكمَ فيه بأن عمرَ أمته لا يزيد عليه. ومن ههنا قال المحدثون: إن دعوى الصُّحْبة بعد تلك المدة باطلة كما ادَّعى بابًا رَتَن في بهتندا وردَّ عليه الذهبي فأخطأ في اسمه فكتبه «بطرند». وتصحيح اسم لسان من عالمِ لسان آخر أمرٌ عسير. وآخرهم وفاةً في مكة إنما هو عامر أبو طفيل، وفي المدينة جابر ﵁، وأنهما ماتا في تلك المئة كما أخبر به النبي ﷺ . ثم تكلم في الخضر أنه حي الآن أو مات هو أيضًا؟ ونسب إلى البخاري أنه ليس بحيِّ. وعند عامتهم هو حيّ. وأحسن ما يستدل به على حياته ما في «الإصابة» بإسناد جيد أنّه خرج عمر بن عبد العزيز مرة من المسجد ومشى مع رجل يتكلم معه فلم يعرفه الناس، فسألوه عنه فقال: إنه كان خَضِرًا. والعرفاء أيضًا ذهبوا إلى حياته إلا أنهم قالوا: بالبدن المثالي كما صرح به بحر العلوم. ثم قيل في وجه الجواب: أنه يمكن أن يكون على وجه البحر إذ ذاك لا على وجه الأرض، فلا يدخل في قضية الحديث. وعندي هو مخصوصٌ، فإن العموم على التحقيق ظني. ثم هو من رجال الأمم السابقة وغائب عن الأبصار، فلا بُعدَ في أن لا يشمَلَه الكلام ويبقى خارجًا عنه. ومن زوال كلام البلغاء لا يراها تأويلًا، بل هو الطريق المسلوك في العبارات. ١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ فِى بَيْتِ خَالَتِى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ عِنْدَهَا فِى لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِىُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ «نَامَ الْغُلَيِّمُ». أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى

стр. 229

سَمِعْتُ غَطِيطَهُ - أَوْ خَطِيطَهُ - ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. أطرافه ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢ - تحفة ٥٤٩٦ ١١٧ - قوله: (عن ابن عباس) إنما سنه عباس ليرى صلاةَ ليله ﷺ ولاستيفاء دينه منه، لما كانت جرت بينه وبين النبي ﷺ معاملة للدين، فكان يستقرض منه ويصرفه في مصارف الزكاة، ثم يؤديه إذا جاء عنده من مال الزكاة. واعلم أنه اخُتلف في عدد ركعات صلاة ليله ﷺ تلك، فقيل إنها إحدى عشرة وقيل ثلاث عشرة، ولم يترجح واحد منهما. قوله: (فصلى أربع ركعات ... إلخ) وفهم الحافظ أنها قطعة من صلاة ليله ﷺ والركعتان الأخيرتان كانتا سنة الفجر. وعندي هي سنهُ بعدِية للعشاء. وصرح الشيخ ابن الهُمام رحمه الله تعالى بأن المؤكَّدة وإن كانت هي الركعتان، إلا أن الأربع أيضًا مأثور بعد العشاء. وعند أبي داود عن عائشة ﵂ قال: سألت عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت: ما دخل رسول الله ﷺ بعد العشاء إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات (١). والتحقيق عندي: أن الراوي جمع فيه قِطعتين من صلاته ﷺ فذكر السنة البعدية وخَمْسًا من صلاة الليل، وحذف منها الباقي كما هو مصرح عند أبي داود عن سعيد بن جبير. فجاء فصلى أربعًا ثم نام، فهذه هي السنة البعدية، ثم قام يصلي ... فصلى خمسًا. وعند أبي داود: فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثماني ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن ... إلخ، فصارت تلك إحدى عشرة ركعة صلى ثمانية منها في سلسلة وخمسة في سلسلة أخرى. فاقتصر الراوي على إحدى السلسلتين وترك الأخرى. أما الاستدلال بقوله: أوتر بخمس ... إلخ على خلاف وِتْرية الثلاث فليس بناهض، بل يُبنى على خفاءِ حقيقة صلاته ﷺ في تلك الليلة. فاعلم أن صلاته ﷺ في تلك الليلة على ما يظهر من الروايات كانت هكذا: أربع ركعات، وثمان ركعات، وخمس ركعات، وركعتين. والأرجح عندي في الأربع أنها كانت سنة بعد العشاء كما مر، فمجموع صلاة ليله: ثلاثة عشر، والركعتان سنة الفجر. فصلى ثماني منها في سلسلة، وخمسًا أخرى في سلسلة، يعني صلى ثماني ركعات، ركعتين ركعتين ولم يجلس بينهما للاستراحة، فصارت تلك سلسلة واحدة ثم جلس. وليست هذه الجلسة إلا جلسة الاستراحة، لا ما تكون في خلال الصلاة، ثم أتمها بخمسة أخرى، فصلى ركعتين من صلاة الليل وثلاثًا للوتر في سلسلة واحدة، ثم جلس جلوس الفراغ، ثم ركع ركعتي الفجر.

стр. 230

وإذا كانت صلاته في تلك الليلة هكذا، سرى فيه تفنن العبارات. فذكر بعضهم السنَّة بعد العشاء، وحذف ثمان ركعات من صلاة ليله، ثم ذكر ركعات الوتر مع قِطعةٍ من صلاة ليله، ثم ذكر ركعتي الفجر كما هو عند أبي داود عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: بتُ في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث فصلى النبي ﷺ العشاء، ثم جاء فصلى أربعًا ثم نام - وهذا قريب من الصريح في أنها كانت سنة بعد العشاء، لأنه صلاها قبل النوم وبعد العشاء - ثم قام يُصلي فقمت عن يساره، فأدارني فأقامني عن يمينه، فصلى خمسًا ثم نام - وهذه الخمسة من صلاة ليله، وسقط عنه ذكر الثمانية ههنا - ثم قام فصلى ركعتين ثم خرج فصلى الغَدَاة. وهذا صريح في أن الركعتين كانتا سنة الفجر، لأنه فَصَلهما عن الخمس وذكرهما عند الخروج إلى الفرض. والدليل على أن ذكر الثمانية سقط من الراوي ما عنده عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس من طريق آخر: أنه قال: قام فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثماني ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن - وبقي في هذا الطريق ذكر ثنتي الفجر - وأيضًا عنده في تلك القصة أنه صلى ركعتين خفيفتين ثم سلم، ثم صلى حتى صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر ثم نام - فذكر فيه مجموع عدد صلاة الليل بدون الفصل بين الثمانية والخمس. وقد علمت حال الاختلاف في بيان العدد المجموع بين إحدى عشرة وثلاث عشرة - فأتاه بلال فقال: الصلاة يا رسول الله، فقام فركع ركعتين ثم صلى للناس، وهذا أصرح في أنهما كانتا سنة الفجر لا غير - فيذكر الراوي تارة صلاته قِطعةً قِطعةً لأنها كانت في الخارج كذلك، وتارة يُعطى العدد المجموع لداعية له، وأخرى قد يتعرض إلى ركعتي الفجر وقد يحذفها. وإذا تبينتَ أن النبيَّ ﷺ صلى الثمانية في سلسلةٍ وفصل بين هذه القِطعة وقطعة أخرى بعدها لم يبعدُ حذفها من العبارة أَيضًا. ثم إذا لم يحصل له الفراغ عن صلاة ليله إلا بعد الخمس، تعرض إلى بيانه وقال: أوتر بخمس ثم فرغ عن صلاته، يعني تمت صلاته على هذا العدد ولم يتجاوزه. وعبر عنه بقوله: لم يجلس بينهن، أي جلوس الفراغ، لأنه كان بصدد حكاية ما رأى من كيفية صلاته ﷺ ولم يره جالسًا جلوس الفارغ إلا بعد الخمس، فرواه كما رأى، وليس هو بصدد بيان ركعات الوتر فقط أو الجلسات بينهما، وإنما أراد أن يحكيَ عن صورة صِلاته في تلك الليلة. وكان ذهب لذلك فكأنه أراد التصوير على اصطلاح علماء المعاني، ولم يكن منه بدٌ أن يذكرَ تلك القطعات كذلك. إلا أن بعض الرواةِ لما ذكرها إجمالًا ذكر العدد المجموع فقط، وبعضهم زاد ونقص حسب ما سنح لهم عند روايتهم. ثم إن الدليل على أن الوترَ من تلك الخمس كانت هي الثلاث: ما أخرجه مسلم عن ابن عباس ﵁ في تلك القِصة بعينها وفيه: ثم فعل ذلك ثلاث مراتٍ ستَّ ركعات، كل ذلك يَستاكُ ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث. وأشار الحافظ رحمه الله تعالى إلى تفرُّدٍ فيه. قلت: لا تفردَ فيه، بل له متابعاتٌ شتى أخرجها الطحاوي عن قيس بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس: أن عبد الله بن عباس

стр. 231

حدثه ... ثم أوتر بثلاث، وفيه غَلطٌ من الكاتب إنما هو: مَخْرَمة بن سليمان عن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس ﵁ وفيه: حتى صلى ست ركعات وأوتر بثلاث. وعنه عند النسائي عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث. وهو عند الطحاوي أيضًا. فتحصل من هذه المتابعات أن وتر النبي ﷺ في تلك الليلة كانت هي الثلاث. وإنما ذكر معه الركعتين من صلاة الليل لأنهما كانتا صُليتا معه في سلسلة كما علمت. وستعلم إن شاء الله تعالى أن المطلوبَ في نظر الشارع أن يصلي الوتر مع شيء من صلاة الليل، وهو معنى قوله: «لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس أو سبع ... إلخ» فمعنى النهي عن الإيتار بالثلاث إفرازها عن صلاة الليل، والإيتار بها بدون أن يكون شيء قبلها. أما إذا كان قبلها ركعتان أو أربع ركعات، فقد خَرَجَ عن معنى النهي، لأن الوتر لما كانت لإيتار صلاة الليل، ناسب أن تكون قِطعة من صلاة الليل معها، ليظهر معنى الإيتار، وستعرف إن شاء الله تعالى. وقال مولانا شيخ الهند محمود حسن رحمه الله تعالى: الركعتان مع الوتر ليستا قِطعة من صلاة الليل، بل هما اللتان تصليان بعد الوتر قاعدًا. وقد كان رحمه الله تعالى يُجري هذا الجواب في حديث عروة أيضًا. قلت: أم الأحاديث في الركعتين بعد الوتر فقد بلغت إلى الأربع وكلها صحاح، إلا أني لم أختر هذا التوجيه، لأن مالكًا رحمه الله تعالى أنكرهما ولم يخرج لهما في «موطئه» شيئًا، ورآه وهَمًا مخالفًا لقوله ﷺ «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» فإنه صريح في أن الوتر ينبغي أن يكون في آخر صلاة الليل، وحينئذٍ لو سُلِّم ثبوت الركعتين بعده لزم أن يكون الآخر هما هاتان، وتفوت آخرية الوتر. والبخاري رحمه الله تعالى وإن أخرجهما في كتابه إلا أنه لم يبوب على هذا اللفظ. وقد تحقق عندي: أن البخاري رحمه الله تعالى إذا يخرج لفظًا ويكون فيه ضعف عنده لا يُترجم عليها، فهذا أيضًا دليلٌ على ضعف في المسألة عنده. ثم إن السلف أيضًا كانوا مختلفين فيها، فحملها على هاتين الركعتين، وإن كان ممكنًا في حديث ابن عباس ﵁، إلا أني تركته لما علمت آنفًا. أما في حديث عُروة فحملُها على هاتين الركعتين مُشكلٌ، فإن عروةَ ممن ينكرهما رأسًا كما هو في «قيام الليل» للمروزي، فهاتان غير ما في حديث عروة قطعًا. إن أمكن حملهما عليهما في غير حديثه، إلا أني لمّا لم أحملُهما في حديث عروة على الركعتين بعد الوتر لما علمت، وجعلتهما من صلاة الليل. لهذا المعنى أحببتُ أن تكون شاكلةُ الجواب في كلها واحدة، وإن أمكن الحملُ عليهما في حديث ابن عباس ﵁. أما المسألة في هاتين الركعتين فإنهما جائزتان عندي، غير أنهما تصليان قاعدًا. وقد اتضحت لي حكمةُ القعود أيضًا، وهي: إبقاء آخرية الوتر ولو بوجه، فإنها وإن فاتت صورةً ناسب أن لا تفوت معنى أيضًا، فحرفهما عن شاكلة الصلاة التي صليت قبلهما، لتصير صلاة متميزةً مستقلةً ممتازةً عما قبلها ويبقى الوتر آخرًا فيما جعل لها آخرًا، وهي صلاة الليل. وأما الركعتان بعدها فكأنها صلاة أخرى لم يقصد تأخير الوتر عنها. ولما كان القعودُ فيها لتغيير

стр. 232

الشاكلة وإبقاء آخرية الوتر، كان قصديًا فلو صلاهما قائمًا يفوت المعنى. والله تعالى أعلم بالصواب. ١١٧ - قوله: (نام الغليم) قيل: وهو موضع الترجمة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: بل هو مذكور في طريق آخر عنده في كتاب التفسير، وفيه: فتحدث مع أهله ساعة. قلت: وهو الصحيح، وهذا هو السمر الذي أراده. ٤٣ - باب حِفْظِ الْعِلْمِ ١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلَا آيَتَانِ فِى كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ) إِلَى قَوْلِهِ (الرَّحِيمُ) إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِى أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ. أطرافه ١١٩، ٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤ - تحفة ١٣٩٥٧ ١١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قَالَ «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» فَبَسَطْتُهُ. قَالَ فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ «ضُمُّهُ» فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ بِهَذَا أَوْ قَالَ غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ. أطرافه ١١٨، ٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤ - تحفة ١٣٠١٥ - ٤١/ ١ ١٢٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى أَخِى عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ. تحفة ١٣٠٢٣ ١١٩ - (فما نسيتُ بعد) والظاهر عندي عدم نِسيانه جميع ما سمعه في عمره، لا أنه يقتصرُ على هذا المجلس فقط. والعلم الآخر إنما لم يبثه أبو هريرة ﵁ لأنه كان يتعلق بالفتنِ وأسماء أمراء الجَور، كما نقل في «حاشية الصحيح» للشيخ أحمد علي رحمه الله تعالى فراجعه. ثم إن هذه الأمة إنما ابتُليت بالفتن لأنها رُفعَ عنها عذاب الاستئصال. وعليهم تقوم الساعة، فابتليت بالفتن للتمحيص. ٤٤ - باب الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ ١٢١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى عَلِىُّ بْنُ مُدْرِكٍ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ لَهُ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فَقَالَ «لَا

стр. 233

تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». أطرافه ٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠ - تحفة ٣٢٣٦ وقد مر أن الإنصات صموت للاستماع. ومعناه توجيه الحواسِّ نحو المتكلم لما يُلقى إليه منه. وفي كتب غريب الحديث: أنه بمعنى سكتَ سكوتَ مُستمع، فقيل: إنه تقييد، وقيل: تشبيه فقط. والأول يفيدنا في مسألة القراءة خلف الإمام، وإن كان الثاني فلا يفيدنا، فإن معناه حينئذٍ أن يكون حالهُ مشابهًا لحالِ المستمعِ وإن لم يكن مُستمعًا حقيقة. وقد مر مني أن الآية تقتصر على الجهرية فقط، فلا تقوم حجةً عليهم في حق السرية. ١٢١ - قوله: (رقاب بعض) مفعولٌ مطلق، أو حالٌ للتشبيه. ٤٥ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ ١٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِىَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِى إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «قَامَ مُوسَى النَّبِىُّ خَطِيبًا فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ أَىُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ أَنَا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِى بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ بِهِ فَقِيلَ لَهُ احْمِلْ حُوتًا فِى مِكْتَلٍ فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهْوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِى مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ الْمِكْتَلِ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِى أُمِرَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]، قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ [الكهف: ٦٤] فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ - أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ - فَسَلَّمَ مُوسَى. فَقَالَ الْخَضِرُ وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ فَقَالَ أَنَا مُوسَى. فَقَالَ مُوسَى بَنِى إِسْرَائِيلَ قَالَ نَعَمْ، قَالَ مُوسَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ [الكهف: ٦٦ - ٦٧] يَا مُوسَى، إِنِّى عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ [الكهف: ٦٩] فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ

стр. 234

السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِى الْبَحْرِ. فَقَالَ الْخَضِرُ يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِى وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَاّ كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِى الْبَحْرِ. فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ. فَقَالَ مُوسَى قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٢ - ٧٣]؛ فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. ﴿فَانْطَلَقَا﴾ فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ. فَقَالَ مُوسَى: ﴿فَأَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤] ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥]- قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَهَذَا أَوْكَدُ - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]. قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ، فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٧ - ٧٨]». قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا». أطرافه ٧٤، ٧٨، ٢٢٦٧، ٢٧٢٨، ٣٢٧٨، ٣٤٠٠، ٣٤٠١، ٤٧٢٥، ٤٧٢٦، ٤٧٢٧، ٦٦٧٢، ٧٤٧٨ - تحفة ٣٩ - ٤٢/ ١ وقد مر أن الاختلافَ فيه إنما كان لأن هذه القِصة لم تكن في التوراة، لأنها عَرَضت في التِّيه، وكانت التوراة نزلت قبل ذلك. ١٢٢ - قوله: (ليس موسى بني إسرائيل) وهذا اختلافٌ آخر. وقد مر التنبيه على تعدد الاختلاف فيه. قوله: (هو أعلم منك) مناقشةٌ لفظيةٌ لتركِهِ الأليق بشأنه، فإن الأدب في مثل هذه المواضع أن يُوْكل العلم إلى الله سبحانه ولا يحكمُ من عند نفسه بشيء. قوله: (وكان لموسى وفتاه عجبًا) وإنما تعجَّب فتاه إذ ذاك لأنه كان مستيقظًا ناظرًا إلى عجائب قُدرته تعالى من حياته واتخاذه في الماء سربًا. أما موسى ﵇ فكان نائمًا وإنما تعجَّب بعد ما استيقظ وعِلم قِصة الحوت. قوله: (نصبًا) وإنما ألقي عليه النصب تكوينًا، مع الأمر بالانطلاق تشريعًا، فكان مأمورًا بالانطلاق ومع ذلك يُلقى عليه النَّصبُ من جهة التكوين، فعلم: أنهما بابان قد يتحدان وقد يتخالفان، فلا يوافقُ التشريعَ التكوين، ولا التكوينُ التشريع دائمًا، والنجاةُ في اتباع التشريع دون التكوين كائنًا ما كان، وكذلك ألقي عليه النِسيان تكوينًا فلا بُعد في نِسيانه مرة بعد مرة. قوله: (قصصًا) "بير ديكهتى هوئى". قوله: (مُسجى) وفي طريقه على متن البحر مضطجعًا. قوله: (أنى بأرضك السلام) ولعله رد ﵇، ثم قال ذلك. قوله: (خضر) نبي عند الجمهور، وليس داخلًا تحت شريعة موسى ﵇.

стр. 235

قوله: (أنت على علم ... إلخ) ولذا قلت: إن الأعلم في قول موسى ﵇ كان على العرف، فعند هذا طرفٌ من العلم وعند هذا طرف، والبعض مشتركٌ وإنما الفضل لموسى ﵇. قوله: (فجاءت عصفورة) وهو أيضًا تكوينٌ ليضرب له مثلًا. وعلم منه عقيدة النبيين في علم الله تعالى وأنه لا يُوازى بعلم الله شيء. قوله: (أقل لك) كلمة لك لمزيد التأكيد. قال الزمخشري: وكنت في سفر فقلت لأعرابي وهذا الشغدف، فقال: نعم هذا شغنداف، كما يقال في الهندية روتى بك كئى؟ جواب دياجائى كه روتى بلكه روت ثم الزمخشري يمر على مواضع من القرآن وربما يقول: إنه لمزيد التصوير، كما يقال: سمعت بأذني ورأيت بعيني ومراده في الهندية: فوتؤاتارنا على حد قول الشاعر: *وعينان قال اللَّهُ كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر فقوله: «كونا» ههنا ألطف ما يكون، يعجِزُ عن إدراكه المعقولي، فإنه يقول: إن كل شيء بتكوين من الله تعالى، فلا وجه لتخصيص العينين. وسئل الشيخ صلاح الدين الصفدي السُّبكي عن قوله: إن واستطعماها، أوجز من قوله: ﴿اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧٧] فأجاب عنه السبكي وبيَّن الفرقَ بينهما ونكتة هذا التطويل (١). قوله: (يريد أن ينقض) نسبَ فيه الفعلَ إلى الجماد، وهو مليحٌ جدًا عن البُلغاء. قوله: (لو صبر ... إلخ) انكشف فيه عقيدة خاتم الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام في حق علمِهِ أيضًا. قوله: (أقتلت) وقد روي في التفاسير أن خَضِرًا ﵊ نَزَعَ اللحم عن كتفِهِ وأراه، فإذا فيه طبع يوم طبع: كافرًا، وهذا لا يخالف حديث الفِطرة وسيجيء في موضعه تحقيقه. ٤٦ - باب مَنْ سَأَلَ وَهْوَ قَائِمٌ عَالِمًا جَالِسًا أي أن السائلَ قائمٌ والمسؤول عنه جالس، فهذا مجلسٌ سَطحي ليس فيه اهتمام بالفقه. فهل يجوز السؤال في مثل هذا الحال؟ أو يقال: إنه كان عنده حديث في هذا المضمون، فأراد أن لايتركه خاليًا عن الترجمة ويستفيدَ منه مَسْألة. وقد نُقل عن مالك ما يدلُ على أنه كان يكرهُ ذلك، فإنه مر على شيخ يحدث قومًا، فلم ير في المجلس فُسحةً فلم يقف، وذهب إلى وجهه

стр. 236

ولم يجلس فيه، وقال: كرهت أن أُسمِعَ الأحاديث وإني قائم. وكان إذا حدَّث حدث بالوقَار والتؤَدة. ١٢٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْقِتَالُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ - قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَاّ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا - فَقَالَ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ». أطرافه ٢٨١٠، ٣١٢٦، ٧٤٥٨ - تحفة ٨٩٩٩ - ٤٣/ ١ ١٢٣ - قوله: (فرفع رأسه) لأنه كان جالسًا وكان السائل قائمًا. قوله: (فقال) لم يتعرض إلى استقصاءِ الأقسامِ واستيفاءِ الوجوه، بل عَدَلَ إلى مراده. قوله: (فإن أحدنا) والفاء ليست للتعليل على طريقَ المعقوليين بل لمجرد التناسب. وحاصله: أني أرى القتال على أنحاء. قوله: (لتكون كلمة الله هي العليا) حُكِي أن تيمورَ لما قَتَلَ قومًا وجمع هامات المقتولين ووضع عليها سريره، واستوى عليها ظلمًا وعلوًا، سأل علماءَهم عن قتله هؤلاء، فتقدم للجوابِ من كان أهدى منهم، وقال: من قاتل لتكونَ كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله، ففطِن أنه رام به تخليص نفسه، فتركه. ٤٧ - باب السُّؤَالِ وَالْفُتْيَا عِنْدَ رَمْىِ الْجِمَارِ ١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ. قَالَ «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». قَالَ آخَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ. قَالَ «انْحَرْ وَلَا حَرَجَ». فَمَا سُئِلَ عَنْ شَىْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَاّ قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ. أطرافه ٨٣، ١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨، ٦٦٦٥ - تحفة ٨٩٠٦ وعند الترمذي: السعي ورمي الجمار لإقامة ذكر الله. ولما كان هذان الفعلان خاليين عن معنى الذكر ظاهرًا، تعرض إليهما خاصة. ونبه على أنهما أيضًا لإقامة ذكر الله، فإنهما كانا من أفعال المُقربين، فأدخلهما الله تعالى في الحج وجعلَ حِكاية أفعالهم وتذكيرها ذكرًا برأسه. ويفعلُ اللَّهُ ما يشاء ويحكمُ مايريد. وغرضُ البخاري أن هاتين إذا كانتا عبادة فالسؤال في خلال الذكر قادحٌ أم لا؟ أو نظره إلى ما روى ما حاصله: أن لا يقضي القاضي في حالة غير مطمئنة. وهذا أوانُ الذكر، فهل يفتى في تلك الحال بشيء؟ والجواب على الأول: أن الفُتيا ليس بقادحٍ في الذكر، لأنه أيضًا ذكر. وعلى الثاني أنه جائزٌ للمتيقظِ الفطنِ. ورأيت في تذكرة بعض المحدثين أن الطلبة كانوا يقرءون

стр. 237

عليه، فكان يجيبُ كلًا في زمان واحدٍ، ويميزُ ما كان غلطهم من صوابهم، فهذا أمرٌ يختلفُ فيه أحوالُ الناس. وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاءً. ٤٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلًا﴾ ١٢٥ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَيْنَا أَنَا أَمْشِى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَسْأَلُوهُ لَا يَجِىءُ فِيهِ بِشَىْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا الرُّوحُ فَسَكَتَ. فَقُلْتُ إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ. فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ فقَالَ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. قَالَ الأَعْمَشُ هَكَذَا فِى قِرَاءَتِنَا. أطرافه ٤٧٢١، ٧٢٩٧، ٧٤٥٦، ٧٤٦٢ - تحفة ٩٤١٩ وفي بعض الروايات الصحيحة أن هذا السؤال كان في مكة. وفي أخرى أنه كان في المدينة. وعندي كلاهما صحيح. واعلم أن الروح قد يطلق ويراد به المَلَك، قال الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ (القدر: ٤) وقد يُطلق ويقصد به المدبِّر للبدن، أعني الروح المنفوخة في الجسد. وادعى الحافظ ابن القيم ﵀ أن المرادَ منه في تلك الآية هو المعنى الأول. وأما المعنى الثاني فلم يُذكر في القرآن إلا بلفظ النَّفس. ولم يُستعمل هذا اللفظ في المدبِّر للبدن وإذن سؤالهم عن الملك. قلت: ولعل المراد منه ههنا هو المعنى الثاني، أي المدبر للبدن، لأن السؤال عنه هو الدائرُ السائر بين الناس. أما الروح بمعنى المَلَك فلا يَعرفونَه غير أهل العلم، فينبغي أن تحملَ الآية على المتعارف وإطلاقه على المدبر البدن ثبت في الأحاديث. روى الحافظ ابن عباس ﵄ أن الروحِ مخلوقٌ من مخلوقات الله تعالى ... إلخ ونقله السُّهيلي في «الروض» وجعله موقوفًا. وما كنت أفهمُ مرادَه حتى طالعت كلام السُّهَيْلى ﵀ فإنه قال: إن نسبة المَلَك إلى الروح كنسبة البشر إلى الملك، فكما أن الملائكة ينظرون إلينا ولا نراهم، كذلك الروح ترى الملائكة ولا يرونها، فتبين أنه ليس مراده كونها مخلوقة لله تعالى فقط فإنه أمر ظاهر، بل المرادُ أنه نوع مستقلٌ مخلوق لله تعالى كالملائكة والإنسان. والفرق بين الروح والنفس لا تجدُ ألطفَ من كلام السُّهيلي، فراجعه. وما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى يبنى على مكاشفات الصوفية. ١٢٥ - قوله: (من أمر ربي) واختلفوا أنهم هل أجيب لهم فيها أم لا؟ فقيل: لا، وقيل:

стр. 238

نعم. ومنهم الغَزَالي، وكذلك اختلف في تفسير عالم الأمر والخَلْق، فقيل: إن المشهودَ عالم الخَلْق والغائب عالم الأمر، فما كان من عالم الأمر لا يمكنُ فهمُ كُنْهِهِ لمن كان من عالم الشهادة. وأن المرءَ يقيسُ على نفسه مثل سائر. وقال المفسرون: إن الخلق عالم التكوين والأمر عالم التشريع. وحينئذٍ حاصل الجواب: أن الروحَ من أمرها. فوجدت من أمره تعالى. ولما لم تُعطوا من العلم إلا قليلًا فلا ينكشفُ عليكم حقيقتها أزيد منه، وعلى هذا فكأنهم مُنعوا عن السؤال عنها والخوض فيها، فلا يجوزُ البحث فيها إلا بعد رعاية قواعد الشريعة. وقال الشيخ المجدد السَّرهندي رحمه الله تعالى: إن تحت العرش عالم الخلق، وما فوقه عالم الأمر. وذهب الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى: إلى أن ما خلق الله من كَتم العدم، بلفظ: كن، فهو عالم الأمر. وما خلق شيئًا من شيء كالإنسان من الطين، فهو عالم الخلق. قلت: والشيءُ الأول يقال له: المادة، وهو مُسلَّمٌ عند الكل ولا ينكرها إلا مكابر. أما الهيولي فليس بشيء إنما هو أوهامَهم غلبت عليهم. وقد قيل: إن الوهم خلاق. والذي تحقق عندي في بيان مراده أمر آخر ويتوقف على مقدمة وهي: أن المتكلمين قالوا: إن الفعل مختصٌ بذي شعور، ومَنْ لا شعور فيه فلا فعل له. وأقر الطوسي في «شرح الإشارات» والصدر الشيرازي صاحب «الشمس البازغة»: على أن للطبيعة شعورًا. وأقول: يمكن عندي أن يصدر الفعلُ ممن لا شعور له أيضًا، لكن لا بد من انتهائه إلى ذي شعور. كما أن ابن سينا خمَّس الحركة وسمَّى نوعًا منها حركة التسخير. والحاصل: أن الفعل لا بد أن ينتهي إلى شعور أو إلى ذي شعور. وإذا علمت هذا فاعلم أن القرآن لم يتعرض في الجواب إلى حقيقة الروح ومادتِهِ، بل ذكر العلة الصُّوْرية فقط، ويريدُ أن الروحَ محرِكٌ للبدن وانتهاء شعورها أمرُ الرب، فهذا علتها الصورية فقط. أما حقيقتها فلا يعلمها إلا هو (١). ٤٩ - باب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاِخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِى أَشَدَّ مِنْهُ ١٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ قَالَ لِى ابْنُ الزُّبَيْرِ كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا فَمَا حَدَّثَتْكَ فِى الْكَعْبَةِ قُلْتُ قَالَتْ لِى قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِكُفْرٍ -

стр. 239

لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ». فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. أطرافه ١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦، ٣٣٦٨، ٤٤٨٤، ٧٢٤٣ - تحفة ١٦٠١٦ - ٤٤/ ١ يريدُ أنَّ العملَ بالمرجوح مع العلم بالراجح جائزٌ إذا كانت فيه مصلحة. قوله: (الاختيارات) أي الجائزات. وكان النبي ﷺ أراد أن يُردَّ بناء البيت إلى البناء الإبراهيمي، إلا أنه لم يفعله لما في الحديث. وترك هذا الاختيار وهو موضع الترجمة. ٥٠ - باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا وَقَالَ عَلِىٌّ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. ١٢٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِىٍّ بِذَلِكَ. تحفة ١٠١٥٣ ١٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ «يَا مُعَاذُ». قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا. قَالَ «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَاّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ «إِذًا يَتَّكِلُوا». وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. طرفه ١٢٩ - تحفة ١٣٦٣ ١٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ ذُكِرَ لِى أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ «مَنْ لَقِىَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ». قَالَ أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ «لَا، إِنِّى أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا». طرفه ١٢٨ - تحفة ٨٨٥، ١٥٥٣١ أ يعني العلم شيءٌ شريف فهل يخصُّ به أحدًا دون أحد؟ فكان الباب الأول في الفرق بين الفَطِن الذكي والبليد الغبي. وهذا البابُ في الفرق بين الشريف والوضيع. ١٢٨ - قوله: (إلا حرمه الله) واستشكله الناس. فإن ظاهره يدلُ على أنه لا حاجة للنجاة إلى سائر الفرائض، بل تكفي لها كلمةُ التوحيد فقط فحملَهُ بعضهم على زمنٍ قبل زمان نزول الأحكام. فإن مدارَ النجاة إذ ذاك كان هو التوحيد فقط. فعند مسلم في باب الرخصة في التخلف عن الجماعة، عَن عِتْبان: فإن الله قد حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله. وفي الرواية التي بعده قال الزُّهرى: ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور، نرى أن الأمر انتهى إليها، فمن استطاعَ أن لا يغير فلا يغير. قلت: وهو بعيد جدًا، فإن الراوي معاذ بن جبل وهو أنصاريٌّ، ولا يمكنُ عدم نزول حكم إلا ورودَهم في المدينة، زادها الله شرفًا. وبعضهم قَسَم النار أي: نار الكفار ونار عصاة

стр. 240

المؤمنين (١) وحملوها على الأول. أقول: وتقسيمُ النار وإن كان صحيحًا في نفسه لكنه لا يصلحُ شرحًا للحديث. وقد صح في الأحاديث اختلاف أنواع العذاب. أقول: والصواب عندي أن الائتمارَ بالطاعات والانتهاء عن المعاصي مراعى ههنا أيضًا وإن حذف ذكره من العبادة، لأن الشارعَ لما فرغ من ذِكرها مرة وتفصيلها بابًا بابًا، والترغيب فيها طاعة طاعة، والتحذير عنها معصية معصية، فقد استغنى عن تكريره في كل موضعٍ، لأنه بيَّنَ وأكَّد لسليم الفطرة أن هذه الأشياء أيضًا دخيلة في النجاة عنده، فلم تبق له حاجة إلى القيود في كل مرة، وهو الطريقُ المسلوكِ في العرف، فإنهم يرون المعلوم كالمذكور، وإنما يستوفون الكلام فيما يتعسر انتقال الذهن إليه. وإنما خصَّ الكلمةَ من بين سائر الأجزاء لكونها أساسًا وأصلًا ومدارٌ للحياة الأبدية، فهي المؤثرة حقيقة. والأعمال وإن كانت دخيلة في تحريم النار، إلا أن المُؤَثِرة فيها هي تلك الكلمة. ثم تلك الكلمة وإن كانت هي المؤثرة، لكنها لا غنية بها عن تلك الأعمال. فالحاصل أن تحريم النار وإن دار بالمجموع لكنه خُصَّ من هذا المجموع ما كان أهم من بينها، وهو تلك الكلمة كالأصل للشجرة، فإنه لا حياةَ لها بدون الأصل. ثم إن هذه القاعدة مُطَّردةٌ في جميع ما ورَدَ فيه الوعد والوعيد، فلا يتعرضُ فيه إلى وجود شرط ورفع مانع، فإنه يكون عنده ملحوظًا على كنهه. وإنما يذكر الكلام مرسلًا لظهوره. ثم اعلم أن من فطرةِ الإسان أنه يجعلُ كلياتٍ من عند نفسه، وليس هذا إلا لعدم إحاطته بأطراف الشيء وجوانبه، وليس حال العامة كالطبيب، فإنه إذ يحكم على دوائه بأنه مفيد أو مضر، لا يحكم إلا بظنه الغالب، لكن إذا جاءَه واحدٌ من الأغبياء يجعله كليًا ويزعمُ أنه مفيد أبدًا ولا يمكن عنده خلاف ذلك، حتى إذا تخلَّف عنه الحكمُ مرةً يسبُّ الطبيب ويكذبُهُ، ولا يدري أنه لا يسبُّ إلا نفسه. فكذلك إذا أخبر الشارع عن أشياء غائبة وإن كان حكمُهُ عليها

стр. 241

قطعيًا، لكن تكون هناك شرائطَ وموانعَ معتبرة عنده، فيجيءُ واحدٌ من الأشقياء ولا يُراعي تلك الشرائط والموانع ويجعلُ الكلامَ المرسل كليًا. ثم إذا تخلَّف عنده الحكم يضطربُ ويقلقُ، فلا يلومن إلا نفسه. ولما كان حالُ الإنسان بين طرفي نقيض فقد يتداوى بدواء ويكون عندَه أنه نافعٌ قطعًا فلم ينفعه، فإنه لا يكذبُ نفسه، ولا يلزمُ الطبيب، ولكنه يعللُ تارة بأن الدواء كان رديئًا، أو لم يستعمله على وجهه، أو عدم حمايتِهِ نفسَه عن المضرات. ولكنه إذا مر على آية من آيات الله أو حديث من أحاديث رسوله ﷺ ويبدو له فيه قلقٌ، فإنه لا يتعللُ بشيء ولا يطمئنُ قلبه بحال حتى يكونَ أولَ كافرٍ به. ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] فلا يخلو حالُهُ إلا من حُمق جلي، أو نفاق خفي. والجواب الآخر: أن الشارع ذكر الخواص على طريق «التذكرة» دون «القرابادين» والتذكرة في مصطلح الطِّب: ما تذكر فيها خواص المفردات. والقرابادين: ما تذكر فيها خواص المُرَكبات. فحكمُهُ على العبادات وذكر خواصِّها على طور التذكرة فقط، ولا يمكنُ غيره في الدنيا، فإن التركيبَ لا يحصلُ إلا بعد انصرام العالم، فحكمه أيضًا لا يظهر إلا هناك. وهذا كالطبيب يحكمُ على المفردات أن هذا سُمٌّ، وهذا تِرْيَاقٌ، وهذا مُسهِّلٌ، وهذا قَابِضٌ، ثم إذا ركَّب دواءً من الأشياء الحارة والباردة معًا وكسر هذا سورة هذا، يخرج من بينها مزاجٌ ثالثٌ مع وجود الدواء الحار والبارد فيه ولا يأتي فيه قال وقيل، ولا يكذبُهُ أحدٌ لأنه ما كان ذكر من حرارته وبرودته إنما كان حاله بانفراده، فإذا مزج أحدهما بالآخر خرج منه مزاج آخر. وهكذا كلمة التوحيد فإنها تحرِّم النارَ بلا مِرية ولا فرية، إلا أنها إذا خالطتها المعاصي ماذا يصير مزاجه، فالله أعلم به. نعم، إن غلبت آثار الكلمة على المعاصي جرَّته إلى الجنة، وإن كان غير ذلك فالعياذ بالله. وإذا علمت أن المزاجَ المركبَ لا يحصلُ إلا في الآخرة، علمت أن مطالبةَ «القرابادين» في الحالة الراهنة جهلٌ وسَفَهٌ، وكأنه استخبارٌ عن أمرٍ لم يوجد بعد ومآلهُ الاطلاع على التقدير. وكذا المنعُ من بيان «التذكرة» أيضًا حمقٌ وغَبَاوةٌ، فإن في عدم الذكرِ مطلقًا ضررُ الأمة، فإنه وإن لم يحصل عندها بالتذكرة العلمُ التام لكنه لم يبق مجهولًا مطلقًا أيضًا وحصل نحو من العلم. فإن قلتَ: ففي ذكر «التذكرة» بعض حرج وإشكالات. قلت: لا إشكالَ فيها للفطرة السليمة والجاهل بمعزل عن النظر، وبمثله ينحل حديث الكفارات. فإن الصلاةَ إلى الصلاة مثلًا لما صارت كفارةً ولم يبق له ذنبٌ، فماذا تصنع المكفرِّات الأُخر. وحله: أن مجموعَ المكفرات دخيلة في مجموع المعاصي، ولا يحصل هذا المجموع إلا في الآخرة. ولكن الشارع لما أراد الاطلاع على قطعة قطعة، جاء التعبيرُ كما ترى. قوله من كان آخر كلامه وليس المرادُ من الكلمة ههنا ما كانت على طريق العقيدة، بل هي عملٌ من الأعمال الصالحة وحسنةٌ من حسناته، أجرُها عند الرحيل هو النجاة، فهذه فضيلةٌ لمن

стр. 242

جرت تلك الكلمةُ على لسانه. ولما كانت على طريق الأذكارِ دون الإِيمان فلا يحكم بالكفرِ على مَنْ لم تجر تلك الكلمة على لسانه. ومعنى الآخرية أن لا يجري على لسانه بعدها شيء من كلام الدنيا، فمن قالها وأغمى عليه ليلًا مثلًا ومات فيه ولم يفق، فإِنه يُرجى له هذا الأجر الموعود إن شاء الله تعالى. قوله: (إذًا يْتكلوا) قد يسبقُ إلى الأذهان أن المرادَ منه الإتكالَ عن الفرائض، لأن الكلمةَ المجردة إذا صارت كفيلةً للنجاة فلم تبق حاجةٌ إلى الأعمال الأُخر. وليس بمراد قطعًا بل المرادُ الإتكال من فضائل الأعمال وفواضلها، لأن الإِنسانَ أرغبُ في دفع المضرة من جلب المنفعة، فإِذا علم أنَّ الكلمةَ والفرائض تكفي له لدفع النار، ذهب يقنع عليها، ويتكاسل عن النوافل، ولا يسابق إلى المدارج العليا. وقد حكى الله سبحانه عن فطرته تلك بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ... الخ﴾ [الآنفال: ٦٦] فالإِنسان لا يزالُ مجتهدًا في آخرتِهِ، فإِذا تيقنَ نجاته فتر. وهذا أمرٌ مركوز في خاطره، ولذا منعه النبي ﷺ عن إخباره لأن الاكتفاءَ بالفرائض والافترارَ عن الفضائل نقيصةٌ لهم وحِرمان عن الطبقات العُلى، فأحب أن لا يتكلوا ويجتهدوا في معالي الأمور، لأن الله تعالى يحب معالي الهمم، وقد مدح حسان النبي ﷺ بقوله: *له هممٌ لا مُنتَهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر والدليل على أن المراد من الإتكال هو الإتكال عن الفرائض وأنه في طلب الدرجات ما رواه الترمذي عن معاذ بن جبل في هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان، وصلى الصلاة، وحَجَّ البيَت لا أدري أذكرَ الزكاة أم لا؟ - إلاّ كان حقًا على الله أن يغفرَ له إن هَاجَرَ في سبيل الله، أو مكث بأرضه التي ولد بها» قال معاذ: ألا أخبر بها الناس؟ فقال رسول الله ﷺ «ذر الناسَ يعملون فإِن في الجنة مئة درجة .. والفِردوسُ أعلى الجنة ... فإِذا سألتم الله فاسألوه الفِردوس. ففيه ذكرُ الفرائض أيضًا والتحريض على الدرجة العليا، فانكشف أنه لم يَردْ في الحديث المجمل الإتكال عن الفرائض. وأن الحديث لا يختصُّ مرادهُ بكونه قبل نزول الأحكام. كيف وترك الفرائض لا يُرجى من عوام الناس؟ شأن الصحابة ﵃ أرفع. وعند الترمذي عن معاذ أيضًا قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأصبحت يومًا قريبًا منه نحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يُدخلني الجنة ويباعدني عن النار. قال لقد سألتني عن عظيمٍ وإنه ليسيرٌ على من يسَّرَه الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتأتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» ... إلخ. ففيه أيضًا ذكر الفرائض بتمامها. وأيضًا عند البخاري وهو وإن كان عن أبي هريرة لكن المضمون واحد قال: قال النبي ﷺ «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يُدخله الجنة، جاهدَ في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا رسول الله أفلا نُبشر الناس؟ قال: «إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله».

стр. 243

فتبين من هذا: أن الحديث لم يردْ في القَدَر المُتحتم، وإنما أراد اتكالهم عن الفضائل والفواضل. والحاصل: أن هذا الوعدَ إنما هو بعد لحاظ جميع ما ورد في الشرع من الأوامر والنواهي، ثم الإتكالُ فيما وراء ذلك. ولما أراد أن يبشر به الناس أبهمَ في الشروط وتركَ استيفاء الأمورِ، فإِن البشارة باب آخر، والمناسب لها الإِجمال والإِبهام. ٥١ - باب الْحَيَاءِ فِى الْعِلْمِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحْىٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِى الدِّينِ. تحفة ١٧٩٩٦ أ ١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ». فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِى وَجْهَهَا - وَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ قَالَ «نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا». أطرافه ٢٨٢، ٣٣٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١ - تحفة ١٨٢٦٤ ١٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِىَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِى مَا هِىَ». فَوَقَعَ النَّاسُ فِى شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَاسْتَحْيَيْتُ. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هِىَ النَّخْلَةُ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَحَدَّثْتُ أَبِى بِمَا وَقَعَ فِى نَفْسِى فَقَالَ لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِى كَذَا وَكَذَا. أطرافه ٦١، ٦٢، ٧٢، ٢٢٠٩، ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٥٤٤٨، ٦١٢٢، ٦١٤٤ تحفة ٧٢٣٤ - ٤٥/ ١ لما ورد الحديث في الطرفين فحديث ابن عمر ﵁ يدُل عل حُسنِهِ، وحديث عائشة ﵂ علي قُبحه، قسمه على الحالات وجعله في بعض الأحوال حسنًا وفي بعضها قبيحًا، فإِن الحياء إذا كان عن تحصيل علم فهو مذموم، وإن كان كما استحى ابن عمر ﵁ فهو ممدوحٌ، فإنه لم يتبدل بسكوته حلال أو حرام، ولكن فاتته فضيلة بالحضرة النبوية عليها الصلاة والسلام، ولعله يؤجر عليها في الآخرة. وعن أبي حنيفة ﵁ في جواب سائل: ما بخلت بالإِفادة ولا استحييت من الاستفادة. وعن الأصعمي: ذِلة السؤال خير من ذلة الجهلة مُدَّة عمره. ١٣٠ - قوله: (إن الله لا يستحي) وقد تأول الناس فيه، وإني لا أتأخرُ عن إسناد أمر أسنده الله بنفسه إلى نفسه، ولكن أكِلُ علمَ كيفيته إلى الله . ولا أقول كما قال البيضاوي: إن الرحمة عبارة عن رقة القلب فإِسنادها إليه تعالى مجاز. ويا للعجب فإِن الرحمة إذا كان إسنادُها إلى الله تعالى مجازًا فإِلى مَنْ يكون حقيقة؟

стр. 244

قوله: (أوتحتلم المرأة؟) واعلم أنه احتُلف في الاحتلام في حق الأنبياء، والحقُّ إنه يجوز في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إلاّ أنه يكون لامتلاء كِيَسَة المنى ولا دخل فيه للشيطان. وما نقل (١) عن محمد رحمه الله تعالى: أن لا غُسل على المرأة إذا احتلمت، فتأويلُه أنه إذا لم يخرج من عضوها الداخل إلى الخارج. قوله: (بم يشبهها؟) وفسروا العُلُو تارةً بالغلبة، وأخرى بالسبق. ٥٢ - باب مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ ١٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِىِّ عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِىٍّ قَالَ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِىَّ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ «فِيهِ الْوُضُوءُ». طرفاه ١٧٨، ٢٦٩ - تحفة ١٠٢٦٤ وجه الاستحياء مذكور في لفظ الحديث هو قوله: «لمكان ابنته تحته» وهو معنى صحيح. ١٣٢ - قوله: (فأمرت المقداد) أي للسؤال في حق نفسه. وسأل هو أيضًا، لكنه على طريق الفَرَض بدون التعرُّض إلى الواقعة لمن هي، فلا تناقض. قوله: (ففيه الوضوء) وذهب أحمد رحمه الله تعالى إلى أنّ الحديثَ من أحكام المذي دون الصلاة، فينبغي أن يكون الوضوءُ عقيب خروجه، لا عند القيام إلى الصلاة فقط. وهكذا نسبه الشوكاني في «النيل» إلى الحنفية أيضًا. قلت: ولا أترددُ في أن المطلوبَ عند الشرع هو إزالة النجاسات على الفور. والتلطخ بها زمانًا مكروهٌ عنده قطعًا إلاّ أن أثرّه لمّا لم يظهر إلاّ عند القيام إلى الصلاة جاء الخمول في كتب الفقه كحكم الديانات، فإِنها قلما تُذكر في المتون وعامة الشروح. ووجهه أن الفقهاء عامة يتعرضون إلى بيان الفرائض والواجبات، وقليلًا ما يذكرون المُستحبات والسننِ الزوائد. ولما كان هذا النوع من الوضوء مستحبًا عقيبَ خروج المذي، وواجبًا عند القيام إلى الصلاة، لم يذكروه إلاّ عند القيام إليها. ثم إنه إن توضأ عقيبه وقام إلى الصلاة متصلًا يتأدى في زمنه الفرضُ أيضًا، وفي بعض طرقه: غسل العضو فقط، وفي بعضها: غسل الانثيين أيضًا، وفي بعضها: غسل المرفقين أيضًا، وتصدى المحدثون إلى إعلاله. قلت: هو صحيح ويحمل على الاستحباب. وما ذكره الطحاوي الغُسل للعلاج لا يريد به العلاج الطبي، بل انقطاع التقطير في الحالة الراهنة، كما أمر النبي ﷺ للمستحاضة أن تغتسلَ ولبعضها أن تجلس في المِرْكن.

стр. 245

الكلام في الربط بين القرآن والحديث والفقه كيف هو ؟ واعلم أن فهمَ الحديثِ والإطلاع على أغراض الشارع مما لا يتيسرُ إلاّ بعد علم الفقه، لأنه لا يمكنُ شرحُه بمجرد اللغة ما دام لم يظهر فيه أقوال الصحابة ﵃ ومذاهب الأئمة بل يبقى معلقًا (١)، لا يُدرى وجوههُ وطرقه، فإِذا انكشف ما ذهب إليه الذاهبون واختاره المختارون خفَّ عليك أن تختارَ واحدًا من هذه الوجوه، وهو حال الحديث مع القرآن ربما يتعذرُ تحصيلُ مرادِهِ بدون المراجعة إلى الأحاديث، فإذا ورردت الأحاديث التي تتعلق به قُرُب اقتناصُ غرضِ الشارع. وهذا من غاية علوه ورفعة محله، بل كلما كان الكلامُ أبلغَ كان في اجتمال الوجوه أزيدَ، ولا يُفهم هذا المعنى إلاّ من عُنِيَ به. وأما الجاهل فيزعمه سهل الوصول لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءانَ لِلذّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] إلخ ولا يدري أنه ليس تيسرُه على قدر ما فهمه، بل معناه أنه يشتركُ في تحصيل معناه والاستفادة منه الأعالي والأداني، لكنه يكون بقدر نصيبهم من العلم. وهذا من غاية إعجازه، يسمعه الجاهلُ ويأخذ منه علمًا بقدره، ويَرَاه الفحولُ ويُفعِمون منه دِلاءً بقدر أفهامهم، بخلاف كلام الناس فإِنه إن كان ملتحقًا بأصوات الحيوانات فإِنه لا يَلتفِتُ إليه البلغاء، وإن كان في مرتبة من البلاغة لا يُدرِكُ مرادَه الجهلاء. وهذا كتابٌ بلغ في مراتب البلاغة أقصاهما ولم يزل سحاب علومِهِ مَاطِرًا على كافة الناس، عقلائهم وسفهائهم سواء بسواء، وهذا معنى التيسير لا ما فهموه. ٥٣ - باب ذِكْرِ الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا فِى الْمَسْجِدِ ١٣٣ - حَدَّثَنِى قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِى الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِى الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أطرافه ١٥٢٢، ١٥٢٥، ١٥٢٧، ١٥٢٨، ٧٣٤٤ - تحفة ٨٢٩١

стр. 246

أي أن المسجدَ وأن بُنى للصلاة لكن العلمَ والفتوى أيضًا من أمور الآخرة (١)، فيجوز أيضًا. والقضاء أيضًا يجوز عندنا دون الشافعي رحمه الله تعالى، لأنه ذكر وإقامةُ الحدِّ لا يجوز أنه من المعاملات، ويجوز تعليمُ الأطفال إذا لم يأَخذ عليه أجرًا. ١٣٣ - قوله: (إن رجلًا قام ... الخ) خرج من المدينة يوم السبت وبيَّنَ مسائل الميقاتِ يوم الجمعة قبلَ السفر. قوله: (يهل من ذي الحليفة) وفي «الموطأ» لمحمد أن المدني لو مر على ذي الخليفة وأحرم من الجُحفَة لا يكون جنايةً، فدل على أنه إذا أحرمَ من أبعدِ الميقاتين فلا جناية عليه بمروره على أقربه بدون الإِحرام، وهذه مسألةٌ لم تذكر في عامة كتب الفقه. قوله: (ذات عرق) قال الشافعية: إنها وقتها الفاروقُ الأعظم ﵁. وقلنا: بل وقتها النبي ﷺ من قبل، غير أنه اشتهر في زمن عمر ﵁، لأنه ظهرت الفتوح في زمنه وانتشرَ المسلمون في البلاد. ٥٤ - باب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ ١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَعَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ «لَا يَلْبَسِ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ». أطرافه ٣٦٦، ١٥٤٢، ١٨٣٨، ١٨٤٢، ٥٧٩٤، ٥٨٠٣، ٥٨٠٥، ٥٨٠٦، ٥٨٤٧، ٥٨٥٢ - تحفة ٨٤٣٢، ٦٩٢٥ - ٤٦/ ١ أي لا حرج فيه، بل هو من المحسنات. وإنما تعرَّضَ في الجواب إلى ذِكرِ ما لا يجوز ولم يتعرض إلى ذكر الجائزات لكونه أخضَرَ وأنفع. ١٣٤ - قوله: (القميص) والضابطة فيه: أن كلَّ ثوبٍ مخيطٍ مُستمسِكٍ على الجسد بدون شد ولا يَلبَسه المحرمُ، وإن لم يجد الإِزار يجوزُ السراويل ويتخذه إزارًا، وإذا لم يجد النَّعلين يقطعُ الخفَّ أسفل من الكعبين. وقال الحنفية رحمهم الله تعالى: الممنوع في الإِحرام الطيب، وفي الإِحداد الزِّينة. وراجع المسائل من الفقه. ...

стр. 247

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤ - كتاب الوُضُوء ١ - باب مَا جَاءَ فِى الْوُضُوءِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَبَيَّنَ النَّبِىُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِىِّ ﷺ . الوضوء: هو الصفاءُ. والنُّور لغةً. وقد أخبرت الشريعة بِوَضاءَة أعضاءِ الوضوءِ في المحشر. قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ قالوا: معناه إذا قمتم إلى الصُّلاة وأنتم محدِثون. ولا أقولُ بالتقدير بل أقول: معنى الأمر بالوضوء لمن كان محدثًا بالوجوب وإلا فعلى الاستحباب. ويجوز عندي دخول الفَرْضِ والمستحب تحت لفظٍ واحد وليس بمجاز. وإذا صح إطلاق الوُضُوءِ والصَّلاةِ على الفرض والمستحب فأي بأسٍ في إطلاق المشتقِ عليهما. والعجب من الرَّازي في «المحصول» حيث قال: إنَّ الصلاة حقيقةٌ في الفريضة ومجاز في النافلة. قلت: كلا، بل الحقيقة والمسمَّى في الصورتين واحدةٌ، وإنما الاختلاف بحَسَب الأوصاف وهي من الخارج، فينبغي أن يميز بين الشيءِ وأوصافِه الطارئة من الخارج. وإذا كانت حقيقتُها في الصورتين واحدة لزمَ أن يصحَّ إطلاق اللفظ عليهما حقيقة أيضًا. ثم إنَّ الشريعة لم توجب عبادةً إلا وُضِعَ من جنسها نفلًا، وفي الفقه أن النذرَ إنَّما ينعقدُ فيما يكون من جنسِهِ واجب، فعُلم أن كلَّ نفلٍ من جنسه واجبٌ أيضًا، ومع هذا ذهب الرازي إلى أن لفظ الصلاة مجازٌ في التطوع. ثم كونُ الأمر للوجوب أيضًا لم يتحقق عندي، بل هو مشترك عندي كما هو رأى الماتُرِيدي، وراجع لتفصيله رسالتي «فصل الخطاب في مسألة الفاتحة خلف الإِمام». ثم إن هذه الآية وإن كانت آخرها نزولًا لكنها مما تقدم حكمها. أقول: وفي «سيرة محمد بن إسحاق» (١) أن جبرائيل ﵇ لما نزل بخمس آياتٍ من أوائل اقرأ، علَّمه

стр. 248

الوضوءَ والصلاتين أيضًا، ومرَّ عليه الشيخ ابن حجر المكي الشافعي في «شرح المشكاة» وحسَّنه. قلت: وفي إسناده راوٍ تُكِلِّمَ فيه. وَجْهُ القِراءتين في آيةِ الوضوء على نحو المذهب المختار بعد إمعانِ نظرٍ، وإِعمال فكرٍ، وحَذَاقةٍ في الفنون العربية. قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ استدل بها الشيعة على جواز المسح بالأرجل على قراءة الجر، وهم لا يجوزون المسحَ على الخفين مع كونه مواترًا وتصدى لجوابهم علماءُ الأمة منهم: ابن الحَاجب والتَّفْتَازاني في أواخر «التلويح» وابن الهُمَام وآخرون. وما فتح الله عليَّ في بيان وجه قراءة النصب: هو أن قوله وأرجلكم بالنصف مفعول معه وليس عطفًا، وفرق بين واو العطف والتي للمفعول معه، فإِن العطف لبيان شَرِكة المعطوفِ والمعطوفِ عليه في أمر، نحو جاءني زيد وعمر، ومعناه: أنهما مشتركان في المجيء. وإن قلنا: وعمرًا بالنصب فمعناه بيان مصاحبتهِ مع زيد في الجملة. أمَّا إنها في الفعل خاصة أو في أمر آخر، فأمر مَوْكُولٌ إلى الخارج على حد قولهم: إذا خلى وطبعه ولا يدل على الشركة أصلًا، وإن لزمتْ في بعض المواد فمِنْ تلقاءِ المادةِ لا من تلقاءِ المدلول. ثم المصاحبة معناها المقارنة: وهي قد تكون في الزمان كقولهم: جاء البَردُ والجُبَّاتَ بالنصب ليس معناه أن الجباتَ اشتركت في المجيء مع البرد وأن الجائي هو البرد والجبات، بل معناه أن الجائي هو البرد، ثم له مصاحبة مع الجبات مصاحبة زمانية. وأما إنه في المجيء أو الخياطة مثلًا فهو أمرٌ خارج عن مدلول المفعول معه. والمعنى: جاءَ البردُ وخِيْطت الجُبَّات في زمانه، فصاحَبَها زمانًا، ولو كانت في الخياطة فجاء هذا وخيط هذا. وهذا أيضًا نوعٌ من المُصَاحبة. وقد تكون المصاحبة في المكان كقولهم: سرت والطريق، ليس معناه أن الطريق أيضًا سار كما سار المتكلم، فلا دَلالة فيه على الشَرِكة في الفعل، فإِنه لم يُسند السيرُ إليه، بل معناه أن السائر هو المتكلم، لكن الطريق قارنَهُ وصاحبهُ وبقي معه في آخر سيره، فكان مُصاحبًا له مصاحبةً مكانية. وقد تكون بهما نحو قولهم: سرت والنيل، إذا اعتبرت جريَ الماء معك ساعة. وهناك أمثلة أخرى. منها قولهم: لو تركت الناقة وفَصِيلتَها لرضعتها، ليس معناه أن التركَ واقعٌ على الناقة والفصيلة كلتيهما، ليكون من باب العطف ولاشركة، بل معناه: لو تركت الناقة فقط وبقيت معها معاملة للفصيلة لرضعتها، كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ [المدثر: ١١] لا يريد الشركةَ في الفعل، بل معناه ذرني فقط ثم انظر ماذا أفعلُ بهم. ونحو قول الشاعر: *وكنتُ ويحيى كَيَدي واحدٍ ... نرمي جميعًا ونُرامي معًا لا يريد الشاعرُ الشركةَ في الكون فإِنه ليس بشيء، بل معناه كنت ويحيى مصاحبًا معي، فالمراد هذا المجموع ثم كونهما كيدي واحد. وكقول الآخر: *فكونوا أنتمُ وبني أبيكم ... مكان الكُليتين من الطِّحال

стр. 249

وإنما قَطَعَه الشاعرُ عن إعراب ما قبله ونَصَبَهُ إعراضًا عن الشركة وإفادةً للمصاحبة كما قرره الرَّضي في قوله: *للبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عيني ... أحبُّ إليَّ من لُبْس الشُّفُوفِ فإِنه صرَّح أن نصبَ المضارع للقطع عن العطف ولإِفادة المصاحبة، وهو «واو» الصرف عندهم لصرفه عن حقيقتها التي هي العطف، لأن الشاعر إنما أراد أن لُبْسَ العباءةُ مُصَاحبًا مع هذا أحبّ إليه، يعني هذا المجموع أحبّ إليه؛ ولا يريدُ أن هذا محبوبٌ وهذا أيضًا محبوب. ومرَّ عليه ابن هشام «في المغني» وقال: إن بعضهم أضافوا قِسمًا آخر وسمَّوه «واو» الصرف كما في الشعر للبس عباءة الخ. ثم قال: ولا حاجة إليه، فإِنَّا نقدرُ الناصبَ ونقول: ولَلُبسُ عَبَاءةٍ وأن تَقرَّ عيني ... إلخ. قلت: وليس الأمرُ كما زعمه لفسادِ المعنى. والوجه ما ذَكَره الرَّضي. ومن ههنا تبينَّ أن «الواو» في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الاْرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] ليس للعطف. ومعناه: أن الله إن أراد أن يُهلِكَ المسيحَ ابن مريم مع كون أمه ومن في الأرض في حمايته لا يملكُ أحدٌ أن ينقذه من الله. وليس الإِهلاك ههنا واقعًا على هؤلاء جميعًا، لأن المقصود هو إظهارُ القُدرةِ على إهلاك مَنْ جُعل إلهًا من دون الله وافترى عليه بالألوهية، ولو كان هؤلاء أعضاد آله، لا إهلاكُ من في الأرض. والفرق بين إهلاكِ المسيح ﵇ في حال مُصَاحبةِ جميع مَنْ في الأرض وحمايتهم إياه وإهلاك جميع مَنْ في الأرض غير خفي، فإِن في الإهلاك الأول قوةً ليست في الثاني، فهو على حد قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] فعجزُهم في حال المظاهرة أبلغُ من عجزهم في غير هذا الحال، فكذلك إهلاكُ جميع مَنْ في الأرض، وإن كان دليلًا على قُدرته على إهلاكِهِ أيضًا، إلا أن إهلاكه، مصاحبًا جميع من في الأرض إياه، أدلُّ على قدرته من إهلاكه في غير هذا الحال، فإن القدرةَ في صورة إهلاك الجميع ضِمنني بخلافه في تلك الصورة. والحاصل: أن المسوقَ له في هذا الموضع هو بيانُ إهلاك من اتخذوه إلهًا وهو يَتِم بالمفعول معه ما لا يتم بالعطف كما علمت. وعلى هذا صارت الآيةُ قاطعةً قاهرةً على من تفَّوَه بوفاة المسيح وتمسكِ بهذهِ الآية، ودلت كالشمس في رَابعة النهار على أنه لم يمت وأنه حيٌ بعد. وأنه تعالى لو أراد إهلاكَه لم يَمْنعه أحدٌ، فعُلِم أنه لم يَهلِك، ولو كان هَلَكَ لكان ذِكْرُ هلاكِهِ أحرى من بيان القدرة فقط. ولمَّا لم يذكره مع داعيةِ المقام، عُلِم أنه لم يهلكِ بعد، وإلا لكان هلاكُه أفحَم للنصارى. ولكن الله سبحانه انتقل من بيان الهَلاك إلى بيان قدرتِهِ ثُمَّ صرَّحَ عليه في النساء وقال: ﴿وَإِن مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] فأعلن أنه لم يَمتُ ولو كان ماتَ لكرره في ردِّ الألوهية، مع أنَّه ذكر مخاضَ والدته وكونُه مولودًا كسائر الناس، إلا أن وِلادَتَه لما كانت بالنفخ على خلاف ولادة عامة الناس، نبَّه على هذا الأمر البديع، ليُعلِم أن الإِنسانَ لا

стр. 250

يصيرُ إلهًا بكونه منفوخًا ومخلوقًا من غير الطريق المعروف، إنما هو إله يخلق كيف يشاء. ولذا جاءت تحمِلُه على يديها ليراه الناسُ أنه وُلِد كما يولد الناس؛ فانظرْ كيف ذَكَرَ وِلادتَه على أتم تفصيل، ولم يذكر وفاته ولو إيماءً مع كونه أدلُّ وأقطعُ لحجة الخصم، فهذه الآية حجة قوية لا يأتيها الباطلُ من بين يديها ولا من خلفها إن شاء الله تعالى. وإذا تحصَّلت الفرق بينهما، فاعلم أن قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب مفعولٌ معه، وليس لإِفادة الشَّركة. والمعنى: أن للرجلِ معاملة مع مسح الرأس، أما إنها معاملةُ المسح أو الغسل فهو مسكوت عنه. ثم أقول: إن «الواو» قد لا تكون للشركة في الحكم وتجيء للمصاحبة فقط مع اشتراكها في الإِعراب وأُسَمِّيها واو المعية. واستنبطته من كلام الرَّضي في قوله: لَلُبْس عبادةٍ ... إلخ، وعلى هذا أمكنَ «الواو» في قراءة الجر أيضًا للمصاحبةِ دون إفادة الشركة. والحسنُ فيه أن الآيةَ جَعَلت الوجهَ واليدينِ في طرف، والرأس والرجل في طرف آخر، لأنهما نوعان يشتركان في بعض الأحكام ويختصانِ ببعضٍ آخر، كسقوط الرأس والرجل في التيمم. وأشار إليه ابن عباس ﵁، ولعله في «الفوز الكبير» أن الوجهَ واليدَ مغسولان ويُعتبران في التيمم، والرأسَ والرِّجلَ قد يسقطان في حكم الغسل، فلهذين حكمٌ ولهذين حكم، ولذا جُمعا في الآية عند بيان المسح. وفي تذكرة قديمة عندي أن اليد والوجه مغسولان في الأقوال كلها، بخلاف الرجل والرأس، فإن الشريعةَ تفردت ببيان وظيفتهما. وانحل به ما تعسَّر عليهم من قول ثُمَامة عند البخاري: آمنت مع محمد ﷺ فَفَهِمَ منه الشارحون أنه آمن معه مَعِيةً زمانية وليس بصادق، فاضطروا إلى التأويلات، ومراده أن ابتداءَ إيمانه قَارن وصَاحب مع بقاء إيمان محمد ﷺ فصحت المعيةُ، ولهذا الضيق استُشكَلت عليهم آية آخرى وهي: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] وقالوا: إن «مع» يتعلق بالسعي لا بقوله: «بلغ». والحاصل: أن المعيةَ والمصاحبةَ تصدُقُ بالاقتران في الجملة، لا كما فهموه. وعند البخاري يكفيك الوجهَ والكفين بالنصب أيضًا من هذا الوادي، فإِنه مفعولٌ معه، فإِنه أدار الحكمَ على هذا المجموع ولم يُرد أن يحكمَ على كل واحدٍ على حدة. ثم اعرف الفرق (١) بين قوله: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ وقولنا: وامسحوا رؤوسكم بدون الباء
следующие страницы →