يَدَيْهِ وَقَالَ «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ». وَأَصَبْنَا حُمُرًا فَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِى النَّبِىِّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا. تَابَعَهُ عَلِىٌّ عَنْ سُفْيَانَ رَفَعَ النَّبِىُّ ﷺ يَدَيْهِ. أطرافه ٣٧١، ٦١٠، ٩٤٧، ٢٢٢٨، ٢٢٣٥، ٢٨٨٩، ٢٨٩٣، ٢٩٤٣، ٢٩٤٤، ٢٩٤٥، ٣٠٨٥، ٣٠٨٦، ٣٣٦٧، ٣٦٤٧، ٤٠٨٣، ٤٠٨٤، ٤١٩٧، ٤١٩٨، ٤١٩٩، ٤٢٠٠، ٤٢٠١، ٤٢١١، ٤٢١٢، ٤٢١٣، ٥٠٨٥، ٥١٥٩، ٥١٦٩، ٥٣٨٧، ٥٤٢٥، ٥٥٢٨، ٥٩٦٨، ٦١٨٥، ٦٣٦٣، ٦٣٦٩، ٧٣٣٣ - تحفة ١٤٥٧، ١٤٨٨ أ - ٦٩/ ٤
واعلم أن المصنِّفين الذين جمعوا الأورادَ، والأذكارَ، لم يتعرَّضُوا إلى هذا التكبير، مع أنه ثابتٌ عن النبيِّ ﷺ في خيبرَ، وكذا عن ابن ماجة: «فتح القسطنطينية بصوت التكبير»، وكذا في «مستدرك الحاكم» «إنا حَمَلْنا عليهم بالتكبير». ونقل عن ابن جرير أن الأُمراءَ كانوا يكبِّرون دُبُرَ الصلواتِ، وما ذَكره ابنُ عباس انه ان يعرف انقضاءً الصلاةِ بالتكبير أيضًا يُحْتَمِله، إلا أنه لما لم يَجْرِ عليه التعامُلُ، ولم يأخذ به الائمةُ، فبقي احتمالا فقط، وقد حَقَّقنا مرادَه على وَجْه لا يُخالف عمل الأُمَّة، والائمةِ.
٢٩٩١ - قوله: (رَفَع النبيُّ ﷺ يَدَيْه)، وليس فيه رَفْعُ اليدين إلا في هذا الموضع، وسيعودُ المصنِّفُ إلى ذِكره، وينبه على أنه وهمٌ من الراوي؛ إلا أنَّ هذه العبارةَ ليست إلا في النُّسخة الاحمدية، وقد تَبِعها الحافظ في «الفتح» ثُم تمسَّك برَفْع اليدين هذا في تصفيفٍ آخر، فلا أدري ماذا وقع فيه حيث جرى في الكتابَيْن بالنَّحوين.
١٣١ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِى التَّكْبِيرِ
٢٩٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ». أطرافه ٤٢٠٥، ٦٣٨٤، ٦٤٠٩، ٦٦١٠، ٧٣٨٦ - تحفة ٩٠١٧
قوله: (أربعوا على أنفسكم) ... الخ، فيه بيان لكون الجهر المفرط لغوًا، لأن الله تعالى ليس بغائب، ولا أصم ليحتاج إلى هذا الإتعاب، وليس فيه نهي عن الجهر، ولا ذم عليه.
وراجع البحث في رسالتي «نيل الفَرْقَدين» في أن المواد منه بَسْطُ التسبيح حالَ الهبوط، أو التسبيح في الوادي بعد البلوغ.
١٣٢ - باب التَّسْبِيحِ إِذَا هَبَطَ وَادِيًا
٢٩٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. طرفه ٢٩٩٤ - تحفة ٢٢٤٥
стр. 1901
١٣٣ - باب التَّكْبِيرِ إِذَا عَلَا شَرَفًا
٢٩٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا تَصَوَّبْنَا سَبَّحْنَا. طرفه ٢٩٩٣ - تحفة ٢٢٤٥
٢٩٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ - وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ قَالَ الْغَزْوِ - يَقُولُ كُلَّمَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ «لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ».
قَالَ صَالِحٌ فَقُلْتُ لَهُ أَلَمْ يَقُلْ عَبْدُ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ لَا. أطرافه ١٧٩٧، ٣٠٨٤، ٤١١٦، ٦٣٨٥ - تحفة ٦٧٦٢ - ٧٠/ ٤
٢٩٩٤ - قوله: (وإذا تصوَّبْنا سَبَحَّنْا) وعند أبي داود: في هذه الرواية في آخرها، وعليها وضعت الصلاة، ويلزم منها تَرْك التكبير عند الخَفْض، كما كان بعضُ الأمراء يَفْعَلُونه، ونُسِب إلى عثمان أيضًا؛ وحَقَّث الصحاوي أنه كان مِن فِعل بني أمية، ثُم اعلم أَنَّ عند أبي دواد لَفْظ: «لا يتم التكبير»، وكلام الحافظ فيه متناقِضُ في «الفتح و «التخليص»؛ والصواب عندي أنه تَصْحِيف، وأَصْل اللَّفظ: «لا يتم التكبير - بالثاء المثلثة - أي لا يَنْقُصه، كذا نقله في «المغرب» فاحفظه، فإِنَّه خَفِي على مِثْل (١) الحافظ.
وفي «شرح القُدُوري» أنَّ محمدًا ذهب إلى أنه يُكبِّر للهبوط في القيام، ثُم يِهْبط، ولا يقول في حين الهبوط شيئًا، وَحَقَّق الطحاوي أنه يملاءُ الانتقال بالتكبير.
ويبسطه عليه. قلت: ولعلَّ ما قاله محمدٌ بيانٌ لما يكون له التكبيرُ، أعني انه للانحطاط، أو للقيام. وما ذكره الطحاوي بيانٌ لما يُناسب في العمل، فأَصلُه في القيام، وليس في الانخطاط إلا بقاؤه، وبسطه، والتكبيرُ إنما يناسِبُ حالَ الارتفاع، لكونه دالا على كبريائه تعالى، والكبرياء يناسِبه الارتفاع والعليا؛ ولذا فَصَّل محمدٌ التكبيرَ الهبوطِ في القيام فقط، أما الهبوط فيناسِبه التسبيحُ والتنزيه، فالنداء بكبريائه يأبي عن الخفْض، والهبوط (٢).
стр. 1902
١٣٤ - باب يُكْتَبُ لِلْمُسَافِرِ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِى الإِقَامَةِ
٢٩٩٦ - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِىُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ وَاصْطَحَبَ هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِى كَبْشَةَ فِى سَفَرٍ، فَكَانَ يَزِيدُ يَصُومُ فِى السَّفَرِ فَقَالَ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى مِرَارًا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا». تحفة ٩٠٣٥
أقول: إنما يُكْتب له إذا كان هذا الفِعْل مِن عادته قَبْل هذا العارِضِ الذي عَرَض له.
١٣٥ - باب السَّيْرِ وَحْدَهُ
٢٩٩٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - يَقُولُ نَدَبَ النَّبِىُّ ﷺ النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ لِكُلِّ نَبِىٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِىَّ الزُّبَيْرُ». قَالَ سُفْيَانُ الْحَوَارِىُّ النَّاصِرُ. أطرافه ٢٨٤٦، ٢٨٤٧، ٣٧١٩، ٤١١٣، ٧٢٦١ - تحفة ٣٠٣١
٢٩٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . تحفة ٧٤١٩
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِى الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ». تحفة ٧٤١٩
ولا ذِكْر له في الحديث الذي أخرجه أَوَّلا.
٢٩٩٧ - قوله: (قال سُفْيانُ الحَوارِيُّ النَّاصِرُ) واختُلِف في اشتقاقه. قلت: إن كان اللفظُ عربيًا فهو من الحَوَر، أي الثَّواب الأبيض، وإن كان عبرانيًا فلا حاجةَ إلى تَفَحُص اشتقاقه عن لغة العرب؛ وكثيرًا ما يَقَعُ النَّاسُ في بيانِ مَأخذ الاشتقاق للألفاظ العبرية من العربية، فيقحون في بُعْدِ بعيد، والذي يناسب أن يتفحص حالُ كلَّ لَفَظٍ من لغته، كالمسيح، اختلفوا في اشتقاقه، وعندي هو مُعَّرب من ماشيح، وهو بالعبري بمعنى المُباركك
النَّبِىُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِىُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِى أَلْبَسَهُ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ. أطرافه ١٢٧٠، ١٣٥٠، ٥٧٩٥ - تحفة ٢٥٣١
يعني أن الأسيرَ إذا لم يكن عليه ثوبٌ، لا ينبغي أن يُذْهب به هكذا عُريانًا، بل يُكْسى بثوبٍ.
٣٠٠٨ - قوله: (وقميصَ عبدِ الله بن أُبيّ، يَقْدُرُ عليه) مِن قَدَرْت الثوبَ عليه قَدْرًا، أي جاء على مِقْدار كذا، وذلك لأن ابن أبي كان طويلا، كالعباس.
١٤٣ - باب فَضْلِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ
٣٠٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِىُّ عَنْ أَبِى حَازِمٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سَهْلٌ - رضى الله عنه يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ». فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ «أَيْنَ عَلِىٌّ». فَقِيلَ يَشْتَكِى عَيْنَيْهِ، فَبَصَقَ فِى عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ فَقَالَ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا. فَقَالَ «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِىَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ». أطرافه ٢٩٤٢، ٣٧٠١، ٤٢١٠ - تحفة ٤٧٧٧
٣٠٠٩ - قوله: (فَقَال: أقاتِلهم حتى يكونوا مِثْلَنا) ... الخ، وحاصله أنَّ علينا استأذَن النبيِّ ﷺ في المقاتلة حتى يُقِرُّوا بالإِسلام عند أنفسهم. فكأنه فَهِم أن ليس لهم مِنَّا إلا السَّيْفُ، فَعَلَّمه النبيُّ ﷺ سُنَةَ القتالِ. وأخبره أَنَّ أَوَّل الأَمْرِ الدعوةُ إلى الإِسلام، والسَّيفُ آخِرُ الحِيل، وذلك: لأن يهدي اللهُ ربك رجلا واحدًا خيرٌ لك حُمْرِ النَّعَم».
١٤٤ - باب الأُسَارَى فِى السَّلَاسِلِ
٣٠١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِى السَّلَاسِلِ». طرفه ٤٥٥٧ - تحفة ١٤٣٩٤
وترجم المصنِّف بلفظ الحديث، ولا يخالقه قوُله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] لأنه ليس معناه على ما يَفْهَمُ العوامُّ، أنه ليس في الدِّين إكراهٌ أَصْلا، بل المرادُ أن لا الإِكرَاه في الدِّين لما كان إكْرَاهًا على الخير المَحْض، فكان أَلْيقَ أن لا يُسمَّى بالإِكراه، ومَنْ يفهمه إكْراهًا فقد سَفِه نَفْسه.
٣٠١٠ - قوله: (عَجِبَ اللهُ مِن قومٍ يدخُلُون الجنَّةَ في السَّلاسِل). واعلم أن التعجب، والضحك، وأمثالهما ما يستحيلُ تحقّقه في حضرته تعالى؛ والمرادُ منها أن هذا الشيء مما
стр. 1907
يُتعجَّب عليه، ومما يُضْحك عليه، فاستعمل التعجُّب والضحك مع الإسناد إلى الله تعالى في أشياء كانت من شأنها أن يتعجب عليه، ممَّنْ يأتي منه التعجبُ، ففيه بيانُ لمادةِ التعجب، أي إن تلك مادةٌ يتحقق فيها التعجبُ، وإنْ لم يتحقق فيه لخصوصه الفاعل، وهو الله تعالى؛ ومن هذا الباب قولُه تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] فإِنه تعسر عليهم أيضًا، لأن الله تعالى لا يحجُزُه شأنٌ عن شأن: قلت: هو كذلك، لكنه إذا ظهر شؤونه في الكون يجيى التناوب والترتب لا محالة.
قالحاصل أن الله تعالى، وأن كان لا يَشْغَله شأنٌ عن شأنٍ، لكن ذلك صِفَته، أما في الخارج فلا مناص عن خروجها إلى بُقْعة الوجود إلا متعاقبة مترتبة؛ فجاءت العبارةُ المذكورة بالنَّظر إلى وجودِها وترتبها في الخارج. والمعنى أن الله تعالى يحاسِبُهم يومَ الحَشْر، ولما كان الحسابُ فيه مُؤخِرًا عن بعض ما في الحَشْر، عبر عنه بالفراغ، وإلا فاللهُ سبحانه لا يحتاج إلى فراغ للحساب، فإِنَّ الله سبحانه لا يَشْغَلُه شيءٌ.
١٤٥ - باب فَضْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ
٣٠١١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَىٍّ أَبُو حَسَنٍ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ يَقُولُ حَدَّثَنِى أَبُو بُرْدَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِى كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِىِّ ﷺ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْدُ الَّذِى يُؤَدِّى حَقَّ اللَّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ لَهُ أَجْرَانِ».
ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِىُّ وَأَعْطَيْتُكَهَا بِغَيْرِ شَىْءٍ وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِى أَهْوَنَ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ. أطرافه ٩٧، ٢٥٤٤، ٢٥٤٧، ٢٥٥١، ٣٤٤٦، ٥٠٨٣ - تحفة ٩١٠٧ - ٧٤/ ٤
وقد قصره بعضُهم على النصارى فقط، لأن اليهود لم يؤمنوا [به] وأنكروه. وقد مر معنا في العلم أن الحديثَ مقتبسٌ من الآية، وقد نزلت في حقِّ عبد الله ابنِ سَلام بالاتفاق، وكان يهوديًا؛ فإِذن أن يَعُمَّ الحديثُ للقبيلتين أيضًا عمومَ الآيةِ لهما.
١٤٦ - باب أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ الْوِلْدَانُ وَالذَّرَارِيُّ
﴿بَيَاتًا﴾ [الأعراف: ٤]: لَيْلاً ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل: ٤٩]: لَيْلاً، ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]: لَيْلاً.
٣٠١٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ - رضى الله عنهم - قَالَ مَرَّ بِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِالأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ «هُمْ مِنْهُمْ». وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «لَا حِمَى إِلَاّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ ». تحفة ٤٩٣٩، ٤٩٤١
стр. 1908
٣٠١٣ - وَعَنِ الزُّهْرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا الصَّعْبُ فِى الذَّرَارِىِّ كَانَ عَمْرٌو يُحَدِّثُنَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ فَسَمِعْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ قَالَ «هُمْ مِنْهُمْ» وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ عَمْرٌو «هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ». طرفه ٢٣٧٠ - تحفة ٤٩٣٩
وفي الفِقْه أنه ينوي المقاتلةَ، ثُم يُقتل كائنًا مَنْ كان، وإلا فَقَتْل النسوان والصبيان قَصْدًا ممنوعٌ، وهذا باب آخَرُ ظهر في الفِقْه، فإِنَّ الشيء قد يكون ممنوعًا في نَفْسه، ثُم يجوزُ بحسب اختلافِ النية، كما رأيت في مسألة التبييت، وكذا إنْ تَتَرَّس الكفارُ بالمسلمين. فالحكمُ فيهم أن نرميهم، وتنوي الكُفّارِ، لأنه إمَّا أن نَكُفَّ عن القتال فننهزم؛ أو نقاتل فنقتل المسلمين أيضًا. فلا مناصَ إلا بإِحدى البَلَّتَين، فاخترنا أَهْونَهما، ونوينا الكفارَ، لئلا يلزم قَتْلُ المسلمين قَصْدًا (١).
٣٠١٣ - قوله: (هم مِن آبائِهم) وهذا لا يناقِضُ ما مَهَّدنا من قبل من التوقُّف في ذَرَاري المشركين، لأن هذا الحديث واردٌ في أحكام الدنيا، أي في إباحة قتلهم، لا في حُكْم الآخرة، أي النجاة والعقاب، فإِنَّه ورد في حديثٌ: «الله أعلمُ بما كانو عاملين». وكذا لا تناقُضَ بين النَّهي عن قَتْلهم، وبين إباحته، فإِنَّ الأَوَّل إذا كان قَصْدًا؛ والثاني في التبييت (٢).
١٤٧ - باب قَتْلِ الصِّبْيَانِ فِى الْحَرْبِ
٣٠١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ - رضى الله عنه - أَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِى بَعْضِ مَغَازِى النَّبِىِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. طرفه ٣٠١٥ - تحفة ٨٢٦٨
١٤٨ - باب قَتْلِ النِّسَاءِ فِى الْحَرْبِ
٣٠١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قُلْتُ لأَبِى أُسَامَةَ حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِى بَعْضِ مَغَازِى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. طرفه ٣٠١٤ - تحفة ٧٨٣٠
стр. 1909
٣٠١٥ - قوله: (وُجِدت امرأةٌ مقتولةٌ) ... الخ، وفي بعض الروايات: «ما كانت هذه لتقاتل» والاعتدلُ بهذه المثابةِ في المُنشَّط والمكره في الرضى والغضب، مما لا يمكن إلا من عصائب الأنبياء ﵈ فسبحان الذي خلق الملائكة في جسمان الإِنس وسبحانه.
١٤٩ - باب لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ
٣٠١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى بَعْثٍ فَقَالَ «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ «إِنِّى أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَاّ اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا». طرفه ٢٩٥٤ - تحفة ١٣٤٨١ - ٧٥/ ٤
٣٠١٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيًّا - رضى الله عنه - حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ، لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ». وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». طرفه ٦٩٢٢ - تحفة ٥٩٨٧
٣٠١٧ - قوله: (إنَّ عَلِيًا حَرَّقَ قَوْمًا) ... الخ، وكان رأسهم عبد الله بن سَبأ، وكان يهوديًا في الأصل. وفي «الفتح» عن «التميهد» أنه حَرَّق نَعْشَهم. قلت: غير أنه يحتاج إلى النَّظر في كلام العرب، أنَّ تحريقَ القوم هل يستعمل في تحريق النعوش أيضًا، كما قلت في حديث التشديد في أَمْر الجماعة: إن قوله: «لا حرِّقَ على الناس بيوتَهم» محاورةٌ لا يَسْتدعي كونَهم في البيوت عند التحريق أيضًا، بل تأتي في تحريق بيوتِ النَّاس أيضًا، وإن لم يكونوا فيه. فلو ثبت لَتَّم ما ذكره أبو عمر، وسيجيء عند البخاري. وفي قصَّةَ حَرْقِ نبيَ قريةَ النمل: «أَنْ قَرَصَتْك نملةٌ أَحْرَقْتَ أُمةً من الأمم تُسبِّح الله»، وهذا لا يدلُّ على عدم جواز التحريق، بل يدل على جواز إحراق (١) التي قَرَصت، وقد تكلَّمنا عليه في باب «التوديع عند السفر».
١٥٠ - باب ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]
فِيهِ حَدِيثُ ثُمَامَةَ، وَقَوْلُهُ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٧].
- قوله: (﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ؛ وَإِمَّا فِدَآء﴾) (محمد: ٤) أي إذا غَلَبْتُم عليهم وأَسَرْتموهم، فأنتم حينئذٍ بين خيرتين، وفي الفِقْه أَنَّ للإِسلام الاسترقاق، أو القَتْلَ، أو الفِدَاء (٢) بالمال؛ فهو بين ثلاثة
стр. 1910
خيارات، أما الفِداء بالأُسارى والمَنّ، فليس له ذلك، فحملوا الآية على النَّسْخ (١)، كما في «الدر المختار». قلت: كيف وقد روى محمدٌ جوازَهما على رَأي الإِمام. فَهُما مشروعانِ بعد، إلا أنهما موقوفانِ، على رأي الإِمام، فإِنْ رأى فيهما مصلحةً فَعَل، وإلا لا، اللهم إلا أن يُقال: إنَّ إطلاقَ النَّسْخ فيه عُرْفُ المتقدِمين. وقد مرَّ معنى النَّسْخ عندهم. والنَّسْخ عند الصحاوي أَوْسعُ مما عندهم، كما عَلِمت مرارًا، فإِنَّه يطلق على كلِّ أَمْر، قَلَّ فيه العملُ أيضًا، وإن بقي مشروعًا، فمعنى قوله في بعض المواضع: إنَّ هذا نَسَخَةُ هذا، أي اشتهر به العمل، وخفي، وقلَّ بمقابلة، وبهذا المعنى أُطلق النَّسْخ على رَفْع اليدين، يعني ثم صار التَّرْك مشهورًا بالعمل بالنسبة إلى الرَّفْع، وإتن الرَّفع ثابتًا في عهد النبوة، والحافظ لما لم يُدْرِك مرادَه اعترض عليه (٢).
قلت: وقد مرَّ معنا أن لا حُجةَ في الشيوع والكثرةِ بعد عهد النبيِّ ﷺ فإِنَّ العبرةَ بما كان في عهد صاحب النبوة، لأنه ظهرت في المبالغات فيما بعد. وقد تكلمنا عليه مبسوطًا فيما مرَّ، وذكرنا ما فيه من أعدل الأقوال عندنا.
١٥١ - باب هَلْ لِلأَسِيرِ أَنْ يَقْتُلَ وَيَخْدَعَ الَّذِينَ أَسَرُوهُ حَتَّى يَنْجُوَ مِنَ الْكَفَرَةِ
فِيهِ الْمِسْوَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قال الحنفية: إنَّ الأسيرَ ليس بِمُعاهد، فله الغَدْر بكلِ نَوْع، ولا تكون له أحكامُ المعاهد، إلا أنه لا يحل له ما يتعلق بَهَتْك حُرمةِ النِّساء، وأمور العفَّة، فإِنَّها معصيةٌ مطلقًا. وبلغنا عن الشاه إسحاق قُدِّس سِرُّه من مُحدِّثي - دلهي - أنه كان يقول: إنَّ أهلَ الهند كالأُسارى في أيدي السَّلْطنَة، وليست لهم معاهدةٌ.
قلت: والذي تحقق عندي أنَّ أهل الهند وإنْ لم يعاهدوهم حقيقةً، غير أن المعاهدةَ قامت بينم وبين السَّلطنة عملا؛ فإِنَّ رَفْع الدَّعوْى إلى المحكمة والاستغاثة بهم، والاستعانة منهم في فَصْل الأقضية في الأموال والأنفس، والرجوعِ في كلِّ ما يُرْجع فيه إلى الحُكَّامِ معاهدةٌ حُكْمًا، وإن لم يكتبه أحدٌ من الفقهاء؛ وحينئذٍ تَنْقل التفاريع، ولا تكون لنا أحكام الأَسْرى، إلا أن تلك المعاهدةَ كانت قائمةً في الماضي في حق الأموال والأنفس جميعًا، وأما الآن فقد نبذنا إليهم حَقِّ الأَنفس على سواء، وهي باقية في الأموال بعد، فلا يجوزُ أَخْذُ أموالهم سرقةً، نعم إن أخذناها منهم عِوضًا عما لنا عليهم من الحقوق جاز، إلا أن أمثال تلك الأمور
стр. 1911
دناءةٌ، ولا نعطي الدنية في دِيننا، فإِنَّ القَتْلَ يُعدُّ جرأةً وشجاعةً، بخلاف السَّرِقة، والانتهاب، فإِنَّه يُعد لُؤمًا؛ نعم لو نبذنا إليهم في حقَ الأموال أيضًا لارتفع عن الأموال أيضًا، إلا أنه ينبغي أن يكون على سواء، ليكون وفاءً لا عَذْرًا.
وفي حديث «أن كافرًا أمن، واعتمد على مسلم بدون معاهدة وموادعةِ بينهما، لا ينبغي للمُسْلم (١) أن يقتله». ولما غَلِط الناسُ في لفظ «أمن». وزعموه صيغةَ ماضٍ من الإِيمان. أشكل عليهم مبرادُه، والصواب ما قلنا: إنه مِن الأَمْن، وقد استُفْتيت مرةً في كشمير أن مِلكَهم قد حبس الناس عن الصحراء، وجعلها حِمىً لنفسه، فهل يجوزُ للمسلمين أن يأخذوا منها الخشب لبناء المسجد؟ فأجبت عنه أنه إنْ فَعَلَه أحدٌ، وبنى مسجدًا جاز، لأن خشب الصحراء مباحُ الأصل، والحبس عنه غَصْب، فلا يفيد له مِلكًا، فلا يكون الأخَذْ سرقةَ، أو تملُّكًا لمال الغير، ولكنه من باب الإِحراز مما هو مباح الأصل؛ والمسألة فيه أنه يكون لِمن سبقت يده إليه، وما في الفِقْه أنَّ المِلْك يَحْصُل للكفار بعد الاستيلاء على أموال المسلمين، فذلك في أَوان الحرب، أما إذا وضعت الحربُ أوزارَها فلا، فإِنَّه حينئذٍ إلا غَصْبًا. فإِنَّ ما خلقه اللهُ مباحَ الأصل، ليس لأحدٍ أن يمنع عنه خَلْقَ اللهِ، فأدرك الفَرْقَ بين المسألتين، ولا تخبط خَبْطَ عشواء. ولا تُمار بعد ما تبين ثورٌ من حِرًا.
١٥٢ - باب إِذَا حَرَّقَ الْمُشْرِكُ الْمُسْلِمَ هَلْ يُحَرَّقُ
٣٠١٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْغِنَا رِسْلًا. قَالَ «مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَاّ أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ». فَانْطَلَقُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِىَ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، فَأَتَى الصَّرِيخُ النَّبِىَّ ﷺ ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِىَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا، وَطَرَحَهُمْ بِالْحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ قَتَلُوا وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ وَسَعَوْا فِى الأَرْضِ فَسَادًا. أطرافه ٢٣٣، ١٥٠١، ٤١٩٢، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٥٦٨٥، ٥٦٨٦، ٥٧٢٧، ٦٨٠٢، ٦٨٠٣، ٦٨٠٤، ٦٨٠٥، ٦٨٩٩ - تحفة ٩٤٥
١٥٣ - باب
٣٠١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «هَلَكَ كِسْرَى ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَقَيْصَرٌ لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ، وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ». أطرافه ٣١٢٠، ٣٦١٨، ٦٦٣٠ - تحفة ١٤٧٠١
٣٠٢٨ - وَسَمَّى الْحَرْبَ خُدْعَةً. طرفه ٣٠٢٩ - تحفة ١٤٧٢٧
٣٠٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَصْرَمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ سَمَّى النَّبِىُّ ﷺ الْحَرْبَ خُدْعَةً. طرفه ٣٠٢٨ - تحفة ١٤٦٧٦
٣٠٣٠ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ». تحفة ٢٥٢٣ - ٧٨/ ٤
والأبلغ فيه أن يكونَ صيغةَ مبالغة من اسم الفاعل. والمرادُ أَنَّ الحربَ لا تُدْرى عاقِبتُها، ولا يَتأَتَّى فيها الاعتمادُ على الأسباب، فإِنَّه قد تبدو النُّصرةُ في أَوَّل الأَمْر، ثُم تنقلِبُ هزيمةً، وقد تنعكس. وقيل: معناه جوازُ الخِداع، أي التدبير الخفي، والخداع عملا، فإِنَّه يجوزُ في الحرب. أما الخِداعُ اللساني، والكذب، والغدر، فلا يجوزُ بحالٍ (١) لا في أوان الحرب ولا في غيرها.
٣٠٢٧ - قوله: (هَلَك كِسْرى، ثُم لا يكونُ كِسْرى بَعْدَه) (٢) وقد مَرَّ أنه لَقَبُ ملك فارس،
стр. 1915
كما أن قَيْصر لَقَبُ ملك الروم، والنجاشي مَلِك الحبشة والخاقان مَلِكَ التُّرْك، وفرعون ملك القِبْط، وتُبَّع ملك اليمن، والعزيز ملك مِصْر، والقيل ملك حِمْير. ثم إنه كان كما أخبر به النبيُّ ﷺ فلم يبق من اسمه، ولا رسمه.
٣٠٢٧ - قوله: (وقَيْصَرٌ لَيَهْلِكَنَّ، ثُم لا يكونُ قَيْصَرُ بعده) قلت: أما قيصرُ الشام فقد هَلَكَ، وانمحت آثارُه، فلم يبق له راثٍ، ولا باكٍ. أما بقاء الإِيطالية الذي يقال له: الرومُ، فإِنه خارجٌ عن نظرِه، فإِنه أخبر من هلاكه حيث كان في زمانه، وهو الشام، ولم تَقُم له سلطنةٌ فيه إلى اليوم. وإنما قلنا: إنَّ المرادَ هلاكُه عن موضع مخصوصٍ، لا عن وَجْه الأرض، لما دلت عليه الروياتُ ففي «الخصائص»: الفارس النطحة، والنطحتين؛ وأما الروم فذوات قُرون. اهـ. فدلَّ على بقائه في الجملة. وكذا ما أخرجه في «الفتح» أن التنوخي رسولُ هِرَقل. جاء النبيَّ ﷺ السنة التاسعة في تبوك، ولم يكن أسلم يومئذ، ثُم أسلم. وحديثه في «مسند» أحمد. فقال له النبيُّ ﷺ «إني أرسلت كتابًا إلى هِرَقْل، فإِنَّ نجا»، ثم نقل أنه وضع كتاب النبيِّ ﷺ في أنبوبة من ذهب، فكانت سلطنته في الروم، تصديقًا لما أخبر به النبيُّ ﷺ .
والحاصل أن المرادَ من هلال قيصر، ليس عن وَجْه الأرض، بل عن الوضع الذي كان فيه بعهده ﷺ مع الإِخبار ببقائه في الجملة، ولذا حملنا النهي على التخصيص.
١٥٨ - باب الْكَذِبِ فِى الْحَرْبِ
٣٠٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «نَعَمْ». قَالَ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ هَذَا - يَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، قَالَ وَأَيْضًا وَاللَّهِ قَالَ فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ قَالَ فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ. أطرافه ٢٥١٠، ٣٠٣٢، ٤٠٣٧ - تحفة ٢٥٢٤
والمرادُ به عندنا التوريةُ.
قِبل ابنه. وأما الكفار فلم يكونوا يذكرون لهم إلا كُنية واحدة، فانهم أَحَقُر من أن تُذكر كُناهم، وإنما كانوا يكتفون بِذْكر إحدى كُنيتهم.
قوله: (وبرأ النَّسمة) قد تكلمنا على هذا اللفظ مرتين، ولا بأس أن نعودَ إليه ثالثًا، فاعلم أن النَّسمة ترجمته "جان" وفي تعريفات الأشياء لابن سيناء أن النفس الحيوانيةُ يقال لها: "روان"، والنفس الناطقة يقال لها: "جان".
قلت: وقال الشاه وليُّ الله: إنَّها الروح الهوائي، وليس بصحيح عندي. ثُم الروح الهوائي هي البخارات المملوءة في الشرايين، وهي مركب للحياة، وما أدركنما مرادَ النَّسمة إلا من حديث أخرجه مالِك في «موطئه»: «إنما نسمةُ المؤمنِ طَيْرٌ يعلق في شجرة الجنة حتى يرجع». فالروحُ أَمْرٌ مستقِرٌ عند الشرع، مصونٌ عن التغير والتطور، فلا تتطور، ولا تتبدل في ذاتها من صورةٍ إلى صورة، ولا تنتقل من شَكْل إلى شَكْل، ولا تُسند إليها الأَفْعالُ المادية؛ يخلاف النَّسمة، نعم تُنْسب إليها النَّفْخُ والقبض، ولكنها ليسا من الأفعال المادية.
ثُم تلك الروحُ تلبس لباسًا فيسنُد إليها من لأفعال المادية أيضًا، كالأَكْل، والشُّرْب، فلعلَّ التسمةَ من أحوالِ الأرواح، في وقت مخصوص. أما الروحُ، فهي أَمْرٌ مستقر. وإذن الفَرْق بين الروح والنَّسمة مِن قِبَل الأفعال، ولذا لم نجد في الأحاديث إسنادُ الأفعال الماديةِ إلى الروح، ومهما وجدناه وَجَدْناه بلفظ النَّسمة، فدلَّ على تغاير بينهما. وعند الترمذي في باب فضائل الشهيد: «في جوف طير». على خلاف لفظ «الموطأ» ففيه: «طير»، وقد مَرَّ أنه على لفظ «الموطأ» تَمَثُّلا، وتطورًا للروح، أي ظهورًا، بخلافه على لفظ الترمذي، وكذا عند لَفْظ الأرواح». مكان النَّسمة، فراعه.
١٧١ - باب فَكَاكِ الأَسِيرِ
فِيهِ عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٣٠٤٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فُكُّوا الْعَانِىَ - يَعْنِى الأَسِيرَ - وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ». أطرافه ٥١٧٤، ٥٣٧٣، ٥٦٤٩، ٧١٧٣ - تحفة ٩٠٠١ - ٨٤/ ٤
٣٠٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِى جُحَيْفَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قُلْتُ لِعَلِىٍّ - رضى الله عنه هَلْ عِنْدَكُمْ شَىْءٌ مِنَ الْوَحْىِ إِلَاّ مَا فِى كِتَابِ اللَّهِ قَالَ وَالَّذِى فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلاً فِى الْقُرْآنِ، وَمَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ وَمَا فِى الصَّحِيفَةِ قَالَ الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. أطرافه ١١١، ١٨٧٠، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣، ٦٩١٥، ٧٣٠٠ - تحفة ١٠٣١١
وقد مرَّ أن استبدال الأُسراء جائزٌ عندنا أيضًا، لكنه موكولُ إلى رأى الإِمام، ولم يتعرض إليه أصحابُ المتون، وقد ذكروه في المبسوطات.
стр. 1922
١٧٢ - باب فِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ
٣٠٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ. فَقَالَ «لَا تَدَعُونَ مِنْهَا دِرْهَمًا». طرفاه ٢٥٣٧، ٤٠١٨ - تحفة ١٥٥١
٣٠٤٩ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَجَاءَهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِى فَإِنِّى فَادَيْتُ نَفْسِى، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا. فَقَالَ «خُذْ». فَأَعْطَاهُ فِى ثَوْبِهِ. طرفاه ٤٢١، ٣١٦٥ - تحفة ٩٨٩
٣٠٥٠ - حَدَّثَنِى مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ جَاءَ فِى أُسَارَى بَدْرٍ - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقْرَأُ فِى الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. أطرافه ٧٦٥، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤ - تحفة ٣١٨٩
وقد مرَّ عن محمد أنه جائز.
٣٠٥٠ - قوله: (عن مُحمد بن جُبير عن أبيه، وكان جاء في أُسَارَى بَدْر) ... الخ، وإنَّما كان كافرًا يومئذٍ.
١٧٣ - باب الْحَرْبِىِّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ
٣٠٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَى النَّبِىَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهْوَ فِى سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ». فَقَتَلَهُ فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ. تحفة ٤٥١٤
لا بأس بقتله.
١٧٤ - باب يُقَاتَلُ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يُسْتَرَقُّونَ
٣٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عُمَرَ - رضى الله عنه - قَالَ وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَاّ طَاقَتَهُمْ. أطرافه ١٣٩٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧ - تحفة ١٠٦١٨، ١٠٦١٩
يعني أنا نحفَظُ أموالَهم، وأعراضَهم، ومَنْ يحارِبُهم نقاتِلْ دونهم.
واعلم أن بَعْضَ مَنْ لا دينَ لهم، ولا عَقْل، ولا شيء زعموا أنَّ الجِزيةَ ظُلْمٌ، هيهات هيات؛ وهل عَلِموا قَدْر الجِزْية؟ هو دِرْهمٌ على فقرائهم، وأربعةُ دراهِمَ على أغنياتهم، وليس على نسوانهم وصبيانهمم شيءٌ، ثم هل عَلِموا قَدْرَ ما يُؤخذ من المسلمين، فهو أضعافُ ذلك، يؤخذ منهم العُشرُ، والزكاةُ، والصدقاتُ، والجباياتُ الأخرى، بخلاف أهل الذِّمة، ثُم هل
стр. 1923
علموا أن ما نأخذُه منهم نكافئهم بأضعافه، نجعلُ دماءهم كدمائنا، وأعراضَهم كأعراضنا، نحفظ أموالهم، ونناضِلُ أعداءهم. فلو وازيت ما يُؤخذ من المسلمين بما يُؤخذ منهم، لعَلِمت أن المأخوذَ من أهل الذمة أقلُ قليل، مما نأخذُ من المسلمين. فَمَنْ ظنَّ أن الجزية ظُلْم، فقد سَفِه نفسه.
قوله: (ولا يُسْتَرَقُّون) أي إذا عقدوا عَقْدَ الذِّمة، فلا يُسْتَرَقُّون بعده.
١٧٥ - باب جَوَائِزِ الْوَفْدِ
١٧٦ - باب هَلْ يُسْتَشْفَعُ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُعَامَلَتِهِمْ
٣٠٥٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّهُ قَالَ يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ فَقَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَقَالَ «ائْتُونِى بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا». فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِى عِنْدَ نَبِىٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ «دَعُونِى فَالَّذِى أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِى إِلَيْهِ». وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ». وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَأَلْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. فَقَالَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ وَالْعَرْجُ أَوَّلُ تِهَامَةَ. أطرافه ١١٤، ٣١٦٨، ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦ - تحفة ٥٥١٧ - ٨٥/ ٤
وقد كَثُرت إلى حضرةِ الرسالة في السَّنة التاسعة، ولذا سميت بعام الوُفود.
٣٠٥٣ - قوله: (أَخْرِجُوا المشرِكين مِن جزيرة العرب) واعلم أنَّ أصحابَ الجغرافية اختلفوا في تحديد (١) جزيرة العرب من الجانب الشمالي اختلافًا، وقد مرَّ معنا وَجْهه في كتاب الصلاة؛ أما مُكْث المُشْرِك في جزيرة العرب، فكما في الحديث.
١٧٧ - باب التَّجَمُّلِ لِلْوُفُودِ
٣٠٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِى السُّوقِ فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ الْحُلَّةَ فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوُفُودِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، أَوْ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ
٣٠٥٥ - قوله: (قال ابنُ صَيَّادٍ للنبيِّ ﷺ أَتَشْهدُ أَنِّي رسولُ الله) ... الخ، واعلم أَنَّها كلمةُ كُفْرٍ، وإنما لم يقتله النبيُّ ﷺ كلونه غلامًا لم يحتلم إذ ذاك، وكان من أهل الذمة؛ ولأنه مشى في حَقِّه على التقدير، فقال لعمرَ: إنْ يكن هو فلست صاحبه، وإنما يَقْتُلُه عيسى ﵊، كما قال لرجل، اعترض على قسمة النبي ﷺ هذه قِسْمةٌ لم يُرد بها وَجْهُ الله، فقال له النبيُّ ﷺ «دعُوه، ولعلَّه يخرج من ضِئضِيء، هذا قومٌ» ... الخ، فهذا أيضًا مشى على التقدير، وليس ذلك إلا للأنبياء ﵈، وأما نحنُ فليس لنا إلا العملُ بالتشريع، لا المراعاةُ بالتكوين، فإِنَّ النبيَّ إذا أخبر بنفسِه بتكوين لا يليقُ به إعدامُ أسبابِه من نفسه، فهذا شأنُه فقط، دون سائر الناس، وقد قررناه مِن قَبْل.
قوله: (قال ابنُ صَيَّاد وهو الدُّخُّ)، قد بينا وَجْهه فيما مرّ، وقال الشيخ الأكبر، وهو أعلمُ الرجال في هذا الموضوع: إن السالكين كما يَرَوْن نُورًا، وكذلك لأشقياءُ يرون ظُلمةً متشابِهةً بالدُّخان، وهي التي كان يراها ابنُ صَيَّاد.
٣٠٥٧ - قوله: (قال ابن عمر: ثُم قام النبيُّ ﷺ في النَّاس، ........ ثُم ذَكَر الدَّجَّال .... ، ولكنْ سأقولُ لكم فيه قولا لم يَقْله نبيُّ لقَوْمه) ... الخ، وخطبة النبيِّ ﷺ هذه إنما هي في المكان الذي ذهب منه لتفتيش أمر ابن صَيَّاد، فلما انصرف إليه خطب فيه. وهذه الخُطبةُ ليست بمذكورةٍ في عامة سياقه، فَلْيُعتن بها ههنا، لأنها دليل على أن النبيِّ ﷺ كان يَعْرِف أَمْرَه، لا كما زعم هذا الشَّقيُّ لَعينُ القاديان أن النبيِّ ﷺ لم يُعْط له عِلْم الدجَّال، كما هو، ثُم جعل يَهْذي أنه قد أعطى ذلك هو، فازداد كُفْرًا قاتلة اللهُ، ولعنه لَعْنًا كبيرًا؛ أو ما دَرَى أن النبيَّ ﷺ قد بلغ قد عِلْمه مبلغًا (١) لم يَبْلُغْه نبيُّ، فأَعْلَمهم بعلامةٍ لم يُخْبر بها أَحَدُّ مِنقبله، ثُم لا تَسْكُن نَفْس هذا الشَّقي إلا بنسبةِ عَدمِ العلم إلى النبيِّ ﷺ والعياذ بالله، وكأنه في ضِمْن ذلك يَدَّعي فضيلته عليه، لما يدعى أنه أعطى من الغيب ما لم يُعطه النبيُّ ﷺ والعياذ بالله.
١٧٩ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْيَهُودِ: «أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا»
قَالَهُ الْمَقْبُرِىُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قلنا: هَبّ؟، هاتِ ما عندك من العلم، وما أَوْحى إليك شيطانُك في أَمره، فجعل الوَقِح الكذوب يقول: إنَّ الدجَّال هو الإنكليزُ، اخسًا، فلن تعدو قَدْرَك، هذا عِلْمُك الذي كنت تَدَّعي به، فوالله ما إنك إلا دجَّالُ من الدجاجلة، وقد تعلم ذلك، فإِنَّ الرجل أَعْلَم بِوَسْم قدحه، فلذا قلت ما قلت، نعم عرفت الدجَّال، وقد عرفناك. ثُم ما بالُ هذا المسيح الذي نزل لِقَتْل الدجَّال، إنه حَفِظه دجالُه من قَتْل الناس إياه، ولولا ذلك الدجالُ لَقُتِل، فوالله ما أنت إلا شَرُّ مسيح،
стр. 1926
ودجالُك خيرُ دجَّال، حيث حَفِظلك من الناس، ثُم ما كان لأحد في قتله حاجة، إلا أنه كان جبانًا، يَحْسَب كُلَّ صيحةٍ عليه، ويستظل بِظِلِّ دجَّاله؛ فَسُبحانَ اللهِ من مسيحٍ مات ولم يَقْتَرِف من دُنياه لعُقباه، إلا نارُ الأنيار، وسبحانَ من دجالٍ ردَّ على نفسه كَيْدَ مِسيحه، وبقي حيًا بعده، يتقوَّى أَمْرُه يومًا فيومًا؛ والله ما كان ربُّنا لِينزل مسيحًا، يهزًا منه دجَّالُه، ولكنه إذا نزل حَقًّا يذوبُ منه عدوُّ الله، كلملح، فَيَقْتُله، ولو تركه لانذاب، هذا مسيُحنا، ينتظرُ ﵊.
فائدة:
واعلم أنَّ الحديث لم يُجْمع إلا قطعةً قطعة، فتكون قطعةٌ منه عند واحد، وقطعة أخرى عند واحد، فليجمع طُرْفة، وليعمل بالقَدْر المشترك، ولا يجعل كلُّ قطعة منه حديثًا مستقِلا فهذه داعيةٌ، وأخرى فوقها أوهام الرواة في باب الروايات؛ فصارت تلك ضغثًا على إبالة، وقد وقعت في الصحيحين أيضًا؛ وإنْ كان يَعرِفها أصحاب الفن، فلا ينبغي أن يُعامل معه معاملةَ القرآن الذي هو محفوظٌ في الصُّدور، مصونٌ عن الظنون؛ ألا ترى أنه أخبر بِهَلاكَ قَيْصر، وأخبر ببقائهِ في الجملة أيضًا، فيجمعان، ويؤخذُ المرادُ منهما، وليس الاقتصارُ على أحدهما، وتركُ الآخَر من العمل في شيء، وهكذا الاستدلالُ من الحديث على عَدَمِ عِلم النبيِّ ﷺ بحقيقةِ الدجَّال جَهْلٌ: فإِنَّ تلك الخطبةَ إذا وُجِدت في هذا الطريق، فَلْيُراعِها في جميعها، وإن لم يذكرها الراوي، فإِنَّه يُحْمل على اقتصاره، ولذك غَيرُ قليلٍ منه.
١٨٠ - باب إِذَا أَسْلَمَ قَوْمٌ فِى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَهُمْ مَالٌ وَأَرَضُونَ، فَهْىَ لَهُمْ (١)
٣٠٥٨ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِى حَجَّتِهِ. قَالَ «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا». ثُمَّ قَالَ نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِى كِنَانَةَ الْمُحَصَّبِ، حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ». وَذَلِكَ أَنَّ بَنِى كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِى هَاشِمٍ أَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يُئْوُوهُمْ. قَالَ الزُّهْرِىُّ وَالْخَيْفُ الْوَادِى. أطرافه ١٥٨٨، ٤٢٨٢، ٦٧٦٤ - تحفة ١١٤ - ٨٧/ ٤
стр. 1927
٣٠٥٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ يَا هُنَىُّ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ، وَإِيَّاىَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ، وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِى بِبَنِيهِ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لَا أَبَا لَكَ فَالْمَاءُ وَالْكَلأُ أَيْسَرُ عَلَىَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَايْمُ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنِّى قَدْ ظَلَمْتُهُمْ، إِنَّهَا لَبِلَادُهُمْ فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِى الإِسْلَامِ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِى أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا. تحفة ١٠٣٩٥
أي إذا أسلم قومٌ طوعًا بدون جهاد وقتالٍ في دار الحَرْب، ثُم ظهر المسلمون على تلك الدار، فانهم يستقرُّون على أملاكِهم في الأراضي وغيرِها، عند الشافعيِّ؛ وعندنا يستقرُّون على أملاكِهم في المنقولات، دون الأراضي، فإِنها تَتْبع الدارَ، وقصيرُ مِلْكًا للغانمين؛ بخلاف المنقولات، فإِنها تابعةٌ للمالكين، فَتَبْقى معصومةً، والمصنِّف لم يأتِ فيه بحديث صريح؛ فهو عند أبي داود؛ «يا صَخْرُ: إنَّ القومَ إذا أسلموا أَحْرزُوا أموالَهم ودماءهم»؛ ولا بدَّ له من جوابَ، وقد تعرَّض إليه ابنُ الهُمام، فلم يأت بما يشفي الصدور. فاعلم أنَّ خِطَّته إذا أسلمت كُلُّها، فهي دار الإِسلام، ولعلَّ مسألةَ الحنفيةِ فيما إذا أسلم قومٌ من بينهم، وبقي الكُفْر فيمن حَوَلَهم، وَيَقْرُب مِن مذهب الحنفية مذهبُ مالك في «موطئه» (١)، وراجع «البحر»، فإنَّ فيه جزئياتٍ يستقيمُ عليها مذهبُ الحنفية أيضًا.
٣٠٥٨ - قوله: (خَيْف بني كِنَانة) احتج المصنف بالإِضافة إلى كنانة أن الأراضي كانت للمالكين، وهو ضعيف جدًا.
٣٠٥٩ - قوله: (قاتلوا عليها في الجاهلية، وأَسْلُموا عليها في الإِسلام) فيه دليلٌ على كَوْن تلك الأراضي مملوكةً لهم، وإذ لا يردَّ علينا، لأن المتباذر منه أنهم أسلموا كلُّهم، ومسألتنا فيما إذا أسلم قومٌ، وبقي الكُفْرُ من حولهم.